ومن الصناديق ما يتخصص بالمتاجرة بالعملات الأجنبية بيعاً وشراء ومنها ما يتخصص بتمويل عمليات شراء وبيع السلع.
كما أن من الصناديق ما يقتصر في عملياته على التمويل بالمرابحة حسب الطريقة الشرعية، ومنها ما يلتزم بعدم التعامل بالسندات المبنية على الفوائد، أو الربا.
وكذلك فإن من صناديق الاستثمار المتخصصة ما يكون مغلقاً بمعنى أن رأس ماله محدد عند إنشاء الصندوق ولا يقبل الزيادة فيه ولا الإنقاص منه طيلة مدة عمر الصندوق. ولكن كثيراً من الصناديق المغلقة تقبل حلول مالك جديد محل مالك قديم فيما يملكه من حصص. ويكون هذا التبادل عادة بالعسر المعلن دوريًّا للحصص أو الوحدات. ويوجد كذلك صناديق استثمار متخصصة مفتوحة تقبل دخول وخروج المساهمين في مواعيد دورية حسب أسعار الحصص أو الوحدات في هذه المواعيد.
وجميع أنواع الصناديق المشار إليها في الأرقام ٣ و٤ و٥ يكون تنظيمها على واحد من شكلين قانونيين هما شكل المضاربة وشكل الوكالة بأجر.
فإذا كان تنظيم الصندوق على طريقة المضاربة، تجد فيه للمدير –سواء أكان شخصاً طبيعيًّا أم شخصاً معنويًّا – حصة من الربح الذي يحققه الصندوق.
ومثال هذا النوع صندوق وحدات الاستثمار Investment Unit Trust الذي أسسه البنك الإسلامي للتنمية. وقد يعمد المضارب إلى اشتراط حق خلط ماله بمال المضاربة في هذا الصندوق. كما أنه قد يتعهد بقبول شراء ما يرغب الأعضاء في الصندوق ببيعه من حصصهم حسب أسعارها عند البيع.
أما شكل الوكالة بأجر –أو الإجارة - فيكون فيه للمدير أجر ثابت محسوب على أساس نسبة معينة من قيمة الصندوق في غرة كل شهر أو ثلاثة شهور مثلاً. وقلما يخلط المدير الأجير ماله بمال الصندوق.
стр. 14492
٦ - صكوك العقارات المؤجرة:
يمكن أن يمتلك العقار المؤجر من قبل شخص أو عدة أشخاص. فإذا ملكه أشخاص عديدون على سبيل الحصة المشاعة فيه، فإنه يمكن إصدار صكوك تمثل حصصاً مشاعة متساوية في ملكية العقار المؤجر. ولنسم هذه الوثائق " صكوك العقارات المؤجرة " أو " سندات الإجارة ".
فصكوك الإجارة إذن هي وثائق تثمل ملكية حصص مشاعة متساوية في عقار مؤجر. وهي تعطي صاحبها حق التملك، والحصول على الأجرة، والتصرف بملكه بما لا يضر بحقوق المستأجر، أي أنها قابلة للبيع والتداول لأنها تمثل ملكية كما يتحمل صاحب الصك ما يترتب على المالك من تبعات تتعلق بالعقار، فيتحمل هلاكه وصيانته مما لا يصح شرعاً الاتفاق على تحميله للمستأجر.
وصكوك الإجارة غير مستعملة الآن، ولكنها مطروحة كأحد الأوراق المالية الإسلامية التي يمكن قيامها على ضوء مبادئ الاقتصاد الإسلامي، لتمويل المشاريع الإنشائية في كل من القطاع الخاص والقطاع الحكومي.
ثانياً- الأوراق التي تمثل حقوقاً مالية محددة:
هناك عدد من الأوراق المالية الموجودة في الأسواق المالية، والتي تمثل حقوقاً مالية محدد، أي أنها لا تنصب على موجودات عينية.
وأهم هذه الأوراق المالية:
١- شهادة حق شراء سهم Warrant
وهي شهادة تصدرها الشركة المساهمة، إما لحملة الأسهم فيها، أو لأشخاص قدموا للشركة خدمات تستحق المكافأة، وهي تتضمن حق مالك الشهادة بشراء سهم (أو أكثر) من أسهم الشركة بسعر محدد، مبين في الشهادة نفسها، خلال فترة زمنية محددة. وغالباً ما تصدر هذه الشهادة عند زيادة رأس المال، وقد تصدر في الأيام الأولى من وجود الشركة المساهمة، وهي تصدر على كل حال في وقت يكون فيه سعر السهم في السوق أعلى من السعر المذكور فيها. وهذه الشهادة قابلة للبيع، بحيث يستطيع مالكها أن يمارس حقه في شراء السهم بالسعر المذكور ضمن المدة المضروبة.
стр. 14493
٢- الاختيارات Options
الاختيار وثيقة تمثل حقاً بشراء (أو بيع) سلعة معينة أو سهم معين خلال فترة معينة، أو في زمن معين. ويدفع الثمن مقابل هذا الالتزام. فلو كان الالتزام بالبيع دفع المشتري ثمن الاختيار، ولو كان الالتزام بالشراء دفع البائع الثمن.
وهذه الوثيقة قابلة للتداول أيضاً بحيث تباع وتشترى في الأسواق المنظمة، ويكون هنالك اختيارات بقدر ما يوجد من أسهم أو سلع في السوق المنظمة.
٣- أسهم التمتع:
أسهم التمتع هي أوراق مالية قابلة للتداول بيعًا وشراءً وغير ذلك من أشكال التداول. وهي تعطي صاحبها الحق في إيراد دوري مماثل لإيراد السهم العادي، ولكنها تختلف عن السهم العادي بأنه ليس لصاحبها أي حصة عند تصفية الشركة. ويمكن لأصحاب أسهم التمتع أن يحضروا الجمعية العمومية ويكون لهم فيها حق التصويت. وتمنح أسهم التمتع عادة من قبل الشركات التي تؤول موجوداتها للخروج عن ملكها بعقد امتياز من الدولة محدد بزمن معين، أو بنفاد معدن تستثمره، وتمنح على إثر إطفاء السهم العادي برد قيمته الاسمية لمالكه مع استمرار بقاء حقه في إيرادات الشركة الصافية. وهذه الأسهم قابلة للتداول أيضاً شأنها شأن الأسهم العادية.
ثالثاً- أوراق تمثل مديونية محضة:
وهي أوراق تنشأ نتيجة لقرض أو بيع (آجل أو سلم) . ويتعهد فيها المقترض أو المشتري بدفع مبلغ معين بتاريخ مضروب. وهي وثائق خطية تعبر عن المديونية. ويوجد منها في الأسواق المالية أنواع متعددة نذكر أصنافها فيما يلي:
١- سندات الحكومة:
وهي وثائق تصدر مقابل قروض تحصل عليها الحكومة وهي تمثل مديونية الحكومة للمقرض أو صاحب السند، ولها أنواع. فمنها ما هو قصير الأجل ومنها ما هو طويل الأجل. ومنها ما يوزع فوائد دورية، ومنها ما لا يوزع فوائد وإنما يباع عند الإصدار بخصم يعادل الفوائد، كما أن منها ما تصدره الخزانة العامة، ومنها ما تصدره جهات حكومية أخرى كالبلديات أو الحكومات المحلية أو البنك المركزي.
وهي في العادة قابلة للتداول بالبيع. وأهم ما يؤثر على سعرها في السوق عاملان هما: مقدار الفائدة التي تلتزم الحكومة بدفعها في السند، وسعر الفائدة السائد في السوق، إضافة إلى القيمة الاسمية للسند وتاريخ استحقاقه.
стр. 14494
وتتخذ هذه السندات أسماء متعددة. فمنها ما يسمى سندات الحكومة، ومنها ما يسمى أذونات الخزينة، أو سندات الاستثمار، أو شهادات الادخار أو شهادات الاستثمار. ومنها ما يسمى بسندات البلديات أو سندات الحكومات المحلية حسب الجهة المصدرة لها.
وتستعمل الحكومة –أو الجهة الحكومية المقترضة - حصيلة السندات لأغراض متعددة. قد تذكر على السند وقد لا تذكر. كما قد تصدر السندات لأغراض عامة مثل تمويل عجز الميزانية أو لأغراض خاصة مثل تمويل مجموع المشاريع التنموية أو تمويل مشروع محدد بعينه. وكثيرا ما تعتمد الحكومة إلى إنشاء مؤسسة عامة مملوكة للدولة تتخصص في إصدار أنواع من سندات وشهادات القرض بأسماء متعددة
وشروط متفاوتة بقصد تلبية الرغبات المتنوعة للناس باستجلاب أكبر قدر من القروض وقد تخصص مؤسسة حكومية معينة لاستجلاب قروض تستعمل حصيلتها في المشاريع التنموية للحكومة فقط.
٢- سندات الشركة:
تسمح القوانين عادة للشركات بإصدار سندات مقابل قروض تحصل عليها من الناس. ولها أنواع عديدة أيضاً حسب طريقة دفع الفوائد وأجل القرض وغير ذلك. وهي جميعها تتسم بأنها وثائق تمثل مديونية الشركة تجاه صاحب السند، وتعبر عن التزام الشركة المدينة بدفع القيمة الاسمية للسند عند استحقاقه والفوائد المترتبة عليه في مواعيدها. وكثيراً ما يدعم القرض برهن أو ضمان. ويتم تداولها بالبيع مثل سندات الحكومة.
٣- الأوراق التجارية:
وهي وثائق تمثل مديونية نشأت عن بيع أو التزام تجاري آخر نحو الضمان. ولها نوعان رئيسان: أحدهما يحرره المدين للدائن والآخر يطلب فيه الدائن من المدين دفع مبلغ الدين لطرف ثالث هو المستفيد (ويكون عادة دائناً للدائن) الذي يمكن أن يكون الدائن نفسه.
ويتم تداول هذه الأوراق بالبيع بسعر يقل عن قيمتها الاسمية بمقدار الفوائد المحسوبة عن الفترة التي تفصل بين تاريخ البيع وتاريخ الاستحقاق. وعندما تباع الورقة التجارية لمصرف يسمى ذلك عادة خصماً أو حسماً لها، كما يمكن لمشتريها أن يعيد بيعها، أو يعيد حسمها.
стр. 14495
٤- سندات السلم:
وهي سندات تمثل ديناً عينيًّا بمقدار محدد من سلعة موصوفة بدقة كالبترول مثلاً. وقد اقترحها بعض الكتاب لتمويل الحكومة.
وبما أن أسعار البترول خاضعة للتغيرات السوقية فإن القيمة النقدية للسند تتغير تبعاً لذلك. أما قابلية السند للتداول فتعتمد على جواز بيع دين السلم قبل قبضه، وهي مسألة خلافية معروفة.
٥- سندات الخدمات:
وهي سندات اقترحها بعض الكتاب لتمويل قطاع الخدمات نحو الهاتف والنقل والتعليم. وهي تستند إلى الإجارة الموصوفة بالذمة. فيمثل السند ديناً بخدمة محددة معلقة على المستقبل نحو نقل شخص مسافة معينة في زمن لاحق، أو عدد من دقائق الخدمة الهاتفية الداخلية، أو الخارجية المحددة، أو التعليم الجامعي لمادة دراسية محددة، أو غير ذلك من الخدمات.
وتصدر الجهات المقدمة لهذه الخدمات سندات خدمات تتعهد بموجبها بتقديم الخدمة الموصوفة في زمن معين في المستقبل وتقوم ببيع السندات بأسعار تستجلب إقبال الناس على شرائها.
وهذه السندات قابلة للتداول. أما أسعارها في السوق فتحدد حسب قوى العرض والطلب، وأهم ما يؤثر عليها الأسعار الجارية للخدمات المماثلة التي تقدم في وقت البيع، والتوقعات المتعلقة بأسعار هذه الخدمات في المستقبل.
ب- آلية الاستثمار في الأوراق المالية والوحدات الاستثمارية
يتم الاسترباح بالأسهم والسندات وغيرها من الأوراق والحقوق المالية والصناديق والوحدات الاستثمارية بشرائها من خلال الأسواق المنظمة أو غير المنظمة، ثم التربص انتظاراً للحصول على عوائدها، وارتفاع أسعارها لبيعها بالسعر الأعلى. وتشترى هذه الأسهم والأوراق إما مباشرة من أصحابها، وإما بواسطة وسطاء يحصلون على أجور لقاء وساطتهم.
١- ففي سندات الحكومة وسندات الشركات يحصل مالك السند على الفوائد المحددة التي التزم المقترض بدفعها دوريًّا. ويرجع ارتفاع سعر السند (أو انخفاضه) إلى انخفاض (أو ارتفاع) معدل الفائدة السائد والمتوقع في السوق، فيجني المالك –عند البيع - الزيادة في السعر إذا ارتفع، أو يتحمل نقصانه إذا انخفض.
٢- وفي الأوراق التجارية والسندات التي لا توزع فوائد (Zero Coupon Bonds) يحصل مالك الورقة أو السند –عند البيع- على ثمنها في السوق المالية. ويختلف هذا الثمن عما دفعه المالك عند حصوله على الورقة أو السند بتأثير عاملين رئيسيين اثنين هما ما مضى من الزمن بين الشراء والبيع والفرق في معدل الفائدة بين وقت الشراء ووقت البيع، يضاف إليهما ما يتعلق بالتوقعات حول التغيرات المستقبلية في معدل الفائدة والفرص البديلة والظروف العامة للسوق المالية.
стр. 14496
٣- وفي الأسهم، يميز عادة بين الأسهم التي تقتنى لإيراداتها وبين تلك التي تقتنى من أجل بيعها بسعر أعلى. وتوزع الشركات المساهمة أرباحاً على المساهمين مستخلصة من الواقع الفعلي لنتائج أعمالها، مع تعديلات يراها مجلس الإدارة عادة بزيادة نسبة التوزيع أو إنقاصه، مستعملاً في ذلك إما بعض أنواع الاحتياطيات المجمعة لدى الشركة أو حساب الأرباح المحتجزة، وهي كلها من حقوق المساهمين على كل حال وكثيراً ما يتم توزيع دفعات ثابتة كل ثلاثة أشهر تعتبر بمثابة سلف على الأرباح يتم تسويتها عند ظهور النتائج السنوية لأعمال الشركة والمصادقة عليها.
أما سعر السهم في السوق فيتأثر بعوامل كثيرة جدًّا تتجلى في التغيرات بالعرض والطلب على السهم. ومن هذه العوامل ما هو حقيقي يتعلق بنشاط الشركة وإنجازاتها وأرباحها الفعلية ومشروعاتها الإنمائية.
ومنها ما يتعلق بتقويم الخبراء لأعمال الشركة ومستقبلها حيث توجد في كثير من الدول مؤسسات تقويم تنشر تقارير عن الشركات وإنجازاتها.
ومنها كذلك ما يعود إلى ما ينشر من الأصدقاء أو الأعداء وغيرهم من ذوي المصالح من إشاعات حول الشركة وإدارتها ومستقبل أعمالها. ومن هذه العوامل أيضاً ما يتعلق بالفرص البديلة المتوافرة في السوق، ومنها كذلك ما يتعلق بالظروف الاقتصادية والسياسية العامة المحلية والإقليمية والعالمية. كما يتأثر العرض والطلب بعوامل نفسية وثقافية وبيئية كثيرة منها الطقس، والغيوم والجفاف، والتصحر، والمكتشفات والمخترعات العلمية وغير ذلك.
ويكون الاسترباح بالأسهم بالحصول على إيراداتها في مواعيد توزيعها وبتحصيل الزيادة في أسعارها عند بيعها بأسعار أعلى من أسعار شرائها. ومن مالكي الأسهم من يقتنيها لوقت طويل نسبيًّا فيكون اهتمامه بأرباحها السنوية أكثر من اهتمامه بتغير أسعارها في السوق، ومنهم من يلهث وراء التغيرات في السوق فينصب جل اهتمامه على الاسترباح بفروق الأسعار، مما يجعل سوق الأسهم كثير التغير حتى إنه ليوصف بالتطاير (Volatility) .
٤- وفي أسهم الصناديق التبادلية والصناديق الاستثمارية المغلقة التي يتم تداولها في الأسواق، يكون الاسترباح بارتفاع سعر السهم فقط لأن هذه الصناديق لا توزع أرباحاً، وإنما ترتفع قيمة السهم بارتفاع قيمة محفظتها المالية وتنخفض بانخفاضها.
٥- ومثل أسهم الصناديق المغلقة الحصص والوحدات في صناديق الاستثمار المفتوحة المختلفة الأنواع. إذ لا تقوم هذه الصناديق بتوزيع أرباح –في العادة- وإنما ترتفع قيمة الحصة أو الوحدة (أو تنخفض) بارتفاع (أو هبوط) قيمة محفظتها المالية. ويستربح مالك الحصة أو الوحدة باسترداد قيمة حصته أو وحدته عندما يراها مرتفعة. أما الصناديق المغلقة غير ذات الأسهم فإنها تتطلب التربص حتى تاريخ انتهاء الصندوق نفسه حيث توزع على أصحاب الحصص أو الوحدات حصيلة تصفية المحفظة المالية للصندوق فيتحقق الربح (أو تحصل الخسارة) عندئذ.
стр. 14497
القسم الثالث
القضايا الشرعية التي يثيرها الاستثمار
في الأسهم والوحدات الاستثمارية
سأستعرض في جزء من هذا القسم الفتاوى الصادرة حول موضوع البحث ثم أذكر القضايا التي أعتقد أنها تحتاج إلى بيان موقف الشريعة منها من خلال الجهود المجمعية للفقهاء المعاصرين.
أ- الفتاوى المعاصرة حول الأسهم والوحدات الاستثمارية
١ - فتاوى مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي:
- الزيادة أو الفائدة، مقابل تأجيل دين حل، أو على القرض منذ بداية العقد، ربا محرم شرعاً (قرار رقم –١٠- دورة المؤتمر الثاني، عام ١٤٠٦، وقرار رقم –١- دورة المؤتمر الثالث، عام ١٤٠٧هـ) .
- تجب الزكاة في الأسهم على أصحابها، وتخرج الشركة الزكاة نيابة عنهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله من حيث نوع المال الذي يجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي فإذا لم تخرجها الشركة وأخرج الزكاة أصحابها، فإن الأسهم المقصودة لريعها لا تجب فيها الزكاة بل في الريع بشروطه. أما الأسهم المقصودة للتجارة فتزكى زكاة عروض التجارة (القرار رقم –٣- دورة المؤتمر الرابع، عام ١٤٠٨ هـ) .
- أسهم المقارضة جائزة بشروطها الشرعية التي ذكرها قرار المجمع (القرار رقم –٥-، دورة المؤتمر الرابع، عام ١٤٠٨ هـ) .
- يجوز تداول أسهم المقارضة إذا غلبت الأعيان والمنافع على مال القراض فإن غلبت النقود أو الديون كان التداول حسب الأحكام الشرعية التي تراعي الشروط الشرعية لتداول النقود أو الديون (القار رقم –٥- دورة المؤتمر الرابع، عام ١٤٠٨ هـ) .
- لا يجوز ضمان المضارب لرأس مال المضاربة أو ربحه (القرار رقم –٥- دورة المؤتمر الرابع، عام ١٤٠٨ هـ) .
стр. 14498
- السندات التي تمثل التزامات بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول؛ لأنها قروض ربوية، سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة.
ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية، أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً (القرار رقم ٦٢/١١/٦ دورة المؤتمر السادس، عام ١٤١٠ هـ) .
- تحرم السندات ذات الكوبون الصفري Zero Coupon Bonds باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية (القرار رقم ٦٢/١١/٦ دورة المؤتمر السادس، عام ١٤١٠ هـ) .
- تحرم السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضاً اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم، لا على التعيين، فضلاً عن شبهة القمار (القرار رقم ٦٢/١١/٦ دورة المؤتمر السادس، عام ١٤١٠ هـ) .
- تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة وذات مسؤولية محددة أمر جائز، ويحرم الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، والأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة (القرار رقم ٦٥/١/٧، دورة المؤتمر السابع، عام ١٤١٢ هـ) .
- لا مانع شرعا من إصدار أسهم للحامل وتداولها (القرار رقم ٦٥/١/٧، دورة المؤتمر السابع، عام ١٤١٢ هـ) .
- لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال، أو ضمان قدر من الربح، أو تقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح. ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية أو الإدارية (القرار رقم ٦٥/١/٧، دورة المؤتمر السابع، عام ١٤١٢ هـ) .
стр. 14499
- يجوز بيع السهم أو رهنه بشروطه (القرار رقم ٦٥/١/٧، دورة المؤتمر السابع، عام ١٤١٢ هـ) .
- عقود الاختيارات غير جائزة لأن المعقود عليه ليس مالاً، ولا منفعة، ولا حقًّا ماليًّا يجوز الاعتياض عنه (القرار رقم ٦٥/١/٧، دورة المؤتمر السابع، عام ١٤١٢ هـ) .
- إن حسم (خصم) الأوراق التجارية غير جائز شرعاً؛ لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم (القرار رقم ٦٦/٢/٧، دورة المؤتمر السابع، عام ١٤١٢ هـ) و (ندوة البركة الأولى، الفتوى رقم ١٢) .
٢ - فتاوى ندوات البركة:
- الأصل جواز بيع حصة في عين تخول المشتري الحق في الأرباح النقدية المتحققة، أو الأرباح المحققة نتيجة لارتفاع قيمة العين (ندوة البركة الأولى، الفتوى رقم ١١) .
- يجوز للبنك الإسلامي الذي يملك نسبة عالية من رأس مال شركة أن يعرض إيجاباً عامًّا بشراء حصص فيها أو أسهمها (ندوة البركة الثانية – الفتوى رقم ٦) .
٣ - فتاوى أخرى:
- أذون الخزانة وسندات التنمية التي تصدرها الدولة بمعدل فائدة ثابت من باب القرض بفائدة، وقد حرمت الشريعة القروض ذات الفائدة المحددة أيًّا كان المقرض أو المقترض؛ لأنها من باب الربا المحرم شرعاً (الفتاوى الإسلامية) –دار الإفتاء- مجلد ٩، فتوى ١٢٤٨ ص ٣٣١١، فبراير ١٩٧٩ م، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف – القاهرة) .
- لما كان الوصف القانوني الصحيح لشهادات الاستثمار أنها قرض بفائدة.. فإن فوائد تلك الشهادات تدخل في نطاق ربا الزيادة ولا يحل للمسلم الانتفاع به (الفتاوى الإسلامية، المجلد التاسع، فتوى رقم ١٢٥٢ ص ٣٣٣٥، ديسمبر ١٩٧٩ م) .
стр. 14500
ب- تساؤلات ومشكلات يثيرها الاستثمار في الأسهم والوحدات والصناديق الاستثمارية.
بما أن مسألة إصدار السندات وشرائها والحصول على فوائدها وكذلك خصم الأوراق التجارية هي من المسائل التي حسم بها مجمع الفقه الإسلامي الموقر – لما فيها من ربا صريح- فإن الاستثمار بهذه الطرق أصبح فيه موقف الشريعة الغراء واضحاً والحمد لله. لذلك لا نرى طائلاً من تكرار هذه المسائل، غير أنه لا تزال هنالك مسائل عددية تحتاج إلى نظر وتمحيص من أهمها ما يلي:
١ - نتائج التعبير عن الأصول والأعيان بصيغة أوراق مالية وهو ما يسمى باللغة الإنجليزية Securitization.
إن عملية التعبير عن الأصول والأعيان بشكل أوراق مالية ينشأ عنها ضرورة التمييز بين نوعين من الملكية. ملكية الأوراق المالية ملكية الأصول والأعيان. فالسهم يملك على وجه الاستقلال عن ملكية الأصول والأعيان التي تملكها الشركة. ولقد لاحظت كثير من القوانين ذلك الاستقلال. ففرضت الدول ضريبة الدخل أو ضريبة الأرباح على الشركات بشكل منفصل عن ضريبة الدخل على الأفراد. فالشركة تدفع ضريبة على مجموع أرباحها سواء أوزعتها أم لا، والمساهم يدفع ضريبة أيضاً عما حصل عليه من أرباح موزعة Dividends دون أن تعتبر في ذلك إزدواجاً ضريبيًّا؛ لأن للشركة شخصية قانونية وذمة مالية مستقلين عما للمساهمين أفراداً ومجتمعين.
ويتكرر هذا التملك بتكرار عملية التحويل إلى أوراق مالية. ففي صناديق الاستثمار المغلقة ذات الأسهم، يمتلك صاحب سهم صندوق الاستثمار سهمه في الصندوق ويتصرف به. ويمتلك الصندوق، كشخصية معنوية، الأسهم التي اشتراها، وتمتلك الشركات التي تخصها هذه الأسهم الموجودات والأعيان. وقد تزداد السلسلة حلقة أخرى أيضاً إذا امتلكت أية شخصية معنوية أسهماً من أسهم صناديق الاستثمار.
стр. 14501
وإن تراكم وتعدد عمليات تحويل الموجودات إلى أوراق مالية أمر أصبح جزءاً من الحياة المالية والاقتصادية المعاصرة، وهو يحدث في كل مرة تمتلك فيها شخصية معنوية أسهماً في شخصية معنوية أخرى، ومن أبرز أمثلته الشركات القابضة Holding Companies، والشركات الأمهات Mother Companies التي تملك شركات تابعة Subsidiaries.
والسؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه يتعلق أولاً بمدى مشروعية تعدد التحويل إلى أوراق مالية مرة فوق مرة، وثانياً بما يترتب على ذلك من أحكام شرعية، سواء ما يتعلق منها بتأثير نوع نشاط كل شركة تملك أسهمها من قبل شركة ثانية على أصحاب أسهم الشركة المالكة، أو ما يتعلق بالزكاة الواجبة وكيفية حسابها.
٢ - المجازفات في الأسهم
الأصل في الاستثمار في المنهج الإسلامي أنه زيادة في كمية وسائل الإنتاج في المجتمع، الأمر الذي يزيد القدرة على إنتاج الطيبات والمنافع. فإذا اشترى المرء وسائل إنتاج موجود قائمة بعملها، وإن لم يقم بزيادة كمية وسائل الإنتاج في المجتمع، فإنه يكون قد امتلك آلات وأدوات قادرة –من خلال تنظيم فني وإداري معين- على إنتاج الطيبات والمنافع، ويكون بدفعه قيمتها للمالك السابق قد مكنه من اتخاذ قرار اقتصادي جديد، سواء أجعله استثماريًّا أم استهلاكيًّا. فيلحق من أجل كل ذلك شراء الآلات والأدوات الموجودة بالاستثمار توسعاً للمعنى، وتجاوزاً لقيوده الدقيقة.
فشراء حصة –أو سهم- في رأس مال شركة مساهمة هو استثمار إذن في حدود هذا المعنى. أي طالما أنه يؤول إلى وجود أصول ثابتة وغير ثابتة تنتج الطيبات والمنافع. وبطبيعة الحال، فإن الأصول والموجودات التي تستعمل في إنتاج الطيبات والمنافع إنما تقصد من أجل إنتاجها، فإنها بذاتها لا تشبع رغبة إنسانية، ولا تسد حاجة بشرية. وبالتالي فإن الأسهم في الشركات المساهمة إنما تقتنى؛ لأنها تمثل حصة في رأس مال شركة تنتج الطيبات والمنافع (ومن هنا حرم اقتناء أسهم في شركة تنتج الخبائث) .
стр. 14502
فالأصل إذن في الاستثمار في الأسهم ضمن المنهج الإسلامي أن يكون شراء للأسهم بقصد الاسترباح من إنتاج الطيبات والمنافع. أي أن الاسترباح يكون أساساً من العملية الإنتاجية التي هي الهدف الأول والأساسي للاستثمار.
ومن جهة أخرى، فإن القيمة السوقية لرأس مال الشركة المساهمة تتأثر بعوامل عديدة، لعل من أهمها:
أ- التوقعات المتعلقة بمستقبل نشاط الشركة من رواج أو كساد. هذه التوقعات تتأثر بدورها بالإنجاز الفعلي للشركة في ماضيها، وكفاءة إدارتها، وغير ذلك.
ب- تراكم حقوق مالية للمساهمين في الشركة فوق رأس المال المدفوع، لأسباب قانونية، كالاحتياطي الإلزامي، أو طوعية تقوم بها إدارة الشركة، كالاحتياطي الاختياري، والأرباح المحتجزة.
ج- زيادة القيمة السوقية لموجودات الشركة دون أن تتمكن من توزيع تلك الزيادة على شكل أرباح من خلال إعادة تقويم موجوداتها في سجلاتها نظراً للصعوبات القانونية التي تعترض ذلك عادة.
د- الحالة العامة للسوق المالية وأسواق السلع والخدمات، وحالة الكساد أو الرواج فيها ومعدلات التضخم السائدة والمتوقعة، وبخاصة ما يتعلق بالسلع البديلة والمنافسة، وسعر الفائدة السائد والمتوقع، وما شابه ذلك من عوامل أخرى.
ومن البدهي أن يتأثر سعر السهم بجميع هذه العوامل التي تؤثر على القيمة السوقية لرأس مال الشركة. ومن البدهي أيضاً أن تلحظ جميع تلك العوامل عند الاستثمار في الأسهم.
فالاستثمار في الأسهم يقصد إذن إلى هدفين بآن واحد هما: العوائد الدورية الناتجة عن نشاط الشركة وأرباحها، والارتفاع في القيمة السوقية لرأس مال الشركة.
стр. 14503
وهذا غير أنه مع انتشار الشركات المساهمة، وبعد صاحب السهم عن مركز نشاط الشركة وإدارتها، ومع توسع الأسواق المالية ورواج الأسهم وانتشارها، كان من الطبيعي أن تتأثر الأسعار السوقية للأسهم بعوامل أخرى ليست من نوع تلك العوامل التي ذكرناها سابقاً: فالإشاعة صار لها دور كبير في أسعار الأسهم، وكذلك ما ينشر –أو لا ينشر- من معلومات عن الشركة والسوق بشكل عام، وتهافت الناس على الشراء أو على البيع، والأحوال السياسية الإقليمية والعالمية، وما ينشر وما يتوقع عن الأوضاع الاقتصادية العالمية والإقليمية، وبخاصة في البلدان السبع الكبرى اقتصاديًّا، وأحوال السلم والحرب وتوقعاتهما، وكذلك تتأثر أسعار الأسهم باقتراب عطلة نهاية الأسبوع والعطل الرسمية الأخرى في البلدان الكبرى وبأحوال العلوم والاختراعات، وغير ذلك.
ومع النمو الكبير للأسواق المالية واستيعابها لأموال طائلة كبير تبذل في شراء الأسهم –وغيرها من الأوراق المالية - بهدف المجازفة Speculation على أسعارها، لا بقصد تملكها استدرار أرباح الشركات التي تمثل الأسهم رأساميلها، ومع تطور وسائل الإعلام واستخدام الحاسوب في الأسواق المالية وانتشار البرامج الآلية في الشراء والبيع، وكثرة الوسطاء والخبراء ووكلاء الاستثمار، طغت المتاجرة بالأسهم مجازفة على أسعارها، وبعدت أسعار سوق الأسهم عما يحصل في عالم الواقع من تغيرات مادية في الأوضاع الفعلية للشركات، وصار الوهم هو العامل الرئيسي في تغيرات أسعار الأسهم حيث تربح –أو تخسر- آلاف الملايين في ساعات قلائل.
كما صارت الكميات التي يتم بيعها –وشراؤها- في سوق الأسهم يوميًّا تفوق في أحيان كثيرة أعداد الأسهم التي تشكل رساميل الشركات المسجلة في البورصة. كل ذلك يدل على أن هذا النوع من الاستثمار قد تجاوز الحدود التي رسمها الإسلام نهجاً لاستثمار المال وصار استخدام السهم كأداة للمجازفة على السعر وليس مقصوداً لذاته من أجل أرباح الشركات وارتفاع قيمة رساميلها. فهذا النوع من استخدام المال مجازفة على أسعار الأسهم لا ينتج طيبات ولا يزيد منافع، فهل هو يتجاوز معنى العبث الذي أشرنا إليه في القسم الأول من هذه الورقة؟
стр. 14504
والسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه هو: هل تتفق المجازفة على أسعار الأسهم مع المنهج الإسلامي في الاستثمار؟ وهل يقبل الشرع الحنيف الاسترباح بهذا النوع من العمل غير المنتج؟ وهل ينبغي التمييز بين الاستثمار الصحيح في الأسهم وبين استعمال المال عبثاً في المجازفة على أسعارها؟ وبالتالي هل ينبغي وضع قيود على أسواق الأسهم بحيث تقتصر المبايعات على أولئك الذين يرغبون في الاستثمار بالمعنى الذي يؤدي إلى إنتاج الطيبات والمنافع؟ علماً بأنه يمكن تحقيق مثل هذه الأهداف عن طريق فرض قيود على البيع، مثل اشتراط التسجيل ونحوه، وتقليل حجم الائتمان الذي ينصرف لتمويل شراء الأسهم، وعدم السماح بإعطاء أسعار للأسهم في السوق إلا بصورة دورية عقب نشر البيانات المالية الدورية عن الشركة، وغير ذلك من الإجراءات التي تهدف إلى اقتصار التعامل على الراغبين بالدخول في ذلك الميدان من ميادين إنتاج الطيبات والمنافع، أو الخروج منه.
٣ - تأثير نشاط الشركة على تملك أسهمها:
إن فتوى مجمع الفقه الإسلامي صريحة واضحة فيما يتعلق بحرمة المساهمة في شركات نشاطها محرم، نحو إنتاج وبيع المحرمات كالخمر. وكذلك فإن المجمع قد أصدر فتوى تتعلق بالمساهمة في شركات نشاطها الأساسي يدخل في ضمن المباحات، ولكنها تتعامل أحياناً بالربا أخذاً وعطاء. فنص على أن الأصل في ذلك الحرمة. ثم استأنف مناقشة المسألة في دورة مؤتمره الثامن، وأوصى بمتابعة هذه المناقشة في المستقبل، لاستكمال جميع جوانبه، وتغطية كل تفصيلاته.
стр. 14505
وهناك عدد من النقاط تثار حول هذه الموضوع ألخصها فيما يلي:
- هل لشخص المستثمر تأثير في الحكم الشرعي؟ فهناك المستثمر المسلم الفرد، وهناك المؤسسة المالية الإسلامية. فالمؤسسة المالية الإسلامية، كالبنوك وشركات التكافل الإسلامية، صارت في أيامنا شعاراً من شعارات النشاط الاقتصادي الإسلامي، ومناراً من مناراته، ينظر إليها ويقتدى بها ويضرب فيها المثل. فهل يؤثر ذلك على الحكم الشرعي؟ بما يشبه مسألة الأذان الذي يعتبر شعيرة من شعائر الإسلام، فلو تركه أهل بلد قوتلوا عليه، ولو تركه فرد، فهو تارك لسنة أو واجب.
- هل لنية المستثمر من تأثير في الحكم الشرعي؟ وهنا يمكن تمييز عدد من الحالات منها:
أ- أن يشتري أسهماً في شركة تتعامل بالربا بنية تحويلها إلى مؤسسة إسلامية لا تتعامل بالحرام مطلقاً، مع القدرة على ذلك عند المساهمة، أو مع توقع القدرة على ذلك بعد مرور وقت معين، أو بدون توقع القدرة على التحويل مع بقاء نيته.
ب- أن يساهم في شركة نشاطها الأساسي من المباحات، ولكن يختلط بالحرام لأسباب اجتماعية، أو اقتصادية، أو قانونية أحياناً نحو إنشاء مسابح، أو دور للرياضة في بلد لا يسمح بفصل النساء عن الرجال، أو أن الفصل يؤدي إلى فشل المشروع من الناحية الاقتصادية. وذلك بقصد التعرف على هذا الفن ومعرفة هذه الصناعة من أجل إقامة مثيل لها يخلو من الحرام. ونحو ذلك أن ينتج أفلاماً سينمائية فيها بعض المناظر والأفكار المحرمة، بقصد تعلم هذه المهنة ومعرفة خباياها من أجل إنتاج أفلام سينمائية ليس فيها من المحرمات شيء.
ج- أن يساهم في شركة نشاطها الأساسي مباح ولكنه يختلط بالحرام من أجل مخاطبة جمهور من المستهلكين بقصد دعوتهم إلى الإسلام. مثل الإذاعة التي تذيع بعض البرامج الفاسدة بقصد إسماع من يتعشقون هذه البرامج شيئاً من النصح والموعظة الحسنة، للتدرج بهم على طريق الخير.
- هل لظروف الاستثمار من تأثير في الحكم الشرعي؟ وهنا أيضاً يمكن تمييز عدد من الحالات:
أ- استثمار الأموال السائلة لدى الفرد المسلم أو المؤسسة الإسلامية لفترة قصيرة من الزمن، دون قصد المساهمة في الشركة أو إدارتها لوقت طويل. فالمسلم لا يستطيع استعمال الأموال السائلة المتوافرة لديه في جميع أنواع السندات لحرمة الربا. وعند الاختيار بين الأسهم يحتاج إلى اختيار أسهم الشركات القوية الكبيرة للاستثمار القصير الأجل. وهو لا يريد الإبقاء على هذا الاستثمار إلا لوقت قصير ريثما تتاح الفرص الاستثمارية التي يرغبها.
стр. 14506
ب- في عدد من البلدان الإسلامية يسيطر الأجانب وغيرهم من غير المسلمين على معظم الأنشطة الاقتصادي، وإذا ابتعد المسلمون عن المساهمة في الشركات التي تتعامل أحياناً بالربا ستزداد هذه السيطرة، وسيصعب كسر هذه الحلقة حول الاقتصادي الوطني. وإن مساهمة المسلمين في الشركات القائمة هي خطوة مهمة جدًّا في سبيل استعادتهم لملكية وإدارة الاقتصاد وعدم تركه في أيدي غير المسلمين، أو على الأقل في سبيل تحقيق حصة لهم في الاقتصاد الوطني تتناسب مع نسبتهم في مجموع السكان كأكثرية إسلامية.
ج- المسلمون، والمؤسسات الإسلامية، الموجودون في البلدان غير الإسلامية، وبخاصة البلدان الغربية، لا يجدون في بيئاتهم سوى الشركات التي تتعامل أحياناً بالربا للاستثمار في أسهمها. فلا تكاد توجد في تلك المجتمعات شركات لا تتعامل بالربا، وإن وجدت فيستحيل على جميع المسلمين الراغبين في الاستثمار التعرف عليها والاستثمار فيها. فهل يمكن في هذه الظروف للمسلمين الذين يعشون في البلدان غير الإسلامية أن يستثمروا في شركات نشاطها الأساسي مباح ولكنها تتعامل أحياناً بالربا؟
- هل لسلوك الشركة غير المتعلق بنشاطها الرئيسي تأثير على الحكم الشرعي؟ كأن يكون النشاط الرئيس للشركة مباحاً ولكنها تقدم تبرعات لأعداء المسلمين، أو أنها تبيع منتجاتها، كالسلاح ونحوه، لحكومات أو فئات تحارب به المسلمين وبلدانهم.
٤ - أحكام الاستثمار في الصناديق والوحدات الاستثمارية
إن العديد من الصناديق والوحدات الاستثمارية تتعامل مباشرة بالسلع، نحو الصناديق المتخصصة بالعقارات، وبالمتاجرة بالسلع، وتلك التي تعمل في ميادين المرابحات والسلم والإجارة ونحوها. ولكن أكثر الصناديق والوحدات تتعامل بالأسهم والسندات والأوراق التجارية والعملات. وثمة عدد من المسائل ينبغي مناقشتها والوصول إلى الحكم الشرعي فيها لعل من أهمها ما يلي:
أ- كثير من الصناديق والوحدات تنوع في استثماراتها بين أنواع من الأسهم والسندات وغيرها. فما حكم الاشتراك في هذه الصناديق والوحدات في الحالات التالية:
- إذا اقتصرت على الأسهم وكان منها أسهم شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، مع العلم أن الصندوق أو الوحدة الاستثمارية قد يملك أسهماً إيرادية فيكون تركيزه على إيراداتها والاحتفاظ بها لفترات أطول، وقد يملك أسهماً تربصاً لارتفاع أسعارها، على طريقة المجازفة على الأسعار فقط، وقد يملك خليطاً من هذا وذاك، وهو الأغلب.
стр. 14507
- إذا تضمنت محفظة الصندوق أو الوحدة سندات أو أوراقاً تجارية، سواء أغلبت الأسهم أم لم تغلب، وسواء أمكن فصل الإيرادات الناشئة عن التعامل بالسندات والأوراق التجارية أم لم يمكن.
ج- إذا اقتصر نشاط الصندوق أو الوحدة على التعامل بالعملات تعاملاً حالاً فقط بيعاً وشراء. ولكنه نشاط يقوم على المجازفة Speculation على أسعار العملات، وليس على اتخاذ الصرافة مهنة تهدف إلى توفير العملات لمن يحتاجها. وواقع الحال أن جميع الصناديق المتخصصة بالعملات إنما تقوم على المجازفة دون اتخاذ الصرافة مهنة.
د- وبشكل عام فإن معظم صناديق ووحدات الاستثمار بالأسهم نفسها إنما تقوم على فكرة المجازفة على أسعار هذه الأسهم، ولا يوجد منها من يهدف إلى اتخاذ –مجال استثماري بعينه نبراساً له (١) . وبخاصة أن صناديق ووحدات الاستثمار في الأسهم تقوم على مرحلتين من التحويل إلى حقوق وأوراق مالية Securitization، يبتعد فيها المستثمر في الصندوق أو الوحدة عن الاستثمار المادي الذي يهدف إلى زيادة الطيبات والمنافع في المجتمع، فهل يجوز أصلاً هذا النوع من الاسترباح بالمال فقط؟
هـ- قلنا: إن الصناديق تنظم عادة على أساس المضاربة، أي أن نصيب المدير يكون حصة من الربح عند تحققه، وأنها تنظم أيضاً على أساس الإجارة، بحيث يكون للمدير أجر يحسب عادة على أساس نسبة معلومة من مجموع رصيد الصندوق، كأن تكون الأجرة ٠,١٥? (واحد ونصف بالألف) من مجموع الأموال في الصندوق في آخر كل شهر. وهذه المبالغ الموجودة آخر كل شهر لا تعرف مسبقاً، وإنما تعرف عند حساب الرصيد في آخر كل شهر.
وهي تتأثر بعاملين هما:
١- الأموال المضافة أو المسحوبة خلال الشهر.
٢- أسعار الأوراق المالية التي يملكها الصندوق عند إقفال الشهر.
فهل من الجائز شرعاً تنظيم الصندوق بأجرة تحسب بهذه الطريقة؟ وهل تخرج هذه الطريقة على أنها نوع من الأجرة بالقطعة، أو الأجرة على العمل لا على الزمن؟
٥ - أحكام زكاة الأسهم وحصص صناديق ووحدات الاستثمار
إضافة إلى الفتاوى المهمة الصادرة عن مجمع الفقه الإسلامي الموقر في هذا الخصوص، هناك عدة نقاط تحتاج إلى بيان الرأي، أهمها ما يلي:
- إذا كانت الفتوى على أن شراء الأسهم بقصد المتاجرة بها يجعلها تعامل معاملة عروض التجارة بالنسبة لأحكام الزكاة، من حيث النصاب، والحول، ومقدار الواجب، فما هو حكم شراء أسهم أو حصص الصناديق والوحدات الاستثمارية التي تقوم بشراء الأسهم وبيعها؟ علماً بأن مشتري السهم أو الحصة قد يشتريها بقصد الإبقاء عليها بإيراداتها، وأن الصندوق نفسه ينحصر كل عمله بالمتاجرة بالأسهم، ولا يمكن معرفة نسبة الأصول الثابتة إلى غيرها من الموجودات في الشركات التي يملك الصندوق أسهمها.
- ما حكم الزكاة على أسهم وحصص الصناديق والوحدات التي يوجد ضمن موجوداتها سندات وأوراق تجارية، أو أسهم لشركات نشاطها الأساسي مباح ولكنها تتعامل أحياناً بالربا؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الدكتور منذر قحف
стр. 14508
الاستثمار في الأسهم
إعداد
د. علي محيي الدين القره داغي
كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية
جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد،
فلا شك أن الشركات المساهمة تلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد المعاصر، وأن أهم ركائزها وأدواتها هي الأسهم، حيث يتم من خلالها جمع أكبر قدر ممكن من الأموال؛ لأن تجزئة رأس المال إلى حصص صغيرة تمكن الجميع من المساهمة فيها مما يمكن تجميع رأس مال كبير وبذلك تستطيع الدخول في المشروعات الضخمة.
ولم يقف التعامل في الأسهم اليوم على المساهمين المؤسسين للشركة بل أصبحت كورقة تجارية مالية تتداول بين الناس بشكل واسع ولا سيما في الأسواق المالية العالمية (البورصة) .
ومن هنا يثور التساؤل حول مدى مشروعية التعامل في الأسهم بصورة عامة، والاستثمار فيها ولا سيما الاستثمار في الأسهم التي تمتلكها الشركات العالمية، أو الشركات المحلية داخل العالم الإسلامي ولكن معاملاتها لا تخلو من شوائب الربا.
ومن أخطر ما تعاني منه مجتمعاتنا هو وجود النظام غير الإسلامي (الرأسمالي، أو الاشتراكي) الذي تكونت في ظله الشركات في عالمنا الإسلامي حيث لا يلتزم معظمهم بالمنهج الإسلامي القويم، فتقرض وتقترض من البنوك الربوية.
ومعظم المسلمين اليوم في حيرة هل يتركون هذه الشركات فيقاطعونها ولا يساهمون فيها وبالتالي ينفرد الفسقة وضعفاء الدين بإدارة هذه الشركات التي تعتبر العمود الفقري للحياة الاقتصادية؛ وذلك لأنها قائمة وأن مقاطعة الغيورين المخلصين لا تؤثر في مسيرتها أم أنهم يدخلون فيها لغرض الإصلاح والتغيير؟
وفي مقابل هذا التحير من عامة المسلمين نجد اختلاف المعاصرين حيث إن منهم من ينظر إلى مقاصد الشريعة وما يترتب على المقاطعة وعدم المساهمة فيها من مفاسد فأجاز المساهمة فيها بشروط وضوابط، ومنهم من نظر نظرة خاصة إلى ما يشوب هذه المعاملة من حرام فرفضها رفضاً مطلقاً.
ونحن في هذه العجالة نناقش هذه المسألة بكل أمانة وإخلاص راجياً من الله تعالى أن يسدد خطانا، ويلهمنا الصواب، وأن يعصمنا من الخطأ في العقيدة وفي القول والعمل.
стр. 14509
أولاً: الاستثمار في اللغة والاصطلاح:
الاستثمار في اللغة:
الاستثمار لغة: مصدر استثمر يستثمر وهو للطلب بمعنى طلب الاستثمار، وأصله من الثمر وهو له عدة معان منها ما يحمله الشجر وما ينتجه، ومنها الولد حيث يقال: الولد ثمرة القلب، ومنها أنواع المال.
ويقال: ثمر –بفتح الميم- الشجر ثموراً أي ظهر ثمره، وثمر الشيء أي نضج وكمل، ويقال: ثمر ماله أي كثر، وأثمر الشجر أي بلغ أوان الإثمار، وأثمر الشيء أي آتى نتيجته، وأثمر مالُه –بضم اللام- أي كثر، وأثمر القوم: أطعمهم الثمر، ويقال: استثمر المال وثمره - بتشديد الميم - أي استخدمه في الإنتاج، وأما الثمرة هي واحدة الثمر فإذا أضيفت إلى الشجر فيقصد بها حمل الشجر، وإلى الشيء فيراد بها فائدته، وإلى القلب فيراد بها مودته وجمع الثمرة: ثمر –بفتح الثاء والميم- وثمر- بضمها- ثمار وأثمار (١)
وقد وردت كلمة "أثمر"، وثمرة، وثمر، وثمرات أربعاً وعشرين مرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] أي انظروا إلى ثمار تلك الأشجار والنباتات، ونضجها للوصول إلى الإيمان بالله تعالى حيث يحمل ذلك عجائب قدرته تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] حيث امتن الله تعالى علينا بالثمار وأمرنا أن نأكل من ثمار هذه الأشجار والنباتات عندما تثمر وتنتج، وأن نعطي حقها (وهو الزكاة) عند حصادها فوراً للمستحقين، كما أمرنا بأن لا نسرف في الباقي وهذا يدل على أن حق الملكية ليس حقًّا مطلقاً، بل مقيد بضوابط الشرع.
وفي هذه الآية وآيات أخرى أسند الله تعالى الإثمار إلى الشجر والنبات أنفسهما مما يدل على أهمية العناية بالسنن والأسباب الظاهرة التي لها تأثير على النمو والثمر والنضج مع أن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى ولذلك أكد هذه الحقيقة في آيات أخرى فقال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] .
стр. 14510
ويلاحظ أن القرآن الكريم أطلق (في الغالب) الثمر أو الثمرة، أو الثمرات على ما تنتجه الأشجار والنباتات مثل قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] ، ولم يطلق على ما تنتجه التجارة من أرباح إلا إذا عممنا المراد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] .
وقد وردت هذه الكلمة أيضاً في السنة كثيراً وهي لا تعدو معانيها عن ثمار الأشجار والنباتات، منها أنه ﷺ : ((نهى عن بيع الثمر حتى يزهو)) متفق عليه، وقوله ﷺ : ((اللهم ارزقنا من ثمرات الأرض)) (مسند أحمد ٣/٣٤٢) وغير ذلك.
الاستثمار في الاصطلاح:
ورد لفظ "التثمير" في عرف الفقهاء عندما تحدثوا عن السفيه والرشيد فقالوا: الرشيد هو القادر على تثمير ماله وإصلاحه، والسفيه هو غير ذلك، قال الإمام مالك: "الرشد: تثمير المالي، وإصلاحه فقط" (١)
وأرادوا بالتثمير ما نعني بالاستثمار اليوم (٢)
وأما لفظ "الاستثمار" فلم يرد بمعناه الاقتصادي اليوم، ولذلك في معجم الوسيط: الاستثمار: استخدام الأموال في الإنتاج إما مباشرة بشراء الآلات والمواد الأولية، وإما بطريقة غير مباشرة كشراء الأسهم والسندات ثم وضع رمز "مج" الذي يدل على أن هذا المعنى هو من وضع مجمع اللغة (٣)
стр. 14511
حكم الاستثمار:
الذي يظهر من النصوص الشرعية ومقاصدها العامة أن الاستثمار واجب في مجموعه، أي أنه لا يجوز للأمة أن تترك الاستثمار.
* ذلك لأن النصوص الثابتة في أهمية المال في حياة الفرد والأمة، وتقديم المال على النفس في معظم الآيات وامتنان الله تعالى بالمال، والمساواة بين المجاهدين، والساعين في سبيل الرزق كما في آخر سورة المزمل، وتسمية العامل والتاجر بالمجاهد في سبيل الله في أحاديث كثيرة ... كل ذلك يدل بوضوح على وجوب العناية بالمال وتثميره وتقويته حتى تكون الأمة قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتقدم والتطور والسعادة والنهضة والحضارة، حيث إن ذلك لا يتحقق إلا بالمال كما يقول الله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥] .
فقد سمى الله تعالى المال بأنه قيام للمجتمع الإسلامي، وهذا يعني أن المجتمع لا يقوم إلا به ولا يتحرك إلا به ولا ينهض إلا به، كما أن قوله تعالى ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء:٥] ولم يقل "منها" يدل بوضوح على وجوب الاستثمار حتى تكون نفقة هؤلاء المحجور عليهم (من الأطفال والمجانين) في الأرباح المتحققة من الاستثمار وليست من رأس المال نفسه.
يقول الإمام الرازي: "اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال"، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦ – ٢٧] وقال تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن، والعقل يؤيد ذلك؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال"، ثم قال: "وإنما قال: "فيها" ولم يقل "منها" لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقاً لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أمواله مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوها أرزاقهم من الأرباح، لا من أصول الأموال...." (١)
* ومن الأدلة المعتبرة أن وجوب الزكاة في الأموال يدفع أصحابها إلى التجارة؛ لأنه إن لم يتاجروا فيها تأكلها الصدقة والنفقة، وهذا ما يؤيده الفكر الاقتصادي الحديث حيث يفرض أنواعاً من الضرائب لدفع أصحاب الأموال إلى عدم اكتنازها، بل قد وردت أحاديث تصل بمجموعها إلى درجة الصحيح أو الحسن الذي ينهض به حجة على وجوب التجارة في أموال الصغار (اليتامى وغيرهم) والمحجور عليهم: السفهاء، والمجانين، وناقصي الأهلية. فقد روى الشافعي بإسناده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: ((ابتغوا في مال اليتيم –أو في أموال اليتامى - لا تذهبها- أو لا تستهلكها- الصدقة)) وقد قال البيهقي والنووي: "إسناده صحيح، ولكنه مرسل معضد بعموم النصوص الأخرى وبما صح عن الصحابة من إيجاب الزكاة في مال اليتيم" (٢)
стр. 14512
قال البيهقي: "وهذا –أي حديث ابن ماهك- مرسل إلا أنا الشافعي –﵀ أكده بالاستدلال بالخبر الأول –وهو عموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقاً- وبما روى عن الصحابة في ذلك" (١)
وقال النووي: "ورواه البيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفاً عليه بلفظ: "وابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" وقال: إسناده صحيح، ورواه أيضاً عن علي بن مطرف ... " (٢)
- وروى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)) قال الهيثمي في مجمع الزوائد نقلاً عن شيخه الحافظ العراقي: "إن إسناده صحيح" (٣)
يقول فضيلة الشيخ القرضاوي: "إن الأحاديث والآثار قد نبهت الأوصياء على وجوب تثمير أموال اليتامى حتى لا تلتهمها الزكاة...." فواجب على القائمين بأمر اليتامى أن ينموا أموالهم كما يجب عليهم أن يخرجوا الزكاة عنها، نعم إن في هذين الحديثين (أي حديث عمرو بن شعيب المرفوع وحديث يوسف بن ماهك) ضعفاً من جهة السند، أو الاتصال ولكن يقويهما عدة أمور. وذكر منها: " أنه يوافق منهج الإسلام العام في اقتصاده القائم على إيجاب التثمير وتحريم الكنز" (٤)
* وكذلك يدل على وجوب تثمير الأموال في قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] حيث إن الأموال لا تتداول إلا عن طريق توزيع الصدقات، والاستثمار الذي يؤدي إلى أن يستفيد منها الجميع من العمال والصناع والتجار ونحوهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ومن القوة بلا شك قوة المال بل هي مقدمة في معظم الآيات على النفس، فإذا كانت قوة البدن والسلاح مطلوبة فإن قوة المال أشد طلباً ووجوباً.
ثم إن من مقاصد هذه الشريعة الحفاظ على الأموال، وذلك لا يتحقق إلا عن طريق استثمارها وتنميتها، كما أن من مقاصدها تعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] فقال المفسرون: "معناه: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن وغرس أشجار" (٥) وكذلك ومن مقاصدها الاستخلاف الذي يقتضي القيام بشؤون الأرض وتدبيرها والإفادة منها وتعميرها وكل ذلك لا يتحقق على وجهها الأكمل إلا عن طريق الاستثمار.
стр. 14513
والخلاصة:
أن الاستثمار للأموال بوجهها العام واجب كفائي فيجب على الأمة أن تقوم بعمليات الاستثمار حتى تكون وفرة الأموال وتشتغل الأيادي ويتحقق حد الكفاية للجميع إن لم يتحقق الغنى، ومن القواعد الفقهية في هذا المجال هو أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ويثور التساؤل حول وجوب الاستثمار على الفرد إذا كان له فائض مالي، فالذي يقتضيه المنهج الإسلامي في أن المال مال الله تعالى وأن ملكية الإنسان له ليست مطلقة عن قيد ... إنه يجب عليه أن يستثمر أمواله بالطرق المشروعة سواء كان بنفسه، أو عن طريق المضاربة والمشاركة ونحوهما، وأنه لا ينبغي له أن يترك أمواله الصالحة للاستثمار فيعطلها عن أداء دورها في التدوير وزيادة دورانها الاقتصادي الذي يعود بالنفع العام على المجتمع.
كما أن قوة المجتمع والأمة بقوة أفرادهما ولا سيما على ضوء منهج الاقتصاد الإسلامي الذي يعترف بالملكية الفردية، وأن ملكية الدولة محدودة، ومن هنا فتقع على الأفراد مسؤولية كبرى في زيادة الأموال وتقويتها عن طريق الاستثمار، يقول الشيخ محمود شلتوت: "إذا كان من قضايا العقل والدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكانت عزة الجماعة الإسلامية أول ما يوجبه الإسلام على أهله، وكانت متوقفة على العمد الثلاثة: الزراعة والصناعة والتجارة، كانت هذه العمد واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خير الأمة واجباً ... " (١)
المعالم الأساسية لمنهج الإسلام في الاستثمار
لا يمكن الخوض في تفاصيل هذا الموضوع في هذا البحث وإنما نكتفي بذكر أهم معالمه بصورة موجزة وهي:
أولاً: أن منهج الاستثمار في الإسلام لا ينفصل عنه العقيدة والفكر الإسلامي، وكما أن الفكر الرأسمالي يسير عجلة الاستثمار في النظام الرأسمالي، والفكر الشيوعي كان يسير عملية الاستثمار في الاتحاد السوفيتي السابق والدول الاشتراكية نحو إطاره الفلسفي وأهدافه من خلال وسائله الخاصة....
стр. 14514
فكذلك العقيدة الإسلامية هي المهيمنة في الفكر الاقتصادي الإسلامي، وفي منهج الاستثمار وأدواته ووسائله وآلياته، فالمسلم يعتقد أن المال مال الله تعالى وأنه مستخلف فيه، ولذا يجب عليه أن يسير في الاستثمار وغيره على ضوء منهج الله تعالى، ولا يخالف شرعه كما عليه أن يعمر الكون بالعدل والحق ويكون شاهداً على الآخرين.
ولأجل هذه العقيدة تختلف تصرفات المؤمن عن الكافر فبينما يضع المسلم في الاكتساب والإنفاق والاستثمار رضاء الله تعالى نصب عينيه يضع الكافر مصالحه الشخصية أولاً ثم مصالح قومه فوق كل الاعتبارات، بل قد لا يكون له اعتبار إلا لهما، يبين ذلك قوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) ﴾ [الإنسان: ٨ – ٩] . بينما يصف الكافر بأنه ليس راغباً في إطعام اليتامى والمساكين لأنه ليس فيه مصلحة دنيوية له، حتى لو أطعم فإنما يطعم من يرجو منه مصلحة كأصحاب الجاه حيث يقول تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) ﴾ [الماعون: ١-٣] ولأجل هذه العقيدة يرى المؤمن أن الربا محق للأموال ونقص حقيقي، وأن دفع الصدقات زيادة لها، وهذا بالتأكيد عكس تصور الكافر، حيث يقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] .
ولأجل هذه العقيدة أيضاً يمتنع عن المحرمات ويقبل على الطاعات، ويعتبر أنه مثاب مأجور ينفذ أمر الله تعالى حينما يستثمر ويتاجر ويعمل، إضافة إلى إسناده النتيجة إلى الله تعالى وحينئذ لا يحزن ولا يغتم عند الخسارة، ولا يبطر ويطغى عن الربح والغناء ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] فهو دائماً في أحد المقامين أو في كليهما: مقام الشكر والثناء، ومقام الصبر والرضا.
كما يترتب على هذه العقيدة سرعة الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه ولذلك يقدم الله تعالى على أوامره ونواهيه ذكر الإيمان فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] .
стр. 14515
ومن جانب آخر أن المسلم حينما يتحرك ويستثمر فإنما ينطلق من منطلق العقيدة التي تفرض عليه أن يعمر الكون على ضوء منهج الله تعالى وينشر الخير والرحمة للعالمين أجمعين.
ثانياً: أن من أهم المعالم الأساسية للمنهج الإسلامي في الاستثمار قيامه على القيم والأخلاق والمبادئ، ولذلك حرم الإسلام الحيل والغش والاستغلال والتدليس، ولذلك وردت أحاديث صحيحة على أن ((من غشنا فليس منا)) (١) وعلى حرمة التدليس سواء كان بالقول كما في النجش (٢) أم بالفعل كما في التصرية (٣) ونحوها.
وبالمقابل أوجب الإسلام أن يسير الاستثمار على العدل، والسماحة عند البيع الشراء والاقتضاء، وبيان كل ما في المعقود عليه من عيوب دون كذب ولا حلف ولا زور (٤)
ثالثاً: إن من المعالم الأساسية للمنهج الإسلامي في الاستثمار قيامه على التنافس الشريف وإتاحة الفرصة للجميع دون تدخل من الدولة إلا لحماية الضوابط الشرعية والضعفاء، ولذلك كانت حماية السوق منوطة بسلطة شعبية تتمثل في نظام الحسبة والرقابة الذاتية والشعبية.
ومن هنا أعطى الرسول ﷺ الحق في الخيار لمن كان في عقله ضعف كما في حديث ابن عمر رجلاً ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)) ، ورواه أحمد وأصحاب السنن بلفظ: أن رجلاً على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع وكان في عقدته –يعني في عقله- ضعف فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف، فدعاه ونهاه، فقال: إني لا أصبر عن البيع، ((فقال: إن كنت غير تارك للبيع فقل: هاء وهاء، ولا خلابة)) . (٥) .
فهذا الحديث أصل طيب في الدلالة على إعطاء فرصة أكبر لضعاف العقول والمستأمنين الذين ليس لديهم الخبرة في العقود بأن يشترطوا لأنفسهم الخيار، بل يعطى لهم هذا الحق ما داموا وقعوا في غبن حتى ولو لم يشترطوا الخيار. (٦)
رابعاً: تحريم الظلم والربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والمقامرة وغير ذلك مما حرمه الإسلام ونهى عنه.
стр. 14516
الأسهم:
الأسهم هي جمع سهم، وهو لغة له عدة معان منها: النصيب، وجمعه: "السهمان" بضم السين، ومنها العود الذي يكون في طرفه نصل يرمى به عن القوس، وجمعه: السهام، ومنها: بمعنى القدح الذي يقارع به، أو يلعب به في الميسر، ويقال: أسهم بينهم أي أقرع، وساهمه أي باراه ولاعبه فغلبه، وساهمه أي قاسمه وأخذ سهماً، أي نصيباً، جاء في المعجم الوسيط: "ومنه شركة المساهمة " (١) وفي القرآن الكريم ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أي قارع بالسهام فكان من المغلوبين (٢) والاقتصاديون يطلقون السهم مرة على الصك، ومرة على النصيب، والمؤدى واحد، فباعتبار الأول قالوا: السهم هو: صك يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، يزيد وينقص تبع رواجها.
وبالاعتبار الثاني: قالوا: السهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال، أو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة المثبت في صك له قيمة اسمية، حيث تثمل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة، وتكون متساوية القيمة. (٣)
وتتميز الأسهم بكونها متساوية القيمة، وأن السهم الواحد لا يتجزأ وأن كان نوع منها –عاديًّا أو ممتازاً- يقوم - من حيث المبدأ- على المساواة في الحقوق والالتزامات وأنه قابل للتداول، ولكن بعض القوانين –مثل النظام السعودي - استثنى الأسهم المملوكة للمؤسسين حيث لا يجوز تداولها قبل نشر الميزانية إلا بعد سنتين ماليتين كاملتين –كقاعدة عامة- وكذلك لا يجوز تداول أسهم الضمان التي يقدمها عضو مجلس الإدارة لضمان إدارته طوال مدة العضوية وحتى تنقضي المدة المحددة لسماع دعوى المسؤولية (٤)
стр. 14517
حكم تقسيم رأس مال الشركة:
ومن جدير بالتنبيه عليه أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص وأجزاء، واشتراط الشروط السابقة لا يتنافى مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية، والقواعد العامة للشركة في الفقه الإسلامي، إذ ليس فيها ما يتنافى مع مقتضى عقد الشركة، بل فيها تنظيم وتيسير ورفع للحرج الذي هو من سمة هذه الشريعة، وداخل ضمن الوفاء العام بالعقود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وتحت قول رسول الله ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم)) (١) وفي رواية: ((والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) (٢) قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". (٣)
فهذه النصوص وغيرها تدل على أن كل مصالحة وكل شرط جائزان إلا ما دل الدليل على حرمته، وعلى أن الأصل فيهما هو الإباحة، والحظر يثبت بدليل خاص، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا المعنى هو الذي يشهد عليه الكتاب والسنة ... " (٤) ويقول أيضاً: "إن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه ... فإن الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء بالعقود والعهود، وذم الغدر والنكث ... والمقصود هنا: أن مقتضى الأصول والنصوص: أن الشرط يلزم إلا إذا خالف كتاب الله ... ".
ولا يخفى أن هذه القواعد السابقة تجعل الفقه الإسلامي يقبل بكل عقد، أو تصرف أو تنظيم مالي أو إداري ما دام لا يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة، وقواعدها العامة، وأن الشريعة الغراء تجعل كل حكمة نافعة ضالة المؤمن دون النظر إلى مصدرها أو اسمها، وإنما الأساس معناها ومحتواها، ووسائلها وغاياتها، وما تحققه من مصالح ومنافع أو مضار ومفاسد.
стр. 14518
خصائص السهم وحقوقه:
للأسهم عدة خصائص من أهمها: تساوي قيمتها حسبما يحددها القانون، وتساوي حقوقها، وكون مسؤولية كل مساهم بقدر قيمة أسهمه، وقابليتها للتداول، وعدم قابلية السهم للتجزئة وأما حقوق السهم فهي حق بقاء صاحبه في الشركة، وحق التصويت في الجمعية العمومية، وحق الرقابة، وحق رفع دعوى المسؤولية على الإداريين، والحق في نصيب الأرباح والاحتياطات والتنازل عن السهم والتصرف فيه، والأولوية في الاكتتاب، وحق اقتسام موجودات الشركة عند تصفيتها. (١)
حكم الأسهم باعتبار نشاطها ومحلها:
ذكرنا أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص متساوية تسمى بالأسهم جائز ليس فيه أية مخافة لمبادئ الإسلامي وقواعده.
وهنا نذكر بصورة عامة حكم تداول هذه الأسهم والتصرف فيها بالبيع والشراء وغيرهما بصورة عامة، ثم نذكر عند بيان كل نوع من الأسهم حكمه الخاص بإذن الله تعالى.
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن بعض الباحثين (٢) أطلقوا اختلاف العلماء المعاصرين حول الأسهم مطلقاً دون تفصيل من غير أن يجد منهم تصريحاً بذلك بل اعتماداً على ما فهم من آرائهم في الشركات بصورة عامة (٣)
وهذا الإطلاق لا ينبغي الركون إليه، إذ أن لازم المذهب ليس بمذهب –كما هو مقرر في الأصول- كما أن جل نقاش هؤلاء العلماء في الشركات التي أنشئت في بلاد الإسلام وليس في الشركات التي حدد نشاطها في المحرمات كالخنزير والخمور ونحوها ... (٤)
стр. 14519
- ولذلك نقسم الأسهم إلى نوعين: نوع محرم تحريماً بيناً، ونوع فيه النقاش والتفصيل والخلاف.
فالنوع الأول: هو الأسهم التي محلها الخنزير، والخمور والمخدرات، والقمار ونحوها من المحرمات، وكذلك الشركات التي يكون نشاطها محصوراً في الربا كالبنوك الربوية.
فهذه الأسهم جميعها لا يجوز إنشاؤها، ولا المساهمة في إنشائها، ولا التصرف فيه بالبيع والشراء ونحوها، يقول ابن القيم: -بعد أن ذكر الأحاديث الخاصة بحرمة بيع بعض الأشياء-: "فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول –كالخمر- ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثاً –مثل الميتة، والخنزير- وأعيان –كالأصنام تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك، فصان بتحريم النوع الأول، العقول عما يزيلها، ويفسدها، وبالثاني القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها ... ، وبالثالث الأديان عما وضع لإفسادها" (١)
هذا هو المبدأ الذي لا يجوز تجاوزه، ولا ينبغي التوقف فيه، وما سوى هذا النوع من الأسهم الحرام قسمان:
القسم الأول: أسهم لشركات قائمة على شرع الله تعالى حيث رأس مالها حلال، وتتعامل في الحلال، وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحلال، ولا تتعامل بالربا إقراضاً، واقتراضاً، ولا تتضمن امتيازاً خاصًّا أو ضماناً ماليًّا لبعض دون آخر.
فهذا النوع من أسهم الشركات –مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية- من المفروض أن يفرغ الفقهاء من القول بحلها وحل جميع التصرفات الشرعية فيها؛ وذلك لأن الأصل في التصرفات والعقود المالية الإباحة، ولا تتضمن هذه الأسهم أي محرم، وكل ما فيها أنها نظمت أموال الشركة حسبما تقتضيه قواعد الاقتصاد الحديث دون التصادم بأي مبدأ إسلامي.
ومع ذلك فقد أثير حول هذا النوع أمران:
الأمر الأول: ما أثاره أحد الكتاب من أن هذه الأسهم جزء من النظام الرأسمالي الذي لا يتفق جملة وتفصيلاً مع الإسلام، بل إن الشركات الحديثة ولا سيما شركات الأموال حرام لا تجوز شرعاً؛ لأنها تمثل وجهة نظر رأسمالية فلا يصح الأخذ بها، ولا إخضاعها لقواعد الشركات في الفقه الإسلامي (٢)
وهذا الحكم العام لا يؤبه به، ولا يجنح إليه، فالإسلام لا يرفض شيئاً لأنه جاء من النظام الفلاني، أو وجد فيه، وإنما الحكم في الإسلام موضوعي قائم على مدى موافقاته لقواعد الشرع، أو مخالفته، "فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها" وبما أن الأسهم القائمة على الحلال لا تتضمن مانعاً شرعيًّا فلا يجوز القول بتحريمها، -كما سبق-.
стр. 14520
واستدل كذلك بأن الأسهم بمثابة سندات بقيمة موجودات الشركة، وهي تمثل ثمن الشركة وقت تقديرها، وليست أجزاء لا تتجزأ من الشركة، ولا تمثل رأس مالها عند إنشائها. (١)
غير أن هذا الحكم والتصور للأسهم مجاف للحقيقة، والواقع الذي عليه الشركات المعاصرة، أن الأسهم ليست سندات، وإنما هي حصص الشركة، وأن كل سهم بمثابة جزء لا يتجزأ من كيان الشركة، وأن مجموع الأسهم هي رأس مال الشركة (٢)
كما قاس الأسهم على أوراق النقد حيث يهبط سعرها، ويرتفع، وتتفاوت قيمتها وتتغير، ومن هنا ينسلخ السهم بعد بدء الشركة عن كونه رأس مال، وصار ورقة مالية لها قيمة معينة.
والواقع أن هذا التكييف الفقهي للأسهم غير دقيق، وقياسها على الأوراق النقدية قياس مع الفارق؛ لأن الأسهم في حقيقتها هي حصص الشركة، وأجزاء تقابل أصولها، وموجوداتها، وهي وإن كانت صكوكاً مكتوبة لكنها يعني بها ما يقابلها.
ومسألة الهبوط والارتفاع يختلف سببها في الأسهم عن سببها في النقود، فتغير قيمة الأسهم يعود إلى نشاط الشركة نفسها، حيث ترتفع عندما تزداد أرباحها، أو تزداد معها موجودات، وثقة الناس بها، وتنخفض عند الخسارة، ومثل ذلك كمثل شخص أو شركاء لهم سلع معينة فباعوها بأرباح جيدة فزادت نسبة مال كل واحد منهم بقدر الربح، وكذلك تنقص نسبة مال كل واحد منهم لو فقد منها بعضها، أو هلك، أو بيعت السلعة بخسارة، فهذا هو الأنموذج المصغر للأسهم في الشركات.
أما الورقة النقدية فيعود انخفاضها إلى التضخم، وإلى الأنظمة الدولية بهذا الخصوص وسياسة الدولة في إصدار المزيد من الأوراق النقدية التي قد لا يوجد لها مقابل حقيقي، وغير ذلك من العوامل الاقتصادية، بينما السهم يمثل ذلك المبلغ الذي تحول إلى جزء من الشركة ممثل في أصولها وموجوداتها.
الأمر الثاني: الذي أثير حول هذا النوع من الأسهم هو ما أثير حول شرائها، أو بيعها من ملحوظات ثلاث نذكرها مع الإجابة عنها (٣)
стр. 14521
الملحوظة الأولى: الجهالة، حيث لا يعلم المشتري علماً تفصيليًّا بحقيقة محتوى السهم.
للجواب عن ذلك نقول: إن الجهالة إنما تكون مانعة من صحة العقد إذا كانت مؤدية إلى النزاع، أو كما يعبر عنها الفقهاء بالجهالة الفاحشة (١) يقول الإمام القرافي "الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعاً كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعاً كأساس الدار ... ، ومتوسط اختلف فيه" (٢) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيع المغيبات كالجزر، واللفت والقلقاس: "والأول –أي القول بصحة بيعها وهو مذهب مالك وقول أحمد - أصح ... ، فإن أهل الخبرة إذا رأوا ما ظهر منها من الورق وغيره وهم ذلك على سائرها، وأيضاً فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق ... وأباح بيع العرايا بخرصها فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما" (٣) ويقول الأستاذ الصديق الضرير: "الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو ما كان في المعقود عليه أصالة، أما الغرر في التابع ... فإنه لا يؤثر في العقد" (٤)
فالواقع أن المشتري يعلم علماً إجماليًّا كافياً بقيمة السهم، وما يقابله من الموجودات من خلال نشر الميزانية ونشاط الشركة ونحو ذلك، وهذا العلم يكفي لصحة البيع بالإضافة إلى أن العلم في كل شيء بحسبه.
ثم إن بيع الحصص المشاعة جائز بالاتفاق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية. "يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله ﷺ " (٥) يراجع: المغني (٥/٤٥) ؛ والمجموع (٩/٢٩٢) ؛ ويراجع: د. صالح بن زابن: المرجع السابق ص (٣٤٨) والمصادر السابقة الأخرى.
الملحوظة الثانية: أن بيع السهم يعني بيع جزء من الأصول، وجزء من النقود، وهذا يقتضي ملاحظة قواعد الصرف من التماثل والتقابض في المجلس بين الجنس الواحد، والتقابض فيه عند اختلاف الجنس؛ وذلك لأن السهم في الغالب يكون مساوياً لموجودات الشركة بما فيها النقود.
للجواب عن ذلك أن وجود النقود في الأسهم يأتي تبعاً غير مقصود؛ لأن الأصل والأساس فيها هي الموجودات العينية، ولذلك تقول: إن بيع السهم قبل بدء عمل الشركة وقبل شراء المباني ونحوها، لا يجوز إلا مع مراعاة قواعد الصرف.
فالسهم يراد به هذا الجزء الشائع من الشركة دون النظر إلى تفصيلاته فما دام للسهم مقابل من موجودات الشركة لا يعامل معاملة النقد بسبب أن جزءاً من الموجودات نقد، والقاعدة الفقهية تقضي أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، وأنه يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً، قال السيوطي: "ومن فروعها ... أنه لا يصح بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع، فإن باعه مع الأرض جاز تبعاً ... " (٦)
стр. 14522
بل إن مسألتنا هذه لها أصل مقرر في السنة المشرفة حيث إن رسول الله ﷺ أجاز شراء عبد وله مال –حتى وإن كان نقداً- فيكون ماله تبعاً للمشتري إذا اشترط ذلك دون النظر إلى قواعد الصرف فقد روى البخاري ومسلم، وغيرهما بسندهم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)) (١) قال الحافظ ابن حجر: "ويؤخذ من مفهومه أن من باع عبداً ومعه مال وشرطه المبتاع أن البيع يصح" ثم ذكر اختلاف العلماء، فيما لو كان المال ربويًّا، حيث ذهب مالك إلى صحة ذلك ولو كان المال الذي معه ربويًّا لإطلاق الحديث؛ ولأن العقد إنما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه لا مدخل له في العقد (٢) قال مالك: "الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إن اشترط مال العبد فهو له، نقداً كان أو ديناً أو عرضاً يعلم أو لا يعلم ... " (٣)
الملحوظة الثالثة: إن جزءاً من السهم يمثل ديناً للشركة وحينئذ لا يجوز بيعه بثمن مؤجل؛ لأنه يكون بيع الدين بالدين وهو منهي عنه حيث روي أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ –أي الدين بالدين- (٤)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الحديث ضعيف؛ لأن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (٥) فلا ينهض حجة، كما أن الحديث فُسِّرَ بَعْدُ تفسيراتٌ لا يدخل موضوعنا في أكثرها.
الوجه الثاني: لا ينطبق عليه بيع الدين بالدين، إذ أن هذا الجزء من ديون الشركة داخل في السهم تبعاً، وحينئذ يكون الجواب السابق في الملحوظة الثانية جواباً لهذا الإشكال بكل تفاصيله.
الوجه الثالث: ليس الحكم السابق –في كون الدين جزءاً من السهم- عامًّا، إذ قد لا توجد الديون للشركة، وإنما تتعامل بالنقد، وعلى فرض وجودها فهي تمثل نسبة قليلة من موجودات الشركة، والقاعدة الفقهية تقضي بأن العبرة بالأكثر. (٦)
стр. 14523
والخلاصة أن الأسهم التي تقوم على الحلال، وتتبع الشركات التي تمتنع عن مزاولة أي نشاط محرم، وتتوفر فيه قواعد الشركة من المشاركة في الأعباء، وتحمل المخاطر، ولا تكون لهذه الأسهم ميزة مالية على غيرها ... فهي حلال لما ذكرناه، ويجوز إنشاؤها، والتصرف فيها؛ وذلك لأن ذلك كله داخل في حدود التصرفات المباحة التي أجازها الشارع للمالك في ملكه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] والأدلة الأخرى التي ذكرنا بعضها.
القسم الثاني: أسهم لم تتوفر فيها الشروط السابقة.
وهي الأسهم التي ليست لشركات تزاول المحرمات –كالنوع الأول- ولا لشركات قائمة على الحلال –كالقسم الأول- وإنما هي أسهم لشركات قد تودع في بعض الأحيان بعض فلوسها في البنوك بفائدة، أو تقترض منها بفائدة، أو قد تكون نسبة قليلة من معاملاتها تتم من خلال عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول الإسلامية، والشركات في الدول غير الإسلامية مما يكون محلها أموراً مباحة كالزراعة، والصناعة والتجارة (أي فيما عدا المحرمات السابقة في النوع الأول) .
وقبل أن أذكر حكم هذه الأسهم أود أن أبين جملة من المبادئ الشرعية في هذا الصدد منها:
أولاً: أن المسلمين مطالبون بتوفير المال الحلال الطبيب الذي لا شبهة فيه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا﴾ [النحل: ١١٤] ويقول رسول الله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ... )) (١)
قال الحافظ ابن حجر: "واختلف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم. وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف " ثم قال: " ... رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم الخلاف الأولى ... " ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول: " المكروه عقبة بين العبد الحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام ... وهو منزع حسن" (٢)
стр. 14524
ثانياً: أن الشريعة الإسلامية الغراء مبناها على رفع الحرج ودفع المشقة، وتحقيق اليسر والمصالح للأمة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وهذا المبدأ من الوضوح ما لا يحتاج إلى دليل، بل هو مقصد من مقاصد الشريعة.
وبناء على هذا الأصل العظيم أبيحت المحظورات للضرورة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
وكما أن الضرورة مرفوعة كذلك نزلت الحاجة منزلة الضرورة، يقول السيوطي، وابن نجيم وغيرهما: " الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة " ولهذا جوزت الإجارة والجعالة، ونحوها (١)
يقول الشيخ أحمد الزرقاء: "والمراد بالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيراً، أو تسهيلاً لأجل الحصول على المقصود فهي دون الضرورة من هذه الجهة وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمراً، والثابت للضرورة مؤقتاً ... " (٢)
ومن الأمثلة الفقهية لهذه القاعدة ما أجازه فقهاء الحنفية من بيع الوفاء مع أن مقتضاه عدم الجواز؛ لأنه إما من قبيل الربا، لأنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين، أو صفقة مشروطة في صفقة كأنه قال: بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالثمن، وكلاهما غير جائز، ولكن لما مست الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها جوز على وجه أنه رهن أبيح الانتفاع بثمراته ومنافعه كلبن الشاة، والرهن على هذه الكيفية جائز. (٣)
ومن هذه الاجتهادات ما ذكره ابن عابدين أن مشايخ بلخ، والنسفي أجازوا حمل الطعام ببعض المحمول، ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بلادهم بذلك، وللحاجة مع أن ذلك خلاف القياس، وأن متقدمي الحنفية صرحوا بعدم جوازه (٤) وذكر أيضاً أن بعض قدماء الحنفية لما سئلوا عن النسبة المئوية التي يأخذها السمسار مثل ١٠? قالوا: ذاك حرام عليهم، وإنما يجب لهم أجر المثل. بينما أجازه بعضهم مثل محمد بن سلمة حيث سئل عن أجرة السمسار فقال: أرجو أنه لا بأس به –وإن كان في الأصل فاسداً- لكثرة التعامل، وكثير من هذا غير جائز فجوزوه لحاجة الناس إليه ... (٥)
ولهذه القاعدة أدلة عملية من السنة المشرفة، منها أن رسول الله ﷺ أباح بيع العرايا (٦) مع أن أصلها يدخل في باب الربا، حيث لم يجوز ﷺ بيع التمر بالرطب (٧) لوجود النقصان، وعدم تحقيق التماثل الحقيقي، ومع ذلك أباح العرايا لحاجة الناس إليها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأباح بيع العرايا ... عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا ... " (٨) ويقول أيضاً: " الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم" (٩) ويقول: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه في البيع لأجل نوع الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك" (١٠)
стр. 14525
ثالثاً: لا ينكر دور العرف وأثره في الفقه الإسلامي ما دام لا يتعارض مع نصوص الشرعية، يقول ابن نجيم: "واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذك أصلاً ... " ثم قال: " والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره، فأقول على اعتباره أن يفتى بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم، ويصير الخلو في الحانوت حقًّا له، فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها، ولا إجارتها لغيره ولو كانت وقفاً، وقد وقع في حوانيت الجملوث بالغورية أن السلطان الغوري لما بناها أسكنها للتجار بالخلو، وجعل لكل حانوت قدراً أخذه منهم، وكتب ذلك بمكتوب الوقف، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص".
ويقول ابن نجيم مضيفاً إلى ما سبق من مسائل: "وقد اعتبروا عرف القاهرة في مسائل، منها ما في فتح القدير من دخول السلم في البيت المبيع في القاهرة دون غيرها؛ لأن بيوتهم طبقات لا ينتفع بها إلا به". (١) بل إن المحققين من العلماء لا يبيحون لعالم يفتي إلا بعد معرفته بأحوال الناس، وأعرافهم، وأن يلاحظ عرف كل بلد، وفي هذا يقول ابن القيم: " ... فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه ... " (٢)
رابعاً: أننا –نحن المسلمين اليوم- لا نعيش عصراً يطبق فيه المنهج الإسلامي بكامله، فيسوده نظامك الإسلام السياسي، والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وإنما نعيش في عصر يسوده النظام الرأسمالي، والاشتراكي، وحينئذ لا يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير المعاملات بين المسلمين على العزائم دون الرخص، وعلى المجمع عليه دون المختلف فيه، وعلى الحلال الطيب الخالص دون وجود الشبهة، فعصرنا يقتضي البحث عن الحلول النافعة حتى ولو قامت على رأي فقيه واحد معتبر ما دام رأيه يحقق المصلحة للمسلمين، بل لا ينبغي اشتراط أن نجد رأياً سابقاً، وإنما علينا أن نبحث في إطار المبادئ والأصول العامة التي تحقق الخير للأمة، ولا يتعارض مع نص شرعي ثابت.
стр. 14526
علينا أن نبحث عن تحقيق نظام اقتصادي، علينا أن نبحث بجد عن حماية أموال المسلمين، وإبقاء اقتصادهم بأيديهم دون سيطرة غيرهم عليه، فننظر إلى هذا الأفق الواسع لشيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث يقول: "لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستحل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام" (١)
حكم هذا القسم من الأسهم:
بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من الأسهم، واختلاف المعاصرين، وأدلتهم مع الترجيح.
لقد اختلف المعاصرون على رأيين:
الرأي الأول: هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض، وبعضهم فضل وجود هيئة رقابة شرعية لها (٢)
الرأي الثاني: إباحة الأسهم (السابقة) والتصرف فيها.
هذا وقد قال الكثيرون بإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقاً دون التطرق إلى التفصيل الذي ذكرته، منهم الشيوخ: علي الخفيف، وأبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن حسن، وعبد العزيز الخياط، ووهبة الزحيلي، والقاضي عبد الله بن سليمان بن منيع، وغيرهم على تفصيل وتفريع لدى بعضهم يجب أن يراجع (٣)
وقد بنى أصحاب الرأي الأول رأيهم على أن هذه الأسهم ما دام فيها حرام، أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه الأسهم محرماً شراؤها، بناء على النصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام، والشبهات، وعلى قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.
стр. 14527
أما المبيحون فهم يعتمدون على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة، وما شابها من بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحلال، فما دام أكثرية رأس المال حلالاً، وأكثر التصرفات حلالاً فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الشائع، ولا سيما يمكن إزالة هذه النسبة من المحرمات عن طريق معرفتها من خلال الميزانية المفصلة، أو السؤال عن الشركة، ثم التخلص منها. (١)
ويمكن تأصيل ذلك من خلال القواعد الفقهية، ونصوص الفقهاء، المبنية على عموم الشريعة ومبادئها في اليسر، رفع الحرج على ضوء ما يأتي:
أولاً: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرماً عند الكثيرين، حيث أجازوا في المال الحلال المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها، غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الحرام نوعان": حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة، وغير طعمه، أو لونه، أو ريحه حرم، وإن لم يغيره ففيه نزاع ...
والثاني: الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصباً، أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه، فلو غصب الرجل دراهم، أو دنانير أو دقيقاً، أو حنطة، أو خبزاً، وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع لا على هذا ولا على هذا بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه، ويأخذ هذا قدر حقه، وهذا قدر حقه.
فهذا أصل نافع، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدرهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع الناس فيما إذا كانت –أي الدراهم الحلال- قليلة، أما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً ... (٢)
وعلى ضوء ذلك فمسألتنا هذه من النوع الثاني حيث كلامنا في أسهم شابتها بعض تصرفات محرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية، وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر نصوص الفقهاء في هذه المسألة:
يقول ابن نجيم الحنفي: " إذا كان غالب مال المهدي حلالاً فلا بأس بقبول هديته، وأكل ماله ما لم يتبين أنه حرام، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلا إذا قال: إنه حلال ورثه، أو استقرضه " ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق لا تخلو عن الفساد والحرام يتنزه المسلم عن شرائه، ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له. وقال أيضاً: "إذا اختلط الحلال والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء، والأخذ إلا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام، كذا في الأصل" (٣)
ثم ذكر صوراً أخرى فقال: "ومنها البيع، فإذا جمع بين حلال وحرام في صفقة واحدة، فإن كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة، فإنه يسري البطلان إلى الحلال لقوة بطلان الحرام، وإن كان الحرام ضعيفاً كأن يكون مالاً في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن ... فإنه لا يسري الفساد إلى القن لضعفه ... " (٤)
وقال الكاساني: "كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه". (٥)
стр. 14528
وقد أفاض الفقيه ابن رشد في هذه المسألة، نذكر مها ما يلي: حيث قال: "فأما الحال الأولى: وهي أن يكون الغالب على ماله الحلال، فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر الله تعالى، ويتوب إليه برد ما عليه من الحرام ... أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم ... وإن كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدًا على ما أعطى ... "
ثم قال: "وإن علم بائعه في ذلك كله رد عليه ما أربى فيه معه فإذا فعل هذا كله سقطت حرمته، وصحت عدالته، وبرئ من الإثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء".
واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته، وقبول هديته، وأكل طعامه، فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب وحرمه أصبغ ...
ثم قال ابن رشد: "وقول ابن القاسم هو القياس؛ لأن الحرام قد ترتب على ذمته، فليس متعيناً في جميع ما في يده من المال بعينه شائعاً ... وأما قول أصبغ فإنه تشديد على غير قياس".
وأما الحال الثانية: وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في خاصة نفسه على ما تقدم سواء.
وأما معاملته وقبول هديته فمنع من ذلك أصحابنا، قيل على وجه الكراهة –وعز هذا القول إلى ابن القاسم- وقيل على وجه التحريم إلا أن يبتاع سلعة حلالاً فلا بأس أن تشترى منه وأن تقبل منه هبة ... (١)
وقال العز بن عبد السلام: "وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة ... (٢) ومثله قال الزركشي " (٣)
بل إن السيوطي ذكر أن الأصح عند فقهاء الشافعية –ما عدا الغزالي - أنهم لم يحرموا معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه، ولكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام على يده كما قال في المهذب: إن المشهور فيه الكراهة، لا التحريم خلافاً للغزالي ... قال في الإحياء: "لو اختلط في البلد حرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه بل يجوز الأخذ منه إلا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام" وقال: ويدخل في هذه القاعدة تفريق الصفقة، وهي أن يجمع في عقدين حرام وحلال، ويجري في أبواب، وفيها غالباً قولان، أو وجهان أصحهما الصحة في الحلال، والثاني البطلان في الكل ... ومن أمثلة ذلك في البيع أن يبيع خلًّا وخمراً ... (٤) وقال ابن المنذر: اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام، وقبول هديته وجائزته، فرخص فيه الحسن، ومكحول، والزهري والشافعي، قال الشافعي: "لا أحب ذلك، وكره ذلك طائفة ... " (٥)
стр. 14529
وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً حينما سئل سؤالاً لا نزال نسمعه حتى في عصرنا الحاضر، وهو: أن رجلاً نقل عن بعض السلف من الفقهاء: أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا الزمان، فقيل له: لم ذلك؟ فذكر: أن وقعة المنصورة لم تقسم الغنائم فيها، واختلطت الأموال بالمعاملات بها، فقيل له: إن الرجل يؤجر نفسه لعمل من الأعمال المباحة، ويأخذ أجرته حلالاً، فذكر أن الدرهم في نفسه حرام.
فأجاب –﵀ هذا القائل ... غالط مخطئ ... فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل الشك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة ... وقال: انظر إلى هذا الخبيث يحرم أموال المسلمين.
ثم ذكر خطورة آثار هذا التصور الفاسد، منها أن بعض الناس ظنوا ما دام الحرام قد أطبق الأرض، إذن لماذا البحث عن الحلال؟ فاعتبروا الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا منه، وبعضهم اخترعوا الحكايات الكاذبة بحجة الورع.
ثم رد على هذه المقالة، وبين بأن الغالب على أموال المسلمين الحلال، ثم ذكر عدة أصول:
"أحدها: أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراماً، وإنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو قياس مرجح لذلك، وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول" ثم بين بأن حمل المسلمين على مذهب معين غلط.
ثم ذكر أصلاً آخر وهو أن خلط الحرام بالحلال لا يحرم جميع المال، -كما سبق- كما ذكر أصلاً آخر وهو أن المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه، ولذلك إذا لم يعلم صاحب اللقطة حل لملتقطها بعد التعريف بها، ومن هنا، فإذا لم يعلم حال ذلك المال الذي بيده بنى الأمر على الأصل، وهو الإباحة (١)
وذكر في جواب سؤال حول التعامل مع من كان غالب أموالهم حراماً مثل المكاسين وأكلة الربا؟
فأجاب: "إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلا أن يعرف الكره من وجه آخر. وذلك أنه إذا باع ألفاً بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له" (٢)
وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (٣)
стр. 14530
وقريباً من ذلك يقرره ابن القيم موضحاً أن " التحريم لم يتعلق بذات الدرهم –أي الدرهم الحرام الذي اختلط بماله- وجوهره، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى ... وهذا هو الصحيح في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخلق إلا به" (١)
وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيراً من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام، ولكن غالبه حلال، ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من الأسهم، ولكن يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة، مع مراعاة الضوابط التي نذكرها في الأخير (٢)
ثانياً: قاعدة: يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة الصحيحة المتفق عليها. (٣)
وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعاً، وليست أصلاً مقصوداً بالتملك والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية، أو الاقتراض منها.
فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله (مجلس الإدارة) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة، وهو أيضاً عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة.
ثالثاً: قاعدة: للأكثر حكم الكل، وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط بالحرام، حيث إن الجمهور على أن العبرة بالأغلب –كما سبق- (٤) وقد ذكر الفقهاء لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة، والعبادات، والمعاملات، اللباس –كالحرير- والصيد، والطعام، والأيمان، وغيرها. (٥)
إضافة إلى قاعدة: " الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة "–كما سبق ذكرها- وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه. (٦)
وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا الإسلامي ملحة، فالأفراد كلهم لا يستغنون عن استثمار مدخراتهم، والدول كذلك بحاجة إلى توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة الأجل بما يعود بالخير على الجميع، ولو امتنع المسلمون من شراء أسهم تلك الشركات لأدى ذلك إلى أحد أمرين:
أحدهما: توقف هذه المشروعات التي هي حيوية في العالم الإسلامي.
ثانيهما: غلبة غير المسلمين على هذه الشركات، وعلى إدارتها، أو على الأقل غلبة الفسقة والفجرة عليها.