أول من نقش على النقود بسكة إسلامية:
قال جودت باشا: (إن المسلّم عند أهل العلم أن الذي أحدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج بأمر من عبد الملك حين كان واليا على العراق من قبله "٧٥ و٧٦" ولكن ظهر خلاف هذا عند الكشف الجديد في سنة ١٢٧٦ وذلك إن رجلا إيرانيا اسمه جواد أتى دار السعادة بسكة فضية عربية ضربت في البصرة سنة ٤٠ من الهجرة، والفقير رأيتها بين المسكوكات القديمة عند صبحي بك أفندي، مكتوب على أحد وجهها بالخط الكوفي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) ﴾ [الإخلاص١: ٤] . وفي دورتها محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وعلى الوجه الآخر"لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وفي دروتها "ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة ٤٠) (١) .
وقال السيد محسن الأمين العاملي: تحت عنوان (أول من أمر بضرب السكة الإسلامية) : (ذكر الفاضل المتتبع الشيخ حيدر قلي خان بن نور محمد خان الكابلي في رسالته "غاية التعديل في الأوزان والمكاييل" وأخبرني به من لفظه بمنزله يوم السبت العشرين من المحرم سنة ١٣٥٣. وكان يجيد اللغة الإنكليزية قال: رأيت في دائرة المعارف البريطانية ص٩٠٤ عند الكلام على المسكوكات العربية ما تعريبه ملخصا (إن أول من ضرب السكة الإسلامية هو الخليفة علي بالبصرة سنة ٤٠ من الهجرة الموافقة لسنة ٦٦٠مسيحية ثم أكمل الأمر بعده عبد الملك الخليفة سنة ٧٦ من الهجرة الموافقة لسنة ٦٩٥ مسيحية) (٢) .
إذن فأول من أحدث السكة الإسلامية وأبطل النقوش الكسراوية والقيصرية هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، ولا غرو في أن يكون أول من تفطن لذلك فيمحو آثار الشرك وشعائر المجوسية والنصرانية عن المسكوكات الإسلامية فإنه أعلم الأمة بصلاحها وفسادها وأولى الناس بإقامة الأمت والعوج وسد الثلم وتعظيم شعائر الدين والإسلام ولكنه ضربها على الدراهم الفضية المحتاج إليها وجعل نقشها دائرا مدار الشهادتين – التوحيد ورسالة النبي الأعظم ﷺ وتاريخ ودار الضرب.
ثم ضرب بعد ذلك مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير دراهم أكثر نقوشها عربية بالخط الكوفي وعليها شعار الإسلام والتوحيد.
стр. 13967
قال المقريزي: (فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدورة ... وضرب أخوه مصعب بن الزبير دراهم بالعراق وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل وأعطاها الناس في العطاء حتى قدم الحجاج بن يوسف العراق من قبل عبد الملك بن مروان فقال: ما نبقي من سنة الفاسق أو المنافق شيئا، فغيرها) (١) .
وقال الدميري في حياة الحيوان الكبرى: وهو – أي عبد الملك بن مروان - أول من ضرب الدراهم والدنانير بسكة الإسلام وكان على الدنانير نقش بالرومية وعلى الدراهم نقش بالفارسية. قلت: ولهذا السبب. وهو إني رأيت في كتاب [المحاسن والمساوئ] (٢) للإمام إبراهيم بن محمد البيهقي ما نصه: قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مالا كثير قد شق عنه البدر شقا وأمر بتفريقه على خدمة الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله، وكان كثيرا ما يحدثه فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟
قلت: يا سيدي هو عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟
قلت: لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة، فقال: سأخبرك؛ كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وابنا وروحا، فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك بن مروان فتنبه له وكان فطنا، فبينما هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم للعربية ففعل ذلك فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما يعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله، والبلد يخرج منه هذه القراطيس تدور في الآفاق والبلاد وقد طرزت بسطر مثبت عليها، فأمر بالكتابة إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، وأن يأمر صناع القراطيس أن يطروزها بصورة التوحيد ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا﴾ وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل.
стр. 13968
فلما ثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم، وترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه واستشاط غيظا فكتب إلى عبد الملك: إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت وإن كنت قد أصبت فقد أخطؤوا فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك، وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية، وكانت عظيمة القدر، فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له ورد الهدية فانصرف بها إلى صاحبه فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها، ولم تجبني عن كتابي، فأضعفت الهدية وإني أرغب إليك إلى مثل ما رغبت فيه من رد الطراز إلى ما كان عليه أولا، فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية، فكتب إليه ملك الروم كتابا يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تستعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فضعفتها فجريت على سبيلك الأول وقد أضعفتها ثالثة وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لأمرن بنقش الدنانير والدراهم فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام فينقش عليها شتم نبيك، فإذا قرأته ارفضّ جبينك عرقا، فأحب أن تقبل هديتي وترد الطراز إلى ما كان عليه ويكون فعل ذلك هدية تودني بها ونبقى على الحال الأول بيني وبينك، فلما قرأ عبد الملك الكتاب صعب عليه الأمر وغلظ وضاقت به الأرض وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله ﷺ من شتم هذا الكافر ما يبقى عبر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب إذا كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به، فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه، فقال: ويحك من؟
стр. 13969
فقال: عليك بالباقر من أهل بيت النبي ﷺ قال: صدقت ولكنه أرتج عَلَيَّ الرأي فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى محمد بن علي بن الحسين مكرما، ومتعه بمئة ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأرح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي، فلما وافاه أخبره الخبر، فقال له محمد رحمه الله تعالى: لا يعظم هذا عليك فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما إن الله لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في رسول الله ﷺ ، والأخرى وجوب الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في هذه الساعة بصناع فيضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها صورة التوحيد وذكر رسول الله ﷺ في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني. وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعا أحدا وعشرين مثقالا فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبع مثاقيل، وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسراوية التي يقال لها اليوم البغلية، لأن رأس البغل ضربها لعمر ﵁ بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليه صورة الملك، وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية نوش خور: أي كل هنيئا، وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا، والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل، والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السمرية الخفاف والثقال ونقشها نقش فارس.
ففعل ذلك عبد الملك، وأمره محمد بن علي بن الحسين ﵁ أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، وأن يتقدم إلى الناس في التعامل وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل حتى تعاد إلى السكك الإسلامية، ففعل عبد الملك ذلك ورد رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول: إن الله مانعك مما قد أردت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وبكذا وبإبطال السكك والطروز الرومية، فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب، فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأني كنت قادرا عليه والمال وغيره برسوم الروم فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام وامتنع من الذي قال، وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين ﵁ إلى اليوم، ثم رمى يعني الرشيد إلى بعض الخدم (١) .
стр. 13970
٢- علة الثمنية الثابتة للدينار قديما ومدى اعتبارها في النقدين، الذهب والفضة، بعد انتشار الأوراق النقدية:
السؤال الذي يطرح نفسه بادئ الأمر بالنسبة لنقود اليوم هو أن الأوراق الاعتبارية هل تلحق – في باب الصرف – بالنقدين، الذهب والفضة أولا؟ وذلك من ناحتين.
أ- بلحاظ حرمة التفاضل.
ب- بلحاظ اشتراط القبض.
أما بالنسبة إلى حرمة التفاضل: فقد تعارف القول بحرمة أخذ الزيادة حتى في هذه الأوراق المالية المتعارفة اليوم، فلو اقترض أحد ألف دينار ملتزما بإرجاع ألف ومئتين مثلا بعد سنة كان ذلك ربا.
ولكن يمكن أن يقال فيما إذا لم تكن الزيادة أكثر من زيادة التضخم في الأسعار بجواز أخذ الزيادة وذلك بيان أن هذه الأوراق التي تعتبر مثلية فلا تلحظ في مثليتها شكل الورق مثلا بل تلحظ في مثليتها قوتها الشرائية، فإذا كان الألف والمئتان بعد سنة يساوي الألف لما قبل سنة في القوة الشرائية أو كان أقل من ذلك فلا زيادة في المقام وليس هناك ربا (١) .
وقبل الخوض في صميم الموضوع لا بد من التأمل في أنه هل يصح قياس الأوراق المالية المتداولة اليوم بالشيكات والسندات بدعوى أنها تحكي عن أرصدتها لدى الدولة أو لدى مصدرها وليست لها مالية مستقلة، أو لا يصح ذلك؟
وتوضيح ذلك: أن النقود والأوراق المالية – كما ألمحنا إلى مجمل تاريخها – مرت بأدوار:
الدور الأول: دور نيابتها عن أرصدتها من ذهب أو فضة محتفظ بها في خزانة مصدر الأوراق، تكون هي في الحقيقة ملكا لأصحاب الأوراق وليست هذه الأوراق إلا حاكية عن تلك الأرصدة.
وفي هذا الفرض لا ينبغي الإشكال في حرمة أخذ الزيادة لأنه ربا وقد ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] .
الدور الثاني: ما بدأ بعد أن أحس المصدرون للأوراق بأنهم غير مضطرين إلى الاحتفاظ بعين الأرصدة بمقدار الأوراق المصدرة، لأن أصحاب الأوراق سوف لن يطالبهم جميعا في وقت واحد بتسليم الرصيد فتبدل الاحتفاظ بالأرصدة إلى التعهد بدفع الرصيد لمن جاء بالورق إلى مصدر الأوراق.
стр. 13971
ويمكن تفسير هذه التعهد بنحوين:
الأول: أن الجهة المصدرة تعتبر نفسها مدينة لصاحب الورق بمقدار رصيده ومعناه أن الورق أصبح أيضا شيكا وسندا لكنه لا يحكي عن رصيد خارجي كما هو الحال في الدور السابق بل يحكي عن رصيد الذمة.
وحينئذ يمكن أن يقال بأنه لا مانع من أخذ الزيادة لأنه من قبيل بيع الدين بأقل منه.
الثاني: إن الجهة المصدرة لا تأخذ على ذمتها، وإنما تتعهد تعهدا مستقلا عن ترجمة الورق لرصيد بأن من أتى له بشيء من هذه الأوراق قدم له من الرصيد بقدره وهذا التعهد يمنح للورق اعتبارا وقيمة لدى الناس باعتبار ثقتهم بالجهة المتعهدة.
وهذه يعني أن الورق إذا لم يصبح شيكا وسندا بل أصبح أمرا ذا مالية، وتعهد الجهة المصدرة لدفع الرصيد وهو حيثية تعليلية لاعتبار المالية اجتماعيا لهذا الورق.
وقد رجح الشهيد الصدر ﵀ هذا التفسير وأيد ذلك بأن استهلاك السند أو سقوطه عن الاعتبار لا يعني تلاشي الدين، في حين أن أي شخص تتلاشى لديه الورقة النقدية أو يسقط الحكومة اعتبارها ولا يسارع إلى استبدالها بالنقود الجديدة لا تعتبر الجهة المصدرة نفسها مسؤولة أمامه عن دفع قيمة الورقة المتلاشية أو التي سقط اعتبارها وتماهل في استبدالها، فكأن هناك تعهدا بدفع القيمة ذهبا لمن يملك الورقة لا أن الورقة تعطى لمن يملك قيمتها ذهبا في ذمة الجهة المصدرة ولهذا يميزها القانون عن سائر الأوراق التجارية من شيكات وكمبيالات حيث يمنحها صفة النقد والإلزام بالوفاء بها، دون الأوراق الأخرى التي لا تخرج عن كونها سندات (١) .
وعلى هذا الأساس تكون الزيادة محرمة لكونها من مصاديق الربا المحرم، وكذلك لو قلنا بأن الأوراق المالية الرائجة في العالم تعتبر هي الأموال ولا تعتبر حاكية عما في الذمم وذلك بدعوى التعدي العرفي من مورد النص وهو – الذهب والفضة – إلى كل ما أصبح نقدا رائجا لأن العرف يفهم أن حرمة الزيادة في الذهب والفضة لم يكن لخصوصية فيهما بل لكونهما نقدين رائجين.
والتحقيق أن يقال: إن إشكال التفاضل في الصرف يمكن أن ينشأ من أحد وجهين الأول منهما شامل للنقد والنسيئة والثاني منهما يختص بفرض النسيئة.
стр. 13972
أما الوجه الأول: فهو التعدي من باب الصرف الوارد في الذهب والفضة إلى الأوراق الاعتبارية، بدعوى أن العرف يلغي خصوصية الذهب والفضة ويفهم أن المقياس في حرمة التفاضل كونه نقدا رائجا فما يحرم التفاضل في تبديل الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة كذلك يحرم ذلك في هذه الأوراق، لأن إشكال التفاضل يختص بالجنس الواحد ووحدة الجنس أمر عرفي فلا يقصد به في المقام كونه ورقا أو كونه نحاسا مثلا أو أي شيء آخر، بل يقصد به: أن يطلق عليه كلمة واحدة فالريال مثلا كله جنس واحد، سواء صنع من الأوراق أو من غير الأوراق، فهل يجوز التفاضل في صرفه بالريال أم لا؟ ومع وحدة الجنس فمن الطبيعي عدم الجواز.
ولكن يمكن المناقشة فيه بعدم إمكان الجزم بأن المقياس في حرمة التفاضل هو كونه نقدا رائجا بل الحكم ثابت في ذات الذهب والفضة وإن لم يكن نقدا رائجا وكذلك في كل مكيل أو موزون.
ومما يشهد لكون الحكم تعبديا محضا ولم يكن بنكتة عقلانية اقتصادية ثابتة في الأوراق أيضا – حرمة التفاضل حتى مع فرض الاختلاف في الجودة والرداءة، وذلك لأن تلك النكتة العقلانية لو كانت هي المؤثرة في الحرمة – أعني ثبوت الربح بلا مقابل – فهي منتفية فيما إذا كانت الزيادة في القسم الرديء في مقابل القسم الجيد.
نعم إذا فرضنا أن تلك النكتة حكمة لتحريم التفاضل على الإطلاق، وإن كانت قد تتخلف في بعض الموارد، فيمكن الحكم بحرمة التفاضل في الأوراق، ويؤيد ذلك تعليل التحريم في بعض الروايات بتلك النكتة.
روى الشيخ الصدوق ﵀ في كتاب "علل الشرائع" بسنده عن الإمام علي بن موسى الرضا ﵇ في حديث: " ... وعلة التحريم الربا، لما نهى الله عنه، ولما فيه من فساد الأموال، لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما وثمن الآخر باطلا فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال، على المشتري وعلى البائع، فحرم الله على العباد الربا لعلة فساد الأموال كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده حتى يؤنس منه رشد، فلهذه العلة حرم الله الربا وبيع الدرهم بالدرهمين (١) .
стр. 13973
أما الوجه الثاني: فهو يختص بفرض النسيئة وما إذا كان ما فيه الزيادة مؤجلا.
ومن الواضح أن إطلاق الربا يشمل ذلك إذ لا يحتمل أن مجرد الفرق في التكيف يجعل قرضا أو بيعا يكون له دخل في صدق عنوان الربا وعدمه، لأن هذه المعاملة لا تختلف في روحها عن القرض بل حتى لو سلمنا عدم الإطلاق اللفظي فلا نشك في التعدي العرفي إذ مجرد تحويل صيغة القرض إلى صيغة البيع المؤجل لا يحل مشكلة الربا، وإلا لأمكن الحكم بعدم حرمة الربا مطلقا لإمكان إرجاع كل قرض إلى البيع المؤجل.
وأما إذا كانت المبادلة بين سنخين من الأوراق أي فيما بين عملتين نقدا كالريال والدولار فلا إشكال في الجواز مهما فرضت الزيادة في أحد الطرفين.
نعم لو كان أحدهما مؤجلا ففيه إشكال لما سنبينه من اشتراط القبض في بيع الصرف.
هذا كله بالنسبة إلى حرمة التفاضل.
وأما بالنسبة إلى اشتراط القبض: بفناء على شرط القبض في مبادلة الذهب بالفضة كما ورد التصريح به في عدة روايات (١) فهل نتعدى من ذلك إلى الأوراق الاعتبارية إذا كانت من سنخين أي إذا كانت المبادلة بين عملتين كالريال والدولار أو لا؟
فلو قلنا بأن شرط القبض حكم تعبدي بحت، لا نعرف ملاكه، ولا يستبعد العرف الفرق وخاصة أن الحكم لم يكن مخصوصا بالمسكوكين حتى يحمل على مطلق النقد الرائج، فيشكل الحكم بالتعدي واشتراط القبض حتى في الأوراق الاعتبارية.
وأما لو قلنا بأن للذهب والفضة حظا من النقدية والثمنية ولو لم يكونا مسكوكين وأن الحكم بوجوب القبض كان بهذا اللحاظ، وخاصة أن اختلاف الأسعار مما يسبب الغرر لو لم يحصل التقابض إذن فلا إشكال في الحكم بالتعدي واشتراط القبض في مبادلة الأوراق النقدية حسما لمادة النزاع.
стр. 13974
٣- المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموما إليه جنس آخر:
لا شك في ثبوت الربا في مبادلة مقدار من الذهب بمقدار أقل منه بلا انضمام شيء إليه، وأما لو بيع مقدار من الذهب كالدينار الواحد بمقدار أقل منه كنصف دينار مضموما إليه جنس آخر فهل هو من الربا المحرم أم لا؟
ولا بد من تحرير محل النزاع فنقول: يمكن إيقاع هذه المبادلة الخاصة بأحد نحوين:
الأول: أن يكون هناك عقدان مستقلان:
العقد الأول: يتضمن بيع نصف دينار من الذهب بمثله.
والعقد الثاني: يتضمن بيع نصف دينار من الذهب بثوب مثلا، وهذا النحو من المبادلة من مصاديق البيع المحلل ولا تلحقه أحكام الربا جزما ولا بحث فيه.
الثاني: أن لا يكون هناك أكثر من عقد واحد كما لو باع دينار من الذهب بنصف دينار من الذهب وثوب فهل يحكم بالحرمة والفساد أم بالصحة والجواز؟ هناك قولان:
القول الأول: ما ذهب الفقهاء من القول بالحرمة والفساد لاشتراط عدم التفاضل في مبادلة المتجانسين:
منهم الإمام الشافعي في كتاب الأم قال: وإذا صرف الرجل من الرجل الدينار فوزن له عشرة ونصفا فلا بأس أن يعطيه مكان النصف نصف فضة إذا كان في بيعه غير الشرط الأول، وهكذا لو باعه ثوبا بنصف دينار فأعطاه دينارا وأعطاه صاحب الثوب نصف دينار ذهبا لم يكون به بأسا لأن هذا بيع حادث غير البيع الأول، ولو كان عقد عقد البيع على ثوب ونصف دينار بدينار كان فاسدا لأن الدينار مقسوم على نصف دينار والثوب (١) .
стр. 13975
ومنهم ابن قدامة في المغني قال: والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقدا مباحا يريد به محرما مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك. قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كأنما يخادعون صبيا، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل، فمن ذلك ما لو كان مع رجل عشرة دراهم ومع الآخر خمسة عشرة مكسرة فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه ثم تباريا توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا (إلى أن قال) أو اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح مثلها من المكسرة ثم اشترى منه بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير وهكذا – إلى أن قال – فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم وبهذا قال مالك (١) .
ومنهم الإمام مالك والليث، قال ابن رشد: وأما اختلافهم إذا نقصت المراطلة فأراد أحدهما أن يزيد شيئا آخر مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه فقريب من هذا الاختلاف مثل أن يراطل أحدهما صاحبه ذهبا بذهب فينقص أحد الذهبين عن الآخر فيريد الذي نقص ذهبه أن يعطي عوض الناقص دراهم أو عَرَضًا فقال مالك والشافعي والليث: إن ذلك لا يجوز والمراطلة فاسدة. وعمدة مالك التهمة فيه أن يقصد بذلك بيع الذهب بالذهب متفاضلا (٢) .
القول الثاني: ما ذهب إليه أكثر الفقهاء من القول بالجواز والصحة وهو المختار.
قال ابن رشد – بعد ذكر المسألة -: وأجاز ذلك كله أبو حنيفة والكوفيين، وعمدة الحنفية تقدير وجود المماثلة من الذهبين وبقاء الفضل في مقابل العرض (٣) .
وقال ابن قدامة في المغني – بعد طرح المسألة-: وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك كله وأشباهه جائز إذا لم يكن مشروطا في العقد وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك (٤) .
стр. 13976
أما فقهاء مدرسة أهل البيت ﵈ فقد قالوا بالجواز منهم:
١- شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ﵀ (١) قال في كتاب (الخلاف) ما لفظه: يجوز بيع مد من تمر ومد من شعير ودرهم بمدي شعير وهكذا إذا كان بدل الدرهم في هذه المسائل ثوب أو خشبة أو غير ذلك مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه، وهكذا يجوز بيع درهم وثوب بدرهمين وبيع دينار وثوب بدينارين، وبيع دينار قاساني ودينار إبريزي بدينارين نيسابوريين، وجملته أنه يجوز بيع ما يجري فيه الربا بجنسه ومع أحدهما غيره مما فيه ربا أو لا ربا فيه، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي إن جميع ذلك لا يجوز. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم التي ذكرناها وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] وهذه الأشياء كلها بيع وتجارة فيجب أن يكون مباحا لعموم الآيتين، والتخصيص يحتاج إلى دليل (٢) .
٢- وقال العلامة الحلي ﵀ في القواعد: ولو اشتمل أحد العوضين على جنسين ربويين صح بيعهما بأحدهما مع الزيادة كمد تمر ودرهم بمدين أو بدرهمين، أو بمدين ودرهمين (٣) .
٣- وقال السيد محمد جواد الحسيني العاملي في كتاب (مفتاح الكرامة) عند شرحه لكلام العلامة الحلي ﵀ ما لفظه:
(وقد نص على جواز ذلك في المبسوط والخلاف والغنية والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والتذكرة والارشاد ونهاية الأحكام وكنز الفوائد والإيضاح والدروس واللمعة وحواشي الشهيد وكفاية الطالبين وجامع المقاصد وحاشية الإرشاد والميسية والروضة والمسالك ومجمع البرهان والكفاية والمفاتيح، وقد حكى الإجماع في الخلاف والغنية والتذكرة وجامع المقاصد وحاشية الإرشاد والمسالك وظاهر نهاية الأحكام والإيضاح وكنز الفوائد مضافا إلى الأصل والعمومات واختصاص أدلة التحريم – بحكم التبادر- والسياق – بغير مفروض المسألة، ومع ذلك الأخبار مستفيضة وفيها الصحيح وقد ذكر ذلك جماعة منهم فيما يتخلص به من الربا إذا بيع أحد المتجانسين بالآخر متفاضلا، قالوا: ويصرف كل إلى مخالفه وإن لم يقصد) (٤) .
стр. 13977
ما هو المحقق للربا في مبادلة المثلين؟
بعد الفراغ عن بيان آراء الفقهاء لا بد من البحث فيما هو المحقق للربا في مبادلة الذهب بالذهب فنقول: قال ابن رشد: المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد – إلى أن قال – وأما الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض)) (١) .
وروى الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵇ قال: الفضة بالفضة مثلا بمثل والذهب بالذهب مثلا بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان الزائد والمستزيد في النار (٢) .
وقال الوليد بن صبيح سمعت أبا عبد الله يقول: الذهب بالذهب والفضة بالفضة الفضل بينهما هو الربا المنكر (٣) .
إلى غير ذلك من النصوص الصريحة في حرمة الزيادة في مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة وعدم جواز زيادة أحدهما على الآخر، بل لا بد من أن يكونا مثلا بمثل ووزنا بوزن. ومع زيادة أحدهما على الآخر فهو الربا المحرم المجمع على حرمته وفساده.
وأما إذا كانت المبادلة فيما بين مقدار من الذهب كالدينار ومقدار أقل منه كنصف دينار مع ضم جنس آخر – كثوب مثلا – إليه فليست من مصاديق مبادلة الجنسين المتماثلين إذ المفروض كون المثمن ذهبا وثوبا معه، فهو خارج عن معقد الإجماع والنصوص المبنية لموضوع الربا لعدم كون الثمن والمثمن كليهما ذهبا محضا معه فلم يتحقق التفاضل في الجنس الواحد، إذ المبادلة وقعت فيما بين مجموع الثمن وهو الدينار ومجموع المثمن وهو نصف دينار وثوب، ولا يلاحظ كل جزء من الثمن في مقابل كل جزء من المثمن – لا لغة ولا عرفا ولا شرعا – بل الملحوظ كل الثمن في قبال كل المثمن.
وبتعبير آخر: أنا حتى لو فرضنا كون الملحوظ للمتعاملين كل جزء من الثمن في قبال كل جزء من المثمن فمع ذلك ليست هذه المبادلة من مصاديق مبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، وذلك لأن النصف من الدينار في الثمن يلاحظ مع النصف من الدينار في المثمن، والنصف الآخر من الدينار يلاحظ في قبال الثوب، ومعه فلا يلزم الربا وتشمله أدلة حلية البيع والتجارة عن تراض.
стр. 13978
قال الشيخ حسن النجفي في موسوعته الفقهية (جواهر الكلام) ما لفظه: (لا خلاف بيننا أيضا في أنه يجوز بيع درهم ودينار بدينارين وبدرهمين ويكون في الصحة بمنزلة أن يصرف كل واحد منهما إلى غير جنسه وإن لم يقصدا ذلك، وكذا لو جعل بدل الدينار أو الدرهم شيء من المتاع وكذا مد من تمر ودرهم بمدين أو أمداد ودرهمين أو دراهم، إذ هو وإن لم يكن في كل منهما جنس يخالف الآخر إلا أن الزيادة تكون في مقابل الجنس المخالف في أحدهما فهو في الصحة حينئذ كذي جنسين ولا خلاف بيننا في الجميع بل الإجماع بقسميه عليه بل المحكي منه مستفيض جدا إن لم يكن متواترا، مضافا إلى الأصل والعمومات واختصاص أدلة التحريم بحكم التبادر والسياق بغير مفروض المسألة) (١) .
مناقشة أدلة القائلين بالحرمة:
أما دليل الإمام الشافعي على الحرمة الذي تقدم نقله عنه (بأن الدينار مقسوم على نصف الدينار والثوب) (٢) .
ففيه:
أن المبادلة فيما بين مجموع الثمن وهو الدينار ومجموع المثمن وهو الثوب ونصف دينار ولا يلاحظ كل جزء من الثمن في قبال كل جزء من المثمن ليقال (إن الدينار مقسوم على نصف الدينار والثوب) إذ لو قلنا بذلك فمعناه انحلال العقد الواحد إلى عقدين، فكأنه باع في عقد واحد نصف دينار بنصف دينار وفي عقد آخر مستقل باع ثوبا بنصف دينار ولا إشكال في صحة كلا العقدين، ولم يقل أحد بالبطلان وقد اعترف الشافعي نفسه أيضا بالصحة والجواز.
وأما ما ذكره ابن قدامة من احتساب هذه المبادلة من الحيل المحرمة.
ففيه:
ما تقدم من عدم صدق التفاضل في الجنس الواحد وخروج هذه المبادلة عن موضوع الربا وثبوت كونها بيعا حلالا وتجارة عن تراض.
وبهذا يجاب عن مقالة مالك والليث إذ لا تهمة في قصد بيع الذهب بالذهب متفاضلا إذا كان في قبال الذهب الزائد شيء من العروض. والمنهي عنه وجود الزيادة في أحد الطرفين من دون عوض.
стр. 13979
ما ورد عن أئمة أهل البيت ﵈:
١- روى الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله ﵇ [جعفر بن محمد الصادق] قال: لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به (١) .
٢- روى عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته ﵇ [جعفر بن محمد الصادق] عن رجل يأتي بالدراهم إلى الصيرفي فيقول له: آخذ منك المئة بمئة وعشرين أو بمئة وخمس حتى يراوضه على الذي يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة دينارا أو ذهبا، ثم قال له: قد زاودتك البيع وإنما أبايعك على هذا لأن الأول لا يصلح، أو لم يقل ذلك وجعل ذهبا مكان الدراهم فقال: إذا كان آخر البيع على الحلال فلا بأس بذلك (٢) .
٣- وفي رواية أخرى ... فقلت له: أشتري ألف درهم ودينارا بألفي درهم؟ فقال: لا بأس بذلك (٣) .
إلى غير ذلك من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت ﵈ الصريحة في حلية هذه المبادلة وعدم كونها من مصاديق الربا المحرم.
٤- بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا (أي فيه صنعة وصياغة) - رأي ابن القيم:
يمكن طرح المسألة بأحد نحوين:
الأول: أنه هل يجوز بيع الذهب المصنوع أو المصوغ كالخاتم مثلا بالذهب غير المصوغ مثلا بمثل أم لا؟
الثاني: هل يجوز بيع الذهب المصوغ بالذهب غير المصوغ بزيادة أم لا؟
أما القسم الأول فلا ريب في صحته شرعا لعدم وجود التفاضل حتى تأتي شبهة الربا في مبادلة المثلين.
وأما القسم الثاني: وهو بيع الذهب المصوغ بالذهب غير المصوغ بزيادة فقد ذهب ابن القيم إلى الجواز واستدل على ذلك: بأن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع (إلى أن قال) فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلا ورحمة وجلالا بإباحة هذا وتحريم ذلك؟ وهل هذا إلا عكس للمعقول والنظر والمصلحة؟ فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الردية وبيع الثمر الجيد بأزيد منه من الردي، ولما أبطل الشارع ذلك علم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة.
стр. 13980
قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي وتقابل بالأثمان ويستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة إذ إن ذلك يفضي إلى نقضه ما شرعه من المنع من التفاضل ... (١) .
والمناقشة في كلامه واضحة بعد تصريحه بأن الصفة لا تقابل بالزيادة وأن تجويز ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه الله من المنع في التفاضل. فبعد اعترافه هذا كيف يجوز تقابل صفة الصياغة والصناعة بالزيادة.
ومجرد كونه صفة مخلوقة لله تعالى وصفة أخرى مخلوقة للبشر لا يكون فارقا بالنسبة إلى تحقق الربا في مقابلة الصفات بالزيادة، ولازم ذلك تجويز مبادلة طن من الحنطة الجيدة بطنين من الحنطة الرديئة فيما إذا كانت صفة الجودة بصنع البشر من إصلاح البذر والسقي المناسب ورفع الآفات ونحو ذلك، ولم يقل به أحد.
وأما استدلاله بلزوم العسر والحرج، ففيه: أنه لو كانت المبادلة فيما بين الذهب المصوغ وغيره منحصرا بالذهب لكان يلزم منه الحرج ولم يتصد أي أحد لهذه الصناعة التي لا يجوز له أن يأخذ شيئا زيادة على ذهبه.
وأما مع عدم انحصار المبادلة بالذهب وجوازه بالفضة مضافا إليه جواز إعطاء الذهب للصائغ ودفع الأجرة بإزاء عمله من نفس الذهب أو شيء آخر من العروض، ومعه فلا يلزم الحرج ولم يترك الصواغ عمله، كما هو المشاهد من صدر الإسلام إلى يومنا هذا، وخاصة بعد تعارف المبادلة فيما بين السلع والنقود الشائعة، فالإشكال مرتفع من أصله.
ومما يؤكد المطلب ما أخرجه البيهقي في سننه عن مجاهد أنه قال: كنت أطوف مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله بن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابته يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وعهدنا إليكم (٢) .
وقال النووي: قال الشيخ أبو حامد: قال الأوزاعي: كان أهل الشام يجوزون ذلك فنهاهم عمر بن عبد العزيز.
٥-المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال، ويقع البحث في مقامين:
الأول: في حرمة استعمال أواني الذهب والفضة والساعات الذهبية المصنوعة للرجال، وحكم اقتنائها من دون استعمال.
الثاني: في جواز المتاجرة في الأواني والساعات الذهبية المصنوعة للرجال وعدمه.
стр. 13981
أما المقام الأول:
فقال ابن قدامة في المغني: ويحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة. وحكى عن الشافعي أن ذلك لا يحرم؛ لأن الخبر إنما ورد بتحريم الاستعمال فلا يحرم الاتخاذ، كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير، ولنا أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالطنبور، وأما ثياب الحرير فإنها لا تحرم مطلقا. فإنها تباح للنساء وتباح للتجارة فيها، ويحرم استعمال الآنية مطلقا في الشرب والأكل وغيرهما، لأن النص ورد بتحريم الشرب والأكل وغيرهما مما في معناهما، ويحرم ذلك على الرجال والنساء بعموم النص فيهما ووجود معنى التحريم في حقهما (١) .
وقال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ﵀ في (الخلاف) : أواني الذهب والفضة محرم اتخاذها واستعمالها غير أنه لا تجب فيها الزكاة، وقال الشافعي: حرام استعمالها قولا واحدا، وفي اتخاذها قولان: أحدهما محظور والآخر مباح، وعلى كل حال تجب فيه الزكاة- ودليلنا: ما قدمناه من أن المصاغ لا تجب فيه الزكاة، وإنما تجب في الدراهم والدنانير، وأما الدليل على حظر استعمالها: ما روي عن النبي ﷺ (٢) أنه نهى عن استعمال آنية الذهب والفضة وقال: ((من شرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) (٣) .
وقال المحقق في (شرائع الإسلام) : ولا يجوز الأكل والشرب في آنية من ذهب أو فضة ولا استعمالها في غير ذلك، ويكره المفضض، وقيل: يجب اجتناب موضع الفضة. وفي جواز اتخاذها لغير الاستعمال تردد والأظهر المنع (٤) .
أدلة القائلين بحرمة اقتناء أواني الذهب والفضة:
أ - النصوص الشرعية:
١- ما رواه البخاري عن النبي ﷺ له قال: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) (٥) .
قال العلامة في (المنتهى) : دل بمفهومه على تحريم الاتخاذ مطلقا.
стр. 13982
٢- ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر ﵇: (أنه نهى عن آنية الذهب والفضة) (١) .
بتقريب أن النهي تعلق بآنية الذهب والفضة ولم يذكر متعلق النهي، وقد ثبت في محله أن حذف المتعلق يفيد العموم. إذن فكل ما يرتبط بهذه الأواني من الأكل والشرب والاتخاذ وغير ذلك حرام للنهي عنه.
٤-ما رواه موسى بن بكير عن الإمام موسى بن جعفر ﵇ أنه قال: ((آنية الذهب متاع الذين لا يوقنون)) (٢) .
وحيث إن اقتناء الأواني داخل في المتاع فيكون حراما؛ لأنه متاع الذين لا يوقنون.
والجواب:
أما قوله ﷺ : ((فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) فظاهرة حرمة الاستعمال لا الاتخاذ، فإن الكفار يتمتعون بها في الدنيا والمسلمون المتقون يتمتعون بها في الآخرة ولا دلالة فيه على حرمة الاتخاذ.
وأما النهي الوارد في صحيح محمد بن مسلم المتعلق بنفس الآنية، فإنه منصرف إلى ما هو الظاهر مه عرفا – أعني الاستعمال – ألا ترى أن تحريم الأمهات أو الدم أو الميتة منصرف إلى ما هو متعارف، وما هو المحرم نكاح الأمهات وشرب الدم وأكل الميتة.
وأما دعوى اندراج الاتخاذ في لفظة "المتاع" في رواية موسى بن بكير فغير وجيه؛ وذلك لأن "المتاع" اسم لما يتمتع به، والتمتع بالشيء عبارة عن استعماله ولو في بعض الأحيان، ومجرد الاقتناء، ووضع الشيء على الرف لا يعد استعمالا لا عرفا ولا عقلا ولا شرعا.
стр. 13983
ب- الأدلة العقلية:
١- ما تقدم عن ابن قدامة من أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالطنبور (١) .
وفيه: أنه لا ملازمة فيما بين حرمة الاستعمال وحرمة الاتخاذ، لا عقلا ولا عرفا ولا شرعا. ولا مانع من التفصيل فيما بين حرمة الاستعمال وجواز الاتخاذ لأن المستفاد من الأدلة الناهية عن تلك الآلات النهي عن وجودها الذي كان منشأ للفساد ولذا يجب كسرها وإتلافها بخلاف أواني الذهب والفضة التي لا يترتب عليها شيء.
٢- ما في (المعتبر) : (اتخاذ الأواني من الذهب والفضة حرام. لنا أن ذلك تعطيل للمال فيكون سرفا لعدم الانتفاع) .
وأضاف ابن قدامة في (المغني) على ذلك بأنه موجب للخيلاء وكسر قلوب الفقراء ...
وفيه: أن الاتخاذ لا سرف فيه؛ إذ لربما يتحفظ به كيما يصرفه في حاجاته في المستقبل، وأما الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ففيه أنه لو كان في الخفاء لا يوجب الخيلاء ولا كسر قلوب الفقراء. إذن فنفس الاتخاذ من دون استعمال لا سرف فيه ولا يوجب الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
٣- ما في (المبسوط) : (اتخاذ الأواني من الذهب والفضة لا يجوز وإن لم يستعمل؛ لأن ذلك تضييع، والنبي ﷺ نهى عن إضاعة المال) .
وفيه: أن اتخاذ الأواني حفظ للمال وصيانة له عن الإتلاف، فكيف يكون تضييعا وخاصة إذا كان لغرض عقلاني كبيعه في وقت الحاجة ونحو ذلك؟
فتبين مما قدمناه أنه لا دليل على حرمة اتخاذ أواني الذهب والفضة، وإن كان يحرم استعمالها في الأكل والشرب.
стр. 13984
المقام الثاني:
قد عرفت مما سبق اختلاف أنظار الفقهاء بالنسبة إلى جواز اتخاذ أواني الذهب والفضة لغير الاستعمال وترددهم في الحرمة، وعليه فلو قلنا بأن ما هو المحرم خصوص الأكل والشرب في هذه الأواني، وأما الاقتناء من دون الاستعمال فهو جائز، كما يجوز الاستفادة من الساعات الذهبية المصنوعة للرجل من دون لبسها، فهذا يعني أن لها منفعة محللة مقصودة للعقلاء، وما كان كذلك يجوز بيعه وشراؤه.
بل حتى لو قلنا بحرمة مطلق الاقتناء يمكن الحكم بصحة البيع، فيما لو قصدا المعاوضة فيما بين الثمن ومادة المثمن أي الذهب أو الفضة الموجودة في الإناء.
بيان ذلك: أن المتبايعين تارة يقصدان المعاوضة في مجموع الهيئة والمادة للإناء، أي الشكل والهيئة التركيبية المصنوعة بالإضافة إلى الذهب المصنوع به الإناء، وثانية يقصدان المعاوضة في المادة فقط والمقصود هو الذهب ومن ثم لم يتغير سعر الإناء سواء أكان صحيحا أم مكسورا لأن الملحوظ هو وزن الذهب لا غير ومن الواضح جواز البيع على هذا التقدير حتى ولو كان الاقتناء محرما إذ لا مانع من شراء آنية الذهب وكسره وصياغة حلي للنساء به.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد علي التسخيري
والسيد جعفر الحسيني
стр. 13985
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مناقشات موضوعات الدورة التاسعة
تجارة الذهب:
الرئيس:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم ﷺ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين،
وبعد:
فنفتتح مستعينين بالله تعالى جلسة العمل الأولى من أعمال الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي. أود أن أبدي خالص الشكر والتقدير لأصحاب السماحة والمعالي والفضيلة أعضاء المجمع العاملين ومعالي الأمين حيث قرروا بالاتفاق ترشيح رئاستي ونوابي وهيئة المكتب كما كانت في جميع ممثليها في الدورة السابقة، أسأل الله أن يعين الجميع على كل خير، وأن يوفقنا للعمل الصالح وللرأي الحق الصواب.
وفي هذه الجلسة الصباحية لدينا الموضوع الأول (تجارة الذهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة) ، العارض هو فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع والمقرر هو فضيلة الأستاذ الشيخ صالح المرزوقي.
стр. 13986
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على الرسول الأمين سيدنا ونبينا محمد رسول رب العالمين، الهادي إلى صراط المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد،
فالذهب معدن نفيس استهوى الإنسان منذ القدم بحبه وإيثاره وافتخاره بتملكه والتزين به حتى أغراه بعبادته، قال تعالى ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه:٨٧-٨٨] ، فالذهب معدن يتميز عن المعادن الأخرى بميزات طبيعية تكمن في قدرته على مقاومة عوامل التعرية وسلامته من التعرض للصدأ، فبمشورة من رسول الله ﷺ اتخذ عرفجة بن هرثمة أنفا من ذهب حينما قطع أنفه في إحدى المعارك مع رسول ﷺ ، وبالرغم من حرمة التحلي به على الرجال فقد أذن في اتخاذ الأسنان منه للرجال، ولوفور ووقور محبته في النفس البشرية وإيثاره في حب التملك ذكره الله تعالى في عداد أمور زين للناس حب تملكها، قال تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤] . وقد جعله الله في الجنة من وسائل الإنعام والتنعيم، قال تعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج:٢٣] . ولما وقر في النفس البشرية من إيثار لهذا النوع من المعادن دون غيره وكونهما بعد التملك مظنة البخل بهما وإمساكهما فقد حذر تعالى من كنزهما دون إنفاقهما في سبيل الله، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] .
ولما في الذهب من تأثير على النفس البشرية من حيث الافتخار والاعتزاز واعتبار ذلك من مقومات الوجاهة والقيادة والاعتبار، قال تعالى حكاية عن قوم فرعون في معرض إنكارهم رسالة موسى ﵇، وأن دعواه – الرسالة – تفتقر إلى ما يسندها من مقومات الاعتبار: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٥٣] وقال تعالى في معرض الفداء مشيرا إلى أغلى ما يملكه الإنسان وهو الذهب أنه لو ملك منه ملء الأرض لرضي ببذله فداء له لما حل به من سوء العذاب، فال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران:٩١] . ولما في الذهب والفضة من الإغراء للنفوس البشرية فقد جعلهما الإنسان أكثرا إيثارا من غيرهما من المعادن الأخرى في اتخاذ زينته منهما ولحكمة ربانية تقتضي كبح النفس البشرية عن التجبر والتكبر والطغيان فقد حرم الله تعالى على الرجال اتخاذهما زينة لهم إلا ما استثني، وذكر ﷺ تعليل التحريم بأن فيهما كسرا لقلوب الفقراء ولما فيهما من الإغراء والتمتع بالتزين بهما؛ ولأن النساء في وضع يقتضي تمكينهن من أسباب تعلق الرجال بهن فقد أباح للنساء اتخاذهما حليا لزينتهن أمام أزواجهن وحرم ذلك على الرجال، كما حرم تعالى اتخاذ الأواني المنزلية والتحف الجمالية منهما لما في ذلك من كسر قلوب الفقراء يستوي في ذلك الرجال والنساء. وقد أشار تعالى إلى طبيعية النفس البشرية في تمتعها بالذهب فجعل من تمتع الصالحين من بني آدم في الجنة أن من أدواتهم المنزلية صحائف من ذهب، قال تعالى ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٧١] .
стр. 13987
النشأة التاريخية لاتخاذهما ثمنا:
لقد مر على الإنسان حين من الدهر وهو يعاني الإشكال في طريقة حصوله على حاجاته الأساسية من طعام وشراب وسكن فاضطر إلى الأخذ بمبدأ المقايضة، ثم إنه وجدها لا توفر له احتياجاته ووجد فيها من المشاكل ما جعله يبحث عن وسيلة أخرى لتيسير تبادله مع غيره طلبا لحاجته فنشأ مبدأ الأخذ بوسيط التبادل، فاتجهت الدول المختلفة إلى اتخاذ السلع وسيطا للتبادل كالفراء في البلاد الباردة والأصواف في البلاد الساحلية وأنياب الفيلة والخرز والرياش في البلاد المعتدلة، وبتطور الحياة الاقتصادية ظهر عجز هذه السلع عن القيام بوظيفتها كوسيلة تقويم فاتجه الفكر الاقتصادي إلى الاستعاضة عن ذلك بالمعادن وخصوصا الذهب والفضة لما فيهما من عناصر وخصائص جعلتهما أفضل وسيلة للتقويم فساد التعامل بهما ردحا من الزمن على شكل سبائك وقطع غير مسكوكة إلا أن اختلاف أنواع هذين المعدنين أوجد في استعمالهما ثغرة كانت ميدانا للتلاعب والفوضى، فليس كل الناس يعرف المادة الأصلية للذهب والمعيار المقبول للتبادل، ثم إن تقدير ذلك بالوزن أوجد فرصة لسرقتها بالتلاعب في وزنها فتدخل الحكام في ذلك بسكهما نقودا على شكل قطع مختلفة المقدار والوزن، فأصبحت العمل المعدنية الذهبية معدودة بعد أن كانت موزونة، وصار كل جنس منهما متفقا مع بعض في النوع والمقدار.
علة الربا في الذهب:
اختلف العلماء – ﵏ في تعيين علة الربا في الذهب إلى مجموعة أقوال؛ فقد قيل: إن العلة في ذلك الوزن، وقيل بأن العلة فيه غلبة الثمنية، وقيل بأن العلة في ذلك مطلق الثمنية. وجرى في البحث المقدم وهو بين أيديكم – حفظكم الله – وهو بحث لا يتسع المجال لذكر تفاصيله في مثل هذه العجالة، جرى مني استعراض هذه الأقوال ومناقشتها واختيار القول بأن علة الربا في الذهب مطلق الثمنية وتوجيه الاختيار والرد على الأقوال الأخرى بما يبرر الاختيار ويؤيده. وفيما يلي الإجابة عن المسائل التي طرحها مجمع الفقه الإسلامي ورغب الإجابة عنها، ومنها: (حكم المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموما إليه جنس آخر) . الحكم في ذلك فيما يظهر لي – والله أعلم – الجواز لأن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني، أشبه الحكم بجواز بيع حلي الذهب بأكثر من وزنه ذهبا حيث إن الزيادة في الثمن وزنها هي قيمة الصنعة في الحلي، وقد مر في النقل عن ابن القيم – ﵀ – في ذكر هذا الحكم وتعليله.
стр. 13988
ومن المسائل التي رغب المجمع في الإجابة عنها: (بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا أي فيه صنعة وصياغة) ، لا يخفى أن الذهب قد يباع بذهب وقد يباع بنقد آخر من فضة أو ورق نقدي أو فلوس، فإذا كان الذهب المبيع مشغولا كأن يكون حليا فإن بيع بذهب فلا بأس أن يكون الثمن أكثر وزنا من ذهب الحلي وتكون الزيادة في الوزن في مقابلة الصياغة والعمل، وقد مر الإشارة إلى رأي ابن القيم – ﵀ – في ذلك وذكره تعليل القول بالجواز إلا أنه يشترط للمبادلة بينهما الحلول والتقابض في مجلس العقد، وأما إذا كان أحد العوضين ثمنا غير الذهب فلا بأس في البيع مطلقا بشرط التقابض في مجلس العقد لقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت – ﵁: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
ومن المسائل التي رغب المجمع الإجابة عنها أو بحثها: (المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال) . لا يخفى أن الحكم الشرعي في تملك الأواني الذهبية والفضية التحريم، وما حرم تملكه حرم بيعه، أما الحلي فإن كانت معدة للرجال فهي حرام والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر وما حرم تملكه حرم بيعه.
وأما المتاجرة في الحلي المعدة للنساء فلا بأس فيها إلا أنه ينبغي مراعاة الحكم الشرعي في بيوعه من حيث الحلول والتقابض، وقد يتفرع من هذه المسألة هي:
هل يجوز لتاجر الحلي حينما يعرض عليه أحد الناس حليا قديما ويبدي له رغبته في شراء حلي جديدة، هل يجوز لهذا التاجر أن يشترط عليه في شرائه الحلي القديمة أن يشتري منه حليا جديدة؟ هذه المسألة بحثت في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وصدر القول بمنعها باعتبارها بيعتين في بيعة، إلا أن هذا القول لم يكن محل إجماع بينهم؛ ونظرا إلى أن هذا النوع من البيع لم يشتمل على غرر ولا على جهالة ولا على مخالفة في الصرف ولم يكن في معنى بيعتين في بيعة فلم يظهر لي وجه القول، بمنعه وقد قال بجواز مثل هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀ – وقد جرى نقل رأيه في البحث المطول.
стр. 13989
وأما الساعات الذهبية فإن كانت للنساء فلا بأس بتملكها واستعمالها من النساء والمتاجرة فيها بالبيع والشراء، وأما إن كانت للرجال فحكمها حكم حلي الرجال من حيث تحريم التملك والمتاجرة فيها بيعا أو شراء أو اقتناء، والله أعلم.
وأما ما كان مموها بالذهب أو الفضة مشغولا أو بأحدهما بحيث تكون كمية الذهب أو الفضة فيها قليلة جدا بالنسبة إلى ما شغلت به فهذه المسألة محل اجتهاد ونظر وفيها اختلف العلماء بين الإباحة والحظر، فمن نظر إلى الحكمة من التحريم وهي كسر قلوب الفقراء ورأي أن في التمويه بهما أو شغل الأداة بشيء منهما بما يعطي الأداة لون أحدهما، من نظر إلى هذا قال بالتحريم بصرف النظر عن كامل محتوى الأداة بأحدهما أو بجزء منهما، لما في ظاهرها من بهجة وزينة وإغراء ينكسر برؤيته قلب الفقير العاجز عن تملكها، ومن نظر إلى أن غالب محتوى الأداة من غيرهما وأن ما فيهما من أحدهما لو استخرج لما كان شيئا، ونظر إلى القاعدة الشرعية (يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا) قال بجواز ذلك. ولكل من الرأيين وجاهته واعتباره ويكون للاختيار منهما التوجه بتوجيه رسول الله ﷺ حيث يقول: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) ، والله أعلم.
ومن المسائل التي رغب المجمع في بحثها: (شراء الفرد الذهب بالشيك أو ببطاقة الائتمان، أيعد ذلك قبضا للثمن؟) .
اصطلح الفقهاء على تسمية بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة (مراطلة) ، وعلى تسمية بيع الذهب بالفضة أو بأي ثمن آخر أو العكس (صرفا) ، واشترطوا في المراطلة المماثلة في الوزن والحلول والتقابض في مجلس العقد. واشترطوا في الصرف المتمثل في بيع أحد المعدنين – الذهب والفضة بأحدهما أو بأي ثمن آخر من ورق أو فلوس – التقابض في مجلس العقد وأصل ذلك حديث عبادة بن الصامت المذكور في البحث ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلخ الحديث)) . واتفق العلماء على أن القبض أمر مرده إلى الصرف والعادة، فأي طريقة يتم فيها الاستيلاء الكامل على العين محل العقد تعتبر قبضا. وقد بحث العلماء وضع الشيك وهل يعتبر قبضه قبضا لمشموله مبرئا؟ فأصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قرارا باعتبار قبض الشيك المعتبر قبضا لمحتواه.
стр. 13990
وقد وجد الخلاف بين فقهاء العصر في تفسير معنى الشيك المعتبر، فذهب بعضهم إلى أن الاعتبار في الشيك أن يكون مصدقا من البنك المسحوب عليه لأن تصديقه يعني حمايته من الساحب أن يعود فيه، كما يعني وجود رصيد كامل للساحب لتغطية سداد الشيك وهذا المعنى يعطي القناعة الكاملة بالقدرة على التصرف في مشمول الشيك في أي وقت يريده المستفيد منه، وهذا معنى القبض. وذهب آخرون إلى أن المراد بالشيك المعتبر هو أن يكون له رصيد في البنك المسحوب عليه لتغطيته، ولكن هذا المعنى لا يعطي القناعة بالقدرة على تصرف المستفيد منه بمشموله، فلئن كان للساحب رصيد لتغطيته فقد يرجع الساحب في الشيك قبل قبضه وهذا الاحتمال الوارد ينفي عن هذا الشيك الثقة في القدرة على التصرف فيه، وبالتالي فينتفي عن هذا الشيك معنى القبض وهو القدرة على قبض محتواه أو الأمر بقيده في حسابه. والذي يظهر لي – والله أعلم – أن الشيك المعتبر والذي هو في معنى القبض هو الشيك المصدق، وتأسيسا على هذا فإذا اشترى الفرد ذهبا أو فضة بثمن آخر وبموجب شيك بذلك الثمن فإن كان مصدقا فقبضه قبض لمحتواه والمصارفة بذلك صحيحة. وإن كان غير مصدق فقبضه ليس قبضا لمشموله وبالتالى فقبضه ليس في حكم القبض المبرئ للذمة، والمصارفة بموجبه غير صحيحة؛ لأن التقابض في مجلس العقد غير محقق. فمثل هذا الشيك آفاته كثيرة، منها احتمال سحبه على غير رصيد أو على رصيد لا يكفي لتغطيته أو لاحتمال رجوع صاحبه أو ساحبه في سحبه قبل تقديمه للبنك المسحوب عليه. فهذه العيوب تجعله غير أهل للاعتبار في القول بأن قبضه قبض لمحتواه. والله أعلم.
وأما شراء الذهب ببطاقة الائتمان فنظر إلى أن بطاقة الائتمان تعتبر مبرئة للذمة براءة كاملة بين المتصارفين وحق بائع الذهب بموجب بطاقة الائتمان ثابت كثبوت حقه في الشيك المصدق من حيث إن صاحب البطاقة حينما يوقع بموجبها على فاتورة الدفع لا يستطيع الرجوع في توقيعه ولا يستطيع مصدر البطاقة أن يتأخر عن سداد القيمة عند الطلب مهما كانت حال صاحب البطاقة، ونظرا لهذا فإن القول بصحة المصارفة ببطاقة الائتمان قول وجيه يؤيده أن معنى القبض متوفر فيها حيث يتفرق المتصارفان بموجبها وليس بينهما شيء، ومع هذا فالمسألة في حاجة إلى مزيد من النظر والتأمل في ضوء التصور لحقيقة البطاقة الائتمانية، والله المستعان.
стр. 13991
ومن المسائل التي رغب المجمع في بحثها: (التعامل بشهادات الذهب) أو حسابات الذهب وهي شهادات تصدرها مؤسسات متخصصة تخول صاحبها قبض كمية من الذهب ولا يلزم أن تكون تلك الكمية معينة منفصلة عن غيرها وقد لا تكون موجودة فعلا لدى المؤسسة في كل الأوقات. وهذا التعامل يعني أن أحد الرجال مثلا يشتري كمية من الذهب يجري تسلمه شهادة بها يتسلم بموجبها هذه الكمية من الذهب من مخازن إحدى هذه المؤسسات أو من مخازن متخصصة لهذه المؤسسة. لهذه المؤسسة حق التحويل عليها بذلك وقد لا يكون الذهب موجودا في هذه المخازن وقت المصارفة. الذي يظهر لي – والله أعلم – أن هذا النوع من المصارفة لا يتحقق فيه معنى التقابض في مجلس العقد لأمرين:
أحدهما: أن المؤسسة المتخصصة في إصدار شهادات الذهب ليس لشهاداتها اعتبار موجب للثقة كالثقة في الشيك المصدق حيث إن مشتري الذهب لا يستطيع التصرف فيما اشتراه في مجلس العقد للاحتمال القوي في بعد هذه المخازن عن قدرته على حيازة ما اشتراه منها.
الأمر الثاني: إن وجود الذهب في المخازن المختصة مشكوك فيه فقد يكون موجودا وقد لا يوجد إلا بعد وقت لا يعلم تحديده فيطلب من المشتري الانتظار، والرسول ﷺ يعتبر من عناصر المصارفة وصحتها التفرق بين المتصارفين وليس بينهما شيء. وهذا العنصر مفقود في هذه المصارفة فضلا عن أن التقابض في مجلس العقد مفقود حسا ومعنى. وتأسيسا على هذا فلا يظهر لي – والله أعلم – جواز هذا النوع من المصارفة لفقده شرطها.
ومن المسائل التي رغب في بحثها: (حكم شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب وتعد أكثر أصولها منه؛ هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب؟ هل لذلك تأثير على حكم التعامل بأسهمها) .
стр. 13992
لا يظهر لي مانع من شراء أسهم في شركة تعمل في استخراج الذهب ولو كانت غالب أصولها من ذلك الذهب لأن الشركة شخص اعتباري له ذمة محدودة ذات وعاء قابل للحقوق والواجبات والتملك والتبرع وغير ذلك من التصرفات المالية، فأسهم هذه الشركة حصص شائعة في عموم مقوماتها وعناصر وجودها، ومن هذه العناصر والمقومات قيمتها المعنوية المتمثلة في اعتبارها ومكانتها في سوق الشركات وأسواق الإنتاج، وقد تكون قيمة الجانب الاعتباري للشركة أكثر حجما من قيمة ما لديها من أصول متحركة. كما أن للشركة أصولا ثابتة للإدارة والتشغيل غير الذهب فسهم الشركة ليس محصورا في كمية الذهب الذي تقوم الشركة باستخراجه حتى يقال بمراعاة شروط الصرف، وإنما تمثل أسهمها كامل عناصر وجودها والسهم فيها حصة مشاعة في عموم مقومات الشركة واعتبارها. فمن يشتري سهما أو أكثر من أسهم هذه الشركة لا يعتبر نفسه قاصدا شراء كمية من الذهب المستخرج. فالذهب المستخرج مادة متحركة يخرج اليوم ويباع غدا ويخرج غيره بعد ذلك ويستمر نشاط الشركة في هذا السبيل على هذا الاتجاه. ولكنه – أعني مشتري السهم – يقصد الدخول في المساهمة في هذا النشاط وفي هذه الحركة الإنتاجية والصناعية والاشتراك في تملك الاختصاص في ذلك ومن القواعد الشرعية أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. ألا ترى أن تملك الشركات المساهمة سيولة من النقود ووجود ديون لها وانتفاء الوضوح الكامل لموجودات الشركة مما يعطي نوع جهالة. كل ذلك يغتفر ولا يؤثر في صحة تداول أسهم الشركات بيعا وشراء وتملكا وتمليكا، حيث يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.
ومن المسائل التي رغب المجمع في بحثها (ذكر الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة) : من النشاطات المصرفية المعتادة والمتكررة لدى المؤسسات المالية والحوالات.
والحوالات قد تكون بعملة البلد المحال فيه كأن يطلب أحد الناس من أحد المصارف تحويل مبلغ من المال بعملة معينة كالريال السعودي أو الدولار الأمريكي – مثلا – فيدفع للمصرف هذا المال ويطلب منه تحويله إلى بلد معين فيقوم المصرف بذلك ويعطيه إشعارا بالتحويل المصرفي في حوالة محضة ليس لها تعلق بمسائل الصرف، وإنما هي من مسائل السفتجة. وقد عرفها بعضهم بقوله: السفتجة هي أن يعطي مالا لآخر مع اشتراط القضاء في بلد آخر على سبيل القرض لا على سبيل الأمانة وذلك لضمان الطريق أو لأي غرض آخر.
стр. 13993
وقد اختلف العلماء في حكمها، فجمهورهم قالوا بجوازها مستدلين على ذلك بما روي عن عطاء: أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب بها إلى أخيه مصعب بن الزبير في العراق ويأخذونها منه فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير بأسا فقيل له: إن أخذوا أفضل من دراهمهم؟ قال: لا بأس إذا أخذوا بوزن دراهمهم.
وروي أيضا مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁؛ فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ أجازوا ذلك.
ورد المجيزون على المانعين قولهم بأن هذا من قبيل القرض الذي يجر نفعا وكل قرض جر نفعا فهو ربا فإن دافع النقود يستفيد من ذلك أمنه من خطر الطريق. رد المجيزون على ذلك بقولهم: المنفعة التي تجر الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته ولا مصلحة للمقترض في ذلك، بخلاف هذه المسألة، فإن المنفعة مشتركة بينهما وهما متعاونان فهي من جنس المعاونة والمشاركة.
وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى وجرى نقل النص في البحث المقدم.
وقال آخرون بمنعها بحجة أن السفتجة قرض يستفيد منها المقترض أمن الطريق وكل قرض جر نفعا فهو ربا. وقد تقدم رد هذا الاحتجاج بما يكفي عن إعادته.
وذكروا حديثا عن رسول الله ﷺ : ((السفتجة حرام)) وهو حديث ضعيف ذكره ابن الجوزي في الموضوعات فلا يصح الاحتجاج به، والقول بجواز ذلك هو ما تطمئن إليه النفس لما في ذلك من المصلحة العامة والتيسير على المسلمين في معاملاتهم وانتفاء الدليل المقنع على المنع لأن الأصل في المعاملات الإباحة.
стр. 13994
وقد تكون الحوالة بنقد مغاير للنقد المراد تسلمه في البلد الآخر، فهذا نوع من التحويل يجتمع فيه الصرف والحوالة، ولا يخفى أن للصرف في حالة اختلاف العوضين جنسا شرطا هو التقابض في مجلس العقد، وقد تقرر لدى المجامع الفقهية والهيئات العلمية أن كل عملة ورقية جنس يجوز المصارفة بينها وبين غيرها من عملات الدول الأخرى مطلقا إذا كان يدا بيد؛ لقوله ﷺ : ((فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
وعليه فيجب قبل التحويل إجراء عملية الصرف بحيث يتسلم المحيل العملة التي يريد تحويلها بعد انتهاء عملية الصرف، سواء أكان تسلما حسيا أم تسلما في معنى الحس، كأن يعطيه شيكا مصدقا يملك بقبضه القدرة على التصرف فيه بتسلم محتواه أو بقيده في حسابه أو تحويله، فإذا تسلم الشيك المصدق أمكنه بعد ذلك تحويله، وصار الأمر إلى الإجراءات المتخذة في الحال الأولى، وهي تحويل نقد معين إلى بلد آخر.
هذا أيها الأخوة – حفظكم الله – ملخص البحث، أرجو أن يكون في عرضه أيفاء للمقام، والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 13995
الشيخ صالح المرزوقي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فقد تفضل فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع بعرض أحكام تجارة الذهب في مواضع كثيرة ومتعددة – جزاه الله خيرا وأجزل مثوبته – حيث إننا قد كتبنا بحثا في هذا الموضوع، واتفقنا معه في كثير من وجهات النظر، ونختلف معه – أيضا – في بعضها.
أود أن أشير إلى بعض المسائل التي تعرّض إليها بإيجاز:
فمثلا موضوع أثر الصياغة في شرط التماثل؛ بيع الحلي بجنسه بأكثر من وزنه مقابل الصنعة، والذي ذكره فضيلته ورجح جوازه، أقول: للعلماء في هذه الحالة مذهبان:
المذهب الأول:
ويرى القائلون به أنه لا عبرة للصناعة ولا لغيرها، فيجب التماثل في بيع الجنس بجنسه، وهذا مذهب جمهور العلماء: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية، والإمامية، وممن قال به من العلماء المعاصرين سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وصدر به قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
المذهب الثاني:
ويقول أصحابه: إذا كانت الصناعة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء، وبيعت بجنسها من غير المصنوع، فانها تباع بالقيمة، ولا يشترط التماثل جعل الزائد مقابل الصنعة، وهو قول ابن القيم، واشتهرت نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان جاء في فتاواه ما يدل على خلافه.
стр. 13996
وأحبُّ هنا أن أوجزَ أدلة الجمهور القائلين بالمنع:
فقد استدل الجمهور على وجوب التماثل في بيع الحلى الذهبية بالذهب، وعدم جواز أي زيادة لأجل الصنعة في الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب فقول الله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، والربا هو الزيادة، ودليل التحريم عام لم يُفرِّق بين المصنوع وغيره. وأما السنة فقد استدلوا بأحاديث كثيرة، منها ما يفيد وجوب التماثل بعمومه، ومنها ما هو نص في الموضوع؛ فأما ما يفيد التماثل بعمومه فقد أوردنا في ثنايا البحث كثيرا منه، ونكتفي بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي رسولَ الله ﷺ يقول: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الوَرِق بالورق، إلا مِثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضه على بعض، ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد)) . وأما الأحاديث التي تعتبر نصا في الموضوع، فنذكر منها: عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث. فجلس، فقلت له: حَدِّث أخانا حديثَ عبادة بن الصامت. قال: نعم؛ غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث، قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟ فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية.
стр. 13997
ثانيا: روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر رسول الله ﷺ السَّعْدَينِ أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة – هذا الحديث الذي ذكرناه سابقا في صحيح مسلم – عينا، وكل أربعة بثلاثة عينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((أربيتما فَرُدَّا)) وهو حديث مرسل، وقد روي هذا الحديث متصلا من طريق آخر، فقد رواه ابن عبد البر قال: ذكر يعقوب بن شيبة، وسعد بن عبد الله بن الحكم، قالا: حدثنا قدامة بن محمد بن قدامة بن خشرم الأشجعي، عن أبيه قال: قال: حدثني مخرمة بن بكير، قال: سمعت أبا كثير جلال ... إلى أن قال: سمعت حنشا السبئي، عن فضالة بن عبيد يقول: كنا يوم خيبر، فجعل رسول الله ﷺ على الغنائم سعدَ بنَ أبي وقاصٍ وسعدَ بنَ عبادة، فأرادا أن يبيعا الدينارين بالثلاثة، والثلاثةَ بالخمسة، فقال رسول الله ﷺ : ((لا، إلا مثلا بمثل)) قال ابن عبد البر: وهذا إسناد صحيح متصل حسن. وروى مالك عن حميد بن قيس المكي، عن مجاهد أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدرَ عمل يدي. فنهاه عبدُ الله عن ذلك، فجعل الصائغ يُردّدُ عليه المسألةَ وعبدُ الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضلَ بينهما، هذا عهدُ نبيِّنا إلينا وعهدُنا إليكم، قال أحمد البنا: رواه مالك، والشافعي في مسنده، والبيهقي وسنده عنده جيد. رواه الإمام الشافعي في الرسالة عن ابن عمر، أنه قال: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم. قال أحمد شاكر: حديث صحيح جدا. ورى مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو وَرِقٍ بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ينهى عن مثل هذا، إلا مِثلا بمثل. فقال له معاويةُ: ما أرى بمثل هذا بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه، لا أُساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمرَ بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمرُ بن الخطاب إلى معاوية: ألا تبعْ ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن. وهذا حديث صحيح.
وعن فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ وهو بخيبرَ بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم، تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحدَهُ، ثم قال له رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنا بوزن)) . ومعلوم أن القلادة حلي مصوغة. وروى أنس بن مالك قال: أُتِيَ عمرُ بن الخطاب ﵁ بإناء كَسْروَانيٍّ قد أُحكمت صنعته، فبعثني به لأبيعه فأعطيت به وزنا، فذكرت ذلك لعمر ﵁، فقال: أما الزيادة فلا. وهذا الإناء من ذهب أو فضة.
стр. 13998
وقد تكلم فضيلة الشيخ في مسألة اجتماع الصرف والحوالة، وَكَيَّفَهَا على أنها سَُفْتَجَة، والذي نراه أنها إجارة وليست سفتجة. هذه المعاملة جائزة، والوصف الفقهي لها عندي إجارة على نقل النقود أو صرف وإجارة، ففي حالة استلام ذات العملة فهي إجارة فقط، وفي حالة استلام عملة أخرى بديلة للعملة المقدمة كالجنيهات المصرية مثلا مقابل الريالات السعودية فهي صرف ثم إجارة، كلٌّ من العقدين مستقل عن الآخر؛ لأن تحويل الريالات إلى جنيهات صرف، ثم نقلها أو التعهد بنقلها إلى القاهرة، أو إلى أي بلد آخر، وأخذ عوض مقابل هذا النقل، يعتبر إجارة على نقل النقود؛ لأنه هو مقصود العاقدينِ، وليست العمولة التي يدفعها طالب التحويل إلا أجرة النقل، والمصرف له أن يتخذ الوسيلة التي ينفذ العقد بها، من هذه الوسائل الشيك أو البرقية أو الفاكس أو التليفون أو نحو ذلك.
لكن في جميع الأحوال يجب أن يفرق بين الصرف والإجارة؛ لأن الصرف يشترط فيه التقابض، وسبق أن ذكرنا أن قبض الشيك أو قبض المستند الذي يقوم مقامه في حالة الإرسال بواسطة الفاكس أو البرقية أو نحوهما، يعد قبضا حُكميًّا صحيحا.
أما تكييفه على السَُفْتجة فهذا لا أرى صحته؛ لأن السفتجة قرض كما هو رأي جمهور الفقهاء، فقد عرَّفها الدسوقي بأنها الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله من بلد ليدفع للمقترض نظير ما أخذه منه ببلده، وهي المسماة بـ (البالوصة) . ولأن الجموع التي تقف في المصارف لإرسال النقود إلى ذويهم أو عملائهم أو حساباتهم في مصارف أخرى، في الحقيقة ليست مقرضة، ولا يتبادر إليها القبض بأيِّ حال، وأن المقترض في السفتجة لا يتقاضى أجرا، أما المصارف اليوم فإنها تأخذ أجرا على هذه العملية. فإنْ قيلَ: إنها حوالة، قلنا: لا يصح تكيِيفها على الحوالة؛ لأن الحوالةَ نقلُ الدَّيْنِ من ذمةٍ إلى ذمة، والصورةُ التي نحن بصددها الأصل فيها أنه ليس هناك دائن ولا مدين، وإن وجدت عند تحويل مستوردي البضائع إلى دائنيهم المصدرين، إلا أنها لا توجد في بقية الحالات، مثل أن يحول إلى حسابه أو إلى أولاده؛ ولأن من أركان الحوالة المحيل والمحتال والمحال عليه، وهذا غير متوفرٍ في كل الحوالات المعاصرة. ولا يجوزُ أخذُ الأجرةِ في عقدِ الحوالة، بينما الحوالات المصرفية يصح أخذ الأجرة عليها؛ لأنها إجارة، على تعهده بإيصال النقود إلى البلد الذي اتفق العميل مع المصرف عليه، سواء أكان المصرف الذي حرر الشيك عليه فرعا له أم وكيلا عنه. هذا ما يتعلق باجتماع الصرف والحوالة.
أما ما يتعلق ببيع أسهم الشركة التي تعمل في استخراج الذهب، فأَتَّفِقُ مع فضيلة الشيخ على جوازه؛ لأن المنظور إليه هو رأس مال الشركة.
وأكتفي بالقدر هذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13999
الشيخ خليل الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يفهم من كلام فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع؛ حرمةُ تَملُّكِ الأواني الذهبية أو الساعات الذهبية، هذا الأمر فيه عجب، هو يُحرِّمُ على ما نعلم استعمالها لا اقتناؤها، وهي ليست خمرا حتى تُعطى حكمَ الخمرِ؛ بدليل أنه يحل استعمالها للنساء، فما المانع إذا مُلِكتْ وأُديتْ زكاتُها، ولم تُستعمل، فكما تقدّم: من يملك ساعةً ذهبية ماذا يفعل بها إذن وهو لا يستعملها؟ ألا يبيعها؟ ألا يستفيد من ثمنها؟ فإذن – والله أعلم – هو المعروف أن حرمة استعمالها لا حرمة تملكها واقتنائها، فاقتناؤها واستعمالها شيء آخر، والله أعلم.
стр. 14000
الشيخ تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
الواقع أنني أشكر الباحثين، فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، وسيادة الأستاذ صالح المرزوقي حفظهما الله تعالى، فقد تمتعنا بقراءة بحثيهما، وهما مليئان علما، ولكن قد أثيرت في هذين البحثين عدةُ نقاط، أريد أن أعرض فيها بعض الملاحظات؛ قد تعرّض فضيلة الشيخ عبدُ الله بن سليمان بن منيع حفظه الله لعدة مسائل، وقد كان موفقا في إيجاد الحلول للمشاكل التي نواجهها في حياتنا اليوم، ومع تقديري لبحثه وعلمه وفضله، فإني أخالفه فيما ذهب إليه من أخذ رأي ابن القيم ﵀ في أنه يجوز بيعُ الذهب المصوغ بأكثر من وزنه. لا شكَّ أن الإمام ابنَ القيم ﵀ قد أجاز بيعَ الذهبِ المصوغ بأكثر من وزنه. ولكنني في علمي القاصر لا أجد لهذا القول عهدا في أقوال السلف من الصحابة والتابعين، وهو بظاهره مخالف لصريح النصوص التي تنصُّ على حرمة التفاضل في بيع الذهب بالذهب، ولا تقول: الدينار بالدينار فقط، بل تصرح ببيع الذهب بالذهب، وكلمة الذهب تطلق على كل من: تِبر أو سكَّة أو حلية أو أي شيء مصوغ من ذهب، ولقد وقع فيها أحاديثُ صريحةٌ، مثل حديث أبي الدرداء ﵁، كما أشار إليه الدكتور صالح، وحتى أنكر أبو الدرداء ﵁ على معاوية ﵁ وقال: لا أساكنك بأرض أنت بها. وقد أيدَّه سيدُنا عمرُ بن الخطاب ﵁، وفيما ذكره الدكتور صالح غِنًى عن سرد هذه الأدلة بأجمعها. فالواقع أن مذهب الجمهور هو القوي في هذا الصدد من حيث الدليل عقلا ونقلا، أما الآن في حياتنا المعاصرة فإنه لا إشكال في العمل بقول الجمهور إطلاقا؛ لأن الحلي اليوم لا تشترى بالذهب، إنما تشترى بالأوراق النقدية، فإذا اشتريت الحلي بالأوراق النقدية فللبائع أن يعقد هذا العقد على أي مقدار من هذه الأوراق، فلذلك لا إشكال في ذلك إطلاقا.
стр. 14001
ثم المسألة الثانية التي أريد أن ألاحظ فيها هي مسألة القبض، في التقابض في الصرف. وقد ذكر فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع حفظه الله، وقد كان موفقا في قوله حيث قال: إن الشيك إذا كان مصدَّقا من قِبَلِ المصرف، فإنه في حكم القبض الحقيقي، أما إذا لم يكن مصدقا من قبل البنك فحينئذ قد ذهب إلى أنه لا يعتبر قبضا؛ لأنه قد تَحُولُ دون تسلُّم مبلغِهِ عوائقُ كثيرة، وهذا ما أوافقه فيه، ولكنه في آخر البحث لمَّا جاء إلى مسألة الحوالة والصرف، فإنه قد يظهر من كلامه أنه يقبل في ذلك شيكا ولو غير مصدق، فإن كان ما فهمتُهُ هو الصواب فقد يبدو أنَّ هناك تعارضًا بين الأمرين.
والمسألة الثالثة، تتعلق بمسألة بطاقة الائتمان، هل يعتبر التوقيع على بطاقة الائتمان قبضا؟ وقد ذهب فضيلته إلى أن هذا يعتبر قبضا، وهذا فيه نظر؛ لأن بطاقة الائتمان في الواقع تكييفُهَا الفقهيُّ لا يمكن إلا عن طريق الحوالة، وقد درسنا هذا الموضوع ولم نبتَّ فيه بشيء، ولكن الظاهر أن هذا حوالة، والحوالة في الصرف غير جائزة، ولو كان هناك توقيع من قِبَلِ صاحب البطاقة، ثم ما ذكره من أنه لا يستطيع الموقع بعد التوقيع أن يرجع عن توقيعه، هذا أيضا مما يحتاج إلى تدقيق من قِبَلِ الخبراء في هذا الصدد، ولست متأكدا في هذا.
وأخيرا قد أثني على ما ذكره الدكتور صالح المرزوقي في مسألة الصياغة، أما ما ذكره في مسألة الحوالة والصرف بأنها ليست سَُفْتَجة وأنها إجارة، فقد يعتريه إشكال آخر؛ أنه لو جعلناها إجارة فإن يدَ العميلِ يدُ أمانة وليست يدَ ضمانٍ، مع أن العقود المعروفة اليوم تضمنها البنوك، فكيف نوفق بين الأمرين؟ هذا سؤالٌ أطرحه لسيادة الدكتور المرزوقي، وشكرا. والله سبحانه أعلم.
стр. 14002
الدكتور عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، بعدَ تقديم الشكر للباحثين والعارض، لا بد من ذكر بعض الملاحظات، بعضها شكليٌّ وبضعها موضوعيٌّ.
المسألة الأولى، هي قضية الحديث الشريف: ((الذهبُ بالذهب والفضةُ بالفضة)) ، كما تفضَّلَ فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، والذي نعرفه أن الحديث بروايته الصحيحة: ((الذهبَ بالذهبِ والفضةَ بالفضةِ)) أي بيعوا الذهبَ بالذهب، إلا إذا كانت هناك رواية أخرى نستفيدها من فضيلته، أما قضيةُ السفتجة فاختارَ جوازَ ذلك، ولا أدري ما هو مبرر هذا الجواز؟ هل هو أنه قصدها على أساس الإجارة، والإجارة تفضَّل أخي فضيلة الشيخ العثمانيُّ بأنَّ فيها نظرًا من قضية اليد، وإذا بقيت حوالة وصرفا فإن الأمر يتغير من الجواز إلى الكراهة، كما قرر ذلك بعض علماء المذاهب كالحنفية مثلا، والكراهة ربما كانت تحريمية، لذلك ينبغي أن نضع في قضية السفتجة قاعدةً جديدةً غير الإجارة، وأن نرى لها وجها آخر غير الحوالة والصرف، وهذا شأن هذا المجمع بعلمائه وفقهائه، ولا أضع في ذلك رأيا، بل أرفض قضيةَ الإجارة كرأي خاص، وأرى الكراهة ما دام الموضوع حوالة وصرفا، أما إذا رأيتم غير ذلك فنحن مع الرأي الراجح بدليله.
ثم قضية الصنعة التي يقابلها وزن الذهب، هذا أمر- كما تفضل فضيلة الشيخ العثماني – رفضه الجمهور ولم يأخذ به، غير العلامة ابن القيم، ومهما كان ابن القيم على جلالته وفضله وفقهه فإننا مع الجمهور في هذه المسألة، كما هو رأي أكثر إخواننا فيما أرى، والذي قامت عليه أدلة كثيرة قاطعة، لكننا هنا نقف أمام قضية (التَّوَرُّق) الذي ذكره فضيلته، نحن اليومَ لسنا بحاجة أبدا لبحث هذه المسألة؛ لأنه لو كان عندي مثلا ذهب مكسر – أضيف هذه الملحوظة إلى ما تفضل به أخي الشيخ تقي – وأردتُ أن أصرفه أو أُراطله بذهب صحيح (غير مكسر) مصنوع له حلية، فيجب أن يكون الوزن واحد، وأما الصنعة فيقابلها أوراق نقدية، فمثلا عشرون مثقالا من الذهب المكسر بعشرين مثقالا من الذهب المصوغ، وبالحلية والصنعة عشرون بعشرين بالوزن، وأما الصنعة فيقابلها عشرة آلاف ليرة سورية، ما هو المانع من ذلك؟ في هذه الحالة نكون قد ضبطنا قضية الوزن، الذهب بالذهب، والصنعة قد يقابلها شيء من المال، لكن من الوَرَق النقدي، هذا إذا رأيتم ذلك، والله تعالى أعلم، ولكم الشكر.
стр. 14003
الشيخ وهبة مصطفى الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد:
لا شك في أن البحثينِ اللذينِ استمتعنا بتلخيصٍ عنهما، هما في الحقيقة يمثلانِ ما عليه الفقهاءُ المسلمون من أمانة ودقة وتعليل وتأصيل، ودوري في هذا التعليق أنني أؤيد فضيلة الشيخ عبدَ الله بن منيع في أمور ثلاثة، وأخالفه في أمور أربعة، بالرغم من أن ما تفضل به كله سليم ومدقق ومحقق من الناحية الفقهية، ولكن القضية قضية ترجيح أو اختيار لأحد هذين الرأيين دون الآخر.
أما الأمور التي أخالفه فيها فهي:
الأمر الأول:
تكلم الإخوة الكرام الشيخ العثماني والشيخ المرزوقي بأن الزيادة بسبب الصنعة في الحقيقة هذا يخالف رأي جماهير العلماء والأكثرية الساحقة، وأن رأي ابن القيم هو في الحقيقة يسير عليه بعض الناس في الوقت الحاضر من الناحية العقلية، وهذا هو ملحظ معاويةَ بنِ أبي سفيان ﵁، فإذن أنا لا أرجح هذا الرأي – رأيَ ابنِ القيم – وإنما أرجحُ رأيَ الجمهورِ؛ للأحاديث الواضحة في هذا الجانب؛ وسدا للذرائع حتى لا تتخذ الصنعة سبيلا للتفاضل في مالين ربويين الحديث واضح فيهما، والحديث: ((الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبرُّ بالبرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، يدا بيد، سواء بسواء)) فالرفع هو المشهور. قضية النصب – يعني – ليس ممنوعا، وإنما الرفع صار، يعني بيع الذهبَ بالذهبِ كذا فيه مبتدأ وخبر محذوف.
стр. 14004
الموضوع الثاني:
الذي أخالف فيه قضية الاشتراط في بيع الحلي القديم بشراء حلي جديدة. الحقيقة هذا ما أخالف فيه فضيلة الشيخ عبد الله؛ لأنه يتنافى مع بيع وشرط، وصحيح الحديث لا يُذكر فيه: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيعٍ وشرطٍ)) هذه عبارة فقهية، وإنما العبارة الصحيحة للحديث: ((لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ)) ، فهنا أيضا لا أوافق على هذا الموضوع.
الموضوع الثالث:
هو قضية تحريم المموه بالذهب والفضة، أيضا أخالفه في القول باختيار المنع؛ لأن أغلب الفقهاء أجازوا ذلك، والقضية واضحة، والناس جميعا يعرفون أن هذه الساعة المموهة وهذا المعدن المموه هو طلاء يحل ذلك ما لم يحصل منه شيء بالعَرْض على النار، فالعبرة وجود جسامة وضخامة المعدن الثمين، وليس المعوّل على المظهر والشكل، فإذن قضية التحريم لا أجد في ذلك مسوغا، وإن كنت أؤيد أيضا فضيلة الشيخ خليل في القول بأن اقتناء الساعة الذهبية ليس هناك مانع في ذلك، وإنما هنا التحريم منصب على الاستعمال، وليست هذه بمثابة الأواني، تحريم الاقتناء للأواني؛ لأن ذلك لا مسوغ له، وكثيرا ما نجد أناسا يملكون مثل هذه الساعات ولا يستخدمونها، فلا أجد مبررا للقول بالتحريم.
الموضوع الرابع:
الذي أخالف فيه قضية الشيك، وقضية اشتراط كونه مصدقا، واشتراط وجود الرصيد، الحقيقة سحب الشيكات كما تقرره القوانين – سحب شيك بدون رصيد – يعدُّ جريمة تعاقب عليه القوانين المعمول بها في كل الدول، فلذلك المفروض تحقق الثقة في ساحب الشيك، وأما قضية اشتراط التصديق، هذا يعرقل عملية المعاملات، ولذلك أعتقد أن الشيك يعد قبضا حكما، ولا يشترط له هذان القيدان اللذان شرطهما فضيلة الشيخ عبد الله، بالرغم من أنه يحرص على أن يكون ذلك قبضا فعليا؛ لأن الشرطين اللذين ذكرهما يجعلان القبض فعليا، ونحن نكتفي لتسيير المعاملات وتسهيلها بالقبض الحكمي، وأن قبض الشيك يعد قبضا لمحتواه.
هذه هي الأمور الأربعة التي أخالف فيها.
стр. 14005
أما الأمور الأربعة التي أؤيده فيها: أؤيد قوله بأن شراء الذهب بشهادات متخصصة لا يعد قبضا، هذا القول وجيه ومعتمد، وله حظ من التحقيق والنظر، وهو كلام سديد، فهذا ما أوافقه عليه.
قضية هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب أيضا أؤيد ما قاله هو والدكتور المرزوقي، أنا موافق على هذا.
أما قضية اجتماع الصرف والحوالة، أيضا أؤيد ما قاله فضيلة الشيخ ابن منيع، وأن هذا سفتجة، والعلماء والفقهاء قرروا ذلك.
قضية الإجازة غير واردة أصلا؛ لأن هناك خللا، وذلك لأن العلماء اتجهوا للسفتجة؛ لأنه يسهل لهم ضمان هذا الشيء في تسييره ونقله من بلد إلى بلد آخر، وهذا هو الهدف. فقضية الإجارة، يد الأجير الأمين يد أمانة وليست يد ضمان، إلا إذا كان أجيرا مشتركا، فممكن تسويغ ذلك على أساس أن البنوك أجير مشترك، فيمكن أن يكون الضمان هنا قائما، لكن فقهاءنا قرروا أن هذا من قبيل السفتجة، وأجازه الجمهور، الحنفية قالوا: لا يجوز. الحقيقة ما دام أكثرية العلماء أجازوا ذلك فأنا أؤيد فضيلة الشيخ ابن منيع في هذا الاتجاه. أيضا أؤيده في القضية الأخيرة التي اكتفى بها للقول بأن اجتماع الصرف والحوالة بنقد آخر هذا هو التكييف الذي سار عليه الاقتصاديون الإسلاميون في قضايا البنوك الإسلامية.
في الحقيقة لا بد من القول بمثل هذا، وهذه ضرورة؛ يعني أبناؤنا الذين نرسلهم إلى الخارج، وأيضا عدم توافر، أو بسبب عدم السماح بنقل النقود من بلد إلى آخر عند أكثر الدول، الحقيقة لا سبيل إلى هذا إلا بمثل هذه الأعمال المصرفية، التي يجري الاتفاق فيها مع البنك بأن ندفع العملة المحلية ونأخذها بعملة أخرى، وإلا فإننا قد ضيقنا على الناس وأوقعناهم في الحرج الشديد، فلذلك القول بحلِّ هذه العمليات المصرفية، وإن أخذ المصرف أجرا عليها، هو متحتم لرفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم، والسلام عليكم.
الرئيس: متحتم عزيمة أم رخصة؟
الدكتور وهبة الزحيلي:
رخصة.