← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14281–14320 · переход к 14286.

стр. 14281

فقد عرض الكاساني لمسألة ربح المضارب الأول عندما يدفع المال إلى المضارب الثاني حيث قال بأن المضارب الأول يستحق الربح (السدس مثلا) بعد أن يعطي المضارب الثاني نصيبه وهو الثلث، ويعطي لرب المال نصيبه وهو النصف، حيث يعلل ذلك بقوله: (لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه كما لو استأجر إنسانا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بنصف درهم طاب له الفضل؛ لأن عمل أجيره وقع له فكأنه عمل بنفسه) . (١) والواقع أن سبب استحقاق الأجير الوسيط للربح هو ضمان بدليل أنه لو تلف الثوب بفعل الأجير الأخير فإن المسؤل هو الأجير الوسيط. كما يستشف من استقراء الآراء في شرح مختصر خليل في شرح عبارة المختصر (ككل آخذ مال للتنمية) أن هناك فرقا في التعدي باستثمار المال بين الوكيل والمضارب. فقد جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل (٦ /٢١٤) في معرض شرحه لعبارة المختصر قوله: (والمعنى أن كل من أخذ مالا لينميه لربه فتعدى في ذلك المال كالوكيل على بيع شيء والمبضع معه واتجر فحصل به ربح أو تلف فيكون عليه وإن حصل ربح فهو لرب المال وحده نظرا لما دخلا عليه ابتداء بخلاف عامل القراض إذا شارك في المال أو باع بدين أو نحو ذلك بغير إذن ربه فخسارته عليه وحده, والربح له ولرب المال على ما دخلا عليه ابتداء. وكل من أخذ مالا لا على سبيل التنمية كالمودع والغاصب والوصي إذا حركوا إلى أن نما بالتعدي فإن الربح لهم بتعديهم والخسارة عليهم) (٢) وهذا يدل أن هناك فرقا في نتيجة التعدي بين الوكيل والمضارب, فإن قال قائل: إن الشرط هنا مرتبط بعدم الإذن قلنا: إن الإذن في المضاربة المشتركة كالعدم لأن المضارب لا يملك أصلا حق المنع والإعطاء, فالمصرف الإسلامي يقارض من يرى ويشارك من يرى دون أن يطلب إذنا وأنه إذا أعطي الإذن فلا معنى له لأنه إذن بما هو غير محدود.

стр. 14282

ومهما يكن من أمر فإن مسألة الضمان وإن لم يصرح بها فإنها قائمة بالفعل؛ لأن المصرف الإسلامي الذي يسمح لصاحب الوديعة بسحب أمواله المودعة كليا أو جزئيا يقر ضمنا أنه قبل مبدأ سلامة رأس المال لأصحابه وإلا كان مقتضى الأمر ألا يسمح المصرف أبدا بسحب أي قدر من الوديعة الاستثمارية ما لم يجر الجرد الكامل لموقف الأرباح والخسائر حتى يقرر ما إذا كانت الوديعة الاستثمارية ترد سليمة لصاحبها أم تنقص عن رأس المال أو تزيد. فإذا علم أن المصرف يرد يوميا مئات الودائع الاستثمارية ويتسلم مئات غيرها علمنا أن هذا الافتراض النظري مستحيل وأنه لا مناص من افتراض الضمان صراحة أو ضمنا. أم بالنسبة للجهة التي تتحمل عبء الضمان فإنها تتحدد بالمساهمين إذ هم الذين يملكون الإدارة وهم الذين يتحملون تبعة أخطاء موظفيهم. ٨- الخاتمة: وبعد , فهذه ملاحظات على موضوع الودائع المصرفية الحسابية يرجى أن تجد لها مكانا في المناقشة الفقهية بما يسهل الوصول إلى ما هو أقرب تحقيق مقاصد الشرع. والأفكار المعروضة هي رأي يستظل بظلال القواعد الفقهية وقد تختلف الأفهام ولكن الاتجاه نحو الحق موحد الولاء , وكما يتجه المسلمون شطر المسجد الحرام من كل صوب وحدب كذلك تتجه الأفكار نحو منابع الشرع من كل مكان. وإن الله هو الهادي إلى سواء السبيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. د. سامي حسن حمود.

стр. 14283

الودائع المصرفية حسابات المصارف إعداد د. حسين كامل فهمي المعهد الإسلامي للبحوث والتنمية البنك الإسلامي للتنمية بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد رسول الله ﷺ وخير الأنام وعلى آله وأصحابه السادة الأعلام.. وبعد. فيعتبر موضوع الودائع المصرفية من أهم الموضوعات التي طالما شغلت بال كثير من رجال البنوك، والعديد من الباحثين الاقتصاديين، والمسؤولين عن رسم السياسات الاقتصادية في جميع أنحاء العالم. ولا غرابة في هذه المقولة إذا علم أن الودائع المصرفية تعد من أهم وأخطر المتغيرات الاقتصادية سواء بالنسبة للدولة على المستوى الكلي، أو بالنسبة للوحدات المكونة للقطاع المصرفي على المستوى الجزئي. وتبرز أهمية وخطورة هذا المتغير من كونه يعد سلاحا ذا حدين. فالودائع إذا أحسن اختيار جمعها ووضعت لها القواعد الصحيحة والأسس العادلة لطرق استخدامها، كانت مصدرا من مصادر الأمن والقوة والرخاء بالنسبة للدولة ولوحدات القطاع المصرفي، ولسائر أفراد المجتمع جميعا. إذ إنها في هذه الحالة تمثل وعاء جيدا للمدخرات اللازمة لدعم مسيرة العملية الإنمائية داخل الدولة، وموردا رئيسيا لتمويل الأنشطة الاستثمارية للبنوك، ومصدرا لدخل منتظم لكثير من الأفراد على مختلف المستويات الاجتماعية داخل المجتمع. هذا فضلا عن كونها تشكل جزءا هاما من المعروض النقدي لدى الدولة. أما إذا أسيء استخدام هذه الودائع فهي إذن مصدر نقمة وسبب للتظالم بين الناس وعامل من العوامل الأساسية وراء كثير من المشكلات الاقتصادية وعدم الاستقرار داخل الأسواق المختلفة (نقدية – رأسمالية – سلعية) .

стр. 14284

ولقد كان للباحث الشرف في كتابة بحث سابق حول أحد الأبعاد الأساسية لهذا الموضوع، تم نشره مؤخرا في مجلة جامعة الملك عبد العزيز جدة. (١) ويدور المحور الأساسي لهذا البحث حول بيان معالم المنهج الإسلامي في علاج إحدى المشكلات الاقتصادية الهامة التي يعاني منها بصفة مستمرة كثير من دول العالم في عصرنا الحالي سواء الإسلامي منه أو غير الإسلامي، وهي مشكلة إسراف البنوك غي خلق الائتمان وما يترتب عليها عادة من مفاسد عظيمة. ومن الفأل الطيب أن يتضمن ذلك البحث بعض النقاط التي يتناولها الموضوع الرابع لهذا المؤتمر الموقر، (الودائع المصرفية – حسابات المصارف) . ولعل السبب في ذلك يكمن في أن الحل الذي تقدم به الباحث من خلال البحث المذكور يحتوي على اقتراح بضرورة إعادة النظر في هيكل الودائع المعمول به حاليا في البنوك الإسلامية. ويقتصر هذا الاقتراح على كل من الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية على أساس أن معظم الحسابات المفتوحة لدى البنوك مهما اختلفت في مسمياتها، لا بد وأن تندرج في النهاية تحت أحد هذين النوعين من الحسابات. أما عن أسباب هذا الاقتراح فتتلخص فيما يراه الباحث في وجود تشابه كبير بين الهيكل الحالي لموارد واستخدامات البنوك الإسلامية وبين الهيكل القائم في البنوك التقليدية. وأن هذا الهيكل (سواء بالنسبة للحسابات الجارية أو الحسابات الاستثمارية) يتعارض مع ما قصده الشارع من نشر العدل بين الناس واستتباب الأمن والاستقرار في المعاملات فضلا عن تعارضه مع بعض الأحكام والشروط الأساسية للعقود الشرعية التي تحكم التعامل من خلال هذه الحسابات. وإذا كان الباحث قد استعرض في بحثه السابق بعض الأدلة والدوافع التي تبرر وجهة نظره في هذا الموضوع، فإنه في هذا البحث الجديد وحول موضوع (الودائع المصرفية – حسابات المصارف) يسترسل في إضافة أبعاد جديدة لتدعيم وجهة نظره السابقة بالنسبة لكل نوع من الحسابات (الجارية – الاستثمارية) ، مع التركيز على الحسابات الجارية بصفة أساسية. ومراعيا أن يتضمن ذلك جميع المحاور المطلوب تغطيتها في هذا المؤتمر الموقر بالنسبة لهذا الموضوع، داعيا الله أن يكون عمله هذا خالصا لوجهه الكريم. بناء على ذلك، فإن البحث سينقسم بعد هذه المقدمة القصيرة إلى ثلاثة أجزاء: يتناول الجزء الأول منها موضوع الحسابات الجارية، ويشتمل على عرض مفصل للنقاط الجديدة التي سيطرحها الباحث حول هذا الموضوع. أما الجزء الثاني فيتناول موضوع الحسابات الاستثمارية، وسيتبع فيه الباحث نفس الأسلوب الذي اتبعه بالنسبة للحسابات الجارية، ولكن بشيء من الاختصار. أما الجزء الثالث والأخير فسيخصص للخلاصة وأهم الاستنتاجات.

стр. 14285

الحسابات الجارية: الحساب الجاري في البنوك هو: القائمة التي تقيد بها المعاملات المتبادلة بين العميل والبنك. وتكون هذه المعاملات متشابكة يتخلل بعضها بعضا بحيث تكون مدفوعات كل من الطرفين مقرونة بمدفوعات من الطرف الآخر. ويتميز هذا الحساب بأنه قابل للسحب منه عند الطلب، ولذلك يسمى في بعض الأحيان بالحساب تحت الطلب. ولا تمنح البنوك عادة على هذا النوع من الحسابات أي عائد، وإنما قد تطلب من العميل في بعض الأحيان رسوما قليلة نظير الخدمات المؤداة له. وعادة ما يقترن الحساب الجاري في البنوك التقليدية بنوع واحد من أنواع التكييف القانوني وهو (القرض) . فيعتبر الإيداع في هذا الحساب من الناحية القانونية كقرض من العميل للبنك. (١) أما بالنسبة للبنوك الإسلامية فيتبع بعضها نفس هذا الأسلوب ويشترط اعتبار صفة الإيداع في الحساب الجاري كقرض حسن من العميل إلى البنك. أما البعض الآخر فيفضل إضفاء صفة الوديعة المأذون باستعمالها على هذا الحساب، رغم أنه من الناحية الشرعية لا فارق بين هاتين الصورتين للحساب فمن المعروف أن الوديعة المأذون باستعمالها تؤول في حالة النقود إلى القرض. وتفسير ذلك يرجع إلى اعتبار الفقهاء هذه الوديعة كعارية، ويطبق عليها أحكامها. إلا أنه لكون أن هذا الوصف يختص بإعارة الأعيان التي ينتفع بها، ولأن الأمر في حالة أرصدة الحسابات الجارية يتعلق بالنقود، وهي بطبيعتها لا ينتفع بها إلا باستهلاكها فإن إطلاق صفة الإعارة عليها تعتبر من طريق المجاز وبالتالي فهي في حقيقتها قرض (٢) بناء على ذلك فإنه على مدى ما سيتبقى من هذا الجزء من البحث فسيفترض الباحث أن التكييف الفقهي للحساب الجاري المعمول به حاليا لدى البنوك الإسلامية هو عقد قرض بين العميل والبنك. ويترتب على هذا النوع من التكييف كل من الأحكام التالية:

стр. 14286

-أن عقد الإيداع يعتبر عقدا غير لازم في حق البنك (المقترض) ، فله في أي وقت رد رصيد الحساب إلى العميل (المقرض) . كما أنه يعتبر عقدا غير لازم في حق العميل (المقرض) . فله المطالبة برصيد حسابه (الدين) من البنك (المدين) في أي وقت شاء. (١) - انتقال ملكية الأموال المودعة في الحساب من العميل (الدائن) إلى البنك (المدين) بحيث يمتلكها الثاني ملكا تاما يخوله حق التصرف فيه. إلا أن الفقهاء اختلفوا فيما يختص بتوقيت نقل الملكية في القرض على أربعة أقوال وهي: انتقال الملكية بالعقد وإن لم يتم القبض (المالكية) – انتقال الملكية بالتصرف (لبعض الشافعية) -انتقال الملكية بالاستهلاك (لأبي يوسف) . انتقال الملكية بالقبض (للحنابلة والحنفية في القول المعتمد والشافعية في الأصح) . (٢) -يتفق الفقهاء على أن المقترض في عقد القرض بمجرد تملكه للعين المثلية أن يثبت في ذمته مثلها لا عينها وبالتالي يصير ملتزما برد بدل مثلها. (٣) وهو نفس الشيء الذي ينطبق على النقود المودعة في الحساب الجاري حيث يتم استهلاكها بمجرد الاستعمال. وفي واقع الأمر فإن تفضيل البنوك بصفه عامة (تقليدية – إسلامية) لإضفاء صفة عقد القرض على الحساب الجاري يرجع إلى سببين أساسيين، هما على وجه التحديد كالآتي: أ - أن الأحكام والآثار المترتبة على عقد القرض تتواءم تماما مع طبيعة استخدام هذا النوع من الحسابات حيث يقوم العملاء عادة بتجنيب جزء من أموالهم لإيداعها في هذا الحساب لمقابلة مدفوعاتهم الجارية خلال الفترات الدورية الواقعة بين تواريخ حصولهم على الدخل المتكرر. مما يترتب عليه احتمال تقدم العميل لسحب كل أو جزء من رصيد حسابه لدى البنك في أي وقت.

стр. 14287

ب- الاستفادة من الفرصة غير المكلفة المتاحة لهذه البنوك والتي تتمثل في القدرة على تحقيق شيئين هما: - استثمار الأرصدة المتجمعة لديها في هذه الحسابات بدون مقابل، وتحقيق الأرباح من وراء ذلك. - مضاعفة حجم هذه الأرصدة بطريقة تلقائية من خلال ما هو معروف وشائع في جميع الأوساط المصرفية باسم مقدرة البنوك على خلق الائتمان، (أو خلق النقود) . ومن المعروف أيضا – وكما سبقت الإشارة إليه – أن البنوك التقليدية تمتنع عن منح أي عائد على أرصدة الحسابات الجارية بحجة أن هذه الأرصدة قابلة للسحب في أي وقت وفقا للطلبات التي قد ترد إليها من المودعين، مما قد يعوق فرصة استثمارها بالشكل الملائم. وتنتهج البنوك الإسلامية نفس هذا المنهج وتبرر ذلك بعدة أسباب منها: أن ملكية هذه الأرصدة تنتقل إليها بموجب عقد القرض المحرر بينها وبين العميل، ويتعين عليها نتيجة لذلك أن تضمنها، وبالتالي يحل لها العائد المترتب على تشغيلها وفقا لقاعدة (الخراج بالضمان) (١) ومن ناحية أخرى فإن منح البنوك الإسلامية أي عائد لعملائها على هذه الأرصدة يتعارض مع كونها في حكم القرض، لما يترتب على ذلك من نفع للعميل وهو غير جائز للحديث الوارد عن سيدنا على بن أبي طالب بأن الرسول ﷺ قال: ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)) (٢)

стр. 14288

تحديد محور الخلاف: يعتقد الباحث أن طريقة الاختيار الواجب النظر إليها بعين الاعتبار عند تحديد نوع التكييف الفقهي للحسابات الجارية المفتوحة لدى البنوك الإسلامية، يجب أن لا تقتصر على مجرد الوقوف على المصالح الخاصة التي تخدم اهتمامات هذه البنوك فقط، وإنما يجب أن تتسع دائرة الترجيح لتشمل أي احتمال لترتب مفاسد معينة من وراء هذه المصالح، هذا فضلا عن ضرورة البحث أيضا عن أي احتمالات لوجود مصالح أخرى قد تكون أكثر شمولا واتساعا من حيث الأثر وتتعارض مع المصالح الخاصة بالبنوك؛ وذلك لأنه إن كانت شريعة الله قائمة على أساس اعتبار مصالح العباد، فالمقصود بمراعاتها أن لا تكون هذه المصالح واهمة بحيث يترتب عليها مفاسد أعظم منها، أو أن يكون هناك مصالح أخرى أرجح منها وأشمل. (١) يرجع اهتمام الباحث بهذه الاعتبارات لكون أن إضفاء صفة القرض على الحسابات الجارية لدى البنوك الإسلامية في ظل الميكانيكية التلقائية المتاحة لها لخلق النقود من خلال نشاطها الائتماني، قد يترتب عليه مفاسد عظيمة تتلخص في حدوث غبن وظلم للعملاء من أصحاب الحسابات الجارية، فضلا عن ورود احتمال لتعرض البلاد لموجات تضخمية نتيجة لميل البنوك في كثير من الأحيان إلى الإسراف في خلق الائتمان سعيا وراء تحقيق الربح في ظل تكلفة تكاد تكون معدومة. هذا بالإضافة إلى ما تشهد به الأحداث التاريخية على مستوى العالم خلال هذا القرن من تعرض كثير من الأسواق العالمية سواء نقدية أو سلعية للارتباك عدة مرات مما نتج عنه سقوط عدد كبير من البنوك وإفلاس قطاع كبير من الشركات، وتدهور مستوى المعيشة لفئات كثيرة من الأفراد داخل المجتمعات المختلفة.

стр. 14289

بناء على ذلك فإنه تمشيا مع الأحكام والمقاصد لشريعتنا الغراء، والتي تهدف إلى حفظ كيان المجتمع الإسلامي ورفع المستوى المعيشي لأفراده في كل زمان ومكان، فإن الباحث يرى ضرورة إعادة النظر في التكييف الفقهي المعمول به حاليا بالنسبة للحسابات الجارية في البنوك الإسلامية، ليصبح: وديعة (بمفهومها الشرعي) لدى كل من البنك الإسلامي، والبنك المركزي في نفس الوقت، مع الإذن للبنك المركزي فقط باستخدامها. وقد يتمشى هذا الاقتراح مع الحكم بجواز تعدد المستودع للوديعة (١) لكون أن أرصدة الحسابات الجارية تحتمل القسمة، ولاحتمال بقاء الأموال تحت يد المستودع الأول (البنك الإسلامي) لفترات قصيرة أثناء عمليات تحويلها من وإلى المستودع الثاني (البنك المركزي) . وهذا الاقتراح، وهو ما يطلق عليه بالمفهوم المصرفي: الاحتفاظ باحتياطي ١٠٠ % من أرصدة الحسابات الجارية لدى البنك المركزي، يؤدي نفس الوظائف المتعلقة بخدمة العملاء من حيث تلقي إيداعاتهم والاستجابة لمسحوباتهم الدورية، إلا أنه فضلا عن ذلك، يخرج بنا عن الخلاف الذي يثيره البعض بشأن بقاء جزء من المعروض النقدي لدى البنوك بدون استخدام. وهو موضوع الاقتراح السابق الذي تقدم به الباحث من قبل. (٢) فالاقتراح الجديد يكفل دفع المفسدة المحتملة من وراء سوء استغلال البنوك التجارية للودائع الجارية، وذلك بمنعها من استخدام تلك الودائع لحسابها. وبالإضافة إلى ذلك فإنه يضمن أيضا عدم تعطيل الأموال أثناء فترة الإيداع لدى الجهاز المصرفي ككل، وذلك بإتاحة الفرصة للبنك المركزي لاستخدامها في الإنفاق العام مع تضمينه رد مثلها للعملاء المودعين عند الطلب ويتميز هذا الاقتراح كذلك بأن استخدامات البنك المركزي لا تهدف إلى تحقيق الربح، وبأنه في حد ذاته يمثل السلطة النقدية في الدولة مما يتيح إحكام الرقابة المباشرة على هذه الأرصدة في حالة استخدامها.

стр. 14290

الأسباب والمبررات الأخرى لإعادة التكييف: وإذا كنت بهذا قد تناولت بعض جوانب هذه المشكلة، فإنني أضيف إلى ذلك أسبابا أخرى قد تكون في حد ذاتها كافية كمبرر للأخذ بالاقتراح الجديد المذكور. وهذه الأسباب كالتالي: أولا: أن استخدام النوع الأول من التكييف (اعتبار عقد الحساب الجاري كعقد قرض) يؤدي إلى مشاركة القطاع المصرفي الخاص للدولة في حق إصدار النقود عن طريق خلق النقود الائتمانية كما سبقت الإشارة إليه في بداية هذه الورقة. ولا شك أن ذلك فيه تعارض مع ما ذهب إليه عديد من الفقهاء من عدم جواز تفويض الحاكم للأفراد للقيام بهذه المهمة. فيقول الإمام النووي: (قال أصحابنا: يكره أيضا لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير إن كانت خالصة لأنه من شأن الإمام، ولأنه لا يؤمن فيه الغش والإفساد) (١) ويقول الإمام أحمد: (لا يصح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأن الناس إذا رخص لهم ركبوا العظائم) (٢) وبشأن محاولة تعمد بعض الناس غش النقود (وهو ما يترتب أيضا على الإسراف من جانب البنوك في خلق الائتمان) ، يقول ابن العربي المالكي في كلامه عن عقوبة من يكسرون الدراهم والدنانير: (قال مالك: يعاقبه السلطان على ذلك عقابا مطلقا من غير تحديد عقوبة.) (٣) ويقول الإمام النووي في ذلك أيضا: (يقول الإمام الشافعي: يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة للحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: ((من غشنا فليس منا)) (٤)

стр. 14291

ثانيا- قد يرد البعض على ما جاء بالنقطة السابقة بالقول بأنه طالما كان في استطاعة السلطات النقدية في الدولة الإسلامية إحكام سيطرتها على حجم المعروض النقدي، من خلال الرقابة على العمليات الائتمانية التي تقوم بها البنوك الإسلامية. فلا محل للادعاء بأن زيادة هذا المعروض عن طريق تلك البنوك قد يؤدي إلى عدم الاستقرار أو إلى فقدان الثقة في الجهاز المصرفي. والإجابة على ذلك باختصار هي كالآتي: لا شك أن القرارات الخاصة بتطبيق ما يسمى بالسياسات النقدية على اقتصاد الدولة الإسلامية يجب أن تخضع في إطارها العام لأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية. وهذه الحقيقة هي المحك الأساسي للفرق بين نظام العمل في الاقتصاد الإسلامي وبين نظم العمل المتبعة في الاقتصاديات التقليدية. ويدعي الباحث بأن الأخذ في الاعتبار لهذه الأحكام والقواعد من شأنه أن يؤثر تأثيرا سلبيا على فاعلية السياسة النقدية والأدوات المختلفة التي تستخدمها للوصول إلى الأهداف المرجوة منها. وبالتالي قد يقلل من أهمية الاعتماد عليها في تحقيق التوازن والاستقرار النقدي داخل الدولة الإسلامية بالمقارنة بما يمكن أن يكون عليه الوضع في حالة التطبيق على البلدان غير الإسلامية. ورغم أن تفصيل ذلك يحتاج إلى إفراد بحث مستقل بذاته يخصص لهذا الغرض، إلا أنه يمكن اختصار أهم الملامح الخاصة بهذا الادعاء بتتبع الآثار المختلفة المترتبة على تطبيق الأحكام والقواعد الشرعية على أدوات السياسة النقدية عند محاولة استخدامها في الدولة الإسلامية لتحقيق الأهداف المرجوة منها. وسنبدأ أولا باستعراض أهم أهداف السياسة المذكورة، ثم نتلو ذلك ببيان عن أهم الآثار المترتبة على تطبيق الأحكام في هذا الشأن.

стр. 14292

أ - أهم أهداف السياسة النقدية: لا شك أن أهم هدفين للسياسة النقدية هما كالآتي: ١- تمكن السلطات النقدية من إحكام الرقابة على النشاط الائتماني للبنوك للتأكد من عدم إسرافها في خلق النقود الائتمانية. ٢- التأثير على مسار المتغيرات الاقتصادية الكلية (الاستثمار -الادخار-الاستهلاك..الخ) من خلال التغيير في حجم المعروض النقدي، للتوصل من ذلك إلى تحقيق الاستقرار داخل السوق النقدي، والمحافظة على مستوى قريب من العمالة الكاملة، ومنع حدوث فجوات تضخمية أو موجة من موجات الكساد. ب - الآثار المتوقعة من جراء تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على أدوات السياسة النقدية: فيما يلي تحليل مختصر لأهم الآثار والعوامل المنتظر ترتبها على تطبيق الأحكام الشرعية على الأدوات المباشرة للسياسة النقدية، مبينة حسب الأهداف المرجوة منها: بالنسبة للهدف الأول (مراقبة عمليات الائتمان) : تعتبر الأداة الأساسية التي تستخدمها البنوك المركزية للتوصل إلى هذا الهدف هي (نسبة الاحتياطي الإلزامي) . وتتلخص طريقة العمل من خلال هذه الأداة في طلب البنك المركزي من البنوك الإسلامية إيداع نسبة معينة من أرصدة الحسابات الجارية المفتوحة لديها بدون مقابل طرفه. ويكون لهذا البنك، بالإضافة إلى ما سبق ذكره الحق في رفع هذه النسبة أو خفضها بحسب ما قد يراه مناسبا لتحقيق الهدف المطلوب. أما بالنسبة للآثار المتوقعة من تطبيق الأحكام الشرعية على الميكانيكية التي تعمل من خلالها هذه الأداة، ومقارنة هذه الآثار بالآثار المترتبة على الاقتراح الذي يتقدم به الباحث. فيمكن بيانها في كل من النقطتين التاليتين: -إذا افترض أن التكييف الفقهي للحسابات الجارية لدى البنوك الإسلامية، هو أنها قرض. وأراد البنك المركزي أن يستخدم أداة نسبة الاحتياطي، فإن ذلك سيضعه في حالة من الحرج. والسبب في ذلك يرجع إلى أن أرصدة هذه الحسابات ستعتبر مملوكة للبنوك (قطاع خاص) ، وبالتالي لا يجوز له مصادرتها أو استعمالها بطريقة تعسفية نظرا لأنه لا يجوز للإمام مصادرة أموال الرعية إلا لضرورة. (١) ،مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] . ولقول رسول الله ﷺ ((لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حق، وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم)) . (٢) وقوله ﵊ وهو في حجة الوداع ((: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) . (٣) إلا أن معنى الضرورة في هذه الحالة قد لا يكتمل للبنك المركزي حتى في حالة حدوث بعض القلاقل في السوق النقدي ونظرا لأنه من شروط الضرورة (بمعناها الشرعي) أن تكون الأداة التي يدفع بها الخطر، أداة لازمة لدفع هذا الخطر، بمعنى أنه لا يوجد لها بديل حلال. (٤) . وفي حالتنا هذه سيكون البديل متوفرا أمام البنك المركزي، وهو الاقتراح الذي يتقدم به الباحث، وهو في حد ذاته كاف تماما لمنع أي فرصة لخلق ائتمان جديد من خلال الحسابات الجارية.

стр. 14293

وبالتالي كف لاقتلاع أسباب المفاسد الاقتصادية من جذورها وقبل وقوعها وهو لهذا السبب أولى بالإتباع، وأفضل من حيث الأثر النهائي. -أنه يلاحظ أن الهدف الأساسي من استخدام أداة نسبة الاحتياطي الإلزامي هنا هو تمكين البنك المركزي من وضع يده على جزء كبير من أرصدة الحسابات الجارية طرفه (بل أن الأمر قد يمتد أيضا إلى جزء من أرصدة الحسابات الاستثمارية مما يترتب عليه ضياع حقوق المودعين الخاصة بتمكنهم من الحصول على عائد مناسب) بالشكل الذي يحد به من ميل البنوك إلى الإسراف أو التمادي في خلق الائتمان. وبمقارنة هذا الوضع بالوضع المترتب على الاقتراح الذي يتقدم به الباحث، يتضح أن الأثر النهائي في كلتا الحالتين واحد، وهو استقرار أرصدة الحسابات الجارية لدى البنك المركزي. وبالأخذ في الاعتبار للواقع التاريخي الذي يعكس فشل السلطات النقدية في الكثير من الأحيان في التحكم في تصرفات البنوك في تماديها في خلق الائتمان، وكذا لكل ما سبق استعراضه حول هذه النقطة من قبل، فإنه يتبين أفضلية الاقتراح الأخير للاتباع. أما بالنسبة للهدف الثاني للسياسة النقدية (التأثير على المتغيرات الاقتصادية الكلية) : فتتضافر بشأنه ثلاثة أنواع أساسية من الأدوات التقليدية. وهي على الترتيب كالآتي: نسبة الاحتياطي الإلزامي (السابق الإشارة إليها) – السوق المفتوحة- سعر الخصم. وأما عن الآثار المتوقعة لتطبيق الأحكام الشرعية على هذه الأدوات، فيمكن القول بأن المجهودات المبذولة لاستخدام أدوات رقابة نقدية إسلامية بدلا من الأدوات التقليدية، قد لا تأتي بالثمار المرجوة منها لوجود احتمال كبير لعدم قدرتها في التأثير على المتغيرات الاقتصادية الكلية. وبصفة خاصة بالنسبة لكل من الاستثمار والادخار.

стр. 14294

وتفسير ذلك يأتي من أن هناك فارقا بين الميكانيكية التي تعمل من خلالها السياسة النقدية التقليدية، وبين الميكانيكية المنتظر أن تعمل من خلالها الأدوات النقدية الإسلامية. ففاعلية السياسة التقليدية في تحقيق الأهداف المرجوة منها تتوقف على كونها تعمل للتأثير على سوق واحد هو السوق النقدي، من خلال عمليات ضخ وامتصاص تدفقات متتالية من وإلى القطاع المصري تتم كلها في إطار سلسلة واحدة متصلة الأطراف. كما تعتبر هذه العمليات متجانسة في طبيعتها ويحكمها نوع واحد من العقود هو القرض. كما يؤثر فيها مؤشر واحد هو سعر الفائدة. أما الميكانيكية المنتظر أن تعمل من خلالها السياسة النقدية الإسلامية، فتتم من خلال عمليات متنوعة تخضع في إنشائها لعقود غير متجانسة سواء في طبيعتها أو في الآثار المترتبة عليها، ويكون محل التعاقد فيها عددا لا نهائيا من السلع (وليس النقود) التي تخضع في تسعيرها لقوى السوق (العرض والطلب) الخاص بكل منها. ويترتب على ذلك وجود احتمال كبير لعدم قدرة كل من البنك الإسلامي والبنك المركزي في التأثير على أسواق هذه السلع وبالتالي على قطاع رجال الأعمال (المستثمرين) سواء في فترات الرواج أو في فترات الكساد. وهو ما يترجم في النهاية بعجز السياسة النقدية عن تحقيق الأهداف المرجوة منها. (١) أما فيما يتعلق بأثر هذا الاستنتاج على موضوع الحسابات الجارية الذي نحن بصدد بحثه: أنه في حالة إضفاء صفة القرض على الحساب الجاري لدى البنوك الإسلامية، فإن ذلك سيسمح لهذه البنوك بالتحكم في جزء من المعروض النقدي (النقود الائتمانية) بحيث يكون لها السلطة في زيادة هذا الجزء كيفما شاءت، أن يكون للبنك المركزي أو السلطات النقدية بصفة عامة أي قدرة للسيطرة عليها. أما في حالة ما إذا تم تكييف هذه الحسابات على أساس أنها وديعة غير مأذون باستعمالها، إلا بواسطة البنك المركزي، فسيترتب على ذلك حجب أي فرصة لتوليد ائتمانية جديدة، وهي بالتالي طريقة فعالة للوقاية من العديد من المشاكل الاقتصادية المستعصية التي يعاني منها كثير من بلدان العالم في عصرنا الحالي.

стр. 14295

ثالثا: إن اختيار البنوك إضفاء صفة القرض لا يعني بالضرورة أو بطريقة تلقائية موافقة العميل على نفس هذا الاختيار أو ما قد يشتمل عليه من شروط مختلفة. وبمعنى آخر فإن الباحث يدعي بأن توقيع العميل (المودع) على عقد الإيداع في الحساب الجاري بهذا الشكل قد لا يكون معبرا عن إرادة تعاقدية حقيقية أو رغبة مؤكدة منه لتحمل الآثار الناتجة عن هذا التعاقد. ويستند الباحث في هذا الاستنتاج على عدد من الأسباب التي تعبر في رأيه عن عيوب مباشرة في الإرادة التعاقدية نتيجة لاهتزاز عنصري الرضا والاختيار عند مباشرة العقد. وهذه الأسباب كالآتي: أ-عدم فهم كثير من العملاء للعبارات والألفاظ الفقهية الواردة في العقد: فكثير من البنوك الإسلامية تورد في عقد فتح الحساب شرطا على العميل مثل: (الحساب الجاري هو قرض تحت الطلب لا يستحق المتعامل مع المصرف بمقتضاه أية أرباح كما لا يتحمل أية خسارة، ويلتزم المصرف بناء على ذلك بدفع الرصيد كاملا عمد طلبه من المتعامل) . أو (للبنك في أي وقت من الأوقات الحق في استخدام رصيد الحساب الجاري، ولا يحق للعميل المطالبة بأي عائد عليه وفي مقابل ذلك يضمن البنك سداد هذا الرصيد للعميل عند أي مطالبة به) وبطبيعة الحال فإن كلا الشرطين يؤديان إلى نفس النتيجة. وهي اعتبار الحساب الجاري كقرض من العميل إلى البنك كما سبقت الإشارة إليه في بداية هذا البحث. إلا أن العميل بسبب عدم فهمه لما يتضمنه كل من هذين الشرطين من معاني شرعية فإنه قد يفهم ما يوحي إليه بأحد المعنيين التاليين أو بكلاهما معا:

стр. 14296

- أن الطريقة الوحيدة التي تلزم البنك برد قيمة الوديعة، هي السماح له باستخدامها. - أنه طالما كانت الوديعة مضمونة من قبل البنك فإنه (أي العميل) سيكون دائما في مأمن من ضياع أمواله في حالة تعرض البنك للإفلاس أو تعرضه لأزمة من أزمات السحب المفاجئ. وبالتالي فإن الجزاء العادل لذلك يكون بالسماح للبنك باستخدام هذه الوديعة. ولا شك أن كلا المعنيين يشوبهما الخطأ والخلط وعدم الفهم كنتيجة لعدم الإلمام بالأحكام الشرعية الخاصة بالوديعة مما يترتب عليه نتائج في غير صالح العميل كما سيأتي تفصيله بعد ذلك. فبالنسبة للمعنى الأول، لا شك أنه يكون من العدل والإنصاف إتاحة المعلومات الكافية أمام العميل عن البدائل الأخرى التي يمكنه الاختيار من بينها كما هو الحال بالنسبة للاقتراح الذي نتقدم به (١) ، خاصة وأنه يتيح في الأحوال العادية نفس الميزة التي تتيحها طريقة التكييف المعمول بها الآن (القرض) وهي التزام البنك برد قيمة الوديعة كاملة وعلى الفور عند المطالبة بها، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] . ويقول ابن المنذر في هذا الشأن: (وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها، الأبرار منهم والفجار) (٢) . إلا أن البنوك تفضل حجب هذه المعلومة تماما عن العميل مما يجعل حرية الاختيار أمامه مقيدة وغير كاملة. وقد يرد على ذلك بأن تطبيق البنوك للمفهوم الشرعي للوديعة والذي بمقتضاه لا يؤذن لها باستخدامها سيتبعها عدم تضمين البنك للوديعة عند التلف أو الفقدان.

стр. 14297

فنقول: إنه يتعين في هذه الحالة إحاطة العميل بمعنى عدم الضمان بطريقة واضحة لا لبس فيها بحيث تتاح له فرصة الاختيار السليم. لأنه يتبين من الأحكام الخاصة بالوديعة أن عدم الضمان يقتصر على الحالات الخارجة عن إرادة المستودع (البنك) وبعد التأكد من استيفائه للإجراءات المختلفة التي تكفل، في أغلب الظن، حرز وصيانة الوديعة. وبالتالي يشترط لتمتع البنك بميزة عدم الضمان هذه في حالة التلف أو الضياع، ضرورة إثبات توفير القدر المعتاد من وسائل الحفظ اللازمة لضمان سلامة الأموال المودعة لديه، وكذا إثباته بأن تلف الوديعة لم يكن بسبب استعماله لها، أو أنه كان خارجا عن إرادته. ويقول ابن المنذر: (وأجمعوا على أن على المودع إحراز الوديعة وحفظها) . وقال (أجمع أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم تلفت من غير جناية. لا ضمان عليه) ويقول أيضا: (وأجمعوا على أن المودع ممنوع من استعمال الوديعة ومن إتلافها) (١) . ومن ناحية أخرى، فإنه من البديهي أن تخوف العميل في عصرنا الحالي، الذي أصبحت فيه البنوك كقلعة من القلاع المحصنة، من احتمالات فقدان أمواله نتيجة لوقوع أحداث غير عادية وخارجة عن إرادة البنك كالسرقة أو الحريق، يكون أقل بكثير من تخوفه من الفقدان نتيجة لاستعمال البنك لهذه الأموال، خاصة إذا اشتمل هذا الاستعمال على عمليات استثمارية عالية المخاطر، كالمضاربة على السلع في الأسواق العالمية على سبيل المثال.

стр. 14298

أما بالنسبة للمعنى الثاني الذي قد يتصوره العميل المودع نتيجة إلزامه جبرا بالشرط الخاص بإقراض البنك، وكذا لعدم تفهمه أو إلمامه بالمعاني الشرعية التي يتضمنها العقد، وعما إذا كان لها بدائل أخرى أم لا. فنقول، إنه لما كان اكتساب الحساب الجاري لصفة القرض يفيد من الناحية الشرعية انتقال ملكية الأموال المودعة في هذا الحساب إلى البنك. فإن وقوع البنك في حالة من حالات الإفلاس، لا قدر الله، سيترتب عليه دخول أرصدة هذه الحسابات ضمن قسمة الغرماء وتعرض أصحابها لفقدان جزء أو كل من أموالهم المودعة. ويعني ذلك أن ضمان البنك على استعماله للوديعة لن يشفع لهم في هذه الحالة لاسترداد أموالهم كاملة. وذلك على العكس تماما لما قد يوحي به النص الوارد بالشرط المذكور للعميل. أما إذا أضفيت صفة الوديعة بمعناها الشرعي (عدم الإذن بالاستعمال) على الحساب الجاري، ووفقا للاقتراح الذي نتقدم به، فإن ذلك في حد ذاته كفيل بأن يضمن لأصحاب هذه الحسابات استرداد أموالهم كاملة وذلك لسببين هما: أولا – لأن الأموال سيحتفظ بها عند طرف ثالث وهو البنك المركزي. وثانيا –لأنها غير مملوكة للبنك وإنما هي على سبيل الأمانة المحضة. وبالتالي لن يشملها وعاء قسمة الغرماء.

стр. 14299

ب - الغبن: من الأمور المتعارف عليها في مجال العمل المصرفي أن معظم العملاء الذين يحتفظون بحساب استثماري لدى بنك من البنوك، يكون لهم في أغلب الظن حساب جار طرف نفس هذا البنك، والعكس صحيح. وعادة ما تعتبر البنوك هذا الوضع كفرصة طيبة لتحقيق الربح السهل في ظل طريقة التكييف المعمول بها بالنسبة للحساب الجاري واعتبار رصيده كقرض حسن من العميل للبنك. إذ يمكن للبنك في هذه الحالة اتخاذ كافة الوسائل الممكنة لزيادة حجم الإيداعات في الحساب الجاري وبالتالي جني مزيد من الأرباح. ولا شك أن من ضمن الوسائل التي تلجأ إليها البنوك الإسلامية الآن وتعتبرها فعالة في هذا الشأن سياسة رفع الحد الأدنى لكل إيداع جديد في الحساب الاستثماري. إذ تؤدي هذه السياسة –مع غيرها من السياسات-إلى اضطرار كثير من العملاء من متوسطي الدخل إلى إيداع أموالهم في الحسابات الجارية بدون مقابل انتظارا لاستكمال الحد الأدنى الذي تشترطه هذه البنوك ويترتب على ذلك زيادة تدريجية في مجموع أرصدة هذه الحسابات لتشكل في النهاية حجما كبيرا من الأموال، قد يفوق في مقداره إجمالي حجم رأس المال المدفوع للبنك بعدة مرات. وما على البنوك في هذه الحالة إلا إضافة هذه الأرصدة إلى رأسمالها المدفوع واعتبار الإجمالي رأسمالها الجديد الذي تشارك به العملاء في أموالهم. أي أن البنوك تأخذ أموال عملائها المودعة في الحسابات الجارية لتشاركهم بها في أموالهم المودعة في الحسابات الاستثمارية!! ونورد فيما يلي على سبيل الاستدلال جدولا يبين حجم الأرصدة المتراكمة في الحسابات الجارية لدى بعض البنوك الإسلامية، بالمقارنة بحجم رأس المال المدفوع الخاص بكل منها، وذلك وفقا للمركز المالي المعلن لكل منها في ٣٠/١٢/١٤٠٩هـ.

стр. 14300

(مليون دولار) اسم البنك رصيد الحسابات الجارية (١) رأس المال المدفوع (٢) % ١-٢ دبي الإسلامي ١٣١.٤ ٥٤.٥٠ ٢٤١.١ بيت التمويل الكويتي ٤٤٠.٦ ٩٧.٦٠ ٤٥١.١ التنمية التعاوني السوداني ٢٥.٣ ١.٥٠ ١٦٨٦.٦ البحرين الإسلامي ١٦.٧ ١٥.٠ ١١١.٣ البنك الإسلامي ببنغلاديش ٣١.٨ ٢.٥٠ ١٢٧٢.٠ البركة السوداني ٦١.٧ ١٢.٣٠ ٥٠١.٦ الإسلامي الأردني ٣٧.٣ (م. دينار) -٦.٠ (م. دينار) ٦٢١.٧ المصدر: الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – الميزانية المجمعة للبنوك الإسلامية الأعضاء بالاتحاد عن ١٤٠٩هـ-والتقرير السنوي لعام ١٩٨٨ بالنسبة للبنك الإسلامي الأردني. ويتضح من الجدول السابق أن معظم البنوك الممثلة للعينة يزيد رصيد الحسابات الجارية المتجمع لديها عن حجم رأسمالها المدفوع بعدة أضعاف. فإذا أخذ في الاعتبار أن مصادر تحقيق الإيرادات في البنوك تتكون عادة من مصدرين أساسيين هما: ١- إيرادات الخدمات المصرفية: وهي ناتجة عن الخدمات المختلفة التي يؤديها البنك لعملائه. ٢- إيرادات أنشطة المرابحة والمضاربة والمشاركة. وإذا علم بالإضافة إلى ذلك، أن كثيرا من البنوك الإسلامية تخصص في الوقت الحالي النوع الأول من الإيرادات بأكمله لصالح المساهمين فقط، ولا ينال أصحاب الودائع الاستثمارية منه شيئا. وذلك من منطلق أن هذا النوع لم يتحقق كنتيجة مباشرة لاستخدام تلك الودائع. وأن حجم هذا النوع من الإيرادات قد تتراوح نسبته ما بين ٧ إلى ٣٥ % من إجمالي حجم الإيرادات لأي بنك من البنوك. فإنه بناء على ذلك كله يمكن تصور الغبن الذي يبتلى به أصحاب الحسابات الجارية نتيجة إصرار البنوك على إضفاء صفة القرض عليها.

стр. 14301

كما يمكن بهذا الشكل حصر العناصر المكونة لهذا الغبن في الأنواع التالية من الأرباح والإيرادات التي تفوت على أصحاب الحسابات الجارية: ١- الأرباح المحققة على استخدام أرصدة الحسابات الجارية والتي كان من الممكن أن يتقاسمها العميل مع البنك إذا تم تكييف الحساب الجاري بأنه عقد مضاربة قصير الأجل على سبيل المثال. وكما سبق ذكره، فإن هذه الأرباح تؤول في مجموعها إلى البنك ويحرم منها العميل. ووجه الاعتراض على ذلك هو أنه طالما كان البنك قادرا على استغلال هذه الأرصدة وتحقيق الأرباح من ورائها لنفسه، وفي نفس الوقت يقابل بانتظام طلبات السحب اليومية جميعها التي ترد إليه من عملائه، فمن الأولى أن يكون للعميل نصيب في هذه الأرباح ولا يحرم منها. ٢- جزء من الإيرادات الخاصة بالخدمات المصرفية، والتي تشترك أرصدة الحسابات الجارية مع رأس المال المدفوع من المساهمين في تحقيقها. ٣- جزء من الأرباح المحققة على الحسابات الاستثمارية والتي تأتي كنتيجة لرفع بعض البنوك الحد الأدنى للوديعة الاستثمارية لديها مما يضطر العميل إلى تجنيب جزء من أمواله في حساب جار لحين استكمال المبلغ المطلوب إيداعه في الحساب الاستثماري. مع الأخذ في الاعتبار بأن معدل العائد على النوع الأول من الأرباح قد يختلف عن قرينه الخاص بالنوع الثالث لاختلاف فترة التشغيل. ومن ذلك كله يتضح أن عميل الحساب الجاري لدى البنك قد يتعرض لأنواع مختلفة من الغبن, بالإضافة إلى نقص في المعلومات الكافية لإرشاده إلى الاختيار الصحيح, مما قد يعيب جانب الرضا في التعاقد وبالتالي يستلزم فسخ العقد.

стр. 14302

ج- الاضطرار: فلا شك أن المودع الذي يرغب في التعامل مع البنوك الإسلامية ابتغاء مرضاة الله وتحاشيًا من الوقوع في التعامل الربوي مع البنوك التقليدية , يضطر مرغمًا لقبول الشروط المعروضة عليه في عقد الإيداع في الحساب الجاري حتى ولو كان على علم ودراية بمعانى الألفاظ المستخدمة في ذلك العقد طالما أن جميع البنوك الإسلامية تضع نفس هذه الشروط. ولأنه إذا لم يوافق على ذلك فلن يكون أمامه إلا أحد بديلين: إما أن يضع أمواله في منزله, أو أن يودعها لدى بنك من البنوك التقليدية. ولا شك أن كلا هذين البديلين يصعب على هذا العميل اتباعه. فيضطر إلى الإذعان لما يملى عليه. رابعاً: بالنسبة للاستفسار عن ضمان الحسابات الجارية, وهل هو على المساهمين والمودعين أم على المساهمين وحدهم. فيتضح من كل ما سبق أن البنك ويمثله المساهمون هو الذي يتعين عليه ضمان الوديعة الجارية في حالة استعمالها. لأن البنك كما رأينا تنتقل إليه ملكية أرصدة الحسابات الجارية ويضيفها إلى رأس ماله, ويستحوذ على جميع الأرباح والإيرادات التي قد ترد نتيجة استغلال هذه الأرصدة. أما صاحب الوديعة الجارية فهو دائمًا الطرف المغبون, فإذا كان لديه حساب استثماري بالإضافة إلى الحساب الجاري فكيف نطالبه بضمان أمواله المأخوذة منه جبراً, المستخدمة لصالح البنك فقط. وجدير بالذكر أن مثل هذا التناقض لا يمكن حدوثه في حالة الأخذ بالاقتراح الذي يتقدم به الباحث في هذا الموضوع. خامساً: فيما يتعلق باستخدام العميل أمواله المودعة في حساب جار كرهن, فإنه في حالة تكييف هذا الحساب على أنه قرض فسيتناقض ذلك مع الشروط الخاصة بعقد الرهن من وجهين, هما كالآتي: أ-أنه يشترط في الرهن أن يكون مملوكًا للراهن. ومع التسليم بأن ذلك يعتبر شرطًا لنفاذ الرهن وليس شرط صحة , إلى أن رصيد الحساب بموجب التكييف المشار إليه يخرج من ملكية الراهن (المودع) إلى ملكية المستودع (البنك) , مما يمثل تناقضًا مع طبيعة هذا العقد.

стр. 14303

ب-يرى الجمهور أنه ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن (١) إلا أن هذا الحكم يصعب تنفيذه في حالة إضفاء صفة القرض على الحساب الجاري لدى البنوك الإسلامية، وفي ظل بقاء يد البنك على رصيد هذا الحساب. وتفسير ذلك هو أنه إذا قام البنك باستثمار هذا الرصيد وغل من ورائه عائد. وهو ما يجري عليه العمل في البنوك حاليا، يصبح المرتهن به (القرض الذي اقترضه العميل من البنك) قد جر نفعا وهو غير جائز. أما إذا ترك البنك رصيد الحساب بدون استثمار فإنه –على أقل تقدير-سيعمل على إيداعه طرف البنك المركزي ليستوفي به نسبة الاحتياطي الإلزامي المفروضة على إجمالي أرصدة الحسابات الجارية المحتفظ بها طرفه. وهذا يوفر للبنك قدرا مماثلا من المبالغ التي كان سيضطر إلى إيداعها طرف البنك المركزي من أرصدة حسابات أخرى ليست على سبيل الرهن. ويكون بذلك قد جر أيضا نفعا من وراء لقرض المتعلق به الرهن. وهكذا يتضح أنه إذا تم تكييف الحساب الجاري على أنه وديعة غير قابلة للاستخدام طرف البنك الإسلامي أو وديعة قابلة للاستخدام بمعرفة البنك المركزي فإن هذا الاقتراح يكون أفضل وأوقع من حيث التطبيق بالمقارنة بالوضع القائم حاليا (وهو اعتبار هذا الحساب كقرض من المودع للبنك) .

стр. 14304

الحسابات الاستثمارية أكرر ما سبق أن أشرت إليه في موضوع الحسابات الجارية من أن هيكل الحسابات المعمول به حاليا في البنوك الإسلامية قد لا يتفق مع الأحكام والقواعد والشروط التي تحكم عقود المعاملات في الشريعة الإسلامية. فمن المعروف بالنسبة لهيكل الحسابات الاستثمارية في البنوك الإسلامية أن التكييف الفقهي لهذا النوع من الحسابات هو أنه عقد لشركة مضاربة. ويعتبر المودع وفقا لهذا العقد كشريك في ملكية على المشاع لصافي قيمة أصول البنك في لحظة الإيداع. ولأن هذا التكييف يختلف تماما عن التكييف القانوني لنفس هذا النوع من الحسابات في البنوك التقليدية والذي يعتبر كعقد قرض فكان من المنتظر أن تنعكس آثار هذا الاختلاف على طبيعة التعامل بين البنك وعملائه وبصفة خاصة فيما يتعلق ببعض الشروط التي يختص بها عقد المضاربة والتي من أهمها ما يلي: ١- عدم السماح بخلط أموال جديدة بالأموال القديمة في وعاء المضاربة بعد بدء النشاط سواء كان ذلك بإذن رب المال أو بدون إذنه. (١) . ٢- عدم السماح بالتخارج للعملاء وسحب أرصدة أموالهم المودعة قبل انتهاء ونض المال نضا فعليا. إلا أن الوضع القائم يشير بوضوح إلى ابتعاد البنوك تماما عن تطبيق هذين الشرطين حيث تقبل بصفة مستمرة أي حجم من الودائع المتدفقة عليها من العملاء بعد بدء النشاط. كما تستجيب لرغباتهم بسحب أرصدة ودائعهم الاستثمارية في أي وقت يشاؤون دون أن يرتبط بنض المال أو بتصفية عمليات المضاربة. وقد ترتب على هذا الوضع خلط بين الأموال المستثمرة كما حدث تداخل بين الأرباح والخسائر المحققة خلال الفترات الزمنية المتتابعة وأصبح دخول وخروج المودعين غير مرتبط من قريب أو بعيد بفترة حياة المشاريع التي يديرها البنك، مما يتيح الفرصة لوقوع غبن غير يسير بين مختلف العملاء. وما أود أن أضيفه بالنسبة لهذا الموضوع هو كما يلي: أولا-من البديهي أن احتساب مراكز مالية مؤقتة _ أو ما يسمى بالنض الحكمي) لا يضمن منع وقوع الغبن الناشئ من خلط الأموال في الحسابات الاستثمارية وفقا لما يجري عليه العمل الآن وذلك لبقاء جزء من رأس المال غير ناضٍّ.

стр. 14305

ولأنه قد يبتلى أي بنك من هذه البنوك بخسائر في جزء من ودائعه خلال الفترة الواقعة بين إعلان مركزين ماليين متتابعين ومع ذلك يظل العمل على ما هو عليه من تقبل ودائع جديدة لا دخل لها بالخسائر التي ابتلي بها البنك ثم خلطها بالودائع القديمة. هذا مع السماح بخروج بعض من المودعين وسحبهم لرؤوس أموالهم كاملة مضافا إليها عائد معين رغم أنه يفترض تحمل هذه الأموال لجزء من الخسائر السابقة. لذلك فإن الوضع الأمثل المقترح هو التزام البنك بعدم خلط الأموال بعضها ببعض بعد بدء النشاط. ويكون ذلك بإنشاء أوعية استثمارية مختلفة في نوعياتها وفي آجالها بحيث يستقل كل وعاء ببداية ونهاية محددة للنشاط كما يستقل أيضا بنتيجة هذا النشاط من ربح أو خسارة دون خلط بالأوعية الأخرى فإذا أراد عميل الخروج فيمكن منحه جزءا فقط من أمواله تحت حساب التسوية النهائية التي تتم عند انتهاء النشاط ونض المال نضا كاملا. ثانيا-إن ما يقترحه بعض الإخوة الزملاء من إنشاء حساب لتجميع احتياطي لمقابلة مخاطر عمليات الاستثمار وذلك بخصم نسبة معينة من الإيرادات المحققة عند ظهور كل مركز من المراكز المالية المؤقتة، يتسق تماما مع الاقتراح الذي تقدمنا به، وهو إنشاء صناديق استثمارية مستقلة بحيث يختص كل صندوق بحساب للاحتياطي يوجه لهذا الغرض، وتكون الأرباح المتجمعة فيه ملكا للشركاء المالكين وقاصرة عليهم. وهذا الاقتراح لا يضيف شيئا جديدا على شروط عقد المضاربة لأن الأصل في الأمور هو ضمان الأرباح المحققة لرأس المال. (١) . فلا يتم توزيع الربح إلا بعد استرداد صاحب رأس المال لأمواله، وما يتبقى بعد ذلك فيتم توزيعه وفقا لنسب التوزيع المتفق عليها بين الأطراف المتعاقدة.

стр. 14306

أما إذا أريد بهذا الاقتراح أن يكون حلا لمشاكل الغبن في توزيع الربح المترتبة على هيكل الودائع القائم والذي يسمح بدخول وخروج الأموال وخلط الودائع الجديدة بالقديمة بعد بدء النشاط استنادا إلى ما جاء بالمدونة من جواز اشتراط المقارضين لجزء من الربح لطرف ثالث (المساكين) (١) . فإن ذلك مردود عليه بما جاء بعد ذلك في المدونة أيضا من عدم جواز خلط أموال جديدة بوعاء بعد بدء النشاط (٢) . مما يؤكد على أن القول المشار إليه للإمام مالك, يقتصر على حالة وعاء المضاربة المغلق على أطرافه, ولا ينطبق على ما يسمى الآن بالمضاربة المشتركة أي التي تسمح بالدخول أو الخروج المستمر. وبالتالي فإن الاقتراح المذكور في هذه الحالة يكون فيه نظر. ثالثاً-أن ما قد يشير إليه بعض الإخوة الباحثين من أن التطور الكبير في أجهزة الحاسب الآلي يساعد على إعداد مراكز مالية من أي وقت من الأوقات. وأن ذلك قد يصل إلى الحد الذي يمكن فيه إعداد هذه المراكز يومياً. فهذا القول يرد عليه من ناحيتين: أ-أنه طالما بقي جزء من رأس المال غير ناض-في شكل بضاعة-فإن احتمال تغير النتيجة بعد ذلك سواء إلى خسارة أو ربح يظل قائمًا مهما تعددت المراكز المالية. وبالتالي لا يمكن التعويل على هذه الطريقة. ب-أنه إذا كان في الإمكان إعداد مراكز مالية مستقلة بحيث يمكن الفصل بين الإيداعات المتدفقة واستقلال كل منها بنتيجة النشاط الذي أودعت الأموال من أجله فإن ذلك أدعى إلى تدعيم وجهة نظرنا بشأن إنشاء أوعية متعددة يستقل كل منها ببداية ونهاية ونتيجة فعلية للنشاط الذي تقوم عليه بحيث لا يتعرض المودع الداخل بعد إعلان المركز المالي عن الفترة السابقة لأي نوع من أنواع الغبن.

стр. 14307

رابعاً- بالنسبة لموضوع إدراج حسابات الاستثمار (الودائع الاستثمارية) في موجودات المصرف أم في المطلوبات. فإنه في حالة الأخذ بالاقتراح الذي أشرنا إليه في النقاط السابقة فيتعين على البنك إعداد ميزانية مستقلة خاصة به. بحيث يقتصر جانب الخصوم منها على رأس ماله وحقوق المساهمين فيه. أما في جانب الأصول فيظهر فيه حجم الأموال التي يستثمرها البنك في أي من الصناديق التي سيديرها بصفته شريكًا بماله علاوة على كونه شريكًا بعمله. وفي هذه الحالة تظهر أرصدة الودائع الاستثمارية كالتزامات عرضية (بند حسابات نظامية خارج الميزانية) على البنك, بحيث تظهر من ناحية حجم النشاط الذي يتعامل هذا البنك فيه, مع إثباتها من ناحية أخرى وجود احتمال دائم لمطالبة المودعين البنك ضمان هذه الودائع في حالة الإهمال أو التقصير من جانبه. أما بالنسبة للصناديق الاستثمارية المختلفة فيقترح أن يكون لكل منها مركز مالي مستقل بذاته حسب نوع النشاط والفترة الزمنية التي يرغب كل عميل الاستثمار فيها. وبناء على ذلك تظهر الودائع الاستثمارية في جانب الخصوم كرأس مال للصندوق. بينما تظهر الأصول النقدية والعينية المستثمر فيها في جانب الأصول من ذلك المركز.

стр. 14308

الخلاصة: تناولت هذه الورقة عرضًا مفصلًا لبعض الأسباب والمبررات التي تحتم إعادة النظر في الهيكل الحالي للودائع المستخدم في البنوك الإسلامية, سواء كان ذلك متعلقًا بالحسابات الجارية أو الحسابات الاستثمارية التي تفتحها تلك البنوك لعملائها المودعين. ومن أهم هذه الأسباب ما يتعلق بمشكلة الإسراف في خلق الائتمان وأثره على اقتصاديات الدول الإسلامية , ومشكلة الغبن الواقع على كل من أصحاب الحسابات الجارية والاستثمارية المفتوحة لدى هذه البنوك. ويتضح من هذا العرض أن كلًّا من الاعتبارات الاقتصادية والشرعية سيكون لها وزن هام عند التفكير في بناء هيكل جديد تستطيع البنوك الإسلامية التعامل من خلاله, بحيث ينأى بهذه البنوك من الوقوع في أي أخطاء شرعية في تعاملها مع جمهور عملائها من المودعين أو المستثمرين. كما يدفع عنها مخاطر التعرض لأزمات قد تؤدي إلى إرباكها أو توقفها عن العمل, هذا فضلًا عما يوفره هذا الهيكل من استقرار للتعامل في الأسواق المختلفة (نقدية-رأسمالية-سلعية) داخل الدولة. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل. د. حسين كامل فهمي.

стр. 14309

أهم مراجع البحث ١- ابن عابدين حاشية ابن عابدين، طبعة مصطفى الحلبي، ١٩٦٦م. ٢- ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع، ١٩٧٨م. ٣- ابن الهمام، الكمال، تكملة فتح القدير. طبعة مصطفى الحلبي، طبعة أولي، جزء ٨. ٤- أورنك، محيي الدين محمد، الفتاوى الهندية، الجزء الرابع، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت. ٥- البوطي، محمد سعيد رمضان، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية. مؤسسة الرسالة، ١٤٠٢هـ /١٩٨٢م. ٦- حماد، نزيه، عقد الوديعة في الشريعة الإسلامية، دار القلم- دمشق، ط أولى ١٤١٤هـ. ٧- عقد القرض في الشريعة الإسلامية، دار القلم-دمشق ط أولى ١٤١١هـ. ٨- الدردير،أبو البركات أحمد، الشرح الكبير، المكتبة التجارية، ١٣٧٣هـ. ٩- الزحيلي، وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته. دار الفكر، دمشق ١٩٨٤. ١٠- نظرية الضرورة الشرعية. مؤسسة الرسالة، ١٩٨٥م.

стр. 14310

١١- الزرقا، مصطفي أحمد الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، دار الفطر، دمشق ط تاسعة ١٩٦٧. ١٢-السنهوري، عبد الرازق نظرية العقد. دار الفكر، دمشق، ١٩٣٤م. ١٣- الشاطبي، أبو اسحق الموافقات في أصول الشريعة. دار المعرفة، بيروت، لبنان. ١٤-عليش، محمد منح الجليل على مختصر خليل، بدون ناشر، أو سنة نشر. ١٥-عوض، على جمال الدين موجز عمليات البنوك من الوجهة القانونية. دار النهضة العربية، ١٩٦٩م. ١٦-فهمي، حسين كامل. نحو إعادة هيكلة النظام المصرفي الإسلامي، (مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي) المجلد (٤) ١٤١٢هـ. ١٧-قاسم، يوسف نظرية الضرورة في الفقه الجنائي الإسلامي والقانون الجنائي الوضعي. دار النهضة العربية ١٩٨١م. ١٨-المصري، ابن نجيم غمز عيون البصائر، شرح كتاب الأشباه والنظائر. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٥م. ١٩-المقدسي، ابن قدامة "المغني" طبعة مكتبة القاهرة، ١٩٦٩م. ٢٠-النووي، أبو زكريا يحيي بن شريف "روضة الطالبين"، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، دمشق ١٩٦٦م.

стр. 14311

الحسابات والودائع المصرفية إعداد د. محمد علي القري الأستاذ المشارك بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي جامعة الملك عبد العزيز بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدي بهداه إلى يوم الدين. أولا: الحسابات الجارية (تحت الطلب) الحساب الجاري (تحت الطلب) : هو سجل في دفاتر البنك يخصصه لأحد عملائه، يتمكن خلاله من إيداع الأموال في أي وقت، ضمن ساعات الدوام الرسمي للبنك، واسترداد تلك الأموال بالسحب عند طلبه أو الحوالة عليه. وقد سمي جاريا لأنه يزيد وينخفض بدون قيود عن طريق استخدام الشيكات. ويمكن لهذا العميل أن يودع أي مبلغ يشاء، إذ لا حدود عليا لذلك، ويمكنه أن يسحب أي مبلغ في أي وقت وبأي وسيلة ممكنة له ضمن حدود رصيده الدائن (دائن للبنك) في ذلك الحساب. والحساب الجاري هو مفتاح التعامل مع أي بنك، إذ تشترط البنوك على عملائها فتح حساب من هذا النوع في كل معاملة يجريها معهم، مثل القروض بالنسبة للبنوك التقليدية، والمرابحات وسواها من صيغ التمويل بالنسبة للبنوك الإسلامية. ١- أهمية الحسابات الجارية للبنوك: تعد عملية تلقي الأموال على صفة الودائع في حسابات البنك أهم ما يميز المصرف عن سائر المؤسسات المالية الأخرى. وتمثل الحسابات الجارية وأنواع الحسابات الآجلة والادخارية أهم موارد البنك. وتمثل في مجملها ما يزيد في غالب الأحوال عن ٩٠ % من مجمل الموارد. وتختلف نسبة الحسابات الجارية إلى مجمل الموارد من بنك إلى آخر، وإن كان اختلافها الأوضح هو من بلد إلى بلد لأنها تتأثر كثيرا بمستوى الوعي المصرفي وعادات القوم في المعاملات المالية، والنمو الاقتصادي في البلاد، ونوعية الفرص الأوعية الاستثمارية المنافسة المتوفرة في القطاع المصرفي، وكفاءة الخدمات المصرفية. وقد تصل نسبتها أحيانا إلى ٥٠ % ونادرا ما تقل عن ٢٠ %.

стр. 14312

٢- نموذج التوقيع وإجراءات فتح الحساب الجاري: عندما يتقدم أحد الأفراد إلى البنك بطلب فتح حساب جار يقوم الطرفان (البنك والعميل) بإنشاء اتفاقية يوقع عليها العميل وتحفظ في ملفات البنك وتتضمن الشروط الخاصة التي يتفق عليها بين الطرفين، إضافة إلى الجوانب الأخرى التي تنظمها القوانين والأعراف. ومنها نموذج التوقيع الخاص بصاحب الحساب.ولا يجوز للبنك أن يسحب من ذلك الحساب لمصلحة ذلك العميل أو لأمر ثالث إلا بذلك التوقيع. ويعد البنك مسئولا عن أي مبلغ يدفعه بدون مطابقة التوقيع على النموذج المحفوظ عنده. وتتبنى البنوك إجراءات دقيقة فيما يتعلق بفتح الحسابات ولا سيما الجارية منها. بالإضافة إلى ما سبق ذكره في مسألة التوقيع، طلب التوجيه من طرف ثالث للعميل قبل حصول الأخير على دفتر للشيكات، أو شهادات من جهة العمل، أو إثباتا للجنسية..إلخ. ٣- الرسوم التي تفرضها البنوك على أصحاب الحسابات الجارية: الغالب أن لا يفرض البنك الرسوم على العملاء المستفيدين من هذا النوع من الحسابات لأنها مورد مهم ومجاني من الأموال للبنك، ولذلك هي تسعى إلى التشجيع عليه. ولكن يعتمد ذلك في النهاية على معدل التنافس بين البنوك فإن كان عاليا استفاد منه الناس بانخفاض هذه الرسوم أو إلغائها. وهيكل الملكية في القطاع المصرفي فإذا كانت البنوك مملوكة للحكومة كما هي في عدد من البلدان النامية انتشر العمل فيها بأنواع الرسوم حتى على هذا النوع من الحسابات. فقد تقترن هذه الحسابات برسم فتح الحساب ورسم لإغلاقه ورسم مقابل دفتر الشيكات ورسم يقتطع مقابل كل عملية تجري في الحساب (أي مقابل كل شيك) . وقد يعمل بهذه الرسوم مجتمعة أو متفرقة.

стр. 14313

ولكن أكثر الرسوم والذي تعمل به أكثر البنوك حتى في الدول المتقدمة هو الرسم المفروض على العميل إذا انخفض رصيده في الحساب عن مبلغ معين. ذلك أن الإبقاء على سجل للعميل في دفاتر البنك يتضمن بالضرورة تكاليف إدارية ورقابية ومحاسبية كثيرة، لا تكاد تختلف بين حساب يودع مبلغا كبيرا وآخر يقتصر ما فيه على مبلغ صغير. ولذلك اتجهت البنوك في كثير من البلدان إلى فرض رسوم على الحسابات التي يقل رصيدها عن مبلغ محدد، واشتراط هذا المبلغ أو أكثر منه لفتح الحسابات الجارية. فإذا لم يتحقق الشرط فرضت عليه رسما يمثل مبلغا شهريا يقتطع من الحساب أو رسما يفرض على شيك يصدره صاحب الحساب ... إلخ. ٤- حسابات جارية للأفراد بين البنوك: إن الجزء الأعظم من الحسابات الجارية في دفاتر أي بنك هي للأفراد والمؤسسات الخاصة والحكومية. إلا أن جزءا لا يستهان به (نحو ١٠ % أو أقل أو أكثر من مجموع الخصوم) هو للبنوك الأخرى. وتقضي طبيعة العلاقات بين البنوك وجود مثل هذه الحسابات، من ذلك: ١- استخدامها في عمليات المقاصة في الشيكات المحررة من قبل عملاء البنوك الأخرى حيث يقوم البنك بدفع مبلغ من الشيك من الحساب الموجود لديه للبنك الآخر. ٢- استخدامها في عملية الحوالات التي يقوم بها العملاء من البنوك الأخرى لا سيما في التحويلات من بلد إلى آخر. ٣-أغراض أخرى مثل الاشتراك في التمويل المجمع أو القروض المشتركة.. إلخ.

стр. 14314

٥- حسابات فردية وأخرى مشتركة: تكون أكثر الحسابات الجارية مخصصة لفرد بعينه سواء كان شخصية معنوية أو طبيعية. لكن بعض الحالات ربما اقتضت اشتراك أكثر من طرف في حساب واحد يكون لهم أن يودعوا فيه ويسحبوا منه ويحيلوا عليه. وتكون مسئوليتهم عندئذ تضامنية والأموال فيها مملوكة ملكية مشتركة بينهم. وتحدد اتفاقية فتح الحسابات المخولين بالتوقيع في ذلك الحساب، وما إذا كان يكتفي بتوقيع واحد أو أكثر.. إلخ. ٦- الحساب الجاري المدين: الحساب الجاري المدين هو حساب يسمح بانكشافه بصفة ذاتية (انظر الفقرة ١/٩/ز) ، أي أن لصاحبه أن يقترض من البنك بتحرير الشيكات حتى لو لم يكن مودعا في حسابه ما يكفي من النقود فينكشف حسابه إلى الحد الذي اتفق عليه معه عند فتح الحساب، وتحسب الفوائد المصرفية على المبلغ المدين. ويحتاج إلى هذا النوع من الحسابات رجال الأعمال والمؤسسات التي يكون لها إيرادات ومنصرفات يومية يصعب عليها تحقيق التوازن بينها في كل يوم، لذلك إذا فتحت مثل هذا الحساب أودعت إيراداتها ودفعت مصروفاتها مطمئنة، إلا أنه إن حدث بينهما فرق فلن يتأخر البنك عن الدفع مع انكشاف الحساب. ولا تحسب الفوائد للعميل في حال كون الحساب دائنا. ويكون معدل الفوائد على مثل هذا النوع من الحسابات مرتفعا نسبيا لكي لا تشجع العملاء على استخدامه بديلا عن القروض المصرفية لأن من سماته أن يكون قصير الأجل.

стр. 14315

٧- الحسابات الجارية ذات العائد: لقد بلغ من حدة التنافس بين البنوك في بعض البلدان أن اتجهت، لغرض اجتذاب العملاء، إلى دفع الفوائد على الحسابات الجارية مع تمتع عملائها بكافة ميزات ذلك الحساب بما فيها دفتر الشيكات. والمعتاد أن الفوائد المصرفية إنما تدفع على الحسابات الآجلة أو حسابات التوفير لأن العميل فيها لا يتمتع بميزة استخدام دفتر الشيكات، كما أن أمواله قد تكون مؤجلة الدفع يستخدمها البنك في توليد الفوائد التي يقتسمها مع أرباب تلك الأموال. ومع ذلك فقد قامت بعض البنوك، لا سيما في الدول المتقدمة بالإبقاء على كافة ميزات الحسابات الجارية ثم فوق ذلك كله دفع الفوائد الدورية –التي تكون متدنية في العادة-على أرصدة الحسابات الجارية. وفي هذه الحالة ينتقل تصنيف هذه الحسابات من الناحية الشرعية من كونها قروضا حسنة إلى انقلابها إلى قروض ربوية؛ لأن الزيادة فيه مشروطة فهي من الربا. ولا يؤثر في ذلك كونها معلومة القدر عند التعاقد أو غير معلوم (حيث تتبنى بعض البنوك الفوائد المتغيرة) لأن ضمان رأس المال لصاحبه يجعل كل زيادة مشروطة عليه من الربا المحرم. ٨- استخدامات البنوك للأموال المجتمعة لديها في الحسابات الجارية: من المعروف أن النقود مثلية فهي لا تختلف في طبيعتها من حيث المصدر. ومن ثم فإن الأموال في الحسابات الجارية تختلط مع أموال البنك الأخرى وتستخدم كما تستخدم موارده من أنواع الحسابات ورأس ماله. على أن من المفيد الإشارة إلى بعض الخصوصيات لأموال الودائع الجارية. فهي أولا: موارد مجانية (Free Money) لأن موارده الأخرى مثل الودائع الآجلة لها ثمن هو الفائدة المدفوعة عليها بصفة دورية، ورأس ماله له ثمن هو الربح الذي يجب أن يدفعه في نهاية العام. أما الحسابات الجارية فهو يستخدمها دون حاجة إلى دفع ثمن عليها. ثم ثانيا: إنها أعلى أنواع الحسابات من حيث الاحتياطيات. فمن المعلوم أن الأنظمة المصرفية تلزم البنوك باحتياطيات نظامية لحساباتها، يتطلب منها الاحتفاظ بجزء من هذه الحسابات على شكل سيولة كاملة. وتختلف القوانين في ذلك، إذ قد تصل إلى ٥٠ % في بعض الدول وربما لا تزيد عن ٤ % في دول أخرى منها ما يحتفظ به البنك لديه ومنها ما يودع في حسابات المصرف المركزي كما سبق تفصيله. وتتبنى أكثر البنوك احتياطيات إضافية لضمان قدر أكبر من السيولة. ومع ذلك تبقى هذه الحسابات تحقق أعلى معدلات العائد للبنوك.

стр. 14316

٩- المنافع المتحققة لصاحب الحساب الجاري: أهم المنافع المتحققة لصاحب الحساب الجاري في البنك هي: أ- دفتر الشيكات: تسمى مجموعة الشيكات التي يمنحها البنك إلى عميله عند فتح الحساب الجاري دفتر الشيكات. ويشبه الشيك السند لأمر (الكمبيالة) في أنه مسحوب على مدين ومستحق الدفع على الفور لأمر شخص طبيعي أو معنوي ولكنه يختلف في أنه غير عرضة للقبول أو الرفض وأنه مسحوب على بنك. ولا يلزم أن يكون الشيك ذا شكل محدد أو على ورقة معينة بل يمكن أن يكتب على أية ورقة ما دام أنه يحمل العبارات الصحيحة. وربما حددت مدة صلاحيته وقابليته للدفع ولكن مثل هذا التحديد يخرجه في أكثر القوانين من تعريف الشيك. ولا يحتاج استلام المبلغ المدون على الشيك إلى سند استلام لأنه هو وثيقة تثبت الاستلام. والشيك غير قابل للتداول وإن كان قابلا للتجيير. ويكتب مبلغ الشيك بالأرقام والحروف وترجح الحروف في حال الاختلاف. وللبنك إرجاع الشيك إذا كان الموجود في حساب المسحوب عليه يقل عن مبلغ الشيك. والشيك غير قابل للتجزئة فلا يعرف منه بقدر ما وجد في الحساب. ويجب تسجيل تاريخ على الشيك ولكن هذا التاريخ غير ذي تأثير في أكثر القوانين: ويتحقق لحامل دفتر الشيكات منافع متعددة منها: أ-الأمان، لأن ضياع الشيك أو سرقته أو تزييفه لا يعرض صاحب الأموال لخطر ضياع أمواله في مضمونه على البنك. ب-أنه يقدم طريقة اقتصادية لدفع الالتزامات تغني عن حمل النقود لا سيما في المبالغ الكبيرة. ج-أنه إثبات لاستلام القابض للنقود يغني عن السندات. والمعتاد أن تحتفظ البنوك بالشيكات بعد دفع مبالغها، ولكن بعض البنوك تقوم بتسليمها إلى صاحب الحساب للاحتفاظ بها. وقد يصرف للعميل مع دفتر الشيكات بطاقة تضمن له دائما دفع البنك لأي شيك يحرره لصالح مستفيد آخر بمبلغ لا يزيد عن مستوى محدد وذلك لتشجيع الآخرين على قبول شيكاته. وقضايا الغش في الشيكات كثيرة ولذلك ربما اشترط بعض المستفيدين حصولهم على شيك مصدق وهو الذي يختم البنك في ظهره أن المبلغ محجوز في الحساب أو شيك مصرفي وهو الذي يصدره البنك نيابة عن العميل لصالح ذلك المستفيد.

стр. 14317

ب- حفظ أمواله من السرقة والضياع: ذلك أن احتفاظ الفرد بأمواله في منزله أو متجره يجعلها عرضة للسرقة والضياع بينما أن ذلك لا يحدث في أمواله إذا أودعت في البنك لأنها تكون عندئذ مضمونة من قبل المصرف، فيسلم هو من الخطر. وقد تطورت الخدمات المصرفية بحيث صار المودع في البنك يتصرف في أمواله كما لو كانت محفوظة عنده مباشرة. ذلك أن انتشار العمل بمكائن الصرف والإيداع الآلي على مدار الساعة، وارتباط البنوك جميعا بشبكة الكترونية مكن من تحقيق كفاءة عالية في استعمال الشيكات بحيث أصبح مالك النقود المودعة لدى البنك قادرا على التصرف بها مع الآخرين وكأنها لا تزال في حوزته وتحت تصرفه فلا يعوقه وجودها في البنك عن إجراء العقود وإتمام صفقات الشراء وتسديد الفواتير ... إلخ. ج- تنظيم حساباته وضبطها: إذا قام المودع في الحساب الجاري بإتمام كافة مدفوعاته من شراء لسلع أو تسديد لديون أو فواتير أو دفع الرواتب ... الخ بواسطة الشيك المسحوب على ذلك الحساب فإنه سيحصل في نهاية كل شهر (أو أقل من ذلك أو أكثر) على كشف مفصل يتضمن جميع هذه المدفوعات وتواريخها ومبالغها والمدفوعة إليهم. وكذلك الحال في الأموال التي يتلقاها من الآخرين مثل أثمان السلع التي يبيع أو موارده من الإيجارات والأرباح ... إلخ. ومن ثم يحصل على خدمة متميزة تغنيه عن الاستعانة بالمتخصصين في أعمال المحاسبة لضبط حساباته ومتابعتها. فإذا قام بفتح حسابات متعددة خصص لكل منها لغرض محدد مثل أن يكون أحدهما لإيرادات المبيعات وآخر للمشتريات وثالث للراتب ... الخ، استفاد كثيرا من هذه الميزة في معاملاته مع الآخرين.

стр. 14318

د- الأسعار المميزة للخدمات الأخرى: ومن أهم المنافع التي يحصل عليها صاحب الحساب الجاري الأسعار المميزة للخدمات الأخرى التي يقدمها البنك، إذ تقدم البنوك لأصحاب هذه الحسابات خدمات مجانية وأخرى ذات أسعار متدنية مقارنة بآخرين ممن ليس لهم حسابات مع المصرف وكل ذلك يعتمد على أهمية العميل للبنك من حيث عدد سنوات تعامله مع البنك ومتوسط الرصيد في حسابه ... إلخ. وتتعلق هذه الميزات في الغالب بالحوالات والصرف الأجنبي ورسوم فتح الاعتمادات وبطاقات الائتمان وخطابات الضمان، وقد تتعدى ذلك إلى سعر الفائدة على القروض ... إلخ. هـ - شهادة البنك بملاءة العميل: يحتاج الناس، لا سيما التجار منهم ورجال الأعمال والمتعاملين مع المصارف، إلى شهادة تثبت ملاءتهم يقدمونها إلى الجهات الحكومية أو الخاصة يتمكنون فيها من الدخول في المناقصات والمزايدات أو عقود المقاولة والتوريد أو الحصول على التمويل بالدين بين المؤسسات المالية الأخرى إلى غير ذلك من الحاجات. والبنوك هي الجهات المعتمدة –في غالب الأحوال-كمصدر لمثل هذه المعلومات. وتعتمد البنوك في إصدارها هذه الشهادة وأمثالها على سجل العميل في حسابه الجاري (وحساباته الأخرى) . ولذلك يحرص أمثال هؤلاء العملاء على التأكد من أن جميع أموالهم تودع في بنكهم الذي يتعاملون معه حتى يتكون لدى القائمين عليه فكرة واضحة عن ملاءتهم يستفاد منها في إصدار تلك الشهادة. و استخدام الأموال في الحساب الجاري كرهن: يمكن للعميل أن يتفق مع مصرفه على حجز مبلغ من المال في حسابه الجاري لا يسمح له أن يسحبه أو يحرر الشيكات مقابله، ويكون هذا المبلغ المحجوز رهنا لضمان وفائه بالتزاماته الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب للبنك أو لمؤسسة أخرى، مثل حالات فتحه الاعتماد المستندي للاستيراد، أو إصدار البطاقات الائتمانية أو كفالة جهة أخرى من قبل ذلك العميل. ونتطرق فيما بعد إلى بعض الجوانب الشرعية لهذه المسألة.

стр. 14319

ز- انكشاف الحساب (القروض الذاتية) : يقصد بانكشاف الحساب في ما تعارف عليه المصرفيون سحب العميل من حسابه مبالغ تزيد عما أودع فيه. والأصل أن هذا ممنوع إذ لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يصدر شيكات تزيد مبالغها عن رصيد حسابه، إلا إذا جرى ترتيب ذلك مع البنك. وفي هذه الحالة يسمح للعميل بما ذكر. ويسمى حسابه عندئذ (جار مدين) لأن دفاتر البنك ستظهر أنه مدين بالمبالغ التي تزيد عن رصيده الدائن. وتعد هذه الخدمة المصرفية من أهم الخدمات التي يحتاج إليها التجار ورجال الأعمال والشركات. ذلك أن هذا النوع من عملاء البنوك – لا سيما إن كان ذا نشاط تجاري واسع –يصدر عشرات بل ربما مئات الشيكات يوميا وربما أكثر من ذلك. في نفس الوقت هو يتلقى من عملائه مبالغ يومية بشيكات وبأنواع الحوالات الداخلية والدولية. وهو لا يستطيع بحال أن يتأكد دائما أنه في كل مرة يصدر فيها شيكا يكون في حسابه رصيد يفي بمبلغه لا سيما وأن عملية تحصيل الشيكات الواردة والمودعة في الحساب قد تستغرق مدة غير معروفة بالدقة، وكذلك الحال في الشيكات التي يصدرها لصالح الآخرين. فهو عندئذ سيتفق مع مصرفه أن يدفع البنك كل شيك يحرره بصرف النظر عما إذا كان في حسابه من الرصيد المالي ما يكفي أم لا. وعندما يدفع البنك الشيك دون أن يكون في رصيد الحساب ما يكفي يسمى حساب ذلك العميل عندئذ حسابا مكشوفا. وفي هذه الحالة سوف يسجل البنك على ذلك العميل فوائد مصرفية (ربوية) بمقدار ذلك الانكشاف. وتحسب هذه الفوائد على أساس يومي بحيث تسجل على الرصيد المدين أي على مقدار الأموال التي دفعت وهي تزيد عن الرصيد. ويستفيد التجار كثيرا من هذه الخدمة، بل إن جل التمويل الذي يحصل عليه رجال الأعمال والشركات (نحو ٧٠ % أو أكثر) هو بهذه الصفة. ولا يقتصر العمل في هذا الترتيب في الشيكات فحسب بل يتعدى ذلك إلى كافة حاجات العميل التي تقتضي كشف الحساب مثل مدفوعات الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان ... إلخ. وللحساب الجاري على ذلك أنواع متعددة منها المخصص مثل ذلك المرتبط بعملية فتح الاعتماد أو خطاب الضمان، ومنها غير المخصص لغرض محدد. أما عمليات انكشاف الحساب فهي تنقسم إلى نوعين، عادية وهي التي تتم بترتيب مسبق بين البنك وصاحب الحساب وتسمى عندئذ حساب جار مدين، ومنها المؤقتة وهي التي لا تكون جزءا من ترتيب مسبق لكن البنك لمكانة عميله أو ثقته فيه يقبل دفع شيك محرر من قبله يزيد في مبلغه عما هو موجود في حسابه. وربما يفعل ذلك في حالات محددة.

стр. 14320

ثانيا: مؤسسة التأمين على الودائع: ذكرنا فيما سبق أن الودائع المصرفية هي في حقيقتها قروض على المصرف، ولذلك فإن يد البنك فيها يد ضمان. وقد تبنت القوانين والأعراف المصرفية أنواعا من الإجراءات التي تسعى إلى التحقق من قدرة البنك –دائما-على الوفاء بالتزاماته تجاه أصحاب تلك الأموال. ومع ذلك فإن التجارب المصرفية تشير إلى أن أوضاعا معينة تؤدي إلى انهيار المصرف وعجزه عن ذلك نتيجة الانقضاض الفجائي للناس عليه نتيجة اهتزاز الثقة به لسحب إيداعاتهم في وقت لا يمكنه تنضيض ما لديه من أصول بخسائر كبيرة. ومن المعلوم أن البنوك الأخرى والمصرف المركزي تتعاون في مساعدة المصرف الذي يتعرض لمثل ذلك. إلا أن هناك حدودا لما يمكن عمله من خلال هذا البرنامج، لا سيما في حالات كون البنك المتعرض لمثل تلك المصاعب كبيرة الحجم، أو سريان روح عدم الثقة في النظام المصرفي برمته. لذلك فقد اتجهت بعض الدول –مثل الولايات المتحدة -إلى إجراء إضافي يسعى إلى طمأنة جمهور المودعين في البنك من أصحاب الودائع المتوسطة والصغيرة وهو إلزام البنوك في الاشتراك فيما يسمى بمؤسسة التأمين على الودائع (وتسمى في الولايات المتحدة Fedral Deposit-Insurance Com) . ويقوم عمل هذه المؤسسات على دفع البنوك رسما يساوي نسبة متفق عليها من مجمل الودائع في الحسابات الجارية تقوم مقابلها هذه المؤسسة بضمان الأموال في تلك الحسابات التي لا تزيد عن ٥٠.٠٠٠ دولار (أو أكثر أو أقل) .وهي صيغة شبيهة بصيغ التأمين التجاري المعروفة. وتتبنى بعض البلدان الأخرى ترتيبات مشابهة (مثل ضمان الودائع في بريطانيا) وإن لم تكن على صفة مؤسسة مستقلة تنهض بهذه المهمة بل تكون جزءا من وظائف البنك المركزي.
следующие страницы →