الدكتور سعود الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
عدة نقاط سريعة سوف أتكلم فيها مما أثاره فضيلة الشيخ الصديق (العارض) .
أولى هذه المسائل أو النقاط هي السلم في الحال. حيث ذكر أن السلم في الحال يصح عند الشافعية ولا يصح عند غيرهم. وفي الحقيقة هذه مسألة مبنية على قاعدة معروفة ومعلومة هي: (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني وليست للألفاظ والمباني) .
الأمر الثاني: تأجيل رأس المال إلى أجل أقل من أجل المسلم فيه هذه مسألة –في الحقيقة-مهمة ويمكن التريث فيها خصوصا في المسائل التي لا استصناع فيها، مسائل السلم الخاصة والبحتة، أما مسائل الاستصناع فهذه ينبغي التمييز بينها وبين مسائل السلم. فإن تأجيل رأس المال إلى أجل أقل من أجل المسلم فيه وما ذكر عن المالكية بأنهم يجيزون تأخير رأس مال السلم إلى ثلاثة أيام، هذا في الحقيقة مخالف للدليل الصحيح وهو النهي عن بيع الدين بالدين، وهذا نهي عام لا تخصيص فيه لهذه الصورة خاصة؛ لأن الثمن أصبح مؤجلا والمبيع مؤجلا وهذه من صور الدين التي يظهر لي أنها متفق عليها.
الأمر الثالث: جواز الاستبدال للمسلم فيه بغيره. النبي ﷺ يقول: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) . وكذلك نهي عن بيعتين في بيعة، وإذا استبدل المسلم فيه بشيء آخر فقد صرف إلى غيره وقد حصل بيعتان في بيعة وكلا الأمرين ممنوع.
الأمر الرابع: السلم الموازي، يقول فضيلة الشيخ الضرير: (إنه إذا احتاج المسلم إلى نقود يجوز له بيع المسلم فيه قبل قبضه.) وفي الحقيقة يعتبر هذا من بيع ما لم يضمن، والربح فيما لم يضمن، وكذلك هو من بيع الدين قبل قبضه. أمر مهم في الحقيقة ينبغي علينا ونحن في هذا المقام وهو التفريق بين مسائل الاستصناع ومسائل السلم. والمجمع الموقر في دورته السابعة قد ميز بين الأمرين وأجاز في أمور الاستصناع أو ما تدخله الصنعة مما يحتاجه المشتري أو يحتاجه التاجر وليس في السوق ما يسد حاجته أو يحقق رغبته إذا كانت تدخله الصناعة أجاز فيه أو أفتى فيه بأنه يجوز الاستصناع سواء دفع رأس المال السلم كله أو جزؤه أو أجل إلى حين التسليم أو على أقساط أو غير ذلك مما أفتى فيه الجمع في تلك الدورة.
الأمر الخامس: مسألة ما إذا كان الدين على المسلم إليه. فضيلة الشيخ ذكر أنه لا يصح جعله رأس مال للسلم، وفي الحقيقة هذه صورة ينبغي أن نحقق وندقق فيها، لأن رأس مال السلم أصبح مقبوضا والنهي إنما هو عن بيع الدين بالدين والنسيئة بالنسيئة، وهذه ليست فها نسيئة وإنما فيها رأس مال للسلم قد أصبح مقبوضا أو هو مقبوض من وقت سابق. فينبغي علينا أن نميز بين هذه الصورة وبين غيرها من الصور التي فيها بيع دين بدين.
وأشكركم على إتاحة الفرصة.
стр. 14247
الشيخ آدم شيخ عبد الله علي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن بحثي المتواضع لا يخرج عن ما ذكره الشيخ الفاضل في عرضه سواء كان من حيث التعريف والشروط، وهل السلم على القياس أو على خلاف القياس، وقد ذهبت إلى ما ذهب إليه من أن قول غير الجمهور هو الراجح وقلت أنا بعد التأمل: أميل إلى ترجيح القول الثاني من أن السلم على وفق القياس وليس مستثنى من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم المنهي عنه.
وتكلمت أيضا عن حكم التصرف في بضاعة السلم قبل قبضها، وذكرت أنه لا يجوز لمسلم إليه أن يتصرف في رأس مال السلم ببيع أو غيره قبل قبضه، كما لا يجوز للمسلم أن يتصرف في المسلم فيه قبل قبضه؛ لأنه بيع منقول، والتصرف في بيع المنقول من بائعه قبل القبض لا يصح. وأما من حيث أخذ البدل منه ... وقد ذهب الجمهور كما ذكر الشيخ الفاضل العارض إلى عدم جواز أخذ البدل منه لورود النهي عن ذلك، ولكن أجاز ذلك المالكية، قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: (إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا منه ولا تربح مرتين) رواه شعبة. وأما الحديث: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) ففيه عطية بن سعد وهو لا يحتج بحديثه، ورجح رأي المالكية ابن القيم، فقال بعد أن ناقش أدلة كل من الفريقين فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة، وذلك إذا كان عقد السلم قائما، وأما إذا انفسخ عقد السلم بإقالة ونحوها فذهب المذهب الشافعي إلى أخذ العوض عن دين السلم من غير جنسه، واختاره أبو يعلى وابن تيمية وقال ابن القيم: وهو صحيح لأن هذا العوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة كسائر الديون من القرض ونحوه.
وذكرت جوابا عن سؤال ورد في موضوع السلم من موضوعات الدورة، هل يغني عن القبض التحقق ... في مخازن عمومية منظمة؟ فذكرت –والله أعلم-أنه لا يغني عن القبض التحقق من قدرة المسلم على توفير السلعة عند حلول الأجل أو التأمين على السلعة المسلم فيها أو وجودها في مخازن عمومية منظمة؛ لأن المراد من القبض القبض الشرعي الذي يفيد التملك بالشيء المقبوض، وأما وجود شيء أو ضمان وجوده فليس قبضا في الشرع، لكن يمكن أن يحصل به شرط من شروط صحة السلم للمسلم فيه الذي هو عموم وجود المسلم فيه من وقت العقد إلى المحل عند الحنفية، أو إمكان وجوده غالبا عند الشافعية. وذكرت بعض السلع التي يجوز فيها السلم ثم أخيرا قلت: (ويجوز السلم في تلك السلع المذكورة وغيرها من أصناف المال إذا اجتمعت فيه شرائط السلم، ووصف كل صنف منها بما يليق من أوصافها مما ينفي الجهالة عنها) . ويقول الشيرازي في المهذب تكملة المجموع: (ويجوز السلم في مال يجوز بيعه) . والله أعلم.
стр. 14248
الشيخ حسن الجواهري:
بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين،
وقد نقل الخلاف في صحة بيع الكل الموصوف حالا بين الجمهور والشافعية.
أقول: إن هذا الخلاف إذا كان في خصوص بيع الكل الموصوف حالا على أن يكون سلما، ويوصف بأنه بيع سلم فليس من البعيد أن تكون حجة الجمهور صحيحة في أن عقد السلم لا يصدق إلا إذا كان الثمن مؤجلا، ولكن قد يكون الذي صححه الشافعية وصححه الإمامية –أيضا-هو بيع كل الموصوف حالا وإن لم يسم سلما لأنه بيع؛ وذلك لأن شرط تأجيل الثمن في السلم هو شرط لتحقيق الموضوع والمفهوم. أما إذا لم يكن المثمن مؤجلا فهو بيع مستقل يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ و ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ و ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ .يبقى ما ذكر في قصة حديث: ((لا تبع ما ليس عندك)) ، فقد روي أن حكيم بن حزام كان يبيع الناس أشياء لا يملكها ويأخذ الثمن منهم ثم يدخل السوق فيشتري الأشياء ويسلمها لهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((لا تبع ما ليس عندك)) .وهذه القصة وإن ثبتت لا بد من تخصيصها في المبيع الشخصي، بمعنى أن حكيم بن حزام كان يبيع أشياء شخصية كانت مملوكة لآخرين فيستلم الثمن ثم يدخل السوق ليشتريها ويسلمها إلى المشتري.
стр. 14249
والدليل على التخصيص هو ورود الأدلة الكثيرة الدالة على جواز بيع الكل الموصوف المقدور على تسليمه، سواء أكان موجودا عند البائع أو لم يكن موجودا وإن لم يسم سلما، العمومات التي ذكرتها وأدلة خاصة، بالإضافة إلى وجود رواية صحيحة ينقلها ابن الحجاج تكشف عن هذا الخلاف الذي كان موجودا في ذلك الوقت ينقلها عن الإمام الصادق ﵇ يقوم عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتريه منه حالا، قال ﵇ : ليس به بأس. قلت –أي الراوي-:إنهم يفسدونه عندنا. قال ﵇ : فأي شيء يقولون في السلم؟ قلت –أي الراوي-:لا يرون فيه بأسا يقولون: هذا إلى أجل فإذا كان إلى غير أجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح. قال الإمام الصادق ﵇ : إذا لم يكن أجل كان أحق به، ثم قال: لا بأس أن يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل وحالا لا يسمى له أجلا إلا أن يكون بيعا لا يوجد مثل العنب والبطيخ في غير زمانه، فلا ينبغي شراء ذلك حالا. طبعا هذه الرواية ينقلها الراوي عن الإمام الصادق، والصادق يقول: إنما نقوله عن آبائنا عن رسول الله. ثم إننا إذا لم نشترط مدة معينة لبيع السلم. كما ذهب إليه الصديق الضرير وتركنا تعيين المدة إلى المتعاقدين؛ لأن النص الذي أوجب الأجل في السلم لم يحدد مدة لا من ناحية الكثرة ولا من ناحية القلة بل اشترط أن يكون الأجل معلوما، وحينئذ يصح أن تكون المدة يوما واحدا، وحينئذ يصح أن يبيع البائع ويقبض الثمن ثم يدخل السوق ليشتري السلعة الكلية ليسلمها إلى المشتري، وإذا صح هذا فما هو الفرق بينه وبين من يبيع الكل الموصوف حالا، ورضي أن يسلمه غدا؟ ثم يدخل السوق ليشتريه، لا، ويقدمه إليه. نعم، الفرق في التسمية إذ يسمى الأول بيع سلم والثاني بيعا حالا. إذن بيع الكل الموصوف حالا صحيح على أنه بيع مستقل تشهد له العمومات، عمومات الكتاب، ولا دليل على بطلانه. نعم، ليس سلما ولكن لا دليل على بطلانه على أنه عقد مستقل لأنه النهي عن بيع ما ليس عندك قد خصص للعين الشخصية التي هي ملك الغير، وأبيعها على أن يكون الثمن لي، فإن هذا البيع هو الذي لم يتحقق فيه معنى المعاوضة. سلعة الغير أبيعها لي، لم يتحقق معنى المعاوضة ومفهومها فيكون البيع باطلا.
стр. 14250
بالنسبة إلى منع اشتراط الخيار في عقد السلم كما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة، منعوا من اشتراط الخيار في عقد السلم، وقد ذكر لهذا الحكم هذه الجملة كدليل: إن إثبات خيار الشرط يؤدي إلى أن يتفرقا قبل تمام قبض العوض. أقول: إن قبول عقد السلم لخيار الشرط لا يؤدي إلى التفرق قبل قبض العوض؛ لأن معنى الخيار هو وجود حق الفسخ للمشروط له، فقد يحصل الفسخ بإعمال هذا الحق، وحينئذ لا يوجد عقد سلم بعد الفسخ، وقد لا يحصل الفسخ نتيجة عدم إعمال هذا الحق، وحينئذ يبقى عقد السلم الذي حصل فيه قبض الثمن بحاله وهو عقد صحيح رغم وجود خيار الشرط، وحينئذ لا ارتباط بين حصول التفرق بعد قبض الثمن وتمامية العقد وكون أن أحد المتعاملين أو كليهما له حق الفسخ. فليس منع خيار الشرط مبنيا على اشتراط قبض رأس مال السلم في مجلس العقد إلا على القول بأن العقد إذا كان فيه خيار لم يكن تاما كما ذهب إليه الشيخ الطوسي من الإمامية ولم يحصل النقل والانتقال وهو أمر ثبت بطلانه، حيث إن الخيار في العقد يجعل العقد جائزا بدل اللزوم، لا أنه لم يحصل فيه النقل والانتقال كما هو واضح، ولعل المؤيد لصحة وجود خيار الشرط مع تمامية عقد السلم حصول القبض قبل التفرق هو وجود خيار الغبن في عقد السلم.
ذكر بعض من الفقهاء حرمة بيع مال السلم قبل قبضه، أو حرمة بيع الطعام قبل قبضه لوجود النهي من قبل النبي ﷺ .
أقول: إن مسألة اشتراط قبض بضاعة السلم قبل قبضها أو اشتراط قبض الطعام قبل بيعه معناه بطلان البيع قبل القبض، وهو حكم وضعي، وصحة البيع بعد القبض أيضا هو حكم وضعي. هذا لا ارتباط له بالحرمة التكليفية حيث إن نهي النبي ﷺ عن البيع قبل القبض إرشاد إلى شرطية القبض في البيع، ومع عدم القبض يكون العقد باطلا فقط، لا حرمة تكليفية. وحينئذ إذا بطل العقد يأتي الحكم التكليفي بوجوب إرجاع الثمن إلى صاحبه، فإن لم يرجعه فهو عمل محرم مترتب على بطلان العقد وعدم إرجاع الثمن إلى صاحبه وهذا أمر آخر غير حرمة نفس البيع قبل القبض.
стр. 14251
بالنسبة لفكرة السلم الموازي، فليست هذه الفكرة هي فكرة حادثة واصطلاح حادث لأننا وجدنا الآثار المروية عن الإمام الصادق ﵇ وهو المتقدم على أئمة المذاهب الأربعة يجيز فكرة السلم الموازي بطريق الحوالة والوكالة في القبض، كما ذكرت ذلك مفصلا في البحث. وفكرة السلم الموازي فكرة صائبة للفرار من بطلان بيع الطعام أو المكيل والموزون أو بضاعة السلم قبل القبض أو قبل الأجل إلى طريقة أخرى جديدة لها أحكامها الخاصة وهي بعيدة عن بيع مال السلم قبل قبضه أو قبل أجله، كما أنها بعيدة عن ربح ما لم يضمن على تقدير القول به، وبعيدة عن الربا الذي نسب القول به إلى ابن عباس القائل: إن هذا عبارة عن بيع دراهم بدراهم، فإننا لا نجد شبهة الربا في السلم الموازي حتى إذا قلنا به في بيع مال السلم قبل قبضه، وبهذا ستكون فكرة السلم الموازي خير طريق لإيجاد أدوات التجارة الرابحة المحللة.
بالنسبة للشرط الجزائي في صورة تأخير البائع في تسليم البضاعة السليمة. كنا قد رأينا في البحث المقدم للمجمع الموقر عدم الفرق بين صحة الشرط الجزائي في الأعمال والبيوع، ولكن نعلن هنا استثناء بيع السلم الذي يكون المثمن فيه كليا في الذمة ومؤجلا إلى أجل لما ثبت من أن تأجيل الثمن في بيع النسيئة في مقابل المال يكون ربا محرماً، فكذا تأجيل المثمن في بيع السلَم في مقابل المال يكون محرمًا لأنه من مصاديق (انظرني أزدك) ، فإن بيع السلَم وإن كان بيعًا لكن المثمن فيه مؤجل فهو دين في ذمة البائع فيكون تأجيله أو تأخيره في مقابل المال ربا محرماً، وإن كنا نقول بصحة الشرط الجزائي في الإجارة وفي البيوع التي ليس فيها الثمن أو الثمن مؤجلاُ. نعم، الطريق لضبط البائع في التزامه بالعقد هو شرط المشتري عليه كمية من المال في صورة تخلفه عن تنفيذ العقد، وهذا هو العربون الذي أجازه المجمع في دورة سابقة، ولكن هذا ليس بديلًا للشرط الجزائي في صورة تأخر البائع عن تسليم البضاعة.
بقي شيء أخير بالنسبة لبيع البضاعة السليمة قبل قبضها. فقد منع منها مشهور العلماء الإمامية في خصوص المكيل والموزون لورود روايات كثيرة وصحيحة تمنع هذا فقط، وعلى هذا الرأي. ورأي من يقول: إن الممنوع من البيع قبل القبض هو في الطعام، يتبين أن العلة في المنع ليست هي ربح ما لم يضمن، ليست هي الربا، إذا كانت العلة هي هاتين فلم أجيز بيع ما لم يكن طعاما عند بعض الفقهاء، أو غير مكيل أو غير موزون عند الإمامية؟ كما لم تكن العلة هي الغرر لما ذكر أيضاً. إذن, إذا امتنعت هذه العلل الثلاث من كونها هي العلل الحقيقية للمنع عن بيع الطعام أو بيع المكيل والموزون قبل قبضه. وطبعًا إذا ثبتت هاتان تتقيد الروايات التي تمنع من بيع بضاعة السلَم قبل قبضها بهاتين الطائفتين من الروايات. ينفتح لدينا القول بأن النهي عن بيع ما لم يقبض هو نهي تعبدي فيقتصر فيه على مورده ويسوغ تجويز السلَم الموازي الذي يكون على سبيل الحوالة والوكالة في القبض.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 14252
الدكتور محمد علي القري بن عيد:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، فإننا بعد الاستماع إلى هذا العرض المميز الذي قدمه لنا الشيخ الضرير-أحسن الله إليه ووفقه لكل خير-أظن أننا نخلص بنتيجة ألا جديد في فقه السلَم، ولكن، إن مجرد التأكيد على ما هو معلوم من أركان السلَم وشروط صحته والانتهاء من ذلك بترجيح الراجح منها لا يفيد، إذ إنه لا يعد إنجازًا ذا بال بالنسبة لهذا المجمع الموقر، كما لا يفيدنا بعث الخلافات القديمة بين المذاهب والفقهاء مما لا طائل من ورائه إذ لا علاقة مباشرة لكثير من تلك الخلافات بالحياة المعاصرة.
الأولى – في نظري, والله أعلم-أن ننظر إلى المسائل المستجدة وإلى أنواع المعاملات التي يتعامل بها الناس وإلى العقود التي يقوم عليها النشاط التجاري في معاملات الناس اليوم، فهم يدخلون في ما يشبه السَلم ولكن مع اختلاف في الشروط مثل تأجيل البدلين، وهذه هي صيغة بيع البترول الذي يقوم عليه اقتصاد كثير من بلاد المسلمين، وصيغة بيع أنواع كثيرة من السَلم والمواد، أو يقومون بدفع جزء يسير من رأس المال في مجلس العقد وتأجيل ما بقي، وهذا ما ينتشر في العمل به في أسواق السلع وفيها استثمارات البنوك الإسلامية وكثير من أموال المسلمين، أو أنهم يبيعون المسَلم فيه قبل قبضه، وهذا قوام النشاط التجاري في الأسواق الدولية لتبادل المواد الأولية.
إن صرف الجهود والوقت لمناقشة هذه أظن أنها أولى وأنفع، ولست أقول: إننا يجب أن نستعجل التوصل إلى النتائج؛ لأن في ذلك خطرًا لا يخفى، بل يجب أن نتأنى وأن ننظر في المآلات في جوانبها الشرعية والاقتصادية. مثلًا إن القول بجواز بيع بضاعة السَلم قبل القبض يثير سؤالًا مهما هو: لماذا جاز ذلك في السلم ولم يجز في غيره من العقود؟ كما أن القول بجواز إصدار سندات للسَلم قابلة للتداول يؤول إلى توليد نظام اقتصادي معتمد في فاعليته على الديون ولذلك آثاره الاقتصادية المدمرة. ثم إن هذه السندات تتداول في أيدي الناس لأغراض المقامرة كما يحصل في أسواق المال في العالم ولا يخفى ما في ذلك من مفاسد. الذي أريد أن ألفت النظر إليه هو الحاجة إلى مناقشة المسائل العملية سواء تلك التي يتعامل الناس بها أو التي تتولد عندما نصمم صيغًا جديدة للسلَم. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14253
الدكتور عجيل جاسم النشمي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين
نشكر للإخوة الباحثين أبحاثهم القيمة، ولي بعض الملاحظات والتأكيدات على بعض القضايا التي اختلف الباحثون.
المسألة الأولى: حول مشروعية السلم، هل هو على خلاف القياس: الذي يرجح أن السلم شرع على وفق القياس وعلى وفق المصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها كما قال ابن القيم.
المسألة الثانية: التي نود التعليق عليها هي: مدة الأجل، وهذه أعتقد أنها مهمة للتيسير على البنوك والمصارف الإسلامية. وهي مدة مختلف فيها بين الفقهاء القدامى أرباب المذاهب، الذي نراه مناسبا نجد ما يمنعه هو ما انتهى إليه فضيلة الشيخ الصديق الضرير، أنه لا حد لأقل الأجل وأكثره لإطلاق الحديث اللفظ في هذا الموضوع فيرجع التحديد إلى اتفاق الطرفين، والحنفية أذكر أنهم قالوا: لو قدرا-أي المتعاقدان-نصف يوم جاز.
المسألة الثالثة: بيع المسلم البضاعة بمجرد وصولها المخازن. هذه في الحقيقة مما ينبغي التنبيه عليه للمصارف والبنوك الإسلامية؛ لأنه مما قد يكون واقعا عند البعض، هذا باطل لأنه من بيع ما لم يقبض كما أشارت بعض الأبحاث لهذا. فينبغي النص على ذلك مطلقا سواء أكان بيع المسلم فيه لمن هو في ذمته أو لغيره. هذا هو رأي الجمهور الذين منعوه مطلقا، سواء كان المسلم فيه موجودا أيضا أو معدوما، وسواء كان العوض مثله في القيمة أو أقل أو أكثر. طبعا هذا بخلاف رأي المالكية الذين جوزوا بيع المسلم فيه قبل قبضه إذا لم يكن طعاما، والتفصيل في ذلك ذكره فضيلة الشيخ صديق الضرير.
стр. 14254
المسألة الرابعة: وهي أيضا ينبغي التنبيه عليها وهي: فيما يجوز السلم فيه. بعض الأبحاث ضيقت في هذا وبعضها وسع في هذا، وينبغي هنا أن نوسع في الحقيقة على البنوك والمصارف الإسلامية، فكل ما يمكن ضبطه بالوصف-وصفا ينفي الجهالة ويرفع الغرر واحتمال النزاع- جائز؛ لأن السلع تختلف وكذلك تختلف أوصافها في كل زمان وفي كل مكان، ولا يجب ذكر كل الأوصاف، فيكفي ذكر بعض الصفات المميزة مثل ما هو معروف الآن بالعلامات التجارية. نضيف هنا بالمناسبة الرأي في السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية المتعددة، هذه تعتبر أصنافا متعددة في زمننا هذا وإن كانت سلعة واحدة ويجب الوفاء بناء على هذا بما تم الاتفاق عليه لأن تحديد ماركة معينة مقصود لذاته ووصف مرغوب فيه وله قيمة، لكن لو لم يتم الاتفاق على تحديد علامة تجارية محددة ففي هذه الحال أي سلعة حازت المواصفات تفي إذا تعددت العلامات التجارية.
المسألة الخامسة: قضية جعل الدين الذي على العملاء رأس مال سلم. هذا مما ينبغي النص على منعه والتحرز منه وتنبيه البنوك والمصارف الإسلامية عليه، لأن هذا –كما لا يخفى-يدخل في بيع الدين بالدين لمن عليه الدين؛ لأن الدائن في الحقيقة سيحصل على أكثر من دينه فكأنه أخذ زيادة على دينه مقابل تأجيل المدين الذي عجز عن أداء الدين أو الذي احتاج إلى السيولة أو احتاج إلى النقد ورغب في تأجيل السداد.
المسألة السادسة: قضية الشرط الجزائي. لا تحتاج إلى التأكيد على منعه لأن المجمع اتخذ قرار في الدورة السادسة بمنعه.
المسألة السابعة: من المسائل التي ينبغي النص عليها أيضا في التوصيات هي قضية إصدار سندات سلم قابلة للتداول. هذا لا يجوز لأنه يؤدي قطعا إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه. وشكرا, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14255
الدكتور عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم،
بعض النقاط طرقها بعض الإخوان ولكن أريد أن أتناولها من جوانب أخرى فنبدأ بالمسألة التي انتهى بها الدكتور عجيل والتي بدأ بها الشيخ الصديق وهي: تحويل المديونية في ذمة المدين إلى رأس مال السلم. هذه المسألة ليس فيها ربا، وليس فيها بيع بدين لغير من عليه الدين، وإنما هي عبارة عن عملية مقاصة بين مقبوض في الذمة وبين ما يجب قبضه. فالمدين ذمته مشغولة بمبلغ، فإذا اتفق الدائن على شراء سلعة بالسلم من هذا المدين فإنه يجب عليه أن يعجل رأس مال السلم. فالمقبوض في الذمة مقبوض، وهذا يطبق في الصرف في الذمة، إذا كان هناك شخص مدين واتفق مع الدائن على أن يسدد هذا الدين بعملة أخرى فإنه يجب على الآخر أن يسلم، وأما المدين فإن المبلغ هو في الذمة والمقبوض في الذمة كأنه مقبوض في اليد. قد يقال بأن هذا يتخذ حيلة ولكن لماذا نفترض سوء الظن في هؤلاء ولا سيما أن هذه العملية تتم بالتراضي، ليس فيها اشتراط من البداية وإلا يكون اشتراط عقد في عقد؟ فهذا المدين لو كلفناه أن يعيد هذا الدين إلى المسلم فهذا ممكن أن يأخذ مالا من شخص آخر ويعيد هذا الدين إلى المسلم ثم يأتي المسلم ويعيده إليه، وهذا فيه شيء من العبث، ولا عبث في التشريع. فهذا أمر لا يعتبر لأنه ليس فيه ربا؛ لأن عقد السلم ضماناته الشرعية موجودة فيه. تعجيل رأس مال السلم يمنع الربا وهذه عملية تعالج فيها المديونية وينبغي أن تكون بعيدة عن الزيادة الضمنية.
стр. 14256
المسألة الثانية: هي مسألة السلم المتوازي. هذا السلم ليس جديدا وقد أشار إليه ابن قدامة في المغني حينما منع أن يبيع الإنسان السلعة التي اشتراها بالسلم، فأشار بأنه لو باع سلعة أخرى غيرها وأخذ ما اشتراه وسدد به التزامه فهذا جائز، وهذا السلم المتوازي –أيضا-لا يصلح حيلة لأن ضماناته الشرعية فيه وهي تعجيل رأس السلم، قد يقول قائل: ما دام أن السلم الأول يجب فيه تعجيل رأس مال السلم والثاني يجب فيه التعجيل فلماذا لا يأتي المشتري الثاني ويتصل مباشرة بالمنتج الأول ويلغي هذا الوسيط ما دام هناك تعجيل؟ هناك مآرب كثيرة وأغراض يتوصل إليها الناس عن طريق هذا السلم الموازي، فقد تكون الصفقة الأولى بالجملة بمبالغ كبيرة والصفقات الأخرى الموازية صغيرة لا يقوى المشتري الأخير على أن يتفق مع المنتج الأول، وهذا يحدث في صفقات البترول، وقد يكون هناك استعداد لتحمل المخاطرة من الوسيط، فالمشتري الأخير لا يثق بالمنتج الأول ويعطيه هذا رأس مال السلم معجلا وينتظر، ولكن يأتي وسيط ويقبل هذه المخاطرة ويأخذ هذا رأس مال السلم ثم يسلم هو إلى الطرف الآخر، فإذن كان هناك مآرب كثيرة، وأيضا هذا ليس فيه حيلة والبنوك الإسلامية قد تحتاج إليه، ثم هذا السلم الموازي ليس بالضرورة أن يكون سلما موازيا فقد تكون العملية الأولى سلما والعملية لثانية استصناعا، وبهذا تستطيع المصارف الإسلامية أن تستخدم هذا وسيلة للتمويل فهي تدخل في شراء سلم وتعجل رأس المال للمنتج الأول ثم تبيع هذا إذا كان فيه صنعة، وكما تعلمون أن كل ما يجوز سلما يجوز استصناعا، فيستفاد من هذه الطريقة بأن تكون العملية الأولى سلما والعملية الثانية استصناعا.
هناك فائدة نبه إليها أحد المصرفيين الفنيين للسلم، بأنه يفيد في عملية الميزانيات السنوية للشركات والمؤسسات، لأنه لا يدخل في المطلوبات لأن هذا المبلغ الذي تأخذه الشركة رأس مال للسلم لو أنه كان قرضا فإنه يعتبر مديونية ويثقل ميزانيتها ويؤثر على تصرفاتها تجاه الرقابة من البنك المركزي، ولكن حينما يأخذ رأس مال بالسلم فإنه يعتبر مدفوعات مقدمة عن تصنيع وعن مبيعات، وهذا يفيد الشركات في ميزانياتها لأنه كما هو في العرف يكون خارج القائمة (قائمة المطلوبات) .
هذا الذي أردت أن أنبه إليه، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14257
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أولا: أقدم شكرنا الجزيل للأستاذ العارض فضيلة الشيخ الصديق ولجميع الإخوة الكرام الذين قدموا بحوثهم القيمة في هذا الموضوع، ولي بعض الملاحظات قد يكون بعضها تأكيدا لما قاله بعض الإخوة ولا يوجد مانع من التأكيد في هذا المجال.
قبل أن أدخل في هذه الملاحظات الخاصة هناك بعض الملاحظات العامة منها التعريف الذي ذكره فضيلة الشيخ الصديق بأن السلم هو بيع آجل بعاجل، ورجح هذا التعريف بينما جمهور العلماء (المالكية والحنابلة والشافعية) اشترطوا أن يكون في الذمة لأن هذا التعريف ليس مانعا بيع آجل بعاجل. ملحوظة عامة أخرى على معظم هذه البحوث أنها لا تخرج الأحاديث من مصادرها الأصلية والأمانة العامة دائما تؤكد على هذا الموضوع؛ لأنه إذا ثبت أن هذا الحديث ضعيف انتهى الاحتجاج به، أو إذا كان موضوعا أو كان لا ينهض حجة فحينئذ لماذا نتعب أنفسنا؟ وهناك فعلا بعض الأحاديث اعتمد عليها وهي ضعيفة جدا أو تكاد لا تستطيع أن تنهض حجة على الموضوع. من الملاحظات العامة أن معظم هذه الصور التي ذكرت من الصور المعاصرة ومعظم هذه المشاكل التي ذكرت يحلها موضوع الاستصناع، وعقد الاستصناع خاصة حسبما أقره المجمع عقد واسع جدا حيث لا يشترط فيه تقديم الثمن ويجوز فيه التقسيط والتأجيل والتعجيل. فباب الاستصناع باب واسع يسع كل هذه المشاكل التي نحن بصددها. فلذلك نحن إذا أردنا أن نحل المشاكل ليس بالضرورة أن نحل هذه المشاكل عن طريق عقد السلم الذي نقع في إشكالات لا داعي لها، ما دام لدينا بديل آخر، وأنا أعتقد أن هذه العقود الأربعة (عقد البيع العادي وبيع الآجل وعقد السلم وعقد الاستصناع) هذه العقود الأربعة تحل لنا كل المشاكل التي يمكن أن تحدث في خلال المبايعات.
فلذلك إذا ما وجدنا سعة في عقد نجد هذه السعة في العقد الآخر، فلا داعي ما دمنا نبحث عن السلم أن نأتي بصور هي في واقعها غير منطبقة عليه في الحقيقة الصور المعاصرة التي ذكرت أغلبها للاستصناع أو تصلح لعقد الاستصناع، نأتي بها ونقحمها في عقد السلم.
стр. 14258
أما الملاحظات الخاصة نعود إليها وهي: الاستشهاد بحديث ((لا تبع ما ليس عندك)) . حقق هذا الحديث فوجدنا أن المعنى المطلوب من هذا الحديث هو بيع شيء معين، وهذا ليس من باب التخصيص كما قال بعض الإخوة الكرام؛ لأن التخصيص أن يكون هناك عام وهناك دليل آخر يخصصه، المقصود بالحديث ومعناه هو أن يعين الإنسان شيئا معينا، أما ما هو في الذمة فلا يدخل في ((لا تبع ما ليس عندك)) ، فلذلك لا يعتبر السلم استثناء من هذا العقد، ولذلك نحن لسنا مع أستاذنا الجليل فضيلة الشيخ الصديق حينما قال: إن المراد به ما ليس مملوكا للبائع سواء كان –هذا نص عبارته-معينا أم في ذمة لا، ما في الذمة لا يدخل في هذا الحديث أبدا.
جعل الدين رأس مال السلم، ما دمنا نحن نبحث عن المسائل الفقهية فلا مانع، خاصة في هذه المرحلة التي نعيشها، نحن لا نعيش الآن عصر تطبيق الإسلام بحذافيره وإنما نحن نعيش عصرا لا بد أن نأخذ ببعض الآراء الفقهية ما دامت تحقق المصلحة لهذه الأمة، فرأي ابن تيمية ورأي ابن القيم في جعل الدين رأس مال للسلم شيء طيب وجيد، ويصلح أن نستفيد منه في هذا المجال فلماذا؟! وطبعا معروف شيخ الإسلام بحججه وكذلك ابن القيم فلا مانع أن نأخذ بهذا حتى إذا ما أخذنا به لا مانع من أن يشار كما أشار فضيلة رئيس المجمع في موضوع هيئة كبار العلماء، يعني إذا نحن ما وجدنا المسألة هناك أو ما أجزنا رأي ابن تيمية فلا نقطع الطريق، فأنا رأيي أن يكون أمام لجنة التوصية هذا الموضوع الذي أشار إليه فضيلة الدكتور بكر في هذا الموضوع بأننا لا نقطع الطريق أمام هؤلاء وإنما نبقي المجال المتفق عليه والمختلف فيه نترك هذا المجال للاجتهادات الفقهية ولا سيما في هذا العصر إلى أن يشاء الله رب العالمين يسهل لنا ونصل إلى تطبيق نظام إسلامي متكامل وحينئذ لا أعتقد أننا نحتاج إلى الرخص والحيل. ولذلك دعوى الإجماع في هذه المسألة غير مسلم به كما بينه فضيلة الشيخ الصديق الضرير بنفسه. وحقيقة أنا تابعت هذه المسألة فوجدت أن آراء الفقهاء في هذا الموضوع في عدم جواز مسألة بيع المسلم فيه ومسالة جعل الدين رأس مال سلم آخر، مدار هاتين المسألتين على حديث رواه أبو داود وبين العلماء أن هذا الحديث ضعيفا جدا.
يعني مبنى هذا الكلام في غالبه على حديث ضعيف جدا فلا ينهض حجة، وبين ذلك كل من ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية بصورة لا مجال لذكرها.
стр. 14259
الشيخ الصديق جعل أن الأصل في السلم أن يكون في الثمر. يعني هذا الجعل بأن يجعل الأصل في السلم أن يكون في الثمر غير مسلم، فالعبرة بعموم اللفظ حتى لو كان اللفظ لم يكن عاما، ما دام أجيز بالإجماع أو أجيز بالقياس أصبح ذلك أيضا يعني لا نعتبر ذلك أصلا، وذلك فرعا وإنما ما دام اتفق الفقهاء على جواز السلم في غير الثمر فلماذا نحن نجعل هذا أصلا وذلك فرعا؟
بخصوص منع السلم الموازي. الإخوة الكرام أشاروا إلى ذلك، وأنا أقول: إذا منعنا السلم الموازي بضوابطه وعدم ارتباطه بالسلم الأول إذن لا بد أن نمنع السلم الأول وقضية الغش، ولذلك أحد الباحثين سابقا في كتابه منع السلم مع الأسف الشديد وقال: لا بد أن نمنع السلم، ويحرم السلم لماذا؟ لأنه يؤدي إلى التحايل، والكتاب موجود والإخوة يعرفون هذه المسألة، يعني لا يجوز أننا نمنع شيئا لوجود تحايل أو كما يسمى بالمصالح الموهومة أو بالحيل الموهومة، ولو فتحنا هذا الباب، كما ذهب إلى هذا في كتاب طبع عدة مرات مع الأسف الشديد ومعروف صاحب الكتاب.
وبالنسبة للسندات، أنا في الحقيقة لا أرى مانعا في إيجاد سندات ولكن ليس على أساس السلم وإنما على أساس عقد الاستصناع في قضية البترول وما أشبه ذلك؛ لأن الاستصناع يجوز في كل شيء دخلته الصنعة عرفا، فلذلك أنا لست مع سندات السلم وإنما مع السندات بنفس الترتيب في الاستصناع.
مسألة إزالة الغبن الموجود في بحث فضيلة الشيخ الصديق، في اعتقادي تجعل العقد غير مستقر، والمسألة في الحقيقة دائما العقود قابلة ... ما دام الغبن لم يكن واقعا الآن احتمال الغبن وارد في كل عقد آجل، وإذا كان هكذا معناه العقد أو الثمن لم يكن مستقرا، والإمام الشافعي يقول: (يجب أن ينأى أو يبعد المسلم عن كل غرر) . يعني إذا كان هناك نوع من الأشياء يتسامح في جزء من الغرر لكن السلم لا بد أن يبعد عن الغرر، كما أن احتمال الغبن وارد كذلك احتمال الخسارة وارد، فهذا البند في نظري يعني دائما أستاذنا الشيخ الضرير متشدد لكنه في هذا البند تساهل ونحن لسنا مع تساهله، ويجوز أننا أول مرة نختلف معه في التساهل. وقد أحضرت نصا لابن القيم يقول: (ثبت أنه لا نص في تحريم بيع السلم والمسلم فيه، عفوا، لا بنص ولا بإجماع ولا قياس وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة.)
والله أعلم.
стр. 14260
الدكتور وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم،
لا شك أن البحوث المقدمة في موضوع السلم وتطبيقاته المعاصرة تشتمل على أمرين، الأمور التقليدية عند الفقهاء والشروط المقررة في هذا الجانب والتي أحصاها الحنفية أن السلم يشترط فيه سبعة عشر شرطا، وكل ذلك خروج من المحاذير والمخالفات الشرعية المتعلقة بأمرين: أمر الربا، وأمر الغرر، فالقضايا التقليدية التي ذكروها ورجح بعض الإخوة الكرام بعض هذه الآراء فنحن قد نخالفهم في هذه الترجيحات، ولكن المهم في الموضوع هو التطبيقات المعاصرة لهذا العقد، والذي ينبغي أن يحتل المكانة الملائمة له خصوصا في ميدان مجالات أنشطة البنوك الإسلامية التي بفضلها تحرك الفقه الإسلامي وأصبح يتفاعل مع السوق بعد أن كان مجمدا حيث عطل هذا الفقه عن التطبيق في كثير من الدول العربية والإسلامية. فلذلك إذا أردنا إنجاح هذه التجربة البنكية الإسلامية فينبغي أن نكون على قدر من التفاهم والتفاعل مع مقتضيات السوق وحوائج الناس حتى لا يقعوا في الربا الصريح. كل هذه التجربة هي هروب من الوقوع في الربا الصريح. فإذا أجاز بعض العلماء هذه الآراء فلا مانع من الأخذ بها. هذه مقدمة. أما الأمور التقليدية فنحن سمعنا أن الأخ فضيلة الشيخ الصديق يضعف مذهب الشافعية في القول بالسلم أن السلم الحال عند الشافعية هو طريقة لتسويغهم بيع العين أو الغائبة أو العين الموصوفة في الذمة، كما أشار الأخ الشيخ حسن. فإذن هو طريقة، فهم لا يجيزون بيع العين الغائبة، لكنهم من جانب آخر أجازوها عن طريق بيع السلم الحال. والحديث الوارد في السلم ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) قالوا: الحديث لا يشترط وجود الأجل وإنما يشترط العلم بالأجل.
وهذه نقطة دقيقة تبين دقة المذهب الشافعي في هذا الموضوع وأن القياس يقضي بذلك إذا كان البيع جائزا والسلم الحال هو صورة أخرى من صور البيع، فلماذا لا يكون جائزا أيضا؟ حتى التأجيل يمكن –حتى على رأي الشيخ الصديق-يمكن أن يكون التأجيل بحسب اتفاق الطرفين ويمكن أن يتم التأجيل لساعات، ويسمى تأجيلا فلماذا نمنع هذا ونقول: إن المذهب ضعيف في بنيته وفي أدلته مع أن الدليل في الواقع يؤيد مذهب الشافعية؟ وأما آية ﴿تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ،واستشهاد ابن عباس أن هذا دليل على مشروعية السلم نوقش هذا الكلام أيضا وأن الآية لا تدل صراحة على هذا النوع من العقد ولا حاجة للاستدلال الضمني لمشروعية السلم ما دام الحديث صحيحا وجائزا، هذه ناحية. فإذن أنا أريد القول ببقاء مشروعية السلم الحال بالإضافة إلى السلم المؤجل وتبدو تسويغاته –كما ذكر الشيخ حسن-سليمة وقوية وهو رأي الشافعية والإمامية.
стр. 14261
أما الموضوعات الأخرى، قضية السلم الموازي، في الحقيقة بالرغم من أن الإخوة الكرام تحدثوا عن هذا الجانب فأنا مع القائلين بجواز مشروعية السلم الموازي؛ لأنه يحقق فتحا جديدا للشركات الإسلامية في هذا الموضوع، وليس السلم الموازي من قبيل أنه ينصب على المسلم فيه بذاته الأول، وإنما التزم رب السلم في السلم الموازي أن يسلم شيئا موصوفا في الذمة، كما أن المسلم إليه في أصل العقد يمكن أن يسلم هذا من إنتاجه، وإذا لم يكن من إنتاجه فيمكن أن يسلمه مما هو موجود في السوق وفي البلد التي هو فيها. فإذن هو لا ينصب على ذات المسلم فيه في العقد الأول. وكذلك ليس السلم الموازي من قبيل بيع الشيء قبل قبضه لأنه لا ينصب عليه، كذلك هو بعيد عن قضية الاستبدال برأس مال السلم وقد أجاد الأخ الدكتور الصديق في بيان الفروق بين هذين الأمرين بدقة. قضية استبدال المسلم فيه وقضية السلم الموازي. هذه ناحية أشبعت بحثا وخصوصا حديث الدكتور عبد الستار أبو غدة أفاد بأن هذا مما ينبغي القول بجوازه وخصوصا أن صاحب المغني أقر ذلك بشكل صريح.
أما قضية إصدار سندات سلم للتداول فهذه محل نظر صحيح كما ذكر الأخ الدكتور القره داغي، ابن تيمية وابن القيم أجازا جعل الدين رأس مال السلم كما أنهما أجازا بيع الشيء قبل قبضه، فهذه رخصة لا ينبغي أن نسد الباب أمامها ونقول: إن كل شيء ممنوع، وإن هذا غير جائز. فإذن قضية الاتفاق على عدم جواز استبدال المسلم فيه قبل قبضه محل نظر فليس هناك اتفاق ولا إجماع وإنما القضية مختلف فيها.
أما قضية الشرط الجزائي –أيضا-أؤيد ما ذكره الأخ الشيخ حسن بأن هذه القضية ينبغي ألا نتورط في الشرط الجزائي إذا كان ذلك من قبيل العقوبة على عدم تسديد دين مؤجل في المستقبل وإلا وقعنا بما يسمى قانونا في الغرامات التهديدية، وهذا في الحقيقة غير جائز. الشرط الجزائي بالرغم من أن بعض الجهات لا تجيزه لكن –في الحقيقة-هو مقر به لدى طائفة من العلماء، فنحن نجيزه في المقاولات والإيجارات وفي كثير من عقود الحياة الجارية ولكننا لا نجيزه كعقاب على عدم قيام المدين أو مماطلته بسداد ديونه للبنك الإسلامي.
стр. 14262
يشترط لجوازه أن يكون الرهن معلوما والكفيل معلوما، أما إذا قال: أقدم لك رهنا أو كفيلا وكانا مجهولين هذا الذي لا يجوز، أما هذا من قبيل التوثيق إذا أراد رب السلم أن يوثق عقده مع المسلم إليه وأنه يريد أن يصل إلى قبض المسلم فيه في الوقت المحدد، فما المانع من اشتراط الرهن المعلوم والكفيل المعلوم فما السلم إلا صورة من صور البيع والبيع يجوز فيه ذلك ولا إشكال في هذا الموضوع؟
أما قضية تأجيل رأس مال السلم عند المالكية لثلاثة أيام، هذا لا يتنافى يا إخواننا مع القول المقرر بأنه يجب تعجيل رأس مال السلم. المالكية أيضا بدقة قالوا: التأجيل إلى يوم أو يومين وإلى ما دون الثلاثة أيام يعتبر في حكم العاجل. وهذه نظرة عظيمة من المالكية، في حكم العاجل، هذا كلام سليم ودقيق فالتأجيل يوما أو يومين لا يعد تأجيلا إنما هو في حكم المعجل. فإذن هذا ليس غضاضة على المذهب. أما قضية الخيار والتي استمعنا إليها أن عقد السلم لا يجوز فيه اشتراط الخيار، هو الأدق لأن هذا يتنافى مع شرط تعجيل رأس مال السلم، فإذا شرط الخيار في عقد السلم فأين الشرط المطلوب في الحديث ((لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك؟)) فإذن وجود الخيار يتنافى مع طبيعة هذا العقد ويختلف عن خيار الغبن؛ لأن خيار الغبن ما هم إلا صورة قريبة من خيار العيب. وهذا متفق على جوازه، لا نستطيع أن نقر الغش في المعاملات ولا أن نقر الغبن ولا نقر الاستغلال لكن قضية وجود خيار الشرط مع عقد السلم في الحقيقة يتنافى مع طبيعة هذا العقد. لا شك أنني أجل كل هذه التطبيقات المعاصرة التي ذكرها فضيلة الدكتور الضرير في أن عقد السلم يصلح أمام البنوك الإسلامية؛ لأن يعمل به في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة وفي كل ما يحتاج فيه إلى التمويل ونستغني بذلك عن قضية القروض الربوية لأننا نريد أن نجنب تعامل المسلمين مثل هذه الشبهات أو المقطوع بحرمتها ولا نضيق على الناس في هذا الموضوع. والسلام عليكم.
стр. 14263
الدكتور جاسم على سالم:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
تحدث كثير من المتقدمين والمتأخرين والمحدثين عن السلم أو السلف واستفاضوا في بحثه، وجزاهم الله خيرا، ولكن لكثرة الحوادث والتغير في الظروف الحاضرة وتبادل السلع وغيرها من عروض التجارة المختلفة، والتعامل بين الشرق والغرب، أرى أننا لا نقول: إنه من الأجدى بحث موضوع بيع الأشياء أو التصرف في الأشياء المستقبلة إذا انتفى الغرر كما أفتى به ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وأخذ به كذلك عندنا الآن قانون المعاملات المدنية في دولة الإمارات، وهذا النوع من البيع من الممكن أن يستوعب السلم وغيره مع وجوب تحديد معنى الغرر تحديدا واضحا والاستعانة في ذلك بكتابات كثيرة مثل كتاب أستاذنا الدكتور الصديق الضرير في الغرر. ولكم جزيل الشكر والتقدير.
стр. 14264
الشيخ عبد الله بن بيّه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه،
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
أخرج قليلا عن جو الفقه هذا صعب. يبدو أننا لم نعرف الدار.
سيادة الرئيس: اسمح لي أن أتقدم بمقدمات بين يدي الملاحظات التي سألاحظها على بحث الدكتور الصديق الضرير.
المقدمة الأولى: لقد قلتم بالأمس وبحق إن هذا المجمع لم يضغط على النصوص لتنطبق على الواقع، وهي مفخرة –أعتقد-لهذا المجمع وسبب لصدقية هذا المجمع عند الناس، وهو أمر مهم جدا. فالبحث عن الإتيان بجديد يجب ألا يؤدي إلى الضغط على النصوص.
المقدمة الثانية: هي أن السلم رخصة، والرخصة لا يتجاوز بها محلها، والعلماء الذين اشترطوا شروطا اشترطوها على أساس أنهم نظروا إلى السلم نظرة خاصة وهو أنه معدول به عن نظائره وهذا ما يسمى بالاستحسان بالنص، وهي المسألة التي عدل بها عن نظائرها لوجود دليل قوي، وهنا الدليل القوي وهو الحديث الذي ورد في السلم.
هنا بادئ ذي بدء أريد أن أبعد وهما. الكلام عن السلم هل هو مخالف للقياس أو ليس هو مخالف للقياس؟ إذ كان مخالفا للقياس فليس عيبا. وإذا أمر النبي ﷺ أو نهى فإن الأمر حينئذ هو أمر جديد يخرج المسألة عن كونها معيبة. معنى مخالفته القياس معناه عند الجمهور هو وجود قاعدة لو لم يرد نص بإباحة السلم لكان داخلا فيها، لا تبع ما ليس عندك، فلولا أن النبي ﷺ أجاز بيع السلم لكان داخلا في هذه القاعدة، هذا هو معنى مخالفة القياس وهو أمر واضح جدا ... لكل عقد له سنته، كما نقول: قراض، من سنة القرض ألا يضمن، فالعقود لها سنن والسلم من هذه العقود التي لها سنن، فإذا لم يعجل رأس المال قد خالفنا سنة السلم، وحينئذ لا يسمى سلما لأننا خالفنا سنة السلم.
стр. 14265
هذه هي المقدمات وسأصل إلى الملاحظات.
الملاحظة الأولى-هي: إلغاء الدكتور الضرير لتحديد الأجل, معناه أنه لا يوجد حل مع أن جميع من اشترطوا ألا يكون السلم حالا حددوا بأجل, والحديث لا يشهد لما ذكره. الحديث عندما يقول: إلى أجل معلوم , معناه أنه يوجد أجل لا بد من تحديده, والفقهاء اتفقوا جميعا على التحديد, والتحديد فائدته هي معقولية النص. معناه الذين حددوا أجلا قالوا: إن المراد من السلم أن توجد حوالة الأسواق بمعنى أن يؤجل بأجل, هذا الأجل يسمح بحوالة الأسواق. وحوالة الأسواق لا تتحقق إلا بأجل محدد إما أن يسلم له في مكان آخر وهنا ينقص الأجل عند المالكية وإما ألا يكون كذلك فلا بد أن يكون إلى خمسة عشر يوما.
فأعتقد أن قوله: إنه لا يحدد أجلا هو قوله غير مسبوق, وبالتالي لو قلت: خالف الإجماع , إذا لم أقلها فأقول: إنه قول غير مسبوق. إما أن يقول: إنه سلم حال أو يقول بالأجل فيحدد أجلا, يقول: العلماء اختلفوا في تحديد الأجل إلا أنهم جميعا اتفقوا على أنه يوجد حد.
الملاحظة الثانية: تأجيل رأس المال , وهذه هي الطامة الكبرى, رأس المال يقال للثمن الذي يدفع يسمى بـ (رأس المال) , يعني العين الحالة إذا كنت سوف تسلم في قمح أو أرز لفترة معينة في العين التي تدفعها تسمى برأس المال, على الأقل عند المالكية يسمونها برأس المال. تأجيله بشرط –وبشرط هذه زادها بقوة، أن يؤجل رأس المال بشرط - وهو اختيار له غير مسبوق أيضا. القول الضعيف الذي في المذهب , أولا: متابعة الضعيف هي من المخالفات الكبيرة؛ لأن العلماء قالوا: إنه لا يجوز القول بالضعيف كما قال في مراقي السعود:
وذكر الضعيف ليس للعمل
ذلك عن وفاقهم قد انحول
بل الترقي في مداره السنا
ولحفظ الندرة من له اعتنا
على قوله يوجد تهافت, فالمالكية إذا كانوا يجيزون التأخير إلى ثلاثة أيام؛ لأنها في حكم المعجل لازم هذا القول: إنه سيؤجل رأس المال ويؤجل السلم وسيبيع – لأنه أجاز البيع –هذا لشخص آخر بحيث لا يوجد موضوع لعقد السلم إلا الكلام, هذا قال: إنه عقد سلما والآخر قال: إنه وافق ثم بعد ذلك يجوز البيع لأنه هو أجاز البيع قبل القبض, فحينئذ نجد أنفسنا أمام تهافت واضح. وأعتقد أنه قد وقع في لبس وهي مسألة جواز بيع الغائب بالوصف التي لا يجوز أن يشترط فيها النقد؛ لأننا نحن هنا نتكلم عن السلم ولا نتكلم عن بيع غائب بالوصف. بيع الغائب بالوصف عند المالكية ليس كالسلم, هذا لا يجوز النقد فيه بشرط ويجوز النقد فيه إلا إذا كان قريبا كاليومين أو كان عقارا لا يخشى تغيره.
стр. 14266
المسألة الثالثة: طبعا هذه مسألة طفيفة وهي مسألة الدار, قال: إنه يجوز السلم في الدار. المصنع الآن ليس دورا, هي مكان له عرصة وله مكان قائم عليه, وهو لا يجوز أبدا لا يمكن أن يكون سلما لأنه معين, إما أن تقول الدر الفلانية أبيعها لك فهذا بيع لك وليس سلما, وإما أن يكون شيء منشأ كدار فهذا ليس دارا, وبالتالي هنا أعتقد أنك لم تأت بشيء يخرج إذا كان الدار من هذا النوع.
المسألة الرابعة: جواز الاستبدال. وهذه أيضا من مسائله التي خالف فيها الناس. جواز الاستبدال ولو كان طعاما. وهو قلد المالكية في جزء وخالفهم في جزء لم يوافق المالكية ولا غيرهم، كيف يجوز الاستبدال ولو كان طعاما؟ إذا كان المالكية لا يجيزونه في الطعام وغيرهم لا يجيزون الاستبدال مطلقا فمن أين لك هذا القول؟ ! هو ضعف الحديث الذي فيه عدم جواز صرف السلم وأتى بالأثر، هل الأثر صحيح أيضا؟ المسألة هي مسألة من سنن السلم. وأعتقد أن العقود لها سنن فيجب أن نهتم بهذه السنن.
خلاصة القول مع تقديري البالغ للدكتور الضرير وهذا شي أقوله بحقه لتقديري لبحوثه ودراساته واجتهاداته
فإني أقول: إن الأقيسة التي تقدم بها ضعيفة وغير ناضجة وإبطال لعلل الجمهور بطرق غير أصولية. ذكر العلماء على أن السلم رخصة، الرخصة لا يتجاوز بها محلها, والحال أن هذا العقد بيع أقره النبي ﷺ كان على صورة معينة في المدينة , فيجب الرجوع إليها وإلا فنحن لا نناقش سلما وإنما نناقش شيئًا آخر.
وشكرًا لكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14267
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد.
الذي يبدو لي أن السلَم أداة كما تحدث عنها الفقهاء أنها عقد المحاويج وليست عقدًا للأغنياء-ليست عقد البنك الإسلامي فهو خلافا لما ظن أنه أداة تصلح للتمويل يستعملها البنك الإسلامي. أنا أقول: إنها أبعد ما يكون أو ما تكون عن الصلاح للبنك الإسلامي أداة للتمويل. والأدلة على ذلك:
أولا: واقع الحال أن البنوك الإسلامية لم تستعملها خلال عشرين سنة رغم وجودها.
ثانيا: عندما استعملتها في بلد من البلدان وقعت بطامات كبيرة لم تخرج منها حتى الآن، وفي السودان بلد الشيخ الضرير وتحت أعين الشيخ الضرير وهو يعلم كل المشكلات التي نشأت عن استعمال السلم من قبل البنوك الإسلامية والسبب هو أن السلم بطبيعته متاجرة مباشرة يجعلك في آخر مدة العقد أمام بضاعة لا تعرف كيف تتصرف بها، وأنت أيها البنك الإسلامي تعمل بأموال المودعين لا تعمل برأس مالك بحيث تأخذ من المخاطرة ما أنت حر فيه. لا ينبغي للبنك الإسلامي أو لأي وسيط مالي يعمل بأموال الآخرين، أن يأخذ ذلك القدر الكبير من المخاطرة لأن هذا القدر أكبر مما يتحمله وسيط مالي. الدول الأخرى تقيد الوسيط المالي باستعمالات كثيرة فلا تسمح له أبدا أن يدخل بأعمال فيها مخاطرة أكثر مما ينبغي لمثله، والسلم فيه تلك المخاطرة. لنقارن السلم في هذا مع المرابحة ومع الشركة. عندما يدخل البنك في شركة هو في ذلك يعطي الأمر لأهله وهنا يتدخل هو بالمتاجرة المباشرة مع وجود أهلها.
النقطة الثالثة في السلم: قلة في الكفاءة الاقتصادية للمجتمع بكامله، لأن البنك متخصص بالوساطة المالية، فإذا تعدى هذا الاختصاص إلى غيره ينبغي له أن يكسب أدوات المتاجرة المباشرة، والتجار أقدر عليه من هذا، والتجار بأموالهم أقدر من موظفي البنك على المتاجرة؛ لأن لديهم الدافع الذاتي الذي هو أقوى.
стр. 14268
النقطة الرابعة: لنأخذ الأمثلة التي حدثنا عنها، من تطبيقات مقترحة. هذه الأمثلة أربعة منها فيها سلم موازي. السلم الموازي – الحقيقة - كيف نسمي السلم الموازي تمويلا وهو ليس تمويلا أصلا؟ السلم الموازي معناه أن يدفع البنك للتاجر أو للمزارع ويعقد معه سلما فيدفع مالا حالا، ثم يأتي من طرف آخر إلى تاجر فيقبض منه نفس المال. ولو كنا بنفس اليوم لنفرض أن العملية صارت سلمين في آن واحد بوقت واحد لكان السعر واحدا، وإذا كان في السعر فرق فإنما هو سوء في إدارة السوق. يعني السوق ستكون فيها احتكار أو فيها بعض العوامل غير التنافسية حتى اختلف السعر، فما التمويل الذي قام به البنك في هذه الحالة؟ هو دفع هنا وقبض من هنا. هذا هو السلم الموازي بأحسن أمثلته، إذا قام به البنك الإسلامي فلم يقم بتمويله. البنك الإسلامي مهمته التمويل، مهمته أن يبقى المال مع الآخرين، ويتكسب بذلك للمودعين الذين لديه.
أقول: إن عقدي السلم والسلم الموازي يصلحان للتاجر العادي، يصلحان تماما لتاجر الجملة. أقول: لو كنت فقيها لقلت: إنه ينبغي على هذا المجمع الكريم أن ينظر عندما يصدر فتواه إلى مصالح الأمة ومجموعاتها وزمرها ولا ينظر إلى النص، فيقول مثلا: عناية بمصلحة المودعين في المصارف الإسلامية فإنه لا يصح للمصرف الإسلامي كوسيط مالي أن يقوم بسلم ولا بسلم موازي؛ لأن في كليهما مخاطرة تجارية، وفي كليهما أيضا قلة في الكفاءة الاقتصادية للعملية.
بقيت النقطة التي أثارها نص عقد السلم الذي وضعه الدكتور الصديق الضرير. يقول في المادة السابعة: أظن أنه لو زاد السعر فوق الثلث فيتحمله الطرف الآخر. الثلث كثير بل هو كثير جدا، كيف يكون السعر؟ البنوك الإسلامية تعطي مالها سنة بكاملها لتتكسب عشرة أو إحدى عشرة بالمائة؟ فكيف نقول لها: أكسبي فوق ذلك ثلث الثمن ولا بأس بذلك؟ يعني الثلث يخرب بيت الطرف الآخر، كيف نقول: إن الثلث مما يتسامح به وهو انتظار لموسم وليس انتظارا لسنة بكاملها؟ هم ينتظرون سنة ومستعدون لذلك من أجل العشرة بالمائة، فكيف ينتظرون بلك المدة؟
والحمد لله رب العالمين.
стр. 14269
الرئيس:
لعلنا بهذا القدر نكتفي ونختم هذه الجلسة لأن الذين بقوا من الذين طلبوا الكلمات هم ضعف الذين سبق حديثهم، ولعل ما مضى فيه البركة والكفاية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما السلم في أحكامه المقررة لدى الفقهاء وهي غير المقصودة في الأصل في هذه الجلسة فقد أخذت النصيب الوافر من المداولات والمناقشات من أصحاب الفضيلة الأعضاء، سواء من حيث التعريف، أو أنه على وفق القياس، ومن حيث شروطه والسلم الموازي، وما إلى ذلك من أحكامه الفقهية. أما الموضوع الذي طرح هذا الموضوع من أجله وهو في تطبيقات السلم وفي تطبيقاته المعاصرة، فلم أستطع أن أقيد ما اتجهت إليه في أي قضية من قضاياه المعاصرة، ولكن قد ترون مناسبا تأليف لجنة من فضيلة العارض الشيخ الصديق الضرير والمقرر الشيخ عطا السيد وأصحاب الفضيلة وهبة الزحيلي والشيخ عجيل النشيمي والشيخ علي محيي الدين القره داغي والشيخ القري ابن عيد.
وهذه اللجنة تنظر في الموضوع ولها أن تستعين ببقية إخواننا الاقتصاديين الموجودين كالأستاذ الجناحي والأستاذ سامي ومن إليهم، ويجعلوا الخطوط الرئيسية التي ينبغي أن يركز عليها في البحث وأن ينظر فيها المجمع في دورة لاحقة –إن شاء الله-ولا نضيع في متاهات الأحكام الأخرى التي هضمها العلماء بحثا ودرسا. مناسب؟
وبهذا ترفع الجلسة وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 14270
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه
قرار رقم:٨٩/٢/د٩
بشأن (السلم وتطبيقاته المعاصرة)
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥هـ الموافق ١-٦ أبريل ١٩٩٥م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (السلم وتطبيقاته المعاصرة)
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،
قرر أولا بشأن (السلم) ما يلي:
أ - السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل ما يجوز بيعه ويمكن ضبط صفاته ويثبت دينا في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم من المزروعات أم المصنوعات.
ب - يجب أن يحدد لعقد السلم أجل معلوم، إما بتاريخ معين، أو بالربط بأمر مؤكد الوقوع ولو كان ميعاد وقوعه يختلف اختلافا يسيرا لا يؤدي للتنازع كموسم الحصاد.
ج-الأصل تعجيل قبض رأسمال السلم في مجلس العقد ويجوز تأخيره ليومين أو ثلاثة ولو بشرط، على أن لا تكون مدة التأخير مساوية أو زائدة عن الأجل المحدد للسلم.
د-لا مانع شرعا من أخذ المسلم (المشتري) رهنا أو كفيلا من المسلم إليه (البائع) .
هـ -يجوز للمسلم (المشتري) مبادلة المسلم فيه بشيء آخر –غير النقد-بعد حلول الأجل، سواء كان الاستبدال بجنسه أم بغير جنسه. حيث إنه لم يرد في منع ذلك نص ثابت ولا إجماع، وذلك بشرط أن يكون البدل صالحا لأن يجعل مسلما فيه برأس مال السلم.
стр. 14271
وإذا عجز المسلم إليه عن تسليم المسلم فيه عند حلول الأجل فإن المسلم (المشتري) يخير إلى أن يوجد المسلم فيه وفسخ العقد وأخذ رأس ماله، وإذا كان عجزه عن إعسار فنظرة إلى ميسرة.
ز-لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير.
ح-لا يجوز جعل الدين رأس مال للسلم لأنه من بيع الدين بالدين.
قرّر ثانيا بشأن (التطبيقات المعاصرة للسلم) :
يعد السلم في عصرنا الحاضر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية، من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة، سواء أكان تمويلا قصير الأجل أم متوسطه أم طويله، واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء، سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار، واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى.
ولهذا تعددت مجالات تطبيق عقد السلم، ومنها ما يلي:
أ - يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم، فيقدم لهم بهذا التمويل نفعا بالغا ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم.
ب - يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي، ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة، وذلك بشرائها سلما وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.
ج-يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها.
ويوصي المجلس باستكمال صور التطبيقات المعاصرة للسلم بعد إعداد البحوث المتخصصة.
стр. 14272
الودائع المصرفية
حسابات المصارف
إعداد
د. سامي حسن حمود
المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب
البنك الإسلامي للتنمية بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١- تقدمة الموضوع:
تعتبر الوديعة المصرفية تطويرا جديدا لمفهوم الوديعة سواء بالنسبة للفقه الإسلامي أم للقانون الوضعي.
فالأصل في الوديعة أنها أمانة تحفظ وترد ولكنها انصبت في العمل المصرفي على النقود ليس بقصد حفظها وردها بذاتها وإنما يهدف استعمالها إما على سبيل الافتراض أو سبيل الإذن بالاستعمال لغاية معينة.
وقد سبقت الممارسة العملية عند المسلمين التكييف الفقهي بالنسبة لمفهوم الوديعة المأذونة بالاستعمال.
فقد أورد ابن سعد في الطبقات الكبرى أن الزبير بن العوام –﵁-فيما يرويه ابنه عبد الله أن الرجل كان يأتيه بالمال ليستودعه إياه، فيقول الزبير: (لا ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة) . (١)
وجاء الفقه الإسلامي بتكييف واضح للعلاقات التعاقدية في مختلف حالات الإيداع التي يسمح فيها بالاستعمال انطلاقا من القاعدة الفقهية الواضحة: أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
стр. 14273
٢- الوديعة النقدية في الفقه والقانون
الوديعة النقدية هي الصورة التي يكون الشيء المودع فيها نقودا متداولة أو قابلة للصرف بنقود متداولة. وبذلك يخرج الإيداع للنقود الأثرية مثلا والسبائك من الفضة والذهب والمسكوكات التي لم تعد تستعمل نقودا حيث يبقى لها الوصف القديم وهو الاستنابة في الحفظ.
فالوديعة المصرفية تتعلق إذن بفرع من الإيداع الذي يكون فيه الشيء المودع نقودا قابلة للتصرف ومأذونا فيها بذلك التصرف صراحة أو دلالة.
وكان النظر الفقهي واضحا من بداية الطريق حيث اعتبر الفقهاء أن الوديعة توكيل أو استنابة في حفظ المال.
فقد عرف الزيلعي الإيداع بأنه تسليط الغير على حفظ ماله، كما عرفه الحطاب بأنه توكيل بحفظ مال: (١)
كما بين الفقهاء أنه إذا كان الشيء المودع نقودا أو مالا مثليا مما يهلك باستعماله فإن الإذن بالاستعمال يجعله قرضا.
فقد جاء في كشاف القناع: أن الوديعة مع الإذن بالاستعمال عارية مضمونة. (٢)
وقال صاحب تحفة الفقهاء: إن كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه فهو قرض حقيقة ولكن يسمى عارية مجازا. (٣)
وأوضح الكاساني الذي شرح تحفة أستاذه السمرقندي هذه المسألة بقوله: (وعلى هذا تخرج إعارة الدراهم والدنانير أنها تكون قرضا لا إعارة) . (٤)
стр. 14274
وبذلك يتبين بكل وضوح دقة النظر الفقهي فيما أعطاه للوديعة النقدية مع الإذن بالاستعمال من تكييف.
أما بالنسبة للنظر القانوني فقد اضطرب الفهم عندما حاول القانونيون إكساء الوديعة المصرفية ثوب الوديعة بالمنظار القانوني المدني.
وما لبث القانونيون أن تميزوا الفارق الدقيق إلى أن استقر التقنين إلى اعتبار الوديعة المصرفية قرضا. وهكذا نجد نص المادة رقم ٧٢٦ من القانون المدني المصري صريحة الدلالة على المعنى المراد حيث نص على أنه:
(إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله، اعتبر العقد قرضا) .
وبذلك أصبح الفهم القانوني الحديث متلاقيا مع التأصيل الفقهي بالنسبة لمفهوم الوديعة المصرفية وكل ما يماثلها من حالات.
وحيث إن الوديعة المصرفية هي صورة من صور الإيداع الحسابي فإننا نقترح تسمية الوديعة من هذا النوع بالوديعة الحسابية حيث يتساوى في الحكم عندما يكون الشيء المودع نقودا أن يكون المودع لديه مصرفا أو صديقا أو تاجرا طالما أن المقصود هو تسجيل حق للمودع لتتم المحاسبة عليه بالرد المماثل.
فالوديعة الحسابية إذن هي كل ما يودع من النقود المتداولة من طرف لدى طرف آخر على أساس الإذن بالاستعمال والرد بعد المحاسبة.
وهي تتم –شأنها شأن سائر العقود-بالإيجاب والقبول من عاقدين عاقلين بالغين ويكون محلها في هذا النوع من الإيداع المصرفي محصورا في النقود المتداولة حسب العرف المصرفي السائد.
стр. 14275
٣-أنواع الوديعة الحسابية:
حصر القانونيون مفهوم الإذن بالاستعمال في الوديعة المصرفية بالقرض فقط وذلك بغرض تسهيل الاقتراض على البنوك. ولم يكن يهم هذه البنوك أن يكون الاقتراض عن طريق الإيداع بصورة مجانية أم بمقابل وذلك لأن دفع الفائدة المصرفية يعتبر أمرا قانونيا بالنسبة لمن لا يراعون موازين الشرع في المعاملات والأحكام.
لذلك كانت الوديعة المصرفية صالحة للقرض سواء كانت قرضا بلا فوائد أم كانت قرضا بفائدة.
أما مفهوم الإذن بالاستعمال في الفقه الإسلامي فهو أوسع شمولا لكل الحالات التي يتم فيها.
فإذا كان الإذن بالاستعمال لصالح الطرف المأذون له بذلك فإن ذلك الإذن يكون بمثابة العارية المضمونة، وبناء عليه فإن الوديعة الحسابية لدى المصرف الإسلامي في صورة الحساب الجاري تكون قرضا مضمونا على المصرف وكذلك الحال في كل النقود المودعة مع الإذن بالاستعمال لصالح من أودعت لديه.
أما إذا كان الإذن باستعمال الوديعة الحسابية يحمل نوعا من المصلحة للمودع فإن الحكم يختلف باختلاف الحال وذلك لدرجة أن صاحب كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ذهب إلى أنه لو دفع رجل مالا إلى آخر على أن نصفه وديعة في يد المضارب ونصفه مضاربة بأن ذلك جائز ويكون المال في يد المضارب على ما سميا. (١)
وهذا يعني أن النصف الأول هو وديعة مأذونة بالاستعمال فهي قرض مضمون والنصف الثاني هو رأس مال مضاربة فله حكم المضاربة من حيث كون الربح على الشرط بحصة شائعة معلومة وإن الخسارة على المال.
فالوديعة الحسابية يمكن أن تكون على عدة وجوه هي:
١- الوديعة الحسابية بالقرض: وذلك حين يكون الإذن الصادر باستعمال النقود على سبيل الإقراض.
٢- الوديعة الحسابية بالاستثمار: وذلك حين يكون الإذن الصادر باستعمال النقود في المضاربة والمشاركة وسائر وجوه الاستثمار الحلال.
٣-الوديعة الحسابية بالأمانة: وذلك حين لا يكون هناك إذن بالاستعمال قرضا أو استثمارا وإنما الإذن بالتصرف محصور بالحفظ ولكن ليس على أساس رد ذات النقود وإنما بدلها أو مثلها ومثال الحالة الأخيرة يكون ما لو تلقى مصرف وديعة باسم من لا يملك أهلية التصرف ولم يأذن وليه للمودع بالاستعمال قرضا ولا استثمارا فإنها تبقى بصورة حسابية على أساس الأمانة، فهي وديعة حسابية في الذمة ويرد مثلها عند الطلب.
стр. 14276
موقع الودائع المصرفية في ميزانية البنك:
تعتبر الودائع التي يتسلمها المصرف بصورة حسابات جارية أو حسابات استثمارية التزاما عليه تتطلب الرد عند الطلب في حالة الحساب الجاري أو الرد على أساس المحاسبة أو التخارج في حالة الحساب الاستثماري.
فأين يقع هذا الالتزام في ميزانية المصرف؟
لتوضيح هذا التساؤل الذي هو محل اختلاف في مجال العمل المصرفي الإسلامي تجدر الإشارة إلى أن الميزانية بالنسبة للشركات عموما هي عبارة عن جرد موقف مالي في تاريخ محدد يكون غالبا في آخر السنة المالية لبيان صافي الموجودات والمطلوبات وبالتالي استخراج الأرباح والخسائر.
وتعتبر التزامات الإيداع بالنسبة للمصرف تجاه عملائه أنها خصوم تحسب من جملة المطلوبات.
ولمعالجة هذه الخصوم محاسبيا هناك طريقتان.
الأولى: هي اعتبارها خصوما في ذمة المصرف وهي تقابل الموجودات التي تم استعمال الجزء الغالب من هذه الأموال في إنشائها، وهنا تتساوى الحسابات جميعها.
والثانية: هي اعتبار يد المصرف أنها يد وكيل مأذون بإدارة الاستثمار حيث يتطلب ذلك التمييز بين الودائع الحسابية للإقراض باعتبارها ملكا للمصرف قابلة للرد وبين الودائع الحسابية للاستثمار باعتبارها رأس مال مسلم للاستثمار تحت المحاسبة.
وتثور المشكلة هنا بالنسبة للموجودات حيث يكاد يتعذر الفصل في جانب الموجودات بمعنى الفصل القانوني للموجودات التي تمثل الحقوق التي تقابل الودائع الحسابية للاستثمار. فالسيارات والسفن والطائرات والمصانع والمساهمات كلها مسجلة باسم المصرف رغم أن المال المدفوع هو من أموال أصحاب الودائع الاستثمارية.
وما لم يكن هناك إفراز قانوني للحقوق فإن البيان الحسابي الظاهر لا يغني شيئا، فلو ألقت جهة قضائية الحجز مثلا على سفينة مملوكة للمصرف بحسب التسجيل القانوني وبسبب يخص المصرف وحده ولا علاقة له بالمودعين المستثمرين الأبرياء فإن المصرف لا يستطيع الادعاء بأن السفينة هي تحت يده بالأمانة وأنه المدير لعمليات الاستثمار بالمضاربة.
لذلك فإن تعذر فصل الموجودات يتطلب إدخال الودائع المصرفية في جملة خصوم المصرف ليكون هناك توازن في الموجودات والمطلوبات.
стр. 14277
٥- رهن الوديعة:
الأصل في الرهن أن تتحقق به للراهن اليد أو المكنة التي يستطيع عن طريقها منع التصرف بالمرهون حتى يستوفي حقه منه.
وقد تكون المكنة إما بالقبض الحيازي أو إثبات إشارة الرهن كما هو الحال في الرهونات الحديثة في سجلات الملكية. وتختلف الحال بالنسبة للوديعة الحسابية لدى رهنها لصالح المصرف المودع لديه.
فإذا كانت الوديعة حسابا جاريا فإنها تسجل في الحسابات الجارية ويصدر بها كشف حساب –ولما كان المقصود من الرهن هو منع التصرف فإن مقتضى الرهن هو أن تنقل الوديعة من الحساب الجاري إلى حساب الأمانات وذلك لمنع وقوع التغرير ولإثبات اليد.
أما إذا كانت الوديعة حسابا استثماريا فإن الرهن يكون إما بإثبات الإشارة بعبارات الرهن الصريح أو بالنقل إلى حساب الأمانات مع إبقاء حق الراهن في منافع المرهون المتحصلة من أرباح الاستثمار وهذه القواعد معمول بها غالبا لدى المصارف.
وسبب التفريق بين الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية هو أن الحساب الجاري قد يعطي حقا للغير عن طريق سحب الشيكات بينما يبقى التصرف بالحساب الاستثماري محصورا بين صاحب الحساب والمصرف الذي يتعامل معه.
стр. 14278
٦- حركة السحب والإيداع في الودائع المصرفية:
تتعرض الودائع المصرفية الحسابية للسحب والإيداع حسب حاجة صاحب الحساب ويختلف الحكم باختلاف نوع الحساب.
ففي حالة الودائع الحسابية للاقتراض أو الأمانة ليس هناك أي إشكال في السحب أو الإيداع طالما كان متفقا على ذلك من البداية أن يكون التصرف فوريا عند الطلب.
أما بالنسبة لحالة الودائع الحسابية للاستثمار فإن هناك شروطا تحد من حرية الحركة في السحب والإيداع.
- فهناك أولا الحد الأدنى الذي يكون المصرف قد قرره للحساب الاستثماري مثل عشرة آلاف ريال سعودي أو ألف دينار كويتي بحيث إن نقصان الرصيد الاستثماري عن هذا الحد يعتبر خروجا من دائرة الاستثمار ويصبح الرصيد المتبقي بمثابة الحساب الجاري.
- وهناك ثانيا الإشعار الذي يفترض في صاحب الحساب أن يقدمه للمصرف عند السحب خصوصا ولا سيما في الحسابات ذات المبالغ الكبيرة حيث قد سبب السحب الطارئ إرباكا للمصرف.
والأصل في الشروط الصحيحة أن تكون ملزمة باعتبارها جزءا من التعاقد الذي جرى على أساسه فتح الحساب وبدء التعامل بين المصرف والعميل.
والسند في ذلك ما ورد في الحديث النبوي ((: والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا)) . (سنن الترمذي، كتاب الأحكام، طبعة استانبول، ص ٦٣٤،٦٣٥) .
أما مسألة التفاوت الزمني في الاستثمار بسبب تغير الأرصدة صعودا وهبوطا فإن هذه المسألة محلولة حسابيا حيث ترد الأموال جميعا إلى قاعدة استثمار الدينار الواحد لليوم الواحد ويستخرج المعدل السنوي بقسمة الحاصل على عدد أيام السنة. وهذه الطريقة هي المعروفة بطريقة الأعداد أو النمر وهي نوع من القياس الاصطلاحي.
стр. 14279
٧- مسالة ضمان الودائع:
ليس هناك اختلاف في أن الودائع المصرفية الحسابية لأغراض الإقراض أنها مضمونة طالما أن القرض أساسا مضمون في ذمة المقترض. ويلحق بذلك الحفظ بالأمانة إذا لم تبق النقود على حالها.
ويلاحظ من تمييز آراء الفقهاء أن مدار الكلام في عقد الوديعة وأنه من عقود الأمانة مبني على مفهوم حفظ الشيء بذاتيه بحيث أنه لو هلكت الوديعة دون تعد ولا تقصير فإنها تهلك على مالكها.
ولكن الحال يختلف عندما تذوب الوديعة وتصبح التزاما في الذمة نتيجة الإذن بالاستعمال والتصرف.
أما نقطة الخلاف الكبرى فإنها تدور حول ضمان المصرف للودائع الاستثمارية.
فقد نظر الأكثر من أهل البحث الفقهي المعاصر إلى أن الوديعة الحسابية المصرفية هي رأس مال مضاربة وأن المصرف عامل في هذا المال وأنه ليس على العامل ضمان.
وذهب الرأي المقابل إلى أن ما ينطبق على المضاربة الخاصة التي بحثها الفقه الإسلامي قديما لا يشمل المضاربة المشتركة التي هي عقد جديد تشبه حالة الأجير المشترك.
وكما أن الأجير المشترك له أحكام تتعلق بعمله ومسؤوليته في الضمان بصورة مختلفة عن أحكام الأجير الفرد وذلك حسبما قرر الفقهاء منذ القديم ولا سيما بالنسبة للقول بضمان الأجير المشترك ووجه المصلحة فيما اتفقوا عليه، كذلك فإن رعاية أموال الناس ومصالحهم تتطلب النظر في تضمين المضارب المشترك وذلك على أساس أننا أمام تعاقد جديد بظروف وشروط تختلف عن ظروف وشروط المضاربة الفردية وذلك من النواحي التالية:
١- أن رب المال في المضاربة الفردية يختار العامل ويحدد له نوع النشاط ويضع الشروط التي يراها ملائمة لحفظ ماله من الضياع، بينما لا يملك رب المال في المضاربة المشتركة سوى اختيار المصرف الإسلامي الذي يتعامل معه، أما الشروط فلا تتحملها طبيعة المضاربة المشتركة وكذلك أشخاص العاملين في المال حيث يختار المصرف موظفيه وفق قواعده الخاصة بالتوظيف.
وكان مقتضى توازن العقود أن يكون في مقابل الحرمان من حق الاشتراط نوع من الضمان عن الخطأ المفترض في أعمال الموظفين الذين تقع رقابتهم على عاتق المصرف الذي يريد أموال المضاربة المشتركة.
стр. 14280
٢- أن عمل المضاربة المشتركة ذو طبيعة مستمرة لا تتوقف وذلك لأن العمليات التي يقوم بها المصرف متتابعة ومتداخلة وليس ممكنا الحكم بتاريخ معين على حدوث خسارة محددة إلا إذا صفيت جميع عمليات المصرف، وهذا يعني تصفية المصرف نفسه حيث يحتمل أن تكون عمليات رابحة لو صفيت لكانت أرباحها أكبر من الخسارة الظاهرة.
ولما كانت هذه التصفية متعذرة فإن الحل الوحيد للسماح بسحب الودائع الحسابية الاستثمارية ودخول مودعين جدد هو تقرير مبدأ سحب رأس المال وذلك نحو ما تفعل المصارف الإسلامية دون أن تصرح بالضمان.
وقد حدث في أحد المصارف الإسلامية التي لا تأخذ بأصل مبدأ الضمان خسارة كبيرة حيث لم تجد هيئة الرقابة الشرعية مناصا من تضمين المصرف للخسارة الواقعة على أساس الخطأ المفترض.
بينما استحدث في البنك الإسلامي الأردني منذ تأسيسه صندوق خاص لتغطية مخاطر الاستثمار حيث تقتطع نسبة ١٠ % سنويا من الأرباح لحساب هذا الصندوق أخذ بوجهة النظر المالكية وذلك بالنسبة لجواز تخصيص جزء من ربح المضاربة لجهة ثالثة غير العامل ورب المال. (انظر المادة ٢١ من قانون البنك الإسلامي الأردني رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨ والقانون المعدل لسنة ١٩٨١م) .
٣- الأساس الفقهي الذي فرقت فيه بعض الآراء بين عمل العامل في مال القراض بنفسه وبين عمله عن طريق دفعه إلى من يعمل فيه.
فقد عرض الفقيه المالكي ابن رشد الحفيد لهذه المسألة عند البحث في طوارئ المضاربة بأنه لم يختلف المشاهير من فقهاء الأمصار أنه (إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسر وإن كان ربح فذلك على شرطه ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حقه مما بقي من المال) . (١)
والمضاربة تشبه الإجارة من حيث إنها استحقاق الربح بالعمل أو بالضمان، وكما أن الأجير الوسيط يستحق الربح ولو لم يعمل في حالة دفع العمل لغيره ولا سبب لذلك إلا الضمان. كذلك فإن المضارب الوسيط حيث لم يقدم عملا ولا مالا إنما يستحق الربح بسبب الضمان. لذلك لم يتردد الفقيه الكاساني في ضرب المثل مأخوذا من واقع ربح المضاربة بمثال من الإجارة.
стр. 14281
فقد عرض الكاساني لمسألة ربح المضارب الأول عندما يدفع المال إلى المضارب الثاني حيث قال بأن المضارب الأول يستحق الربح (السدس مثلا) بعد أن يعطي المضارب الثاني نصيبه وهو الثلث، ويعطي لرب المال نصيبه وهو النصف، حيث يعلل ذلك بقوله: (لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه كما لو استأجر إنسانا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بنصف درهم طاب له الفضل؛ لأن عمل أجيره وقع له فكأنه عمل بنفسه) . (١)
والواقع أن سبب استحقاق الأجير الوسيط للربح هو ضمان بدليل أنه لو تلف الثوب بفعل الأجير الأخير فإن المسؤل هو الأجير الوسيط.
كما يستشف من استقراء الآراء في شرح مختصر خليل في شرح عبارة المختصر (ككل آخذ مال للتنمية) أن هناك فرقا في التعدي باستثمار المال بين الوكيل والمضارب. فقد جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل (٦ /٢١٤) في معرض شرحه لعبارة المختصر قوله: (والمعنى أن كل من أخذ مالا لينميه لربه فتعدى في ذلك المال كالوكيل على بيع شيء والمبضع معه واتجر فحصل به ربح أو تلف فيكون عليه وإن حصل ربح فهو لرب المال وحده نظرا لما دخلا عليه ابتداء بخلاف عامل القراض إذا شارك في المال أو باع بدين أو نحو ذلك بغير إذن ربه فخسارته عليه وحده, والربح له ولرب المال على ما دخلا عليه ابتداء. وكل من أخذ مالا لا على سبيل التنمية كالمودع والغاصب والوصي إذا حركوا إلى أن نما بالتعدي فإن الربح لهم بتعديهم والخسارة عليهم) (٢)
وهذا يدل أن هناك فرقا في نتيجة التعدي بين الوكيل والمضارب, فإن قال قائل: إن الشرط هنا مرتبط بعدم الإذن قلنا: إن الإذن في المضاربة المشتركة كالعدم لأن المضارب لا يملك أصلا حق المنع والإعطاء, فالمصرف الإسلامي يقارض من يرى ويشارك من يرى دون أن يطلب إذنا وأنه إذا أعطي الإذن فلا معنى له لأنه إذن بما هو غير محدود.
стр. 14282
ومهما يكن من أمر فإن مسألة الضمان وإن لم يصرح بها فإنها قائمة بالفعل؛ لأن المصرف الإسلامي الذي يسمح لصاحب الوديعة بسحب أمواله المودعة كليا أو جزئيا يقر ضمنا أنه قبل مبدأ سلامة رأس المال لأصحابه وإلا كان مقتضى الأمر ألا يسمح المصرف أبدا بسحب أي قدر من الوديعة الاستثمارية ما لم يجر الجرد الكامل لموقف الأرباح والخسائر حتى يقرر ما إذا كانت الوديعة الاستثمارية ترد سليمة لصاحبها أم تنقص عن رأس المال أو تزيد.
فإذا علم أن المصرف يرد يوميا مئات الودائع الاستثمارية ويتسلم مئات غيرها علمنا أن هذا الافتراض النظري مستحيل وأنه لا مناص من افتراض الضمان صراحة أو ضمنا.
أم بالنسبة للجهة التي تتحمل عبء الضمان فإنها تتحدد بالمساهمين إذ هم الذين يملكون الإدارة وهم الذين يتحملون تبعة أخطاء موظفيهم.
٨- الخاتمة:
وبعد , فهذه ملاحظات على موضوع الودائع المصرفية الحسابية يرجى أن تجد لها مكانا في المناقشة الفقهية بما يسهل الوصول إلى ما هو أقرب تحقيق مقاصد الشرع.
والأفكار المعروضة هي رأي يستظل بظلال القواعد الفقهية وقد تختلف الأفهام ولكن الاتجاه نحو الحق موحد الولاء , وكما يتجه المسلمون شطر المسجد الحرام من كل صوب وحدب كذلك تتجه الأفكار نحو منابع الشرع من كل مكان.
وإن الله هو الهادي إلى سواء السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سامي حسن حمود.
стр. 14283
الودائع المصرفية
حسابات المصارف
إعداد
د. حسين كامل فهمي
المعهد الإسلامي للبحوث والتنمية
البنك الإسلامي للتنمية بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد رسول الله ﷺ وخير الأنام وعلى آله وأصحابه السادة الأعلام.. وبعد.
فيعتبر موضوع الودائع المصرفية من أهم الموضوعات التي طالما شغلت بال كثير من رجال البنوك، والعديد من الباحثين الاقتصاديين، والمسؤولين عن رسم السياسات الاقتصادية في جميع أنحاء العالم. ولا غرابة في هذه المقولة إذا علم أن الودائع المصرفية تعد من أهم وأخطر المتغيرات الاقتصادية سواء بالنسبة للدولة على المستوى الكلي، أو بالنسبة للوحدات المكونة للقطاع المصرفي على المستوى الجزئي. وتبرز أهمية وخطورة هذا المتغير من كونه يعد سلاحا ذا حدين. فالودائع إذا أحسن اختيار جمعها ووضعت لها القواعد الصحيحة والأسس العادلة لطرق استخدامها، كانت مصدرا من مصادر الأمن والقوة والرخاء بالنسبة للدولة ولوحدات القطاع المصرفي، ولسائر أفراد المجتمع جميعا. إذ إنها في هذه الحالة تمثل وعاء جيدا للمدخرات اللازمة لدعم مسيرة العملية الإنمائية داخل الدولة، وموردا رئيسيا لتمويل الأنشطة الاستثمارية للبنوك، ومصدرا لدخل منتظم لكثير من الأفراد على مختلف المستويات الاجتماعية داخل المجتمع. هذا فضلا عن كونها تشكل جزءا هاما من المعروض النقدي لدى الدولة. أما إذا أسيء استخدام هذه الودائع فهي إذن مصدر نقمة وسبب للتظالم بين الناس وعامل من العوامل الأساسية وراء كثير من المشكلات الاقتصادية وعدم الاستقرار داخل الأسواق المختلفة (نقدية – رأسمالية – سلعية) .
стр. 14284
ولقد كان للباحث الشرف في كتابة بحث سابق حول أحد الأبعاد الأساسية لهذا الموضوع، تم نشره مؤخرا في مجلة جامعة الملك عبد العزيز جدة. (١)
ويدور المحور الأساسي لهذا البحث حول بيان معالم المنهج الإسلامي في علاج إحدى المشكلات الاقتصادية الهامة التي يعاني منها بصفة مستمرة كثير من دول العالم في عصرنا الحالي سواء الإسلامي منه أو غير الإسلامي، وهي مشكلة إسراف البنوك غي خلق الائتمان وما يترتب عليها عادة من مفاسد عظيمة. ومن الفأل الطيب أن يتضمن ذلك البحث بعض النقاط التي يتناولها الموضوع الرابع لهذا المؤتمر الموقر، (الودائع المصرفية – حسابات المصارف) . ولعل السبب في ذلك يكمن في أن الحل الذي تقدم به الباحث من خلال البحث المذكور يحتوي على اقتراح بضرورة إعادة النظر في هيكل الودائع المعمول به حاليا في البنوك الإسلامية. ويقتصر هذا الاقتراح على كل من الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية على أساس أن معظم الحسابات المفتوحة لدى البنوك مهما اختلفت في مسمياتها، لا بد وأن تندرج في النهاية تحت أحد هذين النوعين من الحسابات. أما عن أسباب هذا الاقتراح فتتلخص فيما يراه الباحث في وجود تشابه كبير بين الهيكل الحالي لموارد واستخدامات البنوك الإسلامية وبين الهيكل القائم في البنوك التقليدية. وأن هذا الهيكل (سواء بالنسبة للحسابات الجارية أو الحسابات الاستثمارية) يتعارض مع ما قصده الشارع من نشر العدل بين الناس واستتباب الأمن والاستقرار في المعاملات فضلا عن تعارضه مع بعض الأحكام والشروط الأساسية للعقود الشرعية التي تحكم التعامل من خلال هذه الحسابات.
وإذا كان الباحث قد استعرض في بحثه السابق بعض الأدلة والدوافع التي تبرر وجهة نظره في هذا الموضوع، فإنه في هذا البحث الجديد وحول موضوع (الودائع المصرفية – حسابات المصارف) يسترسل في إضافة أبعاد جديدة لتدعيم وجهة نظره السابقة بالنسبة لكل نوع من الحسابات (الجارية – الاستثمارية) ، مع التركيز على الحسابات الجارية بصفة أساسية. ومراعيا أن يتضمن ذلك جميع المحاور المطلوب تغطيتها في هذا المؤتمر الموقر بالنسبة لهذا الموضوع، داعيا الله أن يكون عمله هذا خالصا لوجهه الكريم. بناء على ذلك، فإن البحث سينقسم بعد هذه المقدمة القصيرة إلى ثلاثة أجزاء: يتناول الجزء الأول منها موضوع الحسابات الجارية، ويشتمل على عرض مفصل للنقاط الجديدة التي سيطرحها الباحث حول هذا الموضوع. أما الجزء الثاني فيتناول موضوع الحسابات الاستثمارية، وسيتبع فيه الباحث نفس الأسلوب الذي اتبعه بالنسبة للحسابات الجارية، ولكن بشيء من الاختصار. أما الجزء الثالث والأخير فسيخصص للخلاصة وأهم الاستنتاجات.
стр. 14285
الحسابات الجارية:
الحساب الجاري في البنوك هو: القائمة التي تقيد بها المعاملات المتبادلة بين العميل والبنك. وتكون هذه المعاملات متشابكة يتخلل بعضها بعضا بحيث تكون مدفوعات كل من الطرفين مقرونة بمدفوعات من الطرف الآخر. ويتميز هذا الحساب بأنه قابل للسحب منه عند الطلب، ولذلك يسمى في بعض الأحيان بالحساب تحت الطلب. ولا تمنح البنوك عادة على هذا النوع من الحسابات أي عائد، وإنما قد تطلب من العميل في بعض الأحيان رسوما قليلة نظير الخدمات المؤداة له.
وعادة ما يقترن الحساب الجاري في البنوك التقليدية بنوع واحد من أنواع التكييف القانوني وهو (القرض) . فيعتبر الإيداع في هذا الحساب من الناحية القانونية كقرض من العميل للبنك. (١)
أما بالنسبة للبنوك الإسلامية فيتبع بعضها نفس هذا الأسلوب ويشترط اعتبار صفة الإيداع في الحساب الجاري كقرض حسن من العميل إلى البنك. أما البعض الآخر فيفضل إضفاء صفة الوديعة المأذون باستعمالها على هذا الحساب، رغم أنه من الناحية الشرعية لا فارق بين هاتين الصورتين للحساب فمن المعروف أن الوديعة المأذون باستعمالها تؤول في حالة النقود إلى القرض. وتفسير ذلك يرجع إلى اعتبار الفقهاء هذه الوديعة كعارية، ويطبق عليها أحكامها. إلا أنه لكون أن هذا الوصف يختص بإعارة الأعيان التي ينتفع بها، ولأن الأمر في حالة أرصدة الحسابات الجارية يتعلق بالنقود، وهي بطبيعتها لا ينتفع بها إلا باستهلاكها فإن إطلاق صفة الإعارة عليها تعتبر من طريق المجاز وبالتالي فهي في حقيقتها قرض (٢)
بناء على ذلك فإنه على مدى ما سيتبقى من هذا الجزء من البحث فسيفترض الباحث أن التكييف الفقهي للحساب الجاري المعمول به حاليا لدى البنوك الإسلامية هو عقد قرض بين العميل والبنك. ويترتب على هذا النوع من التكييف كل من الأحكام التالية: