← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.

стр. 14421

أهم مراجع البحث - الأزهري، الزاهر، تحقيق محمد الألفي، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ، دار الشئون الإسلامية، الكويت. - الإمام أحمد، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت. - البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، المطبعة السلفية ١٣٩٠هـ. - البعلي، المطلع على أبواب المقنع، الطبعة الأولى ١٣٨٥هـ، المكتب الإسلامي. - البهوتي، شرح منتهى الإرادات، دار الفكر. - البهوتي، كشاف القناع. - البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ دائرة المعارف النظامية، الهند. - بيت التمويل الكويتي، النظام الأساسي، الكويت١٤١١هـ. - بنك دبي الإسلامي، النظام الأساسي، ١٣٩٥هـ. - ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، مكتبة المعارف، المغرب. - جهاد أبو عويمر، الترشيد الشرعي للبنوك، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٨٦م. - الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد العطار، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ. - حسن الأمين، الودائع المصرفية، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، دار الشرق. - حسين عمر، موسوعة المصطلحات الاقتصادية، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩هـ، دار الشروق. - ابن حجر، تلخيص الحبير، تحقيق شعبان إسماعيل ١٣٩٩هـ، مكتبة الكليات الأزهرية. - الدردير، الشرح الكبير على هامش الدسوقي، المكتبة التجارية الكبرى. - الزيلعي، نصب الراية، الطبعة الثانية ١٣٩٣هـ، المكتبة الإسلامية. - السالوس، حكم ودائع البنوك، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، دار الثقافة، الدوحة. - سامي حسن حمود، تطوير الأعمال المصرفية، الطبعة الأولى ١٣٩٦هـ، دار الاتحاد العربي للطباعة. - سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق. -

стр. 14422

- سميحة القليوبي، الأسس القانونية لعمليات البنوك، دار النهضة العربية ١٩٨٨م. - الشوكاني، نيل الأوطار، مصطفى البابي الحلبي. - الصدر/ البنك اللاربوي، دار التعارف للمطبوعات ١٤١٠هـ. - عمر متولي، وشوقي إسماعيل، اقتصاديات النقود، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، دار التوفيق النموذجية. - العمر، النقود الائتمانية، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، دار العاصمة الرياض. - عوف الكفراوي، النقود والمصارف، دار الجامعات المصرية. - غريب الجمال، المصارف وبيوت التمويل، الطبعة الأولى، دار الشروق. - الفيومي، المصباح المنير، مصطفى البابي الحلبي. - ابن قدامة، المغني، مكتبة الجمهورية العربية. - ابن ماجه، السنن، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي. - ابن المبرد، الدر النقي، الطبعة الأولى ١٤١١هـ، دار المجتمع. - محمد التكينة، الخدمات المصرفية، رسالة دكتوراة، جامعة أم القرى. - محمد عبد الهادي، الربا والقرض، دار النصر للطباعة، مصر. - محمود بابللي، المصارف الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، المكتب الإسلامي. - مسلم، الجامع الصحيح مع شرح النووي، دار الفكر، بيروت. - المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، عالم الكتب، القاهرة. - نزيه حماد، بيع الكالئ بالكالئ، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، ١٩٨٦م. - نزيه حماد، عقد القرض، الطبعة الأولى ١٤١١هـ، دار القلم، دمشق. - نزيه حماد، عقد الوديعة، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، دار القلم، دمشق. - النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي.

стр. 14423

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الودائع المصرفية الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موضوع هذه الجلسة المباركة –إن شاء الله تعالى- هو: الودائع المصرفية (حسابات المصارف) والعارض هو الدكتور سامي حسن حمود، والمقرر هو الدكتور حسين كامل فهمي.

стр. 14424

الدكتور سامي حسن حمود: الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على النبي الأمي، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وكان رحمة للعالمين، أما بعد: فإنه ليسرني أن أقدم عرضا موجزا مع محاولة عدم الإخلال بالمقصود إن شاء الله من بحوث الموضوع الثالث وهو بعنوان (الودائع المصرفية-حسابات المصارف) . وقد قدمت بهذا الموضوع سبعة بحوث وسأتبع في العرض نفس الترتيب الوارد في جدول الأعمال بالنسبة لأسماء الباحثين، حيث كلهم أخ كريم أفدت من عملهم ورددت بعض الجميل بالتنبيه إلى ما أورده البعض الآخر ممن قد أختلف معه في الرأي دون أن ينقص الكلام مقام الود والاحترام. وكانت أمانة مجمع الفقه الإسلامي قد حددت بحرص تشكر عليه أهم عناصر الموضوع الخاص بالودائع المصرفية دون إلزام بالاتباع الحرفية. وسوف أعرض لأهم نقاط البحث على أساس التصنيف الموضوعي لهذه العناصر مع محاولة التركيز على ما هو مطلوب للتطبيق العملي المعاصر وذلك لتسهيل إعطاء الرأي الفقهي من أهل الفقه وهم على بينة من الموضوع المقصود بالبحث. أولا – مفهوم الوديعة المصرفية وتسميتها وتكييفها. ثانيا – النتائج المترتبة على تكييف الودائع المصرفية على أنها قرض. ثالثا – أنواع الودائع المصرفية وموقعها في الميزانية العمومية للبنك. رابعا – ضمان الحسابات الجارية ومن يتحمله؟ المساهمون والمودعون أم المساهمون وحدهم. خامسا – رهن الوديعة المصرفية وإجراءات الحجز والمقاصة. سادسا – استثمار الودائع المصرفية والتصرف بالسحب والإيداع.

стр. 14425

أولا – مفهوم الوديعة وتسميتها وتكييفها: تلاقت آراء الباحثين في الجملة على أن مفهوم الوديعة المصرفية إنما هو مفهوم مغاير لعقد الإيداع بالنظر الفقهي. فالوديعة المصرفية بصورتها الحسابية ليست توكيلا للمصرف على حفظ المال. وهذا هو الفرق بين الوديعة بالمفهوم الفقهي والتطبيق المصرفي. فالوديعة في الأصل هي: - حسب تعريف مجلة الأحكام العدلية- المال الذي يوضع عند إنسان لأجل الحفظ (مادة٧٦٢) . أما الوديعة المصرفية فهي المال الذي يتسلمه المصرف لحساب المودع، ليس على أساس حفظه له بذاته، وإنما على أساس تسجيل قيد يصبح فيه دائنا للمصرف وله حق السحب والاسترداد في الحساب الجاري وقتما شاء أو يجب الشرط المتفق عليه بالنسبة لأنواع الحسابات الأخرى. لذلك فقد عمد باحثان هما: د. سامي حسن، ود. حمد الكبيسي إلى توضيح التسمية لتكون الوديعة الحسابية حيث إن الإنسان هو القيد الحسابي الذي يثبت انشغال ذمة المصرف المودع لديه حسبما يظهر في كشف الحساب. وبهذا المفهوم أخذ قانون البنك الإسلامي الأردني رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨ والمعدل لاحقا برقم ٦٢ لسنة ١٩٨٥ حيث نصت المادة رقم ١١ حسب القانون المعدل على أن (يقبل البنك الودائع النقدية المسجلة في الحسابات المختلفة سواء بصورة حسابات الائتمان ومن هذه التسمية "حسابات الائتمان" كبديل عن مصطلح الحساب الجاري وكذلك حسابات الاستثمار كنقيض لحسابات الودائع الثابتة ذات الفائدة وما يشبهها هي التسمية الجديرة بالشيوع) . وللعلم فإن قانون البنك الإسلامي الأردني خضع بكل مواده لتدقيق شديد من لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الأردنية قبل مسودته إلى رئاسة الوزراء. أما التكييف الفقهي فإن ما يدعو للاعتزاز بفقه السابقين الذين تظهر في آرائهم أمارات النور الإيماني يتمثل في قولهم المباشر عن الوديعة النقدية المأذون باستعمالها أنها تكون قرضا حقيقة. هذا ما قاله الأئمة السابقون –﵏ جميعا- ومن أبرزهم الإمام السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء وشارحه الإمام الكاساني والسرخسي في المبسوط وصاحب كشاف القناع وكتاب المغني لابن قدامة.

стр. 14426

وبينما تاه أصحاب القانون المدني في تكييف الوديعة المصرفية قرونا قبل أن يصلوا إلى حقيقة كونها قرضا كما هو معروف الآن، فقد كان فقهاء الإسلام قادرين من بداية الطريق على وضع الأمور في نصابها حتى قبل أن تأتي حفظ الحاجة، حيث لم يعرفوا الشكل التطبيقي للوديعة المصرفية في أرباحهم. ولكنهم عرفوا أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. هذا هو التكييف الفقهي الذي تعتمده البنوك الإسلامية للوديعة في الحسابات الجارية. وبينما يسلم الباحثون بهذا المفهوم المتفق عليه بالنسبة للتكييف الفقهي في الوديعة المأذون بالتصرف فيها، فإن الباحث الدكتور حسين كامل فهمي يرى من بحثه المقدم لهذه الدورة (ضرورة إعادة النظر في التكييف الفقهي المعمول به حاليا للحسابات الجارية في البنوك الإسلامية لتعود الوديعة إلى المفهوم الفقهي للوديعة، حيث يصطلح لذلك بقوله (الوديعة بمفهومها الشرعي) . وهو يعتبر أن الوديعة المصرفية بهذا المفهوم تصبح وديعة لدى كل من البنك الإسلامي والبنك المركزي في نفس الوقت مع الإذن للبنك المركزي فقط باستخدامها. ورأي الباحث –مع الاحترام لحق الزمالة في العمل والمجالسة مع أهل العلم- فيه تناقض بين. فإذا كان يريد الوديعة بمفهومها الفقهي على أنها توكيل بالحفظ فليس محلها القيد بالحساب الجاري وإنما يجب حفظ الأوراق النقدية المودعة بذاتها كما كان بفعل أجدادنا وجداتنا بعقد الصرة على دراهم الأمانة لتعاد بذاتها؛ لأن هذا مفهوم الإيداع بمعنى الحفظ الأمين. كما أن البحث نفسه يمنع البنك الإسلامي من استخدام الوديعة ويلزمه بالاحتفاظ باحتياطي ١٠٠ % من أرصدة الحسابات الجارية بينما يسمح للبنك المركزي فقط باستخدام هذه الأموال. وإن مجرد السماح بالاستخدام يفقد الوديعة الوصف الفقهي كتوكيل بحفظ المال وينقلها إلى عقد جديد هو عقد القرض فيكون الباحث بذلك قد رجع إلى نفس الباب الذي أراد أن يخرج منه. فأرجو أن يراجع هذه المسألة في بحثه على ضوء ما ذكره وجزاه الله خيرا بما حاول في الاجتهاد.

стр. 14427

ثانيا- النتائج المترتبة على تكييف الوديعة المصرفية على أنها قرض: تطرق الباحث الدكتور محمد علي القري إلى نقاط لم يتطرق لها غيره مثل ما فصل به من ناحية النتائج المترتبة على هذا التكييف بينها في ثلاث نقاط هي: ١-إذا كان القرض في الإسلام هو لغرض الإرفاق فهل يكون البنك فقيرا حتى يجوز عليه القرض الحسن في حالة البنك الإسلامي. ٢-إذا كان الحساب الجاري قرضا فهل يعتبر الحساب الجاري في البنك الربوي أنه معونة له على الإثم. ٣-هل انتفاع صاحب الحساب الجاري بخدمات البنك المقدمة إليه بصفته يتعامل مع البنك الذي أقرضه –هل يعتبر ذلك أنه من باب قرض جر نفعا؟ وكان الجواب الذي تضمنه البحث لهذه النقاط هو: ١- بان القرض الحسن يجوز للفقير كما يجوز للغني. ٢- أما المعونة على الإثم في حال التعامل مع البنك الربوي فقد نقل رأي البعض بمخالفة ذلك لأصل من أصول الشريعة ولا سيما إذا وجدت البنوك الإسلامية. ٣- وأما النقطة الثالثة فقد انتهي إلى أن الانتفاع هنا متبادل وليس محصورا بطرف المدين وحده وقارن بوجهة نظر لطيفة بين المنافع المتبادلة في الحساب الجاري وكذلك الحال في السفتجة. وأضيف هنا أن النفع المقصود بالتحريم في القول المتبادل –كل قرض جر نفعا فهو ربا - إنما يراد به النفع المادي المشروط على المدين بما يؤديه للدائن، أما تزويد البنك عميله بكشف الحساب وصرفه الشيكات له وتخويله حق الاستفادة من خدمات الصراف الآلي مثلا فإن هذه ليست نقودا مدفوعة زيادة عن الدين وإنما هي خدمات.

стр. 14428

ولعل من المناسب التنويه هنا إلى أن أحد الباحثين قد نقل القول المتداول (كل قرض جر نفعا فهو ربا) على أنه حديث رسول الله ﷺ . فقد ذكر الإمام العسقلاني في كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام في علم الحديث أن إسناد هذا الحديث ساقط. كما أورده البيهقي بلفظ آخر هو: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا. وقال عنه: إنه موقوف. ونقل الصنعاني أقوالا من هذا المعنى عن بعض التابعين منهم ابن سيرين في قوله: كل قرض جر منفعة فهو مكروه. وتكلم الإمام الزيلعي في هذا الحديث من حيث رواته، فقال: إن عبد الحق قد ذكر هذا الحديث في أحكامه في البيوع وأعله بسوار بن مصعب وقال: إنه متروك. أقول هذا للتحذير من استمرار تداول هذا القول والإشارة له بأنه حديث وهو ليس كذلك. ثالثا: أنواع الودائع المصرفية وموقعها في الميزانية العمومية للبنك. تتفق الأبحاث المقدمة في الأكثرية على تقسيم الودائع المصرفية إلى حسابات جارية وحسابات استثمارية بحسب نظر البنوك الإسلامية بطبيعة الحال. وقد تطرق عدد من الباحثين لذكر أنواع الودائع المصرفية لدى البنوك الربوية لغايات المقارنة ليس إلا. قسم الباحث الدكتور سامي حمود الودائع المصرفية الحسابية كما يسميها إلى ثلاثة أنواع، هي: ١- الودائع الحسابية الائتمانية وهي الحساب الجاري بصورة قروض. ٢- الوديعة الحسابية الاستثمارية وهي وديعة الحساب الاستثماري سواء كان بصورة حساب توفير أم لأجل أم بإخطار. ٣- الوديعة الحسابية بالأمانة، وهي صورة ليست معروفة في التعامل ولكنها لازمة في الواقع التطبيقي بالمنظور الإسلامي. وأحببت تقديمها للمناقشة في هذه الندوة الكريمة، فقد يكون هناك مال نقدي مملوك لمن لا يملك أهلية التصرف فيه بسبب صغر السن أو قبل بلوغ الحلم أو الجنون مثلا.

стр. 14429

فالإيداع لدى المصرف لمثل هذا المال يكون من الولي أو الوصي، وقد لا يكون مأذونا لهما بالتصرف بالإقراض، وحيث إن الحساب الجاري هو قرض حقيقة وإن سمي وديعة مصرفية ظاهرا، فإن الحل المتفق مع الضوابط الفقهية يكون بفتح باب الإيداع الأمين حيث تقدر الضرورة بقدرها، فيكون المصرف غير مجبر على حفظ الأوراق النقدية المسلمة إليه وإنما يرد مثلها ولكن لا يكون مفوضا باستعمالها. مقتضى ذلك من الناحية المصرفية التنظيمية أن البنك يفرد له حسابا لهذا النوع من الحسابات بندا خاصا في الإسناد العام، ويكون تحت بند –اسم متميز- حسابات الحفظ الأمين، وفي هذه الحالة يلزم بأن يحتفظ بالاحتياطي النقدي بنسبة ١٠٠ % من هذه الوديعة، ويكون واجب مفتشي البنك المركزي عند النظر في مراجعة الميزانية هو التدقيق من صحة التزام البنك بالاحتفاظ بنسبة الاحتياطي النقدي الكامل لهذا النوع من الودائع. أما الباحث الدكتور حمد عبيد الكبيسي فقد قسم الودائع المصرفية إلى ثلاثة أقسام هي: ١- ودائع تحت الطلب (حسابات جارية) وتكييفها أنها قرض. ٢- حسابات التوفير (الودائع الادخارية) حيث أورد تبدو أنها مطبقة لدى بنك إسلامي يعرفه، وهي اعتبار هذه الحسابات بالتوفير فترة برزخية يمكن للمودع أن يتحول بعدها إلى الحساب الاستثماري مع حقه في سحب ما يشاء في وقت ما يشاء. وليس هناك ملاحظات على هذا الترتيب ولكن اقتضى الأمر التنويه إلى أن ذلك الأمر ليس عاما لدى البنوك الإسلامية كما قد يفهم من العبارة الواردة في بحثه. ٣- الحسابات الاستثمارية أو الودائع لأجل، وهي ذات المدة الثابتة. وتكييفه لهذا النوع من الحسابات –عند الباحث الكريم- أنها عقد شركة بين المودع والمصرف. وهو يقصد شركة المضاربة حيث إن المصرف هو عامل مضاربة كما يقول.

стр. 14430

كما قسم فضيلة الباحث حجة الإسلام محمد علي التسخيري الودائع المصرفية إلى ثلاثة أقسام –أيضا- مع بعض التخصيص في النظر، فهو يتفق مع النوعين الأول والثاني فيما يسميه بالوديعة أو المتحركة، والودائع الاستثمارية. أما النوع الثالث فهي وديعة التوفير والتي يرى أنها جامعة بين خصائص الوديعة الجارية لإمكان السحب بين وقت وآخر، وبين الوديعة الاستثمارية. وهذا التمازج في الوديعة بين الحفظ والاستثمار بنسب متفاوتة له وجه معروف في الفقه الإسلامي، حيث ذكر الإمام الكاساني في (بدائع الصنائع) أنه لو قال رجل لآخر: خذ هذه الألف، نصفها وديعة ونصفها مضاربة فإن ذلك يجوز؛ لأن كلا من الوديعة والمضاربة من عقود الأمانة فلا يتنافيان. ومعلوم أن ما يجوز بالنصف والنصف يجوز بالثلث والثلثين والربع والعشر، وهكذا. ويتفرد الباحث الدكتور حسين فهمي بين الباحثين بإدخال مفهوم الحسابات الاستثمارية المخصصة ليس إضافة للحسابات الاستثمارية المشتركة وإنما بديلا عنها باعتبار أن ذلك أقرب –في نظره- للفقه الإسلامي، وبذلك تكون كل عملية مضاربة مستقلة عن غيرها ومن دخل فيها يظل حسب شروطها ملزما على أساس عدم السماح بخلط أموال جديدة بالأموال القديمة في وعاء المضاربة بعد بدء النشاط سواء في ذلك بإذن رب المال أو بدون إذنه، وكذلك عدم السماح بالتخارج للعملاء وسحب أرصدة أموالهم المودعة قبل بدء النشاط ونض المال نضا فعليا. وواضح من تصور الباحث بهذا التفصيل أنه يصادر أساسا فكرة المضاربة المشتركة، وهذا هو رأيه نحترمه بالاستماع ولا نوافقه بالاتباع. أما الباحث الدكتور محمد علي القري فقد أوضح أولا التقسيم المصرفي للودائع في البنوك العادية حيث يتناول الحسابات الجارية تحت الطلب، ونوع من خلالها تنويعا استعماليا للأفراد وللبنوك وحسابات فردية وأخرى مشتركة، كما تناول الحساب الجاري (مدين) وهو ليس من حسابات الودائع ولكن أورده الباحث؛ لأن هذا الحساب قد يصبح رصيده مدينا بعد أن كان دائنا. وعندما انتقل إلى تقسيمات البنوك ذكر الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية وأضاف الودائع التبادلية بين البنوك لحاجة اقتضتها المصلحة حيث تفيض لدى البنوك الإسلامية أحيانا ودائع، فيودعها لدى بنك آخر بالاتفاق على أن يودع لديه في المستقبل ما يعادلها قيمة أو زمنا.

стр. 14431

وقد أتى الباحث القاضي محمد تقي العثماني بتقسيم مختلف للودائع حيث اعتبرها أربعة أنواع بدلا من ثلاثة، وهي الحساب الجاري، الودائع الثابتة وودائع التوفير، والودائع التي سماها الخزانات المقفولة، وهي كما عرفها فضيلته: الودائع التي تودع في مخازن معينة ليستأجرها المودع من البنك ويودع فيها أمواله بنفسه. والمقصود بذلك هي صناديق الأمانات بالحفظ الأمين. ونرى أن هذا النوع لا يدخل البحث؛ لأنه ليس حسابات المصارف وإنما هو من الخدمات وليس له بند ظاهر في أية ميزانية وهو صندوق الأمانات. أما الباحث الدكتور سعود الثبيتي –ثبتنا الله وإياكم على طريق طاعته- فقد أورد تقسيما ثلاثيا، يبدأ بالحسابات الجارية ثم التوفير ثم الوديعة الائتمانية المشتقة (هكذا سماها) ، وهو تعبير جميل للدلالة على الأموال الائتمانية التي توجدها البنوك ولكن لا يقال عن تلك التسهيلات أنها ودائع بالمفهوم المقصود كأموال يودعها الناس لدى البنوك. أما الودائع الاستثمارية فقد قسمها إلى ثلاث شهادات الاستثمار والودائع لأجل وتحت إخطار ثم تناول ودائع الخزائن الحديدية والودائع المستندية والمخصصة، وهي كلها خارجة عن الودائع المصرفية بمعنى حسابات المصارف. وخلاصة القول: أن الودائع المصرفية هي: إما ودائع ائتمان ويندرج تحتها الحساب الجاري بالشيكات، وحساب الودائع تحت الطلب للعملاء الذين لا يستعملون الشيكات كصغار المزارعين والأميين الذين يحتفظون في الدفتر بودائع تحت الطلب، وهذه قروض حقيقية وضمانها على مستخدمها وهو المصرف. وإما ودائع استثمار مشترك قد تكون بصورة حسابات توفير أو لأجل أو إخطار، حسب المسميات وترتيبات السحب والإيداع. وهناك حسابات الأمانات وحسابات الاستثمار المخصص في حالات معينة. وهذه هي الحسابات التي تدخل في التزامات البنوك وتظهر في ميزانياتها المنشورة في الصحف المحلية. فأين هو موقعها في تلك الميزانيات المعلنة؟ وهل تندرج في موجودات البنك أو مطلوباته؟

стр. 14432

عرض عدد من الباحثين هذه المسألة، وطالما أن التكييف الفقهي للودائع الجارية أنها قروض فإن الواقع المحاسبي يقتضي إظهارها في جانب المطلوبات شأنها شأن سائر القروض. أما الودائع الاستثمارية فهناك من يرى أن الالتزام يدل عليه عنوان المصرح، وطالما أن الميزانية تبين أن هذه الحسابات هي أموال مسلمة للبنك لغايات الاستثمار من قبله كمضارب، هذا يكفي للإيضاح، وهذا هو ما سار عليه البنك الإسلامي الأردني منذ بدء تأسيسه تبعا للتصور الذي قدم عند وضع قانون البنك المذكور حيث اقتصر التغيير في شكل الميزانية المعلنة على ما يتعارض مع الشرع من أسماء للحسابات الربوية ومدلولاتها وحلت محلها التسميات المحاسبية الإسلامية. ويرى الباحث الدكتور حمد الكبيسي أن المال يدرج في المطلوبات قبل مباشرة المصرف في استثماره. أما بعد مباشرة العمل فإنه يكون حصة في المشاركة فينتقل بهذا إلى موجودات المصرف. وهذا التصور –مع احترامي للباحث الكريم- تصور غريب على علم المحاسبة الحديث فالمحاسبة قيد مزدوج ولا يعني استعمال مال الوديعة الاستثمارية في المضاربة أنها تنقل من مكان إلى مكان، فتبقى الوديعة في جانب المطلوبات ولا يتغير مكانها بالنقل، وإنما يقف في مقابلها الاستعمال الذي خصصت له أو وجهت إليه. وهناك من البنوك الإسلامية من يعتبر أن الودائع الاستثمارية ليست التزاما على البنك من الأساس، وإنما هي أموال تحت يده بالأمانة، وأنها يجب ألا تظهر في المطلوبات وإنما في بند يسمى حسابيا تحت الخط أو على هامش الميزانية. والمسألة في الوقت الحاضر هي محل بحث في هيئة المعايير المحاسبية وبين هذا الجمع الكريم أصحاب الفضيلة من هم أعضاء في تلك الهيئة. وما أراه –بحسب فهمي المتواضع للأحكام الفقهية- أن مقاصد الشرع مبنية على الإفصاح والإيضاح وأنه طالما توجد في الأعراف المحاسبية ما يسمى بالإيضاحات المرفقة بالميزانية المعلنة فإن الأولى هو إدراج الالتزامات جميعا في بند المطلوبات لتسهيل المراقبة والمقارنة ولا يرد على هذا التصور اختلاف الطبيعة بين يد الضمان في القرض الحسن ويد الأمانة في الاستثمار بالمضاربة المشتركة طالما أن اسم الحساب المعلن يفسر نفسه.

стр. 14433

رابعا: ضمان الحسابات الجارية ومن يتحمله، المساهمون والمودعون أم المساهمون وحدهم؟ طالما أن الحسابات المصرفية هي قروض فإن القرض مضمون على اليد التي أخذته، فالبنك هو الذي يتحمل الضمان فله غنمها وعليه غرمها. وهذا هو ما أورده صراحة كل من الباحث الدكتور الكبيسي وحجة الإسلام التسخيري، والقاضي العثماني وهذا هو ما يفهم ضمنا من اتجاهات بقية الباحثين. خامسا: رهن الوديعة المصرفية وإجراءات الحجز والمقاصة. الأصل في الرهن هو أن تتحقق به للراهن اليد أو المكنة التي يستطيع من خلالها منع التصرف بالمرهون حتى يستوفي حقه منه. وقد تكون المكنة إما بالقبض الحيازي أو بوضع إشارة الرهن على السجل المثبت للحق كما هو الحال في إجراءات الرهن العقاري في البلاد التي لديها سجل عقاري. ومقتضى تطبيق ذلك هو التفرقة بين الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية. فالحسابات الجارية يكون رهن الرصيد بنقل المقدار المطلوب وإخراجه فعلا من الحساب بالقبض التام، أما الحساب الاستثماري فقد يكتفي بوضع إشارة إثبات الرهن أو الحجز على صفحة الحساب. وسبب التفريق الذي أراه في هذه المسألة هو أن الحسابات الجارية لها تعلق محتمل بحق الغير ممن يحصلون على شيكات من صاحب الحساب، أما الحسابات الاستثمارية فإن العلاقة تكون محصورة بين البنك والعميل، ولا يتعلق بها حق الطرف الثالث حتى لا يجوز عرفا سحب الشيكات على الحسابات الاستثمارية، وما ينطبق على الرهن يمكن القول به على الحجز والاستيفاء والمقاصة وذلك بحسب الاتفاق عندما تتحقق الشروط القانونية المجيزة لذلك.

стр. 14434

أورد الباحث الدكتور الكبيسي قول المالكية حول جواز كون المرهون دينا، وقول الجمهور بكون المرهون مالا متقوما. وكلاهما لا يناقض الواقع المصرفي حيث إن الديون في الحسابات المصرفية الجارية والاستثمارية هي ديون نقدية حالا أو مآلا، وهي حقوق مميزة لكل صاحب حساب صفحة خاصة به أو رقم في الكمبيوتر. والرهن ممكن عمليا في كل الأحوال. أما الباحث حجة الإسلام التسخيري فإنه يقرر أن الظاهر عدم الجواز، حيث يقول: إن الرهن يشترط فيه أن يكون عينا كما يشترط فيه القبض من المرتهن. ولكن مع هذا التصريح فقد نقل في بحثه ما ذكره المرحوم الشهيد الثاني بأن لا مانع من صحة الرهن على القول بعدم اشتراط القبض. وما ذكره كذلك العلامة في (التذكرة) على هذا التفصيل. ثم عاد وانتهى الباحث الكريم بنتيجة إيجابية مشروطة بقوله: وهناك مجال لتصور الرهن إذا لم تشترط العينية والقبض. وأن الحال أظهر بالنسبة للبنك إذا كان هو المرتهن. سادسا: استثمار الودائع المصرفية والتصرف والإيداع. اتفق الباحثون على مبدأ استثمار الودائع المصرفية على أساس الخلط بطريق الاستثمار المشترك, عدا ما يراه الباحث الدكتور حسين فهمي من ناحية عدم جواز ذلك في نظره. وإن الاستثمار يكون بالصناديق المخصصة حيث يتجمع المستثمرون ليدخلوا معا في عملية استثمارية تبدأ بهم ولا يخرجون منها إلا بالتصفية الكاملة. وهذا الرأي مع احترامه يعني إلغاء فكرة الحساب الاستثماري من الأساس، وليس هذا هو المقصود وإنما المطلوب هو التحقق من خضوع التعامل لمقتضيات الشرع, والناس أحرار بعد هذا الالتزام الشرعي باختيار ما يشاؤون من الحسابات الاستثمارية مخصصة أو مشتركة. وقد بين الباحث القاضي العثماني أن الاستثمار المشترك هو نوع جديد مستقل من أنواع الشركات وهو الشركة الجماعية المستمرة كما سماها, وأنه لا يجب لجواز هذا النوع الجديد من الشركات توافر جميع عناصر شركة العنان أو المفاوضة. والذي أراه أن وصف المضاربة المشتركة هو أقرب إلى القول بتسمية نوع جديد من الشركات, فكما أن المضاربة كانت في القديم مضاربة فردية بين شخص أو مجموعة أشخاص يتفقون معا مع عامل آخر أو مجموعة عاملين بعقد واحد يبدأ مرة واحدة ويصفى ويتحاسب فيه على الربح كذلك, فإنه يمكن أن يستوعب الفقه الإسلامي تطور هذا العقد وامتداده ليكون عقد مضاربة مشتركة مقصودة واستثمار المال فيها هدف للجميع ولكن في نطاق زخم كبير من الاستثمارات, أعجبتني تسمية الشيخ التسخيري لها بـ (الحوض الاستثماري الكبير) . هكذا تطورت الإجارة من عمل الأجير الفرد إلى عمل الأجير المشترك, وهكذا تطورت خدمات النقليات من المقاولة مع الجمال لينقل المتاع والأهل من بلد إلى بلد لتحل محله الحافلات والقطارات والطائرات في عقود النقل المشترك. ورغم أنه يوجد من يستطيع الآن استئجار طائرة خاصة لنفسه ولحسابه إلا أن ذلك لا يمنع وجود الطائرة الموحدة المسار لتكون تحت تصرف المسافرين معا في مساء واحد إلى بلد أو مقصد واحد حتى مع الترانزيت, وتثور بالنسبة للمضاربة المشتركة كتصور جديد وتكييف جديد مسائل متعددة أهمها الإضافة والسحب. ففي مجال المضاربة الفردية ذكر أنه يجوز السحب وكأنه ابتدئ من الأساس بالمقدار الأقل, لكن لا تجوز الإضافة؛ لأن المضاربة متى بدأت ثبت فيها حق, فإذا أضيف مال جديد فلا تضم المضاربة الجديدة للمضاربة القديمة وهذا فهم سديد وحرص على مراعاة الحقوق بين رب المال والمضارب. لكن في المضاربة المشتركة هي تقوم أساسا على فكرة تدفق الأموال وتسربها, وتبقى هذه البركة أو الحوض الكبير قائمة, فلا بد من قبول فكرة الدخول والانسحاب؛ لأن المقصود ليس استثمار ذات المال وإنما تخصيص جزء من هذا المال الذي يدخل تحت قواعد السيولة العامة للبنك في أن يكون في مجال الاستثمار.

стр. 14435

وهذه نقطة يتفق عليها الباحثون, لكن نقطة الخلاف التي تثور وتستجلب الرأي والمناقشة هي نقطة دور المضارب المشترك في الضمان , هل هو ضامن؟ هل يستطيع أن يحل محل المستثمر المشترك عندما يريد نقوده قبل أن تتحقق الميزانية؟ وهل هناك إمكانية للنض الحقيقي في عمليات المضاربة المشتركة؟ إن من يدخل في تفاصيل العمليات في البنك يعلم أنه في كل لحظة من لحظات النهار تتم عملية إيداع أو عمليات سحب ضمن ساعات العمل المعتبرة وحتى في غياب ساعات العمل هناك شعار يقال هناك في البنوك: نحن نخدمكم ونحن نائمون, بمعنى أن الصراف الآلي هو جاهز للعمل على مدار الساعة فهو يعطيك نقودك ويتسلم منك الودائع أيضا في حافظة خاصة بذلك. لكن في واقع الأمر أن هذه العمليات الاستثمارية دوارة, ولو قلنا بالتنضيض الكامل فمعنى ذلك أن نوقف عمل البنك في كل يوم عدة مرات, وهذا ليس هو المقصود, والتنضيض بمفهومه ليس هو التنضيض بمعنى التصفية, وإنما التنضيض بمعنى تحقيق ما يتم تصفيته من معاملات, فإذا كنا في خلال السنة المالية الواحدة كوحدة متكاملة نصفي عمليات المضاربة, فما يتحقق من ربح نتيجة تصفية المضاربة، وما يتحقق من ربح في عمليات المشاركة , وما يتحقق من أرباح في عمليات المرابحة يدخل في حساب واحد وهو حساب إيرادات الاستثمار, ثم توزع من هذه الإيرادات على المودعين بقدر ما يستحقون بحسب نوع الحساب وبحسب المدة والمبلغ الذي قدموه للاستثمار. هذا الشخص الذي دخل في المضاربة يريد أن يسحب قبل أن تأتي نهاية السنة المالية, فهو لا يعرف النتيجة, أربح أم خسارة؟ قيل بنظرية الضمان – ضمان المضارب المشترك كما خرج الفقه الإسلامي بعد ترددٍ ضمان الأجير المشترك – وقيل بواقع أن البنك يحل بأمواله محل المودع المنسحب, وهو حق يملكه, وقيل بأن المودعين فيما بينهم يتخارجون, فكأن المودع الذي أتى في هذا اليوم هو يحل محل المودع الذي انسحب, ومن ينظر في حقيقة المعاملات المصرفية- يعني يقف في الصندوق- يجد أن الناس يتدفقون على البنك, هؤلاء المجموعة يودعون وهؤلاء المجموعة يسحبون, البنك يتلقى يوميا من الدنانير أو الريالات والدراهم ويدفع مليونا, هو لا يستعمل الرصيد المحفوظ في الاحتياطي وإنما يعطي من الأموال المودعة لديه- التي تأتيه كودائع- للذين يسحبون فهو يداخل الأموال مع بعضها البعض, وهذه هي فكرة الاستثمار المشترك أو المضاربة المشتركة.

стр. 14436

لا أستطيع القول بأن المسألة تطرح للنقاش؛ لأن هناك من هددني من الصباح باستعداده لأن يناقش هذه الفكرة وأنه بيت الليل ليقول رأيه ضد المضاربة المشتركة , إنما المهم أن نبرز جمال الفقه الإسلامي, وأن نرى أن البنوك التي لا تعترف بالمضاربة المشتركة كضمان تمارس الضمان فعلا بدليل أن كل من يقصد البنك الإسلامي في هذا اليوم يسترد وديعته بالكامل, فبأي سبب دفعت الوديعة كاملة إن لم يعتبر البنك نفسه ضامنا؟ ثم هناك تخريج أتينا به نتيجة المناقشة المستفيضة مع لجنة الفتوى عندما وضع مشروع قانون البنك الإسلامي الأردني خشية تردد الناس في الإيداع , فاتفقنا على الأخذ بالرأي المالكي بأن نجنب قسما أو جانبا من أرباح المضاربة السنوية ليكون مخصصا لتغطية مخاطر الاستثمار , وقد أصبح رصيد هذا الصندوق الآن ما يقرب من رأس مال البنك بكامله ولم يحدث في سنة من السنوات أن تعدّت الخسائر جميع أرباح البنك ولجئ إليه ليغطى, فهذا ناحية أخرى من نواحي الضمان. في هذه الخاتمة أقول: هذه الأبحاث ثمرة جيدة لفكر نير وتختلف الآراء ويبقى الود والاحترام وكلنا باحث عن الحقيقة وأقول للذي هددني وهو تهديد حبيب: من إنسان حبيب. فإن كان في الشرع الجميل مقاتلي فإن دمي فيما يفيد قليل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 14437

الدكتور علي السالوس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. شكرا للأخ الكريم العارض. الواقع هذا الموضوع وإن لم أقدم فيه بحثا إلا أنني تحدثت عن هذا الموضوع منذ ثلاث عشرة سنة عندما ظهر من ينادي بتحليل فوائد البنوك الربوية فكتبت كتابا عنوانه (حكم أداء البنوك وشهادات الاستثمار في الفقه الإسلامي) وعالجت بعض القضايا التي أثيرت اليوم على سبيل المثال: هل البنك فقير حتى نقرضه؟ يبدو أن الأخ الكريم الذي كتب هذا العنوان أخذه من كتابي؛ لأنه أخذ نفس العنوان ونفس الأدلة, فبينت أن الزبير بن العوام - رضي الله تعالى عنه- عندما كان الناس يذهبون إليه للإيداع كان يقول: لا, بل سلف. فيحوله من الوديعة المضمونة إلى السلف المضمون. ويحوله من الوديعة التي لا تستخدم إلى السلف الذي يستخدم فهو ضامن وينتفع به وفعلا كان ينتفع به. النقطة الأخرى التي أشار إليها الأخ الكريم الدكتور سامي وهي بالنسبة لأموال الصغار وأن الولي قد يكون غير مأذون له في إقراضه, هذه النقطة بينتها أيضا في كتابي؛ لأن سادتنا الفقهاء تحدثوا عنها, قالوا: مثلا إذا أراد الولي أن يسافر ولا يريد أن يسافر بمال الصغير خشية أن يضيع فماذا يعمل؟ هل يودعه أم يقرضه؟ قالوا هنا: إذا أودعه فالوديعة غير مضمونة، إذن يقرضه لمليء أمين، نصوا هكذا. ويكون الإقراض هنا لمصلحة المقرض وليس لمصلحة المقترض، فيراعى فيه أن من اقترض يكون مليئا وأمينا. إذن التكييف الشرعي للودائع في الحساب الجاري بأنها عقد قرض وهو أيضا –كما بينت في كتابي- التكييف القانوني أيضا كما بين هذا الدكتور السنهوري –﵀ في كتابه (الوسيط) وذكر القانون وشرعه وبين أن الوديعة التي يؤذن باستعمالها إذا كانت مما يهلك بالاستعمال كالنقود والطعام فإنها تعتبر قرضا، ولذلك لا يجوز أن نقول وديعة إذا أذن صاحبها بالاستعمال وهي عقد وديعة لأنها تتحول من عقد الوديعة إلى عقد قرض.

стр. 14438

نريد أيها الإخوة الكرام ونحن نتحدث عن الودائع المصرفية أن نفرق بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية، فالإيداع في المصرف الإسلامي إنما هو إيداع في غير الحساب الجاري في شركة مضاربة، عندما بحث مجمع البحوث الإسلامية سنة ١٣٨٥هـ معاملات البنوك انتهى إلى تحريم فوائد البنوك دعا إلى البدل الذي ظهر بعد المؤتمر الثاني هذا بعشر سنوات. ففكرة أن البنك مهمته الاقتراض والإقراض؛ لأن هذه هي الوظيفة الأساسية في البنوك التي نشأت نشأة ربوية يهودية نشرها خمسة من آل روتشل في أوربا منذ قرنين، هذه الفكرة دعا مجمع البحوث إلى الدليل الإسلامي وليس إلى أن يحل هذا الحرام، فعندما دعا إلى الدليل الإسلامي ونظر الاقتصاديون في هذا –جزاهم الله خيرا- انتهوا إلى أن تكون العلاقة بين المودع والمصرف الإسلامي علاقة صاحب رأس المال بعامل المضاربة أو القرض. أما الحساب الجاري فلا يختلف في البنك الربوي عن البنك الإسلامي في أنه عقد قرض غير أنه يختلف أيضا في الهدف، فالبنك الربوي عندما أضع في الحساب الجاري يستخدم هذا المال في الحرام، وبذلك أكون ساعدته في الحرام. من هنا جاء قرار مجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي بأنه لا يجوز لمسلم أن يتعامل مع مصرف ربوي متى استطاع أن يتعامل مع مصرف إسلامي. بعد هذا الودائع تحت الطلب أو الودائع لمدة بالنسبة للبنوك الربوية، الودائع لأجل هذه معروف أنها قروض ربوية بفوائد ربوية، أو الودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية دفتر التوفير لا يختلف بعضها عن بعض فكلها عقد مضاربة ولكن الاختلاف هنا في طريقة المضاربة، فدفتر التوفير أحيانا يوضع عليه قيود في السحب –غير الحساب الجاري- لكنه يستثمر، وبعض البنوك الإسلامية تشترط أنه لا يستثمر فيأخذ نفس حكم الحساب الجاري. إذن عندنا قروض في الحساب الجاري سواء كان الحساب الجاري في بنك إسلامي أو بنك ربوي مع اختلاف الأهداف فيها، عندنا إيداع في البنك الربوي في غير الحساب الجاري وهو قرض بفائدة لأن البنك كما عرفه الاقتصاديون: المنشأة التي تتاجر في الديون عن طريق الاقتراض والإقراض، هذه هي وظيفتها الأساسية. أما البنك الإسلامي فالإيداع للاستثمار, إذن عندنا التكييف الشرعي بالنسبة للبنك الربوي هو أن الإيداع عقد قرض سواء كان في الحساب الجاري أم في الوديعة لأجل، أما الإيداع في البنك فهو يختلف، إذ إن الحساب الجاري عقد قرض والودائع الاستثمارية شركة مضاربة أو قراض. النقطة التي أثيرت ونرجو أن يصل المجمع فيها إلى حل وأثارها الأستاذ سامي حمود-جزاه الله خيرا- وهي فعلا مشكلة، مسألة الإيداع والسحب والمضاربة تعمل. يعني المصرف الإسلامي أمواله كلها مختلطة ويستثمرها، الذي انسحب والذي أودع كيف يدخل في المضاربة أو كيف ينسحب من المضاربة؟ لا بد من اجتهاد جديد للوصول إلى حل في هذه المسألة. وشكرا لكم، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.

стр. 14439

الدكتور منذر قحف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في الحقيقة أنا أريد أن أتكلم في نقطة لا أجد بها حرجا كثيرا لأنني أحب الأخ الدكتور حسين فهمي، وأعتقد أن كثيرا من المعلومات التي قدمها على أنها مسلمات ينبغي أن نتوقف عندها وننظر إلى مدى القبول بتسليمها. سأترك كل النقاط الصغيرة وهي كثيرة وأركز على النقاط المهمة؛ لأنها تؤثر على فهم مسألة الودائع. القول بأن ما شهده التاريخ على مستوى العالم خلال هذا القرن من تعرض كثير من الأسواق المالية سواء نقدية أو سلعية للارتباك عدة مرات مما نتج عنه سقوط عدد كبير من البنوك وإفلاس قطاع كبير من الشركات وتدهور مستوى المعيشة لفئات كثيرة من الناس، يعني هذا القول في الحقيقة فيه تجاوز كثير. وإن واقع الأمر وحقيقة التاريخ أنه قد حصل تقدم كثير جدا وقد حصل ارتفاع في مستوي المعيشة على مستوى العالم كله، فقيره وغنيه، وأنه قد ساهمت البنوك وساهمت الشركات والمؤسسات في صناعة هذا التقدم، إما أن ننظر إلى زاوية ضيقة ضيقة لأنه أفلست بنوك من أصل مائة ألف بنك فصعب في الحقيقة أن نعبر عنها بهذا الشكل فهذا عرض للحقيقة بشكل –في نظري- مذهل. نقطة أخرى تحتاج إلى تدقيق كثير. كيف نطالب – في جزء من البحث- بعدم تعطيل الأموال التي تودع لدى البنك الإسلامي أو غير الإسلامي ونقول: إن هذا البنك يعطلها أثناء فترة الإيداع وبنفس الوقت نحن –في ورقته- نمنعه من استخدامها إطلاقا بفرضه أنها وديعة. يعني هو بالوقت الذي يستهجن تعطيلها الجزئي هو يريد أن يعطلها كليا بتعريفها على أنها وديعة لا يجوز له أن يتدخل بها. في موضع آخر يقول: هنالك إسراف في خلق الائتمان في البنوك. إن كان ذلك كذلك فدواء الإسراف أن نمنع الإسراف لا أن نمنع البنوك فنخنقها عن العمل. فليس الدواء بأن نمنعها كلها بل أن نمنع الإسراف الذي ذكر.

стр. 14440

يقول الباحث كذلك إن الأخذ في الاعتبار لهذه الأحكام والقواعد الشرعية من شأنه أن يؤثر تأثيرا سلبيا على فاعلية السياسة النقدية والأدوات التي تستخدمها. في الحقيقة هذا الكلام أيضا بعيد جدا عن الواقع، بل إن الأخذ بالقواعد الشرعية على مستوى المصارف الإسلامية ومستوى البنك المركزي في أي دولة إسلامية سيجعل البنك المركزي أقدر على تنفيذ السياسة النقدية مما لو كنا في بنك ربوي أو في نظام ربوي وليس أقل هذه الأهداف التي تحدث عنها، أهداف السياسة النقدية في ثنايا البحث، الحقيقة الكلام يحتاج إلى نقد كثير لهذا التقييد الذي ظنه وهو غير واقع وليست حقيقته. نأخذ بعض الأمثلة على ذلك. هو أغفل قدرة البنك المركزي الإسلامي في دولة يقوم نظامها كله على القواعد والأحكام الشرعية، أغفل أدوات مهمة كثيرة لم يذكرها وظن أن حرمان البنك المركزي الإسلامي من الأدوات الربوية حرمان له من القدرة على التأثير في السياسة النقدية، فمثلا قدرة البنك الإسلامي على التدخل بتحديد معدل الربح في المرابحة –وهو ما تستعمله باكستان - وقدرة البنك المركزي على توزيع الربح بين البنك وبين المستثمر في المضاربة عندما يعطي البنك الأموال مضاربة، أيضا هذه وسيلة يستعملها البنك المركزي في باكستان، ومسألة السوق المفتوحة أنه يشتري الأسهم المباحة من السوق فيزيد بذلك كمية النقود أو أنه يفعل العكس فينقص كمية النقود، هذه وسيلة متاحة للبنك المركزي الإسلامي.

стр. 14441

مسألة نسبة الاحتياطي النقدي والتدخل به، كل البنوك الإسلامية تحجز احتياطيا نقديا حتى من ودائع الاستثمار لديها، هذا الاحتياطي النقدي لمواجهة طلبات السحب المتعددة حتى من الودائع الاستثمارية في الحساب الجاري، من كليهما. فبهذه النسبة يستطيع البنك المركزي الإسلامي أن يستعملها، ويستعملها البنك المركزي في باكستان. نسبة الاستثمار، كم هي نسبة الاستثمار التي تستثمر من الودائع الاستثمارية يستطيع أن يتدخل بها؟ فهي وسائل لا تقل، بل إنها تزيد عن الوسائل للبنك الربوي، فكيف يقال: إن البنك المركزي الإسلامي ليس لديه من الوسائل ما يكفي للتأثير على السياسة النقدية، خاصة إذا لاحظنا أن طبيعة التمويل الإسلامي بتعريفه سواء كان مرابحة أو سلما أو مضاربة يربط التمويل بالتحرك السلعي، أنه لا تمويل لمجرد التمويل، التمويل مرتبط بسلع تباع وتشترى، تتحرك من مكان لمكان، فبدهي إذن أن حجم الائتمان لن يزيد كثيرا في مثل هذه الظروف عن حجم التداول السلعي الحقيقي. وبالتالي الحاجة للتدخل النقدي أقل رغم أن وسائله أكثر. نقطة أخرى أيضا في نظري عجيبة في موضوع الودائع الاستثمارية، إن هذه الودائع صعب أن يفهم أن هناك دورات مالية محاسبية قد تكون صغيرة. بعض المؤسسات المصرفية وشبه المصرفية الإسلامية تقوم بدورات مالية محاسبية مدتها أسبوع، إحدى المؤسسات الموجودة في البحرين مثلا، فخلال أسبوع تخرج مركزا ماليا وتستطيع أن تتلقى الودائع الاستثمارية أو أن تعطي لمن يرغب بالسحب ودائعه الاستثمارية على أن تبدأ من أول الأسبوع التالي. بنوك أخرى كثيرة تستطيع أن تخرج مركزا ماليا لها معقولا خلال كل شهر، فتقول: إنما يودع أو يسحب خلال الشهر لا حق له في الأرباح عن ذلك الشهر. فما هي المشكلة في هذا؟ مع إمكان التنضيض الحكمي وسيأتي الكلام عليه بعد لحظة قليلة. فأنا حقيقة أستغرب هذا التصور كيف ينشأ عن البنك الإسلامي ويعرض على أنه حقيقة وأنه لا مشكلة فيها؟ !

стр. 14442

آتي لمسألتين مهمتين أرجو أن ينظر إليهما هذا المجمع الكريم بجدية كبيرة. المسألة الأولى: توجيه أو التخريج الشرعي للودائع في الحساب الجاري. أنا أقول: إن من المقنع تماما ما صدرت به الآراء وما يتجه إليه جمهور علمائنا وفقهائنا من أن الوديعة بالحساب الجاري هي قرض؛ ولأنها مضمونة فهي بمعنى القرض تماما، هذا كلام مقنع وصحيح ولكن هذا الكلام –في نظري- يغفل مسألة مهمة بل هي في غاية الأهمية، وهي مسألة العدالة في البنك الإسلامي. البنك الإسلامي يتلقى أمواله من ثلاث مصادر رئيسية. المصدر الأول رأس المال من المساهمين. والمصدر الثاني: الودائع الاستثمارية، والمصدر الثالث: الودائع بالحساب الجاري. بالنسبة للودائع بالحساب الجاري لو نظرنا في ورقة الدكتور حسين فهمي نفسها للاحظنا أن الودائع بالحساب الجاري تشكل مبالغ كبيرة في العادة وهي في البنوك الربوية أكثر أيضا، فهي عدة أضعاف رأس المال. فبعض البنوك الإسلامية التي ذكرها في هذا الجدول نسبة الودائع إلى رأس المال –في الحساب الجاري- (١٦ إلى ١) أو أنها نسبة (١٢ إلى ١) أو (٥ إلى ١) أو (٤ إلى ١) هي نسبة عالية جدا في العادة. هذه الودائع لو كانت مضمونة فهي قروض يستعملها أصحاب رأس المال ويكسبون أرباحها. فنحن بهذا أتحنا لأصحاب رأس المال في البنك الإسلامي أن يستثمر مالا هو خمسة أضعاف رأس ماله أو ستة عشر ضعفا لرأس المال أو اثني عشر ضعف رأس ماله ويأخذ أرباح هذه الأموال فقط بحجة أنه ضامن لها، صحيح ضامن لها، لو أفلس هذا البنك لما استطاع أن يفي بهذا الضمان؛ لأن رأس ماله لا يكفي للوفاء بالضمان. دعنا من هذا، هل يرغب الناس بشرط الضمان هذا؟ وهل هم مقتنعون به جدا؟ هل هناك مصلحة عملية من شرط الضمان؟ لنأخذ مثالا، هناك بنك لم يذكره الأخ الدكتور حسين فهمي في هذا الجدول، هناك بنك فيصل الإسلامي المصري الذي كان يعمل فيه، هذا البنك سهل السحب والإيداع في حساب الودائع الاستثمارية وهي مضاربة، جعل السحب والإيداع فيها سهلا، فكان نتيجة ذلك أن أقبل الناس على إيداع أموالهم في ودائع الاستثمار وأحجموا عن وضعها في الحسابات الجارية. إذن الناس يقدرون سهولة السحب والإيداع أكثر من شرط الضمان. الذي أقترحه من منطلق العدالة أن ينظر هذا المجمع الكريم بمصلحة الأمة ومصلحة المودعين ويقول مثلا: إنه ينبغي أن يكون لدى البنوك الإسلامية نوعان من الحسابات الجارية المهم فيهما أن السحب والإيداع ميسر فيهما، نوع يقوم على أساس القرض فهو مضمون لمن يرغب بذلك ونوع آخر يقوم على أساس المضاربة وليس فيه شرط ضمان وهو معرض للخسارة كما هي الودائع الاستثمارية، الفرق بينه وبين الودائع الاستثمارية أن السحب في هذا النوع من الحساب ميسر، وفي ظني وفي نظري وفي تجربة بنك فيصل الإسلامي المصري أننا لو فعلنا ذلك لأقبل الناس على ذلك النوع من الحساب بدلا من الحساب الجاري القائم على أساس القرض ولكانت أرباحه لهم، صحيح أن الفارق المهم والكبير فيه أن نسبة الاحتياطي النقدي ينبغي أن تكون عالية بسبب تيسير السحب والإيداع في هذا الحساب.

стр. 14443

المسألة الثانية: مسألة التنضيض الحكمي. حقيقة الأمر أن التنضيض الحكمي هي مسألة لا تتعلق فقط بالبنوك الإسلامية، في كل حال نحتاج فيه إلى توزيع أرباح في كل أنواع الشركات. القوانين في العالم الإسلامي كله فيما يخص الشركات المساهمة تعتبر ... وقد أباح هذا المجمع الكريم جواز إصدار الأسهم وأرباح المسؤولية المحدودة وأرباح بيع الأسهم وشرائها بين الناس -تداول الأسهم- بفتاوٍ سابقة، فإذا كان ذلك كذلك فكيف يمكن للشركة المساهمة أن توزع أرباحا وأن تباع الأسهم من شخص لآخر دون أن يكون ذلك قائما على مبدأ التنضيض الحكمي؟ لا يوجد طريقة أخرى إلا التنضيض الحكمي. التنضيض الحكمي هو المبدأ الذي تقوم عليه ميزانية الشركة وحساب أرباحها وخسائرها، الشركة المساهمة بشكل خاص بل كل أنواع الشركات في واقع الأمر حيث ما احتجنا إلى توزيع ربح في شركة ما تزال قائمة نحتاج إلى التنضيض الحكمي. قد يقال – وقد قيل هذا فعلا- إنه يمكن أن نقيم شيئا يشبه التنضيض الحقيقي ولكنه في واقع الأمر –لو سمحتم لي أن أستعمل التعبير- هو تزوير للحقيقة قيلت لعلمائنا الأفاضل فظنوها تنضيضا حقيقيا وهي في واقع الأمر تنضيض حكمي. فقيل مثلا في بعض المؤسسات المالية الإسلامية، قيل: إننا في آخر كل سنة نبيع كل موجوداتنا لشركة جديدة مؤلفة من الأشخاص، يعني اليوم ٣١ ديسمبر نبيع كل هذه الموجودات بقيمتها الدفترية أو بالقيمة التي يسعرها بها المحاسبون، نبيعها للشركة الجديدة التي تفترض أنها تقوم في اليوم التالي من نفس الأشخاص الذين كانوا معنا في الليلة السابقة. هذا تنضيض وهمي، هذا ليس تنضيضا حقيقيا هذا تنضيض حكمي؛ لأن التسعير فيه هو نفس التسعير الذي يقوم عليه التنضيض الحكمي والذي تقوم عليه الميزانية وهو نفس التسعير ولنفس الأشخاص لم نغير شيئا إلا توهيم أهل العلم بأنه تنضيض حقيقي وأنه قد جرى البيع. وواقع الأمر أنه لم يجر بيع. فأرجو أن ينظر إلى مسألة التنضيض الحكمي بنظر جدي؛ لأنها لا تتعلق فقط بالمصارف الإسلامية أو بالودائع الاستثمارية بل تتعلق بكل الشركات الإسلامية وبنظام العمل في الواقع المعاصر. والحمد لله رب العالمين.

стр. 14444

الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين تسليما كثيرا إلى يوم الدين. نشكر سعادة الدكتور سامي حمود على عرضه الشيق وعلى عرضه الأمين وعلى ملاحظاته التي استمتعنا بها فجزاه الله خيرا. وكذلك استمعنا إلى بعض الملاحظات من الإخوة، وأحب أن أدلي بدلوي، وقبل أن أدلي بدلوي أحب أن أقدم بين يدي ملاحظاتي نقطة أو تمهيدا أو قولا عاما لذلك. أولا: أؤكد وأؤيد ما ذكره سماحة الرئيس –حفظه الله- في كلمته الافتتاحية من وجوب إخضاع المعاملات المصرفية والمعاملات المدنية على وجه العموم للقواعد الشرعية، ولا يجوز أن يخضع القواعد الشرعية والأدلة الشرعية لهذه المعاملات بغية التيسير فيها مع وجود المخالفة الشرعية. هذه نقطة لا أشك أنها محل إجماع من الإخوة جزى الله الجميع خيرا. ثانيا: إن المصارف الإسلامية جاءت باستجابة وبفضل من الله – لوقوفها في جانب محاربة الربا، وفي جانب محاربة الربا ما تقوم به البنوك الربوية من استحلال الربا أخذا وعطاء وغير ذلك. ففي الواقع لقد فرح واستبشر بوجودها مجموعة كبيرة من الحريصين على دينهم وعلى التمسك به وعلى أن يكون المسلمون في خير وفي نجاة من الربا ومن محاربة الله – ورسوله لأهله، فإذا كان كذلك فينبغي لنا أيها الإخوة أن ننظر إلى هذه المصارف الإسلامية نظرة إشفاق، ونظرة مساعدة، ونظرة معاونة، وأن نيسر لهم ما وسعنا التيسير ما لم يكن ذلك إثما جريا مع قاعدة ومع المسلك السليم الذي وجه إليه ﷺ وكان يأخذ به حيث قالت عائشة –﵂ ما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. هذه مسألة أحب –أن تكون على كل حال- محل نظر، وإذا وجدنا أن هناك قولا وإن كان قولا مرجوحا فيما ذكره علماؤنا الأفاضل السابقون لكنه في الواقع لا يتعارض مع أمر شرعي ومع دليل شرعي ومع قاعدة عامة وفي نفس الأمر يخدم هذه البنوك ويساعدها على أداء مهمتها فلا يجوز لنا أن نقول: هذا قول مرجوح وهذا قول ضعيف. بينما نجده يساعد أو يخدم هذه البنوك وفي نفس الأمر ليس له معارض من الأصول المعتبرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ومن القياس أو من الإجماع إلا أنه قول لم يقل به جمهور أهل العلم. هذه في الواقع مقدمة. أدخل بها إلى بعض الملاحظات.

стр. 14445

الأول: ما يتعلق بتساؤل الدكتور محمد علي –جزاه الله خيرا- وهو أنه هل يعتبر الحساب الجاري لدى البنوك الربوية تعاونا على الإثم والعدوان؟ أعتقد أن التعامل معهم في الإيداع وفي إيثارهم في المعاملات التي من شأنها أن تقوم به المصارف الإسلامية أعتقد أن هذه نوع من التعاون على الإثم والعدوان؛ لأنها تساعدهم على أداء مهمتهم الرذيلة والخبيثة وهي استحلال الربا أخذا وعطاء، ومن يتعاون على الإثم والعدوان فهو –في الواقع- معرض نفسه لغضب الله، وقد سبق وأن صدر من مجموعة من العلماء فتاوى بجواز الإيداع في البنوك الربوية إذا لم يكن هناك بنوك إسلامية أو عوامل إسلامية من شأنها أن تقوم بمثل هذه الخدمات، أما الآن والحمد لله وقد جاءت المصارف الإسلامية تقوم بنفس الخدمات التي تقوم بها المصارف الربوية، فأعتقد أن أي إنسان يؤثر هذه البنوك الربوية على البنوك الإسلامية وهو مسلم سيحاسب على تصرفه ولا شك أنه يعتبر متعاونا على الإثم والعدوان في ذلك. الأمر الثاني: الإيرادات على اعتبار الوديعة على الحساب الجاري بأنه قرض جر نفعا. الواقع أولا الحديث –كما سمعنا- ضعيف، ولكن الأمة تلقته بالقبول، وتلقيها بالقبول أشبه بالقبول بحديث: (لا وصية لوارث) (فلا وصية لوارث) نفس الشيء ضعيف لكن الأمة تلقته بالقبول، فتلقي الأمة بالقبول يعني الإجماع. فكل قرض جر نفعا لا شك أنه في الواقع من الربا. والمعنى العام يدل عليه فضلا عن تلقي الأمة إياه بالقبول فلا شك في ذلك ولا يجوز أن نقلل من حكم هذه المسألة بأن الحديث ضعيف، فتلقي الأمة يعتبر إجماعا، والإجماع مصدر من مصادر التشريع.

стр. 14446

الأمر الثالث: فيما يتعلق بتكييف هذه الحسابات الجارية لدى البنوك الإسلامية. هي في الواقع قرض، ولا يشترط أن يكون القرض من قوي إلى ضعيف، ولا يشترط أن يكون القرض مرادا به التبرع، بل القرض سواء كان من قوي أو من ضعيف أو أريد به التبرع أو لم يرد به التبرع، والزبير بن العوام –وأنتم تعرفون ذلك- كان يتلقى الودائع ويشترط على أصحابها أنها سلف –يعني قرضا- ولم يكن في حاجة إلى قرض بل هو محسن إلى أن يتلقى وديعته، ومع هذا اعتبره قرضا ولم يعترض على ذلك أحد من أهل العلم. الأمر الرابع: ما يتعلق بالقول برهن الحساب الجاري أو احتجازه ومحاولة أن يربط من حيث الترادف بين الرهن والحجز. وهذا في الواقع يحتاج إلى نظر. الرهن لا يكون إلا بإرادة الراهن نفسه، فحينما يتولى البنك الحجز على هذا الحساب لا نعتبره رهنا وإنما نعتبره حجزا. فينبغي أن نفرق بين الرهن والحجز لأن الرهن لا يكون إلا إرادة من الراهن نفسه والراهن لم يرد ذلك فإذن لا يجوز أن تعتبره رهنا وإنما هو من قبيل الحجز. فلا بد من التفريق بينهما. الأمر الخامس: القول بجواز السحب من رأس مال شركة المضاربة قبل التصفية ... قول كذلك فيه نظر، لماذا؟ لأنه حينما يسحب فهو يسحب شيئا من وديعته على اعتبار عدم إرجاعه، وهذا المال قبل تصفيته وهو مهيأ للمضاربة، هذا المال في الواقع عرضة لا يزال إلى الآن متأرجح بين الربح والخسارة، فلا ينبغي أن يسحب منه شيء إلا بعد التصفية أو التنضيض الحكمي الذي هو حكم التصفية. نعم لو حصل تراض بين المضارب ورب المال على أن يدفع له شيئا فهذا يكون على الحساب بعد المحاسبة لأنه سيرجع عليه، فيمكن أن يرجع عليه بربح أو يرجع عليه بخسارة أو نحو ذلك. الأمر السادس: التنضيض. هو في الواقع في معنى التصفية وقد كفاني الدكتور منذر –جزاه الله خيرا- الحديث عن ذلك بما فيه الكفاية فلا أحب أن أعيده. الأمر السابع: أثني على استغراب الدكتور سامي حمود التفريق بين التصرف بين البنوك المركزية وبين البنوك الإسلامية في حال التصرف بالحساب الجاري، فيقول: لا يجوز للمصرف الإسلامي أن يتصرف في هذه الوديعة ويجوز للبنك المركزي. سبحان الله العظيم!! هذا شيء غريب، طالما أنه حساب جار وفي ذمة المصرف نفسه فهو يتصرف فيه، والمال هذا غير متعين وإنما المتعين مقداره في ذمة هذا المصرف. وشكرا لكم.

стр. 14447

الشيخ محمد علي التسخيري: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أعتقد أن النقطة الأولى التي أردت الحديث عنها قد كفاني عن التفصيل فيها الأستاذ الشيخ ابن منيع –حفظه الله- فمسألة (كل قرض جر نفعا) صحيح أن السند فيها غير تام بالشكل المقبول الذي يجعله حجة إلا أن الإجماع في تلقي هذا المضمون وانسجام هذا المضمون مع باقي المضامين الواردة في هذا المجال إما أن يترك أثره في مجال السند فيقويه ويجبر ضعفه، وحينئذ يمكننا التمسك بإطلاقات هذا المعنى، أو لا يجبر ضعف السند فتبقى القاعدة كقاعدة عامة مقبولة سارية، وحينئذ يمكن الرجوع إليها ولكن في القدر المتيقن من كونه نفعا، أما في موارد الشبهة فلا يمكن الرجوع إلى هذه القاعدة؛ لأنها لم تأت بنص إذا لم ينجبر سندها. على أي حال القاعدة مقبولة وينبغي الاستناد إليها في موارد مختلفة. لكن فليسمح لي الدكتور سامي –حفظه الله- والذي كان عرضه عرضا حسنا وساميا كاسمه ومحمود الواقع، وأنا أشكره على هذا العرض، فليسمح لي أن أقول: إن المنافع التي ذكرت هنا لا تقتصر على الإضافات المادية، فالمنافع الخدماتية أيضا منظورة، إذا كنت أقدم لك قرضا على أن تقدم لي خدمة حتى لو كانت هذه الخدمة صغيرة فهي نفع في الفهم العرفي، وحينئذ يكون هذا المعنى من باب استطراد الربا، إلا أن التسهيلات المعطاة للحسابات الجارية ليست في الواقع هي منافع تعطى لعملية القرض، وإنما هي تسهيلات للاستيفاء مثلا ولا يمكن عدها من المنافع، ومع ذلك فأعتقد أن البنوك الإسلامية يجب أن تقلل من هذه التسهيلات حتى لا تقع في شبهة المنفعة في هذا المجال. نعم أنا شخصيا لا أمانع في أن نضع جوائز غير محددة لمن يفتحون هذه الحسابات، وهذه الجوائز غير مضمونة في أن تصيب أحدا ولا تصيبه.

стр. 14448

النقطة الثانية: أنا أعتقد أن وديعة الحساب الجاري تحمل كل خصائص القرض، جواز التصرف تماما من خصائص القرض، وأذكر الأستاذ حسن الأمين وهو غير موجود في هذه القاعة في إحدى كتاباته: صحيح البنك يتصرف لكن تصرف انتهازي، ينتهز الفرصة. لا، هنا تصرف مشروع بشكل كامل وليس انتهازيا. وإذا كان قلقا في تصرفه فهو يخاف من عدم وجود سيولة مالية تستطيع أن توفر السحب. فإذن جواز التصرف تماما عودة النماء للبنك هذه من خصائص القرض بشكل كامل ولو كانت وديعة، فقاعدة الثبات بالملكية تؤدي إلى عودة النماء إلى نفس المال، وبالتالي مسألة الضمان التام للحساب حتى لو تلفت الأموال دونما تفريق. وهذا هو الذي نفهمه، لا أدري المصرفيون هنا (الخبراء) يمكنهم أن يقولوا لنا لو أن البنك سرقت أمواله دونما تفريط فهل تفرغ ذمته؟ ذمته مجبولة بهذا المعنى حتى لو لم يفرط فيها. لا أدري إذا كان هناك نص ينص على أن الذمة لا تنشغل عندما لا يكون هناك تفريط فيجب أن ننظر إلى الأمرين من جانب آخر. النقطة الثالثة: وددت أن يتعرض لها الأستاذ الدكتور سامي –حفظه الله- وهي مسألة الاستيفاء. هذه المسألة مسألة مهمة جدا. يعني، هناك تصور غربي لمسألة السحب للحساب الجاري، وهناك تصور إسلامي. التصور الإسلامي هل نتصوره على أساس أنه استيفاء تدريجي لقرض بهذه الشيكات، أو أن هناك قائمتين، قائمة دائنة وقائمة مدينة تتم بينهما المقاصة، والمقاصة على رأي الإمامية والحنفية كما أتصور مقاصة قهرية، وحينئذ بشكل طبيعي تتم المقاصة بين القائمتين، أو أنه المقاصة هنا تتم باتفاق أو حسب القانون المطروح هنا؟ على أي حال هذا بحث كان ينبغي أن يشار إليه.

стр. 14449

النقطة الرابعة: مسألة ودائع التوفير، أنا اقترحت تقسيمها باعتبار أن هناك مبالغ تعطى على هذه الأمور. هذه المبالغ لا وجه لها إلا إذا تصورنا أن قسطا من أموال ودائع التوفير يتحول إلى وديعة ثابتة تدخل في حوض المضاربة، وهذه الوديعة بمقدار ما لديها من قدرة على العمل والاستثمار تحصل على نتائج في إطار العملية الربحية الجامعة عادة البنوك تأخذ منها ١٠ % وتعتبرها ثابتة في هذا المجال، وأعتقد أن هذا التخطيط لا بأس به، إلا أن الأطروحة الإيرانية للبنك المركزي التي قبلت ودائع التوفير رفضت أن يكون هناك جزء منها بهذا الشكل، واعتبرت هذه الودائع قرضا حسنا إلا أنها فرقت بين ودائع التوفير وبين الحسابات الجارية بوضع جوائز غير مضمونة لذوي الحسابات، على أساس أن هؤلاء الذين يودعون يساهمون في عملية الإقراض الحسن ولهم على هذا العمل الجميل جوائز تعطى، وقد لا يصيب الفرد أي شيء منها وقد يحصل منها على شيء. يعني استعاضت عن مسألة التوفير بالجوائز التي تطرح. هذا بالنسبة إلى مسألة ودائع التوفير لا أدري هل بقي هناك شيء. النقطة الخامسة: بقي مسألة واحدة فقط وهي مسألة الحساب الجاري في البنوك الربوية. لا أشك في أنها يصدق عليها الإعانة وخصوصا إذا لاحظنا الحسابات الجارية الضخمة التي يودعها أصحابها في البنوك الربوية والتي هي تشكل دم الحياة الربوية هناك في تلك البنوك، لا ريب أنها إعانة على الإثم فإذا لم يكن هناك اضطرار في الأمد ينبغي التحرز بالإضافة إلى الفوائد والآثار الشرعية التي تترتب على وضع الأموال في البنوك اللاربوية. وشكرا لكم.

стр. 14450

الرئيس: قبل أن نرفع الجلسة نسأل الأستاذ سامي وهو أنه عندما ذكرت في (كل قرض جر نفعا) أنه في الأمور المادية، من هو الذي ذكر التفسير هذا؟ أهو من عندك؟ الدكتور سامي حمود: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التحليل المنطقي للكلام، ونعم هو من عندي. القاضي محمد تقي العثماني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ... على المساهمين والمودعين، وإنما نشأ هذا السؤال من التفرقة بين الودائع المصرفية في البنوك التقليدية وبين الودائع في البنوك الإسلامية. فإن ودائع البنوك التقليدية كلها قروض، سواء أكانت ودائع جارية (في الحساب الجاري) ، أو ودائع ثابتة (استثمارية) ، أو ودائع التوفير، فإنها كلها قروض فضمانها ليس إلا على المساهمين. أما في البنوك الإسلامية فالذي هو قرض إنما هو الحساب الجاري فقط، أما حساب التوفير أو حساب الاستثمار فإنه يقع على طريق الشركة أو المضاربة. وأما الأموال المودعة في هذه المحافظ ليست مضمونة على أحد. أما الحساب الجاري فهو قرض من قبل أصحابه إلى البنك، فهل يضمنه المساهمون فقط، أو يضمنه جميع أصحاب الودائع؟ هذا هو السؤال الذي قد طرح من قبل الأمانة العامة، والجواب الذي توصلت إليه هو أن هناك قاعدة شرعية معروفة وهي (أن الخراج بالضمان والغنم بالغرم) وعلى أساس هذه القاعدة فبما أن المودعين بأجمعهم يستفيدون من هذه الأموال المودعة في الحساب الجاري؛ لأنها تشغل في أعمال استثمارية وتحصل على أرباح وهذه الأرباح توزع عليهم فإن غنم هذه الأموال ترجع إلى المودعين أيضا. فإنهم يتحملون غرمها أيضا. ولذلك ينبغي أن يكون ضمان الحساب الجاري على المساهمين والمودعين جميعا لا على المساهمين فقط. ومعنى هذا أن المصرف إنما يؤدي هذه القروض إلى أصحاب الحساب الجاري أولا ثم يوزع الأرباح على المودعين والمساهمين. مسألة رهن الحسابات الجارية قد مر عليها سعادة الدكتور سامي مرورا سريعا، وهذا يحتاج إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته في بحثي أمامكم والذي توصلت إليه هو أن لرهن الحسابات الجارية صورا مختلفة ويختلف حكمها باختلاف صورها. وهذه المسألة مفصلة في بحثي.

стр. 14451

مسألة تجميد الحسابات وهي أن يجمد البنك أموال صاحب الحساب. قد ذكرت أن هذا الموضوع يتعلق بالمسألة المعروفة في الفقه الإسلامي وهي مسألة (الظفر) ، يعني إذا ظفر الدائن بمال المديون هل يجوز له أن يأخذ ذلك المال بدون رضا من ذلك المديون؟ وهذه المسألة مسألة (الظفر) معروفة وفيها آراء مختلفة للفقهاء، ولكن معظم الفقهاء ذهبوا إلى جواز أخذ مال المديون إن ظفر به الدائن حتى الحنفية الذين كانوا في أول الأمر يقولون: إنه إنما يجوز إذا كان المال المظفور به من جنس المال المستحق أما إذا كان من غير الجنس المستحق فلا يجوز أن يأخذه الظافر. ولكن المتأخرين من الحنفية أفتوا في هذا –في مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى- وقالوا بأنه يجوز له أن يأخذ هذه الأموال سواء أكان المظفور من جنس المستحق أو من غيره. على هذا الأساس يمكن أن نقول: إنه يجوز للبنك أن يجمد حساب أحد عملائه لمماطلته في الأداء، وإن كان هناك بعض الفقهاء قد يختلفون في ذلك ولا يعطون للظافر حق هذا الأخذ فإن للخروج من الخلاف يمكن أن يضاف إلى اتفاقية بين العميل والمصرف بند يتفق فيه الطرفان بأنه كلما تأخر العميل في الأداء فإنه يجوز للبنك أن يوفي ديونه من المال الموجود عنده في حسابه الجاري. وهذا هو المخلص من هذه المشكلة. المسألة ذات الأهمية الكبرى في موضوع الودائع المصرفية هي طرق المحاسبة. وطرق المحاسبة أعني منه مسألتين مستقلتين. المسألة الأولى: هي هل تدرج الودائع المصرفية في بنك إسلامي في الموجودات أو في المطلوبات؟ فإذا أخذنا كلمة الموجودات والمطلوبات بمعناها الدقيق فإنه ينبغي أن يكون الحساب الجاري في المصارف الإسلامية يدرج في المطلوبات، وأما الأموال المودعة في محفظة الاستثمار فينبغي ألا تدرج في المطلوبات؛ لأن المطلوبات بمعناها الدقيق هي الأموال التي يتيقن البنك أنه يحصل عليها في المستقبل، أما حساب الاستثمار في البنوك الإسلامية فإنه لا يضمن البنك للمستثمر أن يعطيه ربحا في كل من الأحوال، ولذلك لا ينبغي أن يدرج في المطلوبات.

стр. 14452

المسألة الثانية: في المحاسبة المصرفية وتتعلق بمحاسبة الأرباح، وهي المسألة المهمة جدا من الناحية العملية والشرعية جميعا. المسألة إنما نشأت من حيث إننا نقول: إن البديل الحقيقي للأعمال الربوية المصرفية هي المشاركة والمضاربة، ولكن المضاربة والمشاركة اللتين نقرأهما في كتب الفقه في الواقع كانتا عمليتين بسيطتين ما بين شخص وشخص أو أشخاص معدودين ولم تكن بهذا الحجم الكبير الذي نشاهده اليوم، فلذلك كان الفقهاء قد قيدوا المشاركة والمضاربة بشروط لا تكاد تتحصل في هذه المحفظة الجماعية كما يقع في البنوك والشركات المساهمة، فكان المفروض في الشركات والمضاربة ألا توزع الأرباح إلا بعد تنضيض الأموال، أما إذا لم تكن الأموال ناضة فكيف توزع الأرباح؟ وكذلك اشترط الفقهاء أنه لا يمكن أن تدخل بعض الأموال في المضاربة بعدما أعطى رب المال بعض ماله إلى المضارب. فهذه المشاكل ربما جعلت بعض العلماء المعاصرين يقولون: إن المشاركة والمضاربة لا يمكن أن تنطبق على هذه الأعمال المصرفية، ومنهم من جاء باقتراحات ربما لا تكون عملية. مثلا قال بعض العلماء المعاصرين: إنه يجب ألا توزع الأرباح إلا بعد تنضيض الأموال كلها حقيقة، هذا مما لا يمكن فعلا لا في الشركات المساهمة ولا في البنوك. واقترح بعض العلماء أن تكون لهذه العمليات فترات محددة، ويدخل الناس لفترة معينة وبعد انتهاء تلك الفترة توزع الأرباح على أساس التقويم، وهذا أيضا يشكل من حيث العمل في البنوك الإسلامية؛ لأن عمليات البنوك متتابعة وسريعة وأن سرعة إنجاز العمليات لا يمكن بهذا الطريق. واقترح بعضهم أن تكون لكل بنك مثلا وحدات استثمارية ويعلن سعرها كل أسبوع –مثلا- وهذا إنما يتمشى في بعض المؤسسات المالية غير المصرفية، أما العمليات المصرفية فإنها أسرع من أن نوجد لها مثل هذه الوحدات. وليس ذلك حلا عمليا حتى الآن إلا المحاسبة المعروفة باسم (حساب النمر) ، وربما يقال له (حساب الإنتاج اليومي) ، وهذه المحاسبة إنما تكون على أساس ما تنتجه كل وحدة نقدية كل يوم، فمن أودع أموالا في مصرف مثلا مائة ريال لأول يناير ثم سحب منها عشرة ثم أدخل فيها عشرين أخرى بعد مدة فإنهم في نهاية السنة يحاسبون كم بقيت من هذه الأموال؟ وماذا حصل من الأرباح على كل وحدة نقدية أي على كل ريال؟ وعلى هذا الأساس يوزعون الأرباح على جميع المودعين وهو الذي يسمى (حساب النمر) . وحساب النمر هذا يحتاج إلى تخريج أو تكييف فقهي، وطالما فتشت في كتب الفقهاء لأجد له تكييفا فلم أفز بتكييف مصرح في كتب الفقهاء الأقدمين. ولكن الذي يبدو أن هذه المضاربة أو المشاركة التي تكون في الشركات المساهمة أو في البنوك نوع جديد من المشاركة والمضاربة، وهي ظاهرة جديدة لحاجات جديدة. ولذلك لا يمكن وليس من الواجب أن تتوفر فيه جميع الجزئيات الفقهية التي هي موجودة في كتبنا في موضوع المشاركة أو المضاربة، ما دامت هذه المشاركة أو المضاربة تحتفظ بالمبادئ الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الشركة والمضاربة. ولو كان المشاركون –مثلا- إنما يشاركون على أساس المشاركة في الربح والخسران جميعا، ولا يحدد لأحدهم مبلغ معين لأن ذلك يفي بالشروط اللازمة والأساسية لصحة المشاركة والمضاربة. فلو أخذنا هذا الحساب –حساب الإنتاج اليومي أو حساب النمر- فلا أرى هناك مانعا في القرآن أو السنة أو في كلام الفقهاء، والمسألة إنما طرحتها في بحثي لتدرس وتناقش ليبت فيها من قبل هذا المجمع الكريم.

стр. 14453

هناك بعض المسائل الجزئية أريد أن أشير إليها ولم تكن موجودة في المسائل التي طرحت من قبل الأمانة العامة ولكن تحدث عنها الباحثون وهي مسألة الإيداع في البنوك التقليدية. هل يجوز لمسلم أن يودع أمواله في البنوك التقليدية في غير الحساب الجاري مثل حساب التوفير أو في الودائع الثابتة؟ فقد توصلت إلى أنه يجوز في الحساب الجاري وما قد يثار حوله من شبهة كونه معصية فقد ذكرت المبادئ الفقهية في مسألة الإعانة على المعصية وأن هذا المبدأ لا ينطبق على إيداع الأموال في الحساب الجاري. مسألة أخرى وهي أن كثير من المسلمين الذين يقيمون ببلاد أجنبية غير مسلمة يودعون أموالهم في البنوك التقليدية الغربية فهل يجوز لهم أن يودعوا أموالهم في حسابات التوفير أو في ودائع ثابتة ويحصلون على فوائد؟ فمن العلماء من أجاز ذلك على أساس أن بعض العلماء كالحنفية أجازوا الربا من الحربي ولكن هذا القول ضعيف لم يأخذ به جماهير العلماء، والربا حرام سواء كان في دار الإسلام أو كان في دار الحرب. ولكن هناك نقطة أخرى ينبغي أن ينظر فيها أصحاب الفضيلة الأعضاء وهي أن البلاد الغربية اليوم قد سيطرت على البلاد الإسلامية كلها باقتصادها وبأموالها وتقرضها أموالا بفوائد، وكل بلد إسلامي مرهون لديهم بفضل هذه الفوائد الربوية التي تجمعت على القروض التي استفادوها منه. فهل هناك من جواز شرعي بأن يودع المسلمون هذه الأموال في حسابات التوفير أو في الودائع الثابتة في البلاد الغربية فقط. وما يحصلون عليه من فوائد لا ينفقونها على أنفسهم بل يصرفونها لوجوه الخير (للجهات الخيرية) ؟ لو كان جائزا فإن فيه سهولة ويسرا ونفعا للجهات الخيرية للمسلمين. فهذه المسألة طرحتها لكم للمناقشة فقط ولم أبت فيها بشيء. مسألة أخيرة أثارها الدكتور سامي حمود، وهو قد أثارها في غير مناسبة يعني في مناسبات شتى، وهي مسألة المضارب المشترك وهي أن المضارب المشترك ينبغي أن يكون ضامنا كما أن الفقهاء جعلوا الأجير المشترك ضامنا. وهذه الفكرة في الواقع مبنية على قياس مع الفارق. الأجير المشترك له أجرة مضمونة، فهو حينما يعمل شيئا فإنه يضمن له أجرته من قبل مستأجريه، أما المضارب فليس له شيئا مضمونا، إذا حصل على ربح فإنه يقاسم رب المال ... مناقش: وإذا خسر؟

стр. 14454

القاضي تقي العثماني: إذا خَسر خسر جهده ولكن ليس هناك ضمان له للربحية. فإذا كان الأجير المشترك مضمونا له الأجر فمن المعقول أن يجعل ضامنا، أما المضارب فإنه ليس له ناتج مضمون. فلذلك لا يعقل أن يجعل ضامنا ولو جعلناه ضامنا لقلنا: إن جميع الودائع الربوية المعمول بها اليوم كلها –يعني- مباحة، وهذا شيء خطير جدا. أخيرا أشير إلى نقطة أثارها فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري وهي قضية الجوائز على الودائع، وقد ذكر فضيلته أنهم قد أجازوا ذلك إذا كانت هناك جوائز غير مضمونة لأصحاب الودائع فإن ذلك جائز. والذي أراه أن هذه الجوائز إذا كانت معلنة من قبل الحكومة والحكومة ملتزمة بأدائها فإنها ملتزمة تجاه مجموع المقرضين لا اتجاه فرد واحد ولكنها ملتزمة تجاه مجموع المقرضين. فلذلك هذه الجائزة وإن لم تكن مضمونة لفرد واحد ولكنها مضمونة لجميع المودعين، ومن هذه الناحية هي زيادة مشروطة وينبغي أن تكون داخلة في تعريف الربا. وما ذكره سيادة الدكتور سامي حمود في حديث (كل قرض جر نفعا فهو ربا) وأنه ضعيف وما إلى ذلك، فالواقع أن هذا الحديث قد تكلم فيه المحدثون بصناعة حديثية، وهناك جماعة كبيرة من العلماء المحدثين الذين قالوا بأن الحديث حسن، والحسن –كما تعرفون- صالح للاحتجاج به. ثم كما تفضل الشيخ عبد الله بن منيع، هو حديث قد تلقته الأمة بالقبول. ومثل هذا الحديث ينجبر ضعفه بتلقي الأمة بالقبول، ولذا لا ينبغي أن نثير شبهات حول هذا الحديث الذي هو أصل في حرمة الربا. وهذا ما كنت أريد أن أقوله، والله سبحانه أعلم.

стр. 14455

الشيخ الصديق الضرير: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنصب ملحوظاتي على بحث الدكتور سامي، وأوافقه موافقة كاملة في كل ما كتبه في الصفحات الخمسة الأولى. ما يتعلق بتكييف الحسابات الجارية على أنها قرض. وأود قبل أن أستمر في بقية الملاحظات أن أقف قليلا عند ما قاله الدكتور منذر والقاضي الثماني والشيخ التسخيري فيما يتعلق بهذه الجزئية، الدكتور منذر تكلم عن أرباح الحسابات الجارية وأن المساهمين يستأثرون بها، وهذا صحيح وهو تابع لتكييف الحسابات الجارية ما دمنا قد كيفناها بأنها قرض فاستثمار القرض وأرباحه للمقترض. فمن المقترض في البنوك الإسلامية؟ عندنا في البنوك الإسلامية المساهمون والمودعون والمستثمرون، وهذه المسألة قد أثيرت منذ عدة سنوات عندنا في بنك فيصل، كيف توزع الأرباح بين المساهمين والمستثمرين؟ وسبب هذا ناتج من أن البنك يستثمر كل ما لديه من أموال في وعاء واحد. مصادر استثمار البنك هي: رأس ماله، الحسابات الجارية، الودائع الجارية، ودائع التوفير. كل هذه تستثمر مختلطة مع بعضها وتأتي بأرباح. بعض البنوك تستثمر ودائع الاستثمار منفصلة عن أموالها، وهذه لا تثير مشكلة. ولكن عندنا في السودان عندما طلبنا من بنك فيصل أن يستثمر هذه الأموال منفصلة وجد صعوبة في هذا، فثارت مشكلة توزيع هذه الأرباح؟ الإشكال سيأتي في الأرباح الناتجة عن الودائع الجارية، هل يستأثر بها المساهمون أم يشاركهم فيها المودعون؟ جواب هيئة الرقابة في ذلك الوقت وأصدرت فتوى في هذا –أظنها موجودة وموزعة في كتاب بنك فيصل- وهو أن هذه الأرباح تتبع المقترض، إذا كان المقترض هو المساهمون وحدهم فإنهم يستأثرون بكل أرباحها ولا يشارك فيها المودعون. إذا كان المودعون يشاركون في اقتراض هذه الأموال والتي هي الحسابات الجارية وهذا يمكن أن يحصل بشرط أن يأذن رب المال (المودع) ... لكن على أي حال إذا مشينا على الرأي الذي يجيز وكتب في وثيقة الاستثمار أن المودع (رب المال) يأذن للبنك في الاقتراض على أمواله فإنه يكون شريكا في هذه الحالة في أرباح الحسابات الجارية. وهذه هي الحالة الوحيدة التي يمكن أن تسوغ لأصحاب الودائع أن يشاركوا في الحسابات الجارية، أما إذا لم يوجد هذا فلا وجه للقول بمشاركتهم. في هذا أختلف مع الشيخ العثماني أظنه أراد أن يشركهم بغير هذه الطريقة.

стр. 14456

الدكتور منذر تحدث عن السحب والإيداع وأن هذا هو ما ينبغي أن يكون بالنسبة لودائع الاستثمار لكي يحول أصحاب الحسابات الجارية حساباتهم إلى ودائع استثمار. هذه المسألة أيضا بحثت أكثر من مرة عندنا في السودان ولا تزال محل بحث. طريقة تشجيع أصحاب ودائع الحسابات الجارية على تحويل ودائعهم إلى ودائع استثمار، وقد أخذ بها الاقتراح وحتى تقدم عندنا البنك المركزي بطريقة لتشجيع هذا التحويل، وهو أن يضمن البنك لمن يضع أمواله في ودائع الاستثمار يضمن له فرق التضخم؛ لأنه الآن في السودان لا يرغب الناس في ودائع الاستثمار؛ لأن أرباحها أقل كثيرا من التضخم. فالبنك لكي يشجع على هذه العملية وضع هذه الطريقة وهي محل بحث لدى هيئة الرقابة الشرعية وهي أنه هل يجوز هذا الضمان أو لا يجوز؟ موضوع تيسير السحب هذا موجود عندنا في السودان ومعمول به، لكن مع ذلك لا يوجد إقبال كثير على هذا؛ لأن الأرباح قليلة.. وعندنا في بنك البركة توجد ودائع استثمار, عرض على الهيئة, الإدارة عرضت على الهيئة أن تطلب ودائع الاستثمار لشهر واحد فسألتها هيئة الرقابة هل تستطيع يا بنك أن تصفي العملية في شهر حيث تعرف الأرباح, وهذا يقودنا إلى موضوع التنضيض الحقيقي والتنضيض الحكمي, فوجدت الهيئة أنه لا يستطيع تنضيضا حقيقيا ولا حكميا, ولذلك رفعوا المدة إلى أربعة أشهر وقالت الإدارة تستطيع أن تصفي العملية في هذه المدة, فأذنت لها الهيئة بأن تسير في هذا وهو محل تجربة, قد لا يستطيعون وقد يستطيعون, لكن لا بد في عمليات المضاربة وودائع الاستثمار من التصفية في نهاية المدة كيفما كانت طويلة أم قصيرة، لا بد من التصفية، إما التصفية الحقيقية أو الحكمية. وما قاله الدكتور منذر من أن الإدارات تخدع هيئات الرقابة, الواقع أن هذا فيه شيء من المبالغة, وهذه التجربة عندنا في السودان في شركة من شركات الاستثمار مدة المضاربة فيها سنة كاملة ونشترط عليهم هذا الشرط بأن تصفى في نهاية المدة. المضاربة التي أخذت في يناير لا بد أن تصفي نهاية ديسمبر. فتأتي مشكلة وهي أنه قد تبقى بعض الموجودات في نهاية العام لم تبع ولا يجدون من يشتريها, فقالت لهم الهيئة: لا مانع من أن تبيعوها للمضاربة التي تليها, والشركة هذه وكيل عن المضاربين فتقوم هي بهذه العملية وتكون بهذا قد صفت العملية تصفية حقيقية وليست تصفية حكمية؛ لأنها باعتها للمضاربة التي تليها, فليس في هذا- فيما أعتقد- مخالفة شرعية وهي أفضل بكثير من نظام النمر. أنا لا أعترف بنظام النمر ولا أعتبره تصفية لا حقيقية ولا حكمية, لكن على أي حال هذا هو الذي تمشي عليه الآن البنوك جميعا في السودان وغيرها وهي غير مقبولة عندي؛ لأنها تعطي أرباحا لغير من اشتركوا فيها, هي مسألة تقريبية ويجب أن يوجد لها حل.

стр. 14457

الشيخ التسخيري تكلم عن جوائز المودعين. رأيي مع الشيخ العثماني، هذه الجوائز إذا كانت معروفة تكون كأنها مشروطة فلا تجوز مطلقا. وقد أفتينا في السودان بعدم جوازها. بعد ذلك أنتقل إلى صديقي الدكتور سامي ولي بعض الملاحظات على ما ورد في بحثه, يقول الدكتور: أما إذا كان الإذن باستعمال الوديعة الحسابية يحمل نوعا من المصلحة للمودع فإن الحكم يختلف باختلاف الحال وذلك لدرجة أن صاحب كتاب (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) ذهب إلى أنه لو دفع رجل مالا إلى آخر على أن نصفه وديعة في يد المضارب ونصفه مضاربة بأن ذلك جائز، ويكون المال في يد المضارب على ما سميا. كلام صاحب البدائع سليم، لكن الدكتور سامي يقول هذا يعني أن النصف الأول هو وديعة مأذونة بالاستعمال، فهي قرض مضمون، والنصف الثاني هو رأس مال المضاربة فله حكم المضاربة من حيث كون الربح على الشرط. لا أدري من أين جاء الدكتور سامي بهذا الشرح أن النصف الأول الذي قال صاحبه هو وديعة؟ هي وديعة بمفهومها الشرعي. وديعة إلى أن يطلبها صاحبها، فكيف جعلها قرضا؟ لا يمكن أن تكون قرضا. وقد عرف الوديعة الحسابية بأنها النقود المودعة مع الإذن بالاستعمال لصالح من أودعته إليه. ثم جاء في تقسيم الوديعة فذكر القسم الأول وهو سليم، والقسم الثاني الوديعة بالاستثمار. الوديعة الحسابية بالاستثمار لا يمكن أن تدخل في الوديعة الحسابية؛ لأنه قيدها بأن تكون لصالح من أودعت لديه. والوديعة بالاستثمار أودعت لصالح المودع، وقد نقول: إنها أودعت لصالح الطرفين، وهذا شأن المضاربة، فلا يمكن أن تكون قسما من الوديعة الحسابية. وذكر في بحثه موضوع الرهن. هو يبدو لي من كلامه أنه يجيز رهن الوديعة الحسابية لصالح المصرف المودع لديه. وهذا ما جاء في بحثه. ولا أدري كيف تكون الوديعة الحسابية رهنا، ورهن لصالح المصرف نفسه؟! المصرف هو المقترض وصاحب الوديعة أقرضه وخرجت عن ملكه فكيف يودعها؟ الواقع أنني لا أتصور موضوع رهن لوديعة حسابية من صاحب الوديعة؛ لأن هذا مقرض والمقرض يخرج المال عن ملكه ويكون في يد المقترض فلا محل لرهنه. تكلم أيضا في بحثه عن النمر وقد تكلمت عن هذا. مسألة ضمان الودائع. هذا الرأي قديم معروف من الدكتور سامي.

стр. 14458

القاضي تقي العثماني: لو سمحتم، لو أعطيتمونا البديل المناسب لحساب النمر عندكم. الشيخ الصديق الضرير: لماذا؟ لا، إلى الآن ما يعملون به غير ما ذكرته لكم في هذه الشركة هي شركة مضاربة خاصة عملها المضاربات، هذه وجهناها بأن تعمل بهذه الكيفية ولا تشتغل بحساب النمر، لكن بالنسبة للبنوك التي تأخذ ودائع مستمرة –كما يصورها الدكتور سامي- والتي هي تأخذ في كل وقت ليست محددة بمدة. التي تأخذ ودائع محددة بمدة تعتبر كأنها حساب جار. هذه مقيدة بأن تصفى العملية في آخر السنة. البنوك التي طلبت أن تأخذ ودائع لمدة أقل من سنة، والتي هي أربعة أشهر وثمانية وسنة، وهذه ألزمناها بأن تصفي الوديعة في نهاية كل أربعة أشهر، وقالوا: هذا ممكن وبدءوا في التجربة، وهنا في هذه الحالة أيضا توجد نقطة أثيرت وهي أنه إذا سحب الوديعة في أثناء المدة لا يستحق عليها ربحا فإنه يأخذها كما هي. وهنا أود أن أرد على نقطة ذكرها الدكتور سامي وهو أن هذا يعني أنك قد ضمنت له رأس ماله وأراد أن يأخذه حجة على ضمان البنك، لا، أنا لم أضمن له رأس ماله في نفس الوثيقة التي دخل معها، أنا اشترطت عليه هذا، وهو أن يبقي هذا المال أربعة أشهر كاملة لكي يستحق الربح، فإذا لم يبقه وسحبه في أثناء المدة لا يستحق ربحا. والواقع أن البنك وهذه الودائع التي وضعت عنده لمدة أربعة أشهر، ولنفرض عشرة ملايين سيجنب مليونا منها لهذه المسحوبات ما دام قد أذن بها ويستثمر التسعة ملايين، فالشخص الذي يأتي ويقول لبنك: أريد وديعتي يعطيه من هذا المليون الذي لم يستثمر وهو محفوظ لمقابلة مثل هذه السحوبات فهو ليس ضامنا، وإنما هو في الواقع لم يستثمر هذا المال ودفعه إليه. وقلنا للذين يريدون أن يسحبوا بأنه الذي يضع وديعته لمدة ثمانية أشهر ويسحبها بعد أربعة أشهر فإنه يستحق ربح الأربعة أشهر؛ لأن ماله ربح فعلا وتمت التصفية، والذي يضعها لمدة سنة ويسحبها بعد ثمانية أشهر يستحق ربح الثمانية أشهر؛ لأن هذه لمدة قد عرفت أرباحها، لكن لا يستحق ربح الباقي ويعتبر ماله كأنه مجنب مع هذا المليون الذي يحتفظ به البنك لكي يقابل به السحوبات. فهذه هي الطريقة التي عندنا، لكن بالنسبة لحسابات الودائع التي هي أشبه بالحسابات الجارية والتي من الممكن لصاحبها أن يسحبها في أي وقت هذه هي المشكلة، وهذه هي التي تسير فيها عمل البنوك على حساب النمر، وتوجد بنوك أخرى –وأظن أن الشيخ العثماني على علم بها- لا تسير على حساب النمر وإنما تسير على حساب الوحدات، وهذه في رأيي أقرب من حساب النمر، نظام الوحدات المتبع في دار المال.

стр. 14459

نمضي إلى كلام الدكتور سامي والذي هو موضوع الضمان والذي قاسه على الأجير المشترك، والشيخ العثماني قد كفاني بعض الشيء وهو في الواقع أننا قلنا هذا الكلام أكثر من مرة في أن هذا قياس مع الفارق وقد بينه لكم الشيخ العثماني، ولكنني أريد أن أسير قليلا في بحث الدكتور سامي. وجدت في بحثه أنه يريد أن يعلل لهذا التشبيه: إن رب المال في المضاربة الفردية يختار العامل ويحدد له النشاط ويمكن أن يضع له شرطا، بخلاف البنوك فإن رب المال لا يستطيع أن يفعل هذا. وهذا نقص في الواقع، وقد بحث في أكثر من ندوة ويوجد اقتراح بأن تنشأ هيئة للمشتركين – وأظن الدكتور سامي على علم بها وحضر هذا الاجتماع- لكي ترعى حقوق المشتركين، وهذا عملنا به في السودان. تستطيع أن تضع هذه الشروط وتشترط على البنك، صحيح الآن البنك هو الذي يتصرف كما يشاء ما عدا هذا المكتوب في الاستمارة، فهذا منتف: (وكان مقتضى توازن العقود أن يكون في مقابل الحرمات من حق الاشتراط نوع من الضمان) ، لم هذا؟ لا علاقة بين هذا وهذا. وموضوع الضمان كما تعلمون هذه مسألة مجمع على منعها، لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز أن يضمن المضارب لرب المال رأس ماله، بل لا يجوز له أن يضمن له كذلك أي مقدار من الربح فهذه مخالفة للنصوص. الأجير المشترك ليس فيه مخالفة للنصوص حتى يتم القياس عليه، ثم إن العلة في تضمين الأجير المشترك غير موجودة في المضارب المشترك إذا قبلنا هذه التسمية. فالأجير المشترك ضمن لحفظ أموال أصحاب المتاع الذين يضعونه عنده، لكن البنك ليس بهذه المسافة. فلا وجه لقياسه بتاتا. ثم يقول في صفحة أخرى من بحثه: إن عمل المضاربة المشتركة ذو طبيعة مستمرة وذلك لأن العمليات التي يقوم بها المصرف متتابعة ومتداخلة وليس ممكنا الحكم بتاريخ معين على حدوث خسارة محددة. وكأنه يشكك في عملية المضاربة. وإذا أخذنا بهذا قد نذهب إلى أن البنوك لا يجوز لها أن تضارب.

стр. 14460

وقد حدث في أحد المصارف الإسلامية التي لا تأخذ بأصل مبدأ الضمان خسارة كبيرة حيث لم تجد هيئة الرقابة الشرعية مناصا من تضمين المصرف للخسارة الواقعة على أساس الخطأ المفترض. هو ليس على أساس الخطأ المفترض كما يقول الدكتور سامي، هي رأت أن البنك فعلا مقصر فضمنته وهذا الحكم الشرعي، لكن الدكتور سامي يريد أن يضمنه في جميع الحالات. أقترح هنا وهي سجية جميلة موضوع صندوق المخاطر، وهذا معمول به أيضا لكن بغير الطريقة التي ذكرها. صندوق المخاطر هذا أشبه بالتأمين التعاوني ولذلك نحن اشترطنا فيه في السودان أن يكون الاستقطاع من نصيب المودعين فقط وليس من الربح الكلي. الذي ذكره الدكتور سامي هو يقتطع من الربح كله واستند فيه إلى كلام للمالكية، لكن نحن لم نأخذ بهذا وهو أسلم. المودعون يتضامنون فيما بينهم ويقتطعون جزءا من الربح يوضع احتياطيا في حالة الخسارة إذا حصلت خسارة يدفع منه، لا ضرر في هذا، هذا تأمين تعاوني. نقل الدكتور عبارة هنا في بحثه عن بداية المجتهد ليؤيد بها رأيه، وهي: إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسرانا وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون لذلك عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حقه مما يبقي من المال. وفهم من هذا الضمان. لا، هذا الضمان، وهذه العبارة من ابن رشد هي في حالة ما إذا لم يأذن رب المال للمضاربة بالمضاربة به، لكن لو أذن له بأن يضارب به فلا يضمن، والموجود في البنوك –المعروف- كلها وبعضها تنص على هذا، أن المال يأذن للبنك بالتصرف فيه بما يرى فيه المصلحة من إعطائه المضاربة للغير، وهذا هو المعمول به، إلى آخر ما يجوز للمضارب في حالة التفويض. النص الذي هنا لا يسنده مطلقا وهو فهم أنه مطلق، لا. وكل ما جاء بعده في هذه الصفحة هو مقيد بعدم ... ثم يقول في آخر كلامه: ومهما يكن من أمر فإن مسألة الضمان وإن لم يصرح بها فإنها قائمة بالفعل؛ لأن المصرف الإسلامي الذي يسمح لصاحب الوديعة بسحب أمواله المودعة كليا أو جزئيا ضمنا أنه قبل مبدأ ... وهذه هي الجزئية التي تكلمت عنها من قبل ولا يسمح له بهذا ولا يؤدي إلى هذا المعنى الذي ذهب إليه الدكتور سامي. وأكتفي بهذا، وشكرا.
следующие страницы →