الدكتور منذر تحدث عن السحب والإيداع وأن هذا هو ما ينبغي أن يكون بالنسبة لودائع الاستثمار لكي يحول أصحاب الحسابات الجارية حساباتهم إلى ودائع استثمار.
هذه المسألة أيضا بحثت أكثر من مرة عندنا في السودان ولا تزال محل بحث. طريقة تشجيع أصحاب ودائع الحسابات الجارية على تحويل ودائعهم إلى ودائع استثمار، وقد أخذ بها الاقتراح وحتى تقدم عندنا البنك المركزي بطريقة لتشجيع هذا التحويل، وهو أن يضمن البنك لمن يضع أمواله في ودائع الاستثمار يضمن له فرق التضخم؛ لأنه الآن في السودان لا يرغب الناس في ودائع الاستثمار؛ لأن أرباحها أقل كثيرا من التضخم.
فالبنك لكي يشجع على هذه العملية وضع هذه الطريقة وهي محل بحث لدى هيئة الرقابة الشرعية وهي أنه هل يجوز هذا الضمان أو لا يجوز؟
موضوع تيسير السحب هذا موجود عندنا في السودان ومعمول به، لكن مع ذلك لا يوجد إقبال كثير على هذا؛ لأن الأرباح قليلة.. وعندنا في بنك البركة توجد ودائع استثمار, عرض على الهيئة, الإدارة عرضت على الهيئة أن تطلب ودائع الاستثمار لشهر واحد فسألتها هيئة الرقابة هل تستطيع يا بنك أن تصفي العملية في شهر حيث تعرف الأرباح, وهذا يقودنا إلى موضوع التنضيض الحقيقي والتنضيض الحكمي, فوجدت الهيئة أنه لا يستطيع تنضيضا حقيقيا ولا حكميا, ولذلك رفعوا المدة إلى أربعة أشهر وقالت الإدارة تستطيع أن تصفي العملية في هذه المدة, فأذنت لها الهيئة بأن تسير في هذا وهو محل تجربة, قد لا يستطيعون وقد يستطيعون, لكن لا بد في عمليات المضاربة وودائع الاستثمار من التصفية في نهاية المدة كيفما كانت طويلة أم قصيرة، لا بد من التصفية، إما التصفية الحقيقية أو الحكمية. وما قاله الدكتور منذر من أن الإدارات تخدع هيئات الرقابة, الواقع أن هذا فيه شيء من المبالغة, وهذه التجربة عندنا في السودان في شركة من شركات الاستثمار مدة المضاربة فيها سنة كاملة ونشترط عليهم هذا الشرط بأن تصفى في نهاية المدة. المضاربة التي أخذت في يناير لا بد أن تصفي نهاية ديسمبر. فتأتي مشكلة وهي أنه قد تبقى بعض الموجودات في نهاية العام لم تبع ولا يجدون من يشتريها, فقالت لهم الهيئة: لا مانع من أن تبيعوها للمضاربة التي تليها, والشركة هذه وكيل عن المضاربين فتقوم هي بهذه العملية وتكون بهذا قد صفت العملية تصفية حقيقية وليست تصفية حكمية؛ لأنها باعتها للمضاربة التي تليها, فليس في هذا- فيما أعتقد- مخالفة شرعية وهي أفضل بكثير من نظام النمر. أنا لا أعترف بنظام النمر ولا أعتبره تصفية لا حقيقية ولا حكمية, لكن على أي حال هذا هو الذي تمشي عليه الآن البنوك جميعا في السودان وغيرها وهي غير مقبولة عندي؛ لأنها تعطي أرباحا لغير من اشتركوا فيها, هي مسألة تقريبية ويجب أن يوجد لها حل.
стр. 14457
الشيخ التسخيري تكلم عن جوائز المودعين. رأيي مع الشيخ العثماني، هذه الجوائز إذا كانت معروفة تكون كأنها مشروطة فلا تجوز مطلقا. وقد أفتينا في السودان بعدم جوازها.
بعد ذلك أنتقل إلى صديقي الدكتور سامي ولي بعض الملاحظات على ما ورد في بحثه, يقول الدكتور: أما إذا كان الإذن باستعمال الوديعة الحسابية يحمل نوعا من المصلحة للمودع فإن الحكم يختلف باختلاف الحال وذلك لدرجة أن صاحب كتاب (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) ذهب إلى أنه لو دفع رجل مالا إلى آخر على أن نصفه وديعة في يد المضارب ونصفه مضاربة بأن ذلك جائز، ويكون المال في يد المضارب على ما سميا. كلام صاحب البدائع سليم، لكن الدكتور سامي يقول هذا يعني أن النصف الأول هو وديعة مأذونة بالاستعمال، فهي قرض مضمون، والنصف الثاني هو رأس مال المضاربة فله حكم المضاربة من حيث كون الربح على الشرط. لا أدري من أين جاء الدكتور سامي بهذا الشرح أن النصف الأول الذي قال صاحبه هو وديعة؟ هي وديعة بمفهومها الشرعي. وديعة إلى أن يطلبها صاحبها، فكيف جعلها قرضا؟ لا يمكن أن تكون قرضا.
وقد عرف الوديعة الحسابية بأنها النقود المودعة مع الإذن بالاستعمال لصالح من أودعته إليه. ثم جاء في تقسيم الوديعة فذكر القسم الأول وهو سليم، والقسم الثاني الوديعة بالاستثمار.
الوديعة الحسابية بالاستثمار لا يمكن أن تدخل في الوديعة الحسابية؛ لأنه قيدها بأن تكون لصالح من أودعت لديه. والوديعة بالاستثمار أودعت لصالح المودع، وقد نقول: إنها أودعت لصالح الطرفين، وهذا شأن المضاربة، فلا يمكن أن تكون قسما من الوديعة الحسابية.
وذكر في بحثه موضوع الرهن. هو يبدو لي من كلامه أنه يجيز رهن الوديعة الحسابية لصالح المصرف المودع لديه. وهذا ما جاء في بحثه. ولا أدري كيف تكون الوديعة الحسابية رهنا، ورهن لصالح المصرف نفسه؟! المصرف هو المقترض وصاحب الوديعة أقرضه وخرجت عن ملكه فكيف يودعها؟ الواقع أنني لا أتصور موضوع رهن لوديعة حسابية من صاحب الوديعة؛ لأن هذا مقرض والمقرض يخرج المال عن ملكه ويكون في يد المقترض فلا محل لرهنه.
تكلم أيضا في بحثه عن النمر وقد تكلمت عن هذا.
مسألة ضمان الودائع. هذا الرأي قديم معروف من الدكتور سامي.
стр. 14458
القاضي تقي العثماني:
لو سمحتم، لو أعطيتمونا البديل المناسب لحساب النمر عندكم.
الشيخ الصديق الضرير:
لماذا؟ لا، إلى الآن ما يعملون به غير ما ذكرته لكم في هذه الشركة هي شركة مضاربة خاصة عملها المضاربات، هذه وجهناها بأن تعمل بهذه الكيفية ولا تشتغل بحساب النمر، لكن بالنسبة للبنوك التي تأخذ ودائع مستمرة –كما يصورها الدكتور سامي- والتي هي تأخذ في كل وقت ليست محددة بمدة. التي تأخذ ودائع محددة بمدة تعتبر كأنها حساب جار. هذه مقيدة بأن تصفى العملية في آخر السنة. البنوك التي طلبت أن تأخذ ودائع لمدة أقل من سنة، والتي هي أربعة أشهر وثمانية وسنة، وهذه ألزمناها بأن تصفي الوديعة في نهاية كل أربعة أشهر، وقالوا: هذا ممكن وبدءوا في التجربة، وهنا في هذه الحالة أيضا توجد نقطة أثيرت وهي أنه إذا سحب الوديعة في أثناء المدة لا يستحق عليها ربحا فإنه يأخذها كما هي. وهنا أود أن أرد على نقطة ذكرها الدكتور سامي وهو أن هذا يعني أنك قد ضمنت له رأس ماله وأراد أن يأخذه حجة على ضمان البنك، لا، أنا لم أضمن له رأس ماله في نفس الوثيقة التي دخل معها، أنا اشترطت عليه هذا، وهو أن يبقي هذا المال أربعة أشهر كاملة لكي يستحق الربح، فإذا لم يبقه وسحبه في أثناء المدة لا يستحق ربحا. والواقع أن البنك وهذه الودائع التي وضعت عنده لمدة أربعة أشهر، ولنفرض عشرة ملايين سيجنب مليونا منها لهذه المسحوبات ما دام قد أذن بها ويستثمر التسعة ملايين، فالشخص الذي يأتي ويقول لبنك: أريد وديعتي يعطيه من هذا المليون الذي لم يستثمر وهو محفوظ لمقابلة مثل هذه السحوبات فهو ليس ضامنا، وإنما هو في الواقع لم يستثمر هذا المال ودفعه إليه. وقلنا للذين يريدون أن يسحبوا بأنه الذي يضع وديعته لمدة ثمانية أشهر ويسحبها بعد أربعة أشهر فإنه يستحق ربح الأربعة أشهر؛ لأن ماله ربح فعلا وتمت التصفية، والذي يضعها لمدة سنة ويسحبها بعد ثمانية أشهر يستحق ربح الثمانية أشهر؛ لأن هذه لمدة قد عرفت أرباحها، لكن لا يستحق ربح الباقي ويعتبر ماله كأنه مجنب مع هذا المليون الذي يحتفظ به البنك لكي يقابل به السحوبات. فهذه هي الطريقة التي عندنا، لكن بالنسبة لحسابات الودائع التي هي أشبه بالحسابات الجارية والتي من الممكن لصاحبها أن يسحبها في أي وقت هذه هي المشكلة، وهذه هي التي تسير فيها عمل البنوك على حساب النمر، وتوجد بنوك أخرى –وأظن أن الشيخ العثماني على علم بها- لا تسير على حساب النمر وإنما تسير على حساب الوحدات، وهذه في رأيي أقرب من حساب النمر، نظام الوحدات المتبع في دار المال.
стр. 14459
نمضي إلى كلام الدكتور سامي والذي هو موضوع الضمان والذي قاسه على الأجير المشترك، والشيخ العثماني قد كفاني بعض الشيء وهو في الواقع أننا قلنا هذا الكلام أكثر من مرة في أن هذا قياس مع الفارق وقد بينه لكم الشيخ العثماني، ولكنني أريد أن أسير قليلا في بحث الدكتور سامي.
وجدت في بحثه أنه يريد أن يعلل لهذا التشبيه: إن رب المال في المضاربة الفردية يختار العامل ويحدد له النشاط ويمكن أن يضع له شرطا، بخلاف البنوك فإن رب المال لا يستطيع أن يفعل هذا. وهذا نقص في الواقع، وقد بحث في أكثر من ندوة ويوجد اقتراح بأن تنشأ هيئة للمشتركين – وأظن الدكتور سامي على علم بها وحضر هذا الاجتماع- لكي ترعى حقوق المشتركين، وهذا عملنا به في السودان. تستطيع أن تضع هذه الشروط وتشترط على البنك، صحيح الآن البنك هو الذي يتصرف كما يشاء ما عدا هذا المكتوب في الاستمارة، فهذا منتف: (وكان مقتضى توازن العقود أن يكون في مقابل الحرمات من حق الاشتراط نوع من الضمان) ، لم هذا؟ لا علاقة بين هذا وهذا. وموضوع الضمان كما تعلمون هذه مسألة مجمع على منعها، لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز أن يضمن المضارب لرب المال رأس ماله، بل لا يجوز له أن يضمن له كذلك أي مقدار من الربح فهذه مخالفة للنصوص. الأجير المشترك ليس فيه مخالفة للنصوص حتى يتم القياس عليه، ثم إن العلة في تضمين الأجير المشترك غير موجودة في المضارب المشترك إذا قبلنا هذه التسمية. فالأجير المشترك ضمن لحفظ أموال أصحاب المتاع الذين يضعونه عنده، لكن البنك ليس بهذه المسافة. فلا وجه لقياسه بتاتا.
ثم يقول في صفحة أخرى من بحثه:
إن عمل المضاربة المشتركة ذو طبيعة مستمرة وذلك لأن العمليات التي يقوم بها المصرف متتابعة ومتداخلة وليس ممكنا الحكم بتاريخ معين على حدوث خسارة محددة.
وكأنه يشكك في عملية المضاربة. وإذا أخذنا بهذا قد نذهب إلى أن البنوك لا يجوز لها أن تضارب.
стр. 14460
وقد حدث في أحد المصارف الإسلامية التي لا تأخذ بأصل مبدأ الضمان خسارة كبيرة حيث لم تجد هيئة الرقابة الشرعية مناصا من تضمين المصرف للخسارة الواقعة على أساس الخطأ المفترض.
هو ليس على أساس الخطأ المفترض كما يقول الدكتور سامي، هي رأت أن البنك فعلا مقصر فضمنته وهذا الحكم الشرعي، لكن الدكتور سامي يريد أن يضمنه في جميع الحالات.
أقترح هنا وهي سجية جميلة موضوع صندوق المخاطر، وهذا معمول به أيضا لكن بغير الطريقة التي ذكرها. صندوق المخاطر هذا أشبه بالتأمين التعاوني ولذلك نحن اشترطنا فيه في السودان أن يكون الاستقطاع من نصيب المودعين فقط وليس من الربح الكلي. الذي ذكره الدكتور سامي هو يقتطع من الربح كله واستند فيه إلى كلام للمالكية، لكن نحن لم نأخذ بهذا وهو أسلم.
المودعون يتضامنون فيما بينهم ويقتطعون جزءا من الربح يوضع احتياطيا في حالة الخسارة إذا حصلت خسارة يدفع منه، لا ضرر في هذا، هذا تأمين تعاوني. نقل الدكتور عبارة هنا في بحثه عن بداية المجتهد ليؤيد بها رأيه، وهي:
إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسرانا وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون لذلك عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حقه مما يبقي من المال.
وفهم من هذا الضمان. لا، هذا الضمان، وهذه العبارة من ابن رشد هي في حالة ما إذا لم يأذن رب المال للمضاربة بالمضاربة به، لكن لو أذن له بأن يضارب به فلا يضمن، والموجود في البنوك –المعروف- كلها وبعضها تنص على هذا، أن المال يأذن للبنك بالتصرف فيه بما يرى فيه المصلحة من إعطائه المضاربة للغير، وهذا هو المعمول به، إلى آخر ما يجوز للمضارب في حالة التفويض. النص الذي هنا لا يسنده مطلقا وهو فهم أنه مطلق، لا. وكل ما جاء بعده في هذه الصفحة هو مقيد بعدم ...
ثم يقول في آخر كلامه: ومهما يكن من أمر فإن مسألة الضمان وإن لم يصرح بها فإنها قائمة بالفعل؛ لأن المصرف الإسلامي الذي يسمح لصاحب الوديعة بسحب أمواله المودعة كليا أو جزئيا ضمنا أنه قبل مبدأ ...
وهذه هي الجزئية التي تكلمت عنها من قبل ولا يسمح له بهذا ولا يؤدي إلى هذا المعنى الذي ذهب إليه الدكتور سامي. وأكتفي بهذا، وشكرا.
стр. 14461
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أولا، نشكر الإخوة الباحثين علي بحوثهم القيمة، ونشكر شكرا خاصا للأستاذ الدكتور العارض حيث كان عرضه طيبا ونافعا وجامعا، فجزاه الله خيرا.
بخصوص مسألة الودائع، تكييف الودائع لا يمكن أن يكون على سند واحد، فإنما التكييف يختلف من حيث هل هذه الودائع حسابات جارية؟ والحسابات الجارية لها أوراق خاصة كما أن الودائع الاستثمارية لها أوراق خاصة، فتوقيع الشخص على هذه الورقة دون الورقة يجعل أن هذه الوديعة في حساب جار والثانية في وديعة استثمارية.
فلذلك لا يأتي الشخص اعتباطا ويضع المبلغ في الحساب الجاري أو في الودائع الاستثمارية. فالودائع الاستثمارية والحسابات الجارية كما هو الواقع في البنوك الإسلامية أو حتى في غيرها فلكل شيء –كما يقولون- فورمة خاصة وبالتالي من خلال هذه الورقة، من هذا البيان تتحدد نية الشخص وقصد الشخص، هل هو يريد الوديعة للحساب الجاري أو يريد أن يكون هذا للودائع الاستثمارية؟ فإذا كان قد أدخل في الودائع الاستثمارية فيكون هناك مضاربة بالتأكيد، وإذا كان في الحساب الجاري فتكييف الحسابات الجارية على أنها قرض. ومن هنا فالتقسيم من ناحية الوصف الشرعي أو من هذه الناحية ثنائي وليس ثلاثيا، وكان الأولى أن يركز على هذا التقسيم ثم بعد ذلك تقسم الودائع الاستثمارية إلى عدة أنواع.
стр. 14462
مسألة إقراض ولي القصر، وهي: هل لولي القصر حق الإقراض؟ أجاز الفقهاء الإقراض إذا كان هناك مصلحة، بل نص صاحب (المغني) كما أحفظه وكذلك صاحب (الروضة) للإمام النووي، نصا على أنه في بعض الأحيان قد يتعين إذا خاف ولي الأمر من الاعتداء على هذه الأموال ولم يجد الاستثمار، فحينئذ يعطي قرضا مضمونا لشخص فتكون هذه الأموال مضمونة. ومن هنا بالتأكيد ولي الأمر إنما يقدم على الحساب الجاري للقصر في حالة ما إذا وجد مصلحة، وإلا يدع هذه الأموال في الحسابات الاستثمارية.
مسألة الظفر في الحسابات التي ناقشتها البحوث. وحقيقة المسألة محلولة عندنا في بعض البنوك الإسلامية ولا سيما البنك الإسلامي في قطر، حيث إنه في نفس العقد يشترط أو يذكر فيه أنه للبنك الحق في أن يأخذ هذا المال في حالة عدم التسديد من أي مال يوجد في البنك ويوافق عليه رب المال أو يوافق عليه المقترض، وحينئذ يكون بذلك قد اشترط على نفسه وأذن المدين بذلك ويكون حينئذ القضية محلولة، ومن هنا يمكن النص عليه في العقود ولا نحتاج بعد ذلك إلى هذا الخلاف الفقهي السائد أو القياس على مسألة الزوجة أو غير ذلك؟ أنا في اعتقادي أن قضايا العقود لا بد أن تنظم من خلال العقود والشروط ولا تنظم من خلال مسائل أخرى بعيدة عن واقع المعاملات.
بخصوص المضاربات المشتركة التي أشارت البحوث إليها وبعض البحوث استشكلتها استشكالا كبيرا، في اعتقادي أن الحل العملي لهذه المسألة هو الذمة المشتركة وتسمى هذه بالشخصية المعنوية فهذه الشخصية المعنوية تتلقى هذه الأموال وهي محل لقبول هذه الأموال مع ملاحظة التنضيض الحكمي مع ما أشار إليه فضيلة القاضي العثماني حساب النمر.
هذه القضايا الثلاث الشخصية المعنوية أو ما تسمى بالذمة المشتركة مع وجود التنضيض الحكمي مع ملاحظة حساب النمر أو ما يسمى (دولار يوم أو يوم بدولار) هذا حل عملي لهذه المسألة. ولا مانع كما قال فضيلة الشيخ العثماني من أن المشاركات اليوم أو المضاربات هي تطوير للمشاركات أو المضاربات السابقة، وكما يجوز إحداث عقود جديدة لا تخالف المبادئ كذلك لا مانع من إحداث أنواع جديدة من عقود كانت متناولة. فالآن ما دامت أصول العقود ثابتة فلا مانع من تطوير هذه العقود بما لا يتعارض مع قواعد الشريعة.
أما بالنسبة إلى ما أشار أخونا الكريم الدكتور منذر، حتى للعلم وأنا أيضا عندي اطلاع على كثير من البنوك الإسلامية، أول مرة أسمع بما أشار إليه الدكتور منذر من أن البنوك الإسلامية تقوم ببيع هذه الأموال في آخر السنة وأن هذا تنضيض صوري أو وهمي. الذي تسير عليه معظم البنوك الإسلامية –حسب علمي- أنها تقوم بعملية التنضيض الحكمي ويكتفى بذلك.
стр. 14463
مسألة ما أشار إليه الدكتور منذر في القضية أنه لا بد أن تقسم الحسابات الجارية إلى نوعين. هذا طبعا إذا نحن كيفنا الحسابات الجارية إلى القرض، لا بد أننا نحافظ على مثل ما أشار إليه الشيخ ابن بيه على سنن العقد أو –كما أسميه- ميزان العقد، فالقرض له ميزانه الخاص، وحسابات التوفير أو الاستثمار لها ميزانها الخاص، فلذلك تبقى الحسابات الجارية ولكن الآن في كثير من البنوك الإسلامية توجد حسابات توفير يكون للإنسان الحق في السحب في أي وقت ولكن تكون نسبة الأرباح قليلة، فالأفضل بدلا من أن نقسم الحسابات الجارية وهي مكيفة على أساس القرض فالأفضل أننا نتجه إلى الجانب الثاني وهو حسابات توفير ميسورة وتكون نسبة الأرباح للبنك أو للشخص قليلة في مقابل هذه السهولة في عملية السحب.
بعض الباحثين اعتبروا يد المصرف على الحساب الجاري يد أمانة، ثم بالتعدي والتصرف أصبحت يده يد ضمان. هذا التكييف –في اعتقادي- ليس تكييفا صحيحا ما دمنا اعتبرنا أن الحساب الجاري هو بمثابة القرض، وكما قلت: إن الحساب الجاري ليس شيئا مجهولا، هو ورقة مكتوبة ومعروفة، فإذا لم يقرأها فهو كأنه علم بهذه الشروط والضوابط التي تضعها البنوك الإسلامية بخصوص الحساب الجاري. ومن هنا فبمجرد ما أودعت المبالغ في الحساب الجاري كأنك أقرضت وأصبح البنك ضامنا لهذا المبلغ وفي مقابل هذا الضمان يتصرف البنك حيث ما يشاء من باب قاعدة (الغرم بالغنم) وكذلك (الخراج بالضمان) . وهذا إذا اعتبرنا هذه المسألة وهذا التكييف الذي ذكره أكثر من باحث تكييفا مخالفا لما يسير عليه الجمهور من أن الحساب الجاري قرض مضمون أساسا.
مسألة الودائع. بعض الباحثين –حسبما قرأت في البحوث- قالوا بعدم التصرف فيها أبدا باعتبار أن الودائع لا بد أن تبقى، بينما الفقهاء –﵏ فرقوا بين ما هو دين وما هو عين، فقالوا: ما هو عين من الودائع لا يجوز التصرف فيها؛ لأنها تتعلق ... يعني لا بد أن يحافظوا على العين لكن الدين يدخل في الذمة. والدين ولا سيما فقهاء الحنفية، والدين طبعا هو النقود تعتبر دينا، فإذا كانت هذه النقود دينا فبمجرد ما تسلم الإنسان وأودعها أو تركها في بيته فتعتبر هذه المبالغ دينا وتدخل في ذمة الإنسان. مع – طبعا - قضية الضمان وعدم الضمان تلاحظ فيها.
стр. 14464
ما طرحه الدكتور سامي مسألة المضارب المشترك، في الحقيقة أنا أيضا أؤيد رأي فضيلة الشيخ العثماني وفضيلة الدكتور الضرير حول هذه المسألة، وأنا حققت النقل، أن نقل ابن رشد لا يدل على ما أراده الدكتور.
بعض الباحثين من خلال بحوثهم فرقوا بين مرحلتين، مرحلة الإيداع ثم مرحلة التصرف. ففي مرحلة الإيداع مثل الدكتور الكبيسي قال: له الحق في السحب بينما في المرحلة الثانية –بعد التصرف- ليس له الحق في السحب.
وحقيقة هذه التفرقة أيضا تفرقة غير مقبولة وقد أشار إليها الدكتور سامي. ومن المعلوم أن عقود المضاربة والمشاركة والقرض والودائع الاستثمارية أو الحسابات الجارية لا تخرج، إما أن تكون قرضا أو تكون مشاركة. هذه العقود من العقود الجائزة خاصة بالنسبة للمضاربة والمشاركة، ولكن الإلزام يأتي من الاشتراط وتحديد المدة، فإذا حددت المدة فيكون الإنسان ملزما بإكمال هذه المدة، وكذلك إذا ترتب على المضاربة أو فسخ المضاربة ضرر فيكون ذلك يأتي من باب آخر وليس هناك فرق بين هاتين المرحلتين ولم أر من السابقين من فرق بين هاتين المرحلتين.
اعتبارات الحسابات رهنا. حقيقة مسألة الرهن، حتى الذين قالوا برهن الديون، يعني تكييف اعتبار الحسابات رهنا تكييف يحتاج إلى نظر واجتهاد جديد، لكن لماذا لا تعتبر هذه الحسابات من باب الضمانات؟ وباب الضمان أوسع حتى الضمان بالمجهول يجوز، فلماذا نحن نتقيد بمسألة الرهن في هذه المسألة ونجعل الضمان ويكون هناك ضمان في هذا الباب؟ أيضا مسألة أخرى أشار إليها الشيخ التسخيري في بحثه وحديثة بأنه يمنع الخدمات، يمنع أن يجر القرض الخدمات، ولكنه مع ذلك يجيز الجوائز، فأنا في اعتقادي فيه شيء يحتاج إلى إعادة النظر في هذه المسألة وأن الجوائز كما أشار إلى ذلك فضيلة الشيخ العثماني هي أيضا فوائد مادية تمنح لهؤلاء المقرضين في مجموعهم، وكل واحد يطمع في ذلك، ففيها نوع من المقامرة وفيها أيضا الفائدة المرجوة لبعضهم. كنا نحن منعنا أي شيء وأبقينا القاعدة العامة التي تلقتها الأمة بالقبول فكيف نجيز هذه الجوائز وهي تقرب مما يسمى الآن بالجوائز فئة (ج) التي تصدر في بعض البنوك الربوية بجانب فئة (أ) وفئة (ب) ، وفئة (ج) تعتبر من أصحاب الجوائز؟ هذا ما أردت أن أقوله وشكرا.
стр. 14465
الدكتور محمد سيد طنطاوي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكرا يا سيادة الرئيس، وأنا شخصيا سيكون كلامي محددا وسيكون في الكليات وليس في الجزئيات. وأبني كلامي على حكم تعلمتها, ومنها أن كل عالم في فن هو تلميذ على غيره في فن آخر , وأن الإنسان يتحدث على حسب تخصصه وعلى حسب علمه امتثالا لقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] . وأنا شخصيا خلال قراءاتي للمعاملات في الإسلام وخلال عملي وجدت أن المعاملات في الإسلام تمتاز بالوضوح والصراحة والمكاشفة, كما أن الناس في كل زمان ومكان لا يستغنون عن التعامل فيما بينهم والأمر كما قال الشاعر:
الناس بالناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ
الحقيقة الثانية: أن شريعة الإسلام لم تقصر المعاملات على واحدة أو على اثنتين أو على ثلاث معاملات وإنما أنا بقراءاتي وباطلاعي وجدت أكثر من عشرين معاملة، منها: البيع، والشراء، والوكالة، والمضاربة، والمرابحة، والمشاركة، والمزارعة، والمساقاة، والسلم، والجعالة، والإقالة، والصلح، والرهن. وتمتاز شريعة الإسلام بأن لكل معاملة خصائصها، وشروطها، ولا تختلط معاملة مع معاملة، وإنما كل معاملة لها خصائصها ولها شروطها التي تميزها عن غيرها. هذه حقيقة لا أظن أن عاقلا يجادل فيها. وأن المعاملات في الإسلام لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، وإنما الغش حرام مع المسلم ومع غير المسلم، الظلم حرام مع المسلم ومع غير المسلم، وهكذا.
حقيقة ثالثة: وهي أن من المتفق عليه عند العقلاء أن فهم الأمور فهما سليما يؤدي إلى الحكم الصحيح عليها، وتحرير محل النزاع –كما يقول العلماء- يؤدي إلى حسن الاقتناع، وذلك لأن الألفاظ متى حددت معانيها والقضايا متى وضحت معالمها سهل الوصول إلى الاتفاق بين المختلفين. لذا، فأنا يعجبني قول بعض العلماء: لم يكن اختلاف الناس في الرأي واختلافهم في تطبيقه إلا وليد الاختلاف في تحديد مفاهيم الأشياء.
بناء على ذلك أتطرق إلى الحقيقة الرابعة وهي أن القروض لغة وشرعا لها معنى محدد. والودائع لغة وشرعا لها معنى واحد. الاستثمار من حيث اللغة ومن حيث الشرع له معنى محدد. والخلط بين الألفاظ هو الذي يؤدي إلى البلبلة وإلى الاضطراب. لفظ القروض ورد في القرآن الكريم وورد في آيات متعددة، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:] والمعروف أن المقصود بالقرض الحسن: أن يعطي الغني للفقير شيئا من ماله القرض بمعناه العام إذا لم يطلق عليه قرضا حسنا ففي هذه الحالة معروف بالآتي: أن يأخذ الإنسان من غيره مبلغا ثم يرده إليه عندما ييسر الخالق – له.
стр. 14466
هذا هو المعنى الواضح لمعنى كلمة (القرض) ، هذا هو المعنى الواضح الذي ورد في القرآن الكريم، وورد أيضا في السنة المطهرة، ودعا إليه سيدنا رسول الله ﷺ وقال: ((من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)) .
وبلغ من حرص سيدنا رسول الله ﷺ على أن ييسر الميسور على المعسر أنه ﵊ قال ((كل قرض صدقة)) ، أي كل قرض يقرضه الإنسان لغيره له ثواب مثل ثواب الصدقة. والديون لها هذا المعنى تقريبا وإن كان لفظ الدين أعم من لفظ القرض؛ لأن الدين كل ما ثبت في الذمة. فمثلا، الصداق المتأخر في ذمتي لزوجتي دينا ولا يسمى قرضا. لكن على أية حال الفرق سهل، لكن السؤال: متى يجوز للإنسان أن يستدين أو يقترض؟ هذه هي المسألة. الذي أعلمه من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ أنه لا يجوز للإنسان أن يمد يده بالسؤال لغيره إلا من أجل ضرورات الحياة. إذا لم يأخذ هذا المال تتعرض حياته للخطر، هنا يجوز له أن يسأل غيره أو أن يقترض من غيره، وسيدنا رسول الله ﷺ بين ذلك بقوله وعمله، واستعاذ من الديون واستعاذ من القروض، وبلغ من حرصه ﵊ أنه عندما سأله سائل: يا رسول الله أأقترض للحج؟ الرسول ﷺ لم يرض بذلك، وقال له: ((لا)) إذن لا يجوز للإنسان أن يقترض من غيره، سواء أكان هذا الغير إنسان أو بنكا أو مؤسسة إلا من أجل ضرورات الحياة. فإذا أنا مددت يدي بالسؤال إلى غيري وقلت له: من فضلك أعطني عشرة ريالات وفي جيبي العشرة ريالات أكون كذابا ولا أكون مسلما كامل الإسلام، والرسول ﵊ في الحديث الصحيح –عندما سأله سيدنا قبيصة- وأمامي الحديث وهو في صحيح مسلم قال له: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة ورجل أصابته جائحة ورجل أصابته فاقة)) . إذن، نريد أن نضبط الألفاظ، قبل أن تسألني، أنا عندما أقترض أو أنت، فأنت تقترض لماذا؟ لماذا تمد يدك بالسؤال إلى غيرك؟ لماذا تقترض؟ إن كنت تقترض من أجل ضرورات الحياة تنطبق عليك قول الله – ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] إن كنت تأخذ مالا من غيرك من أجل أن تستثمره وتربح وهذا الغير قال لك: أعطني جزءا من ربحك نظير أنك أنت انتفعت بمالي، يقال في هذه الحالة: أعطه جزءا من هذا الربح، وإن وجدت أن ما يطلبه منك أكثر من ربحك المتوقع ابتعد وقل: اللهم أبعدني عن ذلك وينتهي الإشكال. إذن لا يجوز للإنسان أن يقرض أو يستدين إلا من أجل ضرورات الحياة، وكل معاملة تتم عن طريق القروض أو الديون لا يصح –بأي حال من الأحوال وبأي وسيلة من الوسائل- لصاحب المال أن يأخذ أكثر من حقه بأية صورة من الصور هذا ما أفهمه فيما يتعلق بالقروض والديون.
стр. 14467
تأتي بعد ذلك الودائع، الذي أعرفه من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أن كلمة الوديعة هي أمانة، ومعنى أمانة أنا إذا أعطيت مبلغا من المال لإنسان، وقلت له: خذ هذا المال ليكون أمانة عندك، في هذه الحالة سواء أكان بنكا أم إنسان أم مؤسسة من حق الذي أودعت عنده أن يقول لك: أعطني مبلغا كذا لأنني أنا ضامن لهذا المال. يبقى الواضح في هذه الحالة لا يجوز لمن أودع ماله عند مصرف أو بنك أو كذا أو كذا وقصده أن يحفظه له البنك لا يجوز له أن يأخذ شيئا بل عليه هو أن يدفع للمودع عنده؛ لأن المودع عنده قد ضمن ذلك.
هذه هي القواعد العامة.
يأتي بعد ذلك الاستثمار، فرق بين القرض وبين الدين وبين الوديعة وبين الاستثمار.
الاستثمار هو أن آتي إلى إنسان فأقول له أنا مفت شرعي وقبل أن أكون مفتيا شرعا عملت في الجامعة لمدة عشرين سنة ومعي مبلغ من المال، ولكني لا أحسن التجارة وليس عندي الوقت، فخذ هذا المال واستثمره لي وأنت وكيل عني وكالة مطلقة، أتحبسني في المضاربة وفي المضاربة لماذا؟ أنا أمامي عشرون معاملة. أنا أتعامل بالوكالة المطلقة خذ هذا المال وأنت وكيل عني وكالة مطلقة في أن تستثمره لي فيما أحل الله، وما تعطيه لي من أرباح فأنا راض بها. والمسألة في غاية الوضوح. إذن في هذه الحالة فرق كبير بين القرض وبين الوديعة وبين الاستثمار، والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
من نوى القرض ففي هذه الحالة لا يأخذ سوى رأس ماله، ومن نوى الوديعة في هذه الحالة يدفع للمودع عنده أجرة الحراسة، ومن نوى الاستثمار في هذه الحالة له أن يتخذ طرق الاستثمار التي أحلها الله، سواء أكانت عن طريق البيع، أو عن طريق الشراء، وعن طريق الوكالة، أو عن طريق المشاركة، أو المرابحة، أو الإجارة، عن أي طريق من الطرق التي أحلها الله ولا تحبسني في معاملات معينة. وإنما أنا أقول: كل معاملة خلت من الغش وخلت من الربا. نحن نقول، الذي أفتي به في مصر، الذي أفتي به، هو ماذا؟ كل من يستحل التعامل بالربا فهو مرتد عن الإسلام وإذا كان متزوجا تطلق منه زوجته ولا يدفن في مقابر المسلمين. هذا هو الحكم الشرعي في الربا، ولا يدفن في مقابر المسلمين. المشكلة لا بد أن تحدد المسائل، ففيما يتعلق بالقروض والودائع والودائع والاستثمار فلكل لفظ معناه الخاص به والذي يجب أن نفرق بينه وبين غيره.
стр. 14468
كذلك أنا شخصيا وهذه نقطة يمكن ... أنا شخصيا في دولة دينها الرسمي الإسلام في مصر، وأنا مفت شرعي، وأقول: يجب ثم يجب ثم يجب –وهذا ما قلته في الصحف وغيرها- أن تكون المادة الأولى- في معاملات البنوك وغيرها جميع معاملات البنوك خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية. وكل دولة دينها الرسمي الإسلام ثم تبيح غير ذلك فهي لا تستحق الاحترام، أنا مفت شرعي. ما دامت الدولة رضيت بأن يكون هناك بنوك إسلامية، أنا أحضرت –بصفتي مفتيا شرعيا ومن سلطاتي- رئيس بنك مصر وقلت له تعال أنت كاتب هنا: بنك مصر فرع المعاملات الإسلامية، وفي المركز الذي أنت فيه لست كاتبا ذلك، هل تستطيع أن تقول لي الفرق بينهما ما هو؟ فسكت ولم يستطيع أن يأتي بجواب. وفي هذه الحالة قلت له: أنت في هذه الحالة كذاب.
الرئيس واحد والخزينة واحدة قل لي: لِمَ الفرق؟ ثم بعد ذلك أية دولة تستحق الاحترام لا تكون المادة الأولى في معاملات البنوك، يجب ثم يجب أن يكون جميع معاملات البنوك خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية بذلك لا يبقى هنا داع أننا نحن نفرق، لا، كل المعاملات يجب أن تكون خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية والمفتي الشرعي تأتيه مائة مسألة يدرسها ويقول هذه حلال وهذه مكروهة وهذه حرام، وهكذا، لكن عدم الوضوح هذا الذي يؤدي إلى البلبلة ويؤدي إلى عدم الاقتناع بما نقول؛ لأن الدولة التي تحترم نفسها يجب عليها ألا تكون متناقضة مع نفسها طالما أن دينها الرسمي الإسلام. ما معنى بنوك إسلامية وبنوك غير إسلامية؟ الكل بنوك إسلامية. يجب أن يكون الكل بنوك إسلامية، وأنا أحيي كل دولة دينها الرسمي الإسلام ولا تجعل هذا المعنى، وإنما كل معاملاتها خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية التي لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، وإنما تقوم على العدالة. بعد ذلك تأتي الصور الفرعية.
معاملات البنوك هذه هي متاهات لا أول لها ولا آخر. تأتيني كل مسألة على حدة، مائة مسألة يتعامل عن طريقها البنك، يأتيني بكل مسألة ويقول لي: يا فضيلة المفتي، هذه المعاملة حلال أم ليست حلالا؟ أنا ملزم أن أكون أن هذه المسألة حلال، وهذه المسألة ليست حلال وأصحح الخطأ وبهذا تنتظم الأمور فالكليات شيء والفرعيات شيء آخر. الكليات كلنا متفقون على أن كل من يستحل الربا يكون مرتدا عن الإسلام وتطلق منه زوجته إن كان متزوجا ولا يدفن في مقابر المسلمين. الفرعيات، ائتني بالمسائل على حده، مثل ما أتى أمس الدكتور نزيه بست مسائل قابلة للمناقشة، هذه المسألة فيها شبهة، هذه المسألة فيها حرمة، هذه المسألة لو وضعت في قالب كذا تكون حلالا، وبهذا تتضح الأمور وتستقل الأحوال.
وبالله التوفيق.
стр. 14469
الدكتور عبد السلام العبادي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عطفا على طلبك الكريم بالإيجاز وملاحظة لانتهاء جلستي أمس مع وجود عدد من المتحدثين لم تتح لهم فرصة الحديث وبعضهم - لا تمييزا إنما احتراما للوائح المجمع- أعضاء في هذا المجمع أن يستفسروا ويناقشوا ويحاولوا جهدهم استيضاح الصور فيما سيبدون فيه الرأي من السادة الخبراء -حفظهم الله ورعاهم – وواضح أن هذا الأمر كل بحسب تخصصه ومعرفته وليس في ذلك غض من قيمة أحد إنما الأصل سؤال أهل الذكر في كل فن بحسبه, والاستفادة من علمه وفضله لإنارة المجمع وصدور القرار على بينة ووعي ووضوح. فاسمح لي سيدي الرئيس أن أتكلم قليلا في النهج حتى لا يتكرر ما جرى في الجلستين, أمس وهذه الجلسة. إن توزيع الوقت أمر في غاية الضرورة , فلا يصح لعضو ولا لخبير أن يصادر حق بقية الأعضاء في الحديث في إطالة وتوسع, وفي كثير من الأحوال في خروج عن الموضوع جملة وتفصيلا, حتى أثيرت قضايا ليست مفارقة, في البحوث أصلا وليس مطلوبا فيها مثلا الإيداع في البنوك التقليدية , هذا ليس موضوع بحث. نعم, موضوع جليل ويمكن الكتابة فيه والبحث فيه وإصدار قرار فيه. تقييم مسيرة البنوك الإسلامية بصفة عامة, موضوع الجوائز, مع احترامي للآراء التي أبديت, كل هذه القضايا خارج الموضوع المطروح للبحث, فنذهب بعيدا في الاستطرادات وفي المسائل الجانبية ولا نتصدى للقضايا الأساسية, وكثيرا ما يحدث هذا وفي البحوث نفسها. فلذلك – سيدي الكريم- إن الحزم في ضبط مسار الجلسة في إطارها الحقيقي وفيما تصدت له من موضوعات جليلة أمر نرجو أن نعين الرئاسة عليه ونرجو أيضا أن تمارس الرئاسة أصلا صلاحيتها فيه بكل حزم وقوة حتى نصل في موضوعاتنا هذه لأمر هدفنا إليه جميعا, تركنا أشغالنا وارتباطاتنا وهمومنا وقضايانا وجئنا نلتقي هنا لنصل إلى قرارات محددة في موضوعات مهمة, وحقيقة إن انفضاض جمعنا في بعض الموضوعات على التأجيل إذا كنا نستطيع أن نبت في الموضوع باستثمار الوقت استثمارا جيدا أمر منتقد وأنتم تعلمون حتى أنه في ميزان الله -جل وعلا- قد نقع في الإثم. إن تحديد المصطلحات وضبط محل البحث أمر في غاية الأهمية, وإن ضبط الجلسات –أيضا- أمر في غاية الأهمية. اسمح لي أن أقول في الموضوع المطروح هذا اليوم كلاما موجزا التزاما بأمر الرئاسة الجليلة بعد أن قلت هذا الكلام البسيط في موضوع المنهج. حقيقة أنا أستغرب مسارنا في هذا اللقاء.
стр. 14470
نحن كمجمع ناقشنا مجموعة كبيرة من أعمال البنوك الإسلامية وأفتينا فتاوى واضحة محددة في إجازة كثيرة من هذه الأعمال وتكييفها, وإذا بنا في هذا اللقاء نرجع إلى الخلف ونناقش موضوع وجود البنوك الإسلامية وهو أمر من الناحية العلمية مستغرب!! أنا في ظني عندما طرح هذا الموضوع للبحث لم يكن المقصود تكييف الحسابات البنكية في البنوك الإسلامية , هل هي قرض أم مضاربة؟ هذه قضايا جاوزناها, نحن نتكلم عن عشرات البنوك الإسلامية وبعد مسيرة جاوزت الخمسة عشر أو العشرين سنة في بعض الأحوال. إذن نحن نريد أن ندخل في تفاصيل العمل البنكي الإسلامي لنحزم الأمر فقها في كثير من القضايا التي تصدى لها مصرفيون لا يعرفون تفاصيل الفقه وأحكامه فارتجلوا القول في كثير من التفاصيل بما يصادر أصل الفكرة. ولذلك ما ظننت أن البحث -كما كان بالأمس في موضوع السلم – يريد أن يناقش بديهيات الموضوع وأصوله الأولى، يريد أن ينطلق انطلاقا إلى الأمام للوصول إلى مواقف محددة في قضايا مطروحة.
أنا أقول بالنسبة لهذا الموضوع كان يجب أن ينصب البحث –مثلا- على أسس الاختلاف بين الحسابات سواء كانت جارية أو استثمارية، وخاصة في الحسابات الاستثمارية. في الحسابات الجارية يجب أن يكون منحانا –كما أشار بعض الإخوة- إلى البحث عن العدالة أو عن مزيد من العدالة، مثل أن نتحدث عن موضوع التوسع في القروض الحسنة ما دام أن البنك كيفنا أن العملية الإيداعية عملية قرض، إذن يجب أن نتوسع في القروض الحسنة، ويلزم البنوك الإسلامية أن تلجأ إليها ويجب أن نحافظ على هذا ويجب أن تكون هيئات المودعين لهذه البنوك من الأمور التي تركز عليها هذا الأمر.
الاقتراض الذي اقترحه أستاذنا الشيخ الصديق، الاقتراض لحساب المضاربة من الودائع، هذا أمر في الواقع يجب أن نكيفه ونخرج بصورة محددة تنفع البنوك الإسلامية في التطبيق؛ لأن هذه الأموال التي تستخدمها هذه البنوك والتي تصل في بعض الحالات إلى ستة عشر ضعفا من رأس مالها، حقيقة ما تجنيه من أرباح من هذا الأمر تحت عبارة (الوديعة) حتى أن هنالك عملية تغرير في استخدام الموضوع. وقد اقترحت على أخي الدكتور سامي عند مناقشتنا في لجنة الفتوى لقانون البنك الإسلامي حتى ألا نستخدم هذه العبارة؛ لأن هذه العبارة مضللة، وتوهم بأن العملية عملية وديعة وهي حقيقة ليست إلا قرضا.
كثيرا من الآراء طرحت وتحتاج إلى تأمل ونظر ومناقشات وحوار، تمر هكذا بشكل عابر!! لا يجوز. يعني قضية حساب الأمانة الذي اقترحه أخي الدكتور سامي أيضا محل نقاش. الأمر الذي أعود وأكرره قضية الضمان في المضاربة المشتركة، أنا أذكر أنني التقيت في ندوات حول هذا الموضوع في خلال السنوات أكثر من ست أو سبع ندوات وانتهينا من هذا الموضوع، نعود مرة أخرى ونثيره ونتكلم حوله!!.
стр. 14471
من الموضوعات التي يجب أن نوليها البحث ونصل فيها إلى قرار: معايير توزيع الأرباح. القضية كنت أتمنى أن يشير إليها الدكتور سامي في بحثه.
ما ألجأ إليه من توزيع اقترحه في حسابات الاستثمار في البنك الإسلامي الأردني حيث أعطى الحق للمودع في حساب استثماري أن يستثمر ٩٠ % من ماله المودع لغرض الاستثمار فيما أسماه (الحساب لأجل) وأعطى لحساب التوفير ٧٠ %، وتحت الإشعار ٥٠ %. طيب، كيف استحل البنك الحسابات الجارية واعتبرناها له قرضا وقلنا له أرباحها لك؟ كيف يعود وحتى على الحسابات الاستثمارية ويأخذ نسبا منها معينة يخصصها للاستثمار وأخرى لا يخصصها للاستثمار تحت حجة أن المتعاقد أو المودع وقع على عقد والتزم بذلك؟ يعني لا بد من حس العدالة أن يقيم هذه العملية. ثم موضوع أسس حساب الأرباح. حقيقة حساب النمر ليس المقصود به عملية محاسبية في إطار البنك. حساب النمر –حقيقة- المراد به عدالة توزيع الأرباح أكثر من الصيغة التي اقترحت في بعض البنوك. هذا الأمر –في الواقع- إذا أوليناه نحن في مجمعنا عناية خاصة وخصصناه بالبحث في غاية الأهمية لأننا نقدم معالجة لمشكلات تعاني منها البنوك الإسلامية، وهذا يقود –كما نعلم جميعا- إلى موضوع التنضيض والخلاف بين الحقيقي والحكمي، وما أشار إليه أخونا الدكتور منذر، الوهمي، أيضا.
يعني وصلنا إلى درجة أن هنالك تنضيضا وهميا.
على أية حال لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك لكن أحب في الواقع أن نسوق الجلسات إلى محاورها الرئيسية وأن يتوجه إليها وأن يتاح لنا في المجلس الحوار والمناقشة. القضية ليست أن أضع كل ما عندي ثم انتهى. القضية قضية نريد أن نبلور مواقف فقهية في غاية التحرير والدقة ولا يكون الأمر مؤجلا جميعه إلى الجلسة الختامية كيف سنستطيع في الجلسة الختامية أن نناقش كل شيء؟ وشكرا.
стр. 14472
الرئيس:
في الواقع أن ما ذكره الشيخ عبد السلام كله صحيح ومسلم به وقد اتخذنا في دورات مضت قرارا بأن يلتزم أصحاب الفضيلة الذين يطلبون الكلمات بالموضوع ذاته.
هذا شيء. الشيء الثاني، على أن الذين يتفضلون في عرض البحوث أن يعرضوا البحث مختصرا ومعتصرا من جميع البحوث الموجودة، إما أن يأتي ببحث أو بتلخيص مضاعف وخارج عن الموضوع وحسب تصورات أو بدخول في غير اختصاصه، وهذه أشياء أظن أن من المؤكد أنها غير مقبولة في مجال البحث العلمي وفي مجال المناقشات وفي مجال المداولات. وفي الواقع أن الإنسان في مثل هذا الموقع يكون في حرج كبير؛ لأن أي متكلم ينفق مما يملك، فالتحكم في الناس إلى درجة فيها تقص فيها شيء من الصعوبة ولكن ينبغي أن تكون الجهود متضافرة ومتساعدة وأن تكون الكلمات في حدود الموضوع.
هناك نقطة مهمة لم يشر إليها الشيخ عبد السلام ولكن سبق الإشارة إليها في دورة مضت ولعلها في الدورة الرابعة أو الثالثة وكان قد أثارها الشيخ مصطفي الزرقا وهو تكثير الموضوعات في الدورة. تكثير الموضوعات في الدورة هو الذي يعطيها ضغطا في حجب عدد من الكلمات المطلوبة وفي عدم هضم عدد من القضايا التي تعرض. فمثلا في تجارة الذهب عرض اثنا عشر فرعا وكلها مهمة وتمس الحياة العملية وليس من المعقول أنها تناقش في جلسة واحدة.
صحيح أنها نالت حقها من البحث من أصحاب الفضيلة ونال عدد من قضاياها التمحيص والمناقشة، لكن بقي البعض يحتاج إلى مزيد من البحث فيقع تحت طائلة التأجيل؛ نظرا لأن الوقت انتهى والموضوع يأتي بعده. يعني لا تنتهي الأمور على هذا الشكل، فلو أن مثل هذه الموضوعات إذا كان متعدد الجوانب تكون له جلستان –صباحية ومسائية- ولا ضير أن المجمع ينصرف عن أربعة قرارات أو خمسة قرارات. المجمع الفقهي بمكة في دورة واحدة لم يصدر منه إلا قرارا واحدا. هيئة كبار العلماء في المملكة أذكر أنها في إحدى الدورات لم يصدر منها إلا قرارا واحدا، وفي بعض الدورات يصدر منها خمسة أو ستة أو ثمانية أو أربعة قرارات حسب استهلاك الوقت للقضية المعروضة والمطروحة. فعلى كل –إن شاء الله تعالى- هذه نواح تنظيمية ولا شك أنها مهمة وتؤخذ في الاعتبار.
стр. 14473
الدكتور رفيق المصري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عندي نقاط أرجو ألا أتعدى فيها دقائق معدودات وأرجو ألا أثقل عليكم ولا أملكم، لكني أقول: يا أيها العلماء ويا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا الكلام دولة بين الأقوياء والأثرياء وذوي النفوذ فإن الإسلام يحمي الضعفاء ولا يقوي الأقوياء، حسبهم قوتهم. هذه هي النقطة الأولى.
النقطة الثانية: فضيلة سماحة مفتي مصر إنما تكلم به في هذه الجلسة مع تقديري الكبير له ولشخصه ولوظيفته ولبلده ولكنني أقول إنه قد نشره في عدة مرات في الصحف والمجلات وفي الكتب وكله عرفناه، فما أدري ما الذي يتوقع من إعادة الكلام في هذا الموضوع؟ كنت أتمنى من سماحته أن يأتينا بجديد.
النقطة الثالثة: في ورقة أخي الشيخ تقي العثماني التي عنيت بأحكام الودائع المصرفية وفي عرضه الذي قدمه اليوم استخدم مصطلحا إنجليزيا أو أمريكيا وهو products Daily ونحن مهامنا في هذا المجمع أن نعنى بالمصطلحات وأن نعنى بحسن ترجمتها، وقد سمعت الترجمة فقال: حساب الإنتاج اليومي، فارتكب –حفظه الله مع تقديري الكبير له- خطأين. أولا كلمة الإنتاج تقابلها كلمة production بالإنجليزية production بالفرنسية. أما الكلمة الصحيحة هنا هي (الناتج) product أو produit بالفرنسية. هذا هو الخطأ الأول. الخطأ الثاني كلمة product في اللغة الإنجليزية والأمريكية –وفي المجمع من هو أقوى مني في هذا لكنه لم ينبه إليه- كلمة prodway أو product لفظ مشترك يعني أحد معنيين: (الناتج بالمعنى الاقتصادي المعروف) و (الجداء) يعني حاصل الضرب.
والمقصود هنا ليس الناتج ولا الإنتاج، المقصود حاصل الضرب. والمعنى المقصود هو (جداء المبالغ بالأيام) فلو ترجمها بالجداء لكان أفضل.
النقطة الرابعة: يحسن التذكير –هذا اقتراح مني لإدارة الجلسة - في مطلع كل موضوع بالمسائل المطروحة من المجمع التي بلغت إلينا منذ شهور بل منذ سنة قبل البدء بعرض الأوراق حتى يتم التركيز عليها، كما يحسن أن تنشر في مجلة المجمع قبل نشر البحوث المتعلقة بها؛ لأن هذا جهد من المجمع، ولأن هذا يفيد أيضا في معرفة المسائل التي طلبها المجمع لكي تجري المقارنة بينها وبين الأوراق المقدمة.
النقطة الخامسة: طلب المداخلة والتعليق، هل يبدأ بعد الفراغ من العرض للأوراق؟ أرجو أن يكون نظام طلب المداخلة نظاما معلنا وواضحا.
النقطة السادسة: التعليق على الأوراق. هل هو تعليق على الورقة أم تعليق على مسائل مطروحة أم تعليق على مسائل خلافية لا يخرج التعليق عن الآراء المعروفة للفقهاء؟ أنا لا أدري، هل هناك ضوابط؟ أرجو أن تهتم إدارة الجلسة بهذا، ونرجو بيان هذه الأولويات للسادة الحضور بيانا واضحا صريحا.
стр. 14474
النقطة السابعة: لم أفهم النقد الذي وجهه الدكتور سامي حمود لورقة الأستاذ الكبيسي لقد كان عرضه موجزا غير مفهوم مع أنه يدخل في اختصاصه واهتمامه.
النقطة الثامنة: حبذا لو حدد وقت أقصى لكل تعليق تعطى فيها الحرية للمعلق، وأن يراعى في التعليق ما له علاقة بالمسائل المطروحة وما يثير اهتمام جمهور الحضور؛ لأن الغرض أن الناس الذين حضروا هم متقاربون وعند التقارب والتنافس يحسن أن يكون هناك عدالة في توزيع الوقت.
النقطة التاسعة: القرض –وهذا تعليق على ما أبداه فضيلة الشيخ ابن منيع- الأصل فيه أنه صدقة وتبرع لا كما قال. ثم ورد هناك مصطلح آخر قد أثنى عليه الدكتور منذر القحف، وورد في ورقة الشيخ التسخيري – وأنا لم أطلع عليه- قال: حوض مضاربة، وأنا أقترح أن يكون وعاء مضاربة. وعاء أفضل من كلمة حوض، والله أعلم. تعليق أيضا على ما ذكره الشيخ التسخيري حول جوائز المودعين، وهذه المسألة كثيرا ما أقلقتني عندما كنت أقرأ التجربة الإيرانية هذه الجوائز قمار ولا ينفع فيها أن نقول: إن الأصل في الأشياء الإباحة أو الأصل في المعاملات الإباحة، بل الأصل هنا هو المنع؛ لأن الأمر متعلق بالجوائز ورسول الله ﷺ يقول: ((لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل)) . العبارة (لا، إلا) .
فالأصل في السبق والسبق كما تعلمون المقصود فيه والراجح عند العلماء أن المقصود هنا السبق بعوض (السبتي بفتح الباء) . فالأصل في الجوائز المنع فعلى من أجازها أن يبين لنا الدليل المقنع ويرد على الشبهات.
النقطة العاشرة: ورد في تعليق الشيخ العثماني –حفظه الله- مع تقديري له عندما كان يعرف المطلوبات وهذه مسألة محاسبية قال عبارة: يتيقن الحصول عليها.
ليس هناك تيقن يا أيها الإخوان، المعاملات التجارية مبنية على غلبة الظن بل على الظن. فكلمة (تيقن) كلمة غير مناسبة أنا لا أكره متيقنا من الحصول على الديون والمطلوبات.
стр. 14475
النقطة الحادية عشرة: حساب النمر. هذه ترجمة لكلمة numbers بالإنجليزية أو Daily product التي تقدمت. أنا لا أعلم حتى الآن وهذا يدخل في اختصاص علم الرياضيات المالية وهذه طريقة مقتبسة عن الغربيين في هذا العلم الذي طوروه هم، هي طريقة تقريبية عادلة ولكنهم يستخدمونها في حساب الفوائد ونحن نستخدمها في حساب الأرباح، ولا توجد طريقة حتى الآن –مع التقدير الكبير لما سمعته من الدكتور الضرير –أفضل منها، فأراها جائزة وعلى من أراد أن يلغيها أن يبين لنا طريقة أفضل منها.
النقطة الثانية عشرة: سحب الوديعة قبل المدة. سحب الوديعة قبل المدة –كما أشار إليه الدكتور الضرير- هذه قد تتخذ حيلة، فإذا ما شعر صاحب الوديعة أو اشتم أن هناك خسارة فإنه سيبادر إلى سحب وديعته وتكون وديعة مضمونة من ذلك الحساب الاحتياطي. وهذا الأمر فيه خطورة ويحتاج إلى بحث ولا يمكن التسليم به بكل سهولة.
الودائع التي اقترحها أن تكون في كل يوم في المصرف، أن تبدأ الوديعة في اليوم وأن تسحب بعد ستة أشهر في يوم معين هذا لا يلبي كل الأذواق وكل المعاملات التي نحتاج إليها. فلا بد من أن يكون هناك حسابات جارية والودائع في المصارف تدخل وتخرج في كل يوم، ومن الصعب الأخذ بهذه الاقتراحات.
النقطة الثالثة عشرة: أيضا كما ذكر الدكتور الضرير نظام الوحدات. قال: نظام الوحدات قد يغنينا عن حساب النمر ولكن لم يبين لنا ما هو مضمون هذا الحساب لعله أيضا على النمر. أنا لا أدري.
النقطة الرابعة عشرة: ضمان مال رب المال إذا كان من غير عامل المضاربة أي من طرف ثالث، هل يجوز؟ هذا سؤال موجه للدكتور الضرير وسائر العلماء الحضور المهتمين بهذا الموضوع.
النقطة الخامسة عشرة: الحساب الجاري أو الوديعة إذا جمدت، لماذا لا تأخذ حكم الرهن، فإنها مال محبوس يمنع صاحبه من السحب منه؟ أرجو النظر في هذه القضية.
وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14476
الدكتور سامي حسن حمود:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكرا يا سيادة الرئيس وأعانكم الله، إن تسامحتم لاموا وإن حزمتم ساموا.
وأحتفظ بدقائقي العشرة التي أعطيت متمثلا.
رئيس كريم وما يعطه
كريم المقام فإني رضيت
أبدأ في أخي الدكتور منذر وأشار إلى نقطتين هامتين هما:
النقطة الأولى: العدالة بالنسبة للحسابات الجارية. وهذه النقطة نقطة تنظيمية وليست نقطة فقهية لدى البنوك الإسلامية من إدخال حسابات التوفير، حسابات جارية استثمارية للشيكات وحسابات جارية ليست للشيكات ولكن للاستثمار ويكون فيها حق السحب، وكما تخفضت النسبة في التوفير إلى ٥٠ % فتعطى الحسابات الجارية من غير الشيكات ٣٠ % أو ٢٠ % بقدر ما يقدر ونتمنى على الله أن تصل البنوك المركزية للدول الإسلامية وهي في اجتماع قادم سأشارك فيه –إن شاء الله- إلى طريقة تنظيم؛ لأنه لا يجوز أن تبقى البنوك الإسلامية خارج نطاق التنظيم تختار لنفسها ما تشاء وإنما تنظم أمورها وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
النقطة الثانية: مسألة التنضيض. قيل تنضيض حكمي وتنضيض وهمي، والحقيقة التي نسير عليها، يعني الذي يقول: إنه يشتري المضاربة الطارئة الجديدة بحقوق المضاربة السابقة هذا هو التنضيض الوهمي. التنضيض الذي نتكلم فيه من واقع معرفتي كمحاسب قبل ثلاث وثلاثين سنة رئيس قسم محاسبة في المركز الرئيسي في البنك ... أريد أن يعرف الأعضاء أنني لو غششت الدنيا ما غششتكم، أن قضية المحاسبة –التي يسير عليها البنك الذي وضع نظامه بمعرفة لجنة الفتوى- هي مبنية على التحقيق في الأرباح، ليس هناك تنضيض حكمي في البنك الإسلامي الأردني وإن شاء الله هيئة المعايير تعلم هذه وتأخذ بها، كل عملية بعمليتها، ما يتم المحاسبة إليه في هذا العام من عمليات المضاربة والمشاركة والمرابحة تدخل، وما لم تتم تصفيته لا يفترض فيه ربح؛ لأن الربح المفترض من فهمي لقواعد الفقه الإسلامي التي أعتز بها أنه غير مقبول.
стр. 14477
أخي الدكتور علي السالوس أكتفي بشكره، وأخي الشيخ عبد الله بن منيع أشكره وأعلق. الحديث الذي تحدث فيه أكثر من شخص الذي قال إنه (كل قرض جر منفعة فهو ربا) الصحيح أني أرجو أن أعتذر من الذين قالوا: إنه لا يجوز لأحد أن يقلل من شأن القول الذي تلقته الأمة بالقبول. أقول: نعم، وأنا لا أقول بالتقليل ولكن أقول بالتبجيل، فإن مثل هذا القول الذي ينسب إلى رسول الله ﷺ لو أخذناه بالمفهوم، ورب مبلغ أوعى من سامع، هو الذي يقول، فأنا من المبلغين، هذا الذي يقول: (كل قرض جر منفعة فهو ربا) ، أقول: أي نفع؟ هل هو النفع المادي أو النفع المعنوي؟ إذا أقرضت شخصا وشكرني هو نفع. فالمقصود في الحديث –الذي يقال إنه حديث- النفع المادي، والنفع لمن؟ للمقرض، والنفع المادي المشروط؛ لأنه يجوز لي أن أوفي الدين بأخير منه (وخياركم أحسنكم قضاء) ، فكل هذه الإضافات لا تستقيم حسب فهمي المتواضع، لو قارنا ذلك بقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) . أضف كلمة واحدة: لا تستطيع، أوتي الكلم الطيب وأوتي أحسن الكلام فعندما وجدت هذه الإضافات التي يحتاجها القول دخلت في كتب الرواية وتعلمت فوجدت من يقول إن فيه ضعفا وإن ...
الرئيس:
يا أستاذ سامي اترك الحديث هو معروف بحثه ومستقر عند أهل الاختصاص في هذا المجمع فاترك الأمر. ليس بيننا خلاف فيه.
стр. 14478
الدكتور سامي حسن حمود:
طيب. القاضي العثماني ذكر عن نقطة ضمان الحسابات الجارية وتحميل ذلك على المساهمين والمودعين معا؛ لأن الغرم بالغنم. أيضا قضية تتصل بالمحاسبة. عندما نقول: إن الحسابات الجارية مضمونة على البنك فإن الربح الذي يدخله الجزء يخص هذه الحسابات الجارية هو للبنك، وعندما يتم التوزيع يتم التوزيع كالتالي: مجموع خلاصة حسابات الاستثمار في البنك يأخذ منها البنك أولا نصيبه كمضارب ٢٠ %، بقيت ٨٠ % الثمانون هي حق المال الذي دخل في الاستثمار فنأتي إلى هذا المالي من له في المال حق من المودعين المستثمرين؟ لهم نسبة ٥٠ % وللبنك ٢٠ % ورأس المال ٣٠ % من الأموال التي أخذها من الحسابات الجارية بالضمان فإذن له خمسون، فيأخذ بحصته أصلا في ملك وحصته تبعا في ضمان ويشارك بالمال، ومراعاة للعدالة قلنا: إن الأولوية تعطى للذين قدموا للاستثمار، فتعطى الأولوية في مراعاة حسابات الاستثمار للمستثمرين، وهذا هو الذي يزيح الإشكال. أما مسألة الظفر وتطبيقها على حسابات البنوك فليست القضية قضية تربص. البنك يحترم كلمته ويحترم عقوده، ولكن كونوا حذرين فكل فتح حساب يوقع عليه البنك والمدير يبتسم، هناك شروط تعطى للبنك بأن يقيد على حسابه المفتوح لديه كل ما يستحق للبنك على هذا الحساب. فإذا استحقت كمبيالة في موعدها أو جاءت عليه بوليصة –يكون تاجرا- فيقيدها البنك على الحساب ليس تربصا وظفرا ولكن بموجب الاتفاق المبتدأ. إذا كان الناس لا يقرؤون فالقانون لا يحمي المغفلين، ولكن هذه الشروط موجودة وتطبقها البنوك، وإذا لم يكن هذا النص قائما وموجودا فالبنك لا يملك أبدا أن يقيد على حسابي أي شيء وأورده بحكم القضاء.
وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،
الرئيس: شكرا.
لعلكم ترون أن نكتفي بهذا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في الواقع حرصت على أن تتألف اللجنة من الوجهات المتقابلة في البحوث والمناقشة، فتكون اللجنة كالآتي من أصحاب الفضيلة: العارض، المقرر، الشيخ الصديق، الشيخ علي السالوس، الشيخ تقي العثماني، الشيخ سعود الثبيتي، الدكتور القري ابن عيد.
وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 14479
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه
قرار رقم: ٩٠ / ٣ / د ٩
بشأن (الودائع المصرفية حسابات المصارف)
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١-٦ أبريل ١٩٩٥ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الودائع المصرفية (حسابات المصارف)
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،
قرر ما يلي
أولا: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها هو ملزم شرعا بالرد عند الطلب.
ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) ، مليئا.
ثانيا: إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين بحسب واقع التعامل المصرفي:
стр. 14480
أ - الودائع التي تدفع لها فوائد، كما هو الحال في البنوك الربوية، هي قروض ربوية محرمة سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) ، أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار، أم حسابات التوفير.
ب - الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعليا بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثمار على حصة من الربح هي رأس مال مضاربة، وتنطبق عليها أحكام المضاربة (القراض) في الفقه الإسلامي التي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة.
ثالثا: إن الضمان في الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) هو على المقترضين لها (المساهمين في البنوك) ما داموا ينفردون بالأرباح المتولدة من استثمارها، ولا يشترك في ضمان تلك الحسابات الجارية المودعون في حسابات الاستثمار؛ لأنهم لم يشاركوا في اقتراضها ولا استحقاق أرباحها.
رابعا: إن رهن الودائع جائز، سواء أكانت من الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) أم الودائع الاستثمارية، ولا يتم الرهن على مبالغها إلا بإجراء يمنع صاحب الحساب من التصرف فيه طيلة مدة الرهن. وإذا كان البنك الذي لديه الحساب الجاري هو المرتهن لزم نقل المبالغ إلى حساب استثماري؟ بحيث ينتفي الضمان للتحول من القرض إلى القراض (المضاربة) ويستحق أرباح الحساب صاحبه تجنبا لانتفاع المرتهن (الدائن) بنماء الرهن.
خامسا: يجوز الحجز من الحسابات إذا كان متفقا عليه بين البنك والعميل.
سادسا: الأصل في مشروعية التعامل الأمانة والصدق بالإفصاح عن البيانات بصورة تدفع اللبس أو الإيهام وتطابق الواقع وتنسجم مع المنظور الشرعي، ويتأكد ذلك بالنسبة للبنوك تجاه ما لديها من حسابات لاتصال عملها بالأمانة المفترضة ودفعا للتغرير بذوي العلاقة.
стр. 14481
الاستثمار في الأسهم
والوحدات والصناديق الاستثمارية
إعداد
الدكتور منذر قحف
المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب
البنك الإسلامي للتنمية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
يهدف هذا البحث إلى عرض موضوع الاستثمار في الأسهم والوحدات والصناديق الاستثمارية من الناحية التطبيقية الواقعية بحيث يمكن للمتخصصين في الشريعة تحقيق جوانبه ونواحيه؛ ليتمكنوا من تأسيس استنباط الحكم الشرعي المتعلق بها. وهو لا يهدف إلى اقتراح أية فتوى شرعية بل إلى طرح الأسئلة وعرض المسائل التي تحتاج إلى ذلك.
ويتألف البحث من ثلاثة أقسام يبحث القسم الأول التعريفات التي توطئ للموضوع فيعرف الاستثمار والادخار ويستعرض بسرعة المنهج الإسلامي للاستثمار وآثاره الجانبية وعلاقته بتحقيق المصالح والمنافع.
أما القسم الثاني فيدرس الاستثمار في الأسواق المالية.
فيستعرض أنواع الأوراق والحقوق التي يتاجر بها في هذه الأسواق، سواء أكانت تمثل حصصا ملكية، أم تمثل حقوقا مالية محددة، أم تمثل مديونية محضة، ثم يستعرض كيفية الاستثمار في الأوراق المالية وفي الوحدات والصناديق الاستثمارية ويشرح تفاصيل هذه العملية.
أما القسم الثالث فيستعرض الفتاوى الشرعية التي صدرت عن المجامع الفقهية الإسلامية وبخاصة مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، ثم يطرح مجموعة من المسائل يعتقد الباحث أنها تحتاج إلى تفصيل نظر وبيان للحكم الشرعي فيها.
والله الموفق وهو الهادي إلى السبيل.
стр. 14482
القسم الأول
مدخل وتعريف
معنى الاستثمار:
إذا كان المعنى اللغوي للاستثمار واضحا من اشتقاقه اللفظي – وهو طلب الثمر وللمال طلب زيادته- فإن كلمة استثمار يستعملها الناس بمعان متعددة.
فعند الاقتصاديين، الاستثمار هو أصلا الزيادة في الموجودات العينية أو السلع التي تستعمل في إنتاج سلع وخدمات أخرى. وهذه الموجودات والسلع التي تستعمل في إنتاج سلع وخدمات أخرى هي ما يعرف عند الاقتصاديين برأس المال. فالاستثمار هو إذن الزيادة في رأس المال وهو يشمل الزيادة في المباني، والآلات، والتجهيزات، والمخزون من المواد الأولية التي تستخدمها الوحدة الإنتاجية، كالمصنع مثلاً. ويميز الاقتصاديون بين الاستثمار الإجمالي والاستثمار الصافي، بحيث يكون الفرق بينهما هو المقدار التعويضي الذي يمثل ما يقابل ما هلك من رأس المال. فالاستثمار الصافي إذن هو زيادة الكمية الصافية في رأس المال بعد تعويض ما هلك منه، ويلاحظ من تعريف الاستثمار هذا ضرورة ربطه بفترة زمنية معينة؛ لأنه زيادة فتحسب عادة على أساس سنوي. والاستثمار قد يقوم به القطاع الحكومي أو الخاص، أو الخيري، فيقال: استثمار عام، وخاص، وخيري.
أما الماليون، فإنهم يتفقون مع الاقتصاديين على معنى الاستثمار، ولكنهم يضيفون إلى ذلك نوعاً جديداً من استعمال الأموال نشأ مع ظهور وتطور الشركات المساهمة والأسواق المنظمة لها. وهذا النوع هو الاستثمار في الأوراق المالية والتجارية.
فالاستثمار في الأوراق المالية والتجارية هو استعمال للمال في شراء صكوك، تمثل ديناً أو ملكية عين، وتدر دخلاً، قد يكون ثابتاً ومعروفاً مسبقاً، وقد يكون غير ثابت، أو غير معروف عند العقد.
وقد أضافت الصحافة المالية والاقتصادية توسعة أخرى لمعنى الاستثمار فاعتبرت استثماراً كل استعمال للمال بقصد الاستزادة منه. مما جعل كلمة استثمار تشمل –في عرف الصحافة- استعمال المال على سبيل الضمان عند الدخول في عقود الأسواق المنظمة للسلع، والعملات، وما يتبعها من مؤشرات Indexes وكذلك على سبيل ثمن الاختيارات Options على شراء أو بيع الأسهم والسلع والعملات، والإيداعات في المصارف الربوية، والمضاربات البحتة على أسعار الأراضي، وأقساط عقود التأمين على الحياة سواء أكان فيها شرط دفع مبلغ معين بعد عدد معين من السنوات إذا لم تحصل الوفاة، أم لا، وغير ذلك من استعمالات المال النقدي بقصد الاستزادة.
стр. 14483
أما مجمع اللغة العربية في مصر فقد اختار لكلمة استثمار "استخدام الأموال في الإنتاج، إما مباشرة بشراء الآلات والمواد الأولية، وإما بطريق غير مباشر كشراء الأسهم والسندات " (المعجم الوسيط، مادة ثمر) .
ولنلاحظ أن المعنى غير المباشر للاستثمار الذي أشار إليه مجمع اللغة العربية في مصر –وهو المعنى المالي للاستثمار- لا يؤدي بالضرورة إلى المعنى المباشر- أو الاقتصادي؛ لأن ذلك يعتمد على ما تمثله تلك الأسهم والسندات من موجودات وديون. وهناك حالة واحدة فقط من حالات كل من الأسهم والسندات تكون فيها الأسهم والسندات ممثلة "لشراء آلات ومواد أولية"، وهي عندما تكون الأسهم لإصدارات جديدة يقصد منها إنشاء وحدة إنتاجية جديدة أو توسيع وحدة قائمة، أو عندما تكون حصيلة بيع السندات معدة لإنشاء وحدة إنتاجية جديدة أو توسيع أخرى قائمة.
معنى الادخار:
وفي معرض الحديث عن الاستثمار لا بد من ذكر الادخار. فالادخار –عند الاقتصاديين والماليين على السواء- هو عزل جزء من الدخل عن الاستهلاك، أو هو امتناع عن الاستهلاك. ويلحظ ضمناً أن الجزء الذي لا يستهلك من الدخل يكون معداً ومهيأ للدخول في دورة النشاط الاقتصادي على شكل استثمار؛ لأن أهل الاقتصاد يفرقون عادة بين الادخار والاكتناز، ويعتبرون الاكتناز سحباً للمدخرات من النشاط الاقتصادي كأن تكون مخبأة عند صاحبها في بيته أو في صندوق خاص للأمانات لدى مصرف قريب.
وتتنافس البنوك والمؤسسات المالية وسائر الوسطاء الماليون على مدخرات الأفراد. فتسعى لاجتذاب أكبر كمية منها من خلال ما تعرضه من إغراءات مالية آنية، هي الفوائد، أو مستقبلية هي الأرباح المتوقعة ومنافع عقود –أو بوالص- التأمين: وهي تتبع في سياستها الإعلانية والدعائية الاستعمال الصحفي لكلمة الاستثمار فتطلق تعبير " شهادات الاستثمار " أو "شهادات الادخار" على سندات القرض التي تجمع من خلالها مدخرات أصحاب الدخول في المجتمع.
стр. 14484
المنهج الإسلامي في الاستثمار:
يتحدث الاقتصاديون المسلمون عن الاستثمار بمعنييه الاقتصادي والمالي. وقد نجد أحدهم ينتقل أحياناً من معنى إلى آخر دون أن يلاحظ أنه يفعل ذلك.
فالاستثمار هو زيادة في الطاقة الإنتاجية –للفرد وللمجتمع معاً- يمكن معها زيادة الإنتاج. ومثاله فعل الرسول ﷺ مع ذلك السائل، صاحب الحلس والقعب حيث أمره بشراء أداة استثمارية، هي القدوم، وبالعمل عليها في الاحتطاب. وكذلك فعله ﵊ مع الزبير بن العوام بإعطائه أرضاً لم تكن مزروعة، ليجري فيها الماء، ويزرعها. فشراء الآلة واستصلاح الأرض للزراعة أو زرعها عمليات استثمارية تزيد الطاقة الإنتاجية.
والإسلام إذ يشجع على الاستثمار، ويحث عليه، ويؤكد على التربية الروحية والنفسية والأخلاقية، التي تزيد في كفاءة الإنسان، وقدراته الإنتاجية، فلا يكون كلًّا، عاجزاً، لا يقدر على شيء، يضع أيضاً الضوابط القسط للاستثمار.
فيمنع أولاً الاستثمار فيما يؤدي إلى الحرام، فيحرم الاستثمار في إنتاج الخبائث من السلع والخدمات الضارة، كالخمر والمخدرات، والزنا وما يروجه. ويمنع ثانياً أن يترافق الاستثمار بأساليب محرمة كالرشوة، والكذب، والغش، والخداع، ويحذر ثالثاً من الإسراف والإتلاف وإضاعة الموارد.
ومن جهة أخرى، فإن الإسلام يشجع الاستثمار في إنتاج الطيبات، ويدعو الأفراد إلى المراعاة العامة لأولويات الأمة ومصالحها؛ لأن الاهتمام بأمور المسلمين واجب على المسلم في كل أموره، وأحواله.
والإسلام إنما يشجع الاستثمار؛ لأنه نشاط إنساني مفيد، يؤدي إلى زيادة الطيبات والخيرات، كما يؤدي إلى زيادة إعمار الأرض، وتحسينها وتجميلها.
وثمة مسألتان ينبغي إثارتهما هنا، تتعلقان بعملية زيادة الطاقة الإنتاجية، أو الاستثمار، وهما مسألة العبث، ومسألة الآثار الجانبية للاستثمار.
علاقة العبث بالاستثمار:
إن المنهج الإسلامي في الاستثمار يهدف إلى الاستزادة من الطيبات، وإعمار الأرض، والانتفاع بمواردها. ولكن هل يقبل الشرع الحنيف العمل الذي لا يهدف إلى مصلحة أو نفع؟ وهل يمكن أن تسخر لمثل هذا العمل العابث الموارد وتجند من أجله الطاقات؟ ولنأخذ على ذلك مثالاً، حفر حفرة ثم ملؤها بما أخرج منها من تراب، دون أن يكون لهذا العمل أي هدف من مصلحة أو نفع أو إحسان.
стр. 14485
فهل تسمح شريعتنا بهذا النوع من الاستثمار؟ وقد استنكر القرآن الكريم العبث في آيتين: إحداهما تتعلق بفعل العباد في استعمال الموارد الاقتصادية ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:] والأخرى تتعلق بتنزيه فعل الخالق ﵎ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
وقد ذكر الطبري في جامع البيان أن العبث هنا هو اللعب والباطل ووصفه محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل بأنه "ما كان بغير حكمة وما بني لا للحاجة إليه، بل لمجرد اللعب واللهو". ولا يخرج عن ذلك المعنى الفخر الرازي في تفسيره لهاتين الآيتين، بل إنه أضاف في رواية أن عاداً كانوا يهتدون بالنجوم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً، عبثاً؛ لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
فالعبث لا يصلح أساساً للمعاملات الشرعية. ولا يكون قاعدة يصح أن يتركز إليها الاسترباح. فليس لنا أن نعد كل عملية استرباح استثماراً سواء أكانت تحقق مصلحة أو منفعة، أم تمثل عبثاً محضاً. ولنضرب مثالاً متفقاً عليه حتى نوضح هذه القضية. فقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بحرمة بيع وشراء المؤشرات، وذلك بدورته السابعة عام ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢م؛ لأن المؤشر " شيء خيالي لا يمكن وجوده ". فالاسترباح بالمتاجرة بالمؤشر هو استرباح بالعبث وهو لذلك نوع من المقامرة، ولا يمكن أن نعتبر هذا الاسترباح عملية استثمارية على الرغم من أنه تستعمل فيها الأموال، وينتج عنها ربح لطرف وخسارة لآخر.
وإن المنهج الإسلامي للاستثمار يقوم على استعمال الأموال فيما يحقق مصالح الناس ويزيد من تمتعهم بالطيبات كمًّا ونوعاً، ولا يقوم على مجرد الاسترباح مهما كان هدفه وأيًّا كان موضوعه.
الآثار الجانبية للاستثمار:
إن كل عملية إنتاجية تتضمن نوعاً من أنواع التحويل من حالة المادة الأولية إلى حالة المنتوج النهائي. وإذا كان الاستثمار هو زيادة أدوات الإنتاج وآلاته وموارده، فإنه لا بد من التعرض للآثار الجانبية للإنتاج باعتبارها من آثار العملية الاستثمارية.
стр. 14486
والآثار الجانبية لكل عملية إنتاجية يمكن تقسيمها إلى نوعين:
١- الآثار التي يمكن لنظام السوق –في ظل إطار قانوني معين- أن يجعل المنتج يتحمل ثمنها. مثال ذلك المواد الأولية والمساعدة التي تستهلكها العملية الإنتاجية، فإن في استهلاكها إنقاصاً للموجود منها في السوق، ولكن هذا مما يدفع المنتج ثمنه، فيعمد إلى إدخال ذلك ضمن تكلفة الإنتاج، وبالتالي ضمن السعر الذي يراه لمبيعاته. ويتضمن هذا النوع من الآثار الجانبية أيضاً كل ما يستطيع المجتمع تحميله للمنتج من خلال إعادة تنظيم العلاقات القانونية لعملية الإنتاج. كأن يحمل المنتج تكاليف تنقية التلوث الذي يحدثه بعمله في الماء والهواء، بأن يفرض عليه استعمال أجهزة التنقية والتنظيف اللازمة قبل إخراج الماء والأبخرة والغازات من مسار العملية الإنتاجية.
٢- أما النوع الثاني من الآثار الجانبية فهو تلك الآثار التي لا يمكن تحميلها للمنتج، إما لعدم العلم بها عند الإنتاج نحو ما يكتشف بعد زمن طويل من آثار صحية أو بيئية، كما حصل بشأن مادة الإسبزتوس، وإما لعدم القدرة على تقدير ثمن تلك الآثار بسبب طبيعتها بحيث لا يمكن موضوعيًّا تقدير ثمنها. وهذا النوع من الآثار الجانبية يحتاج إلى قرار اجتماعي يتعلق بالأولويات الإنسانية لتحديد من الذي يتحمل عبء هذا النوع من الآثار، وبأية وسيلة.
مثال ذلك مصلحة الأجيال المستقبلية من المجتمع عندما تنصب عملية الإنتاج على مورد طبيعي قابل للنضوب، كالمعادن الدفينة في الأرض. وقد يكون سبب عدم تقدير ثمن هذه الآثار الجانبية عجز القرار الاجتماعي نفسه عن تحميل المنتج ثمن تلك الآثار، كما حصل في مسألة دفن النفايات النووية في بعض البلدان الفقيرة.
إن النوع الثاني من الآثار الجانبية للاستثمار يشمل كثيراً من التغييرات في البيئة الطبيعية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية مما يحتاج إلى التنبه له وأخذه في الحسبان عند دراسة المنهج الإسلامي في الاستثمار وتحديد ما يطيب منه وما لا يطيب.
стр. 14487
القسم الثاني
الاستثمار من خلال الأسواق المالية
يستزاد المال في الأسواق المالية، سواء أكانت منظمة أم غير منظمة، من خلال شراء وبيع أوراق وحقوق مالية، سنأتي على تفصيلها. ويكون العائد فيها ناشئاً إما عن ارتفاع سعر الورقة أو الحق في السوق، وإما عما يترتب على تملكها من إيرادات. أما الخسارة فتتأتى بسبب هبوط سعر الحق أو الورقة في السوق أو عن خسارة الشركة التي يمثل السهم ملكيتها في حالة الأسهم. وسنستعرض في هذا القسم: أ- أنواع الأوراق التي تتداول في الأسواق المالية. ب: آلية أو كيفية الاستثمار في هذه الأوراق.
أ- الأوراق والحقوق المتداولة في الأسواق المالية:
الأوراق والحقوق التي تتداول –عادة- في الأسواق على أنواع عديدة، يمكن حصرها في ثلاث مجموعات عامة هي:
١- مجموعة تمثل حصة مشاعة في ملكية شركات تتألف موجوداتها –عادة- من أعيان وحقوق ونقود وديون.
٢- مجموعة تمثل ملكية حقوق مالية محددة.
٣- مجموعة تمثل ديوناً محضة.
أولاً: الأوراق المالية والحقوق التي تمثل حصص ملكية.
تمثل هذه الأوراق والحقوق حصص ملكية مشاعة في شركات مساهمة أو في صناديق استثمارية. وهي على أنواع نذكرها فيما يلي:
١ - السهم:
وهو وثيقة تصدرها شركة مساهمة، تمثل حق ملكية حصة مشاعة في رأس مال الشركة وما يتبعه من حقوق، مما هو منصب على الموجودات الصافية للشركة وعلى إدارتها والرقابة عليها.
وقد نشأ السهم نتيجة عملية تحويل إلى أوراق مالية يطلق عليها باللغة الإنجليزية كلمة Securitization. وهي عبارة عن تمثيل الموجودات العينية والنقدية والحقوق المالية بأصول مالية ليست أكثر من أوراق أو وثائق مكتوب عليها أنها تمثل ملكية حصة مشاعة من رأس المال في شركة مساهمة. ومع مرور الزمن صار ينظر إلى هذه الوثائق، أو الأوراق، أو الأسهم نظرة مستقلة عما هي منصبة عليه من موجودات.
стр. 14488
فمع التطور القانوني الذي أوجد الشخصية المعنوية صار ينظر إلى نوعين من الملكية في الشركة المساهمة. فالشركة المساهمة، كشخصية اعتبارية، هي التي تملك جميع موجوداتها وحقوقها وتتصرف بها. يضاف إلى ذلك أن المساهمين يملكون –بمجموعهم- الشركة المساهمة نفسها. وكل واحد منهم يستطيع أن يتصرف فقط بما يملكه من وثائق (أو أسهم) ، وليس له أن يملك شيئاً من موجودات الشركة نفسها، أو يتصرف به تصرف المالك بملكه، ولا حتى حصة شائعة من هذه الموجودات.
وتتساوى الأسهم بالقيمة المكتوبة عليها التي يطلق عليها اسم القيمة الاسمية. وتكون ملكية صاحب السهم في الشركة مساوية لحصة تعادل نسبة القيمة الاسمية إلى مجموعة رأس المالي إذا كان مدفوعاً كله، وإلا فينظر إلى نسبة المدفوع من القيمة الاسمية للسهم إلى مجموع رأس المال المدفوع.
والأسهم نوعان عادي وممتاز. حيث تتساوى الأسهم العادية في جميع حقوقها وعلاقاتها مع الشركة، من حيث مشاركتها في الجمعية العمومية، والتصويت، والأرباح، وحقوقها عند تصفية الشركة، إلخ.
أما الأسهم الممتازة أسهم مفضلة عن الأسهم العادية في واحد أو أكثر مما هو من حقوق السهم. فقد يضمن لها حد أدنى من العائد، أو يضمن رأس مال السهم عند التصفية، أو تباع بأقل من قيمتها الاسمية عند الإصدار، أو تكون لها مزايا في التصويت والإدارة، أو تعطى أولوية على الأسهم العادية عند تصفية الشركة، وغير ذلك من المزايا والأسهم، بنوعيها، قابلة للبيع والشراء والانتقال من يد إلى أخرى بسائر أنواع المعاملات الناقلة للملكية أو الحيازة.
٢ - صكوك المضاربة:
وهي تمثل –بشكلها الذي أقره مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي - حصصاً شائعة في رأس مال مضاربة. وبما أن الفارق الأساسي بين حقوق أصحاب رأس المال في المضاربة وحقوق المساهمين في الشركة المساهمة هو ما يتعلق بالإدارة والتصويت في الجمعية العمومية، فإنه يمكن إطلاق تعبير "أسهم لا تشارك في الإدارة" على صكوك المضاربة هذه.
стр. 14489
وهي قليلة في التطبيق العملي. فقد استعملها مصرف إسلامي واحد من بين عدد يتجاوز الستين من المصارف الإسلامية. وهذا النوع من الأسهم التي ليس لها حق المشاركة في الإدارة معروف في الأنظمة الغربية. وقد نقلته كثير من القوانين العربية تحت اسم "شركات التوصية بالأسهم" حيث لا يحق لأصحاب الأسهم أن يشاركوا في الإدارة، بل تنحصر كلها بيد الشريك أو الشركاء المتضامنين.
وصكوك (أو أسهم) المضاربة قابلة للتداول أيضاً مثل غيرها من الأسهم.
٣ - أسهم الصناديق المغلقة للاستثمار في الأسهم والسندات:
وهي نوع من أنواع الأسهم، تختلف عن الأسهم في طبيعة عمل الشركة المساهمة فقط. لذلك أفردناها في عنوان خاص بها.
فالسهم يكون، في العادة لشركة تعمل في إنتاج السلع والخدمات، نحو شركات السيارات، وشركات الكهرباء، وشركات النقل، وشركات التأمين، وشركات المصارف، والشركات العقارية وغيرها.
أما صناديق الاستثمار المغلقة (١) فهي نوع من الشركات المساهمة تكون أعمالها تملك الأوراق المالية –باختلاف أنواعها- واسترباح من فروق أسعار بيعها عن أسعار شرائها ومن عوائدها التي توزع دورياً فهي تتضمن، إذن، مرحلتين من التحويل إلى أوراق مالية Securitization. حيث إن الأسهم والسندات وغيرها من الأوراق المالية، التي تتعامل بها صناديق الاستثمار، تمثل حصصاً في رأس مال شركات أخرى مالية وغير مالية أو ديوناً على أشخاص طبيعيين ومعنويين، في القطاعين العام أو الخاص. وذلك في حين تمثل أسهم الشركات العادية مرحلة واحدة من مراحل التحويل إلى أوراق مالية Securitization.
وهذه الأسهم هي أيضاً قابلة للتداول، بيعاً، وشراء، وغير ذلك.
стр. 14490
٤ - حصص الصناديق المفتوحة للاستثمار في الأسهم والسندات:
صناديق الاستثمار المفتوحة هي مثل صناديق الاستثمار المغلقة من حيث طبيعة أعمالها وما تتعامل به من أوراق مالية. وهي تختلف عن الصناديق المغلقة في أن رأس مال الصندوق المفتوح غير محدد مسبقاً. لذلك يستطيع صندوق الاستثمار المفتوح أن يقبل دخول وخروج المساهمين في أي وقت، فيتغير رأس مال الصندوق تبعاً لذلك. وينظم الصندوق على طريقة الحصص أو الوحدات Units فيكون سعر كل وحدة في الصندوق عند إنشائه مائة دولار مثلاً.
ثم تستثمر المبالغ المتجمعة في الصندوق في أوراق مالية متنوعة.
كما يستثمر ما يحصل من إيرادات ناشئة عن أرباح التداول أو عوائد الأوراق المالية. وتسعر موجودات الصندوق بصورة دورية، كل يوم أو كل أسبوع مثلاً، ويكون دخول وخروج المساهمين بسعر الوحدة عند الدخول أو الخروج. حيث يدفع المساهم الجديد ثمن عدد الوحدات التي يرغب بشرائها. أما المساهم المنسحب فتدفع له قيمة الوحدات التي يملكها من الصندوق نفسه.
٥ - حصص صناديق الاستثمار المتخصصة:
مع نمو الأسواق المالية تنوعت أشكال تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الاستعمالات المتعددة، مما أدى إلى ظهور عدد كبير من الصناديق المتخصصة للاستثمار. وهي تقوم بتجميع المدخرات من عدد كبير من الناس واستعمالها في أنواع محددة من العمليات بقصد تحقيق عائد للمدخرين.
فمن الصناديق ما يتخصص بالتنمية العقارية، فيقوم الصندوق بشراء مساحات من الأراضي، ثم تخطيطها، وتنظيمها توزيعها، وإيصال الخدمات العامة إليها، ثم بيعها، أو بنائها قبل بيعها. ومن صناديق التنمية العقارية ما يتخصص بتمويل المقاولات للمباني والإنشاءات، أو مشتري البيوت مباشرة، على طريقة الإقراض الربوي فقط.
стр. 14491
ومن الصناديق ما يتخصص بالمتاجرة بالعملات الأجنبية بيعاً وشراء ومنها ما يتخصص بتمويل عمليات شراء وبيع السلع.
كما أن من الصناديق ما يقتصر في عملياته على التمويل بالمرابحة حسب الطريقة الشرعية، ومنها ما يلتزم بعدم التعامل بالسندات المبنية على الفوائد، أو الربا.
وكذلك فإن من صناديق الاستثمار المتخصصة ما يكون مغلقاً بمعنى أن رأس ماله محدد عند إنشاء الصندوق ولا يقبل الزيادة فيه ولا الإنقاص منه طيلة مدة عمر الصندوق. ولكن كثيراً من الصناديق المغلقة تقبل حلول مالك جديد محل مالك قديم فيما يملكه من حصص. ويكون هذا التبادل عادة بالعسر المعلن دوريًّا للحصص أو الوحدات. ويوجد كذلك صناديق استثمار متخصصة مفتوحة تقبل دخول وخروج المساهمين في مواعيد دورية حسب أسعار الحصص أو الوحدات في هذه المواعيد.
وجميع أنواع الصناديق المشار إليها في الأرقام ٣ و٤ و٥ يكون تنظيمها على واحد من شكلين قانونيين هما شكل المضاربة وشكل الوكالة بأجر.
فإذا كان تنظيم الصندوق على طريقة المضاربة، تجد فيه للمدير –سواء أكان شخصاً طبيعيًّا أم شخصاً معنويًّا – حصة من الربح الذي يحققه الصندوق.
ومثال هذا النوع صندوق وحدات الاستثمار Investment Unit Trust الذي أسسه البنك الإسلامي للتنمية. وقد يعمد المضارب إلى اشتراط حق خلط ماله بمال المضاربة في هذا الصندوق. كما أنه قد يتعهد بقبول شراء ما يرغب الأعضاء في الصندوق ببيعه من حصصهم حسب أسعارها عند البيع.
أما شكل الوكالة بأجر –أو الإجارة - فيكون فيه للمدير أجر ثابت محسوب على أساس نسبة معينة من قيمة الصندوق في غرة كل شهر أو ثلاثة شهور مثلاً. وقلما يخلط المدير الأجير ماله بمال الصندوق.
стр. 14492
٦ - صكوك العقارات المؤجرة:
يمكن أن يمتلك العقار المؤجر من قبل شخص أو عدة أشخاص. فإذا ملكه أشخاص عديدون على سبيل الحصة المشاعة فيه، فإنه يمكن إصدار صكوك تمثل حصصاً مشاعة متساوية في ملكية العقار المؤجر. ولنسم هذه الوثائق " صكوك العقارات المؤجرة " أو " سندات الإجارة ".
فصكوك الإجارة إذن هي وثائق تثمل ملكية حصص مشاعة متساوية في عقار مؤجر. وهي تعطي صاحبها حق التملك، والحصول على الأجرة، والتصرف بملكه بما لا يضر بحقوق المستأجر، أي أنها قابلة للبيع والتداول لأنها تمثل ملكية كما يتحمل صاحب الصك ما يترتب على المالك من تبعات تتعلق بالعقار، فيتحمل هلاكه وصيانته مما لا يصح شرعاً الاتفاق على تحميله للمستأجر.
وصكوك الإجارة غير مستعملة الآن، ولكنها مطروحة كأحد الأوراق المالية الإسلامية التي يمكن قيامها على ضوء مبادئ الاقتصاد الإسلامي، لتمويل المشاريع الإنشائية في كل من القطاع الخاص والقطاع الحكومي.
ثانياً- الأوراق التي تمثل حقوقاً مالية محددة:
هناك عدد من الأوراق المالية الموجودة في الأسواق المالية، والتي تمثل حقوقاً مالية محدد، أي أنها لا تنصب على موجودات عينية.
وأهم هذه الأوراق المالية:
١- شهادة حق شراء سهم Warrant
وهي شهادة تصدرها الشركة المساهمة، إما لحملة الأسهم فيها، أو لأشخاص قدموا للشركة خدمات تستحق المكافأة، وهي تتضمن حق مالك الشهادة بشراء سهم (أو أكثر) من أسهم الشركة بسعر محدد، مبين في الشهادة نفسها، خلال فترة زمنية محددة. وغالباً ما تصدر هذه الشهادة عند زيادة رأس المال، وقد تصدر في الأيام الأولى من وجود الشركة المساهمة، وهي تصدر على كل حال في وقت يكون فيه سعر السهم في السوق أعلى من السعر المذكور فيها. وهذه الشهادة قابلة للبيع، بحيث يستطيع مالكها أن يمارس حقه في شراء السهم بالسعر المذكور ضمن المدة المضروبة.
стр. 14493
٢- الاختيارات Options
الاختيار وثيقة تمثل حقاً بشراء (أو بيع) سلعة معينة أو سهم معين خلال فترة معينة، أو في زمن معين. ويدفع الثمن مقابل هذا الالتزام. فلو كان الالتزام بالبيع دفع المشتري ثمن الاختيار، ولو كان الالتزام بالشراء دفع البائع الثمن.
وهذه الوثيقة قابلة للتداول أيضاً بحيث تباع وتشترى في الأسواق المنظمة، ويكون هنالك اختيارات بقدر ما يوجد من أسهم أو سلع في السوق المنظمة.
٣- أسهم التمتع:
أسهم التمتع هي أوراق مالية قابلة للتداول بيعًا وشراءً وغير ذلك من أشكال التداول. وهي تعطي صاحبها الحق في إيراد دوري مماثل لإيراد السهم العادي، ولكنها تختلف عن السهم العادي بأنه ليس لصاحبها أي حصة عند تصفية الشركة. ويمكن لأصحاب أسهم التمتع أن يحضروا الجمعية العمومية ويكون لهم فيها حق التصويت. وتمنح أسهم التمتع عادة من قبل الشركات التي تؤول موجوداتها للخروج عن ملكها بعقد امتياز من الدولة محدد بزمن معين، أو بنفاد معدن تستثمره، وتمنح على إثر إطفاء السهم العادي برد قيمته الاسمية لمالكه مع استمرار بقاء حقه في إيرادات الشركة الصافية. وهذه الأسهم قابلة للتداول أيضاً شأنها شأن الأسهم العادية.
ثالثاً- أوراق تمثل مديونية محضة:
وهي أوراق تنشأ نتيجة لقرض أو بيع (آجل أو سلم) . ويتعهد فيها المقترض أو المشتري بدفع مبلغ معين بتاريخ مضروب. وهي وثائق خطية تعبر عن المديونية. ويوجد منها في الأسواق المالية أنواع متعددة نذكر أصنافها فيما يلي:
١- سندات الحكومة:
وهي وثائق تصدر مقابل قروض تحصل عليها الحكومة وهي تمثل مديونية الحكومة للمقرض أو صاحب السند، ولها أنواع. فمنها ما هو قصير الأجل ومنها ما هو طويل الأجل. ومنها ما يوزع فوائد دورية، ومنها ما لا يوزع فوائد وإنما يباع عند الإصدار بخصم يعادل الفوائد، كما أن منها ما تصدره الخزانة العامة، ومنها ما تصدره جهات حكومية أخرى كالبلديات أو الحكومات المحلية أو البنك المركزي.
وهي في العادة قابلة للتداول بالبيع. وأهم ما يؤثر على سعرها في السوق عاملان هما: مقدار الفائدة التي تلتزم الحكومة بدفعها في السند، وسعر الفائدة السائد في السوق، إضافة إلى القيمة الاسمية للسند وتاريخ استحقاقه.
стр. 14494
وتتخذ هذه السندات أسماء متعددة. فمنها ما يسمى سندات الحكومة، ومنها ما يسمى أذونات الخزينة، أو سندات الاستثمار، أو شهادات الادخار أو شهادات الاستثمار. ومنها ما يسمى بسندات البلديات أو سندات الحكومات المحلية حسب الجهة المصدرة لها.
وتستعمل الحكومة –أو الجهة الحكومية المقترضة - حصيلة السندات لأغراض متعددة. قد تذكر على السند وقد لا تذكر. كما قد تصدر السندات لأغراض عامة مثل تمويل عجز الميزانية أو لأغراض خاصة مثل تمويل مجموع المشاريع التنموية أو تمويل مشروع محدد بعينه. وكثيرا ما تعتمد الحكومة إلى إنشاء مؤسسة عامة مملوكة للدولة تتخصص في إصدار أنواع من سندات وشهادات القرض بأسماء متعددة
وشروط متفاوتة بقصد تلبية الرغبات المتنوعة للناس باستجلاب أكبر قدر من القروض وقد تخصص مؤسسة حكومية معينة لاستجلاب قروض تستعمل حصيلتها في المشاريع التنموية للحكومة فقط.
٢- سندات الشركة:
تسمح القوانين عادة للشركات بإصدار سندات مقابل قروض تحصل عليها من الناس. ولها أنواع عديدة أيضاً حسب طريقة دفع الفوائد وأجل القرض وغير ذلك. وهي جميعها تتسم بأنها وثائق تمثل مديونية الشركة تجاه صاحب السند، وتعبر عن التزام الشركة المدينة بدفع القيمة الاسمية للسند عند استحقاقه والفوائد المترتبة عليه في مواعيدها. وكثيراً ما يدعم القرض برهن أو ضمان. ويتم تداولها بالبيع مثل سندات الحكومة.
٣- الأوراق التجارية:
وهي وثائق تمثل مديونية نشأت عن بيع أو التزام تجاري آخر نحو الضمان. ولها نوعان رئيسان: أحدهما يحرره المدين للدائن والآخر يطلب فيه الدائن من المدين دفع مبلغ الدين لطرف ثالث هو المستفيد (ويكون عادة دائناً للدائن) الذي يمكن أن يكون الدائن نفسه.
ويتم تداول هذه الأوراق بالبيع بسعر يقل عن قيمتها الاسمية بمقدار الفوائد المحسوبة عن الفترة التي تفصل بين تاريخ البيع وتاريخ الاستحقاق. وعندما تباع الورقة التجارية لمصرف يسمى ذلك عادة خصماً أو حسماً لها، كما يمكن لمشتريها أن يعيد بيعها، أو يعيد حسمها.
стр. 14495
٤- سندات السلم:
وهي سندات تمثل ديناً عينيًّا بمقدار محدد من سلعة موصوفة بدقة كالبترول مثلاً. وقد اقترحها بعض الكتاب لتمويل الحكومة.
وبما أن أسعار البترول خاضعة للتغيرات السوقية فإن القيمة النقدية للسند تتغير تبعاً لذلك. أما قابلية السند للتداول فتعتمد على جواز بيع دين السلم قبل قبضه، وهي مسألة خلافية معروفة.
٥- سندات الخدمات:
وهي سندات اقترحها بعض الكتاب لتمويل قطاع الخدمات نحو الهاتف والنقل والتعليم. وهي تستند إلى الإجارة الموصوفة بالذمة. فيمثل السند ديناً بخدمة محددة معلقة على المستقبل نحو نقل شخص مسافة معينة في زمن لاحق، أو عدد من دقائق الخدمة الهاتفية الداخلية، أو الخارجية المحددة، أو التعليم الجامعي لمادة دراسية محددة، أو غير ذلك من الخدمات.
وتصدر الجهات المقدمة لهذه الخدمات سندات خدمات تتعهد بموجبها بتقديم الخدمة الموصوفة في زمن معين في المستقبل وتقوم ببيع السندات بأسعار تستجلب إقبال الناس على شرائها.
وهذه السندات قابلة للتداول. أما أسعارها في السوق فتحدد حسب قوى العرض والطلب، وأهم ما يؤثر عليها الأسعار الجارية للخدمات المماثلة التي تقدم في وقت البيع، والتوقعات المتعلقة بأسعار هذه الخدمات في المستقبل.
ب- آلية الاستثمار في الأوراق المالية والوحدات الاستثمارية
يتم الاسترباح بالأسهم والسندات وغيرها من الأوراق والحقوق المالية والصناديق والوحدات الاستثمارية بشرائها من خلال الأسواق المنظمة أو غير المنظمة، ثم التربص انتظاراً للحصول على عوائدها، وارتفاع أسعارها لبيعها بالسعر الأعلى. وتشترى هذه الأسهم والأوراق إما مباشرة من أصحابها، وإما بواسطة وسطاء يحصلون على أجور لقاء وساطتهم.
١- ففي سندات الحكومة وسندات الشركات يحصل مالك السند على الفوائد المحددة التي التزم المقترض بدفعها دوريًّا. ويرجع ارتفاع سعر السند (أو انخفاضه) إلى انخفاض (أو ارتفاع) معدل الفائدة السائد والمتوقع في السوق، فيجني المالك –عند البيع - الزيادة في السعر إذا ارتفع، أو يتحمل نقصانه إذا انخفض.
٢- وفي الأوراق التجارية والسندات التي لا توزع فوائد (Zero Coupon Bonds) يحصل مالك الورقة أو السند –عند البيع- على ثمنها في السوق المالية. ويختلف هذا الثمن عما دفعه المالك عند حصوله على الورقة أو السند بتأثير عاملين رئيسيين اثنين هما ما مضى من الزمن بين الشراء والبيع والفرق في معدل الفائدة بين وقت الشراء ووقت البيع، يضاف إليهما ما يتعلق بالتوقعات حول التغيرات المستقبلية في معدل الفائدة والفرص البديلة والظروف العامة للسوق المالية.