← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

حساب الإنتاج اليومي ومدى جواز استخدامه في محاسبة الأرباح وقد يوجد حل هذه المشكلة فيما يسمى في عرف المحاسبة المعاصر (حساب الإنتاج اليومي) (Daily Products) وقد يعبر عنه بحساب النمر، ومعنى استخدام هذا الطريق في الشركة أو المضاربة أن عند نهاية كل فترة يحدد إجمالي مبالغ الربح الحاصلة على جميع الأصول المستثمرة، ثم تقسم هذه المبالغ على الأموال المستثمرة، وعلى مجموع أيام الفترة الحسابية بحيث يعرف قدر ما ربحته وحدة نقدية كالربية الواحدة كل يوم، وإن كل واحد من الشركاء يعطى على كل واحدة من ربيته ربح الأيام التي ظلت فيها الربية مصروفة في حساب الاستثمار، فإذا كانت الربية الواحدة مصروفة في حساب الاستثمار لمدة أكثر، يوزع عليها ربح أكثر، وإن كانت الربية الواحدة مصروفة لمدة أقل، فإنها تحصل على ربح أقل. مثاله: لو دل حساب الإنتاج اليومي أن ربية واحدة قد ربحت فلسا واحدا كل يوم، فالربح الحاصل على الربية المستثمرة لمائة يوم مائة فلس، سواء كانت هذه المائة يوم متوالية أو متفرقة؛ فمن بقيت ربيته الواحدة مصروفة في الاستثمار بمقدار مائة يوم متوالية أو متفرقة من الفترة المحاسبية، فإنه يستحق مائة فلس من الربح، ومن كانت ربيته الواحدة مصروفة بمقدار يوم، أو كانت ربيتها مصروفتين بمقدار مائة يوم، فإن كل واحد منهما يستحق مائتي فلس. وهكذا يظل المستثمرون يسحبون ما شاؤوا من المبالغ في أثناء الفترة ويودعون ما شاؤوا مرة أخرى، وإن حقهم في الربح إنما يتعين على أساس مجموع الأيام التي بقيت فيها أموالهم مصروفة في الاستثمار. (١) هذا هو الحل الوحيد الذي يبدو عمليا في طريق محاسبة الأرباح على الودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية، ولكنه يحتاج إلى تكييف شرعي تقبله طبيعة الفقه الإسلامي، ونظرا إلى التصور المعروف للشركة أو المضاربة في الفقه، فإن هناك عدة عوائق في سبيل تطبيقه في الشركة والمضاربة: ١- معرفة الربح الحقيقي تتوقف –حسبما ذكره الفقهاء- على تنضيض جميع موجودات الشركة، حتى إن اقتسام الربح قبل التنضيض يعتبر كالمدفوع تحت الحساب، ويبقى تابعا للتصفية النهائية بعد التنضيض, أما في العمليات المصرفية، فلا يتصور التنضيض الكلي حتى في نهاية السنة؛ لأن عمليات التمويل لا تزال فيها جارية بصفة مستمرة كل يوم.

стр. 14387

وحل هذه المشكلة فيما يظهر لي –والله أعلم- أن يصفى حساب الشركة في نهاية كل سنة على أساس التنضيض التقديري، وهو التقويم، وحاصل ذلك أن جميع الأعيان التي يملكها البنك في نهاية السنة من خلال عمليات التمويل يشتريها مساهمو البنك من سلة الودائع الاستثمارية، ويضاف قيمتها إلى الأموال الناضة، ويوزع الربح على ذلك الأساس، وتنتهي عقود المضاربة والشركة لتلك السنة. وفي بداية السنة الجديدة تعقد الشركة بين المودعين والمساهمين من جديد، وتعتبر قيمة الأعيان المذكورة حصة من رأس مال المساهمين لهذه الشركة الجديدة؛ لأنهم يشغلونها لصالح السلة الاستثمارية مرة أخرى بعد أن دفعوا قيمتها إلى السلة الاستثمارية وملكوها. وغاية الأمر أن تلتزم منه الشركة بالعروض، ولكن ذلك جائز عند المالكية وبعض الحنابلة على أساس القيمة مطلقا، وعند الشافعي ﵀ إن كانت العروض من ذوات الأمثال (١) ، وعند الحنفية إن اختلطت العروض بعضها ببعض (٢) ، ولا بأس بالأخذ بقول المالكية في هذه المسألة للتيسير على الناس. (٣) ٢- إن طبيعة المضاربة والشركة التقليدية تقتضي أن تكون جميع الأموال مدفوعة في وقت واحد إلى التجارة المشتركة، حتى ذكر الفقهاء أنه لو دفع رب المال مالا آخر بعد تشغيل الأول لم تجز المضاربة في المال الثاني. قال النووي ﵀: (لو دفع إليه ألفا قراضا، ثم ألفا، وقال: ضمه إلى الأول، لم يجز القراض في الثاني ولا الخلط؛ لأن الأول استقر حكمه بالتصرف ربحا وخسرانا، وربح كل مال وخسرانه يختص به) (٤) وهذا إذا كان المالان جميعا لرجل واحد، أما إذا كان المالان لرجلين مختلفين كذلك بالطريق الأولى، لأن المنافع متفاوتة. أما الودائع المصرفية، فلا تدفع إلى البنك في وقت واحد، ولا تشغل في الأعمال الاستثمارية إلا في أوقات مختلفة، فلا يمكن تطبيقها على الأساس المعروف للشركة أو المضاربة التقليدية.

стр. 14388

٣- ثم إن سحب بعض الأموال قبل نهاية الفترة إنما يستلزم فسخ الشركة في ذلك الجزء المسحوب، ويمكن أن يكون الجزء المسحوب لم يربح شيئا إلى وقت السحب، أو يكون قد ربح أكثر مما يقدر بحساب الإنتاج اليومي، وفي الصورة الأولى يحوز هذا الجزء حصة من ربح مودع آخر، وفي الصورة الثانية تنتقل حصته إلى مودع آخر. ولا سبيل إلى إبعاد هذه العوائق إلا أن نقول: إن (الشركة الجماعية المستمرة) نوع جديد مستقل من أنواع الشركات، ولا يجب لجوازه أن يتوفر فيه جميع عناصر شركة العنان أو المفاوضة. لكونه نوعا مستقلا، ولا يحكم بعدم جوازه إلا إذا تضمن ذلك إخلالا بأحد الشروط المنصوصة لجواز الشركة. ولا شك أنه ليس هناك نص في القرآن والسنة يحصر الشركة المشروعة في الأنواع التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، وإنما بنى الفقهاء هذا التقسيم على استقراء ما كان معمولا به في بيئتهم. ولم تكن بعض هذه الأنواع إلا وليدة حاجات الناس في التجارة، مثل شركة التقبل، أو شركة الوجوه، فإنه لا يوجد لهما ذكر في نصوص القرآن والسنة، ولكنهم جوزوهما لمكان الحاجة، فلو حدث هناك قسم آخر للشركة فإنه لا يحكم ببطلانها بمجرد كونها لا تدخل في أحد الأقسام المذكورة في كتب الفقه، ما لم يعارض المبادئ الأساسية المنصوصة في القرآن أو السنة. وعلى هذا، فنستطيع أن نقول: إن (الشركة الجماعية المستمرة) نوع جديد للشركة أحدثتها حاجة الناس في مداولاتهم المعاصرة، وما دامت المبادئ الأساسية للشركة متوفرة فيها، فإنها لا تفسد بمجرد أنها لا تنطبق عليها بعض الفروع الجزئية التي ذكرها الفقهاء, ويلاحظ أن أموال جميع الشركاء مخلوطة في هذه الشركة، وكل منها معرض للربح والخسارة، ولا ينفرد فيها أحد الشركاء بتخصيص مبلغ معلوم من الربح، بل يشارك كل واحد منهم في الربح والخسارة على حد سواء لا فضل لأحدهم على الآخر، فإن المبدأ الأساسي للشركة موجودة في هذا النوع من الشركة. أما توزيع الربح على أساس الإنتاج اليومي،فإنه وإن لم يكن توزيعا للربح الذي نتج فعلا على كل مال على حدة، ولكنه توزيع للربح التقديري الذي حصل على مجموع الأموال في فترة واحدة، وذلك على أساس التراضي بين الشركاء منذ أول نشأة الشركة في حين أنه لا يوجد للتوزيع أساس عادل سواه في مثل هذه العمليات.

стр. 14389

ويوجد لمثل هذا الأساس نظيران في الأنواع القديمة للشركة أيضا: أما النظير الأول، فهو شركة الأعمال، ويسمى شركة الأبدان وشركة التقبل أيضا. وهو أن يشترك رجلان في تقبل الأعمال لغيرهما على أن ما يحصلان عليه من الأجرة يكون بينهما على ما شرطا. وقد صرح الفقهاء بأن ذلك جائز، وإن كانت أعمالهما متفاوتة في الكمية والكيفية. فلو اشترط المشاركان أن الأجرة الحاصلة تنقسم عليهما نصفين، فإن كل واحد منهما يستحق النصف، وإن كان عمله أقل من النصف؛ لأن الشركة إنما وقعت على ضمان العمل، وهو مضمون عليهما نصفين. (١) والنظير الثاني: ما ذهب إليه من أن خلط مال الشركاء ليس بشرط لصحة الشركة. ومقتضى ذلك أنه لو كان لأحد الشريكين دراهم وللآخر دنانير، فعقدا الشركة بدون أن يخلطا أموالهما، فاشترى كل واحد منهما بمال نفسه على حدة، فإنهما يشتركان في الربح. قال الكاساني: (واختلاط الربح يوجد، وإن اشترى كل واحد منهما بمال نفسه على حدة؛ لأن الزيادة وهي الربح، تحدث على الشركة) . (٢) ومقتضى هذين النظيرين أنه لا يجب شرعا أن يكون ربح كل واحد من الشركاء مبنيا على ما حصل على مساهمته (المالية أو العملية) فعلا، بل يجوز أن يتفقا على أساس آخر لتوزيع الربح بينهما. وعلى هذا، فلو اتفق الشركاء على أساس الإنتاج اليومي لتوزيع الربح بينهم، فإن ذلك لا يبدو مصادما لنص من نصوص الشريعة الإسلامية، وإنما هو طريق حسابي مخصوص لجأ إليه الشركاء لفقدان أساس عملي آخر في شركة جماعية مستمرة، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. والله سبحانه أعلم وعلمه أتم وأحكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. القاضي محمد تقي العثماني

стр. 14390

الحسابات الجارية وأثرها في تنشيط الحركة الاقتصادية إعداد د. مسعود بن مسعد الثبيتي عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى والمدرس في المسجد الحرام المقدمة الحمد لله الذي أكمل دينه وأتم نعمته ورضي لنا الإسلام دينا ومنهج حياة، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وبعد: فإن مما لا مراء فيه ولا جدال أن الشريعة الإسلامية قد اتسمت بالثبات والشمول فهي ثابتة الأسس واضحة المنهج صالحة لكل زمان ومكان وافية بالحاجات، فما من حادثة تقع إلا ولله فيها حكم، بعضها وردت به النصوص الشرعية الصريحة فلا مجال للاجتهاد فيها، والبعض الآخر لم يرد به نص وإنما أنزل ظواهر وعمومات وترك للمجتهدين مجال إظهار أحكام الله فيها على ضوء ما رسم من أسس يسير على ضوئها المجتهد في اجتهاده. وإن أحكام الأموال مما اعتنت به الشريعة الإسلامية، فنالت من عناية العلماء قديما وحديثا جهدا أبان أحكامها ووضح مشكلها، وكيف لا ينال المال ذلك الاهتمام وقد جعله الله قرين النفس وجعل الاعتداء عليه أحد الاعتداءات التي يجازي عليها المعتدي بقطع يده؟ بل جعل الدفاع عنه والموت دونه ضربا من ضروب الشهادة.

стр. 14391

ونظرا لشدة حاجة الناس إلى إيداع أموالهم في المصارف ومعرفة أحكامها وعائداتها وما يترتب عليها من آثار لجأ الناس إلى الإيداع في المصارف خوفا من السرقة والضياع، أو لاستثمارها، وتهيئتها للوفاء بالتزاماتهم المالية التي أصبحت متشابكة متعددة متجددة متشابهة الصور، منها الحلال البين، ومنها الحرام البين، ومنها المتشابهات، ولا إشكال في البين من الأمرين الحلال والحرام، ولكن المشكلة حقا في الأمور المتشابهة التي لا يعلمها كثير من الناس، وهذه الأمور المشكلة قد توجه مجمع الفقه الإسلامي لدراستها وبيان حكم الله فيها بما هيأ الله له من ثلة من العلماء الشرعيين ونخبة من الاقتصاديين والخبراء العاملين في مجالات المال تدريسا وقضاء ومراقبة وبحثا، فأنتجوا بتوفيق الله وعونه أحكاما كثيرة فيما يهم الناس في حياتهم ومعاملاتهم التجارية والاقتصادية، وأعمال البنوك المتنوعة المتجددة المتسمة بالتطور السريع بسبب توسع الأنشطة وتداخل المعاملات وتشابهها في ظاهرها مما يجعل الباحث في حيرة من أمره عند طرح صورة يتجاذبها أكثر من أصل. وقد اخترت الكتاب في الحسابات وأثرها في تنشيط الحركة الاقتصادية. وقد أفدت من الرسائل الجامعية والأبحاث المجمعية المتخصصة وكتبت هذا البحث في مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة. ذكرت في المقدمة أهمية الموضوع وخطته، وعرفت في التمهيد بالوديعة، والقرض، وأهم خصائصهما. وذكرت في المبحث الأول: الحسابات الجارية. وفي المبحث الثاني: أثر الحسابات الجارية في تنشيط الحركة الاقتصادية. وجعلت الخاتمة في أهم نتائج البحث. والله أسأل لي ولجميع المسلمين التوفيق والسداد.

стр. 14392

تمهيد تعريف الوديعة والقرض وقد قسمته إلى ثلاث مطالب: المطلب الأول في تعريف الوديعة وأهم خصائصها قبل البدء وتكيف الصور, لا بد من التعريف بالوديعة الشرعية والقرض حيث إنهما الأساس الذي يرتكز عليه البحث وقد عرفت الوديعة الشرعية أولا ثم الوديعة المصرفية. تعريف الوديعة الشرعية: ١- الوديعة لغة فعيلة بمعنى مفعولة من الودع وهو الترك قال ابن القطاع: (ودعت الشيء ودعًا تركته.. وأودعتك الشيء جعلته عندك وديعة؛ وقبلته منك وديعة فهو من الأضداد (١) وقال أبو منصور: المعروف في كلام العرب أودعت الرجل إذا استودعته وديعة لحفظها لك, وأما أودعته قبلت وديعته, فليست بمعروفة (٢) وأما الإيداع فهو الاستنابة في الحفظ (٣) ٢- الوديعة اصطلاحا: هي المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض (٤) , وزاد في كشاف القناع: (الحق) المختص ككلب الصيد ونحوه) (٥) . وعلى ذلك فالوديعة في الشريعة أمانة دفعت إلى الغير ليكون حافظا لها فإذا تمت الوديعة بالإيجاب والقبول صار حكمها وجوب الحفظ فإن هلكت بدون تعد أو تفريط فلا ضمان على من كانت تحت يده.

стр. 14393

محترزات التعريف: خرج بقيد المال, والحق المختص: ما ليس بمال ولا مختص كالكلب الذي لا يحل اتخاذه والخمر والخنزير وآلات اللهو. وبقيد المدفوع: ما ألقته الريح إلى دار من نحو ثوب, وما أخذ بالتعدي كالمغصوب والمسروق. وبقيد الحفظ: العارية ونحوها. وبقيد عدم العوض: الأجير على حفظ المال (١) . أركان الوديعة: يعتبر للوديعة أركان الوكالة: ١- عاقدان: وهما المودع والمستودع. ٢- وصيغة: وهي الإيجاب والقبول. ٣- محل: وهو العين المودعة (٢) ولكل ركن شروط موضحة في كتب الفروع. وقد دل الكتاب والسنة على مشروعيتها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . وقبولها من التعاون على البر والتقوى وقد حث الله عليه بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] . وقد حثَّ عليها أيضا النبي ﷺ بقوله: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) (٣) وقد كان عند النبي ﷺ ودائع للناس استخلف على أدائها وردها إلى أصحابها علي بن أبي طالب حين هجرته ﷺ إلى المدينة.

стр. 14394

حكم قبول الوديعة: وحكمها الاستحباب وقد تكون واجبة أو محرمة أو مكروهة حيث يعتري الحكم بعض الأسباب الناقلة له عن حكمه الأصلي إلى حكم آخر (١) خصائص الوديعة: ١-الوديعة أمانة في يد المودع لا يضمنها إلا إذا فرط في حفظها أو تعدى فالغرض والمقصد الأصلي لعقد الوديعة: الحفظ والائتمان دون أي غرض آخر بخلاف عقود الأمانات الأخرى, التي قد يكون الغرض منها التوثق كما في عقد الرهن , أو تمليك المنفعة, كما في العارية , والائتمان تابع للمقصد الأصلي. ٢-المستودع إذا تعدى على الوديعة , فركب السيارة أو باع واشترى بالنقود ضمن؛ لأن الاستعمال تعد لا يزول أثره إلا بالرد إلى الغرض الأساسي للوديعة, وذلك يخالف عقد الإعارة والإجارة, فالمستعير والمستأجر ينتفعان بالمعار والمؤجر بدون تعد. ٣-الوديعة يغلب عليها الاعتبار الشخصي للوديعة في الحفظ, فلا يحل أحد بدله بدون إذن المودع إلا في حالات الاضطرار أو الحاجة, في حين أن عقود الأمانات الأخرى كالإجارة والشركة يحل فيها غير المتعاقد محله؛ لأن الغرض الأساسي فيها الانتفاع بخلاف الوديعة فالغرض الأساسي فيها الحفظ (٢) .

стр. 14395

المطلب الثاني تعريف القرض القرض لغة: مصدر قرض الشيء يقرضه, بكسر الراء إذا قطعه. أو القرض اسم مصدر بمعنى الإقراض. قال الجوهري: (هو ما تعطيه من المال لتقضاه) (١) وأكثر استعمالات القرض في النقود إذا أخذها الشخص ورد بدلها (٢) . والقرض في الاصطلاح: دفع مال لمن ينتفع به, ويرد بدله, وهو نوع من المعاملات على غير قياسها لمصلحة لاحظها الشارع رفقا بالمحاويج. (٣) . وهو عقد لازم في حق المقرض بالقبض؛ لكونه أزال ملكه عن بعض ماله بغير عوض, جائز في حق المقترض في الجملة؛ لأن الحق له فيه. حكمه: القرض في الأصل حكمه الجواز, لما فيه من الإرفاق وسد حاجة المقترض, وقد يعرض له من الأسباب ما يجعل حكمه يتغير إلى الوجوب أو الكراهة أو الحرمة بحسب الملابسات, وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. ١- قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] . ٢- حديث عبد الله بن مسعود ((: ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة)) (٤) . ٣- نقل البهوتي أن المسلمين أجمعوا على جوازه (٥) . الفرق بين القرض والوديعة: أ - في القرض تنتقل ملكية الشيء المقرض إلى المقترض، ويرد بدله في نهاية المدة, ويغلب استعماله في أخذ النقود, أما الوديعة فلا تنتقل ملكيتها إلى المودع عنده بل تبقى ملكا للمودع يستردها بعينها. ب - المقترض ينتفع بالمال بعد أن انتقلت ملكيته له أما المودع عنده فلا ينتفع بالشيء المودع بل يلتزم حفظه حتى يرده إلى صاحبه (٦) . ج- القرض عقد إرفاق للمقترض أما الوديعة فهي عقد إرفاق لصاحب الوديعة الذي يحتاج إلى حفظها من الضياع والسرقة.

стр. 14396

المطلب الثالث تعريف الوديعة المصرفية وخصائصها حيث إن الحسابات الجارية (الودائع الجارية) إحدى أقسام الودائع المصرفية فسوف أعرف الوديعة المصرفية. تعريف الوديعة: تطلق الوديعة على المال المودع، وعلى العقد المقتضي للحفظ، فهي حقيقة فيهما وقد عرفت بكل منهما وإن كان تعريفها بمعنى العقد أكثر عند القانونيين. جاء في الأسس القانونية (يقصد بالوديعة المصرفية النقدية: النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساو لها إليهم عند الطلب أو حسب الشروط المتفق عليها) (١) وعرفها محمد باقر الصدر بقوله: (تعتبر الوديعة بمختلف أشكالها في مفهوم البنوك الربوية عبارة عن مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع فينشئ وديعة تحت الطلب، أو لأجل محدد اتفاقا ويترتب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية للمودع، أو لأمره لدى الطلب أو بعد أجل، على اختلاف الشكل الذي يتم الاتفاق عليه للوديعة بين البنك والعميل) (٢) تعريف الإيداع: هو العقد الذي يتم بين العميل المودع من جانب، والبنك المودع لديه من جانب آخر، وفيه يضع العميل مبلغا نقديا لدى البنك. (٣) ويلاحظ على تعريف الإيداع بهذا التعريف، عدم شموله لودائع الصكوك وغيرها مما يندرج في عقد الإيداع في العمل المصرفي، ولذلك عرفها أحمد الحسني في رسالته فقال: (المقصود بالوديعة المصرفية، العقد الذي يتم بين المصرف ومن يعهد إليه بالنقود أو غيرها وبهذا يشمل عقد الإيداع جميع الودائع التي تزاولها المصارف كالحسابات الجارية والوديعة لأجل والوديعة الادخارية –حساب التوفير- وشهادات الاستثمار والمخصصة لنشاط معين وودائع الخزائن الحديدية والوديعة المستندية) (٤) ويلاحظ أن هذا التعريف يشمل لإيداع المال وغيره. (٥)

стр. 14397

خصائص الوديعة النقدية المصرفية: الودائع متنوعة، وإذا استثنينا ودائع الخزائن الحديدية والمستندية –التي تعتبر إجارة أو وديعة بأجرة. (١) – نلاحظ أن البنوك تستطيع ملكية هذه النقود وتستغلها في نشاطاتها المختلفة ولو قصرت مدة بقائها لديها. وسوف أذكر أهم الخصائص العامة للوديعة المصرفية، تاركا ما ينفرد به كل نوع من خصائص إلى أماكنها الخاصة بها. ١- يخول عقد الوديعة المصرفية البنك ملكية النقود المودعة والتصرف فيها بما يتفق مع نشاطه المهني. ٢- التزام البنك المودع لديه برد مبلغ الوديعة النقدية إلى العميل المودع في الميعاد المحدد حسب الاتفاق الذي قد يكون عند الطلب أو بعد أجل معين أو التي ترد بإخطار سابق. ٣- يكون رد البنك للمبالغ بالعملة التي تم الإيداع بها، ما لم يتفق على خلاف ذلك. (٢) ٤- لا يستحق المودع فوائد (٣) على هذا النوع من الودائع، إلا أن البنوك تلجأ في سبيل جذب الودائع، إلى تقدير عمولة معينة بأسماء متعددة مثل جوائز الادخار، شهادات البنك ذات الجوائز، شهادات الإيداع، دفاتر التوفير ذات الجوائز ... إلى آخر قائمة المسميات التي استحدثتها البنوك لإغراء أصحاب الأموال، والتمويه عليهم لجذب أموالهم واستثمارها. (٤)

стр. 14398

المبحث الأول المطلب الأول الحسابات الجارية وودائع التوفير والوديعة المشتقة يرغب المودع في وضع نقوده طرف البنك ليس فقط للمحافظة عليها من الضياع أو السرقة بل ليتمكن بمقتضاه من استعمال أمواله المودعة في معاملاته مع الغير دون حاجة إلى حمل النقود (١) وتعتبر الحسابات الجارية أهم الودائع المصرفية النقدية لدى المصارف والمصدر الأساسي للسيولة في النشاط المصرفي إذ تكون الجزء الأكبر من موارده الخارجية، وهي التي تقصد عادة عند الكلام على نقود الودائع أو النقود الكتابية بوصفها حازت القبول العام في الوفاء بالالتزامات اختيارا عن طريق استخدام الشيكات. وتشكل ودائع الحسابات الجارية الجانب الأكبر من إجمالي الودائع حيث بلغت نسبتها إلى مجموع الودائع في المملكة العربية السعودية ٦٠ % (٢) . ولا بد لمعرفة أحكامها من تعريفها وبيان خصائصها. تعريفها: عرفها كثير ممن كتب في الودائع المصرفية (بأنها المبالغ النقدية التي يودعها أصحابها لدى المصارف ويلتزم بدفعها متى طولب بها) . ويطلق عليها الودائع الجارية (٣) .

стр. 14399

خصائص الحساب الجاري: ١- يتميز الحساب الجاري بأنه عام (١) يتضمن جميع العمليات التي تجري بين أطرافه، والمدفوعات التي تقيد في جانب الدائن للدائن، وفي جانب المدين للقابض لا بد أن تكون متماثلة حتى يمكن إدماجها في الحساب الجاري. ٢- أن تكون المدفوعات معينة محددة المقدار محققة الوجود حتى لا يحصل نزاع في تقديرها. ٣- تسلم المدفوعات إلى المصرف على سبيل التمليك حتى يمكن قيدها في الحساب الجاري، والحكمة من ذلك أن المدفوعات لا تعتبر دينا على القابض إلا إذا تملكها، أما إذا كان وكيلا في تحصيلها فلا تعتبر مدفوعات إلا بعد تحصيلها فعلا؛ لأن القابض يتسلم المبلغ لحساب غيره نيابة عنه، فلا يتملكها حتى تصبح دينا عليه، وبناء على ذلك فإن الأوراق التجارية التي تظهر للبنك توكيلا لا تدرج بالحساب الجاري إلا بعد تحصيلها فعلا أما إذا ظهرت إليه تظهيرا تاما ناقلا للملكية فإنها تقيد بمجرد تسليمها للطرف القابض. (٢) .

стр. 14400

تكييف الحساب الجاري (الوديعة الجارية) تعددت الآراء في تكييف عقد الحسابات الجارية واختلفت ويمكن تقسيمها إلى خمسة اتجاهات: ١-ذهب بعض من كتب في الودائع إلى أن الحساب الجاري وديعة حقيقية بالمعنى الفقهي (١) وممن اتجه إلى هذا حسن الأمين حيث قال: (الوديعة النقدية تحت الطلب هي مبلغ يوضع لدى البنك ويسحب منه في الوقت الذي يختاره المودع، فإن ذلك كل ما يطلب في الوديعة الحقيقية ولا توجد أي شائبة في ذلك، وإذا كان البنك قد اعتاد أن يتصرف فيها بحسب مجرى العادة، فإن هذا التصرف المنفرد من جانب البنك لا يمكن أن يحسب على المودع وينسحب على إرادته فيفسرها على الاتجاه من الإيداع إلى الإقراض، فإرادة المودع لم تتجه أبدا في هذا النوع من الإيداع نحو القرض كما أن البنك لم يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض بدليل أنه يتقاضى أجرة (٢) –عمولة- على حفظ الوديعة تحت الطلب، بعكس الوديعة لأجل، التي يدفع هو عليها فائدة (٣) ، وبدليل الحذر الشديد في استعمالها والتصرف من جانبه، ثم المبادرة الفورية بردها عند الطلب مما يدل على أن البنك حينما يتصرف فيها إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي لا يستند إلى مركز قانوني كمركز المقترض) . (٤)

стр. 14401

٢- ويرى البعض أن عقد الإيداع المصرفي وديعة شاذة أو ناقصة، وذلك لأنها وديعة لا يلتزم فيها المصرف برد عينها وإنما يرد مثلها وتختلف عن القرض في أن للمودع أن يطلبها في أي وقت مما يجعل المودع لديه يحتفظ دائما بما يساوي الشيء المودع نوعا ومقدارا. (١) ٣- ويرى البعض أن عقد الإيداع عقد ذو طبيعة خاصة أو أنه ليس من العقود المسماة، إذ هو عقد ذو أهداف مختلفة، وهذا هو سبب التردد في إلحاقه بعقد الوديعة أو بعقد القرض، فالعميل يودع النقود بهدف الحفظ أو سداد مطلوباته، والمصرف يقبل هذه الوديعة بهدف استعمالها. (٢) ٤- وذهب البعض إلى القول بأن هذه الفوائد التي تعطى تعتبر أجرا لاستعمال النقود وأن الودائع تدخل تحت عقد الإجارة. (٣) ٥- وذهب الكثير ممن كتب في الودائع المصرفية والنقود وأعمال البنوك إلى أن الودائع الجارية قرض، المودع فيه بمثابة المقرض، والمصرف هو المقترض، ولذلك لا يلتزم المصرف بحفظ عين الوديعة بل يتملكها ويلتزم برد مبلغ مماثل لما أخذه ويتحمل خطر هلاكه بقوة قاهرة، ويمكنه أن يتمسك بالمقاصة، وعلى هذا أكثر القانونيين، ومن كتب في الودائع من الكتاب الإسلاميين. جاء في الأسس القانونية لعمليات البنوك (عقد الإيداع هو العقد الذي تم بين العميل والبنك ... وفيه يضع العميل مبلغا نقديا لدى البنك ويترتب على هذا العقد الذي يخول البنك ملكية النقود المودعة والتصرف فيها بما يتفق مع نشاطه المهني) . (٤) وجاء في الوديعة المصرفية (وتكيف الوديعة تحت الطلب التي تتخذ شكل الحساب الجاري الدائن بأنها قرض غير مشروط بأجل يستقرضه المصرف من المودع؛ لأنها نقود يعلم المودع أن المصرف يتصرف فيها وقد دفعها إليه راضيا بذلك فكان إذنا بالتصرف) . (٥)

стр. 14402

مناقشة الأقوال الواردة في تكييف الوديعة: يظهر أن مصطلح الوديعة الجارية نقل من القانون الغربي، كغيره من المصطلحات المنقولة، واستعمل بنفس اللفظ عند المسلمين، مع وجود الاختلاف البين بين دلالة اللفظ ومعناه وما استعمل فيه، فالوديعة المصرفية لا ينطبق عليها اصطلاح الوديعة الشرعية؛ لأن البنوك والمصارف لا تأخذها كأمانة وتردها إلى أصحابها بعينها، وإنما تتصرف فيها وتلتزم برد المثل، وأحيانا تدفع فوائد على الأموال التي تودع عندها، ومن المعلوم قطعا أن أحدا لن يدفع مبلغا من المال لمن يودع عنده. بل ولو كانت وديعة حقيقية لحصل العكس بأن يدفع صاحب المال أجرا على حفظ ماله. (١) ومن الواضح أن البنوك ضامنة لما أودع فيها برد مثله ولو كان الهلاك بسبب قهري (٢) والوديعة لا تضمن إلا إذا هلكت بسبب تقصير من المودع. وأما الاتجاه الذي يرى خضوع الوديعة المصرفية لأحكام الوديعة الناقصة حيث يحتفظ البنك بما يماثل المودع قدرا ونوعا، فيناقش بأن هذا يخالف واقع نظام الإيداع المصرفي، حيث إن المصرف لا يحتفظ في خزانته بمقدار من النقود يساوي مجموع الأموال المودعة لديه وإلا تعطلت نشاطاته، وإنما يحتفظ بنسبة معينة منها وهو ما يعرف بالاحتياطي القانوني لمواجهة احتمالات طلبات الرد، والاحتفاظ بنسبة من المبلغ وليس الاحتفاظ بأجزاء من الأموال بأعيانها. (٣)

стр. 14403

وأما القول بأن الوديعة المصرفية عقد ذو طبيعة خاصة لاختلاف مقاصد العاقدين فيناقش بأن القرض عقد إرفاق في الأصل، وقد يخرج عن هذا المقصد إلى مقصد آخر كحفظ المال والأمن عليه من السرقة، وقد أقر هذا التوجيه فقهاء الإسلام قديما وحاضرا. جاء في كشاف القناع (قال القاضي: ومعنى الحظ في قرض مال الصبي والمجنون أن يكون للصبي أو المجنون مال في بلد فيريد الولي نقله إلى بلد آخر فيقرضه الولي إلى رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده، يقصد الولي بذلك حفظه ... من نهب أو غرق أو غيرهما أو يكون المال يتلف بتطاول مدته أو يكون حديثه خيرا من قديمه ... وإن أراد الولي أن يودع ماله – أي الصغير أو المجنون- فقرضه لثقة أولى من إيداعه؛ لأنه أحفظ له) (١) ولو قيل: إن الأموال ودائع بالمعنى الحقيقي أو الناقص لعدم استغلالها والعمل بها تعديا يأثم المتصرف في المال بسببه؛ لأنه لا يجوز لأحد انتفاع بمال غيره دون رضا صاحبه. وأما القول بأن هذه الفوائد التي تعطى تعتبر إجارة، فيرد بأن النقود لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء أعيانها وما لا ينتفع به مع بقاء عينه لا يصلح للتأجير.

стр. 14404

الراجح في تكييف عقد الحسابات الجارية (الوديعة تحت الطلب) : بالاطلاع على كثير من الكتابات التي عنيت بتكييف الحسابات الجارية للمصارف ظهر اتفاق كثير من القانونيين مع كثير من الشرعيين في اعتبار الودائع المصرفية الجارية قرضا. صاحب المال هو المقرض، والمصرف هو المقترض، وهذا يعني تمليك هذه النقود للمصارف بحيث يحق لها التصرف فيها بشرط أن يكون مستعدا لسدادها حين طلبها. (١) جاء في الأسس القانونية (تسلم المدفوعات إلى الطرف الآخر القابض على سبيل التمليك وذلك حتى يمكن قيدها بالحساب الجاري) . (٢) وجاء في الوديعة المصرفية (وتكيف الوديعة تحت الطلب التي تتخذ شكل الحساب الجاري الدائن بأنها قرض غير مشروط بأجل يستقرضه المصرف من المودع؛ لأنها نقود يعلم المودع أن المصرف يتصرف فيها وقد دفعها إليه راضيا بذلك فكان إذنا بالتصرف) (٣) ولا فرق في تكييف الودائع بهذا، سواء كانت الإيداعات في بنوك ربوية أو إسلامية، بل الفرق يكون في العائدات ومجال النشاط، فإن حدد قدر العائد من المودع (ك) ٥ % كان قرضا ربويا محرما، وإن كان العائد ناشئا عن مضاربة أو مشاركة وحددت نسبة من الربح حسب أصول المشاركات الشرعية كان عملا جائزا. ويمكن تأييد هذا الاتجاه بعدة أمور: ١- ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وإني لا أراني إلا سأقتل مظلوما وإن همي لديني ... بع مالنا فاقض ديني وأوصي بالثلث ... فقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا الأرضين ... قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة ... قال عبد الله بن الزبير فحسب ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف) (٤)

стр. 14405

٢- من المعلوم أن العرف بين التجار المشروط فيما بينهم، والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، والبنك يأخذ هذه الأموال بقصد استغلالها واستعمالها في نشاطاته المختلفة، ونظامه الأساسي ينص على أن ما دخله يكون على سبيل التملك، والمودع يضع ماله وقد علم أن العمل المصرفي لا يحفظ هذه الأموال بعينها وإنما يخلطها مع غيرها من الأموال، ويعمل بها حسب نشاطاته ويلتزم برد مثلها فقط وهذا هو حقيقة القرض حيث إن تعريفه هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله. ٣- جاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ما يدل دلالة واضحة على أن المال إذا دفع وكان غرض دافعه الحفظ وغرض آخذه الانتفاع به، ورد بدله أن المال المأخوذ يعتبر قرضا حيث قال: (من أخذ السفتجة من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه في بلد دراهم المقرض ويكتب له سفتجة –أي ورقة- إلى بلد دراهم المقترض، فهذا يجوز في أصح قولي العلماء، وقيل: ينهى عنه؛ لأنه قرض جر منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربا، والصحيح الجواز، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس وبصلحهم ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم) . (١) فالأمر كان مشتهرا معروفا في عصر صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم من العصور المختلفة، والمحققون من علماء الإسلام سموه قرضا وإن اختلفت مقاصد العاقدين فالعبرة في كل عقد بمقصده الأعظم وإن وجدت مقاصد أخرى. والله أعلم.

стр. 14406

الآثار المترتبة على تكييف الحساب الجاري: تبين مما سبق أن الودائع المصرفية التي يتملكها المصرف ولها دور في نشاطه الاستثماري تعتبر قروضا، والقرض دين في ذمة المقترض، وعلى هذا المعنى تختلف الأحكام في تكييف تلك الأموال بأنها وديعة حقيقية شرعية أو ناقصة أو شاذة. وقد تناولت ثلاث مسائل لها أهمية بالغة في هذا البحث. أولا: الزيادة التي تدفع للمقرضين على ما دفعوه في مقابلة الأجل سواء كانت مشروطة أو جرى بها العرف أو اعتاد المقرض دفعها كلما اقترض مالا من غيره ربا محرم. وأدلة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كثيرة منها: ١- قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٧- ٢٨٩] . ٢- وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)) . (١) ((وكل قرض جر منفعة فهو ربا)) . (٢) وعلى ذلك يكون ضمانها على المقترض بالمثل ولا يتحمل المودع من الخسارة شيئا مهما كانت الأسباب المؤدية إلى التلف. أما البنوك الإسلامية فإن أخذت الودائع بصفة القرض فلا خلاف في الحكم من حيث وجوب رد المثل والضمان وينبغي على البنوك الإسلامية التي توفرت لديها سيولة نقدية، الإقبال على استثمار هذه الأموال بما يؤدي الدور في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والنفسية للمجتمعات الإسلامية، وذلك بالنهوض بالمجتمع لتحقيق التكافل الاجتماعي، وتوزيع العائدات بما يسهم في عدم تركيز الثروة في أيد قليلة من فئات المجتمع، إذ إن شعار البنك الإسلامي هو (التنمية لصالح المجتمع) .

стр. 14407

وذلك باستثمار الأرصدة التي لديها من الودائع الجارية بعد الاتفاق مع أصحابها على استثمارها ودراسة جدواها وتولية الأمناء لمزاولة أعمالها ويكون الربح على حسب الشروط والخسارة حسب موقفه في المشاركة فإن كان عاملا فقط، فالخسارة على المودعين على قدر أموالهم ما لم يخالف البنك شروط المضاربة أو أصول الإدارة الصحيحة (١) وإن كان البنك شريكا في رأس المال، وعاملا اعتبرناه شريكا مضاربا فيحتمل من الخسارة بنسبة نصيبه في رأس المال. ولصاحب المال تحديد نوع النشاط ومدته وبلده، فقد كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ولا يشتري به ذات كبد رطبة فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله ﷺ فأجازه. (٢) ثانيا: حجز أموال العميل المودعة في حساب جار: معنى الحجز: تجميد الرصيد وعدم قابليته للتصرف فيه، ويتم الحجز تحت يد البنك، ومقتضى ذلك أنه يحظر على العميل بعد توقيع الحجز سحب أي مبلغ من قيمة هذا الرصيد، ... ويشمل الحجز حسابات العميل داخل البنك الواحد، أما إذا كانت الحسابات في عدة فروع فلا أثر للحجز إلا على حسابات العميل داخل الفرع الذي تم الحجز لديه والذي عينه الحاجز في طلبه. (٣) حكم الحجز: الأصل أن للإنسان حرية التصرف في ماله، ولا تقيد هذه الحرية إلا حينما يؤدي تصرفه إلى الإضرار بغيره أو بنفسه، إما بالمتاجرة في المحرمات المضرة بالمجتمع أو كان التصرف يؤدي إلى ضياع حقوق المتصرف أو حقوق غيره. ولما كان الحساب الجاري في القوانين الوضعية له صفة خاصة ومزايا معينة فآثاره تختلف عن العقود الأخرى، وقد كان الاتجاه السائد في أول الأمر أن الحساب الجاري غير قابل للتجزئة، حيث إن وحداته متداخلة لا يمكن فصل بعضها عن بعض فلا يمكن خلال عمليات الحساب الجاري تحديد موقف أي من طرفيه دائنا أو مدينا ولذلك لا يمكن توقيع الحجز عليه.

стр. 14408

ولكن هذا الاتجاه قد انتقد بأنه يؤدي إلى إلحاق الضرر بالدائنين ويمكن المدينين من الإضرار بهم فأخذ بإمكان الحجز عليه. (١) حيث إن الأمر يختلف عما تصوروه فلا يحتاج إلى تفسير الحساب الجاري إلى ذوبان الفردية الذاتية للحقوق المتقابلة إلى أن نفترض أنه عقد خاص؛ لأن سحب العميل من حسابه لا يخرج عن أنه استيفاء لبعض حقوقه أو كلها حيث إن إيداعه لدى البنك أعطي حكم القرض غير المؤجل ولا المؤقت ويحق لصاحبه استرجاعه أو جزءا منه في أي وقت شاء. (٢) ومكونات الحساب الجاري من النقود وغيرها من الأشياء المتماثلة في طرفي الحساب وما كان متماثلا، فهو قابل للتجزئة. وللحجز في الشريعة الإسلامية اصطلاح خاص لا يختلف في تركيب كلمته كثيرا عن الحجز القانوني إذ يسمى في الشريعة الحجر، أما في أحكامه فيختلف حيث إن الحجر الشرعي له أحكام وشروط إذا توفرت منع الإنسان من التصرف في جميع (٣) ماله الموجود والمتجمد بعد الحجر بإرث أو هبة أو وصية إذا كان الحجر كليا (٤) سواء كان الحجر لحظ نفسه أو لحظ غيره. ولعل من أهم أحكام الحجر ما يتعلق بالمفلس فمتى لزمه ديون حالة لا يفي ماله بها فسأل غرماؤه الحاكم عليه لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتجتنب معاملته فإذا حجر عليه بذلك أربعة أحكام: فتتعلق حقوق الغرماء بعين ماله، ولا يتصرف في عين ماله، فإن تصرف لم يصح تصرفه، ومن وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق به، ويبيع الحاكم ماله ويقسمه بين الدائنين بنسبة ديونهم. (٥)

стр. 14409

أهم الفروق بين الحجز القانوني والحجر الشرعي: ١- الحجز في البنوك يكون طرف البنك المطلوب الحجز عنده ولا يشمل الفروع الأخرى، كما لا يشمل الأموال غير المودعة ولا الأموال المتجمدة، وأما الحجر في الشريعة فإنه يشمل جميع الأموال الموجودة والمتجددة بإرث أو وصية وما كان مودعا أو غير مودع. ٢- الحجز لا يقع إلا على الرصيد في البنك المطلوب إيقاع الحجز عنده، أما غيره من البنوك فيحتاج إلى إجراء مستقل، ولذلك قد يحجز على غني، أما في الشريعة فإن الحجر إذا توفرت شروطه يقع على جميع المال ولا بد أن يسبق الحجر التأكيد بأن ماله لا يفي بديونه –أي مفلسا- أما الغني المماطل فيأمره الحاكم بالوفاء، فإن أبى حبسه فإن أبى عزره، فإن أصر على عدم القضاء باع من ماله وقضى دينه الحال ولا يحجر عليه. (١) ثالثا: المقاصة في الحساب الجاري: تعريف المقاصة: المقاصة لغة: مأخوذة من القص وهو القطع، يقال قصصت الشعر إذا قطعته. (٢) وفي الشرع: إسقاط مالك من دين على غريمك في نظير ماله عليك. (٣) حكم المقاصة: المقاصة في الحساب الجاري تكون نتيجة معرفة صفته وتكييفه، وقد مر معنا القول بأن الحساب الجاري تذوب فيه الناحية الذاتية للحقوق الفردية قد ضعف في وقت متأخر واعتمد تجزئته وأنه لم يعد يتمتع بمبدأ عدم التجزئة ولذلك قيل بجواز الحجز قانونا. وأما في الشريعة الإسلامية فلا يبني الأمر على ذوبان الفردية الذاتية في الحساب الجاري من عدمه بل يعتبر الأمر مبنيا على أمرين:

стр. 14410

الأمر الأول: تكييف سحب العميل من حساب جار هل يعتبر قرضا أو استيفاء؟ فإن اعتبر قرضا من البنك، فالعميل فيه مقترض والبنك مقرض له مقابل إقراضه للبنك، فهنا دينان متقابلان تجرى بينهما المقاصة القهرية بمجرد حصولهما دون حاجة إلى عقد أو اتفاق مسبق ولا يبقى إلا ما يمثل الفارق بين الرصيد الدائن والرصيد المدين. (١) وإن اعتبرنا سحب العميل استيفاء من الحساب الجاري فلا يكون الحساب الجاري متألفا من قائمتين من الديون المتقابلة بل من قائمتين إحداهما تمثل ديون العميل على البنك بقدر ما وضع في الحساب الجاري من أموال، والأخرى تمثل استيفاء العميل لدينه الذي يحدد بمقدار سحبه من رصيده، ولا مقاصة حينئذ (٢) وهذا الرأي هو الأقرب لحقيقة ووقائع السحب، إذ لا مانع عند المصارف من سحب العميل أمواله كلها أو بعضها في نفس اليوم الذي تم الإيداع فيه، ولو كان إقراضا من البنك للعميل لخضع لإرادة البنك زمنًا وقدرا، وأيضا فإن الساحب إذا أصدر شيكا أو أمر بسحب أكثر من حسابه قد يقع عليه جزاء مالي أو جسدي، وهذا يدل على أن ما يأخذه يعتبر استيفاء إذ لو كان قرضا لما ترتب على رفضه جزاء فإن المقترض إذا كان يطلب قرضا لا جزاء عليه ولا عقوبة، وإنما يجاب فيقرض أو يرد طلبه. أما إذا كان السحب على المكشوف فهو دين –قرض- للبنك على العميل ولا يتم إلا في حدود ضيقة غالبا، ويعتبر العميل مدينا بهذا القرض.

стр. 14411

الأمر الثاني: يترتب على تكييف سحب العميل من حساب جار بأنه قرض، وانشغال ذمة البنك بهذا الدين تقابل دينين والنبي ﷺ قد ((نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) (١) وحكم بيع النسيئة بالنسيئة يعتبر محرما وإذا وقع كان فاسدا لا تترتب عليه آثاره. والذي يظهر من تقصي صور بيع الدين بالدين وسبب منعها أن هذه الصورة ليست من الصور الممنوعة؛ لأن النهي عن بيع نسيئة بنسيئة، وواقع المقاصة إسقاط لما سبق وليست ببيع جديد. جاء في نظرية العقد: والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب كالسلف المؤجل من الطرفين، وهذه الصورة بيع ما هو ثابت في الذمة ليسقط بما هو ثابت في الذمة ليس في تحريمه نص ولا إجماع ولا قياس فإن كلا منهما اشترى ما في ذمته وهو مقبوض له بما في ذمة الآخر. (٢) وجاء في الفتاوى (النبي ﷺ نهي عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو المؤخر بالمؤخر ولم ينه عن بيع دين ثابت في الذمة يسقط إذا بيع بدين ثابت في الذمة يسقط فإن هذا الثاني يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين ولهذا كان جائزا في أظهر قولي العلماء) . (٣) ولعل فيما سبق من بيان لجواز الحجز على الحساب الجاري وقبول المقاصة فيه جواب على جواز جعله رهنا أو ضمانا أو ثمنا لشراء أسهم أو بضائع، فإذا جاز سحبه والمقاصة به وقبل الحساب التجزئه جاز حينئذ جعله سدادا لجميع أعمال المودع. والله أعلم.

стр. 14412

المطلب الثاني ودائع التوفير ومما له صلة بالحساب الجاري ودائع التوفير، وإليك تعريفها أولا ثم تكييفها. تعريفها: هي مبالغ نقدية يقتطعها الأفراد من دخولهم ويدفعونها إلى المصرف ليفتح لهم حسابا ادخاريا يحق لهم سحبه أو سحب جزء منه أي وقت. (١) وهذا النوع يقصد المودع به حفظ ماله من الضياع وتعويد نفسه على التوفير والادخار، وقد يرغب في استثمارها وما يعود من أرباح وفوائد يعطيها المصرف لمثل هذه الودائع إذ إن المودعين غالبا هم ذوو الدخول البسيطة. ويحق لصاحب التوفير الإضافة على رصيده في أي وقت كما يحق له السحب من هذا المال بنفسه أو بمن ينيبه عنه ولا يصدر لهذه الحسابات شيكات وإنما يعطى أصحاب هذه الودائع دفاتر تقيد فيها دفعات الإيداع والسحب. وحركة السحب من هذه الودائع بسيطة إلا في المواسم والأعياد. (٢)

стр. 14413

تكييف ودائع التوفير: يظهر من تعريفها السابق أنها تشابه الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) في إمكان السحب منها متى شاء المودع، وإن كانت بعض المصارف الإسلامية تحدد السحب بمرة واحدة في الشهر. كما إنها تشبه الودائع لأجل فيما تعطيه المصارف الربوية من فوائد للمدخرين. (١) واستثمار هذه الودائع لا يخرج عن صنفين: أحدهما: في البنوك التجارية: حيث تدفع فوائد محددة بنسبة معينة متفق عليها على أساس أدنى رصيد له في حساب التوفير خلال شهر. (٢) وهذا ربا قرض محرم شرعا. والثاني: في البنوك الإسلامية حيث يختلف وضع هذه الودائع، ففي بعضها يحق لصاحب الوديعة أن يسحب وديعته متى شاء ويسحب العائد من الربح وتحسب الخسارة على أقل رصيد شهري في الحساب المودع. (٣) وفي بعضها الآخر ليس للمودع السحب إلا مرة واحدة في الشهر فإن سحب أكثر من مرة سقط نصيبه من الربح في ذلك الشهر، وللمودع أن يسحب وديعته في أي وقت يشاء، وتحتاط البنوك في الاحتفاظ بنسبة محددة لا تدخل في الاستثمار لمواجهة طلبات السحب ولا يدفع عنها ربح، وعلى ذلك تكون الودائع التي لم يفوض أصحاب المال المصرف في استثمارها قرضا حسنا. (٤) وأما الودائع التي فوض البنك في استثمارها سواء عين المشروع الاستثماري أو لم يعينه، فالمودعون هم أرباب المال، والبنك هو العامل إن لم يضف إلى مال المشاركة من حصص المساهمين فإن أضاف شيئا فهو شريك ومضارب في آن واحد إن تولى إدارة المشاريع بنفسه فإن دفعها إلى غيره اعتبر وكيلا للمضاربين، جاء في المغني: (وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك نص عليه أحمد لا نعلم فيه خلافا ويكون العامل وكيلا لرب المال في ذلك ... وإن قال: اعمل فيه بما أراك الله جاز دفعه مضاربة نص عليه؛ لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه) . (٥)

стр. 14414

المطلب الثالث الوديعة الائتمانية (المشتقة) دعت الحاجة إلى استخدام الودائع المشتقة في كثير من المقاولات والمعاملات التجارية وخصوصا الخارجية منها؛ إذ إن المصدر الأجنبي لا يريد أن يتخلى عن بضاعته لمشتر لا يعرفه دون أن يضمن الحصول على ثمن بضاعته، والمشتري لا يريد أن يدفع ثمن بضاعة لم يتحقق مطابقتها لمواصفاته التي اشترطها، ومن هنا جاء دور البنوك في التوسط بين الطرفين المتعاملين فأوجدت ما يسمى بالودائع الائتمانية. (١) ولا بد من تعريفها ثم تكييفها. تعريفها: (عقد بين بنك وعميل يضع فيه البنك مبلغا من المال تحت تصرف العميل خلال مدة معينة أو يتعهد بوضعه. ويكون من حق العميل السحب بشيكات كما أو أودع نقودا) . (٢) تكييف الوديعة الائتمانية: الوديعة الائتمانية الناشئة من البنك لا تخرج عن حالتين: الحالة الأولى: الإقراض بتسليم المبلغ نقدا للعميل أو قيده في حسابه فهذا قرض تجرى عليه أحكام القرض، إن كان بفائدة فهو ربا محرم شرعا وإن كان بدون فائدة فهو قرض حسن. (٣)

стр. 14415

الحالة الثانية: إذا لم يتسلم المقترض المبلغ أو تسلم بعضه ولم يقيد الباقي في سجلات المصرف، فما تسلمه يعتبر قرضا وما لم يتسلمه يعتبرا وعدا بقرض (١) وأرى أن هذا ضمان للمصدر لسداد ما يلزم العميل عند وصول البضاعة موافقة للشروط. وقد تطلب بعض المصارف تغطية المبلغ أو جزءا منه فإن غطى المبلغ جميعه كان الثمن أمانة عند المصرف حتى يتسلم البضاعة ويتأكد من مطابقتها للشروط ثم يدفع لكل حقه، وإذا لم يغط العميل المبلغ المطلوب جميعه كان ما سلم جزءا من الثمن وما لم يسلم ضمان من البنك يقوم بتسديده للمصدر حين تسلم البضاعة مطابقة للشروط. جاء في الروض المربع (وإن أبى كل منهما –أي البائع والمشتري- تسليم ما بيده من المبيع والثمن حتى يقبض العوض بأن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع نصب عدل ... يقبض منهما المبيع والثمن ويسلم المبيع للمشتري ثم الثمن للبائع؛ لجريان عادة الناس بذلك) . (٢) وما يأخذه المصرف من أجرة إذا كان مرة واحدة بقدر تكلفة العمل ولم يختلف حسب اختلاف المبلغ فهو جائز إذ إنه أجر على عمل لا يلزمه فيستحق الأجرة عليه، وأما ما يستحقه مقابل فحص البضاعة ومعرفة مطابقتها للشروط من عدمه فذلك وكالة بأجر. والله أعلم.

стр. 14416

المبحث الثاني أثر الحسابات الجارية في تنشيط الحركة الاقتصادية يلجأ أصحاب الأموال إلى وضع أموالهم لدى البنوك بقصد حفظها من السرقة أو الغصب أو الضياع، وقد يرغب بعضهم في وضع ماله لغرض معين كالاكتتاب في أسهم شركة معينة أو تنفيذ علاقة تجارية معينة والتي لا تنتهي بمجرد صفقة واحدة أو اثنتين؛ إذ العمليات التجارية متشابكة متداخلة لا تنتهي عند حد معين، والبنوك هي الوسيط غالبا في هذه العمليات. (١) إذ أنها هي المؤسسات التي يكون من اختصاصها وأغراض تأسيسها قبول الأموال من مالكيها. (٢) ، وتنفيذ أوامرهم المتعلقة بحساباتهم، وصرف وتحصيل وإصدار الشيكات، ومنح القروض، وخصم الأوراق التجارية وفتح الحسابات الجارية وقبول الودائع على جميع صورها، وهذه الودائع لها دورها فهي المصدر الأساسي للسيولة في النشاط المصرفي حيث إنها الجزء الأكبر من موارده الخارجية وخصوصا الوديعة الجارية حيث بلغت نسبتها من مجموع الودائع في المملكة العربية السعودية (٦٠.٧ %) . (٣) فالبنوك وإن كانت مخزنا للنقود إلا أن هذا أقل أدوارها أهمية، ذلك أن الأهم منه أن تدفع بهذه النقود إلى المنتجين في الصناعة والزراعة والمشتغلين بالتجارة بصفة عامة ثم تستردها منهم لتقديمها من جديد إلى منتجين آخرين، فالنقود تستخدم خارج البنوك في تنشيط الاقتصاد وبث الحياة في المشروعات، ولنا أن ننظر في أهم موارد المصارف حتى تتبين لنا النسبة التي تشكلها الودائع بالنسبة إلى غيرها. ١- رأس المال المدفوع لا يعتبر موردا مهما للبنك وإنما تكمن أهميته في كونه مصدرا لثقة المودعين ولتدعيم البنك في علاقته مع مراسليه بالخارج. ٢- الاحتياطات وهي مبالغ نقدية تقتطعها البنوك من صافي الربح القابل للتوزيع وتنقسم إلى قانونية (٤) واختيارية. (٥) ٣- الحسابات الجارية. ٤- الودائع الادخارية (حساب التوفير) . الودائع الاستثمارية بقسميها ما كان منها مع التفويض أو بدونه. (٦)

стр. 14417

ومن المعلوم أن موارد البنوك من النقود بمعناها الضيق وهي النقود المصدرة عن طريق السلطات النقدية بالدولة لا تشكل نسبة ذات أهمية بالنسبة لغيرها من النقود المشتقة، فنقود الودائع هي التي تتوفر لديه بمعنى أن النظام المصرفي يستطيع أن يوجد كمية من النقود تفوق أضعاف كمية النقود التي وضعها المودعون لدى البنوك (١) ، ويرجع ذلك إلى أن نسبة السحب من الودائع محدودة بحيث إن ما تحتفظ به البنوك كاحتياطي نقدي لمقابلة السحب لا يتجاوز ٣٠ % من الودائع، ويبقى (٧٠ %) من الودائع وخصوصا الحسابات الجارية تستثمرها هذه البنوك (٢) ولا شك أن هذه النقود الحقيقية أو المشتقة لها دور كبير في مجال النشاط المالي والاقتصادي والتجاري في البلاد، إذ تدفع هذه النقود إلى المنتجين في الصناعة والزراعة والتجارة ثم تستردها منهم لتقديمها من جديد إلى منتجين آخرين (٣) ، وهذا يؤدي إلى تقليب المال في البنوك واتساع نطاق التعامل بالودائع المصرفية حيث تنتقل ملكيتها من شخص آخر عن طريق الشيكات، وبذلك تزداد وسائل الدفع في المجال التجاري والصناعي والزراعي والعمراني، مما يؤدي بدوره إلى القضاء على البطالة، أو المساهمة في تقليلها ولا سيما إذا كانت هذه الودائع تقدم مشاركة أو مضاربة أو في أعمال زراعية، وهذا اتجاه لا شك في مساهمته في المشاريع التنموية التي يعود نفعها على المجتمع عامة، ويقلل من دور البنوك الربوية التي تدفع ما لديها من ودائع بفوائد ربوية، حيث يكتفي المصرف بفوائد الودائع عن تشغيلها، الأمر الذي أدى إلى زيادة التضخم وانتشار البطالة وخروج الأموال واستغلالها في خارج بلدان الأموال –الودائع- مما يعتبر له أكبر الأثر في اقتصاديات الأمة حيث يجرد المسلمون من أدوات النشاط الاقتصادي ومن القوة القاهرة في المبادلات، فهذه الأموال التي تنعم بها المصارف الأجنبية هي التي تصنع بها الرفاهية في بلادها بينما يعاني العديد من البلدان الإسلامية من نقص الموارد والإمكانات المالية، وتبذل هذه البلدان جهودا مضنية للحصول على احتياجاتها التمويلية من المصارف الأجنبية، وما تفرضه عليها هذه الأخيرة ما هو في الواقع إلا جزء من أموال المسلمين المودعة أصلا لديها وتمن به عليهم بعد دفعه بشروط باهظة وباستغلال بين، ومن هذا يتبين أن مدخرات البلاد الإسلامية التي تودع في مصارف أجنبية تمنح فرصا ذهبية للبلاد الأجنبية لكي تفيد منها فوائد مضاعفة في تحقيق مزيد من التنمية لشعوبها. (٤)

стр. 14418

وأيضا فإن الودائع المصرفية تمثل أموالا كانت عاطلة قبل إيداعها فأتيح لها عن طريق الإيداع دخول مجال الإنتاج والاستثمار على شكل قروض أو مشاركة أو مزارعة ومنح البنوك القدرة على الائتمان (١) بدرجة أكبر من تلك الودائع. والائتمان البنكي يؤدي بدوره إلى الوديعة المصرفية وبالتالي تكثر وسائل الدفع التي تعوض النقود، وكلما كثرت وسائل الدفع اتسعت ونمت الحركة التجارية والصناعية والزراعية وقلت البطالة (٢) كما أن من أهم فوائد الإيداع للعمل المصرفي وللمجتمع عامة ما تلجأ إليه المصارف بتوجيه من الحكومات حيث ترغب الدول في الحد من الإنفاق والبعد عن الإسراف، ولذلك يلجأ الأفراد إلى إيداع مدخراتهم في المصارف التي تعمل جاهدة لتجميع هذه المدخرات وتوجيهها الوجهة التي تحقق النفع العام للمجتمع إن استغلت استغلالا تنمويا صحيحا مبنيا على أسس ومبادئ مدروسة أو يؤدي إلى نتائج عكسية إن استغلت في القروض الربوية غير المنتجة.

стр. 14419

الخاتمة الحمد لله أولا وآخرا كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وبعد. فقد انتهيت من بحث الحسابات الجارية وأثرها في تنشيط الحركة الاقتصادية وتوصلت إلى عدة نتائج هذه أهمها: ١- أفرز النظام المصرفي أمرا له خطورته وأهميته في آن واحد ذلك أن البنوك استطاعت إيجاد وخلق نقود لم تكن موجودة وذلك أن الودائع مكنت المصارف من نقود جعلتها تتاجر بها أو تقرضها فيما لا يعود بفائدة اجتماعية إن لم يعد بخسارة حينما تكتفي هذه المصارف بعوائد الودائع الربوية الداخلية التي تؤدي بدورها إلى زيادة نسبة التضخم أو الخارجية التي تؤدي إلى حرمان المجتمعات الإسلامية من ثرواتها وتتعطل المشاريع التنموية من زراعية وتجارية وصناعية لعدم وجود المال في أيدي المستثمرين، ولذلك يجب مراقبة المصارف مراقبة قوية وتوجيهها بما يعود خيره على الأمة. ٢- تعتبر الحسابات الجارية أهم المصادر الأساسية للسيولة النقدية في النشاط المصرفي إذ تكون الجزء الأكبر من موارده حيث بلغت نسبتها من مجموع الودائع في المملكة أكثر من ٦٠ %. ٣- الحسابات الجارية لها دور في زيادة التضخم إذا لم تراقب وتوجه وجهة سليمة تساهم في المشاريع التنموية الزراعية والتجارية والصناعية. ٤- أدى ظهور البنوك الإسلامية إلى الحد من التضخم وتقليل البطالة وذلك عند استثمار الودائع في مشاريع تنموية زراعية وتجارية وصناعية وإن لم يتحقق الدور المطلوب من هذه البنوك لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية مما أدى إلى إضعاف دورها والتقليل من أهميتها.

стр. 14420

٥- تعتبر غالب الحسابات الجارية في واقع التعامل المصرفي المعاصر قروضا وعائداتها من الربا المحرم شرعا بنص الكتاب والسنة، ويمكن جعلها قروضا حسنة. ٦- لا عبرة بالاتجاه القانوني في اعتبار الحساب الجاري غير القابل للتجزئة وذوبان الفردية فيه حيث إن مكوناته متماثلة والحجز يقع على المتماثل وغيره مما لا يقبل التجزئة إذا توفرت شروطه. ٧- إمكان المقاصة وجعل الحساب الجاري أو جزءا منه رهنا في دين أو سدادا لقيمة مبيع أو تغطية لخطاب ضمان ما دام أنه يجوز للعميل السحب منه والإضافة إليه. ٨- ليست المقاصة من صور بيع الدين بالدين الممنوعة. ٩- السحب من الحساب الجاري استيفاء للحق أو بعضه وليس قرضا؛ لأن المصارف لا تسمح بسحب أكثر من المبلغ المودع. ١٠- يجب توسيع نشاطات البنوك الإسلامية وتوجيهها إلى مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعلمية مكتفية بالقليل من الأرباح المادية مقابل الأرباح المعنوية الهامة. والحمد لله على توفيقه وإعانته على إتمام هذا البحث والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د. مسعود بن مسعد الثبيتي

стр. 14421

أهم مراجع البحث - الأزهري، الزاهر، تحقيق محمد الألفي، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ، دار الشئون الإسلامية، الكويت. - الإمام أحمد، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت. - البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، المطبعة السلفية ١٣٩٠هـ. - البعلي، المطلع على أبواب المقنع، الطبعة الأولى ١٣٨٥هـ، المكتب الإسلامي. - البهوتي، شرح منتهى الإرادات، دار الفكر. - البهوتي، كشاف القناع. - البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ دائرة المعارف النظامية، الهند. - بيت التمويل الكويتي، النظام الأساسي، الكويت١٤١١هـ. - بنك دبي الإسلامي، النظام الأساسي، ١٣٩٥هـ. - ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، مكتبة المعارف، المغرب. - جهاد أبو عويمر، الترشيد الشرعي للبنوك، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٨٦م. - الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد العطار، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ. - حسن الأمين، الودائع المصرفية، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، دار الشرق. - حسين عمر، موسوعة المصطلحات الاقتصادية، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩هـ، دار الشروق. - ابن حجر، تلخيص الحبير، تحقيق شعبان إسماعيل ١٣٩٩هـ، مكتبة الكليات الأزهرية. - الدردير، الشرح الكبير على هامش الدسوقي، المكتبة التجارية الكبرى. - الزيلعي، نصب الراية، الطبعة الثانية ١٣٩٣هـ، المكتبة الإسلامية. - السالوس، حكم ودائع البنوك، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، دار الثقافة، الدوحة. - سامي حسن حمود، تطوير الأعمال المصرفية، الطبعة الأولى ١٣٩٦هـ، دار الاتحاد العربي للطباعة. - سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق. -

стр. 14422

- سميحة القليوبي، الأسس القانونية لعمليات البنوك، دار النهضة العربية ١٩٨٨م. - الشوكاني، نيل الأوطار، مصطفى البابي الحلبي. - الصدر/ البنك اللاربوي، دار التعارف للمطبوعات ١٤١٠هـ. - عمر متولي، وشوقي إسماعيل، اقتصاديات النقود، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، دار التوفيق النموذجية. - العمر، النقود الائتمانية، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، دار العاصمة الرياض. - عوف الكفراوي، النقود والمصارف، دار الجامعات المصرية. - غريب الجمال، المصارف وبيوت التمويل، الطبعة الأولى، دار الشروق. - الفيومي، المصباح المنير، مصطفى البابي الحلبي. - ابن قدامة، المغني، مكتبة الجمهورية العربية. - ابن ماجه، السنن، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي. - ابن المبرد، الدر النقي، الطبعة الأولى ١٤١١هـ، دار المجتمع. - محمد التكينة، الخدمات المصرفية، رسالة دكتوراة، جامعة أم القرى. - محمد عبد الهادي، الربا والقرض، دار النصر للطباعة، مصر. - محمود بابللي، المصارف الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، المكتب الإسلامي. - مسلم، الجامع الصحيح مع شرح النووي، دار الفكر، بيروت. - المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، عالم الكتب، القاهرة. - نزيه حماد، بيع الكالئ بالكالئ، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، ١٩٨٦م. - نزيه حماد، عقد القرض، الطبعة الأولى ١٤١١هـ، دار القلم، دمشق. - نزيه حماد، عقد الوديعة، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، دار القلم، دمشق. - النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي.

стр. 14423

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الودائع المصرفية الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موضوع هذه الجلسة المباركة –إن شاء الله تعالى- هو: الودائع المصرفية (حسابات المصارف) والعارض هو الدكتور سامي حسن حمود، والمقرر هو الدكتور حسين كامل فهمي.

стр. 14424

الدكتور سامي حسن حمود: الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على النبي الأمي، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وكان رحمة للعالمين، أما بعد: فإنه ليسرني أن أقدم عرضا موجزا مع محاولة عدم الإخلال بالمقصود إن شاء الله من بحوث الموضوع الثالث وهو بعنوان (الودائع المصرفية-حسابات المصارف) . وقد قدمت بهذا الموضوع سبعة بحوث وسأتبع في العرض نفس الترتيب الوارد في جدول الأعمال بالنسبة لأسماء الباحثين، حيث كلهم أخ كريم أفدت من عملهم ورددت بعض الجميل بالتنبيه إلى ما أورده البعض الآخر ممن قد أختلف معه في الرأي دون أن ينقص الكلام مقام الود والاحترام. وكانت أمانة مجمع الفقه الإسلامي قد حددت بحرص تشكر عليه أهم عناصر الموضوع الخاص بالودائع المصرفية دون إلزام بالاتباع الحرفية. وسوف أعرض لأهم نقاط البحث على أساس التصنيف الموضوعي لهذه العناصر مع محاولة التركيز على ما هو مطلوب للتطبيق العملي المعاصر وذلك لتسهيل إعطاء الرأي الفقهي من أهل الفقه وهم على بينة من الموضوع المقصود بالبحث. أولا – مفهوم الوديعة المصرفية وتسميتها وتكييفها. ثانيا – النتائج المترتبة على تكييف الودائع المصرفية على أنها قرض. ثالثا – أنواع الودائع المصرفية وموقعها في الميزانية العمومية للبنك. رابعا – ضمان الحسابات الجارية ومن يتحمله؟ المساهمون والمودعون أم المساهمون وحدهم. خامسا – رهن الوديعة المصرفية وإجراءات الحجز والمقاصة. سادسا – استثمار الودائع المصرفية والتصرف بالسحب والإيداع.

стр. 14425

أولا – مفهوم الوديعة وتسميتها وتكييفها: تلاقت آراء الباحثين في الجملة على أن مفهوم الوديعة المصرفية إنما هو مفهوم مغاير لعقد الإيداع بالنظر الفقهي. فالوديعة المصرفية بصورتها الحسابية ليست توكيلا للمصرف على حفظ المال. وهذا هو الفرق بين الوديعة بالمفهوم الفقهي والتطبيق المصرفي. فالوديعة في الأصل هي: - حسب تعريف مجلة الأحكام العدلية- المال الذي يوضع عند إنسان لأجل الحفظ (مادة٧٦٢) . أما الوديعة المصرفية فهي المال الذي يتسلمه المصرف لحساب المودع، ليس على أساس حفظه له بذاته، وإنما على أساس تسجيل قيد يصبح فيه دائنا للمصرف وله حق السحب والاسترداد في الحساب الجاري وقتما شاء أو يجب الشرط المتفق عليه بالنسبة لأنواع الحسابات الأخرى. لذلك فقد عمد باحثان هما: د. سامي حسن، ود. حمد الكبيسي إلى توضيح التسمية لتكون الوديعة الحسابية حيث إن الإنسان هو القيد الحسابي الذي يثبت انشغال ذمة المصرف المودع لديه حسبما يظهر في كشف الحساب. وبهذا المفهوم أخذ قانون البنك الإسلامي الأردني رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨ والمعدل لاحقا برقم ٦٢ لسنة ١٩٨٥ حيث نصت المادة رقم ١١ حسب القانون المعدل على أن (يقبل البنك الودائع النقدية المسجلة في الحسابات المختلفة سواء بصورة حسابات الائتمان ومن هذه التسمية "حسابات الائتمان" كبديل عن مصطلح الحساب الجاري وكذلك حسابات الاستثمار كنقيض لحسابات الودائع الثابتة ذات الفائدة وما يشبهها هي التسمية الجديرة بالشيوع) . وللعلم فإن قانون البنك الإسلامي الأردني خضع بكل مواده لتدقيق شديد من لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الأردنية قبل مسودته إلى رئاسة الوزراء. أما التكييف الفقهي فإن ما يدعو للاعتزاز بفقه السابقين الذين تظهر في آرائهم أمارات النور الإيماني يتمثل في قولهم المباشر عن الوديعة النقدية المأذون باستعمالها أنها تكون قرضا حقيقة. هذا ما قاله الأئمة السابقون –﵏ جميعا- ومن أبرزهم الإمام السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء وشارحه الإمام الكاساني والسرخسي في المبسوط وصاحب كشاف القناع وكتاب المغني لابن قدامة.
следующие страницы →