٩- المنافع المتحققة لصاحب الحساب الجاري:
أهم المنافع المتحققة لصاحب الحساب الجاري في البنك هي:
أ- دفتر الشيكات:
تسمى مجموعة الشيكات التي يمنحها البنك إلى عميله عند فتح الحساب الجاري دفتر الشيكات. ويشبه الشيك السند لأمر (الكمبيالة) في أنه مسحوب على مدين ومستحق الدفع على الفور لأمر شخص طبيعي أو معنوي ولكنه يختلف في أنه غير عرضة للقبول أو الرفض وأنه مسحوب على بنك. ولا يلزم أن يكون الشيك ذا شكل محدد أو على ورقة معينة بل يمكن أن يكتب على أية ورقة ما دام أنه يحمل العبارات الصحيحة. وربما حددت مدة صلاحيته وقابليته للدفع ولكن مثل هذا التحديد يخرجه في أكثر القوانين من تعريف الشيك. ولا يحتاج استلام المبلغ المدون على الشيك إلى سند استلام لأنه هو وثيقة تثبت الاستلام. والشيك غير قابل للتداول وإن كان قابلا للتجيير. ويكتب مبلغ الشيك بالأرقام والحروف وترجح الحروف في حال الاختلاف. وللبنك إرجاع الشيك إذا كان الموجود في حساب المسحوب عليه يقل عن مبلغ الشيك. والشيك غير قابل للتجزئة فلا يعرف منه بقدر ما وجد في الحساب. ويجب تسجيل تاريخ على الشيك ولكن هذا التاريخ غير ذي تأثير في أكثر القوانين:
ويتحقق لحامل دفتر الشيكات منافع متعددة منها:
أ-الأمان، لأن ضياع الشيك أو سرقته أو تزييفه لا يعرض صاحب الأموال لخطر ضياع أمواله في مضمونه على البنك.
ب-أنه يقدم طريقة اقتصادية لدفع الالتزامات تغني عن حمل النقود لا سيما في المبالغ الكبيرة.
ج-أنه إثبات لاستلام القابض للنقود يغني عن السندات. والمعتاد أن تحتفظ البنوك بالشيكات بعد دفع مبالغها، ولكن بعض البنوك تقوم بتسليمها إلى صاحب الحساب للاحتفاظ بها.
وقد يصرف للعميل مع دفتر الشيكات بطاقة تضمن له دائما دفع البنك لأي شيك يحرره لصالح مستفيد آخر بمبلغ لا يزيد عن مستوى محدد وذلك لتشجيع الآخرين على قبول شيكاته.
وقضايا الغش في الشيكات كثيرة ولذلك ربما اشترط بعض المستفيدين حصولهم على شيك مصدق وهو الذي يختم البنك في ظهره أن المبلغ محجوز في الحساب أو شيك مصرفي وهو الذي يصدره البنك نيابة عن العميل لصالح ذلك المستفيد.
стр. 14317
ب- حفظ أمواله من السرقة والضياع:
ذلك أن احتفاظ الفرد بأمواله في منزله أو متجره يجعلها عرضة للسرقة والضياع بينما أن ذلك لا يحدث في أمواله إذا أودعت في البنك لأنها تكون عندئذ مضمونة من قبل المصرف، فيسلم هو من الخطر. وقد تطورت الخدمات المصرفية بحيث صار المودع في البنك يتصرف في أمواله كما لو كانت محفوظة عنده مباشرة. ذلك أن انتشار العمل بمكائن الصرف والإيداع الآلي على مدار الساعة، وارتباط البنوك جميعا بشبكة الكترونية مكن من تحقيق كفاءة عالية في استعمال الشيكات بحيث أصبح مالك النقود المودعة لدى البنك قادرا على التصرف بها مع الآخرين وكأنها لا تزال في حوزته وتحت تصرفه فلا يعوقه وجودها في البنك عن إجراء العقود وإتمام صفقات الشراء وتسديد الفواتير ... إلخ.
ج- تنظيم حساباته وضبطها:
إذا قام المودع في الحساب الجاري بإتمام كافة مدفوعاته من شراء لسلع أو تسديد لديون أو فواتير أو دفع الرواتب ... الخ بواسطة الشيك المسحوب على ذلك الحساب فإنه سيحصل في نهاية كل شهر (أو أقل من ذلك أو أكثر) على كشف مفصل يتضمن جميع هذه المدفوعات وتواريخها ومبالغها والمدفوعة إليهم. وكذلك الحال في الأموال التي يتلقاها من الآخرين مثل أثمان السلع التي يبيع أو موارده من الإيجارات والأرباح ... إلخ. ومن ثم يحصل على خدمة متميزة تغنيه عن الاستعانة بالمتخصصين في أعمال المحاسبة لضبط حساباته ومتابعتها. فإذا قام بفتح حسابات متعددة خصص لكل منها لغرض محدد مثل أن يكون أحدهما لإيرادات المبيعات وآخر للمشتريات وثالث للراتب ... الخ، استفاد كثيرا من هذه الميزة في معاملاته مع الآخرين.
стр. 14318
د- الأسعار المميزة للخدمات الأخرى:
ومن أهم المنافع التي يحصل عليها صاحب الحساب الجاري الأسعار المميزة للخدمات الأخرى التي يقدمها البنك، إذ تقدم البنوك لأصحاب هذه الحسابات خدمات مجانية وأخرى ذات أسعار متدنية مقارنة بآخرين ممن ليس لهم حسابات مع المصرف وكل ذلك يعتمد على أهمية العميل للبنك من حيث عدد سنوات تعامله مع البنك ومتوسط الرصيد في حسابه ... إلخ.
وتتعلق هذه الميزات في الغالب بالحوالات والصرف الأجنبي ورسوم فتح الاعتمادات وبطاقات الائتمان وخطابات الضمان، وقد تتعدى ذلك إلى سعر الفائدة على القروض ... إلخ.
هـ - شهادة البنك بملاءة العميل:
يحتاج الناس، لا سيما التجار منهم ورجال الأعمال والمتعاملين مع المصارف، إلى شهادة تثبت ملاءتهم يقدمونها إلى الجهات الحكومية أو الخاصة يتمكنون فيها من الدخول في المناقصات والمزايدات أو عقود المقاولة والتوريد أو الحصول على التمويل بالدين بين المؤسسات المالية الأخرى إلى غير ذلك من الحاجات. والبنوك هي الجهات المعتمدة –في غالب الأحوال-كمصدر لمثل هذه المعلومات. وتعتمد البنوك في إصدارها هذه الشهادة وأمثالها على سجل العميل في حسابه الجاري (وحساباته الأخرى) . ولذلك يحرص أمثال هؤلاء العملاء على التأكد من أن جميع أموالهم تودع في بنكهم الذي يتعاملون معه حتى يتكون لدى القائمين عليه فكرة واضحة عن ملاءتهم يستفاد منها في إصدار تلك الشهادة.
و استخدام الأموال في الحساب الجاري كرهن:
يمكن للعميل أن يتفق مع مصرفه على حجز مبلغ من المال في حسابه الجاري لا يسمح له أن يسحبه أو يحرر الشيكات مقابله، ويكون هذا المبلغ المحجوز رهنا لضمان وفائه بالتزاماته الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب للبنك أو لمؤسسة أخرى، مثل حالات فتحه الاعتماد المستندي للاستيراد، أو إصدار البطاقات الائتمانية أو كفالة جهة أخرى من قبل ذلك العميل. ونتطرق فيما بعد إلى بعض الجوانب الشرعية لهذه المسألة.
стр. 14319
ز- انكشاف الحساب (القروض الذاتية) :
يقصد بانكشاف الحساب في ما تعارف عليه المصرفيون سحب العميل من حسابه مبالغ تزيد عما أودع فيه. والأصل أن هذا ممنوع إذ لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يصدر شيكات تزيد مبالغها عن رصيد حسابه، إلا إذا جرى ترتيب ذلك مع البنك. وفي هذه الحالة يسمح للعميل بما ذكر. ويسمى حسابه عندئذ (جار مدين) لأن دفاتر البنك ستظهر أنه مدين بالمبالغ التي تزيد عن رصيده الدائن.
وتعد هذه الخدمة المصرفية من أهم الخدمات التي يحتاج إليها التجار ورجال الأعمال والشركات. ذلك أن هذا النوع من عملاء البنوك – لا سيما إن كان ذا نشاط تجاري واسع –يصدر عشرات بل ربما مئات الشيكات يوميا وربما أكثر من ذلك. في نفس الوقت هو يتلقى من عملائه مبالغ يومية بشيكات وبأنواع الحوالات الداخلية والدولية. وهو لا يستطيع بحال أن يتأكد دائما أنه في كل مرة يصدر فيها شيكا يكون في حسابه رصيد يفي بمبلغه لا سيما وأن عملية تحصيل الشيكات الواردة والمودعة في الحساب قد تستغرق مدة غير معروفة بالدقة، وكذلك الحال في الشيكات التي يصدرها لصالح الآخرين. فهو عندئذ سيتفق مع مصرفه أن يدفع البنك كل شيك يحرره بصرف النظر عما إذا كان في حسابه من الرصيد المالي ما يكفي أم لا. وعندما يدفع البنك الشيك دون أن يكون في رصيد الحساب ما يكفي يسمى حساب ذلك العميل عندئذ حسابا مكشوفا. وفي هذه الحالة سوف يسجل البنك على ذلك العميل فوائد مصرفية (ربوية) بمقدار ذلك الانكشاف. وتحسب هذه الفوائد على أساس يومي بحيث تسجل على الرصيد المدين أي على مقدار الأموال التي دفعت وهي تزيد عن الرصيد.
ويستفيد التجار كثيرا من هذه الخدمة، بل إن جل التمويل الذي يحصل عليه رجال الأعمال والشركات (نحو ٧٠ % أو أكثر) هو بهذه الصفة.
ولا يقتصر العمل في هذا الترتيب في الشيكات فحسب بل يتعدى ذلك إلى كافة حاجات العميل التي تقتضي كشف الحساب مثل مدفوعات الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان ... إلخ. وللحساب الجاري على ذلك أنواع متعددة منها المخصص مثل ذلك المرتبط بعملية فتح الاعتماد أو خطاب الضمان، ومنها غير المخصص لغرض محدد. أما عمليات انكشاف الحساب فهي تنقسم إلى نوعين، عادية وهي التي تتم بترتيب مسبق بين البنك وصاحب الحساب وتسمى عندئذ حساب جار مدين، ومنها المؤقتة وهي التي لا تكون جزءا من ترتيب مسبق لكن البنك لمكانة عميله أو ثقته فيه يقبل دفع شيك محرر من قبله يزيد في مبلغه عما هو موجود في حسابه. وربما يفعل ذلك في حالات محددة.
стр. 14320
ثانيا: مؤسسة التأمين على الودائع:
ذكرنا فيما سبق أن الودائع المصرفية هي في حقيقتها قروض على المصرف، ولذلك فإن يد البنك فيها يد ضمان. وقد تبنت القوانين والأعراف المصرفية أنواعا من الإجراءات التي تسعى إلى التحقق من قدرة البنك –دائما-على الوفاء بالتزاماته تجاه أصحاب تلك الأموال. ومع ذلك فإن التجارب المصرفية تشير إلى أن أوضاعا معينة تؤدي إلى انهيار المصرف وعجزه عن ذلك نتيجة الانقضاض الفجائي للناس عليه نتيجة اهتزاز الثقة به لسحب إيداعاتهم في وقت لا يمكنه تنضيض ما لديه من أصول بخسائر كبيرة. ومن المعلوم أن البنوك الأخرى والمصرف المركزي تتعاون في مساعدة المصرف الذي يتعرض لمثل ذلك. إلا أن هناك حدودا لما يمكن عمله من خلال هذا البرنامج، لا سيما في حالات كون البنك المتعرض لمثل تلك المصاعب كبيرة الحجم، أو سريان روح عدم الثقة في النظام المصرفي برمته.
لذلك فقد اتجهت بعض الدول –مثل الولايات المتحدة -إلى إجراء إضافي يسعى إلى طمأنة جمهور المودعين في البنك من أصحاب الودائع المتوسطة والصغيرة وهو إلزام البنوك في الاشتراك فيما يسمى بمؤسسة التأمين على الودائع (وتسمى في الولايات المتحدة Fedral Deposit-Insurance Com) . ويقوم عمل هذه المؤسسات على دفع البنوك رسما يساوي نسبة متفق عليها من مجمل الودائع في الحسابات الجارية تقوم مقابلها هذه المؤسسة بضمان الأموال في تلك الحسابات التي لا تزيد عن ٥٠.٠٠٠ دولار (أو أكثر أو أقل) .وهي صيغة شبيهة بصيغ التأمين التجاري المعروفة. وتتبنى بعض البلدان الأخرى ترتيبات مشابهة (مثل ضمان الودائع في بريطانيا) وإن لم تكن على صفة مؤسسة مستقلة تنهض بهذه المهمة بل تكون جزءا من وظائف البنك المركزي.
стр. 14321
ثالثا: طبيعة العلاقة التعاقدية بين البنك وصاحب الحساب الجاري:
يترتب على فتح الحساب الجاري لدى البنك علاقة تعاقدية بين الطرفين.
وقد ظن كثير من الناس أن تسمية هذا الحساب بالودائع هو تعبير صحيح عن طبيعة هذه العلاقة التعاقدية. ولكن شيوع هذه التسمية لم تخف حقيقة أن هذه الحسابات هي في الواقع قروض لا ودائع والعبرة في العقود بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني. وإن نظرة فاحصة لهذه العلاقة إنما هي مطابقة للقرض وليس للوديعة، ومن ثم وجب أن تأخذ حكمها، فمن ذلك مثلا:
أ- الوديعة كما عرفتها المجلة (مادة٧٦٣) : (هي المال الذي يوضع عند إنسان لأجل الحفظ) فهي أمانة يحفظها الوديع في صرة أو نحو ذلك، كما يحفظ أمواله وليس له أن يستخدمها ثم يرد عينها إلى صاحبها. أما القرض فهو مال مثلي يرد مثله لا عينه ويستخدمه المقترض لأغراضه ويخلطه بأمواله. ويختلف عن الوديعة من حيث حق تصرف المدين بالقرض ومن حيث وجوب الأداء عند الطلب. وجلي أن الحسابات الجارية ينطبق عليها الوصف الثاني لا الأول.
ب-ومن حيث الضمان في الذمة المالية فالوديعة غير مضمونة إلا أن يفرط الوديع بحفظها، أما القرض فهو مضمون الرد على المدين (إذا لم يكن معسرا) إن سرق أو ضاع أو تلف. وجلي أن الوصف الثاني هو الذي ينطبق على الحسابات الجارية في المصارف وليس الأول.
وقد اتجهت جميع القوانين الوضعية إلى اعتبار الحسابات الجارية قروضا يقدمها أصحابها إلى المصارف، وتسري عليها القوانين المنظمة للديون. ويعد أصحاب هذه الحسابات في زمرة الدائنين للبنك في حال إفلاسه (منها القانون المدني المصري في المادة ٧٢٦، والمدني السوري في المادة ٤٠٢، والمدني الأردني في المادة ٨٨٩، والمدني العراقي في المادة ٩٧١) .
يمكن القول إذن أن الحسابات المصرفية الجارية هي قروض حسنة (أي بلا فوائد) حالة غير ذات أجل، المقرض فيها العميل والمقترض البنك. (١)
стр. 14322
رابعا: بعض الضوابط القانونية التي تلتزم بها البنوك في الحسابات الجارية:
يلزم القانون بتبني أنواع من الاحتياطات لكي تتوفر عليها القدرة على الوفاء بالتزاماتها، ومنها:
١-الاحتفاظ بجزء من تلك الأموال، لا سيما التي يكون مصدرها الحسابات الجارية، في شكل سيولة تامة (نقدية) في صناديق البنك. منها جزء تحدد نسبته القوانين المصرفية وآخر يحدده كل مصرف بحسب خبرته وطبيعة تعامله في السوق.
٢-الاحتفاظ بحسابات جارية للمصرف لدى البنك المركزي تمثل نسبة من تلك الودائع.
٣-تعاون المصارف التجارية مع بعضها البعض على توفير السيولة –بطريق الإقراض -بصفة يومية لكي يتحقق لها التقيد بالضوابط القانونية المتعلقة بالسيولة.
٤-التزام البنك المركزي بإقراض المصارف المرخصة إذا احتاجت إلى السيولة بصفة عاجلة.
٥-توزيع أصول البنك (حقوقه لدى الآخرين مثل القروض) على استخدامات ذات مدد وآجال متنوعة واستخدامات مختلفة تجعل من الممكن تحويل نسبة كبيرة منها إلى سيولة في وقت قصير وبدون خسارة كبيرة.
стр. 14323
خامسا: مسائل شرعية في الحسابات المصرفية الجارية:
في ضوء ما انتهينا إليه من أن طبيعة العلاقة التعاقدية بين البنك وصاحب الحساب الجاري هي علاقة المقرض بالمقترض، فإن هناك بعض المسائل الشرعية التي تحتاج إلى نظر منها:
أ- هل البنك فقير حتى نقرضه؟
معلوم أن القرض في الإسلام هو لغرض الإرفاق والقربة، يقدمه الغني إلى الفقير المحتاج. والمسألة التي نحن بصددها هي قرض يقدمه الفرد، الذي ربما يكون ثريا ذا يسار أو فقرا قليل المال، إلى المصرف. فهل البنك فقير نقرضه لغرض الإرفاق به؟ الجواب بالنفي القطعي. فهل يعني ذلك أنه قد خرج من تعريف القرض وصار إلى علاقة مختلفة لأن البنك دائما أغنى من المودعين فيه. يرد على ذلك بأن القرض لا يلزم أن يكون من غني إلى فقير. انظر ما رواه البخاري في دين الزبير بن العوام ﵁. قال: (إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا ولكنه سلف فإني أخشى الضيعة) (١) فهذه قروض إلى غني وهو الزبير ﵁. لم يخرجها من تعريف القرض وسريان أحكامه، أنها جاءت من فقير إلى غني أو من غني إلى من هو أغنى منه. وكذلك الحال في ودائع المصرف الجارية فإنها قروض ولا حاجة للسؤال هل المصرف فقير حتى نقرضه.
ب- الحسابات الجارية تعاون الإثم والعدوان:
يقول المولي في كتابه الحكيم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]
لما كان الربا من الكبائر، ولما علم أن الفوائد المصرفية التي هي أساس عمل البنوك هي من الربا المحرم، وأن البنوك إنما توجه الأموال المتجمعة لديها في الحسابات الجارية إلى التمويل بالإقراض المتضمن للفوائد الربوية، دل ذلك على أن كل حساب مصرفي جار إنما يؤدي إلى زيادة في نشاط المصرف المذكور وتوسع في قدرته على الإقراض بالربا.
والقاعدة أن ما أدى إلى حرام فهو حرام والأمور بمآلاتها، ولذلك فقد رأى البعض أن هذه الحسابات في البنوك الربوية، على رغم أنها بذاتها لا تتضمن التعامل بالفائدة، إلا أن فيها مخالفة لأصل من أصول الشريعة وهو عدم جواز التعاون علي الإثم والعدوان، لا سيما في الحالات التي يتوفر على المجتمع فيها بنوك أخرى ومؤسسات مصرفية تنهض بنفس الوظائف والأغراض دون التعامل بالفائدة كالبنوك الإسلامية.
стр. 14324
ج- الحسابات الجارية من أنواع القروض التي تجر نفعا:
القاعدة أن كل قرض جر نفعا فهو ربا. والمقصود هنا النفع الذي يجره القرض للدائن، أما المدين فإنه إنما اقترض لينتفع بالقرض. ولابد لإعمال القاعدة أن يكون هذا النفع مشروطا، قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا) . والقاعدة (أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا) والمدين هو البنك، والدائن في الحسابات المصرفية هو العميل المودع للنقود في حساباته لدى البنك وهو يتلقى أنواعا متعددة من الخدمات، بل وتتسابق البنوك في تقديم الخدمات الخاصة لأصحاب هذه الحسابات. وقد أشرنا أعلاه إلى طرف منها مثل تخفيض أسعار الخدمات الأخرى أو إعفائه من تكاليفها ... الخ، وأهم تلك جميعا هو بلا ريب دفتر الشيكات. فهل يعني هذا أن الحساب الجاري على رغم أنه لا يتضمن الفائدة إلا أن فيه شبهة الربا من هذا الجانب لأنه قرض جر نفعا واضحا معروفا للمقرض؟ يرد على ذلك أن القروض التي أشرنا إليها أعلاه عند الحديث عن الزبير بن العوام ﵁ إنما كان الباعث عليها انتفاع الدائن (المقرض) بحفظ أمواله من الضياع والسرقة بدليل ما جاء في الأثر، ولذلك فإن الزبير لعلمه بغرضهم فقد كان ﵁ يقول: (بل هي سلف إني أخاف الضيعة) ولم يقل أحد إنها من الربا. ثم ما أجازت الشريعة من طرق حفظ مال اليتيم عندما يسافر وليه هل يؤدى إلى مؤتمن؟ قال الفقهاء: الأولى أن يقرضها لمليء. وجلي أن اشتراطهم الملاءة دليل على أن الغرض ليس الإرفاق بل انتفاع المقرض بحفظ مال اليتيم فهو قرض جر نفعا. وما ذكره العلماء عن السفتجة، معروف ومعلوم يلخصه كلام ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١/٣٩١) : ( ... وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض كما في مسألة السفتجة ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنها لا تكره لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعا) . وتلك قاعدة ذهبية ليس أدل على ملاءمتها لما نحن بصدده من حقيقة أن بعض البنوك تفرض الرسوم على الحسابات الجارية وهي قروض، فكأن الدائن يقرض المدين ويزيده، وذلك لأن المنفعة كما في حال السفتجة مشترك بينهما.
стр. 14325
سادسا: مسألة رهن النقود المودعة في الحسابات المصرفية:
ذكرنا آنفا أن البنوك اعتادت في معاملاتها أن تستخدم النقود لديها في الحسابات الجارية أو الحسابات الآجلة أو صناديق الاستثمار أو الحسابات الاستثمارية في البنوك الإسلامية رهنا مقابل الوفاء بما يتعلق بذمة ذلك العميل من ديون أو التزامات ناشئة أن البيوع أو القروض أو أنواع التمويلات الأخرى.
والحسابات الجارية وأنواع الحسابات الأخرى لا تخلو من أن تكون في التصور الشرعي نقودا وديونا. وتثير مسألة رهن النقود ورهن الديون إشكالات شرعية كثيرة منها:
أ-أن شرط الرهن أن يكون عينا يصح بيعها فخرج من ذلك الديون إلا عند المالكية لأنهم يجيزون بيعها. (١)
ب-واشترط من أجاز رهن الدين توافق الآجال أو أن يكون أجل الدين المرهون به أطول من أجل الدين فإذا اختلفت الآجال فربما أدى إلى إقراض نظير إقراض إذا كانت قرضا أو إلى بيع وسلف إذا كان الدين ناتجا عن بيع المرابحة. (٢) والحسابات الجارية حالة غير ذات أجل كما أن توافق الآجال في الحسابات الأخرى مسألة عسيرة يصعب أخذها بالاعتبار. وربما عولجت هذه المسألة بحجز البنك الوديعة الجارية في حساب العميل فتصبح ذات أجل إذ لا يسمح له بالسحب منها إلا بعد حلول ذلك الأجل وهو تاريخ تسديد الدين.
لكن النظرة الكلية لهذه المسألة تظهر جوانب أخرى مهمة. ذلك أن الغرض من الرهن توثيق الحق والاطمئنان إلى استيفائه وأن هذه الأحكام المتعلقة بالرهن إنما هي ضوابط الهدف منها تحقيق العدل في المعاملات والثقة به الدائن والمدين. وجلي أن هذه الطريقة تحقق الغرض ولا تلحق الضرر بالمدين. واستيفاء حقه من المبلغ المرهون إنما يكون بالإذن المسبق من العميل، فلم يحتج إلى حكم قضائي، وبما أنه نقود.
ج-أن لا تكون نقودا لأن النقود لا تتعين بالتعيين عند أكثر الفقهاء.
وأجاز البعض رهن الدرهم والدينار إذا طبع عليها. (٣) ومعلوم أن هذا متعذر في الحسابات المصرفية.
стр. 14326
سابعا: الودائع الآجلة أو الحسابات لأجل
بينما أن الغرض الأساس للفرد المودع في حساب جار هو الملاءمة والراحة، فإن غرض الودائع الآجلة هو الاستثمار والعائد. وتعد الودائع الآجلة أهم صيغ الاستثمار في البنوك فهي توفر للعملاء وسيلة مأمونة لتثمير أموالهم وتحقيق النمو لها. والعائد على هذه الحسابات هو الفائدة المصرفية، ولذلك فإن الربا في أعمال المصارف هو أوضح ما يكون في هذا النوع من الحسابات (وفي قروض المصرف) .
والودائع الآجلة هي قروض يقدمها العملاء المودعون إلى البنك فهي مضمونة الرد كسائر الديون. وقد سميت هذه الحسابات آجلة لأن البنك –بالاتفاق مع العميل-يحدد للقروض بها أجلا، ولا يجوز لصاحب الوديعة الآجلة سحب أمواله قبل حلول هذا الأجل، فإذا احتاج إلى المال قبل حلول ذلك الأجل فالطريق هو الاقتراض من البنك بضمان تلك الوديعة. ولا يحمل العميل دفتر شيكات، لعدم جواز السحب من أمواله قبل أجلها. فإذا حان الأجل ورغب سحبها حولت إلى حسابه الجاري. وتشترط البنوك حدا أدنى لا يسمح بفتح الحساب لمبلغ يقل عنه. ويكون هذا المبلغ كبيرا في المعتاد، والغالب أن يكون الأجل في هذه الحسابات شهرا واحدا على الأقل، أو لا يحدد ولكن يشترط أن يتقدم العميل بطلب سحب نقوده قبل شهر على الأقل من التاريخ المرغوب. والحسابات الآجلة أنواع متعددة سيأتي تفصيل أهمها لاحقا.
стр. 14327
١- أهمية هذا النوع من الحسابات بالنسبة إلى البنوك:
تعد الودائع الآجلة بأنواعها المختلفة العمود الفقري لمصادر الأموال في البنك (وربما تصل نسبتها إلى ٧٠ % من مجمل الخصوم) ، وتمثل أعلى نسبة من مجمل الودائع (في غالب الأحوال) مع أنها تحقق للمصرف أدنى معدل من الربح؛ لأنها أكثر مصادر الأموال تكلفة. ومرد ذلك إلى أن البنوك تدفع الفوائد على هذه الحسابات ومن ثم فإن ربح البنك هو الفرق بين الفائدة الدائنة والمدينة. ولكنها تتميز بأنها أكثر أنواع الودائع استقرارا لأنها مربوطة بمدة زمنية محددة ومن ثم تكون متوفرة للبنك خلال تلك الفترة.
٢- الفائدة هلي الودائع الآجلة:
مع وجود الاختلاف بين أنواع الحسابات الآجلة، فالذي عليه العمل في البنوك هو تحديد سعر الفائدة على هذه الودائع في اليوم الأول، ويكون ذلك هو السعر السائد عند الإيداع، وعندما تكون الفوائد ثابتة غير متغيرة –وهو الحالة الغالبة-يستمر العمل بذلك المعدل من الفائدة بصرف النظر عن التغيرات التي تحدث في ذلك المعدل فيما بعد. وتستحق الفائدة في نهاية المدة وتدفع عندئذ. فإذا كان سعر الفائدة في يوم الإيداع ٦ % وكانت الوديعة لمدة ستة أشهر ثم انخفض السعر في السوق إلى ٤ % لم يتأثر العميل بذلك واستحق من البنك ٦ %. وعكس ذلك صحيح. أما إذا كانت فائدة متغيرة (معومة) فإن ما يستحق العميل هو الفائدة الجارية (أو معدل فائدة معتمد على الفائدة الجارية) محسوب على أساس يومي لمدة ستة أشهر.
ويحدد البنك المركزي في كثير من البلدان سعر الفائدة على الودائع الآجلة. إلا أن الاتجاه عالميا هو نحو التحرر من القيود وترك الأسعار تتحدد بتفاعل قوى العرض والطلب.
стр. 14328
٣- المنافع المتحققة لصاحب الحساب الآجل:
يتمتع صاحب الحساب الآجل بجل المنافع المتحققة لأصحاب الحسابات الجارية التي سبقت الإشارة إليها فيما عدا تلك المتعلقة بالسحب من الحساب، إذ لا يسمح له بذلك ومن ثم لا يمنح دفتر شيكات ولا يستفيد من وديعته الآجلة في دفع المستحقات للآخرين وتنظيم حساباته ... الخ، على أن هذا النوع من الحسابات له ميزات لا تتوفر في الحساب الجاري منها:
أ- النماء:
المتمثل في الفائدة. والفوائد على هذا النوع من الحسابات تعد من أعلي أنواع المعدلات في عمل المصارف.
ب- إمكانية استخدام الوديعة كضمان:
وذلك للحصول على القروض من هذا المصرف أو المصارف الأخرى، أو بطاقات الائتمان أو غير ذلك من أنواع العمليات المصرفية وذلك لأن مبلغ الوديعة الآجلة محجوز لدى البنك لا يجوز لصاحبه السحب منه. ولا يتحقق هذا في الحسابات الجارية إلا في حالات الحجز عليها بالاتفاق مع العميل.
٤- طبيعة العلاقة التعاقدية بين البنك وصاحب الآجل:
لا خلاف في أن المودع في الحساب الآجل هو مقرض للبنك يسري عليه ما سبق ذكره عند الحديث عن العلاقة التعاقدية في الحسابات الجارية، فهي قرض لا وديعة. ويضاف إلى أسباب خروج الودائع الآجلة عن تعريف الوديعة أن قصد التعاقدين ليس الحفظ وإنما النماء والتثمير وتحصيل الربح، وأن البنك يقترض من هذا العميل بالفائدة، وأن الربا بينهما ظاهر جلي ويتمثل في الزيادة المشروطة لذلك العميل المقابلة للأجل في القرض. ولا تختلف القوانين الوضعية عن الأحكام الشرعية في تصور هذه العلاقة.
٥- أنواع أخرى من الحسابات الآجلة:
ظهرت في السنوات الأخيرة أنواع متعددة من الحسابات التي وإن دخلت في المفهوم العام للحسابات الآجلة إلا أنها تتضمن مميزات جديدة أضيفت إليها لتناسب رغبات شرائح معينة من المستثمرين. ومنها شهادات الإيداع، حيث يصدر البنك لصاحب الوديعة الآجلة شهادة تكون في الغالب نمطية (أي بوحدات مثل ١٠٠٠، ٥٠٠٠، ١٠.٠٠٠ دولار ... الخ) ومدد محددة مثل، (شهر ستة أشهر، سنة ... الخ) . ويكون بعضها قابلا للتداول بحيث يمكن لحامل الشهادة بيعها عن طريق البنك إلى جهة أخرى إذا رغب في الحصول على النقد.
стр. 14329
ثامنا: حسابات التوفير:
تعد حسابات التوفير مرحلة وسطى بين الحسابات الجارية والحسابات الآجلة. وهي مخصصة بصفة أساسية لذوي الدخول المتدنية الذين يرغبون في تثمير ما فاض من الأموال عن حاجتهم الآنية، لكن ثروتهم هي من الصغر بحيث إنهم ربما يحتاجون في أي وقت إلى هذه الأموال على قلتها.
والودائع في الحسابات الجارية، شأنها شأن الحسابات الأخرى، قروض البنك فيها مدين والمودع دائن. ومع ذلك فإن بينها وبين الحسابات الجارية والحسابات لأجل اختلاف لعل أهم أوجهه هي:
١-تختلف عن الحسابات الجارية في أن المودع في حسابات التوفير لا يحصل على دفتر شيكات ومن ثم لا يمكنه إحالة الأطراف الأخرى على البنك، كما يختلف في أن البنك يدفع على الأرصدة في حساب التوفير.
٢-ويختلف عن الحسابات الآجلة في أن المودع في حسابات التوفير يحمل ما يسمى بالدفتر وهو سجل موثق من البنك برصيد حسابه. ويستطيع أن يسحب من حسابه بإبراز ذلك الدفتر لأي فرع من فروع البنك. (١) فهي قروض حالة مدفوع عليها الزيادة بخلاف الحسابات الآجلة إذ لا يسمح لصاحبها بسحب نقوده قبل حلول الأجل.
стр. 14330
تاسعا: الحسابات في البنوك الإسلامية
سعت البنوك الإسلامية منذ ظهورها إلى تقديم البدائل المناسبة لصيغ الاستثمار وأنواع الخدمات المصرفية التي اعتادت البنوك التقليدية تقديمها، مع الحرص على أن تكون تلك الصيغ والخدمات مقبولة من الناحية الشرعية.
ولذلك نجد هذه البنوك تقدم الحسابات الجارية لعملائها، ويقدم بعضها أشباه الحسابات الآجلة معتمدا في ذلك على صيغة المضاربة لا القرض ... إلخ.
١- الحسابات الجارية:
لا تختلف الحسابات الجارية في البنوك الإسلامية –من حيث مصادر الأموال-عنها في البنوك التقليدية، فهي قروض، المدين فيها البنك والدائن العميل. وهي قروض حسنة (بدون فوائد) حالة (غير آجلة) ، ويمكن لصاحبها أن يسحبها مستخدما دفتر الشيكات أو يحيل عليها بأي وسيلة أخرى. ولا يحصل صاحب الأموال في الحساب الجاري على الربح لأن طبيعة علاقته مع المصرف معتمدة على صيغة القرض فأمواله مضمونة على المصرف وكل زيادة عليها هي من الربا.
ويصح على هذا النوع من الحسابات الجارية ما سبق ذكره من ناحية كونها قروضا تجر نفعا يتمثل في الخدمات الملحقة بالحسابات الجارية وقد سبق تفصيل ذلك آنفا.
وهذه الأموال وإن اشتبهت من حيث مصادرها في مثليها في البنوك التقليدية فإنها تختلف من حيث استخداماتها. ذلك أن هذه الأموال إنما يستخدمها البنك الإسلامي في أنواع التمويل المباحة التي لا تتضمن الفائدة.
ولأنها مضمونة عليه، صار له أن يستأثر بما يحقق عنها من الأرباح إذ الخراج بالضمان.
٢- تبادل الودائع:
لا غنى لأي مصرف عن الاعتماد في كثير من نشاطاته على المصارف الأخرى ولذلك يكون له عند المصارف الموجودة في منطقة نشاطه وبعض الموجودة في البلدان الأخرى حسابات مصرفية. وتستخدم هذه الحسابات بشكل أساسي (كما فصلنا ذلك آنفا في الفقرة ١/٤) ، في الحوالات بين البنوك وما شابه ذلك. وفي البنوك التقليدية تكون هذه الحسابات على صيغة الحساب الجاري المدين فهي إذا انخفض رصيدها فأصبح دون المطلوبات سد البنك الفرق وحمل ذلك الحساب بالفوائد.
وحاجة البنوك ماسة إلى الحسابات المتبادلة، فلا غنى للبنوك الإسلامية عن ذلك سواء فيما بينها أو مع البنوك التقليدية، إلا أنها غير ممكنة بطريق الفائدة، ولذلك تبنت بعض البنوك الإسلامية صيغة الودائع المتبادلة، فهي تفتح حسابا في أحد البنوك وتودع فيه مبلغا من المال ثم تحيل عليه بأنواع الحوالات لمدة حتى ينضب ما فيه، عندئذ يقوم البنك (المفتوح عنده الحساب) بكشف الحساب (بجعله مدين) بمبلغ مساو لما كان مودعا فيه ولنفس المدة. (١) وقد أجازت ندوة البركة الرمضانية في عام ١٤١٣ صيغة الودائع المتبادلة. وغني عن الذكر أنه إذا اشترط فيها اختلاف المدد أو المبالغ وقعت في الربا، على أننا نشك بإمكان تطبيقها مصرفيا دون مثل تلك الشروط.
стр. 14331
٣- الحسابات الاستثمارية:
تشبه الحسابات الاستثمارية في البنوك الإسلامية أنواع الحسابات الأخرى من حيث إنها قيود في دفاتر البنك، إلا أنها تختلف عنها في أنها معتمدة على صيغة المضاربة لا القرض. فالحسابات الاستثمارية في المصارف الإسلامية هي البديل للحسابات الآجلة في المصارف التقليدية، فالغرض منها إيجاد فرصة النماء لأموال العميل عن طريق استثمارها وتحقيق الأرباح بدلا عن الفوائد. وربما كانت المضاربة مخصصة (حساب الاستثمار المخصص) فيستخدم البنك الأموال فيما اتفق عليه مع العميل وربما تكون مطلقة (حساب الاستثمار العام) هي أشبه ما تكون بصيغة (اعمل فيه برأيك) فيكون مفوضا في استثمار الأموال في النشاطات التي يراها مناسبة وتبين استمارة فتح الحساب الاستثماري كل هذه الأمور؛ لأنها صيغة التعاقد بين البنك والعميل. والواجب أن يذكر فيها مسألة إذن العميل (رب المال) للبنك (المضارب) بخلط ماله بمال المضاربة، وتقديم مال المضاربة لمستثمر آخر على أساس المضاربة أو المشاركة، أو العمل بالمرابحة ... إلخ. لكن ذلك قليلا ما يحدث، إذ المعتاد أن لا تنص هذه الاستمارة على مثل هذا التفصيل.
اختلفت البنوك الإسلامية في هذه المسألة إلى ثلاث فرق: الأولي: تقتصر على تكوين صناديق الاستثمار (التي سيأتي الحديث عنها لاحقا) والثانية: تقدم حسابات استثمارية تشبه في إجراءاتها ما اعتاد عليه الناس في البنوك التقليدية، والثالثة تجمع بين الأمرين. وسنعرض أدناه لأنواع الحسابات الاستثمارية في هذه البنوك.
стр. 14332
٤- طبيعة العلاقة التعاقدية بين البنك والمودعين في الحسابات الاستثمارية:
لا تظهر الطبيعة الخاصة والصبغة الإسلامية لعمل البنك كمثل ظهورها في الحسابات الاستثمارية. ذلك أنها معتمدة على صيغة المضاربة المتوازية أو (المضارب يضارب) . ذلك أن المودع في هذه الحسابات هو رب مال في عقد مضاربة يكون البنك فيه العامل، فيقوم الأخير باستثمار الأموال واقتسام ما يقسم الله من ربح من رب المال على ما اتفقا عليه في العقد. ونظرا إلى أن الوظيفة الأساسية للبنك هي الواسطة المالية وليست مباشرة التجارة والصناعة ومزاحمة رجال الأعمال والمنظمين في تجارتهم ونشاطهم وإنما هي مساعدتهم بتوفير التمويل لمشاريعهم، لذلك فإن البنك يقدم هذه الأموال إلى المستثمرين بصيغة المضاربة أيضا، فيكون هو (أي البنك) رب مال والمستفيد من رجال الصناعة والتجارة هو العامل، ويقتسمان الربح على ما اتفقا عليه. فيكون عمل البنك عندئذ مضارب يضارب. ويد المصرف في هذه الأموال يد أمانة لا ضمان، ولذلك كان على العميل أن يتحمل ما يحدث في المال من خسارة إذا كانت بغير تعد أو تقصير من المضارب.
وتقوم البنوك بخلط أموال المستثمرين مع جزء من الودائع الجارية. ذلك أن الودائع الجارية هي قروض حسنة ولذلك فهي مضمونة على البنك ومن ثم له أن يستثمرها لنفسه. وعندما يفعل ذلك تكون الصيغة التي يعمل بها البنك هي المضاربة مع خلط الأموال، أي أن المضارب (البنك) يعمل بأموال أرباب المال (المودعين) ويخلطها بأمواله الخاصة. فيحصل على الربح من مصدرين، الأول باعتباره مضارب، والثاني باعتباره شريكا في هذه الأموال.
стр. 14333
٥- التنضيض الحكمي:
اقتضت طبيعة عمل المصرف كوسيط مالي ضرورة أن تكون فرص الاستثمار وتنمية أموال المودعين التي يوفرها لعملائه ذات درجة عالية من السيولة بالمعنى أن أصحابها يمكن لهم تحويلها إلى نقود في وقت قصير وبتكاليف متدنية. ومعلوم أن الاستثمار في المشاريع الصناعية والزراعية والإنشائية الذي توجه إليه أموال أولئك العملاء لا يتضمن لهذه الصفة بل يستغرق وقتا طويلا ولا تتحقق الأرباح إلا بعد تخطي المشاريع لمراحل التأسيس التي ربما استمرت سنوات. وحتى في الأحوال العادية فإن الأرباح في المشاريع القائمة لا توزع إلا في نهاية العام عند إصدار الميزانيات السنوية. وفي الجهة المقابلة فإن العملاء الذين يودعون أموالهم في الحسابات الاستثمارية لدى البنك لا تجتذب أموالهم لمثل ذلك إلا إذا توفرت لهم السيولة وعند اطمئنانهم إلى أن بإمكانهم سحب تلك الودائع في مدة معقولة. إذن فإن البنوك تواجه هدفين متناقضين فهي من جانب الأصول (بمعناها المحاسبي) لا بد أن تكون استثماراتها ذات نظرة طويلة الأجل، ومن حيث الخصوم (بالمعنى المحاسبي) لا بد أن تكون استثماراتها ذات نظرة قصيرة الأجل. ولا ريب أن هذا الوضع يولد مصاعب كثيرة حتى ضمن صيغة العمل المصرفي التقليدي، إلا أنها في النظام المصرفي الإسلامي تولد مصاعب إضافية. ذلك أن عمل المصرف الإسلامي يقوم على صيغة المضاربة فالمودعون في الحسابات الاستثمارية هم أرباب مال في عقد مضاربة يكون المصرف فيه عاملا. والربح كما هو معلوم لا يتحقق في المضاربة إلا بالتنضيض وسلامة رأس المال والقسمة. عندئذ فحسبما يظهر تحقق الربح (أو عدمه) ويجري التوزيع بين العامل ورب المال بحسب ما اتفقا عليه. وهذا أمر غير ممكن في ظل عمل المصرف للأسباب التالية:
١-ما ذكرنا آنفا من أن عملاء البنوك يهتمون بمسألة السيولة وتناقض ذلك مع حقيقة أن المشاريع تحتاج إلى وقت لتحقيق الربح.
стр. 14334
٢-أن المصرف، وإن كان في أصله مضاربا، فإن نشاطه مستمر، فهو يقف مستعدا لقبول ودائع العملاء في أي وقت يقدمونها. وهو وإن حدد أوقاتا معينة لقبول تلك الودائع، فإن طبيعة عمله تقتضي أن تكون تلك الأوقات متقاربة، مثل أن تكون اليوم الأول من كل أسبوع، أو مرة في كل أسبوعين أو نحو ذلك. ثم إن أرباب الأموال الجدد إنما يضيف المصرف أموالهم إلى من سبقهم، الأمر الذي يحتاج معه إلى التحقيق من سلامة رأس المال القديم وما إذا كان الربح قد تحقق أم لا.
ولما كان من المحال أن يعمد المصرف في كل أسبوع أو شهر أو نحو ذلك إلى التنضيض الشرعي وهو صيرورة المال نقدا في المضاربة بعد إن كان متاعا أي سلعا وبضائع. (١) فكان المخرج من كل هذا هو التنضيض الحكمي. ويمكن تعريف التنضيض الحكمي بأنه تقويم أحوال المضاربة في نهاية الفترة المتفق عليها (كسنة أو شهر أو أقل من ذلك أو أكثر) واعتماد ذلك التقويم أساسا لتوزيع الأرباح ورد رأس مال من يرغب من أرباب المال بدون تصفية فعلية للمضاربة. وربما تكون تلك الأصول استثمارات في مشروعات مختلفة أو سلعا أو منشآت عقارية أو ديونا.
ويكثر استخدام هذه الطريقة في البنوك الإسلامية في الودائع الاستثمارية وفي صناديق الاستثمار التي تديرها البنوك وذلك لتحقيق الاستمرارية في نشاط المصرف ومعالجة مشكلة عدم التوافق في مدد الأصول والخصوم. وقد تعرض قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (٥) في دورته الرابعة في سنة ١٤٠٨هـ الموافق ١٩٨٨م إلى مسألة التقويم لمعرفة الربح فأجاز ذلك في صيغة سندات المقارضة وهي شبيهة بما نحن بصدده.
وتعتمد فكرة التنضيض الحكمي إلى إجراء تصفية محاسبية لكل المشاريع التي تستثمر الأموال فيها والتعرف –بطريق الحساب-على مسألة سلامة رأس المال والربح. ويمكن أن يقوم المصرف بهذه العملية متى شاء (مرة كل أسبوع أو أكثر أو أقل) . وعندها يتبين له ما ذكر، يقوم عندئذ برد أموال من رغب في سحب أمواله من المودعين ويقوم بتوزيع الربح على عملائه، كما يقبل عندئذ – وقد تبين له الموقف- أموال المودعين الجدد فيبدءون دورة جديدة مع من استمر من المودعين القدامى. وتتحقق القسمة لن البنك وهو المضارب يقوم بحسم نصيبه من الربح بناء على التنضيض الحكمي. وتعتبر نتائج عملية التنضيض الحكمي –نهائية-فلا يعودون إلى مستثمر سحب نقوده مع ربح إذا تحققت الخسارة فيما بعد ولا عكس ذلك.
د. محمد علي القري
стр. 14335
الودائع المصرفية
حسابات المصارف
إعداد
د. حمد عبيد الكبيسي
عميد المعهد الإسلامي العالي لإعداد الأئمة بالعراق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هديهم إلى يوم الدين. وبعد:
فهذا بحث موجز عن الودائع المصرفية أعددته ليكون ضمن بحوث الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي. ووفق الخطة التي تلقيتها من فضيلة الأمين العام للمجمع الأستاذ محمد الحبيب ابن الخوجه حفظه الله. مع تقديم أو تأخير لبعض الفقرات اقتضاه النظر في التنسيق والتبويب مع عدم الإخلال بما طلبته الأمانة العامة للمجمع من مسائل.
وقد تضمن البحث الموضوعات التالية:
١- مفهوم الوديعة المصرفية.
٢- الوديعة في الفقه الإسلامي.
٣- تقسيم الودائع المصرفية.
٤- التصور الشرعي للوديعة الجارية، وضمانها، واستخدامها كرهن أو ضمان. وحجزها (التجميد والمقاصة)
٥- التصور الشرعي للوديعة الاستثمارية، ورهنها وكيفية إدراجها، واستحقاق الربح أو تحمل الخسارة في سحب جزء منها قبل نهاية المدة.
والله أسأل أن يجنبنا الهوى والزلل والضلال، وأن يسدد خطانا إنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 14336
١ -الوديعة المصرفية:
أ- مفهومها:
هي الأموال التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى المصرف على أن يتعهد برد مساو لها إليهم أو نفسها لدى الطلب أو بالشروط المتفق عليها. (١)
وقد عدل بعض الكاتبين في الاقتصاد الإسلامي عن مصطلح الوديعة المصرفية إلى عبارة الحسابات المصرفية؛ لأن ما تسميه المصارف ودائع مصرفية لا ينطبق عليها تعريف ولا أحكام الوديعة في الشريعة الإسلامية. (٢)
وهذا هو ما لاح لواضعي قائمة الموضوعات المقترح كتابة البحوث فيها في المجمع الفقهي إذ وضع عبارة حسابات المصارف بين قوسين بجنب عنوان الموضوع الرابع (الودائع المصرفية) .
ب- مميزاتها وخصائصها:
تتميز الودائع المصرفية من حيث العموم بأنها توفر حفظ الأموال وصيانتها من السرقة والهلاك. وتوفر تسهيل التعامل التجاري وطريقة الدفع أو السداد، وتيسير المعاملات الأخرى التي تقدمها المصارف لعملائها.
ومن خصائصها أنها لا تستحق أي عائد أو ربح في المصارف الإسلامية، بل أنه يحق لهذه المصارف أن تتقاضى عليها أجرا أو عمولة في مقابل ما يمنحه لأصحابها من امتيازات.
على عكس ما عليه العمل في معظم المصارف الربوية حيث تقوم بعض هذه المصارف بهدف زيادة نسبة هذا النوع من الحسابات في بعض الأحيان بمنح فوائد محددة لأصحاب هذه الحسابات متى ما زاد حجم حسابهم الجاري عن مبلغ معين.
стр. 14337
ج- أهمية الودائع لعمل المصارف:
تعتبر الودائع المصدر الرئيسي للأموال التي يعتمد عليها المصرف في أنشطته وفي عملياته المختلفة، بل تعتبر هي عماد موارده وأهم مصادر التمويل له.
وتسعى المصارف سعيا (حثيثا) وتتخذ وسائل متعددة لتوسيع مواردها من الودائع وتتنافس فيما بينها لاحتواء أموالها للاستفادة منها ولتوظيفها فيما يعود عليها بالربح والفائدة العالية إذ هي موارد للمصارف ليس فيها تكلفة وأغلبها ودائع جارية أو تحت الطلب، لا تدفع عليها البنوك فائدة. ولا تغرم من جراء استلامها وحفظها غرما ماليا. وتتفنن في إبقائها لديها أكبر مدة ممكنة.
٢- الوديعة في الفقه الإسلامي:
أ- تعريفها:
عرف الحنفية الوديعة (بمعنى الإيداع) بأنها تسليط الغير على حفظ ماله وبمعنى المال المودع، بأنها: المال الذي يترك عند الأمين. (١)
وعرف المالكية الوديعة بمعنى الإيداع بأنها توكيل على مجرد حفظ المال، أو أنها مجرد حفظ الشيء المملوك الذي يصح نقله إلى الوديع.
وبمعنى الشيء المودع بأنها عبارة عن شيء مملوك ينقل مجرد حفظه إلى الوديع. (٢)
وعرفها الشافعية بأنها: العقد المقتضي للاستحفاظ: أو العين المستحفظة به حقيقة فيها. (٣) فهي عندهم بمعنى الإيداع: إنابة من المالك أو وكيله لآخر على حفظ مال أو مختص لحفظه لمالكه. وبمعنى الشيء المودع اسم للمال أو المختص المحترم الذي يوضع عند الغير لحفظه لصاحبه.
وإلى مثل هذا التعريف ذهب الإمامية (٤) .
وعرفها الحنابلة بمعنى العين المودعة بأنها المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض وبمعنى الإيداع بأنها توكيل في حفظه تبرعا. (٥) .
وبمثل تعريف الحنابلة للوديعة عرفها الزيدية (٦) .
стр. 14338
ب- أركانها:
يقول ابن النجار: وتعتبر للوديعة أركان وكالة (١) . فركنها الإيجاب صريحا أو كناية أو فعلا. والقبول صريحا أو دلالة من أهل معتد بتصرفه.
ج- أحكامها:
هي عقد جائز بين طرفين، ومتى أراد المودع أخذ وديعته لزم المستودع ردها، وليس على المستودع ضمان إذا تلفت إلا لخيانة أو تفريط (٢) .
إلا أنه قد يعرض لجواز العقد من الظروف والأسباب ما يجعلها داخلة في نطاق حكم آخر من الأحكام الشرعية.
فقد تكون مندوبة للمستودع مباحة للمودع إذا ما اشتبه عليه قيام عارض يؤدي إلى تلفها.
وقد تكون واجبة عليه إذا تيقن تلفها إذا لم يودعها. ويحرم على المستودع قبولها إذا تيقن العجز عن حفظها.
فالأصل في الوديعة الإباحة والجواز. وقد يعرض لها ما يجعلها واجبة أو مندوبة، أو محرمة أو مكروهة.
د- شروطها:
ذكر الفقهاء شروطا للوديعة هي شروط للمال أو المختص، من قابليته لوضع اليد عليه ومن إثبات اليد عليه عند الاستحفاظ. وتناولوا ما إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمانها فقبله أو قال: أنا ضامن لها. فبين جمهورهم أنه لا يضمن وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر وأحمد. وذلك لأنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه. (٣) .
وفرق بعض الحنفية بين أن تكون أمانة: فلا تضمن. أو كانت بأجر فمضمونة (٤) .
وتناول فقهاؤنا فروعا في إطار بحثهم لأحكام الوديعة وشروطها.
стр. 14339
الأول: خلط الوديعة.
والثاني: استعمال الوديعة.
والثالث: أخذ الأجرة عليها.
الأول: خلط الوديعة.
الأصل أن تكون الوديعة معزولة عن مال المستودع. محفوظة أمانة بذاتها لصاحبها.
إلا أنه قد يقع الخلط. فإذا كان الخلط بفعل المودع أو بإذنه، أو كان الخلط دون تفريط من المستودع، أو كان منه وتيسير التمييز فلا ضمان إذ لا ضرر ولا نقص يلحق صاحب المال.
أما إذا كان بتفريط من المستودع أو كان خلطا يتعذر معه التمييز كخلط الشيء بجنسه فإنه يضمن الضرر الذي قد ينجم من الخلط. (١)
الثاني: استعمال الوديعة
إذا تعدى المستودع فاستعمل الوديعة ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة فإن الحنفية ذهبوا إلى أنه لا يضمنها لأنه ممسك لها بإذن مالكها فأشبه ما قبل التعدي.
وذهب الجمهور إلى قيام الضمان لأنه تعدى بالاستعمال فبطل الاستئمان. (٢)
وإذا تعدى على الوديعة فتاجر بها وربح فقد اختلف الفقهاء فيه. فذهب الجمهور إلى أنه إذا رد المال طاب له الربح. وذهب بعضهم إلى أنه يرد المال وديعة ويتصدق بالربح.
وقال بعضهم: لرب الوديعة الأصل والربح. ويلاحظ أن من اعتبر التصرف قال: الربح للمتصرف. ومن اعتبر الأصل قال: الربح لصاحب المال. (٣)
الثالث: أخذ الأجرة على حفظ الوديعة
وقد اختلف الفقهاء فيها:
ومنهم من أجاز أخذ الأجرة على حفظ الوديعة وعلى حرزها (٤) . ومنهم من منع أخذ الأجرة على الحفظ والحرز. (٥)
ومنهم من فصل فجوز الأخذ على الحرز لا على الحفظ. (٦)
والراجح من هذه المذاهب، مذهب من أجاز الأخذ تحقيقا للمصلحة، لأن القول بعدم الجواز يؤدي إلى صرف الناس عن قبول الوديعة، فتتعطل المصالح التي شرعت من أجلها وجازت الوديعة.
٣- تقسيم الودائع المصرفية
تتنوع الودائع المصرفية بحسب طبيعة إيداعها وتاريخ استردادها إلى ثلاثة أنواع:
الأول: ودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) تكييفها الشرعي وضمانها.
ويقصد بها الحسابات التي يقوم أصحابها بفتحها في البنك لإيداع أموالهم بغرض حفظها والتعامل اليومي بها بقصد أن تكون حاضرة للتداول والسحب عليها عند الحاجة لها وبمجرد الطلب، ودون توقف على أخطار سابق.
ويكيف هذا الحساب بأنه يأخذ حكم الوديعة في الشريعة الإسلامية في الرأي الراجح لأن البنك ملتزم بردها كاملة إلى أصحابها عند الطلب ولا يعكر على هذا الرأي أن البنك يستخدم هذه الوديعة، وهذا يعتبر خيانة لها إذا اعتبرت وديعة حقيقية، وأن المخرج من هذا أن تعتبر قرضا.
ذلك أن بعض فقهائنا يعدون التصرف بالوديعة لا يرقى إلى مرتبة الحرمة إذا كان الوديع مليئا. وعلل الدردير عدم حرمة تصرف المودع لديه بالوديعة المثلية كالنقود ونحوه بقوله: (ولم يحرم لأن المليء غير المماطل مظنة الوفاء مع كون مثل المثل كعينه التصرف الواقع فيه كلا تصرف. إلى أن قال: والربح الحاصل من التجارة للمودع – بالفتح - فإن كان الوديعة نقدا - أو مثليا فلربها المثل) (٧)
وإن تهمة خيانة الأمانة مندفعة بأن المودع رضي باستخدامها، ومن جهة أنه يعلم أن المصرف سوف يتصرف بهذه الأموال وفق العرف المصرفي. (٨)
وهذا التكييف يساعد على تيسير إخضاع بعض المعاملات المصرفية لأحكام الشريعة الإسلامية كما في حالة استعمال الوديعة أداة لوفاء دين.
وكذلك حالة ما لو استعملت وسيلة للدفع فلو اشترى صاحب الحساب بضاعة بما يملكه من ذلك الحساب فإذا اعتبرنا هذا الحساب قرضا فإن هذا العقد يكون صحيحا في حالة استلام البضاعة مباشرة بخلاف ما لو كانت البضاعة مؤجلة فإنه يكون عقدا باطلا شرعا لأنه من باب بيع دين بدين.
وهذا لا يرد مع اعتبار الحساب وديعة حقيقية. إضافة إلى إسهام هذا التكييف في المحافظة على حقوق صاحب الوديعة وإبعاده عن التعرض لمخاطر لم تتجه لها إرادته عند إبرام العقد.
стр. 14340
وزيادة في الاحتياط يذكر بعض الباحثين أنه يراعي تضمين الطلب المقدم من قبل العميل لفتح حساب جار ما يأتي:
أ-الإذن الصريح للمصرف بالتصرف في الأموال التي يودعها لديه.
ب-النص صراحة على عدم استحقاق هذا النوع من الإيداع لأي نصيب من الأرباح. (١)
ولكن ينبغي مراعاة أن هذا الإذن بالتصرف في الوديعة في الحساب الجاري بنقل المال من أمانة المصرف إلى ذمته وتصير دينا من الديون. فتقوم المعوقات الشرعية في بعض الصور إذا أريد استعمال المال وسيلة للدفع أو أداة لوفاء دين.
الضمان
أما ضمان الحسابات الجارية فإنه على المساهمين وحدهم ذلك أن يد المصرف على هذا الحساب يد ضمان عند جمهرة الفقهاء.
وعلة هذا أن المصرف يقوم بخلط هذه الوديعة بغيرها ويستثمر الجزء الأكبر منها. ومن المقرر عند جمهور الفقهاء أنه ليس للوديع أن ينتفع بالوديعة، فإذا انتفع كان متعديا، فإذا تلفت ضمنها، وإذا أذن له المودع بالانتفاع صارت عارية مع بقاء عينها وقرضا إذا لم يبق عينها، والقرض مضمون برد المثل. (٢)
والمالكية ذهبوا إلى أن مجرد خلط الوديعة بغيرها خلطا يتعذر معه التمييز يجعل الوديعة مضمونة إذا كان لغير الحفظ والإحراز. (٣) . والمصرف يخلط النقود المودعة مع بعضها للتصرف بها. وكذلك الحال إذا كان التصرف غير مأذون به، فقد نص المالكية على أن (من اتجر بالوديعة فذلك مكروه والربح له لأنه ضامن) . (٤)
وعلى كل الأحوال فإن هذا التصرف إنما هو من المؤسسين ممثلين بمجلس الإدارة والموظفين المخولين. فالضمان عليهم وحدهم ولا دخل للمودعين الآخرين بهذه التبعة وبهذا الضمان.
стр. 14341
استخدام الحساب كرهن أو ضمان
ومما يتعلق بهذا النوع من الودائع مسألة استخدام العميل أمواله المودعة في حساب جار كرهن، واستخدامها كضمان. أما عن استخدام الحساب الجاري كرهن: فمعلوم أن الرهن يشترط فيه القبض لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] فلا يتصور أن يشتري الإنسان شيئا من آخر بثمن آجل ويرهن عنده نقودا. ولكن يتصور هذا إذا اعتبرنا المصرف الذي فيه الحساب هو العدل، أي الطرف الثالث الذي يرتضيه المتعاقدان ليكون الرهن بيده.
فإذا اعتبرنا الحساب قرضا في ذمة المصرف فهل يكون هذا الدين رهنا أو ضمانا لما جرى بين العاقدين.
ذهب المالكية إلى جواز أن يكون المرهون دينا. (١) وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرهون ينبغي أن يكون مالا متقوما يجوز بيعه ولا يصح رهن مالا يصلح بيعه لأن المقصود من الرهن الاستيثاق للدين باستيفائه من ثمن المرهون عند تعذر استيفائه من الراهن. (٢)
وعلى كل حال: فما دام صاحب الحساب الجاري مخيرا بالسحب من حسابه متى شاء فإنه مليء يشتري بالنقد لا بالدين فلا ترد قضية الرهن والضمان في حقه، ولكن من حق صاحب الحساب أن يضمن غيره في حدود حسابه الجاري.
المقاصة من الحساب:
وهناك مسألة تجميد الحساب الجاري وحق المقاصة منه، فإذا كان على صاحب الحساب الجاري حق مقر به، للمصرف أو لغيره أو كان مماطلا وعلى بينة؛ فإنه لا يجوز الأخذ من حسابه مقاصة إلا ما يبذله هو ويعطيه. أو يصدر بالتجميد أو المقاصة حكم قضائي.
وأما إذا كان جاحدا للحق ظالما لصاحبه ولا قدرة لصاحب الحق على حمله على الإقرار فذهب الشافعية وجمهور المالكية إلى جواز الأخذ بقدر الحق من الوديعة مطلقا أي سواء كانت الوديعة من جنس الحق أو من غيره. على أن يحترس الأخذ من أن يصيبه ضرر بسبب الأخذ. يقول الدردير: (والمذهب أن له (أي المودع) الأخذ منها بقدر حقه إن أمن العقوبة والرذيلة وربها ملد أو منكر أو ظالم) (٣)
стр. 14342
ويشهد لهذا المذهب قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ويشهد لهذا المذهب من السنة أيضا ما ورد من قول رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف.)) في الحديث الصحيح. (١)
واستند الشافعية إلى هذا الحديث فأجازوا الأخذ وإن كان يقدر على الأخذ بالقضاء لأن عليه في المحاكمة مشقة. (٢)
ونقل عن الإمام مالك ﵀ القول بعدم جواز الأخذ من الوديعة مقاصة مطلقا. (٣)
لعموم أدلة وجوب رد الأمانة إلى أهلها، والوديعة أمانة عند المودع. وذهب بعضهم إلى جواز الأخذ مقاصة بقدر الحق إن كانت من جنسه. فإن اختلفا جنسا لا يجوز لأن أخذ غير الجنس من باب المعاوضة وهي لا تجوز إلا برضاء الطرفين. وهو غير موجود فيها. (٤)
وأجاز الشافعية الأخذ من غير الجنس ولكن لا يتملكه بل يبيعه ويصرف ثمنه في حقه. (٥)
ولا يخفى رجحان ما ذهب إليه الشافعية من جواز المقاصة وأخذ الحق ممن وجب عليه إذا كان ممتنعا وإن كان يقدر صاحبه على أخذه بالقضاء بأن تكون له بينة. لقوة سنده ولأن فيه دفعا لمشقة اللجوء إلى المحاكم. وردعا عن المماطلة في الوفاء بالحقوق ودفعا للظلم والعدوان. وهذا هو ما يمكن أن يكون سندا شرعيا للمصرف وهو بصدد تجميد الحساب الجاري وحجزه على أموال العميل المودعة في حساب جار تصفية لحقوق عليه ناشئة من عمليات أخرى.
стр. 14343
الثاني حسابات التوفير: (الودائع الادخارية)
وهي الحسابات التي يحتفظ المودعون على أساسها بدفتر توفير تسجل فيه عمليات السحب والإيداع وفق ضوابط المصرف وقواعده.
وتهدف المصارف من خلال هذه الودائع إلى تشجيع الناس على الادخار.
وتصرف البنوك الربوية فائدة على هذه المدخرات مع تمكين المودعين من السحب من هذه الحسابات في ضوء شروط يضعها المصرف ويوافق عليها صاحب الحساب. أما المصارف الإسلامية فإنها لا تدفع فوائد عن هذه المدخرات، ولكن تجيز لصاحب الحساب أن يحوله إلى حساب استثماري في عمليات المضاربة أو غيرها من الأنشطة التجارية التي يجتازها صاحب الحساب. أو يبقى المصرف جزءا منه بمثابة سائل نقدي ليتدارك احتياجات صاحب الحساب. وفي كلا الحالين فإن لصاحب دفتر التوفير أن يسحب حسابه كله متى أراد.
ويمكن تكييف هذه الودائع من الناحية الشرعية من زاويتين.
الأولى: بالنظر لتلك الحصة التي يخصصها المصرف لتسديد سحوبات المودع وفقا لاحتياجاته وهذه بمثابة الحساب الجاري وحكمه الجواز ما دام لا تؤخذ عنه فوائد.
الثانية: بالنظر لتلك التي يختار لها صاحبها أن تدخل في حساب استثماري مشترك، وهذا النوع جائز أيضا ما دام المودع يستحق نسبة من الأرباح الناجمة من الاستثمار ويتحمل ما قد يكون من خسارة وفقا لقواعد المضاربة أو المشاركة الأخرى. (١)
стр. 14344
الثالث: الحسابات الاستثمارية (الودائع الآجلة)
ويقصد بها: الودائع التي يضعها أصحابها في المصرف بناء على اتفاق بعدم السحب منها إلا بعد انقضاء فترة محددة. (١)
ويهدف أصحاب هذه الودائع إلى الحصول على الكسب المتمثل بالفائدة في المصارف الربوية أو الربح الحلال في المصارف الإسلامية التي تقوم باستثمارها في الأوجه المناسبة وبالطرق التي يراها دون تدخل من المودع.
ويستثمرها المصرف بنفسه أو مع شركاء آخرين، ويقوم المصرف في نهاية كل مدة محددة لعمله بتوزيع الأرباح الناجمة عن نشاطه لأصحاب هذه الحسابات.
وعادة ما يتوقف هذا على إعداد حسابات ختامية للمصرف وتقرير نسبة الأرباح التي ستوزع. (٢)
وبالرغم من وجود اتفاق بعدم السحب من هذه الحسابات إلا بعد انقضاء الفترة المحددة، فقد يطلب صاحب الحساب سحب وديعته كلها أو بعضها. قبل انقضاء موعد الاستحقاق.
وللمصرف في هذه الحالة رد الحساب لصاحبه أو الامتناع عن ذلك. وغالبا ما يعيد المصرف الحساب لصاحبه حفاظا على سمعته، وتسير المصارف الربوية على رد الحساب دون أن يكون له فوائد خلال المدة التي انقضت والمال في حوزته أو إقراض المودع بضمان حسابه مبلغا في حدود وديعته وبفائدة أعلى من فائدة الإيداع. (٣)
أما في المصارف الإسلامية فإن الأمر يبحث في إدارة النشاط الذي وظف فيه المال، فإن رأت الإدارة أن ظروف المودع تقتضي إجابته إلى طلبه بدون ضرر يلحق الآخرين فإنها تعيد المال لصاحبه إقالة لعثرة قد يكون المودع تعرض لها.
وعادة ما يلتزم المصرف أن يعطيه الربح الذي يستحقه خلال فترة الإيداع إن كان هناك ربح، مقابل أن يتعهد صاحب الحساب بتحمل الخسارة إن تبين من خلال الحساب الختامي أن هناك خسارة. (٤)
ويمكن تكييف هذا النوع من الحساب بأنه عقد شركة بين المودع والمصرف، وأن المصرف يتصرف بالحساب كتصرف العامل في المضاربة. (٥)
فما يأخذه صاحب الحساب من الأرباح المتحققة هو جزء مما نتج عن هذا العمل الاستثماري يستحقه باعتباره شريكا للمصرف وما يأخذه المصرف من هذه الأرباح باعتباره شريكا لصاحب الحساب وعاملا في ماله.
стр. 14345
وبهذا نصل إلى تحديد يد المصرف على المال. وبالتأمل في تكييف هذا الحساب بأنه مضاربة بين المصرف وصاحب المال: يتضح أن يد المصرف على هذه الودائع يد أمانة، ولا تضمن إلا بالتعدي. فالمودع يستحق جزءا من الربح إن تحقق، وفي حالة الخسارة فإن المصرف لا يتحمل أي شيء منها، بل هي على المودعين فقط. انسجاما مع قواعد المضاربة الشرعية، صحيح أن المصرف عادة لا يقوم باستثمار هذه الودائع بنفسه بل يقوم بإعطائها لمن يعمل فيها مضاربة، وأنه وسيط أو مضارب بمال المضاربة. فهذا لا يغير من طبيعة اليد على المال.
ولقد بحث فقهاؤنا حالة ما إذا كان المضارب وسيطا بين صاحب المال ومضارب آخر. فاتفقوا على أنه لا يملك هذا بمجرد عقد المضاربة؛ لأن صاحب المال رضي خبرته وأمانته لا خبرة وأمانة غيره. (١) لكن العمل في المصارف الإسلامية يجري على اعتماد التفويض العام له من قبل صاحب الحساب لأن يدفع المال لمضارب آخر.
وقد ذهب فريق من الفقهاء من الحنفية والحنابلة وغيرهم إلى أن التفويض العام من قبل رب المال للمضارب يكفي؛ لأن يدفع عامل المضاربة مال المضاربة لمضارب آخر.
ففي ضوء هذا الذي قرره هؤلاء الفقهاء من جواز هذه المضاربة بالتفويض العام فإن يد المصرف تكون يد أمانة وأن ما تقوم به هذه المصارف من استثمار لهذه الحسابات هو استثمار مشروع خاصة وأن إذن صاحب الحساب للمصرف باستثمار المال بهذه الطريقة إنما هو إذن متحقق بديهي لأنه يعلم أن المصرف لا يمكنه استثمار جميع هذه الأموال بنفسه مباشرة بل لا بد له من استخدام عاملين آخرين لاستثمار الأموال المودعة لديه.
وبيانا لوجه استحقاق المضارب الأول الربح يقول الكاساني: (لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه كما لو استأجر إنسانا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بنصف درهم طاب له الفضل؛ لأن عمل أجيره وقع له، فكأنه عمل بنفسه) . (٢)
стр. 14346
وبحث فقهاؤنا –﵏ مسألة خلط مال المضاربة بأموال أخرى. والذي ينسجم مع الواقع الاقتصادي لعصرنا وييسر أمر التعامل في المصارف الإسلامية ما ذهب أليه الشافعية، من جوازه بالتفويض العام (١) لأنه ينصرف إلى ما هو متعارف عليه عند التجار وفيه مصلحة للمضاربة خاصة حالة كون رأس المال المودع للمضاربة لا يغطي صفقة يرى المضارب أن فيها ربحا جيدا فيعمد إلى الخلط تحقيقا لمصلحة تعود على الأطراف كلها.
فإذا تحقق الربح فإنه يعطي لكل مال من الأموال المشاركة في هذه المضاربة نسبة تساوي نسبة مشاركته في المضاربة ويعطى المضارب (المصرف) النسبة المتفق عليها في تلك المضاربة.
وإذا وقعت خسارة فإنها تقسم على الأموال المشاركة في هذه المضاربة على نسبة مشاركتها فيها، ويكون الباقي بعد خصم نسبة خسارته هو الذي يستحقه أصحاب رؤوس الأموال، أما المضارب فلا يتحمل شيئا من تلك الخسارة. (٢)
نقرر هذا مع علمنا أن هناك من ذهب إلى ضمان مال المضاربة المشتركة على المضارب (البنك) إما بطريق التبرع للمودعين تشجيعا لهم على الإيداع. (٣) أو قياسا على الأجير المشترك الذي قال بضمانه المالكية وبعض الحنفية. (٤)
وأما ما نقله ابن رشد عن بعض الأئمة من قوله: (إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران.) (٥) فهذا جاء في سياق تصرف العامل بغير إذن رب المال.
سواء كان الخلط أو بتسليمه إلى مضارب آخر. بدليل أنه ذكر في أول كتاب القراض الإجماع على أنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد. (٦)
والذي يساعد على ما ذهبنا إليه ورجحناه اتفاق الفقهاء على أن الوضعية على رأس المال.
والقول بضمان المضارب المشترك يؤدي إلى جعل هذا المضارب مقترضا لا مضاربا ومن ثم يكون ما يدفعه للمستثمرين فيه شبهة الربا، أو هو الربا بعينه.
стр. 14347
٨- رهن الوديعة الاستثمارية
إن الوديعة الاستثمارية حصة في المشاركة بين صاحبها والمصرف. فلا يتصور رهن هذه الحصة وهي نقود. ومعلوم أن السحب من هذا النوع من الحساب غير مسموح به إلا في نهاية عمل المشروع. غير أنه يمكن لصاحب المال أن يقترض من المصرف الإسلامي بضمان هذه الحسابات وفي هذه الحالة يحسب نصيب الوديعة في الأرباح المتحققة على أساس الفرق بين المبلغ المقترض وأصل الحساب الاستثماري مع مراعاة المدة التي استخدم فيها كل جزء. (١)
وفي هذه الحالة يضع المصرف إشارة على هذا الحساب بقدر ما اقترضه صاحبه منها لسحب ما يوازي القرض. ومعلوم أن هذا القرض في المصارف الإسلامية بلا فائدة وإلا وقع الطرفان في الربا المحرم. وإذا نظرنا إلى هذا الجزء المؤشر في المصرف على أنه دين عليه لصاحب الحساب فيمكن أن يعتبر رهنا وفقا لمن رأى جواز رهن الدين من الفقهاء.
٩- الوديعة الاستثمارية حصة في المشاركة
إن العقد الذي ينطبق على الوديعة الاستثمارية هو عقد شركة بين المودع والمصرف، وإن تصرف المصرف في الحساب إنما تتم على أساس أنه شريك لصاحبه، وتصرفه فيها كالتصرف العامل في المضاربة. والمضاربة مشاركة بين اثنين أحدهما يدفع المال والآخر يدفع بدنه، أي يشارك بالعمل. (٢) وهذا التصور هو الذي ينسجم مع ما يجري عليه العمل المصرفي فإن صاحب هذا الحساب – وهو شريك للمصرف- سيحصل على نصيبه في أرباح شراكته وستكون هذه الأرباح هي التي تدفعه إلى التعامل مع هذه المصارف مما يساعد على نمو رأس المال للمصرف الإسلامي وازدهار استثماراته بعيدا عن الربا وإثمه. على عكس ما لو كان صاحب الحساب يعلم أنه لا يصيبه من هذا الحساب سوى صيانة أمواله وحفظها وأنه لا فرق بين هذا الحساب والحساب الجاري فإن ذلك سيضعف إقبال العملاء على هذه المصارف. (٣)
стр. 14348
١٠- إدراج حسابات الاستثمار:
إذا تقدم صاحب المال إلى المصرف ليودع ماله في حساب استثماري فإن هذا المال يدرج في المطلوبات قبل مباشرة المصرف في استثماره في أحد المشاريع التجارية. ويترتب على هذا أنه يمكن سحب هذا المال كله أو بعضه لأن هذا المال قبل مباشرة العمل يعد أمانة في يد المصرف. أما بعد مباشرة العمل فإنه يكون حصة في المشاركة فينتقل بهذا إلى موجودات المصرف ويمكن أن نلحظ في عبارة الكاساني ما يعين على هذا التكييف حيث يقول: (إن رأس المال قبل أن يشتري المضارب به شيئًا أمانة في يده بمنزلة الوديعة لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة, فإذا اشترى به شيئًا صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع لأنه تصرف في مال الغير بأمره.. فإذا ظهر في المال ربح صار شريكًا فيه بقدر حصته من الربح) (١) .
وهذا ينطبق على الحساب الجاري فهو مندرج تحت مطلوبات المصرف وليس هناك مانع شرعي من تحويل هذا الحساب إلى حساب استثماري في حالة رغبة أصحابه ويترتب على هذا أن يتحول الحساب إلى موجودات للمصرف تمثل رأس مال المشروع. ولا يحتاج المصرف إلى عملية إعادة الوديعة إلى المودع ثم إيداعها مرة ثانية في الحساب الاستثماري لأنها تتحول وهي في مكانها, ويؤيد هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز جعل الوديعة رأس مال في المضاربة , وفي هذا يقول الكاساني: (ولو أضاف المضاربة إلى عين هي أمانة في يد المضارب من الدراهم والدنانير بأن قال للمودع: اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف جاز ذلك بلا خلاف) . (٢) .
١١- سحب جزء من حساب استثماري قبل نهاية مدته
يمتاز الحساب الاستثماري في المصارف بثبات واستقرار يتمثل في الاتفاق على أن لا يسحب منه قبل مضي مدة متفق عليها بالأشهر أو بالسنة.
غير أن ظروفًا قد تطرأ للمودع تحمله أن يسحب جزءًا من هذا الحساب وأن المصرف حفاظًا على سمعته لا يريد أن يمنع هذا السحب بعد أن دخل الحساب في المشاركة والمضاربة؛ خاصة وأن المصارف عادة تستثمر الجزء الأكبر من الحساب وتبقي جزءا منه على شكل نقد لمواجهة ما قد يطرأ فيدعو إلى السحب منها (٣) . لذلك فإنها تستجيب إلى مثل هذا الطلب.
ثم يرد السؤال عن استحقاق هذا المال المسحوب ربحًا أو تحمله خسارة عن الفترة التي بقي المبلغ في حوزة المصرف. وهنا لا بد أن نفرق بين حالين: حال ما إذا كان هناك ربح ظاهر قبل السحب. وحال ما إذا لم يكن.
فإن كان هناك ربح ظاهر فإن المال المسحوب يستحق حصته من الربح في وقت سحبه, كما يتحمل نصيبه من الخسارة إن كانت هناك خسارة لأن الغنم بالغرم.
وإن لم يكن هناك ربح فإن المبلغ الذي يتم استرداده, لا يستحق شيئًا من الربح الذي يتم توزيعه في الأجل المضروب للتوزيع لأن الربح المعلن في هذا الأجل لا يتقرر إلا للمبلغ الذي يكون باقيًا لدى المضارب من بداية المضاربة إلى نهاية الأجل المتفق عليه أو المتعارف على إجراء الحساب فيه.
стр. 14349
وفي هذا يقول النووي وشارحه الشربيني: (ولو استرد المالك بعض مال القراض قبل ظهور ربح وخسران فيه رجع رأس المال إلى ذلك الباقي بعد المسترد, لأنه لم يترك في يده غيره فصار كما لو اقتصر في الابتداء على إعطائه له. وإن استرد بعد ظهور الربح فالمسترد منه شائع ربحًا ورأس مال على النسبة الحاصلة من جملة الربح ورأس المال.... وإن استرداد المالك بعضه بعد ظهور الخسران فالخسران موزع على المسترد والباقي) (١) .
أما كيفية حساب ذلك فإنها كما وردت في فتوى أستاذنا الجليل الشيخ بدر المتولي عبد الباسط رعاه الله وهو ينصح بإجابة طلب هذا الذي رغب في الاسترداد.
وقال: (على أن يتعهد البنك عند وضع الميزانية النهائية للعام أن يعطيه الربح الذي يستحقه خلال فترة الإيداع إن كان هناك ربح, ويأخذ منه تعهدًا بالرجوع عليه بالخسارة إن تبين آخر العام أن هناك خسارة ويكون تحمله بنسبة المبلغ الذي تم سحبه, والمدة التي كان فيها المبلغ في ذمة البنك) (٢) .
وقد ذكر النووي طريقة لتوزيع الربح والخسارة (٣) . وطرائق الحساب المتقدمة وأجهزتها المتطورة المعاصرة لا تعجز عن الوفاء بهذه المهمة. والله أعلم.
أ. د. حمد عبيد الكبيسي
стр. 14350
الودائع المصرفية
(تكييفها الفقهي وأحكامها)
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت بإيران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مفهوم الوديعة المصرفية:
ويقصد بها الوديعة النقدية التي تودع لدى البنوك والتي تتعهد بدورها بإعادة مبلغ معادل لها عند الطلب أو وفق شروط معينة (١) وهذه الوديعة كما يقول الإمام الصدر: (تعتبر بمختلف أشكالها في مفهوم البنوك الربوية عن مبلغ من النقود –يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع فينشئ وديعة تحت الطلب أو لأجل محدد اتفاقا ويترتب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية للمودع أو لأمره لدى الطلب أو بعد أجل، على اختلاف الشكل الذي يتم الاتفاق عليه للوديعة بين البنك والعميل.)
ويطلق على الودائع المصرفية هذه عادة أنها ودائع ناقصة لأن البنك غير ملزم بدفعها عند الطلب بنفس المظهر المادي الذي أودعت به، والعملاء لا يستطيعون رفض ما يقدم إليهم من النقود ما دامت هذه النقود قانونية. (٢)
ويقرب من هذا ما ذكره الأستاذ الزرقا في خصائصها. (٣)
وواضح أن التعريف الذي طرحه الشهيد الصدر أدق وأشمل من سابقه.
وبهذا نعرف أن الوديعة المصرفية تتمتع بما يلي:
١- أنها تقتصر على النقود المدفوعة للبنوك.
٢- أنها قد تكون تحت الطلب وقد تكون لأجل.
٣- أنها تمثل عملية لازمة بشروطها.
٤- أن للبنك دفع ما يعادلها من نقود قانونية دون الالتزام بالمظهر المادي الذي دفعت به.
٥- أن للبنك الحق في التصرف بها بما يشاء لأنها ملكه.
٦- أن الأرباح العائدة منها عند الاستثمار تعود للبنك.
٧- أن البنك يضمن ما يعادلها في كل الأحوال.
стр. 14351
أما أهميتها الاقتصادية لعمل المصارف:
فيمكن تلخيصها أيضا –بما يلي:
١- أنها وسيلة هامة من وسائل الدفع لما يحيط بها من ضمانات تنتجها الثقة بالبنوك، وإن لم يعترف لها القانون بالصيغة النقدية ومع ذلك فقد اتسع التعامل بها عن طريق استعمال الشيكات.
ومن الواضح أن ازدياد وسائل الدفع في المجال الاقتصادي يبعث في الحياة الاقتصادية روح السرعة والسهولة في التبادل.
٢- أن الودائع المصرفية تمثل غالبا أموالا عاطلة عن التأثير إما لقلتها –أو لأنها لا تعرف سبيلها للدخول في الحياة الاقتصادية بشكل مؤثر في حين تدخل مدد إيداعها في حوض الاستثمار الكبير وهو القادر على تمويل المشاريع الضخمة.
٣-أن الودائع المصرفية تمنح البنك القدرة على خلق الائتمان بدرجة كبيرة أكبر من كمية تلك الودائع، والائتمان يخلق بدوره الوديعة المصرفية أيضا وبهذا تكثر وسائل الدفع التي تعوض عن النقود فتتسع الحركة التجارية، وهكذا نعرف أن الودائع المصرفية تعني بيت القصيد في الدخل المصرفي والمحور الأساسي في نشاطاتها الاقتصادية والتجارية وغيرها. (١)
الوديعة في الفقه الإسلامي:
والحديث هنا مفصل نقتصر منه على موضع الحاجة وبكل إجمال.
ويتم التركيز في البحث الفقهي للوديعة عادة تارة على العقد، وأخرى على موجبات الضمان، وثالثة في توابع المسألة.
أما بالنسبة للعقد فيقال: إنه لفظ- أو ما يقوم مقامه- يقتضي استنابة في الحفظ ولا خلاف في اعتبار إنشائية الربط بين القبول والإيجاب فليست من قبيل الإباحة التي لا يلحظ فيها الربط بين القصدين, وإذا استودع وقبل ذلك وجب عليه الحفظ ولو كان المودع مضطرًا وجب على كل قادر عليها واثق بالحفظ قبولها- كفاية- وإلا فهي من العقود المستحبة في نفسها لما تشتمل عليه من التعاون, ولا يلزمه الدرك لو تلفت العين من غير تعد أو أخذت منه قهراً، لأنه أمين, وعموم (على اليد ما أخذت حتى تؤدى) مخصص بقاعدة عدم ضمان الأمين من غير تعد ولا تفريط وهي عقد جائز من طرفيه –بلا خلاف- كما أنه يبطل بموت كل واحد منهما أو جنونه وحينئذٍ تكون العين في يد الودعي أمانة يجب ردها إلى مالكها أو ولي أمره.
стр. 14352
وتحفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها بما في ذلك الإطعام للحيوان والسقي للنبات.
وقد احتاط الفقهاء للوديعة فمنعوا حتى من بعض الأعمال التي يقوم بها الناس بالنسبة لحاجياتهم كحمل الوديعة معه أثناء خروجه من الدار وأمثال ذلك, ولو عين المالك موضعًا وجب الاقتصار عليه بل احتاط البعض بعدم تجويز نقلها حتى إلى الموضع الأكثر حفظاً.
ولا تصح وديعة الطفل ولا المجنون لاعتبار الكمال في طرفي العقد إلا مع إذن الولي.
وإذا ظهر للمودع أمارة الموت وجب الإشهاد بها.
ويجب إعادة الوديعة إلى المودع مع المطالبة في أول أوقات الإمكان.
وبالنسبة لموجبات الضمان ذكروا منها التفريط والتعدي بل ربما عبر عنهما بالتقصير وذلك لصدق الخيانة المقابلة للأمانة والائتمان المجعول في النصوص سببًا أو عنوانًا لعدم الضمان وقد ذكر الفقهاء الكثير من المصاديق لهذا المفهوم.
وفي لواحق المسألة تعرض الفقهاء إلى مسائل منها مسألة جواز السفر بالوديعة إذا خاف تلفها مع الإقامة, ومسألة عدم براءة الذمة إلا بردها إلى المودع أو وكيله وغير ذلك مما لا نرى مجالًا للتعرض له؛ لأنه لا تأثير له في فهم حقيقة الوديعة إلا أنه يجب التعرض لمسألة واحدة وهي ما لو كان البناء منذ الأول على التصرف في الوديعة, وما هو حكم هذه المسألة إذا كان التصرف مهلكًا للعين المودعة؟
أما بالنسبة للتصرفات غير المتلفة للذات فإنه لو كان ذلك برضا المالك فقد اختلفوا في أنه عارية أو أنها إباحة التصرف لا بعوض.
وإن نوى التصرف في الوديعة منذ البدء دونما اتفاق مسبق فقد ذكر الفقيه الكبير النجفي في جواهر الكلام أن صاحب المسالك قال هنا:
(أن لو نوى التصرف في الوديعة عند أخذها بحيث أخذها على هذا القصد كانت مضمونة عليه مطلقاً؛ لأنه لا يقبضها على وجه الأمانة بل على سبيل الخيانة, وفي تأثير استدامة النية في استدامة الأخذ كما تؤثر في ابتدائه وجهان: من ثبوت اليد في الموضعين مقرونًا بالنية الموجب للضمان, ومن أنه لم يحدث فعلًا مع قصد الخيانة والشك في مجرد القصد في الضمان) .
وعلق عليه بوضوح الفرق بين العزم على الانتفاع مع بقاء القبض عن المالك وبينه مع نية كون القبض له ضرورة تحقق الغصب في الثاني دون الأول (١) .
أما بالنسبة للتصرف المهلك كما في النقود فإنه لو كان متفقًا عليه في العقد تحول العقد إلى عقد قرض؛ لأنه يعني التملك بالضمان وهو حقيقة القرض.
стр. 14353
الودائع المصرفية وأقسامها:
ونعود إلى الودائع المصرفية لنعرف تكييفها الفقهي على ضوء ما سبق:
وهنا لا بد من معرفة أقسام ما يسمى بالوديعة المصرفية لما لذلك من دخل في معرفة هذا التكييف.
وتنقسم هذه الودائع المصرفية عادة إلى أقسام:
الأول: الوديعة الجارية أو المتحركة
وهي المبالغ النقدية التي تودع لدى المصارف بقصد أن تكون مهيئة للسحب عليها عند الحاجة وهي تمتلك الصفتين التاليتين:
• كونها تحت الطلب دائماً.
• لا تدفع المصاريف عليها فائدة -حسب العادة-.
الثاني: الودائع الاستثمارية (الودائع لأمر)
وهي المبالغ التي يتم إيداعها في المصارف بقصد الحصول على دخل مستمر منها أو ربما يستهدفون الاستثمار الموقت ريثما يتسنى لهم تشغيلها مباشرة.
فهي إذن:
١- ودائع نقدية مشترط فيها الإبقاء إلى مدة معينة كحد أدنى.
٢- يتم تقاضي مبلغ معين عليها كدخل استثماري.
الثالث: ودائع التوفير:
وهي ودائع فيها وجه شبه بالودائع الجارية من حيث إمكان السحب عليها في كل آن وآخر بالودائع الثابتة من حيث ما تقرضه المصارف من فوائد للموفرين وتمتاز هذه الودائع:
أولاً: بأنها مهيأة للسحب عليها عند الطلب.
ثانياً: بوجود بعض القيود التي تمنع من السحب بأية طريقة كانت: كأن يلزم المودع بتقديم دفتره الخاص في كل مرة يشاء السحب فيها مما يضمن بقاء المبالغ التي يتوقع سحبها من مجموع ودائع التوفير والتي لا تزيد عادة على ١٠ % (كما يقول الشهيد الصدر) (١) وذلك لصعوبة السحب المشار إليه ويعتبر عشر كل وديعة توفير وديعة جارية ولا يدفع عنها أية فائدة أو ربح بل يحتفظ بها كقرض فهي تمتاز إذن:
ثالثا: بدفع للمودعين من قبل المصارف. فلنلاحظ التكييف الشرعي لهذه الودائع إن كان ممكنا.
стр. 14354
أولا: تكييف ودائع الحساب الجاري
اعتبر بعض الاقتصاديين الإسلاميين أن ودائع الحساب الجاري هي ودائع كاملة بالمعنى الشرعي.
يقول الدكتور الأمين:
(وإذا كانت الوديعة النقدية تحت الطلب هي مبلغ يوضع لدى البنك ويسحب منه في الوقت الذي يختاره المودع فإن ذلك كل ما يطلب في الوديعة الحقيقية ولا توجد أية شائبة فإذا كان البنك قد اعتاد أن يتصرف فيها – بحسب مجرى العادة - فإن هذا التصرف المنفرد من جانب البنك لا يمكن أن يحسب على المودع وينسحب على إرادته فيفسرها على هذا الاتجاه من الإيداع إلى الإقراض فإرادة المودع لم تتجه أبدا في هذا النوع من الإيداع نحو القرض. كما أن البنك لم يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض بدليل أنه يتقاضى أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة عند الطلب بعكس الوديعة لأجل، وبدليل الحذر الشديد من استعمالها والتصرف فيها من جانبه ثم المبادرة الفورية بردها عند الطلب مما يدل على أن البنك حينما يتصرف فيها إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي لا يستند إلى مركز قانوني كمركز المقترض) .
ويؤكد إضافة على ذلك بأننا حتى لو لاحظنا مسألة الإجازة الضمنية والعرفية للمودع بتصرف بأموال الحساب الجاري فإن هذا لا يغير من إرادته في الوديعة ويؤيد اختياره هذا بما أثر عن المالكية من تجويز التصرف بالمثليات للقادر على ردها وإن اعتبروا ذلك مكروها بل إن (أشهب) لم يقل حتى بهذه الكراهة. (١)
والملاحظ أنه يعتبر أموال الحساب الجاري ودائع بمفهومها الشرعي تماما مستدلا..
أولا: بقصد المودع فالمودعون لم يقصدوا القرض.
ثانيا: يأخذ البنك العمولة على حفظها كما في البنوك السودانية.
ثالثا: حذر البنك من استعمالها فموقفه انتهازي كما يعبر.
стр. 14355
إلا أن الظاهر أن المورد مورد قرض ذلك أن من خصائص الوديعة أن تبقى كما هي بعينها ولا يمكن التصرف فيها خصوصا بما يفوت ذاتها –بإجماع المذاهب الإسلامية- إلا ما ينقله عن المالكية حيث اعتبروا ذلك مكروها، وخاصا إذا كانت الوديعة من الدنانير والدراهم أي من النقود. هذا في حين نجد البناء منذ البدء على أن يقوم البنك بالتصرف المطلق في أموال الحساب الجاري تماما دونما حرج أو استثناء، وإنما هو أمر طبيعي جدا ولا يتخذ البنك فيه حالة انتهازية –كما يعبر- أما احتياطه في التصرف في أموال الحساب الجاري فهو تابع لطبيعتها الجارية ولزوم توفير سيولة نقدية في كل آن للاستجابة لاحتمالات السحب في كل آن وإلا تعرضت سمعة البنك للخطر لا بل أمكنت المطالبة القانونية له فحتى على مذهب المالكية لا يمكن تكييف وديعة الحساب الجاري على أساس أنها وديعة وإنما تجب الصيرورة إلى أنها قرض كامل لأن التصرف ليس استثنائيا.
أما مسألة النية (نية الإيداع) فهي في الحقيقة ناشئة من عاملين:
الأول: كونها كذلك في البنوك الربوية.
الثاني: أنها تقرب من الوديعة باعتبار إمكان استيفائها كاملة في كل آن، وبما يصاحب ذلك من الحفظ والصيانة فهي تؤدي إلى نفس النتيجة التي يؤدي إليها الاستيداع تماما إلا أن هذه النية لا تنسجم مطلقا –عندما يراد تكييف العقد شرعا- مع علم الطرفين بأن هذه العين المالية بمجرد تسليمها سوف تقع تحت التصرف الكامل للبنك، وهذا إنما ينسجم مع القرض لا الإيداع، حتى لو وضع عليه عنوان الإيداع ذلك نظير الإيداعات الثابتة التي لا سبيل فيها في البنوك الربوية إلا إلى القرض حتى ولو تمت تحت عنوان الإيداع.
فالعبرة في العقود للمقصود والمعاني لا للألفاظ والمباني.
ولو قبلنا أنها ودائع كان علينا أن نقول: إن التصرف الذي يقوم به المصرف إما أن يكون ناقلا بذمته وإما أن يبقى مجرد تصرف في مال المودع، فإذا كان ناقلا بذمته فمعنى ذلك الاستقراض، وهذا ينسحب على مجمل الوديعة من الأول؛ لأن البنك يقصد من الأول ذلك وفق العقد الأول باعتباره يتصرف من أموال الحسابات الجارية كمالك كامل – بل إن المصارف إنما تقدم على فتح الحسابات الجارية وتقديم خدماتها- وهي لا تتقاضى على ذلك أجرا عادة، ويعتبر ما تتقاضاه بعض البنوك علامة على ضعفها بلا ريب –إنما تقدم لتستفيد من السيولة النقدية التي توفرها الحسابات الجارية.