← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14351–14390 · переход к 14356.

стр. 14351

أما أهميتها الاقتصادية لعمل المصارف: فيمكن تلخيصها أيضا –بما يلي: ١- أنها وسيلة هامة من وسائل الدفع لما يحيط بها من ضمانات تنتجها الثقة بالبنوك، وإن لم يعترف لها القانون بالصيغة النقدية ومع ذلك فقد اتسع التعامل بها عن طريق استعمال الشيكات. ومن الواضح أن ازدياد وسائل الدفع في المجال الاقتصادي يبعث في الحياة الاقتصادية روح السرعة والسهولة في التبادل. ٢- أن الودائع المصرفية تمثل غالبا أموالا عاطلة عن التأثير إما لقلتها –أو لأنها لا تعرف سبيلها للدخول في الحياة الاقتصادية بشكل مؤثر في حين تدخل مدد إيداعها في حوض الاستثمار الكبير وهو القادر على تمويل المشاريع الضخمة. ٣-أن الودائع المصرفية تمنح البنك القدرة على خلق الائتمان بدرجة كبيرة أكبر من كمية تلك الودائع، والائتمان يخلق بدوره الوديعة المصرفية أيضا وبهذا تكثر وسائل الدفع التي تعوض عن النقود فتتسع الحركة التجارية، وهكذا نعرف أن الودائع المصرفية تعني بيت القصيد في الدخل المصرفي والمحور الأساسي في نشاطاتها الاقتصادية والتجارية وغيرها. (١) الوديعة في الفقه الإسلامي: والحديث هنا مفصل نقتصر منه على موضع الحاجة وبكل إجمال. ويتم التركيز في البحث الفقهي للوديعة عادة تارة على العقد، وأخرى على موجبات الضمان، وثالثة في توابع المسألة. أما بالنسبة للعقد فيقال: إنه لفظ- أو ما يقوم مقامه- يقتضي استنابة في الحفظ ولا خلاف في اعتبار إنشائية الربط بين القبول والإيجاب فليست من قبيل الإباحة التي لا يلحظ فيها الربط بين القصدين, وإذا استودع وقبل ذلك وجب عليه الحفظ ولو كان المودع مضطرًا وجب على كل قادر عليها واثق بالحفظ قبولها- كفاية- وإلا فهي من العقود المستحبة في نفسها لما تشتمل عليه من التعاون, ولا يلزمه الدرك لو تلفت العين من غير تعد أو أخذت منه قهراً، لأنه أمين, وعموم (على اليد ما أخذت حتى تؤدى) مخصص بقاعدة عدم ضمان الأمين من غير تعد ولا تفريط وهي عقد جائز من طرفيه –بلا خلاف- كما أنه يبطل بموت كل واحد منهما أو جنونه وحينئذٍ تكون العين في يد الودعي أمانة يجب ردها إلى مالكها أو ولي أمره.

стр. 14352

وتحفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها بما في ذلك الإطعام للحيوان والسقي للنبات. وقد احتاط الفقهاء للوديعة فمنعوا حتى من بعض الأعمال التي يقوم بها الناس بالنسبة لحاجياتهم كحمل الوديعة معه أثناء خروجه من الدار وأمثال ذلك, ولو عين المالك موضعًا وجب الاقتصار عليه بل احتاط البعض بعدم تجويز نقلها حتى إلى الموضع الأكثر حفظاً. ولا تصح وديعة الطفل ولا المجنون لاعتبار الكمال في طرفي العقد إلا مع إذن الولي. وإذا ظهر للمودع أمارة الموت وجب الإشهاد بها. ويجب إعادة الوديعة إلى المودع مع المطالبة في أول أوقات الإمكان. وبالنسبة لموجبات الضمان ذكروا منها التفريط والتعدي بل ربما عبر عنهما بالتقصير وذلك لصدق الخيانة المقابلة للأمانة والائتمان المجعول في النصوص سببًا أو عنوانًا لعدم الضمان وقد ذكر الفقهاء الكثير من المصاديق لهذا المفهوم. وفي لواحق المسألة تعرض الفقهاء إلى مسائل منها مسألة جواز السفر بالوديعة إذا خاف تلفها مع الإقامة, ومسألة عدم براءة الذمة إلا بردها إلى المودع أو وكيله وغير ذلك مما لا نرى مجالًا للتعرض له؛ لأنه لا تأثير له في فهم حقيقة الوديعة إلا أنه يجب التعرض لمسألة واحدة وهي ما لو كان البناء منذ الأول على التصرف في الوديعة, وما هو حكم هذه المسألة إذا كان التصرف مهلكًا للعين المودعة؟ أما بالنسبة للتصرفات غير المتلفة للذات فإنه لو كان ذلك برضا المالك فقد اختلفوا في أنه عارية أو أنها إباحة التصرف لا بعوض. وإن نوى التصرف في الوديعة منذ البدء دونما اتفاق مسبق فقد ذكر الفقيه الكبير النجفي في جواهر الكلام أن صاحب المسالك قال هنا: (أن لو نوى التصرف في الوديعة عند أخذها بحيث أخذها على هذا القصد كانت مضمونة عليه مطلقاً؛ لأنه لا يقبضها على وجه الأمانة بل على سبيل الخيانة, وفي تأثير استدامة النية في استدامة الأخذ كما تؤثر في ابتدائه وجهان: من ثبوت اليد في الموضعين مقرونًا بالنية الموجب للضمان, ومن أنه لم يحدث فعلًا مع قصد الخيانة والشك في مجرد القصد في الضمان) . وعلق عليه بوضوح الفرق بين العزم على الانتفاع مع بقاء القبض عن المالك وبينه مع نية كون القبض له ضرورة تحقق الغصب في الثاني دون الأول (١) . أما بالنسبة للتصرف المهلك كما في النقود فإنه لو كان متفقًا عليه في العقد تحول العقد إلى عقد قرض؛ لأنه يعني التملك بالضمان وهو حقيقة القرض.

стр. 14353

الودائع المصرفية وأقسامها: ونعود إلى الودائع المصرفية لنعرف تكييفها الفقهي على ضوء ما سبق: وهنا لا بد من معرفة أقسام ما يسمى بالوديعة المصرفية لما لذلك من دخل في معرفة هذا التكييف. وتنقسم هذه الودائع المصرفية عادة إلى أقسام: الأول: الوديعة الجارية أو المتحركة وهي المبالغ النقدية التي تودع لدى المصارف بقصد أن تكون مهيئة للسحب عليها عند الحاجة وهي تمتلك الصفتين التاليتين: • كونها تحت الطلب دائماً. • لا تدفع المصاريف عليها فائدة -حسب العادة-. الثاني: الودائع الاستثمارية (الودائع لأمر) وهي المبالغ التي يتم إيداعها في المصارف بقصد الحصول على دخل مستمر منها أو ربما يستهدفون الاستثمار الموقت ريثما يتسنى لهم تشغيلها مباشرة. فهي إذن: ١- ودائع نقدية مشترط فيها الإبقاء إلى مدة معينة كحد أدنى. ٢- يتم تقاضي مبلغ معين عليها كدخل استثماري. الثالث: ودائع التوفير: وهي ودائع فيها وجه شبه بالودائع الجارية من حيث إمكان السحب عليها في كل آن وآخر بالودائع الثابتة من حيث ما تقرضه المصارف من فوائد للموفرين وتمتاز هذه الودائع: أولاً: بأنها مهيأة للسحب عليها عند الطلب. ثانياً: بوجود بعض القيود التي تمنع من السحب بأية طريقة كانت: كأن يلزم المودع بتقديم دفتره الخاص في كل مرة يشاء السحب فيها مما يضمن بقاء المبالغ التي يتوقع سحبها من مجموع ودائع التوفير والتي لا تزيد عادة على ١٠ % (كما يقول الشهيد الصدر) (١) وذلك لصعوبة السحب المشار إليه ويعتبر عشر كل وديعة توفير وديعة جارية ولا يدفع عنها أية فائدة أو ربح بل يحتفظ بها كقرض فهي تمتاز إذن: ثالثا: بدفع للمودعين من قبل المصارف. فلنلاحظ التكييف الشرعي لهذه الودائع إن كان ممكنا.

стр. 14354

أولا: تكييف ودائع الحساب الجاري اعتبر بعض الاقتصاديين الإسلاميين أن ودائع الحساب الجاري هي ودائع كاملة بالمعنى الشرعي. يقول الدكتور الأمين: (وإذا كانت الوديعة النقدية تحت الطلب هي مبلغ يوضع لدى البنك ويسحب منه في الوقت الذي يختاره المودع فإن ذلك كل ما يطلب في الوديعة الحقيقية ولا توجد أية شائبة فإذا كان البنك قد اعتاد أن يتصرف فيها – بحسب مجرى العادة - فإن هذا التصرف المنفرد من جانب البنك لا يمكن أن يحسب على المودع وينسحب على إرادته فيفسرها على هذا الاتجاه من الإيداع إلى الإقراض فإرادة المودع لم تتجه أبدا في هذا النوع من الإيداع نحو القرض. كما أن البنك لم يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض بدليل أنه يتقاضى أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة عند الطلب بعكس الوديعة لأجل، وبدليل الحذر الشديد من استعمالها والتصرف فيها من جانبه ثم المبادرة الفورية بردها عند الطلب مما يدل على أن البنك حينما يتصرف فيها إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي لا يستند إلى مركز قانوني كمركز المقترض) . ويؤكد إضافة على ذلك بأننا حتى لو لاحظنا مسألة الإجازة الضمنية والعرفية للمودع بتصرف بأموال الحساب الجاري فإن هذا لا يغير من إرادته في الوديعة ويؤيد اختياره هذا بما أثر عن المالكية من تجويز التصرف بالمثليات للقادر على ردها وإن اعتبروا ذلك مكروها بل إن (أشهب) لم يقل حتى بهذه الكراهة. (١) والملاحظ أنه يعتبر أموال الحساب الجاري ودائع بمفهومها الشرعي تماما مستدلا.. أولا: بقصد المودع فالمودعون لم يقصدوا القرض. ثانيا: يأخذ البنك العمولة على حفظها كما في البنوك السودانية. ثالثا: حذر البنك من استعمالها فموقفه انتهازي كما يعبر.

стр. 14355

إلا أن الظاهر أن المورد مورد قرض ذلك أن من خصائص الوديعة أن تبقى كما هي بعينها ولا يمكن التصرف فيها خصوصا بما يفوت ذاتها –بإجماع المذاهب الإسلامية- إلا ما ينقله عن المالكية حيث اعتبروا ذلك مكروها، وخاصا إذا كانت الوديعة من الدنانير والدراهم أي من النقود. هذا في حين نجد البناء منذ البدء على أن يقوم البنك بالتصرف المطلق في أموال الحساب الجاري تماما دونما حرج أو استثناء، وإنما هو أمر طبيعي جدا ولا يتخذ البنك فيه حالة انتهازية –كما يعبر- أما احتياطه في التصرف في أموال الحساب الجاري فهو تابع لطبيعتها الجارية ولزوم توفير سيولة نقدية في كل آن للاستجابة لاحتمالات السحب في كل آن وإلا تعرضت سمعة البنك للخطر لا بل أمكنت المطالبة القانونية له فحتى على مذهب المالكية لا يمكن تكييف وديعة الحساب الجاري على أساس أنها وديعة وإنما تجب الصيرورة إلى أنها قرض كامل لأن التصرف ليس استثنائيا. أما مسألة النية (نية الإيداع) فهي في الحقيقة ناشئة من عاملين: الأول: كونها كذلك في البنوك الربوية. الثاني: أنها تقرب من الوديعة باعتبار إمكان استيفائها كاملة في كل آن، وبما يصاحب ذلك من الحفظ والصيانة فهي تؤدي إلى نفس النتيجة التي يؤدي إليها الاستيداع تماما إلا أن هذه النية لا تنسجم مطلقا –عندما يراد تكييف العقد شرعا- مع علم الطرفين بأن هذه العين المالية بمجرد تسليمها سوف تقع تحت التصرف الكامل للبنك، وهذا إنما ينسجم مع القرض لا الإيداع، حتى لو وضع عليه عنوان الإيداع ذلك نظير الإيداعات الثابتة التي لا سبيل فيها في البنوك الربوية إلا إلى القرض حتى ولو تمت تحت عنوان الإيداع. فالعبرة في العقود للمقصود والمعاني لا للألفاظ والمباني. ولو قبلنا أنها ودائع كان علينا أن نقول: إن التصرف الذي يقوم به المصرف إما أن يكون ناقلا بذمته وإما أن يبقى مجرد تصرف في مال المودع، فإذا كان ناقلا بذمته فمعنى ذلك الاستقراض، وهذا ينسحب على مجمل الوديعة من الأول؛ لأن البنك يقصد من الأول ذلك وفق العقد الأول باعتباره يتصرف من أموال الحسابات الجارية كمالك كامل – بل إن المصارف إنما تقدم على فتح الحسابات الجارية وتقديم خدماتها- وهي لا تتقاضى على ذلك أجرا عادة، ويعتبر ما تتقاضاه بعض البنوك علامة على ضعفها بلا ريب –إنما تقدم لتستفيد من السيولة النقدية التي توفرها الحسابات الجارية.

стр. 14356

وحتى لو كانت هذه البنوك لا ربوية فهي تقوم بالمساهمة في عمليات المضاربات الكبرى أو أي من العقود المشروعة مما تأخذه من رأس مالها أولا وما تدخله في المضاربات وغيرها ما استقرضته عبر الحسابات الجارية، وهي بالتالي تنال حصتها المشروعة من الأرباح على ما دفعته إلى ساحة المضاربة من أسهم. أما إذا لم يقصد المصرف نقلها إلى ذمته فهذا يعني أن هذه الأموال يجب أن ترجع هي وأرباحها (المشروعة طبعا) إلى المودع؛ لأنه مالك الأصل -حسب قاعدة الثبات في الملكية- يقول الكيذري- وهو من فقهاء الإمامية القدامى- (إذا اتجر بمال الوديعة فالربح لصاحبها والخسران على المودع) . (١) يقول الإمام الخميني بهذا الصدد في المسألة السادسة من (أعمال البنوك) –لو كان ما يدفعه إلى البنك بعنوان الوديعة والأمانة فإن لم يأذن بالتصرف فيها لا يجوز للبنك ذلك، ولو تصرف كان ضامنا، ولو أذن جاز، وكذا لو رضي به وما يدفعه البنك إليه حلال على الصورتين إلا أن يرجع الإذن في التصرف الناقل إلى التملك بالضمان، فإن الزيادة المأخوذة مع قرار النفع حرام وإن كان القرض صحيحا، والظاهر أن الودائع في البنك من هذا القبيل، فما يسمى وديعة وأمانة قرض واقعا ومع قرار النفع تحرم الفائدة. (٢) والظاهر أنه ينظر لكلا النوعين من أجناس الوديعة أي الوديعة العينية والوديعة النقدية، ويجيز أن يتصرف البنك بالوديعة العينية بإذن المالك لقاء عوض – أما إذا رجع التصرف في الوديعة إلى التملك – كما في النقود- فقد عاد استقراضا ولا تجوز أخذ الفائدة فيه وبالتالي يفتى بأن الودائع المصرفية بكلا نوعيها الجارية والثابتة هي قرض واقعا.

стр. 14357

ويعلق مؤلف مستند تحرير الوسيلة (والظاهر أنه تقرير لدرس الإمام نفسه) على هذه العبارة بقوله: (وذلك لأن وضع النقود في البنك على ما هو المتداول في الخارج، مقارن مع الرضا بالتصرف فيه بأنحاء التصرفات حتى التصرفات الناقلة، وهذه التصرفات الناقلة التي تصدر عن البنك لا تكون بعنوان المبادلة على أموال صاحب هذه النقود، ولو كان كذلك كان لازمه أن ربح التجارات يعود إلى صاحب هذه النقود؛ لأن العوض يدخل في ملك من خرج منه المعوض مع أن صاحب البنك يأخذ الأرباح لنفسه فلا يكون ذلك صحيحا شرعا إلا مع التمليك بالضمان، لكن إذا تصرف البنك فيه بالتصرفات الناقلة يخرج عن كونه أمانة ووديعة، ويصير قرضا واقعا، فتسمية ذلك بالوديعة إما لأنه يكون في بداية الأمر كذلك، وإما لأن التسليم إلى البنك ليس لمصلحة المستقرض وهو البنك فقط بل يكون لمصلحة المقرض المودع –أيضا- لأن البنك يحافظ بهذا الإيداع على المال من السرقة والتلف، ولأجل هذه الجهة يسمى إيداعا وأن يكون قرضا غالبا أو دائما واقعا) (١) أما السيد الشهيد الصدر ﵀ فيقول: (فليست المبالغ التي توضع في البنوك الربوية ودائع لا تامة –كما يقال في الحساب الجاري – ولا ناقصة - كما يقال في الودائع الثابتة- وإنما هي قروض مستحقة الوفاء دائما أو لأجل محدد؛ لأن ملكية العميل تزول نهائيا عن المبلغ الذي وضعه لدى البنك، ويصبح للبنك السلطة على التصرف فيه ... وهذا ما لا يتفق مع طبيعة الوديعة، وإنما أطلق اسم الودائع على تلك المبالغ التي تتقاضاها البنوك؛ لأنها تاريخيا بدأت بشكل ودائع وتطورت خلال تجارب البنوك واتساع أعمالها إلى قروض فظلت تحتفظ من الناحية اللفظية باسم الودائع، وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح. وموقف البنك اللاربوي من الودائع التي تتقاضاها البنوك الربوية يقوم على أساس التمييز بين الودائع المتحركة، والودائع الثابتة –كما سبق- فالودائع المتحركة يقبلها بوصفها قروضا دون أن يدفع فيها فائدة والودائع الثابتة يقبلها كودائع بالمعنى الفقهي للكلمة، ولكنها ليست مجرد ودائع مسلمة إلى البنك لاستنابته في حفظها فحسب. بل هناك إلى جانب الإيداع توكيل من المودع للبنك في التصرف بالمال بإجراء عقد المضاربة عليه) .

стр. 14358

وهكذا يختلف لدى البنك اللاربوي المحتوى الفقهي لقبوله الودائع من عملائه باختلاف حركتها وثباتها. أما بالنسبة لاستيفاء هذا القرض أو السحب عليه وتكييفه فيرى أن الحساب الجاري لدى البنوك القائمة تعبر عن ديون متقابلة فالودائع تمثل رصيد العميل الدائن ويمثل ما يسحبه العميل الرصيد المدين، ويعتبر الحساب الجاري – من وجهة النظر الغربية معبرا عن عقد قائم بذاته تفقد الحقوق النقدية معه خصائصها الفردية وتستحيل إلى عناصر حسابية ينتج عنها في النهاية رصيد دائن مستحق الأداء. وذلك لأن الفقه الغربي ما زال يرى أن المقاصة بين الحسابين الدائن والمدين تحتاج إلى قرار متفق عليه في حين أن الفقه الإسلامي يرى قهرية المقاصة (على رأي الإمامية والحنفية) بل لا يمكن التنازل عنها؛ لأنها ليست حقا قابلا للإسقاط، ويمكن أن تفسر عملية السحب بأنها استيفاء للدين وهو الذي يرجحه فإن تم على المكشوف فذلك يعني إنشاء دين جديد للبنك على العميل. (١) ويبدو أن هذا الاتجاه –أي اتجاه جعل الوديعة في مثل هذه الظروف قرضا- هو الاتجاه السائد لدى الفقهاء في شتى المذاهب. فقد جاء في كتاب كشاف القناع المؤلف على المذهب الحنبلي أن الوديعة مع الإذن بالاستعمال عارية مضمونة. (٢) كما جاء في المغني لابن قدامة أنه لو استعار الرجل الدراهم والدنانير لينفقها فهذا قرض. (٣)

стр. 14359

ومن الفقه الحنفي نجد السمرقندي يقول: (كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه فهو قرض حقيقة، ولكن يسمى عارية مجازا) (١) وكذلك نجد شمس الأئمة السرخسي يقول: (إن عارية الدراهم والدنانير والفلوس قرض؛ لأن الإعارة إذن في الانتفاع، ولا يتأتى الانتفاع بالنقود إلا باستهلاكها عينا فيصير مأذونا في ذلك) (٢) هذا ... والذي يبدو أن الفقه الوضعي نفسه مر بتطور في مسألة الودائع هذه. فقد نقل عن الأستاذ (ربير) الفقيه الفرنسي أنه رغم تغليبه فكرة تفسير الوديعة بأنها أمانة محفوظة لكنه يرى أن هذا مجرد تصور نظري لأنه يتعارض مع إمكان تصرف البنك بالنقود ولذلك اتجه إلى فكرة القول بأن الوديعة المصرفية هي وديعة ناقصة أو شاذة، بينما اقترح البعض إعطاء عقد الوديعة صفة جديدة، وهو ما يؤيده الأستاذ على البارودي في كتاب (القانون التجاري اللبناني) ص٢٨٨ حيث يرى أن المودع إنما يقدم على الإيداع لحفظ أمواله، ولكنه لا يحرم البنك من استعمال تلك الأموال. وهنا نجد الأستاذ سامي حمود يرد عليه بأن اللجوء إلى هذا الحل إنما يكون بعد عدم إمكان تفسيره بحل آخر وهو الإقراض وهذا التفسير –كما يقول الأستاذ علي جمال الدين- يستهوي غالبية الفقه الفرنسي مراعاة منه للوضع الغالب من العمل وهو ما أخذ به القانون المصري حيث نصت المادة ٧٢٦ منه على ما يلي: (إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذونا في استعماله اعتبر العقد قرضا) (٣)

стр. 14360

ضمان الحسابات الجارية: تلخص مما ذكرنا أن البنوك الربوية في الحقيقة تستلم الودائع الجارية والثابتة كقروض حقيقة وتدفع عليها فوائد ربوية. أما بالنسبة للبنوك اللاربوية فهي تتسلم الودائع الجارية كقروض أو الودائع الثابتة (لأمد) فهي لا تتسلمها كقروض وإنما يمكن أن تتسلمها كودائع مع توكيل للبنك بإمكان إدخالها في عقود مشروعة كالمضاربة والمشاركة وغيرها فيكون البنك هنا أمينا وسيطا له أحكامه الخاصة به. وعليه: فمن الطبيعي أن يضمن البنك وهو يعبر عن الأسهم المشتركة فيه أموال الحسابات الجارية؛ لأنها قروض عليه ولا معنى لتصور ضمان الحسابات الجارية من قبل المودعين لا المودعين لهذه الحسابات ولا المودعين للودائع الثابتة فلا دخل لهم في الموضوع. وهل يمكن استخدام الأموال المودعة في حساب جارى كرهن أو كضمان؟ بعد أن رأينا أنها قروض لم يعد هناك مجال لهذا التساؤل بالنسبة للرهن وحتى لو تصورناها ودائع كما في الودائع لأجل، فالظاهر أيضا أنه لا مجال لذلك؛ لأن الرهن يشترط فيه أن يكون عينا كما يشترط فيه القبض من قبل المرتهن هذا وقد ذكر المرحوم الشهيد الثاني أنه على القول بعدم اشتراط القبض لا مانع من صحة رهنه، وإن العامة في التذكرة بنى الحكم على القول باشتراط القبض وعدمه فقال: لا يصح رهن الدين إن شرطنا في الرهن القبض؛ لأنه لا يمكن قبضه (١)

стр. 14361

هذا وهناك مجال لتصور الرهن هنا إذا لم نشترط العينية والقبض، أما إذا كان المرتهن هو البنك نفسه فيمكن القول بأن القبض حاصل والإشكال في هذه الحالة أقل من حالة كون المرتهن شخصا ثالثا. أما استخدامها كضمان: فهو أيضا غير واضح المقصود فإن أريد من ذلك أن يقوم البنك –باعتبار ما لديه من ودائع نقدية- بضمان المودع بدين في ذمته أو عمل أو ما إلى ذلك فلا مانع في ذلك كيفما فسرنا الضمان أهو نقل الحق من ذمة إلى أخرى كما يقول الإمامية أو ضم ذمة إلى أخرى كما يقول غيرهم وعلى أي حال فإن الضمان إذا كان بإذن المضمون عنه فللبنك الرجوع عليه بكل ما يتكبده معتمدا على ما لديه من ودائع جارية أو ثابتة وإلا لم يكن له التصرف في أي من هذه الودائع. فالحكم في الودائع الجارية والودائع الثابتة واحد ظاهرا. وهل يمكن حجز أموال العميل في حساب جار لتصفية حقوق عليه ناشئة للبنك من عمليات أخرى؟ وبتعبير آخر هل يمكن للبنك أن يجمد الحسابات ويجري المقاصة؟ قلنا بهذا الصدد عند عرض تكييف الحساب الجاري أنه سواء كان بمعنى الحسابين الجاريين المدين والدائن أو بمعنى استيفاء حساب جار واحد أنه دين على البنك المودع، فإذا استحق للبنك على المودع مبلغ من المال تحققت المقاصة على الرأي الراجح لدى الإمامية والحنفية بشكل طبيعي وقهري ودون حاجة إلى أي عقد أو اتفاق مسبق على ذلك بين البنك والعميل أو الرجوع إلى القضاء. فالحساب إذن يتجمد بمقدار الحق الناشئ وتتم المقاصة بشكل طبيعي إن تمت المشابهة بين الحقين.

стр. 14362

التكييف الشرعي للوديعة المصرفية الاستثمارية وهل يمكن تصورها كحصة في المشاركة؟ والوديعة الصافية الثابتة إذا أريد تفسيرها كقرض كان ذلك يعني أنها قرض ربوي محرم ولا سبيل لنا إلى تصحيحها ولذلك فهناك سبيل آخر يتلخص في الاحتفاظ بها كوديعة بالمعنى الفقهي وأوكل إلى البنك أن يتصرف بها ويستثمرها لصاحبها، وحينئذ يقوم البنك في إدخالها في حوض الاستثمار الكبير والذي يعمل من خلاله على الدخول في العقود الإسلامية نيابة عن المودعين، فيعود كل مبلغ مودع شريكا في كل نشاطات الحوض الكبير بمقداره وبمستوى المدة التي يبقى فيها لدى البنك. وهكذا يشترك أطراف ثلاثة في العملية الاستثمارية المودعون والمستثمرون، البنك بوصفه وسيطا بين الطرفين ووكيلا عن أصحاب الأموال. ومن الطبيعي أنه يدخل أيضا كصاحب رأس مال بالنسبة لحصة من رأس ماله وما لديه من سيولة نقدية توفرها الحسابات الجارية؛ لأنها ملكه بعد أن تصورناها كعمليات قرض. وقد اشترط المرحوم الشهيد الصدر للبنك في توكيله عن المودعين: ١- أن يلتزم المودع بملزم شرعي بإبقاء وديعته مدة لا تقل عن أشهر تحت تصرف البنك وهو ممكن في عقد الوكالة وإن لم يمكن الإلزام في عقد الوديعة باعتباره عقدا جائزا. ٢- أن يقر المودع ويوافق على الصيغة التي يقترحها البنك للعمليات الاستثمارية. ٣- أن يفتح المودع وديعة ثابتة حسابا جاريا لدى البنك واعتبر هذا شرطا قابلا للحذف. كل ذلك لكي يضمن البنك النتائج المرجوة له. كما تحدث ﵀ عن قدرة البنك على ضمان الدوافع التي تدفع المودعين للأقدام على الوديعة الاستثمارية وهي: أ - كون الوديعة مضمونة ب - الدخل ج-القدرة على الاسترجاع في نهاية الأجل فقرر إمكان توفير الضمان لرأس المال من قبل البنك نفسه لا العاملين المستثمرين فقد لا يمكن تضمينهم كما في عملية المضاربة وحول هذا الموضوع قدم بحثا فقهيا ملحقا للكتاب وقال في نهايته:

стр. 14363

(وبناء على أن قرض الضمان على عامل المضاربة لا ينسجم مع مشاركته في الربح من قبل المالك قلنا في الأطروحة: إن الضمان يتحمله شخص ثالث غير العامل والمالك وهو البنك وتحمله له إما بإنشائه بعقد خاص أو باشتراطه بنحو شرط النتيجة في عقد آخر، والبنك بنفسه وإن كان أمينا بالمعنى الأعم على الودائع التي يأخذها من أصحابها ويتوكل عنهم في المضاربة عليها مع التجار، ولكنا قد بينا أن فرض الضمان بالمعنى الذي حققناه على الأمين صحيح على مقتضى القاعدة. (١) واشتراطه بنحو شرط النتيجة نافذ ... كما يمكن تصوير الاشتراط على البنك بنحو شرط الفعل في ضمن عقد وذلك بأن يشترط عليه المودع في ضمن عقد أن يدفع إليه مقدارا من المال مساويا للخسارة التي تقع في وديعته عند المضاربة عليها) . أما الدخل فقد اقترح أسلوبا شرعيا بدلا عن الدخل المضمون (الفائدة) يتمثل في وضع نسبة مئوية معينة من الربح ورفعها –على الحساب- بوصفهم أصحاب المال، ولما كان دخل المودعين يرتبط بنتائج المشاريع وخلافا للفائدة الربوية فقد أكد أن هذه الودائع إذ تمتزج في حوض الودائع الكبير يدخل أصحابها كمضاربين مثلا في جميع المضاربات التي يعقدها البنك على مجاميع مختلفة، فتكون احتمالات عدم الربح ضئيلة جدا ومن الطبيعي أن النسبة المئوية المقررة من الأرباح يجب أن تكون بحيث تعوض عن هذا الاحتمال وتبقي على إغراء جذب أموال المودعين في قبال إغراءات البنوك الربوية، وكذلك اقترح بعض الأمور التي تبقي على قدرة البنك على الاستجابة لطلبات السحب عند حلول الآجال. (٢) هذا ويجب التنبيه إلى أن ودائع التوفير يمكن أن تدخل من جهة في الودائع الثابتة باعتبار احتمالات ثباتها لوجود صعوبة ما في سحبها بعكس السهولة الموجودة في الحسابات الجارية مما يوفر لها بعض المبالغ باعتبار دخولها كمساهمة في عمليات الاستثمار كما يمكن اعتبارها قروضا كالحسابات الجارية وحينئذ فلا يمكن أن تجر إلى دخل. وقد عمدت الأطروحة الإيرانية إلى الإعلان عنها باعتبارها قرضا حسنا لا يجر إلى فائدة ولكنها في قبال ذلك فسحت المجال للبنوك عن الإعلان عن جوائز تمنحها لأصحاب حسابات التوفير، وترتفع أحيانا فرص الجوائز بارتفاع المبالغ والمدد المتبقية مما يشجع على مثل هذا الادخار. ولا بأس في هذا الأسلوب بعد إن لم يتضمن وعدا إلزاميا للمودعين فيها بأية فائدة.

стр. 14364

هل يمكن للعميل أن يسحب جزءا من أمواله من حساب استثماري قبل نهاية المدة؟ والحقيقة هي أنها كلما أمكن إبقاء الودائع مددا أكبر أمكن تفعيل المشاريع الاستثمارية بشكل أكثر أثرا إلا على البنك أن يؤمن للمودعين فرص السحب خلال مدد معينة فليس كل المودعين ممن يفضلون الاستثمار باستمرار على استحصال مبالغهم خلال مدد أقرب ومن هنا ... فإن للبنك أن يحدد مدة أدنى لإبقاء الودائع بحيث طلب المودع المبلغ أو جزءا منه فقد أهليته للحصول على جزء من الأرباح باعتبار أن هذه المدة الأدنى هي المدة المعدل التي يرى خبراء البنك أنها المدة التي توفر دخول الوديعة إلى مجال الاستثمار فكأن الوديعة مازالت غير مشغلة خلال هذه المدة وحينئذ فحتى لو فرضنا واقعا أن هذه الوديعة قد ساهمت إلى حد ما في عملية الاستثمار إلا أن ما يوجبه سحبها من خلل يتطلب اشتراط تنازل مالكها عن مثل هذه الآثار –لو كانت- لقاء إقدامه على السحب المبكر. وتعيين هذه المدة يضمن الحد الأدنى المطلوب أما بعد ذلك فيمكن أن يتحمل البنك اللاربوي حصول أنماط من السحب باعتبار أن هذه المدد بطبيعة الحال لن تحل في آن واحد، وأن الكثير من المودعين سوف يلتزمون بالإبقاء مددا أكبر انتظارا لأرباح أكبر كما أن عبء هذا السحب سوف يتوزع على مشاريع كثيرة. ثم إنه يمكن الإقدام على مشاريع وشروط على المستثمرين للالتزام بتوفير سيولة نقدية من أوقات محددة لمواجهة الحالات الطارئة. وعلى أي حال ... فإن البنك نفسه سوف يحل برأس ماله وبما لديه من سيولة متوفرة من الحساب الجاري محل المودعين الساحبين ليحصل على حصصهم من الأرباح لنفسه. نسأل الله جل وعلا أن يوفق أمتنا الإسلامية لبناء حياتها الاجتماعية والاقتصادية على أساس من تعاليم الإسلام السامية إنه السميع المجيب. الشيخ محمد علي التسخيري

стр. 14365

أحكام الودائع المصرفية تأليف القاضي محمد تقي العثماني قاضي محكمة النقض بباكستان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن الودائع المصرفية أصبحت اليوم من أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في تصرفاته المالية في كل بلد وقطر، ويتعلق بها كثير من الأحكام الشرعية التي لا بد من دراستها والبت فيها. وإنها وإن كانت ظاهرة جديدة من الظواهر التي أحدثها العالم المعاصر، ولكن الأحكام الشرعية المتعلقة بها يمكن استخراجها في ضوء المبادئ التي قررها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والتي فصلها فقهاء الأمة في كتبهم الفقهية. فنريد في هذا البحث أن نوضح الأحكام الشرعية المتعلقة بالودائع المصرفية، والله سبحانه هو الموفق والمعين. معنى الوديعة المصرفية: إن كلمة (الوديعة المصرفية) مترجمة من الكلمة الإنكليزية:Deposite Bank والمقصود منها (المال الذي أودعه صاحبه في مصرف من المصارف المالية، إما لمدة محددة، أو بتعاهد من الفريقين بأن للمالك أن يستعيده كله أو جزءا منه متى شاء) . والمعمول به في المصارف المعاصرة أن هذه الودائع لا تبقى عند المصرف كما هي، وإنما يختلط بعضها ببعض، ويستثمرها المصرف في تمويلات يقدمها إلى عملائه، ويطالبهم على ذلك بفائدة أو ربح، وإنها تكون مضمونة على المصرف، يلتزم المصرف بإعادتها إلى المالك في كل حال حسب الشروط المتفق عليها. وبهذا يتضح أن كلمة (الوديعة) المستعملة لهذا النوع من الأموال ليست في معناها الفقهي المصطلح، فإن الوديعة تبقى عند المودع كما هي، ولا تكون مضمونة عليه إلا عند التعدي. ولكن هذه الكلمة إنما استعملت لها في معناها اللغوي، فإنها فعلية من (ودع يدع) بمعنى أنها متروكة عند المودع. (١) وهو المصرف ههنا بغض النظر عن كونها أمانة أو مضمونة.

стр. 14366

أنواع الودائع المصرفية: وإن هذه الودائع المصرفية تنقسم –في عرف البنوك اليوم- إلى أنواع أربعة: ١- ودائع الحساب الجاري (Current Account) : وهي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بشرط أن يردها عليهم البنك كلما أرادوا. فيسحب أصحاب هذه الودائع ما شاؤوا من كمية النقود متى شاؤوا، ويلتزم البنك بأدائها إليهم فور الطلب، ولا يتوقف الأداء على إخطار سابق من قبل صاحب الوديعة. وإن هذا النوع من الودائع لا يدفع البنك إلى أصحابها شيئا من الفوائد. بل المعمول به في بعض البلاد أن البنك يطالب صاحب الوديعة برسوم على القيام بخدمة الإبقاء عليها. ولكن هذه الودائع تبقى عند البنك مختلطة لا تتميز وديعة شخص من وديعة الآخر. وكذلك يحق للبنك أن يستخدمها لصالحه، وإن كان المعمول به في البنوك أنهم يحتفظون بنسبة منها احتفاظا بالسيولة الكافية لمجاوبة طلبات السحب. ٢- الودائع الثابتة (fixed Deposite) : وهي الودائع المؤجلة إلى أجل معلوم. ولا يحق لصاحب الوديعة في هذا النوع أن يسحب شيئا منها إلا بعد فترة متفق عليها. وتتراوح هذه الفترة بين خمسة عشر يوما وسنة كاملة في عامة الأحوال. وإن البنك يستثمر هذه الودائع، ويدفع على ذلك فوائد إلى أصحابها بنسبة تختلف من حين إلى آخر حسب ظروف السوق. ٣- ودائع التوفير (Saving Account) : وهي الودائع التي ليست مؤجلة إلى أجل معلوم، ولكن حقوق السحب منها تخضع منها لضوابط لا يمكن معها لصاحب الوديعة أن يسحب كامل رصيده دفعة واحدة، وإنما يفرض البنك حدودا للسحب اليومي، أو شرط الإخطار السابق في بعض الأحيان. وإن هذا النوع من الودائع يشبه الحساب الجاري من حيث إنه يمكن لصاحب الوديعة أن يسحب قدرا منها متى شاء دون انتظار أجل معلوم. ويشبه الودائع الثابتة من حيث إنه لا يمكن سحب كاملها دفعة واحدة. وإن البنك يدفع على هذا النوع فوائد، ولكن نسبتها أقل من نسبة الفوائد في الودائع الثابتة. ٤- الخزانات المقفولة (lockers) : وهي الودائع التي تودع في مخازن معينة يستأجرها المودع من البنك، ويودع فيها أمواله بنفسه، ولا علاقة للبنك بهذه الأموال، بل ولا يعرف موظفو (البنك) ما أودع فيها، وأكثر ما يودع فيها المودعون حلي الذهب والفضة والأحجار الثمينة والمستندات ذات القيمة الكبرى، وقد توضع فيها النقود أيضا.

стр. 14367

التكييف الفقهي للودائع المصرفية ولنتكلم على التكييف الفقهي لكل نوع من هذه الأنواع الأربعة قبل أن نتقدم إلى بيان أحكامها؛ لأن الأحكام كلها تنبني على هذا التكييف. فأما النوع الرابع من هذه الودائع، وهي الخزانات المقفولة، فإن تكييفه لا خفاء فيه، فإنه استئجار من البنك لمخزن معلوم، وإن هذا المخزن يبقى بعد الاستئجار بيد المصرف، وتجري عليه أحكام الأمانة. أما الأنواع الثلاثة الأخرى، فيختلف تكييفها في البنوك التقليدية عن تكييفها في المصارف الإسلامية، فلنتكلم عن كل منها على حدتها. ودائع البنوك التقليدية: أما ودائع البنوك التقليدية، فقد خرجها معظم فقهاء عصرنا على أنها قروض يقدمها البنك، سواء كانت باسم الوديعة؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، لا للألفاظ. وإن هذا التكييف يشمل عندهم كل واحد من الأنواع الثلاثة المذكورة؛ لأن المال المودع في كل نوع من هذه الأنواع مضمون على البنك، سواء كان مودعا في الودائع الثابتة، أو في الحساب الجاري، أو في صندوق التوفير، وكونه مضمونا على البنك يخرجه عن طبيعة عقد الوديعة الاصطلاحية في الفقه الإسلامي، لكونها أمانة في يد المودع، غير مضمونة عليها. ولكن ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى التفريق بين الودائع الثابتة، وبين الحساب الجاري، فقالوا: إن الودائع الثابتة قروض في التكييف الفقهي؛ لأن صاحبها لا يملك سحب رصيده متى شاء، وهذا يخرجها عن طبيعة الوديعة ويجعلها قرضا، وكذلك المال المودع في حساب التوفير ليس وديعة، وإنما هو قرض؛ لأن صاحبه لا يتمكن من سحب كامل الرصيد في وقت واحد. ولكن المال المودع في الحساب الجاري عندهم يختلف عن هذين النوعين، ويزعمون أنه داخل في الوديعة رغم كونه مضمونا. وذلك لأن صاحب هذه الوديعة يملك سحب كامل رصيده متى شاء، دون أن يتوقف ذلك على شيء من الشروط؛ ولأن المودع في هذا النوع من الحساب لا يقصد أبدا أن يقرض ماله للبنك، ولا أن يشاركه في الربح أو الفائدة الحاصلة للبنك بعد استثماره، وإنما يريد إيداعه عند البنك لحفظه. وحيث لم يقصد المودع الإقراض، فلا يمكن أن نسمي فعله إقراضا، ونفسر القول بما يرضى به القائل. أما تصرف البنك في هذا المال بخلطه مع الأموال الأخرى أو استخدامه لصالحه، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه وديعة؛ لأنه تصرف بإذن المالك عرفا، فلا يخرج من كونه وديعة.

стр. 14368

ولكن هذا التكييف غير صحيح عندنا. وذلك لأن عامة المودعين لا يعرفون الفرق بين مصطلحات الوديعة والقرض والدين، ولا تهمهم المصطلحات، وإنما تهمهم النتائج العملية، فالمودع – في عامة الأحوال- لا يرضى بإيداع نقوده في البنك إلا إذا ضمن البنك بردها إليه. ولو علم المودع أن هذا المال يبقى أمانة بيد أصحاب البنك بحيث إذا سرقت منه أو ضاعت بدون تعد منه فإن البنك لا يردها إليه، فإنه لا يرضى بإيداعه في البنك، ولولا أن البنك قد أعلم صراحة، أو بحكم العرف السائد في البنوك، أنه يضمن للمودعين ما أودعوا عنده من أموال، لما تقدم معظم المودعين إليه لإيداع أموالهم عنده. وهذا دليل على أن المودعين يقصدون أن تبقى أموالهم عند البنك بصفة مضمونة، وأن يكون للبنك عليها يد ضمان، دون يد أمانة. ويد الضمان لا تثبت بالوديعة، وإنما تثبت بالقرض، فثبت أنهم يقصدون الإقراض دون الإيداع بمعناه الفقهي الدقيق، غير أن مقصودهم الأساسي من وراء هذا الإقراض هو حفظ أموالهم بطريق مضمون، لا التبرع على البنك لمساعدته في مهماته، وإن هذا القصد لا يخرج العقد من كونه قرضا؛ لأن عقد القرض يعتمد على أمرين: الأمر الأول: أن يعطي المال إلى أحد ويؤذن له بصرفه لصالحه، بشرط أن يرد مثله إلى المقرض متى طلب منه ذلك. والأمر الثاني: أن يكون المال المدفوع مضمونا على المستقرض. وهذان العنصران متوفران في الودائع المصرفية. أما أن يقصد المقرض التبرع على المستقرض لمساعدته في مهمته، فليس داخلا في صلب معنى القرض، فقد يتوفر هذا المعنى في بعض القروض، وقد لا يتوفر. فهذا الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، كان يأتي إليه الناس ليودعوا أموالهم عنده، ولا يقصدون بذلك مساعدة الزبير ﵁ وإنما يقصدون كانوا حفظ أموالهم، ولكن لم يرض الزبير ﵁ بقبول هذه الودائع إلا إذا أذنوا له بالتصرف في هذه الأموال على أن تكون مضمونة عنده، فكان يقول لهم: (لا، لكن هو سلف) (١) . فسمى العقد سلفا، وهو القرض، بالرغم من أن دائنيه لم يقصدوا إقراضه لمساعدته، وإنما قصدوا أموالهم لا غير.

стр. 14369

فظهر بهذا أن قصد حفظ المال لا ينافي كون العقد قرضا. والحق أن عقد القرض وإن كان عقد تبرع من حيث إن المقرض لا يستحق شيئا فوق مقدار ما أقرضه، ولكنه عقد مالي يعتمد على مصلحة الجانبين، فقد تكون مصلحة المقرض أن يؤجر على قرضه في الآخرة فقط (وذلك في القروض التي تقدم إلى المحتاجين بقصد مساعدتهم) وقد تكون مصلحته أن يصير ماله دينا مضمونا على المستقرض، وهذه هي المصلحة التي تدعو الناس إلى إيداع أموالهم في البنوك، ولولا هذه المصلحة لما رجعوا إلى البنوك لحفظ أموالهم. فتبين أنهم يقصدون الإقراض، غير أنهم في عامة الأحوال لا يعرفون أن ما يقصدونه يسمى إقراضا في الاصطلاح الفقهي، فلا يطلقون عليه كلمة الإقراض. وقد يقال: إن الودائع المصرفية من الحساب الجاري ليست قروضا، وإنما هي وديعة فقهية، غير أن أصحابها قد أذنوا للبنك بخلطها بالأموال الأخرى، واستخدامها لصالحهم، وإن مجرد هذا الإذن لا يخرجها من كونها وديعة، ولكن هذا التكييف لا يصح فقها. وذلك لأن صاحب المال إذا أذن للمودع بخلط الوديعة بماله، فإن العقد ينقلب إلى شركة الملك، ويصير المال المخلوط مشتركا بينهما، كما صرح به الفقهاء. (١) .ومعلوم أن يد الشريك على مال شريكه يد أمانة، فينبغي أن لا يكون ضامنا لما هلك بغير تعد منه. ولكن أصحاب الأموال الذين يودعون أموالهم في البنك لا يرضون أبدا بأن تكون يد البنك على أموالهم يد أمانة، وإنما يقصدون أن تكون هذه الأموال مضمونة عليه. فتبين أنهم لا يقصدون عقد الوديعة إطلاقا، وإنما يقصدون الإقراض. فثبت بهذا أن الودائع المصرفية في البنوك التقليدية، بأنواعها الثلاثة، كلها قروض يقدمها أصحاب الأموال إلى البنك، فتجري عليها جميع أحكام القرض.

стр. 14370

هل يجوز إيداع الأموال في البنوك التقليدية؟ وبعد وضوح حقيقة هذه الودائع، وثبوت كونها قروضا، ننتقل إلى السؤال الثاني، وهو هل يجوز للمسلمين أن يودعوا أموالهم في البنوك التقليدية التي تعمل في إطار ربوي؟ أما الودائع الثابتة، وودائع التوفير، فإن البنك يدفع فائدة مضمونة لأصحابها. وبما أن هذه الودائع قروض بلا خلاف، فما تدفعه البنوك زيادة على رأس المال، فإنه ربا صراح لا سبيل إلى جوازه. وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي في ذلك قرارا في دورته الثانية، فمن يتقدم إلى البنك لإيداع أمواله في هذين النوعين فإنه يعقد معه عقد قرض ربوي، وذلك حرام، فلا يجوز لمسلم أن يودع ماله في أحد من هذين النوعين. وقد ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أنه يجوز للمسلم أن يودع أمواله في هذين النوعين، ولكن لا يجوز له أن يستعمل الفوائد الحاصلة منها لصالحه بل يتصدق بها على الفقراء، أو يصرفها في وجوه الخير. ولسنا نؤيد هذا الرأي، وذلك لأن الإيداع في البنوك من أجل الحصول على الفوائد، ولو كان بنية صرفها في وجوه البر، دخول في معاملة ربوية، وهو حرام بالنص. وإن الصرف في وجوه البر طريق يلجأ إليه التائب من الذنب لاستخلاص رقبته من الكسب الخبيث الذي اكتسبه بطريق غير مشروع، إما لكونه جاهلا عن كونه غير مشروع، أو لكونه لا يهتم بالتزام الشريعة في معاملاته التجارية أو المالية. إما أن يختار رجل ملتزم بالشريعة هذا الطريق المحظور لصرف كسبه الخبيث إلى وجوه البر، فإنه مثل أن يقترف الإنسان إثما بنية أن يتوب منه، وإن المفروض من المسلم أن لا يقارف ذنبا حتى يحتاج كفارته.

стр. 14371

هذا بالنسبة للبنوك التقليدية الموجودة في البلاد المسلمة. أما البنوك التي يملكها غير المسلمين في البلاد غير المسلمة فقد ذهب العلماء المعاصرين إلى جواز الإيداع فيها والانتفاع بالفوائد الحاصلة منها على أساس قول الإمام أبي حنيفة ﵀ من أنه يجوز أخذ مال الحربي برضاه وأنه لا ربا بين المسلم والحربي. وإن هذا القول لم يقبله جمهور الفقهاء حتى إنه لم يفت به الفقهاء المتأخرون منهم الحنفية. وبما أن حرمة الربا منصوص عليها بنص قطعي يؤذن بحرب من الله ورسوله لمن لا يتركه، فلا ينبغي في عموم الأحوال أن يدخل المسلم في معاملة الربا، وإن كانت مع الحربيين. ولكن هناك نقطة جديرة بالتأمل. وهي أن البلاد الغربية قد سيطرت اليوم على عامة بلاد المسلمين، وإن من أهم عوامل غلبتهم ما غصبوا من الأموال الجمة من بلاد المسلمين، أو أخذوها عن طريق الربا على القروض التي استقرضها منهم تلك البلاد. وفي جانب آخر، إن هذه البلاد تحوز كميات هائلة من أموال المسلمين التي أودعها المسلمين في بنوكهم، ينتفعون بها لصالحهم، بل يستخدمونها لإنجاز خططهم السياسية والحربية ضد المسلمين، فلو ترك المسلمون فوائد أموالهم في تلك البنوك، فإن ذلك تقوية لهم. وإن هذه الظروف قد تجعلني أميل إلى القول بأن المسلمين يجوز لهم أن يأخذوا فوائد ودائعهم، ولكن لا ينبغي أن يصرفوا مبالغ الفائدة في حاجاتهم، بل ينبغي أن يصرفوها في وجوه البر، فإن ذلك يقلل من الأضرار التي يعانيها المسلمون بإيداع أموالهم عندهم. والمسألة مطروحة لدى العلماء للبت فيها.

стр. 14372

الإيداع في الحساب الجاري من البنوك الربوية أما الإيداع في الحساب الجاري من البنوك الربوية، فقد أسلفنا أن البنوك لا تدفع للمودعين في هذا الحساب أية فائدة، فالإيداع فيه لا يستلزم الدخول في عقد قرض ربوي. فينبغي أن يجوز من هذه الجهة، ولكن قد يستشكله بعض العلماء المعاصرين بأنه وإن لم يكن قرضا ربويا، ولكن فيه إعانة للبنك في المعاملات الربوية؛ لأن من المعلوم أن البنك الربوي لا يمسك هذه الودائع جامدة، وإنما يستثمرها في القروض الربوية، فيصير المودع للبنك في ممارسته الربوية. ولكن هذا الإشكال يمكن أن يزال بوجوه: ١- إن المعمول به في جميع المصارف أن البنك لا يصرف جميع ودائع الحساب الجاري في إنجاز أعماله، وإنما يمسك منها نسبة كبيرة ليمكن له تجاوب متطلبات المودعين كل يوم، وبما أن الودائع كلها مختلطة بعضها ببعض، فلا يمكن الجزم لمودع واحد أن ودائعه مصروفة في معاملة ربوية. ٢- إن للبنك مصاريف كثيرة، وليست جميع هذه المصاريف محظورة شرعا، فمنها ما لا حرمة فيها، ولا يمكن الجزم لمودع ما أن وديعته تستخدم لمصروف لا يحل. ٣- إن القرض اللاربوي عقد جائز شرعا، وإن النقود لا تتعين بالتعيين في العقود الصحيحة، كما تقرر في محله، وإن النقود التي أودعها أحد في الحساب الجاري للبنك لم تعد ملكا له، وإنما صارت ملكا للبنك بحكم الإقراض، فتصرف البنك في تلك النقود ليس تصرفا في ملك المودع، وإنما هو تصرف في ملكه، فلا ينسب هذا التصرف إلى المودع. ٤- إن الإعانة على المعصية، وإن كانت حراما، ولكن لها ضوابط ذكرها الفقهاء، وليس هذا موضع بسطها (١) ، ولوالدى العلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى في ذلك رسالة مستقلة جمع فيها النصوص الفقهية الواردة في مسألة الإعانة، ثم توصل إلى تنقيح الضابط فيها بما يلي:

стр. 14373

(إن الإعانة على المعصية حرام مطلقا بنص القرآن، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] ولكن الإعانة حقيقة هي ما قامت المعصية بعين فعل المعين، ولا يتحقق إلا بنية الإعانة أو التصريح بها، أو تعينها في استعمال هذا الشيء، بحيث لا يحتمل غير المعصية، وما لم تقم المعصية بعينه لم يكن من الإعانة حقيقة، بل من التسبب. ومن أطلق عليه لفظ الإعانة فقد تجوز، لكونه صورة إعانة، كما مر من السير الكبير. ثم السبب إن كان سببا محركا وداعيا إلى المعصية، فالتسبب فيه حرام، كالإعانة على المعصية بنص القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب:٣٣] . وإن لم يكن محركا وداعيا، بل موصلا محضا، وهو مع ذلك سبب قريب بحيث لا يحتاج في إقامة المعصية به إلى إحداث صنعة من الفاعل، كبيع السلاح من أهل الفتنة، وبيع العصير ممن يتخذه خمرا، وبيع الأمرد ممن يعصي به، وإجارة البيت ممن يبيع فيه الخمر، أو يتخذها كنيسة أو بيت نار وأمثالها، فكله مكروه تحريما، بشرط أن يعلم به البائع والآجر من دون تصريح به باللسان، فإنه إن لم يعلم كان معذورا، وإن علم وصرح كان داخلا في الإعانة المحرمة. وإن كان سببا بعيدا، بحيث لا يفضي إلى المعصية على حالته الموجودة، بل يحتاج إلى إحداث صنعة فيه، كبيع الحديد من أهل الفتنة وأمثالها، فتكره تنزيها) . (١) وقد تحدث رحمه الله تعالى عن هذه المسألة في مقالة أردية له بأوضح مما ههنا، وإليكم ترجمته مع تلخيص من عندي: (إن أخذنا التسبب بمعناه العام، فلن يبقى عمل مباح على وجه الأرض. فإن زراعة الحبوب الغذائية والثمار يسبب النفع لأعداء الله، وكذلك من ينسج الثياب، فإنه يهيئ لباسا للبر والفاجر، وربما يستعمله الفاجر في فجوره ... فلا بد إذن من الفرق بين السبب القريب والبعيد. فالسبب البعيد لا حرمة فيه.

стр. 14374

أما السبب القريب، فهو أيضا على قسمين: القسم الأول ما كان باعثا للإثم بمعنى كونه محركا له، بحيث لولا هذا السبب، لما صدرت المعصية. وإن إحداث مثل هذا السبب حرام كارتكاب المعصية سواء بسواء، وإن هذا القسم من السبب قال فيه الشاطبي في الموافقات: إن إيقاع السبب إيقاع للمسبب ... وبما أن إحداث مثل هذا السبب في حكم ارتكاب المعصية بالذات، فتنسب المعصية إلى المسبب، ولا تنقطع هذه النسبة عنه بتخلل فعل فاعل مختار. والقسم الثاني من السبب القريب، ما ليس بمحرك للمعصية في نفسه، بل تصدر المعصية بفعل فاعل مختار، مثل بيع ممن يتخذه خمرا، أو إجارة الدار لمن يتعبد فيها للأصنام، فإن هذا البيع أو الإجارة وإن كان سببا قريبا للمعصية، ولكنه ليس جالبا أو محركا للمعصية في نفسه ... وحكم هذا النوع من السبب القريب أن البائع أو المؤجر إن قصد بذلك إعانة المشتري أو المستأجر على معصيته، فهو حرام قطعا. أما إذا لم ينو بذلك المعصية، فله حالتان: الحالة الأولى أنه لا يعلم أن المشتري يتخذ من العصير خمرا. وفي هذه الحالة يجوز البيع بلا كراهة. أما إذا علم أنه يتخذه خمرا، فإن البيع مكروه ... فإن كان المبيع يستعمل للمعصية بعينه، من غير احتياج إلى تغيره، فالكراهة تحريمية، وإلا فهي تنزيهية) . (١) وإذا نظرنا في الودائع المصرفية على هذا الأساس وجدنا أن إيداع رجل أمواله في الحساب الجاري ليس سببا محركا أو داعيا للمعاملات الربوية، بحيث لو لم يودع هذا الرجل ماله، لم يقع البنك في معصية، فدخل في القسم الثاني، ولا يقصد المودع في عامة الأحوال أن يعين البنك في ممارساته الربوية، وإنما يقصد به حفظ ماله. ثم إن المودع لا يعلم بيقين أن ماله سوف يستخدم في معاملة ربوية، بل يحتمل أن يبقى عند البنك، أو يستخدم في معاملة مشروعة، ولو استخدمه البنك في معاملة ربوية، فإن النقود لا تتعين بالتعيين في عقود المعاوضة المشروعة، فلا تنسب هذه المعاملة إلى النقود التي أودعها، وإنما تنسب إلى النقود التي صارت ملكا للبنك. وغاية ما في الباب أن يكون هذا الإيداع مكروها كراهة تنزيه، ولا شك أن كثيرا من المعاملات المشروعة اليوم أصبحت مرتبطة بالبنوك، ويحتاج الإنسان لإنجازها أن يكون له حساب مفتوح في إحدى البنوك، فالحاجة ظاهرة مشاهدة، وترتفع مثل هذه الكراهة التنزيهية بمثل هذه الحاجة إن شاء الله تعالى.

стр. 14375

تكييف الودائع في المصارف الإسلامية: أما الأموال المودعة في المصارف الإسلامية، فإن ما أودع في حساباتها الجارية، فإنه ينطبق عليه ما ذكرنا في الحسابات الجارية للبنوك التقليدية سواء بسواء، فهي قروض قدمها أصحابها إلى البنك، وهي مضمونة عليه، وتجري عليها جميع أحكام القرض: ولكن يختلف تكييف الودائع الثابتة وحسابات التوفير في البنوك الإسلامية من تكييفها في البنوك التقليدية، فإن هذه الودائع قروض أيضا في البنوك التقليدية قدمت إليها على أساس الفائدة الربوية، ولكن البنوك الإسلامية لا تعمل على أساس الفائدة الربوية، بل إنما تقبل هذه الودائع على أن يشاركها أصحابها في ربحها إن كان هناك ربح، فليست هذه الودائع في البنوك الإسلامية قروضا، وإنما هي رأس مال في المضاربة، وإنها تستحق حصة مشاعة من ربح البنك، وتحتمل حصة مشاعة من الخسران إن كان هناك خسران، وليست مضمونة على البنك، فلا يضمن البنك أصلها ولا ربحها، إلا إذا حصل هناك تعد من قبل البنك، فإنه يضمن بقدر التعدي. والفرق بين ودائع المودعين وأسهم المساهمين –على ما يظهر لي- أن العقد بين المودعين والبنك عقد مضاربة، وإنه فيما بين المساهمين أنفسهم عقد شركة. وذلك لأن المساهمين لهم حق التصويت في المجلس العام للبنك، فكأنهم قدموا المال والعمل جميعا إلى البنك، وهذا شأن الشركاء. وأما المودعون فليس لهم حق التصويت في المجلس العام، فليس لهم أي تصرف في تخطيط أعمال البنك وتسييرها، وإنما يقدمون الأموال إلى البنك فحسب، شأن رب المال في المضاربة، ثم إن المساهمين بمجموعهم مضاربون للمودعين بالنسبة إلى رصيد الودائع، فعلاقتهم فيما بينهم علاقة الشركاء، وعلاقتهم مع المودعين علاقة المضاربة، وإن مثل هذه العلاقات المزدوجة غير أجنبية للفقه الإسلامي. فقد ذكر الفقهاء أن المضارب لو خلط مال المضاربة بمال نفسه فإنه يجوز، فيكون مضاربا في النصف مالكا للنصف. (١)

стр. 14376

ضمان الودائع المصرفية تبين مما سبق أن الودائع المصرفية في البنوك التقليدية قروض قدمها أصحابها إلى البنك، سواء أكانت ودائع ثابتة، أو ودائع الحساب الجاري، أو ودائع التوفير. فجميع هذه الودائع مضمونة على البنك، بحيث يجب عليه ردها إلى المودعين، سواء ربح البنك في عملياتها أو خسر؛ لأن القرض مضمون على المستأجر في كل حال. وكذلك الحسابات الجارية في البنوك الإسلامية قروض مضمونة على البنك. ومن هنا ينشأ السؤال: هل ضمان هذه القروض على المساهمين والمودعين جميعا، أم على المساهمين وحدهم؟ وهو السؤال الخامس من الأسئلة المطروحة من قبل أمانة مجمع الفقه الإسلامي. والجواب عن هذا السؤال: أن هذا الضمان إنما هو على المساهمين فقط، ولا يلزم المودعين. وذلك لأن المستقرض هو البنك الذي يملكه المساهمون. أما المودعون في الحساب الجاري، فإنهم مقرضون للبنك، ولا يضمن مقرض واحد لمقرض آخر. وكذلك المودعين في الودائع الثابتة وفي حسابات التوفير للبنوك التقليدية فإنهم كلهم مقرضون.

стр. 14377

وأما المودعون في حسابات الاستثمار للبنوك الإسلامية، فقدمنا أنهم أرباب أموال في المضاربة، وأن المساهمين مضاربون لهم في حصة ودائعهم، ومشاركون بالنسبة إلى مبالغ سهامهم، فصارت أصول البنك مشتركة مخلوطة بين المساهمين والمودعين، ترجع غنمها وغرمها إلى كل منهما حسب حصته في الأصول، ولما كانت الحسابات الجارية قروضا يستفيد منها البنك في سائر عملياته، ويرجع نفعها إلى المساهمين والمودعين جميعا، فكل واحد من هذين القسمين ضامن للقروض التي يستفيد بها. (١) ، وذلك على أساس القاعدة المعروفة أن الخراج بالضمان، وأن الغنم بالغرم. وبعبارة أخرى، فإن المستقرض بالنسبة للحسابات الجارية هو البنك، والبنك يتألف من المساهمين والمودعين في الودائع الثابتة وودائع التوفير؛ لأن كل واحد من القسمين مشارك في عمليات البنك، ولا تؤخذ قروض الحسابات الجارية إلا لإنجاز هذه العمليات التي يشاركها فيها المساهمون والمودعون، فتكون هذه القروض مضمونة عليهما جميعا، فلا يوزع الربح فيما بين المساهمين والمودعين في حساب الاستثمار إلا بعد تلبية طلبات المودعين في الحساب الجاري لاسترداد مبالغهم، وعند تحليل لبنك يقدم أصحاب الحساب الجاري بصفة كونهم مقرضين في قضاء ديونهم، وإنما يستحق المساهمون وأصحاب حساب الاستثمار أصولهم أو أرباحهم بعد قضاء ديون الحساب الجاري، بصفة كونهم مستقرضين. وقد يستشكل هذا بأن هناك ودائع كثيرة في الحساب الجاري قد أودعها أصحابها في البنك قبل أن يدخل شخص في حساب الاستثمار، فكيف يضمن هذا الشخص الجديد القروض التي استقرضها البنك قبل أن يكون شريكا فيه؟ والجواب عن هذا الإشكال أن من يدخل في تجارة جارية كشريك، فإنه يشارك تلك التجارة في جميع ديونها وأرباحها، سواء كانت تلك الديون قد تحملتها التجارة قبل دخوله فيها، فكذلك هؤلاء المودعين، يدخلون في البنك كشركاء، فيتحملون ضمان هذه القروض.

стр. 14378

استخدام الحساب الجاري كرهن أو ضمان وقد طرحت من قبل الأمانة العامة للجميع مسألة استخدام الحساب الجاري كرهن، والمراد منها: هل يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يرهن المبلغ المودع في هذا الحساب توثيقا لدين قد يجب عليه لسبب أو آخر؟ والجواب عن هذا السؤال أن المرهون يجب عند الجمهور أن يكون عينا متقوما يجوز بيعه (١) ، فلا يصلح الدين أن يكون رهنا، وقدمنا أن الحساب الجاري دين صاحبه ذمة البنك، فلا يصح رهنه على قول جمهور الفقهاء، وقد ذهب المالكية إلى جواز رهن الدين عند المدين وغيره، ولكن اشترطوا لصحة رهنه عند المدين أن يكون أجل الدين المرهون مثل أجل الدين المرهون به أو أبعد منه. قال العدوي ﵀: (ويشترط في صحة رهنه من المدين أن يكون أجل الرهن مثل أجل الدين الذي رهن به أو أبعد، لا أقرب؛ لأن بقاءه بعد محله كالسلف، فصار في البيع بيعا وسلفا، إلا أن يجعل بيد أمين إلى محل أجل الدين الذي رهن به) . (٢) وفي ضوء هذه النصوص، يحتمل أن يكون لرهن الحساب الجاري صور مختلفة: ١- أن يكون للبنك نفسه دين على صاحب الحساب الجاري، فيرهن حسابه للبنك توثيقا لدينه. وذلك يجوز عند المالكية بشرط أن يؤجل الحساب الجاري إلى أجل دينه، بحيث لا يملك صاحبه سحب ما يزيد على دين البنك قبل حلول أجله. أما على قول الجمهور، فمقتضى قولهم أنه لا يصح الحساب الجاري رهنا لكونه دينا، والدين ليس عينا يصح بيعه.

стр. 14379

٢- أن يكون الدائن غير البنك، فيرهن المدين حسابه الجاري عنده بحيث يملك الدائن السحب من ذلك الحساب متى شاء. ومقتضى ما ذكرنا من قول المالكية أن يجوز هذا الرهن مطلقا. أما على قول الجمهور فلا يصح ذلك رهنا؛ لأن الدين لا يرهن عندهم. ولكن يمكن أن يصح ذلك على أساس الحوالة، فكأن صاحب الحساب أحال دائنه على البنك بحيث يستطيع أن يستوفي دينه من البنك متى شاء. ٣- أن يكون الدائن غير البنك، فيطالب المدين أن يجمد حسابه الجاري في البنك إلى أن يحل أجل الدين. ويحتمل تخريجه على أنه رهن وضع على يد فريق ثالث يسمى في الفقه (عدلا) ولكن الرهن الموضوع على يد العدل يكون أمانة في يده، ولا يجوز للعدل أن يتصرف فيه أو ينفقه لصالحه، وظاهر أن البنك يتصرف في جميع الحسابات الجارية، فلا يكون أمينا للمبالغ المودعة فيها، فلا ينطبق عليه مبدأ وضع الرهن على يد العدل، إلا أن يقال: إن العدل قد أذن له الدائن والمدين كلاهما أن يتصرف في المبلغ المرهون بشرط الضمان، ولم أر حكمه في كتب الفقه صراحة، غير أنه يظهر أنه لا مانع من ذلك، والله سبحانه أعلم. هذا إذا كان الدين المرهون به مؤجلا، أما إذا كان حالا، كالقرض الذي لا يتأجل بالتأجيل عند الحنفية وغيرهم، فيمكن تخريج تجميد الحساب على أساس الحوالة، كما قدمنا في الصورة الثانية.

стр. 14380

رهن الوديعة الاستثمارية: أما الودائع الاستثمارية في البنوك التقليدية، فلا يختلف حكمها عن الحسابات الجارية؛ لأنها قروض كما أسلفنا، فينطبق عليها جميع ما قلنا في رهن الحسابات الجارية. أما في البنوك الإسلامية، فليست الودائع الاستثمارية دينا على البنك، وإنما هي حصة مشاعة للمستثمر في موجودات البنك، فلا يجوز رهنها على قول من يمنع رهن المشاع، وهم الحنفية. فإن الأصح عندهم أنه لا يجوز رهن المشاع، ولو كان من شريكه (١) ، وأما الشافعية والمالكية والحنابلة، فإنهم لا بأس عندهم برهن المشاع (٢) ، فيجوز عندهم رهن الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية. تجميد البنك أموال صاحب الحساب طرحت الأمانة العامة للمجمع سؤالا آخر، وهو: هل يجوز للبنك أن يحجز أموال العميل المودع في حساب جار لتصفية حقوق عليه ناشئة من عمليات أخرى وبعبارة أخرى: هل يجوز للبنك أن يجمد الحساب الجاري لعميله، وأن يستوفي منه حقوقه المالية التي وجبت عليه من خلال عمليات التمويل؟ والجواب عن هذا السؤال: أن هذا التجميد إن كان برضا من صاحب الحساب، فتجري عليه أحكام الرهن حسبما فصلنا في الجواب عن السؤال السابق. وكذلك استيفاء البنك ديونه على العميل من حسابه الجاري، إن كان برضا منه، فتجري عليه أحكام المقاصة. أما إذا كان بدون إذن من صاحب الحساب، بأن كانت عليه ديون للبنك، ولم يوفها في موعدها، فأراد البنك أن يستوفيها من حسابه الجاري المفتوح عنده، فتنطبق عليه المسألة المعروفة عند الفقهاء والمحدثين باسم (مسألة الظفر) . وحاصل المسألة أن الدائن إذا ظفر بمال المدين هل يجوز له أن يستوفي حقه من ماله الذي ظفر به؟ وقد ذكر الفقهاء أن المدين إن كان مانعا للدين لأمر يبيح المنع، كالتأجيل والإعسار، لم يجز أخذ شيء من ماله، وكذلك إن كان المدين مانعا بغير حق، لكن يقدر الدائن على استخلاص حقه بالحاكم، لم يجز له الأخذ أيضا، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا أن هناك وجها عند الشافعي ﵀ يجيز له الأخذ. وأما إذا لم يقدر الدائن على استخلاص حقه بحكم الحاكم فهذا موضع خلاف بين الأئمة على الشكل التالي. (٣) ١- قال الشافعي رحمه الله تعالى: جاز له أخذ حقه مما ظفر به، سواء كان المال الذي يجده من جنس حقه، أو من خلاف جنسه، وهو رواية عن مالك ﵀.

стр. 14381

٢- قال أحمد رحمه الله تعالى في المشهور عنه: ليس له الأخذ من ذلك المال، بل يرده، ثم يطالبه بدينه، وهو رواية عن مالك ﵀. ٣- وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز له الأخذ إن كان ما وجده من جنس حقه، مثل أن تكون له على المدين دراهم، فوجد دراهم مملوكة له. يجوز له أخذها بقدر حقه، ولا يجوز له إن كان من غير جنسه، مثل أن تكون له على المدين دراهم، فوجد دنانير، لا يجوز له الأخذ. هذا أصل مذهب الحنفية، لكن المتأخرون من فقهاء الحنفية أفتوا في هذه المسألة بقول الشافعي، ﵀، فأجازوا للظافر أن يستوفي حقه مما ظفر به من مال المدين مطلقا، سواء كان المال الذي ظفر به من جنس حقه، أو لم يكن. يقول ابن عابدين ناقلا عن شرح القدوري للأخصب: (إن عدم جواز الأخذ من خلاف الجنس كان في زمانهم، لمطاوعتهم في الحقوق. والفتوى اليوم على جواز الأخذ عند القدرة من أي مال كان، لا سيما في ديارنا، لمداومتهم العقوق) . (١) وقد وردت عن المالكية في ذلك روايات ثلاثة، كالمذاهب الثلاثة المتقدمة. والمشهور من مذهبهم أنه إن لم يكن للمدين دائن آخر، سوى الظافر، فله أن يأخذ بقدر حقه، وإن كان له دائن آخر لم يجز؛ لأنهما يتحاصان في ماله إذا أفلس. وقد استدل المجوزون للأخذ, وهم الجمهور, بحديث هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان ﵄ أنها قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح, لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني, إلا ما أخذت من ماله بغير علمه, فهل على في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ ((: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)) (٢) وعلى أساس هذا الحديث, الراجح من مذهب الشافعية والحنفية, يجوز للبنك أن يستوفي حقه, كله أو بعضه, من الأموال المودعة عنده في الحساب الجاري المدين. ومن المناسب, رفعًا للخلاف الفقهي المذكور, أي يضيف في اتفاقيته مع عملائه بندًا يصرح بأنه يحق للبنك, إذا قصر العميل في أداء ما يجب عليه في موعده, أن يستوفي حقه من حسابه المودع لدى البنك. وإذا وقع العميل على هذا البند من الاتفاقية, فإنه يرضى بمقاصة ما يجب عليه من حسابه الجاري أو من حساب الاستثمار , وحينئذ, تخرج المسألة من مسألة الظفر, وتجري عليها أحكام المقاصة بالتراضي, ويجوز ذلك عند جميع الفقهاء بدون أي خلاف.

стр. 14382

طريق محاسبة الودائع المصرفية المعروف في البنوك التقليدية اليوم أنها تعد لائحة الموجودات والمطلوبات (Balance Sheet) للبنك. فالموجودات: هي الأموال التي هي موجودة بيد البنك, أو يتوقع الحصول عليها في المستقبل, مثل التمويلات المقدمة إلى العملاء, التي يرجو البنك استرداها مع الفوائد. والمطلوبات: هي الأموال التي لها مطالب خارج البنك, ويجب على البنك أن يؤديها إلى مطالبيها. ومن عادة البنوك التقليدية أنها تدرج جميع الودائع المصرفية في المطلوبات؛ لأنها تلتزم بردها إلى أصحابها, إما عند طلبهم في الحسابات الجارية وحسابات التغير, وإما عند حلول أجلها في الحسابات الثابتة. أما التمويلات التي يقدمها البنك إلى عملائه, فإنها تدرج في بند الموجودات, لأن البنك يتوقع استردادها منهم مع الفوائد. أما البنوك الإسلامية, فلا يستقيم فيها هذا الوضع. أما حساباتها الجارية, فإنها تدرج في المطلوبات كما أنها تدرج في البنوك التقليدية, وذلك لما أسلفنا من أن الحسابات الجارية ديون على البنك يستحقها أصحابها, أما حسابات الاستثمار , فليست ديونا على البنك, وإنما هي أموال شركة أو مضاربة اختلطت مع أموال البنك الأخرى, وليست هذه الأموال مضمونة على البنك, فلا يستقيم إدراجها في قائمة المطلوبات بالمعنى الدقيق. وكذلك التمويلات التي يقدمها البنك إلى عملائه لا يمكن إدراج جميعها في الموجودات؛ لأن التمويلات المقدمة على أساس المشاركة والمضاربة غير مضمونة, فإن العميل لا يستطيع أن يضمن أصلها فضلا عن ربحها. نعم يمكن إدراج أثمان المرابحات وأجرة المؤجرات في مطلوبات البنك. وعلى هذا الأساس, لا يمكن أن تكون لائحة البنك الإسلامي مماثلة للائحة بنك تقليدي من كل الوجوه, بحيث تساوي مبالغ موجوداته مبالغ المطلوبات مائة في مائة. بل ينبغي أن تكون لائحة البنك الإسلامي مثل لائحة شركة تجارية أخرى. وهذا يوافق طبيعة البنك الإسلامي؛ لأنه ليس مؤسسة للإقراض والاقتراض فقط, وإنما هي مؤسسة تجارية تساهم التجارة الوطنية في أربحها وأخطارها. ولئن وضع بنك إسلامي لائحته على طراز بنك تقليدي بإدراج حسابات الاستثمار في المطلوبات وبإدارج التمويلات كلها في الموجودات, فإن ذلك إنما يكون على سبيل التقريب والاحتمال, لا على أساس القطع واليقين. والله سبحانه أعلم.

стр. 14383

طريق محاسبة الربح للمودعين في حساب الاستثمار وإن من أهم مسائل الودائع المصرفية طريق محاسبة الربح الحاصل على كل وديعة. والمشكلة إنما نشأت من جهة أن الشركة والمضاربة في أصلهما إنما تتصوران تجارة يحدثها رجلان أو رجال معدودون، والشركاء كلهم يعقدون الشركة فيما بينهم منذ أول نشأة عملية تجارية، ويبقون بهذه الصفة إلى أن تنض الأموال ويوزع الربح بينهم على أساس التنضيض الحقيقي، وحينئذ لا غموض في محاسبة الربح أو الخسارة. ولكن الشركات المساهمة الكبيرة اليوم يساهم فيها مئون من الرجال، ويخرج من عقد الشركة عدد كبير من الناس كل يوم، ويدخل فيها آخرون. ومما يزيد الأمر تعقيدا هو تعامل البنوك المعاصرة من كون ودائع كل رجل تزيد وتنقص كل يوم، فإن من يفتح حسابا في البنك، فإنه قد لا يحتاج إلى سحب بعض المبالغ منه في يوم، ثم إلى إيداع بعضها مرة أخرى في يوم آخر، وإن هذه العملية لا تختص بالحسابات الجارية فقط، بل يجري مثل ذلك في حسابات التوفير، حتى في الودائع الثابتة، فإن الودائع الثابتة وإن كان المفروض فيها أن تكون مؤجلة إلى أجل معلوم، ولا يملك صاحبها أن يسحب منها شيئا قبل أن يحل ذلك الأجل، ولكن المعمول به في أكثر البنوك أنها تسمح لصاحبها أن يسحب هذه الودائع أيضا عندما يحتاج إليها، وينقص البنك من فائدته بحساب ما بقي من أيام الأجل. ثم إن حسابات الودائع الثابتة كلها لا تفتح في تاريخ واحد، بل تختلف تواريخ هذه الودائع من شخص إلى آخر، كما تختلف آجالها من حساب إلى حساب، فلا تكون فترات الإيداع واحدة لجميع الأشخاص، بل يكون بينها تباين لا يحتمل التوفيق، فإذا حولت هذه العمليات إلى عقود الشركة أو المضاربة، فإن من الصعب جدا أن تحدد الأرباح والخسائر المتأتية على كل وديعة على الأساس المعروف لتحديدها.

стр. 14384

وقد يقترح بعض الناس أن تغير البنوك الإسلامية طريق قبول الودائع مما هو معمول به في البنوك التقليدية، فلا تقبل ودائع التوفير والودائع الثابتة إلا في تواريخ محددة ولآجال موحدة، لتبتدئ فترة جميع الودائع في وقت واحد وتنتهي في وقت واحد، وليتمكن البنك من تحديد الأرباح الحاصلة عليها على أساس المعروف. ولكن هذا الاقتراح يصعب العمل به في البنوك، لأن طبيعة الأعمال المصرفية تقتضي أن تظل عمليات السحب والإيداع مفتوحة لكل أحد كل يوم، وإن تقييد هذه العمليات بيوم موحد مخصوص تسبب مشاكل كثيرة للتجارة السريعة المعاصرة، ويجعل كميات كبيرة من الأموال معطلة ومنعزلة عن النشاط التجاري. وبما أن توجيه الأموال الفائضة إلى النشاط التجاري والصناعي مطلب صحيح يوافق الشريعة الإسلامية، فإن ضرر المجتمع ببقاء هذه الأموال فاترة ضرر ينبغي أن يزال. وهناك اقتراح آخر، تقدم به بعض الناس، وهو أن الودائع المصرفية ينبغي أن تقسم إلى وحدات صغيرة كالسهام، وكل من يتقدم إلى المصرف لتوديع أمواله، يحصل على عدد من هذه الوحدات، ثم إن هذه الوحدات تقوم كل يوم بقيمة يعلنها البنك على أساس تقويم أصوله وموجوداته. فمن أراد أن يسحب مبلغا من البنك، فإنه يبيع هذه الوحدات إلى البنك، ويلتزم البنك شراءه على أساس القيمة المعلنة كل يوم. وإن هذه القيمة المعلنة كل يوم ينعكس فيها الربح الحاصل على كل وحدة إن ازدادت قيمة موجودات البنك، وتنعكس فيها الخسارة إن انتقصت قيمة الموجودات. وإن هذا الاقتراح يمكن العمل به في شركات الاستثمار غير المصرفية، ولكنه يصعب تطبيقه في البنوك، وذلك لوجوه: أما أولا، فلأن هذا الاقتراح لا يساير طبيعة الأعمال المصرفية المعاصرة التي تقتضي السرعة في إنجاز العمليات، وإن تقييد السحب والإيداع بالوحدات المخصوصة، مهما كانت الوحدات صغيرة، مما يعقد هذه العمليات وإن كثيرا من السحوب المصرفية إنما تكون عن طريق الشيكات المصرفية التي يصدرها أصحابها قضاء لواجباتهم المالية، ومن الصعب جدا أن تقسم هذه الواجبات إلى وحدات مطلوبة، فإن الواجبات تختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن أن تكون موافقة لوحدات الودائع.

стр. 14385

وأما ثانيا، فلأن هذا الاقتراح يوجب التقويم اليومي لجميع موجودات البنك على أساس سعر السوق، وذلك صعب أيضا. وأما ثالثا، فلأن الكثير من موجودات البنك لا تكون إلا في صورة نقود أو ديون، وإن جماعة من العلماء المعاصرين لا تجوز بيع أسهم الشركات إلا إذا كانت أصولها الثابتة أكثر من النقود والديون. وعلى رأيهم لا يجوز بيع وحدات البنك فيما إذا كانت معظم موجوداته نقودا أو ديونا. (١) ومن أجل هذه الأسباب، لا يحل هذا الاقتراح مشكلة تحديد الأرباح في الودائع المصرفية. وطالما بحثت في كلام الفقهاء عن طريق محاسبة الأرباح فيما إذا استرد الشريك أو رب المال بعض ماله، فلم أفز إلا بمسألة في كلام العلامة النووي ﵀ في المنهاج، حيث قال في أواخر كتاب القراض: (ولو استرد المالك بعضه قبل ظهور ربح وخسران رجع رأس المال إلى الباقي، وإن استرد بعد الربح، فالمسترد شائع ربحا ورأس مال. مثاله: رأس المال مائة، والربح عشرون، واسترد عشرين، فالربح سدس المال، فيكون المسترد سدسه من الربح، فيستقر للعامل المشروط منه، وباقيه من رأس المال وإن استرد بعد الخسران فالخسران موزع على المسترد والباقي، فلا يلزم جبر حصة المسترد لو ربح بعد ذلك. مثاله: المال مائة، والخسران عشرون، ثم استرد عشرين، فربع العشرين حصة المسترد، ويعود رأس المال إلى خمسة وسبعين) . (٢) وإن هذا الطريق إنما يعالج مشكلة واحدة، وهي سحب رب المال بعض ماله من مال المضاربة، ولكن لا ينظر إلى رد بعض المسترد أو كله مرة أخرى إلى مال المضاربة، وكذلك رب المال في هذا المثال واحد، وظهور الربح أو الخسران واضح، فلو أضفنا إلى هذا المثال أن أرباب الأموال ألوف، وكل واحد منهم يسحب بعض مبالغة تارة، ويرد بعضها أخرى، لتعقد الحساب بما يجعل ضبطه الدقيق كالمستحيل.

стр. 14386

حساب الإنتاج اليومي ومدى جواز استخدامه في محاسبة الأرباح وقد يوجد حل هذه المشكلة فيما يسمى في عرف المحاسبة المعاصر (حساب الإنتاج اليومي) (Daily Products) وقد يعبر عنه بحساب النمر، ومعنى استخدام هذا الطريق في الشركة أو المضاربة أن عند نهاية كل فترة يحدد إجمالي مبالغ الربح الحاصلة على جميع الأصول المستثمرة، ثم تقسم هذه المبالغ على الأموال المستثمرة، وعلى مجموع أيام الفترة الحسابية بحيث يعرف قدر ما ربحته وحدة نقدية كالربية الواحدة كل يوم، وإن كل واحد من الشركاء يعطى على كل واحدة من ربيته ربح الأيام التي ظلت فيها الربية مصروفة في حساب الاستثمار، فإذا كانت الربية الواحدة مصروفة في حساب الاستثمار لمدة أكثر، يوزع عليها ربح أكثر، وإن كانت الربية الواحدة مصروفة لمدة أقل، فإنها تحصل على ربح أقل. مثاله: لو دل حساب الإنتاج اليومي أن ربية واحدة قد ربحت فلسا واحدا كل يوم، فالربح الحاصل على الربية المستثمرة لمائة يوم مائة فلس، سواء كانت هذه المائة يوم متوالية أو متفرقة؛ فمن بقيت ربيته الواحدة مصروفة في الاستثمار بمقدار مائة يوم متوالية أو متفرقة من الفترة المحاسبية، فإنه يستحق مائة فلس من الربح، ومن كانت ربيته الواحدة مصروفة بمقدار يوم، أو كانت ربيتها مصروفتين بمقدار مائة يوم، فإن كل واحد منهما يستحق مائتي فلس. وهكذا يظل المستثمرون يسحبون ما شاؤوا من المبالغ في أثناء الفترة ويودعون ما شاؤوا مرة أخرى، وإن حقهم في الربح إنما يتعين على أساس مجموع الأيام التي بقيت فيها أموالهم مصروفة في الاستثمار. (١) هذا هو الحل الوحيد الذي يبدو عمليا في طريق محاسبة الأرباح على الودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية، ولكنه يحتاج إلى تكييف شرعي تقبله طبيعة الفقه الإسلامي، ونظرا إلى التصور المعروف للشركة أو المضاربة في الفقه، فإن هناك عدة عوائق في سبيل تطبيقه في الشركة والمضاربة: ١- معرفة الربح الحقيقي تتوقف –حسبما ذكره الفقهاء- على تنضيض جميع موجودات الشركة، حتى إن اقتسام الربح قبل التنضيض يعتبر كالمدفوع تحت الحساب، ويبقى تابعا للتصفية النهائية بعد التنضيض, أما في العمليات المصرفية، فلا يتصور التنضيض الكلي حتى في نهاية السنة؛ لأن عمليات التمويل لا تزال فيها جارية بصفة مستمرة كل يوم.

стр. 14387

وحل هذه المشكلة فيما يظهر لي –والله أعلم- أن يصفى حساب الشركة في نهاية كل سنة على أساس التنضيض التقديري، وهو التقويم، وحاصل ذلك أن جميع الأعيان التي يملكها البنك في نهاية السنة من خلال عمليات التمويل يشتريها مساهمو البنك من سلة الودائع الاستثمارية، ويضاف قيمتها إلى الأموال الناضة، ويوزع الربح على ذلك الأساس، وتنتهي عقود المضاربة والشركة لتلك السنة. وفي بداية السنة الجديدة تعقد الشركة بين المودعين والمساهمين من جديد، وتعتبر قيمة الأعيان المذكورة حصة من رأس مال المساهمين لهذه الشركة الجديدة؛ لأنهم يشغلونها لصالح السلة الاستثمارية مرة أخرى بعد أن دفعوا قيمتها إلى السلة الاستثمارية وملكوها. وغاية الأمر أن تلتزم منه الشركة بالعروض، ولكن ذلك جائز عند المالكية وبعض الحنابلة على أساس القيمة مطلقا، وعند الشافعي ﵀ إن كانت العروض من ذوات الأمثال (١) ، وعند الحنفية إن اختلطت العروض بعضها ببعض (٢) ، ولا بأس بالأخذ بقول المالكية في هذه المسألة للتيسير على الناس. (٣) ٢- إن طبيعة المضاربة والشركة التقليدية تقتضي أن تكون جميع الأموال مدفوعة في وقت واحد إلى التجارة المشتركة، حتى ذكر الفقهاء أنه لو دفع رب المال مالا آخر بعد تشغيل الأول لم تجز المضاربة في المال الثاني. قال النووي ﵀: (لو دفع إليه ألفا قراضا، ثم ألفا، وقال: ضمه إلى الأول، لم يجز القراض في الثاني ولا الخلط؛ لأن الأول استقر حكمه بالتصرف ربحا وخسرانا، وربح كل مال وخسرانه يختص به) (٤) وهذا إذا كان المالان جميعا لرجل واحد، أما إذا كان المالان لرجلين مختلفين كذلك بالطريق الأولى، لأن المنافع متفاوتة. أما الودائع المصرفية، فلا تدفع إلى البنك في وقت واحد، ولا تشغل في الأعمال الاستثمارية إلا في أوقات مختلفة، فلا يمكن تطبيقها على الأساس المعروف للشركة أو المضاربة التقليدية.

стр. 14388

٣- ثم إن سحب بعض الأموال قبل نهاية الفترة إنما يستلزم فسخ الشركة في ذلك الجزء المسحوب، ويمكن أن يكون الجزء المسحوب لم يربح شيئا إلى وقت السحب، أو يكون قد ربح أكثر مما يقدر بحساب الإنتاج اليومي، وفي الصورة الأولى يحوز هذا الجزء حصة من ربح مودع آخر، وفي الصورة الثانية تنتقل حصته إلى مودع آخر. ولا سبيل إلى إبعاد هذه العوائق إلا أن نقول: إن (الشركة الجماعية المستمرة) نوع جديد مستقل من أنواع الشركات، ولا يجب لجوازه أن يتوفر فيه جميع عناصر شركة العنان أو المفاوضة. لكونه نوعا مستقلا، ولا يحكم بعدم جوازه إلا إذا تضمن ذلك إخلالا بأحد الشروط المنصوصة لجواز الشركة. ولا شك أنه ليس هناك نص في القرآن والسنة يحصر الشركة المشروعة في الأنواع التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، وإنما بنى الفقهاء هذا التقسيم على استقراء ما كان معمولا به في بيئتهم. ولم تكن بعض هذه الأنواع إلا وليدة حاجات الناس في التجارة، مثل شركة التقبل، أو شركة الوجوه، فإنه لا يوجد لهما ذكر في نصوص القرآن والسنة، ولكنهم جوزوهما لمكان الحاجة، فلو حدث هناك قسم آخر للشركة فإنه لا يحكم ببطلانها بمجرد كونها لا تدخل في أحد الأقسام المذكورة في كتب الفقه، ما لم يعارض المبادئ الأساسية المنصوصة في القرآن أو السنة. وعلى هذا، فنستطيع أن نقول: إن (الشركة الجماعية المستمرة) نوع جديد للشركة أحدثتها حاجة الناس في مداولاتهم المعاصرة، وما دامت المبادئ الأساسية للشركة متوفرة فيها، فإنها لا تفسد بمجرد أنها لا تنطبق عليها بعض الفروع الجزئية التي ذكرها الفقهاء, ويلاحظ أن أموال جميع الشركاء مخلوطة في هذه الشركة، وكل منها معرض للربح والخسارة، ولا ينفرد فيها أحد الشركاء بتخصيص مبلغ معلوم من الربح، بل يشارك كل واحد منهم في الربح والخسارة على حد سواء لا فضل لأحدهم على الآخر، فإن المبدأ الأساسي للشركة موجودة في هذا النوع من الشركة. أما توزيع الربح على أساس الإنتاج اليومي،فإنه وإن لم يكن توزيعا للربح الذي نتج فعلا على كل مال على حدة، ولكنه توزيع للربح التقديري الذي حصل على مجموع الأموال في فترة واحدة، وذلك على أساس التراضي بين الشركاء منذ أول نشأة الشركة في حين أنه لا يوجد للتوزيع أساس عادل سواه في مثل هذه العمليات.

стр. 14389

ويوجد لمثل هذا الأساس نظيران في الأنواع القديمة للشركة أيضا: أما النظير الأول، فهو شركة الأعمال، ويسمى شركة الأبدان وشركة التقبل أيضا. وهو أن يشترك رجلان في تقبل الأعمال لغيرهما على أن ما يحصلان عليه من الأجرة يكون بينهما على ما شرطا. وقد صرح الفقهاء بأن ذلك جائز، وإن كانت أعمالهما متفاوتة في الكمية والكيفية. فلو اشترط المشاركان أن الأجرة الحاصلة تنقسم عليهما نصفين، فإن كل واحد منهما يستحق النصف، وإن كان عمله أقل من النصف؛ لأن الشركة إنما وقعت على ضمان العمل، وهو مضمون عليهما نصفين. (١) والنظير الثاني: ما ذهب إليه من أن خلط مال الشركاء ليس بشرط لصحة الشركة. ومقتضى ذلك أنه لو كان لأحد الشريكين دراهم وللآخر دنانير، فعقدا الشركة بدون أن يخلطا أموالهما، فاشترى كل واحد منهما بمال نفسه على حدة، فإنهما يشتركان في الربح. قال الكاساني: (واختلاط الربح يوجد، وإن اشترى كل واحد منهما بمال نفسه على حدة؛ لأن الزيادة وهي الربح، تحدث على الشركة) . (٢) ومقتضى هذين النظيرين أنه لا يجب شرعا أن يكون ربح كل واحد من الشركاء مبنيا على ما حصل على مساهمته (المالية أو العملية) فعلا، بل يجوز أن يتفقا على أساس آخر لتوزيع الربح بينهما. وعلى هذا، فلو اتفق الشركاء على أساس الإنتاج اليومي لتوزيع الربح بينهم، فإن ذلك لا يبدو مصادما لنص من نصوص الشريعة الإسلامية، وإنما هو طريق حسابي مخصوص لجأ إليه الشركاء لفقدان أساس عملي آخر في شركة جماعية مستمرة، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. والله سبحانه أعلم وعلمه أتم وأحكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. القاضي محمد تقي العثماني

стр. 14390

الحسابات الجارية وأثرها في تنشيط الحركة الاقتصادية إعداد د. مسعود بن مسعد الثبيتي عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى والمدرس في المسجد الحرام المقدمة الحمد لله الذي أكمل دينه وأتم نعمته ورضي لنا الإسلام دينا ومنهج حياة، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وبعد: فإن مما لا مراء فيه ولا جدال أن الشريعة الإسلامية قد اتسمت بالثبات والشمول فهي ثابتة الأسس واضحة المنهج صالحة لكل زمان ومكان وافية بالحاجات، فما من حادثة تقع إلا ولله فيها حكم، بعضها وردت به النصوص الشرعية الصريحة فلا مجال للاجتهاد فيها، والبعض الآخر لم يرد به نص وإنما أنزل ظواهر وعمومات وترك للمجتهدين مجال إظهار أحكام الله فيها على ضوء ما رسم من أسس يسير على ضوئها المجتهد في اجتهاده. وإن أحكام الأموال مما اعتنت به الشريعة الإسلامية، فنالت من عناية العلماء قديما وحديثا جهدا أبان أحكامها ووضح مشكلها، وكيف لا ينال المال ذلك الاهتمام وقد جعله الله قرين النفس وجعل الاعتداء عليه أحد الاعتداءات التي يجازي عليها المعتدي بقطع يده؟ بل جعل الدفاع عنه والموت دونه ضربا من ضروب الشهادة.
следующие страницы →