← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14526–14565 · переход к 14531.

стр. 14526

علينا أن نبحث عن تحقيق نظام اقتصادي، علينا أن نبحث بجد عن حماية أموال المسلمين، وإبقاء اقتصادهم بأيديهم دون سيطرة غيرهم عليه، فننظر إلى هذا الأفق الواسع لشيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث يقول: "لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستحل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام" (١) حكم هذا القسم من الأسهم: بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من الأسهم، واختلاف المعاصرين، وأدلتهم مع الترجيح. لقد اختلف المعاصرون على رأيين: الرأي الأول: هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض، وبعضهم فضل وجود هيئة رقابة شرعية لها (٢) الرأي الثاني: إباحة الأسهم (السابقة) والتصرف فيها. هذا وقد قال الكثيرون بإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقاً دون التطرق إلى التفصيل الذي ذكرته، منهم الشيوخ: علي الخفيف، وأبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن حسن، وعبد العزيز الخياط، ووهبة الزحيلي، والقاضي عبد الله بن سليمان بن منيع، وغيرهم على تفصيل وتفريع لدى بعضهم يجب أن يراجع (٣) وقد بنى أصحاب الرأي الأول رأيهم على أن هذه الأسهم ما دام فيها حرام، أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه الأسهم محرماً شراؤها، بناء على النصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام، والشبهات، وعلى قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.

стр. 14527

أما المبيحون فهم يعتمدون على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة، وما شابها من بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحلال، فما دام أكثرية رأس المال حلالاً، وأكثر التصرفات حلالاً فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الشائع، ولا سيما يمكن إزالة هذه النسبة من المحرمات عن طريق معرفتها من خلال الميزانية المفصلة، أو السؤال عن الشركة، ثم التخلص منها. (١) ويمكن تأصيل ذلك من خلال القواعد الفقهية، ونصوص الفقهاء، المبنية على عموم الشريعة ومبادئها في اليسر، رفع الحرج على ضوء ما يأتي: أولاً: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرماً عند الكثيرين، حيث أجازوا في المال الحلال المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها، غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الحرام نوعان": حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة، وغير طعمه، أو لونه، أو ريحه حرم، وإن لم يغيره ففيه نزاع ... والثاني: الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصباً، أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه، فلو غصب الرجل دراهم، أو دنانير أو دقيقاً، أو حنطة، أو خبزاً، وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع لا على هذا ولا على هذا بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه، ويأخذ هذا قدر حقه، وهذا قدر حقه. فهذا أصل نافع، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدرهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع الناس فيما إذا كانت –أي الدراهم الحلال- قليلة، أما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً ... (٢) وعلى ضوء ذلك فمسألتنا هذه من النوع الثاني حيث كلامنا في أسهم شابتها بعض تصرفات محرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية، وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر نصوص الفقهاء في هذه المسألة: يقول ابن نجيم الحنفي: " إذا كان غالب مال المهدي حلالاً فلا بأس بقبول هديته، وأكل ماله ما لم يتبين أنه حرام، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلا إذا قال: إنه حلال ورثه، أو استقرضه " ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق لا تخلو عن الفساد والحرام يتنزه المسلم عن شرائه، ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له. وقال أيضاً: "إذا اختلط الحلال والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء، والأخذ إلا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام، كذا في الأصل" (٣) ثم ذكر صوراً أخرى فقال: "ومنها البيع، فإذا جمع بين حلال وحرام في صفقة واحدة، فإن كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة، فإنه يسري البطلان إلى الحلال لقوة بطلان الحرام، وإن كان الحرام ضعيفاً كأن يكون مالاً في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن ... فإنه لا يسري الفساد إلى القن لضعفه ... " (٤) وقال الكاساني: "كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه". (٥)

стр. 14528

وقد أفاض الفقيه ابن رشد في هذه المسألة، نذكر مها ما يلي: حيث قال: "فأما الحال الأولى: وهي أن يكون الغالب على ماله الحلال، فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر الله تعالى، ويتوب إليه برد ما عليه من الحرام ... أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم ... وإن كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدًا على ما أعطى ... " ثم قال: "وإن علم بائعه في ذلك كله رد عليه ما أربى فيه معه فإذا فعل هذا كله سقطت حرمته، وصحت عدالته، وبرئ من الإثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء". واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته، وقبول هديته، وأكل طعامه، فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب وحرمه أصبغ ... ثم قال ابن رشد: "وقول ابن القاسم هو القياس؛ لأن الحرام قد ترتب على ذمته، فليس متعيناً في جميع ما في يده من المال بعينه شائعاً ... وأما قول أصبغ فإنه تشديد على غير قياس". وأما الحال الثانية: وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في خاصة نفسه على ما تقدم سواء. وأما معاملته وقبول هديته فمنع من ذلك أصحابنا، قيل على وجه الكراهة –وعز هذا القول إلى ابن القاسم- وقيل على وجه التحريم إلا أن يبتاع سلعة حلالاً فلا بأس أن تشترى منه وأن تقبل منه هبة ... (١) وقال العز بن عبد السلام: "وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة ... (٢) ومثله قال الزركشي " (٣) بل إن السيوطي ذكر أن الأصح عند فقهاء الشافعية –ما عدا الغزالي - أنهم لم يحرموا معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه، ولكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام على يده كما قال في المهذب: إن المشهور فيه الكراهة، لا التحريم خلافاً للغزالي ... قال في الإحياء: "لو اختلط في البلد حرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه بل يجوز الأخذ منه إلا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام" وقال: ويدخل في هذه القاعدة تفريق الصفقة، وهي أن يجمع في عقدين حرام وحلال، ويجري في أبواب، وفيها غالباً قولان، أو وجهان أصحهما الصحة في الحلال، والثاني البطلان في الكل ... ومن أمثلة ذلك في البيع أن يبيع خلًّا وخمراً ... (٤) وقال ابن المنذر: اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام، وقبول هديته وجائزته، فرخص فيه الحسن، ومكحول، والزهري والشافعي، قال الشافعي: "لا أحب ذلك، وكره ذلك طائفة ... " (٥)

стр. 14529

وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً حينما سئل سؤالاً لا نزال نسمعه حتى في عصرنا الحاضر، وهو: أن رجلاً نقل عن بعض السلف من الفقهاء: أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا الزمان، فقيل له: لم ذلك؟ فذكر: أن وقعة المنصورة لم تقسم الغنائم فيها، واختلطت الأموال بالمعاملات بها، فقيل له: إن الرجل يؤجر نفسه لعمل من الأعمال المباحة، ويأخذ أجرته حلالاً، فذكر أن الدرهم في نفسه حرام. فأجاب –﵀ هذا القائل ... غالط مخطئ ... فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل الشك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة ... وقال: انظر إلى هذا الخبيث يحرم أموال المسلمين. ثم ذكر خطورة آثار هذا التصور الفاسد، منها أن بعض الناس ظنوا ما دام الحرام قد أطبق الأرض، إذن لماذا البحث عن الحلال؟ فاعتبروا الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا منه، وبعضهم اخترعوا الحكايات الكاذبة بحجة الورع. ثم رد على هذه المقالة، وبين بأن الغالب على أموال المسلمين الحلال، ثم ذكر عدة أصول: "أحدها: أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراماً، وإنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو قياس مرجح لذلك، وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول" ثم بين بأن حمل المسلمين على مذهب معين غلط. ثم ذكر أصلاً آخر وهو أن خلط الحرام بالحلال لا يحرم جميع المال، -كما سبق- كما ذكر أصلاً آخر وهو أن المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه، ولذلك إذا لم يعلم صاحب اللقطة حل لملتقطها بعد التعريف بها، ومن هنا، فإذا لم يعلم حال ذلك المال الذي بيده بنى الأمر على الأصل، وهو الإباحة (١) وذكر في جواب سؤال حول التعامل مع من كان غالب أموالهم حراماً مثل المكاسين وأكلة الربا؟ فأجاب: "إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلا أن يعرف الكره من وجه آخر. وذلك أنه إذا باع ألفاً بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له" (٢) وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (٣)

стр. 14530

وقريباً من ذلك يقرره ابن القيم موضحاً أن " التحريم لم يتعلق بذات الدرهم –أي الدرهم الحرام الذي اختلط بماله- وجوهره، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى ... وهذا هو الصحيح في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخلق إلا به" (١) وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيراً من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام، ولكن غالبه حلال، ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من الأسهم، ولكن يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة، مع مراعاة الضوابط التي نذكرها في الأخير (٢) ثانياً: قاعدة: يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة الصحيحة المتفق عليها. (٣) وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعاً، وليست أصلاً مقصوداً بالتملك والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية، أو الاقتراض منها. فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله (مجلس الإدارة) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة، وهو أيضاً عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة. ثالثاً: قاعدة: للأكثر حكم الكل، وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط بالحرام، حيث إن الجمهور على أن العبرة بالأغلب –كما سبق- (٤) وقد ذكر الفقهاء لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة، والعبادات، والمعاملات، اللباس –كالحرير- والصيد، والطعام، والأيمان، وغيرها. (٥) إضافة إلى قاعدة: " الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة "–كما سبق ذكرها- وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه. (٦) وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا الإسلامي ملحة، فالأفراد كلهم لا يستغنون عن استثمار مدخراتهم، والدول كذلك بحاجة إلى توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة الأجل بما يعود بالخير على الجميع، ولو امتنع المسلمون من شراء أسهم تلك الشركات لأدى ذلك إلى أحد أمرين: أحدهما: توقف هذه المشروعات التي هي حيوية في العالم الإسلامي. ثانيهما: غلبة غير المسلمين على هذه الشركات، وعلى إدارتها، أو على الأقل غلبة الفسقة والفجرة عليها.

стр. 14531

لكن لو أقدم على شرائها المسلمون المخلصون لأصبحوا قادرين في المستقبل على منع تعاملها مع البنوك الربوية ولغيروا اتجاه الشركة لصالح الإسلام. وهذا لا يعني أن المسؤولين القادرين في الشركة وفي غيرها على التغيير معفون عن الإثم، بل هم آثمون، لكن عامة الناس لهم الحق في شراء هذه الأسهم حسب الضوابط التي نذكرها، ولذلك لو كان المساهم قادراً على منع الشركة من إيداع بعض أموالها في الشركة لوجب عليه ذلك. مناقشة الرأي الأول المانع من تداول هذا النوع من الأسهم: أولاً: أن وجود نسبة ضئيلة من الحرام في المال الحلال لا يجعله حراماً، وإنما يجب نبذ المحرم فقط –كما سبق تفصيله-. ثانياً: أن اشتراط البعض في حل الأسهم أو التعامل مع الشركات وجود رقابة شرعية لشركتها لا نجد له دليلاً من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس صحيح، فالمسلمون مؤتمنون على دينهم وعلى الحل والحرمة، وهم مستورون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمسلم إذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالحيل ... " التي يفتي بها من يفتي ... جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في ذلك المال، ثم قال: "وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلاً، ومن ترك معاملته ورعاً كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان" (١) بل إن التعامل مع الكفرة جائز فيما ليس محرماً بالاتفاق، يقول ابن تيمية: " ... وحينئذ فجميع الأموال التي بأيدي المسلمين واليهود والنصارى لا يعلم بدلالة ولا أمارة أنها مغصوبة، أو مقبوضة لا يجوز معه معاملة القابض، فإنه يجوز معاملته فيها بلا ريب ولا تنازع في ذلك بين الأئمة أعلمه". (٢) نعم لا شك أن معرفة الحلال والحرام ضروري لكل من يدخل في السوق حتى يحافظ على دينه، ويعلم الحلال والحرام إما بنفسه، أو عن طريق السؤال عن أهل الذكر. لكن لا ينبغي الحكم بعدم جواز التعامل معهم، أو مع شركاتهم إلا مع وجود رقابة شرعية، فهذا الشرط تعسف وتضييق لما وسعته الشريعة. وصحيح أن وجود الرقابة الشرعية للشركة يعطي الأمان للمتعاملين معها لكن اشتراط حل التعامل بوجودها أمر يستدعي إعادة النظر.

стр. 14532

الرأي الراجح مع ضوابطه: الذي نرى رجحانه –والله أعلم- هو أن هذا النوع من الأسهم بالنسبة للشركات التي يمتلكها المسلمون هو ما يأتي: أولاً: أن مجلس الإدارة، والمدير المسؤول لا يجوز لهم قطعاً مزاولة أي نشاط محرم، فلا يجوز لهم الإقراض أو الاقتراض بفائدة، ولو فعلوا ذلك لدخلوا في الحرب التي أعلنها الله تعالى عليهم ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ولا سيما بعد ما يسر الله للمسلمين وجود بنوك إسلامية في أغلب الأماكن، أو قيامها باستثمار جميع أموالها في خيارات إسلامية كثيرة. ثانياً: أما مشاركة المسلمين في هذه الشركات السابقة وشراء أسهمها، والتصرف فيها فجائزة ما دام غالب أموالها وتصرفاتها حلالاً، وإن كان الأحوط الابتعاد عنها. ولكن ينبغي على من يشترك مراعاة ما يلي: ١- أن يقصد بشراء أسهم هذه الشركات تغييرها نحو الحلال المحض من خلال صوته في الجمعية العمومية، أو مجلس الإدارة. ٢- أن يبذل جهده وماله لتوفير المال الحلال الطيب المحض ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً، ولا يتجه نحو ما فيه شبهة إلا عند الحاجة الملحة ومصلحة المسلمين، واقتصادهم من المشاركة في التنمية والاستثمار والنهوض باقتصادهم من خلال الشركات الكبرى. ٣- أن صاحب هذه الأسهم عليه أن يراعي نسبة الفائدة التي أخذتها الشركة على الأموال المودعة لدى البنوك، ويظهر ذلك من خلال ميزانية الشركة، أو السؤال عن مسؤولي الحسابات فيها، وإذا لم يمكنه ذلك اجتهد في تقديرها، ثم يصرف هذا القدر في الجهات العامة الخيرية. ٤- لا يجوز للمسلم أن يؤسس شركة تنص في نظامها الأساسي على أنها تتعامل بالربا إقراضاً واقتراضاً، ولا يجوز كذلك التعاون في تأسيسها ما دامت كذلك؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، إلا لمن يقدر على تغييرها إلى الحلال. ثالثاً: أن الحكم بإباحة تداول هذه الأسهم – مع هذه الضوابط- خاص بما إذا كانت الأسهم عادية، أو ممتازة لكن ليس امتيازها على أساس المال. وأما غيرهما فسيأتي حكم كل نوع على حدة.

стр. 14533

أما أسهم الشركات التي يمتلكها غير المسلمين ولا ينص نظامها على التعامل في الحرام فقد شدد فيها البعض أكثر (١) ولكن لا أرى مانعاً من التعامل فيها حسب الضوابط السابقة، وقد انتهت ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية التي عقدت في الرباط ٢٠- ٢٥ ربيع الآخر ١٤١٠ هـ إلى أن أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال لكنها تتعامل أحياناً بالربا ... فإن تملكها، أو تداولها جائز نظراً لمشروعية غرضها، مع حرمة الإقراض، أو الاقتراض الربوي، ووجوب تغيير ذلك، والإنكار والاعتراض على القائم به، ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص بما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة بصرفه في وجوه الخير. وكذلك ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي حيث أجازت باتفاق المشاركين شراء أهم الشركات العاملة في البلاد الإسلامية لقصد العمل على أسلمة معاملاتها، بل اعتبروا ذلك أمراً مطلوبا، لما فيه من زيادة مجالات التزام المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية. وأجازوا بالأغلبية شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد غير الإسلامية، إذا لم يجدوا بديلاً خالصاً من الشوائب. (٢) والقول بالجواز إن كان نظام الشركة لا ينص على التعامل في الحرام، ومع الضوابط السابقة هو الذي يتناسب مع روح هذه الشريعة القائمة على التيسير، ورفع الحرج، ومراعاة حاجات الناس في الاستثمار؛ وذلك لأنه إذا وجد فيه حرام فهو نسبة ضئيلة لا تؤثر في باقي المال وكذلك يمكن التخلص منها عن طريق إعطائها للجهات الخيرية العامة، بالإضافة إلى أن محل البيع المعقود عليه في جملته أمور مباحة، وأن المشاركة في ذلك جائزة، ولم يمنع أحد من الرعيل الأول التعامل مع أهل الكتاب في الجملة، بل كان رسول الله ﷺ والصحابة الكرام يتعاملون معهم، مع أن معاملات أهل الكتاب وأموالهم لم يكن جميعها على الشروط المطلوبة في الإسلام، فقد ترجم البخاري: باب المزارعة مع اليهود، فقال الحافظ ابن حجر: "وأراد بهذا: الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة " (٣) كما صح أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعه (٤) وكذلك الأمر عند الصحابة ﵃ حيث كان التعامل معهم سائداً في الجملة.

стр. 14534

الخاتمة ١- الاستثمار في الإسلام له منهجه الخاص المتميز القائم على العقيدة والقيم والأخلاق. ويترتب على ذلك: - اندفاع المؤمن نحو العمل والاستثمار من مطلق تنفيذ أمر الله تعالى بالتعمير، وإيمانه بأن الربا وبقية المحرمات نقص ومحق للمال، وأن الإنفاق في سبيل الله زيادة وبركة وخير. - وأن المؤمن يجعل رضاء الله تعالى نصب عينيه ولذلك يهتم بإطعام الفقراء واليتامى والأسارى، بينما يجعل الكافر مصلحته هي الأساس ولذلك لا ينفق إلا لمصلحته المادية الظاهرة. - وتحريم الحيل والغش والاستغلال والاحتكار والظلم والربا وغيره مما حرمه الله تعالى ورسوله الكريم ﷺ . ٢- الأسهم هي جمع السهم وهو صك يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، أو هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال ... ٣- أسهم الشركات التي يكون نشاطها في المحرمات كالبنوك الربوية والشركات التي تتعامل في الخنزير والمسكرات والمخدرات فحكم الاستثمار في هذه الأسهم التحريم بدون خلاف. ٤- أسهم شركات يكون نشاطها في الحلال المحض كالبنوك الإسلامية، والشركات الإسلامية فحكم الاستثمار في هذا النوع الإباحة بلا شك. ٥- أسهم شركات يكون محل نشاطها الحلال، وليس في نظامها الأساسي أن تتعامل في الحرام، ولكن قد تتعامل مع البنوك الربوية إقراضاً أو اقتراضاً فحكم هذا النوع مختلف فيه. فالذي تقتضيه مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة جواز الاستثمار فيه بالشروط التالية: ١- أن يكون دخول المساهم في مثل هذه الشركات لأجل تغيير الشركة وأسلمتها. ٢- أن يتخلص المساهم من نسبة الأموال المحرمة على ضوء الميزانية فيدفعها إلى الجهات العامة. وأما المدير وأعضاء مجلس الإدارة وكل من يشارك في كتابة العقود الربوية فآثمون بلا شك إلى أن يذروا الربا. ومع ذلك فعلى الإنسان المسلم أن يتحرى الحلال بعيداً من الشبهات، وعلى الدول الإسلامية أن تلتزم بالشريعة الإسلامية، وتطهر أنظمتها من الربا والمحرمات والشبهات والله المستعان. د. علي محيي الدين القره داغي

стр. 14535

الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية إعداد الدكتور عبد الستار أبو غدة المستشار الشرعي بمؤسسة دلة البركة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان. وبعد، فهذا البحث المتناول لموضوع "الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية " مقدم إلى الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي، وقد جرى التركيز فيه على ما يتعلق بالصناديق الاستثمارية والإصدارات الاستثمارية، لقلة معالجتها من الناحية الفقهية، كما اشتمل في أثنائه على حكم الاستثمار عند الفقهاء لتجلية ما اشتبه أمره في بعض الأبحاث الاقتصادية، وكذلك حكم الإسهام في الشركات ذات الغرض المشروع مع وقوع بعض التصرفات الجانبية الخارجة عن ذلك الغرض ... في جملة مسائل أخرى ذات صلة بالاستثمار ولا سيما في الأسهم والوحدات بعدما أصبحت أهم الأوعية للأموال النامية، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 14536

تعريف الاستثمار ومفهومه وتقسيمه تعريف الاستثمار في اللغة والفقه: ثمر الشجر يثمر ثموراً أي طلع ثمره، وثمر الرجل: تمول، وأثمر الرجل كثر ماله (١) ومعنى الاستثمار في اللغة طلب الحصول على الثمرة، وثمرة الشيء ما تولد عنه، أو نفعه المقصود منه. وثمر الرجل ماله أي أحسن القيام عليه ونماه. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للفقهاء عن المعنى اللغوي، ولا يستعمل الفقهاء لفظ (الاستثمار) بل يستعملون لفظ (التثمير) ويقصدون من التثمير تكثير المال وتنميته بسائر الطرق المشروعة. وأكثر ما يستعمل الفقهاء في هذا المجال كلمة (التنمية) و (الاستنماء) وهو طلب (النماء) وقد تكرر ذلك في باب (المضاربة) و (القراض) . فمن كلام الكاساني الحنفي في ذلك قوله: المقصود من عقد المضاربة هو (استنماء) المال. ويقول الصاوي المالكي في بيان الحكمة من مشروعية القراض: وليس كل واحد يقدر على (التنمية) بنفسه. ويقول الشيرازي الشافعي: الأثمان في المقارضة لا يتوصل إلى (نمائها) إلا بالعمل، فجازت المعاملة عليها ببعض النماء الخارج منها. وعقد القرطبي في تفسيره فصلاً بعنوان "حفظ الأموال وتنميتها" (٢) تعريف الاستثمار في الاقتصاد: حيث إن لفظة (الاستثمار) هي من المصطلحات الاقتصادية العالمية، فإن من المناسب الإشارة إلى المقصود من هذا، أي المعنى المصطلح عليه في كتابات الاقتصاديين من شتى الأقطار، بعد الاتفاق على أن كلمة (الاستثمار) في علم الاقتصاد لا تخرج عن المعنى اللغوي السابق؛ لأنها يقصد بها أي زيادة أو إضافة جديدة في ثروة المجتمع، مثل إقامة المصانع والمزارع والمباني والطرق وغيرها من المشروعات التي تعد تكثيراً للرصيد الاقتصادي للمجتمع. والاقتصاديون محترزون بهذا عن التصرفات المتعلقة بانتقال الملكية من شخص إلى آخر فلا يدرجونها في الاستثمار؛ لأن نقل ملكية مبنى أو متجر أو منشأة من شخص إلى آخر لا يترتب عليه إضافة جديدة إلى أصول المجتمع فإنها تظل ثابتة لم يطرأ عليها أي زيادة. ويسمى الاستثمار أيضاً عند الاقتصاديين (التوظيف) .

стр. 14537

ولا ينكر أن هناك استعمالاً شائعاً لكلمة (الاستثمار) بالمدلول العام في تحقيق المكاسب عن طريق ممارسة أي نشاط تجاري أو صناعي أو خدمي، بهدف الحصول على الأرباح، ولعل لهذا الاستعمال مسوغاته كما سيأتي، بخلاف الاعتقاد السائد بأن الاستثمار لا يكون إلا في رأس مال كبير! والواقع أن كل فرد مهما قل ماله قد يقوم بدور استثماري معين: ١- إذا كانت لديه فكرة عن الهدف من الاستثمار. ٢- وعن المجال المناسب الذي يمكنه الاستثمار فيه. ويدل على ذلك أن معظم المستثمرين في أكبر الشركات المساهمة هم من صغار المكتتبين. (١) وإذا أردنا الغوص في المدلول الاقتصادي التخصصي لكلمة الاستثمار، والفارق الجوهري بينها وبين كلمة (الادخار) من خلال من كتبوا فيه بخصوصه فإن الاستثمار هو العملية الناشئة بوجه العموم عن تدخل إيجابي صادر عن أحد الأفراد بهدف إيجاد تجهيزات دائمة تؤمن خدمات عاجلة. فعملية الاستثمار تقتضي عنصرين: ١- كلفة مباشرة مؤلفة من ساعات عمل، أو بصورة عامة مؤلفة من نفقات عوامل. ٢- خدمات أو سلع ينتجها رأس المال على مدى الزمن (٢) وبعبارة أخرى فإن الاستثمار هو الاستخدام للادخارات. أما الادخار فهو الفرق بين الدخل والاستهلاك. (٣) الاستخدامات المختلفة لمفهوم الاستثمار: إن كلمة "استثمار" من الكلمات التي يمكن حملها عندما تستخدم –بين الناس- على معان متعددة، فهي تستخدم بمعنى "أي توظيف للنقود لأي أجل" مطلقاً، أو بالتقييد بكون التوظيف لأجل طويل نسبياً. أو بخصوص توظيف النقود في أوراق مالية، أو في مجال الشركات بمعنى الإنفاق الاستثماري لإنشاء مشروعات جديدة أو استكمال مشروعات قائمة أو إحلال وتحديث أصول متقادمة. أو قصر هذا الاستخدام على التوظيف في أصول آمنة أو على الأقل بمخاطر معقولة ومحسوبة تمييزاً له عن المضاربة (بالمفهوم الغربي) التي تعتمد على توقع ارتفاع الأسعار. وفيما يلي توضيح هذه الاستخدامات: أ- " الاستثمار " بمعنى أي توظيف للنقود لأي أجل: يعرف معجم المورد لفظ "الاستثمار" بأنه "تثمير أو توظيف أموال" (٤) ويشير معجم اكسفورد المختصر (الإنجليزي) إلى أن الاستثمار هو "أي استثمار للنقود أو لأية نقود مستثمرة" أو "أية ممتلكات تستثمر فيها النقود". ويعرف معجم اكسفورد (الإنجليزي – العربي) الاستثمار بأنه أي توظيف أو استغلال الأموال. ولا تنفرد المعاجم في تعريف الاستثمار بأنه أي توظيف للنقود لأي أجل بل نرى الكثيرين يستخدمون لفظ "الاستثمار" ليعني أي توظيف للأموال سواء كان التوظيف لآجال بعيدة أو لآجال قصيرة أو لآجال متوسطة، فإذا تم الاحتفاظ بالأصل لمدة خمس سنوات فإن ذلك استثمار لأجل طويل وإذا تم الاحتفاظ بالأصل لمدة أكثر من سنة وأقل من خمس سنوات كان الاستثمار متوسط الأجل، وإذا تم الاحتفاظ بالأصل لمدة سنة فأقل فيعد استثماراً أيضاً، لكنه استثمار قصير الأجل.

стр. 14538

ب- الاستثمار بمعنى أي توظيف للنقود لأجل طويل نسبياً: يعرف معجم "الأعمال والاقتصاد" الإنجليزي "الاستثمار" بأنه "شراء أي شكل من أشكال الملكية والاحتفاظ به فترة طويلة نسبياً" والاستثمار بهذا المعنى يكون في شراء سلع رأسمالية أو شراء أسهم أو وضع المدخرات لدى أفراد أو مؤسسات تقوم بتوظيفها. ويتفق هذا التعريف مع مفهوم الاستثمار في الاقتصاد حيث الاستثمار على عكس الادخار. إذ هو فيه استخدام المدخرات للحصول على سلع رأسمالية. ج- الاستثمار بمعنى "توظيف النقود في أوراق مالية" وهذا المعنى من منظور البنوك التجارية التقليدية. إن الاستثمار من منظور البنوك التجارية التقليدية يعني شراء أوراق مالية كاحتياطي وقائي (ثانوي) للسيولة أو لمتطلبات تشغيل الأموال المتاحة في أصول سهلة التحويل إلى نقدية نسبيًّا، فالاستثمار هنا يحوي شراء أوراق حكومية وهي أوراق مالية من الدرجة الأولى على اعتبار أنها حكومية وبالتالي فاحتمالات الخسارة فيها غير واردة نسبيًّا، وربما يحوي أيضاً الأوراق المالية المضمونة من الحكومة، كما يحوي أسهم الشركات الناجحة وهي تعتبر أوراقاً مالية من الدرجة الأولى. فالأصل الممكن بيعه بسهولة يصبح سائلاً تماماً مثل الأصل الذي يتحول بالتصفية إلى نقدية مثل تسديد القرض (قصير الأجل) . د- الاستثمار بمعنى " الإنفاق الرأسمالي " تمييزاً من "الإنفاق الجاري" من منظور الشركات: إن مفهوم الاستثمار من وجهة نظر الشركات الصناعية الزراعية والتجارية والخدمات – يعبر عن "ارتباط مالي بهدف تحقيق مكاسب يتوقع الحصول عليها على مدى فترة طويلة في المستقبل، ولذلك فهو نوع من الإنفاق على أصول يتوقع منها تحقيق عائد على فترة من الزمن، وهو ما يدعو البعض إلى أن يطلق عليه اصطلاح "إنفاق رأسمالي" تمييزاً له عن الإنفاق الجاري أو "المصروفات التشغيلية".

стр. 14539

والمصروفات التشغيلية –تمييزاً لها عن الإنفاق الرأسمالي- هي المصروفات التي تتم من يوم إلى يوم، مثل الأجور والمرتبات والصيانة وشراء المواد الخام، أما الإنفاق الاستثماري فإنه يشمل كل المفردات الضرورية لتقدم المنشأة (أو الدولة) في الأجل الطويل. و"الإنفاق الاستثماري" يشمل المشروعات الجديدة، أما استكمال المشروعات القائمة، أو إحلال مشروعات أو أجزاء منها للتجديد والتحديث. ومن الواضح أنها كلها ارتباطات مالية لأجل طويل. وبعكس ذلك "الإنفاق الجاري" فإنه يرتبط بفترة صغيرة نسبيًّا، كعدة أسابيع أو عدة شهور (سنة على الأكثر) ويمكن تحديد المكاسب المتوقعة منها بسهولة (١) هـ- الاستثمار بمعنى "توظيف الأموال في أصول خالية من المخاطرة أو بمخاطرة محسوبة": يستخدم لفظ "الاستثمار" أحياناً على أنه يعني ارتباطاً خالياً نسبيًّا من الخطر أو الخسارة، ولذلك فإن الأصول الجيدة غالباً ما يطلق عليها أصول " من درجة جودة استثمارية " ومن هذا المنظور فإن لفظ "الاستثمار" يعني المحافظة على الأصل، أو يعني الاستقرار في الدخل حتى لو كان دخلاً متواضعاً ويترتب على ذلك بطبيعة الحال عدم زيادة كبيرة لقيمة الأصل في نهاية المدة. وهذا التعريف للاستثمار يرفض أي استثمار تكون المخاطرة فيه عالية من أجل تحقيق مكاسب كبيرة. فهذا ليس استثماراً ولكنه مجازفة بمعاملات لا يقصد منها المحل الذي تقع عليه وإنما المغامرة في إيقاع تصرفات قائمة على الغرر (المقامرة) . (٢) هذا، وإن مفهوم الاستثمار من هذا البحث هو "المفهوم الواسع للاستثمار" بمعنى أن "الاستثمار" هو أي توظيف للنقود لأي أجل في أي أصل أو حق ملكية أو ممتلكات أو مشاركات محتفظ بها للمحافظة على المال أو تنميته، سواء بأرباح دورية أو بزيادات في قيمة الأموال في نهاية المدة أو بمنافع غير مادية. وبعبارة أخرى يتناول مفهوم الاستثمار في الأبحاث الشرعية نوعين هما: - الاستثمار النوعي (أي الذي يتم من خلال المشاريع والأدوات الاستثمارية) .

стр. 14540

- الاستثمار التجاري المباشر أو المتاجرة (١) أهداف الاستثمار ومعالمه في المنهج الإسلامي: هناك أهداف مشتركة في الاستثمار يتطلع إليها كل مستثمر مهما كان منهج أو أسلوب الاستثمار، كما أن هناك أهدافاً أخرى يسعى إليها المستثمر المسلم انطلاقاً من أن الاستثمار في الإسلام جزء من نظام شامل يدور في دائرة الحل والمصلحة العامة وطاعة الله ، وبذلك ينحصر الاستثمار في المجالات التي تقرها الشريعة، وفيما يحقق المصلحة العامة ومصلحة الفرد، فضلاً عن مراعاة حق الله في الأموال المستثمرة. أهداف الاستثمار: وفيما يلي بيان أهداف الاستثمار من النوع الأول (العام) فإن ما كان هدفاً دنيويًّا هو مما يتفق مع فطرة الإنسان في حب المال، إذا كانت طريقة جمعه وتنميته لا تتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها ويندرج ذلك الهدف في المشروع بل المأمور به، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] . ١- المحافظة على أصل المال (رأس المال) ، ويندرج هذا في عنصر (حفظ المال) الذي هو أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة برعايتها. ٢- تحقيق الربح، بأكبر نسبة ممكنة، بما يزيد أصل المال، وهو مقتضى لفظ الاستثمار ومعناه، ومن المشروع سؤال البسطة في الرزق والبركة فيه والسعي إلى ذلك بالأسباب المشروعة. ٣- توافر السيولة لإمكان استرداد الأموال واستعمالها عند الحاجة؛ لأن للمال وظيفة بل وظائف وكما قد تهمل تلك الوظائف المتاحة بكنز المال قد تهمل ربطه دائماً بالاستثمار مما يحول دون إنفاقه. (٢)

стр. 14541

وفيما يلي بيان الأهداف الأخرى التي يتميز بها المستثمر المسلم ويسعى إليها ليكون عمله الدنيوي عبادة وسبباً من أسباب الأجر فضلاً عما يحقق للمجتمع الحياة الطيبة المستلزمة للفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة: أ- ربط الاستثمار بالقيم الشرعية والأخلاقيات السلوكية. ب- حصر الاستثمار في السلع الحلال واجتناب الأنشطة المحرمة، وهذان الهدفان ليسا مأخوذين بالاعتبار أصلاً في المبادئ الاقتصادية الوضعية فهي تستبعد مسألة شرعية الاستثمار وتجعل المعيار في الحكم بنجاحه هو تعظيم الربح واستمراريته وليس الحل أو الحرمة. (١) ج- مراعاة الأولويات في إدارة النشاط الاقتصادي، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات. ٧- تحقيق فرص العمل، ومنع البطالة بما يباعد بينهم وبين العوز، ويوفر لهم الأمن والطأنينة. ٨- أداء حق الله في المال المستثمر، بالزكاة والصدقات، انطلاقاً من أن المال لله والناس مستخلفون فيه. ضوابط الاستثمار في المنهج الإسلامي: اهتم بعض الباحثين في تصوير منهج الاستثمار الإسلامي في عدة ضوابط تأسيساً على أن المنهج الإسلامي للاستثمار لا يرتبط بأشكال أو صور محددة من المعاملات وإنما يرتبط بغايات وبمقاصد. وهذه الضوابط هي مع مشتقاتها: ١- أخذ العقيدة الإسلامية بالاعتبار في منهج الاستثمار فهناك التزام عقائدي وسلوك عقائدي.

стр. 14542

٢- علاج وضبط الصراع الاجتماعي، انطلاقاً من ارتباط تلك الظاهرة بسوء استخدام الملكية الخاصة، وليس لظاهرة وجود الملكية الخاصة، وكذلك ارتباط المنهج الإسلامي للاستثمار بالتصرفات المعنوية بجانب التصرفات المادية والعناية بالاستثمار في رأس المال الاجتماعي. ٣- تحقيق التنمية عن طريق: أ- الإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال. ب- الإلزام بأن يغطي الاستثمار الأنشطة الاقتصادية الضرورية للمجتمع. ج- الإلزام بأن يكون أسلوب مشاركة رأس المال –كأحد عوامل الإنتاج مع العوامل الأخرى- يستهدف الإنتاج وليس مجرد الحصول على دخل. د- الإلزام بأن يستهدف استثمار رأس المال تنمية العنصر البشري. ٤- توجيه أو تخطيط الاستثمار وذلك من خلال: أ- إثبات المسئولية الجماعية في استثمار رأس المال. ب- إثبات مسئولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف التنمية. ج- إثبات مسئولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف إعادة توزيع الدخل والثروة. د- استنتاج التصور الإسلامي العام لتوجيه وتخطيط الاستثمار (١) ومما يسهم في البيان الشافي للمعالم الأساسية للمنهج الإسلامي في الاستثمار الإشارة إلى أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي وما يشتق منها من أهداف المسلم وهي (٢) : ١- زيادة معدل النمو ولا سيما متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي مع تحفظات خاصة بهذا الهدف الفرعي، سواء من حيث نوعه أو كيفية حسابه ومدى ملاءمته لتحقيق الحاجات الإنسانية الإسلامية. ٢- تحقيق مستوى عال من التوازن بين تشغيل العمل، باعتبار أن اليد العاطلة بخسة، وبين تحقيق استقرار للأسعار لضمان دخل حقيقي وذلك في الحالات التي يكون فيها تعارض. ٣- تحقيق الكفاءة الاقتصادية في تخصيص موارد المجتمع، وفي تشغيل هذه الموارد مع تحفظات خاصة بالنسبة للطاقات العاطلة.

стр. 14543

٤- تحقيق العدالة في توزيع الدخل بين أفراد المجتمع وبين المناطق، وبين أجيال الحاضرة والأجيال القادمة. ٥- ضرورة الاستفادة الكاملة من مفهوم الاستقلال الاقتصادي، أو من مبدأ "الميزة النسبية" مع تحفظات خاصة. ٦- تحسين الظروف البيئية مثل القضاء على التلوث والضوضاء والازدحام في المركبات والمرور وتوفير الإحساس بالأمن الاقتصادي، مثل التحرر من الخوف والمرض والعجز، مع تحفظات خاصة بمناخ الأعمال العام، بحيث تتحقق جودة الحياة الروحية والمادية في أشمل صورها. تقسيم الاستثمار في الاقتصاد: ينقسم الاستثمار اقتصاديًّا إلى منتج أو غير منتج، تبعاً للنظر إلى مجموع قيمة الخدمات والسلع المنتجة خلال الزمن هل هي أعلى أو أدنى من الكلفة المباشرة. ومن الناحية النظرية فإن كل مستثمر يعتبر استثماره منتجاً قبل أن يتبين له خطأ تنبئه. وبعض الاستثمارات تبدأ منتجة ثم تصبح غير منتجة بسبب التقدم التقني السريع كالكيمياء العضوية والطيران العسكري بحيث تجعل التجهيزات المقامة حديثاً تجهيزات قديمة من الوجهة التقنية أي تفقد فقيمتها الاقتصادية قبل أن تتناقص خصائصها المادية. وهناك تقسيم باعتبار آخر للاستثمار من حيث مجاله، هل هو السلع الإنتاجية أو السلع الاستهلاكية فبناء سكن شخصي هو استثمار استهلاكي. أما إقامة شبكة ري لمزرعة فإنه استثمار إنتاجي. ويمكن استعمال نفس السلعة في فعاليات منتجة أو غير منتجة. وتسمية السلع الاستهلاكية غير منتجة حسب هذا الاعتبار لا ينفي كونها منتجة بحسب الاعتبار الأول. ثم هناك توظيفات بديلة تستهدف إبقاء التجهيزات على ما هي عليه وتوظيفات جديدة من التجهيزات الموجودة أو من قدرتها الإنتاجية. وقياس حجم التوظيفات الجديدة يسمى توظيفاً صافياً، في حين أن قياس الحجم الكلي للتوظيفات جديدة أو قديمة هو توظيف خام. ولعل من المفيد هنا المقارنة بين كلمة تتردد كثيراً في الكلام عن الاستثمار، وهو الادخار لبيان الفارق الجوهري بينهما، فقد عرفنا ما هو الاستثمار. أما الادخار فهو الاقتطاع من الاستهلاك بهدف تشكيل احتياطي يمكنه أن يفيد بالتناوب للاستثمار. أو لاستهلاك آجل. (١)

стр. 14544

أهمية الاستثمار لقد حَثَّ الإسلام على الاستثمار وتنمية الثروة، وكان ترغيبه في ذلك إما مباشرة من خلال الآيات والأحاديث التي تدعو للكسب والعمل في حفظ المال وتكثيره. أو من خلال الدعوة للإنفاق والبذل فيما يتعدى نفعه للآخرين، فالإنفاق لا يتاح إلا من خلال اقتناء المال وتنميته ويشمل الإنفاق دوام تلبس الشخص به بما ينفقه على نفسه وعياله أو على المحتاجين والمجتمع. ومن الآيات التي تثني على من ينمي ماله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] . بل عدَّ القرطبي آية المداينة وما فيها من الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن (نصًّا قاطعاً على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها) (١) ومن الأحاديث التي ترغب في الاكتساب ومزاولة ما يكثر المال قوله ﷺ لمن سألته عن خروجها وهي معتدة لرعاية نخلها: ((لا عليك أن تجذي نخلك فتأكلي وتتصدقي)) . والجدير بالتنويه أن الحضَّ على الاستثمار يتناول حتى من لا تتوافر لديه الأموال إذ فتحت الشريعة له المجال لاستثمار مال غيره بما ينتفع به مالك المال والعامل الخبير بتثميره، وذلك عن طريق المضاربة (أو القراض) . وهو باب أساسي من أبواب الفقه. ولم يقتصر التأكيد على زيادة المال وتنميته بالمضاربة بل شمل المشاركات كلها والمعاملات المالية الأخرى من البيع والسلم والإجارة. كما شمل –بالإضافة إلى التجارة- قطاعات الاقتصاد المختلفة، وبخاصة الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية والنقل والمواصلات وقد رأينا أن (الاستثمار) بالمعنى الأوسع يشمل كل تلك الوجوه. (٢)

стр. 14545

الحكم التكليفي للاستثمار: (تمهيد) لقد كثرت أقوال الاقتصاديين المسلمين في حكم الاستثمار شرعاً من حيث درجته التكليفية طلباً أو تخييراً، ويكادون يطبقون على أنه واجب بحسب ما فهموه من عمومات بعض النصوص الشرعية في ظل ما يورثه تجميد المال من محاذير، وما يفوته من مقاصد، وتكفي الإشارة إلى بعض المراجع المتناولة لهذا الاتجاه، فهو من الشهرة والتداول بحيث انطلقت به ألسنة بعض الفقهاء وأقلامهم أحياناً، وتهَيَّب بعضهم أن ينازع في هذه القضية التي عدها الاقتصاديون من المسلمات وتابعهم فيها من تابعهم، وما يحق للباحثين في الاقتصاد الإسلامي ذلك التسرع كما لا يقبل ممن هادنهم من الفقهاء هذا الإحجام في موقف يقتضي دوراً إيجابيًّا، وأستحضر هنا ما تقرر في أصول الفقه من أن الفتوى هي صناعة الفقيه ومن شروطها الأساسية ... وما أكثر ما شوه بعض الناس مبادئ شرعية ناصعة بجعلهم بعض التقاليد أو المفاهيم المرتجلة جزءاً من الدين –تحرياً منهم لما ظنوه ورعاً أو تجميداً للشرع- فأوقعوا غيرهم في الانحراف عن نهج الشريعة المعتدل ورُوِّيَ ذلك الترددُ من بعض المختصين في الفقه في تحديد المشروع دون تزيد أو نقصان، ظناً بأن في القيام بأكثر من المطلوب ضماناً لتوافر المطلوب، وخشية من التغيير بأن يستتبع الميل للتفلت أو التساهل، مع أن دين الله بين الغالي والمقصر، ومما استأمن الله عليه الفقهاء أن ينكروا تحريم الحلال بمثل معارضتهم تحليل الحرام؛ لأن الأول أشد وأعسر في التصحيح، كما يعرف من التنديد في كتاب الله بأهل الجاهلية الذين حرموا ما أحل الله. ونظراً إلى أن استثمار المال – في الاستعمال الفقهي- يرد تحت اسم الكسب أو الاكتساب، وأن الاستثمار ليس بالضرورة أن يكون محله المال الكثير الوفير، فقد يكون الاستثمار واجباً إذا كان هو الوسيلة لنموه بحيث يفي بحاجة الإنسان نفسه –بدلاً من سؤال الناس وتكففهم باليد السلفى- وإعالة من تجب عليه نفقتهم لان تضييع الشخص من يعولهم هو من حالات الإثم الكافية إدانته في الدنيا والآخرة.

стр. 14546

على أن ما نحن بصدده هي حالة (الاستثمار) بمعناه العرفي الشائع، وهو تنمية المال ولو كان كثيراً وفيراً يسد حاجة الإنسان القائمة والمتوقعة على المدى المعتاد للناس أخذه بالاعتبار. فهذا الاستثمار حكمه (الإباحة) التي هي التخيير بين الفعل والترك، أو (الندب) الذي هو الطلب على غير وجه الإلزام، بل لمجرد تحصيل الأجر وتحقيق الرغائب وليس لدرء الوزر (١) وسواء قيل بالإباحة أو الندب فهما درجتان مغايرتان لدرجة (الوجوب) ، وإن كان الحكم بالندب هو الغالب بحسب النصوص الداعية للإنفاق لأن دوامه –كما سبقت الإشارة- لا يحصل إلا باستثمار أصل المال. وما أوردته هو من المقررات الشرعية الكثيرة الدوران في أكثر من باب من أبواب الفقه، ولا سيما باب النفقات، وباب الزكاة، فضلاً عن أبواب المعاملات المالية التي هي صيغ الاستثمار، ويرتبط حكم مزاولتها بحكم الاستثمار شرعاً، إذا يتفق الفقهاء على أن الحكم الأصلي لكل من البيع والإجارة وأنواع الشركات هو الإباحة، ولم يقل أحد منهم: إنه الوجوب مطلقاً، أو الوجوب التخييري لمن توافرت لديه أسبابها، أي يجب الإقدام على إحدى هذه الصيغ لا على التعيين، كما هو الشأن في الواجبات التخييرية المعروفة عند الكلام عن الواجب من الأحكام التكليفية. ومن المعهود في التشريع أن ما تتوافر لرعايته دوافع فطرية (كحب المال والحرص على ازدياده) يكون في عداد المباحات، ولا يتعلق به الوجوب إلا في حالات طارئة يخرج فيها الإنسان عن طبعه. مناقشة القول بالوجوب استدلالاً بتحريم الاكتناز: وأما احتجاج معظم الاقتصاديين بآية الاكتناز وما أطالوا به في شأنها فإننا لا نجد له أي جذور في مدونات الفقه والتفسير والحديث، لما تواردت عليه الأفهام من أن الوعيد فيها هو للاكتناز الذي لا يتحقق مفهومه إلا بمنع زكاة المال، استناداً بحديث: ((ما أديت زكاته فليس بكنز)) كما أن الحض على استثمار مال اليتيم هو من قبيل الطلب الترغيبي المؤدي إلى (الندب) فضلاً عن أن التصرف في حق اليتامى مختلف عن تصرف الإنسان في حر ماله، فالمرء بسبيل من التصرف في ماله بما لا حظر فيه، بخلاف من استؤمن على غيره من ناقصي الأهلية فإن عليه إحسان التصرف، ولذلك ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن من يرى وجوب الزكاة في مال اليتيم يرى في الوقت نفسه وجوب المتاجرة فيه حتى لا تأكله الصدقة" (٢)

стр. 14547

تعريف السهم والسند والوحدة الاستثمارية تعريف السهم: السهم جزء من رأس مال الشركة، ويمثل حق المساهم لتحديد نصيبه من الربح والخسارة وحقه في أموال الشركة عند تصفيتها ومسئوليته تجاه الشركة والامتيازات التي يقرها للمساهم النظام الأساسي للشركة. (١) ولكلمة السهم معنيان: حصة الشريك في الشركة، والصك المعطى للشريك إثباتاً لحقه، وهو سند الحق بتعبير الفقهاء. وتنقسم الأسهم باعتبارات مختلفة: - فهي تبعاً لنوع الحصة المدفوعة تنقسم إلى: - سهم نقدي، وهو ما تدفع قيمته نقداً. - سهم عيني، وهو ما تدفع قيمته عيناً من عقار أو منقول شريطة قبول الشركة. - سهم –حصة- تأسيس، وهو يعطى لمن أدى عملاً للشركة وهو لا يمثل ملكية في الشركة بل يخول الحق في الربح فقط. وقد ذهب إلى منعه أكثر الباحثين مع أنه يمكن تخريجه على أنه صورة من صور اشتراط نسبة من الربح لغير الشركاء وهو جائز. - وهي تبعاً للشكل الذي تظهر به تنقسم إلى: - السهم الاسمي، وهو يحمل اسم صاحبه حسب دفاتر الشركة والبيانات الأخرى المتصلة بالسهم. - السهم لحامله؛ ولا يذكر فيه اسم المساهم بل يكون لحامله ويملك بالحيازة. - السهم الإذني أو للأمر، وهو ما يسبق اسم صاحبه بعبارة لإذن/ أو لأمر، فتنتقل ملكيته بالتظهير. - وهي تبعاً للحقوق المخولة لمالكها تنقسم إلى: - السهم الممتاز، مما يختص ببعض المزايا، كالأولوية في الأرباح بنسبة معينة من قيمته فإن لم تتوافر اعتبرت ديناً يستوفى من أول توزيع، والأولوية في التصفية، وأحياناً بزيادة أصوات. - السهم العادي، وهو ما ليس له امتياز، ويوزع على أصحاب هذه الأسهم ما يبقى بعد أرباح الأسهم الممتازة.

стр. 14548

- سهم التمتع، وهو الصك الذي يتسلمه المساهم عند استهلاك قيمة سهمه ويتأخر حق صاحبه في الربح وعند التصفية عن أصحاب الأسهم غير المستهلكة. (١) تعريف السند: إن استيفاء موضوع الاستثمار يقتضي أيضاً تعريف السند وتقسيمه حسب المفهوم الوضعي الذي لا يراعي تحريم الفائدة –ولو لم يرد ذلك في الخطة المبدئية للبحث- فالسند صك قابل للتداول تصدره الشركة أو المؤسسة حين الحاجة للتمويل وعدم رغبة الشركة في زيادة رأس ماله ويمثل قرضاً طويل الأجل ويخول مالكه الحصول على فوائد ثابتة تؤدى قبل توزيع الأرباح على المساهمين، فضلاً عن استيفاء قيمة السند عند حلول الأجل أو عند التصفية قبل الأسهم أيضاً. وليس لصاحب السند التصويت. وتعد السندات بمثابة اتفاق للإقراض بفائدة بين جهة الإصدار وبين من يملك السند. وقد يتضمن الاتفاق رهن بعض الأصول الثابتة ضماناً للسداد. - السند الاسمي. - السند لحامله على نحو ما سبق في تقسيم الأسهم. وتنقسم تبعاً للحقوق الناشئة عنها إلى: - سند العلاوة، وهي السندات التي تخفض عند شرائها عن قيمتها الأصلية للتشجيع مع دفع قيمتها عند الاستهلاك. - سند النصيب بفائدة، وهذا السند الذي يصدر بقيمة اسمية وتحدد له فائدة ثابتة، مع إجراء القرعة كل عام لإخراج عدد من السندات تدفع لأصحابها مع قيمتها مكافأة جزيلة. وتجرى قرعة لتعيين السندات التي تستهلك بدون فائدة، وهذا النوع من أنواع اليانصيب وقد منعته بعض القوانين. - سند النصيب بدون فائدة وهو السند الذي يسترد صاحبه قيمته إن لم يفز بالقرعة. - السند المضمون، وهو السند الذي تقترح الشركة أو المؤسسة المصدرة له ضماناً عينياً للوفاء به. - السند العادي هو السند ذو الاستحقاق الثابت الصادر الذي ترد قيمته الاسمية عند استهلاكه.

стр. 14549

- السندات القابلة للتحول إلى أسهم، وتعطي الحق لصاحبها بطلب تحويلها إلى أسهم متى رغب ذلك. وقد استحدثت في العقدين الأخيرين سندات جديدة تختلف عن السندات التقليدية فهناك سندات بفائدة ولكن لا تحمل كوبوناً بل تباع بخصم على القيمة الاسمية مع استرداد القيمة الاسمية عند الاستحقاق، وسندات ذات معدل بفائدة تتغير بحيث يعاد النظر في المعدل دوريًّا، وسندات ذات دخل وهي سندات الفائدة إلا في السندات التي لا تحقق فيها المؤسسة ربحاً، وقد ينص حينئذ على استحقاقها فائدة من أرباح سنة لاحقة، وقد ينص أيضاً على إمكان تحويلها إلى أسهم وسندات منخفضة الجودة وسندات مشاركة (١) وهناك سندات مشروعة تمثل حصص مشاركة أو مضاربة أو إجارة، وتسمى في الغالب صكوك لتمييزها عن السندات الربوية السابقة المستخدمة من المؤسسات غير الملتزمة بالأحكام الشرعية. تعريف الوحدة الاستثمارية: لا يخرج مفهوم الوحدة الاستثمارية عن المراد بالسهم، فإنها أيضاً تمثل حصة شائعة في الوعاء الاستثماري المقسوم إلى وحدات استثمارية ولكن تختلف الوحدة عن السهم في سهولة التخارج والاسترداد، وفي قيام جهات عديدة لها علاقات تعاقدية مع الصندوق أو الإصدار الذي يقسم إلى وحدات، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن صناديق الاستثمار وإصدارات الاستثمار.

стр. 14550

شراء الأسهم لغرض الاستثمار في المشروع والحصول على الأرباح المتحققة من نشاط الشركة أو لغرض بيع الأسهم والحصول على فرق الأسعار - شراء الأسهم للحصول على الربح: إن شراء الأسهم لغرض الحصول على ما يتحقق من الربح من نشاط الشركة هو الهدف المقصود من الشركة أصلاً؛ لأن معنى الشركة خلط الأموال بقصد الاشتراك في الربح المتحقق من التصرفات والأعمال التي تندرج في أغراض الشركة. ولا يلزم من هذا القصد أن يكون شاملاً عمر الشركة أي بحيث يبدأ الاشتراك بالاكتتاب الأول في أسهم الشركة وينتهي مع تصفيتها؛ لأن مؤدى القول بذلك إجبار الشريك على البقاء في الشركة ولا قائل بذلك، فكما أن الدخول في الشركة مشروع فإن الخروج هنا مشروع أيضاً بضوابطه، ولا وقت محدداً لمشروعية ذلك من حيث عدد السنوات أو الشهور أو الأيام التي يظل فيها المساهم منتظماً في الشركة. ويطلق على هذا الربح اسم "الربح التشغيلي". شراء الأسهم للحصول على فرق الأسعار: لا يخفى أن الحصول على فرق الأسعار من شراء أصول دارة للريع ثم بيعها قبل الحصول على ريعها أو بعده هو أيضاً هدف صحيح مشروع؛ لأنه تجارة يستهدف منها الربح الذي يحصل من بيع أصول الشركة بأكثر مما اشتريت بها، وكما يصح هذا التصرف في جميع الأصول يصح في حصة منها يمثلها السهم أو الأسهم المشتراة بقصد البيع، فإن الربح الذي يتحقق من ربح الأصول يسمى " الربح الرأسمالي "؛ لأن فيه تنضيضاً لقسم من رأس المال بأكثر من تكلفته على الشركة. ومن الواضح أنه لا تعتبر أي زيادة حسابية تحصل من بيع شيء من أصول الشركة ربحاً رأسماليًّا إذا لم تؤد حصيلة بيع جميع الأصول إلى الربح؛ لأنه يراعى مبدأ الخلطة في النظر إلى الأجزاء التي يتكون منها رأس المال، بحيث إذا بيع شيء منها بخسارة وشيء منها بربح جبرت الخسارة بالربح ونظر إلى حصيلة بيع جميع الأجزاء بربح حتى تعتبر التصفية رابحة، ولذلك يعتبر الربح الذي يقع من بيع جزء من الأصول بأكثر من تكلفته (ربحاً تحت الحساب) . مناقشة القول بكراهة –أو منع- شراء الأسهم بقصد البيع: لقد ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن شراء الأسهم بقصد بيعها والحصول على فرق الأسعار يؤدي إلى التداول في النقود، نظراً لقصر الفترة بين البيع والشراء الذي ينتفي فيه قصد الحصول على بيع السهم وأنه لا قيمة مضافة من تلك المبايعات السريعة التي ينحصر القصد فيها على الحصول على فرق السعر بين شراء السهم وبيعه بمجرد ارتفاع قيمته. وفي ذلك القول إغفال لطبيعة السهم من حيث إنه يمثل حصة في موجودات يفترض أنها عند البيع والتداول بأكثر من قيمة الشراء مشتملة على أعيان ومنافع من النقود والديون. وقد تناولت قرارات المجمع التصريح بتلك الطبيعة للسهم باعتباره قيميًّا، وإن كان المظهر الخارجي للأسهم أنها مثلية فتلك المثلية في التساوي بين القيم وما تخول حاملها من حقوق إذا كانوا من شريحة واحدة.

стр. 14551

والواقع أن هذا الشراء للأسهم بغرض الحصول على فرق الأسعار لا يخلو من فائدة في تحريك الأنشطة المختلفة، سواء كانت تتم بصورة فردية ثنائية، أو بصورة جماعية (في أسهم الشركات) ولا تظهر هذه الفائدة إلا بالنظر إلى مجموع التصرفات السابقة واللاحقة لذلك الشراء، فإن الثمن المعطى ممن يشتري السهم إلى بائعه يتيح له خوض أنواع أخرى من التصرفات الاستثمارية فضلاً عن تمكينه من شراء حصص من أصول شركات أخرى لإتاحة السيولة لآخرين ممن ينتفعون بها بأوجه متعددة، ولولا إمكانية التسييل المتاحة في أسهم الشركات لتردد المتمولون في حبس أموالهم في أسهمها سواء عند بداية الاكتتاب أو في المراحل التالية.. إذ إن هذه الميزة تجعل الباعة والمشترين يراوحون بين ملكية حصص من موجودات الشركة وبين ملكية المال الناض من عمليات البيع، ولكل من الحالتين دواعيها وأهدافها. وينطبق على هذا حديث: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) . وإن ما يخشى من ضرر –أو ما وقع فعلاً من أضرار التداولات السريعة للأسهم في بعض الظروف والبلاد- كان مبعثه إهمال الضوابط الشرعية لبيع الأسهم، حيث كانت الشركات تباع وتتداول متفاضلة ومؤجلة في بداية التأسيس عقب جمع نقود الاكتتاب أو تباع وهي في طور انحصارها في مديونيات، أو يبيع المساهم أكثر من الأسهم المملوكة له!! ولمزيد من توضيح وجه المشروعية في شراء الأسهم بغرض بيعها للحصول على فرق الأسعار (الذي أثار الجدل) فإن شراء الأسهم بقصد التداول هو عملية تصفية فردية يقوم بها أحد الشركاء بخصوص مساهمته بدلاً من (التقليب) أي تكرار عمليات المتاجرة في محل المشاركة. وتتضح الصورة من استحضار مظاهر التصفية الجماعية فيما يلي: - إن ربح المشاركة يحصل من المتاجرة (الشراء للسلع بقصد بيعها بربح) وهناك احتمالان لهذه المتاجرة: - إما أن تتم لمرة واحدة من جميع المشترين لأسهم الشركة فيما لو أقيمت الشركة لممارسة صفقة واحدة تشتري فيها السلع ثم تباع وتقسم أرباحها. ويحصل هذا في الواقع العملي في عمليات التمويل المصرفي المجمّع. - وإما أن تتم المتاجرة مرات ومرات طيلة الدورة الزمنية المختارة، وتوزع تبعاً لها الأرباح الدورية التي تسمى الأرباح التشغيلية، وهكذا إلى أن يأتي موعد التصفية الكاملة للشركة وتوزع بقية أرباحها شاملة للأرباح الرأسمالية. وما يحدث على النطاق الجماعي يمكن أن يحدث على النطاق الفردي.

стр. 14552

- فقد يتخذ المساهم قراره ويبيع حصته من المشاركة عند أول ارتفاع لقيمة السهم، وهو ارتفاع يفترض أن ينشأ عن ارتفاع قيمة موجوداتها، وبهذا يصفي مشاركته، كما لو دخل مع غيره في مشاركة وحيدة الصفقة ليس فيها تقليب. - وقد يقرر الاستمرار ليقطف ثمار الصفقات المتتالية داخل المشاركة الممثلة لعملية (تقليب السلع) بعبارة الفقهاء. والتقليب ليس من خصائص الشركة أو لوازمها فهو يحدث في مطلق المتاجرة، وفكرته هي السند في توجيه زيادة ربح البيع الآجل عن البيع الحال. وأما ما وقع بشأن الربح الناتج من تداول الأسهم بأنه تدخل في تكوينه عوامل غير سوية، كالإشاعات، ونشر معلومات الترويج، والأحوال السياسية، ونشر التوقعات الاقتصادية، ونحوها، فكل ذلك وارد في التعامل التجاري الفردي، ولم يؤثر في حكمه الشرعي. ثم إن هناك غرضاً ثالثاً لبيع الأسهم، غير الحصول على الريع أو الحصول على فرق السعر.. وهو التخلص من لحوق الخسارة، فيما إذا هبطت أسعار الأسهم المشتراة وتأكدت مخاوف مالكها من الضرر اللاحق به لو بقي متمسكاً بها مع وجود من يشتريها، فما الدليل الشرعي الذي يمنع من إخراجها من ملكه بالقيام ببيعها ضمن الضوابط الشرعية بعيداً عن الغرر والتدليس والنجش؟ كما قد يكون البيع بغرض توفير السيولة عند الحاجة إليها وهو غرض رابع، وليس ذلك قابلاً للحصر. حكم شراء أسهم الشركات المشروعة الغرض مع اقتراضها أو إيداعها بالربا: بمناسبة الكلام عن شراء الأسهم لأحد الأغراض المشار إليها يلوح التساؤل عن مشروعية شراء أسهم الشركات التي في موجوداتها ما هو حرام، أو أسهم الشركات التي غرضها الأساسي مشروع لكنها تودع أو تقترض بالربا، وليس ذلك الإيداع المحرم أو الاقتراض المحرم هو نشاط الشركة المستهدف من تأسيسها أو بقائها. والجواب عن هذا الموضوع –الذي ما زال معلقاً في جدول أعمال المجمع بعد تناوله في أكثر من دورة – يقتضي تقديم نبذة عن ملابساته، وما صدر في شأنه من قرارات وفتاوى في دورات المجمع أو في غيرها من الملتقيات الفقهية. إن شراء أسهم الشركات يقع في أنواع مختلفة منها، بعضها مما وقع الاتفاق على مشروعيته وهي: الشركات التي تعلن عن التزامها في التعامل بأحكام الشريعة الإسلامية في وثائق إنشائها، وهي الدرجة العليا المفضلة؛ لأن هذا الالتزام المصرح به رسميًّا يتيح لمن يسهم في الشركة الطمأنينة النفسية والأمن من الإقدام المتعمد على ما فيه خلل شرعاً، كما يأمن من استمرار الخلل إن وقع؛ لأن في وسعه الاعتراض والمطالبة بتصحيح آثار الاختلال غير المقصود، محتجًّا بما التزمت به الشركة قولاً وفعلاً، شعاراً وتطبيقاً. وكذلك الحال بالنسبة لأسهم الشركات التي حصل التوافق بين تطبيقاتها وبين ما هو مشروع، ولو لم يكن هناك تصريح في وثائق إنشاء الشركة بالالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية؛ لأن مجرد التطبيق الصحيح تنتج عنه تصرفات ذات آثار مشروعة، ولو لم يقترن بالنية والعزم على الالتزام فهما سببان لتحصيل المثوبة والأجر.

стр. 14553

ولا بد من استمرار المراقبة لتصرفات مثل هذه الشركات للتحرز مما يقع من خلل، والمعالجة لما يترتب عليها من أثر لأنها –بعدم تصريحها بالالتزام- مظنة الوقوع في مثل ذلك، والاحتجاج عليها قد لا ينجح لعدم المستند له في وثائق تأسيسها. كما أنه لا جدال في مشروعية شراء أسهم شركات لم يحصل منها الالتزام ولا التوافق ولكن هناك فرصة للتأثير على مسيرة الشركة بحيث يحصل منها التوافق –وربما الالتزام إذا صير إلى تعديل وثائق الشركة- وهذا لا يتحقق إلا من خلال تكاتف عدد كبير من الأفراد، أو بعض المؤسسات المالية الإسلامية، أو بعض كبار رجال الأعمال، لشراء غالبية من الأسهم تتيح لهم التأثير في مسار الشركة. وقد جاء النص في فتاوى الندوة السادسة للبركة (١٩٨٩) على مشروعية الإقدام على شراء أسهم الشركات (مهما كان غرضها الأصلي) . بقصد أسلمة معاملاتها، بل اعتبر ذلك مطلوباً، لما فيه من زيادة مجالات الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. كما جاء في قرار ندوة مشتركة بين مجمع الفقه الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب (١٩٩٣ م) : "إن الإسهام في الشركات المساهمة التي تتعامل بالربا بقصد إصلاح أوضاعها بما يتفق مع الشريعة الإسلامية من القادرين على التغيير أمر مشروع على أن يتم ذلك في أقرب وقت ممكن". ولا يخفى أهمية تأسيس شركات ملتزمة بالضوابط الشرعية؛ لأنها تمثل النموذج السليم من الشوائب، وقد يصار إلى تجديد الشركة وتصحيحها، بالسيطرة عليها لتحويلها إلى الالتزام بالضوابط الشرعية. والنوع المحتاج لمزيد من البحث هو تلك الشركات التي غرضها الأساسي مشروع لكن بعض تصرفاتها الجانبية محرمة، وهي محل التفصيل بعد أن تباينت فيها الآراء الفقهية المعاصرة بين المنع المطلق، أو الإباحة المطلقة، أو الإباحة المقيدة بظروف خاصة والمحكومة بقيود وضوابط والتزامات بشأنها. وأول ما تجب مراعاته هو الغرض الأصلي من الشركة: فإن كان غرض الشركة الأصلي حراماً، مثل البنوك الربوية، وشركات التأمين التقليدية، وشركات إنتاج الخمور ولحم الخنزير ومشتقاتها، وشركات إدارة صالات القمار، ودور الخلاعة، ونحوها. فهذه لا يجوز تملك أسهمها ولا تداولها ببيع أو شراء أو وساطة. وإن كان غرض الشركة الأصلي مباحاً، مثل شركات التجارة في المباحات، أو صناعتها، أو زراعتها، أو تسويقها، أو الخدمات المتعلقة بذلك. فهذه الشركات يختلف حكمها عما كان غرضها الأصلي حراماً، وإن كان يقع من هذه الشركات الاقتراض من البنوك الربوية أو الإيداع لديها بالفائدة. فلا يسوغ التسوية بينها وبين الشركات التي غرضها الأصلي المراباة أو التأمين التجاري أو مزاولة الأنشطة المحرمة؛ لأن محل التصرف في تلك الشركات غير مشروع أصلاً. أما الشركات ذات الغرض المباح التي تودع أو تقترض بالربا فإن محل التصرف فيها معتبر شرعاً وهو التجارة في المباحات لكن وقع منها تصرف جانبي دخيل على غرضها وهو الإيداع والاقتراض بالفائدة، وهو قابل للفصل عن أنشطتها بإلغاء الاتفاق الربوي أو إبطال آثاره وتصحيح نتائجه بالتخلص من عائد تلك الملابسات المحرمة.

стр. 14554

وقد صرح بعض الفقهاء بالتفرقة بين المتاجرة بالخمر وبين التعامل بالربا، من حيث آثارهما حيث تعلق الحكم برأس المال والربح في المتاجرة بالخمر، وبالربح (الفائدة) فقط في التعامل بالربا، ندباً أو وجوباً في الحالتين. (١) إن هذه الشركات التي غرضها الأساسي مشروع والمحل الأصلي للتصرف فيها معتبر شرعاً، ولكن وقعت فيها تصرفات جانبية هي الإيداع أو الاقتراض بالفائدة يجوز الإسهام فيها حسبما انتهى إليه عدد غفير من الفقهاء المعاصرين، وكثير من هيئات الفتوى في المؤسسات المالية وخارجها. وهذا يكشف عن إدراك الطبيعة الخاصة للشركات المساهمة وتمييز الفرق بين ما غرضه الأصلي محرم وبين ما غرضه الأصلي مباح مع التصرف الجانبي المحرم، ولا بد من الإشارة إلى الخلاف الواقع في هذا النوع الأخير إلى درجة إرجاء البت فيه وبقائه معلقاً على جدول دورات مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة. وقد جاء في توصيات ندوة الأسواق المالية بالرباط، التي أقامها مجمع الفقه الإسلامي بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية ووزارة الأوقاف المغربية ٥-٢٥ ربيع الآخر ١٤١٠ هـ (نوفمبر ١٩٨٩) ما يلي: "إن تملك أسهم الشركات التي يكون غرضها التعامل والصناعات المحرمة والمتاجرة بالمواد الحرام غير جائز شرعاً، ولو كان ذلك التملك عابراً، ولفترة لا تسمح بتحقيق الأرباح الناتجة عن ذلك النشاط. أما تملك –أو تداول- أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال، لكنها تتعامل أحياناً بالربا باقتراض الأموال أو إيداعها بفائدة فإنه جائز، نظراً لمشروعية غرضها مع حرمة الإقراض والاقتراض الربوي ووجوب تغيير ذلك والإنكار والاعتراض على القائم به.

стр. 14555

ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص عما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة، لصرفه في وجوه الخير". ثم تلا ذلك قرار فيها للمجمع في الدورة السابعة برقم (٦٥/١/٧) لم يزد على عبارة أن الأصل حرمة الإسهام في الشركات التي غرضها الأصلي مباح لكنها تودع أو تقترض بالفائدة ... ومن المقرر في علم أصول الفقه أن عبارة (الأصل كذا) هي أضعف التعابير، لما فيها من الدلالة على أن تطبيقات كثيرة خرجت عما هو الأصل، ولا شك أن الاستثناء أقوى من القاعدة ولذا صح إخراجه منها، ولكن لا بد لكل استثناء من ضوابط وقيود حتى لا يطغى على القاعدة الأصلية، وبعبارة أخرى حتى يندرج في قاعدة أخرى، أو يصبح هو قاعدة مستقلة للحالة الخاصة به. ثم صدر قرار آخر للمجمع برقم (٨١/٦/٨) يدعو لمواصلة البحث، في حكم هذا النوع من الشركات. وفي ظل قراري المجمع كان لا بد من الاهتمام بالتفصيل وبيان قيود التعامل وإبراز الفروق، لبيان حالة الإباحة المشروطة. هذا، وإن الأنشطة غير المشروعة قد ينص عليها في وثائق إنشاء الشركات المتعاملة بالمحرمات وقد لا ينص، (وهذا التفصيل لا يحتاج إليه في البنوك الربوية لدلالة الحال المغنية عن النص من جهة؛ ولأن النص يستلزمه الترخيص لها) فإن كان منصوصاً في نظامها على أن لها أن تتعامل في الأنشطة المحرمة التي سبقت الإشارة إليها، أو أن تولد شركات فرعية مخصصة لتلك الأنشطة المحظورة، وقد زاولت ذلك بالفعل (ويعرف هذا من تقاريرها السنوية وميزانياتها المالية) فحينئذ لا يجوز تملك أسهمها ولا تداولها ببيع أو شراء أو وساطة. وإن لم تكن تلك الشركة زاولت شيئاً من هذه الأنشطة المحظورة، فيجوز تملك أسهمها مع مراقبة تصرفاتها المستقبلية بحيث يتم التخلص مما يمتلك من أسهمها إذا ما أقدمت على مزاولة هذه الأنشطة المحظورة المنصوص عليها في نظامها. وكذلك الحال إذا لم يكن منصوصاً في نظامها على إمكانية التعامل في الأنشطة المحرمة ولكن وقع منها هذا التعامل في حرام كذلك تملك أسهمها. فالعبرة بوقوع التصرف على محل غير معتبر شرعاً سواء سبق القصد إليه أو لم يسبق. وإذا ظهر ذلك التعامل بالأنشطة المحرمة بعد تملك أسهم الشركة –بأي حال- فإنه يجب التخلص من العائد الناشئ عن الأنشطة المحرمة، مع السعي للخروج من تلك الشركة.

стр. 14556

إنشاء صناديق وإصدارات الاستثمار تعريف صناديق الاستثمار: المراد من صندوق الاستثمار هو وعاء للاستثمار له ذمة مالية مستقلة يهدف إلى تجميع الأموال واستثمارها في مجالات محددة وتدير الصندوق شركة استثمار تمتلك تشكيلة من الأوراق المالية. وذلك من خلال قيام جهة تسمى (الكفيل Sponsor) بشراء تشكيلة من الأوراق المالية (السندات غالباً) أو العمليات بالنسبة للصناديق الإسلامية (التأجير، المرابحات، الاستصناع الموازي، السلم الموازي..) وتقوم بجانب جهة الإصدار (التي ينتهي دورها ببناء التشكيلة) جهات أخرى لكل منها دور خاص: فهناك (الأمين Trustee) الذي يتولى إصدار الشهادات، مع الجهة التي تتعهد بتغطية الإصدار، وكذلك هناك الجهة التي تقوم بالاسترداد والتعهد بإعادة الشراء. فضلاً عن الجهة التي تقوم بالتسويق. من أجل هذا التعدد الذي يجعل الشكل القانوني لتلك الجهات المختلفة اتحاداً وليس شركة، سمى ما يباع للمستثمر من حصة في الصندوق (وحدة Unit) وليس سهماً عادياً كما هوا لحال في الشركات. وهذا الاتحاد قد يكون عمره محدوداً، بستة شهور (أجل استحقاق السندات المكونة للتشكيلة) أو طويل الأجل بحيث يصل إلى عشرين عاماً. والسبب في قيام مفهوم (الوحدات بالإضافة إلى (الأسهم) هو الماهية التي تتميز بها صناديق الاستثمار من حيث مناسبتها –في الأصل الغالب- للمستثمرين الذين يملكون مدخرات محدودة، حيث نصح هؤلاء بألا يستثمروا مدخراته في ورقة مالية واحدة (أسهم أو سندات) تصدرها منشأة معينة، فيفضل لهم التنويع الذي يوفر لهم حماية ضد تقلب القيمة السوقية لمكونات تلك التشكيلة. ومثل هذا التنويع قد يصعب على صغار المستثمرين تحقيقه؛ لأنه يلتزم شراء كميات كسرية (أقل من ١٠٠ سهم) مما يؤدي لرفع تكلفة المعاملات إضافة لدفع قيمة لشراء الورقة تفوق القيمة التي تشترى بها داخل كمية غير كسرية.. فإذا أريد تطبيق سياسة التنويع هنا، اقتضى ذلك توفير موارد مالية كبيرة، بل حتى من يملكون تلك الموارد يفضلون (الوحدات) على (التشكيلة) أيضاً لعدم امتلاكهم الخبرة أو المعرفة أو الوقت لإدارة مثل تلك التشكيلة الاستثمارية وتحدد لصناديق الاستثمار في العادة مدة زمنية لتصفيتها إذا لم يتفق المشاركون فيها على تمديد مدتها كما أن نوعية أنشطته في الغالب تتصف بالتخصص –أو على الأقل- بالثبات والنمطية (١)

стр. 14557

تعريف إصدارات الاستثمار: انطلاقاً من الخصائص الأخيرة المشار إليها في صناديق الاستثمار، وهي المدة ونوعية الأنشطة الاستثمارية تتميز الإصدارات الاستثمارية عن الصناديق فهي يتم تحديد مددها بحسب نوع الأنشطة التي يشملها الإصدار فقد تكون مدته بضعة شهور وقد يزيد عن السنة قليلاً ويختلف الإصدار عن الآخر، كما أن الأنشطة لا تتصف بالنمطية في الإصدار، بل تتفاوت بين إصدار وآخر. وتقع تصفية الإصدار تلقائياً عند انتهاء المدة المحددة، فإذا تخلفت بعض الأنشطة تباع إلى إصدار آخر جديد أو تشتريها الشركة الراعية للإصدار وفقاً لضوابط الشراء الشرعية بحسب نوع الموجودات عند الشراء (١) وفي حين ينقضي الإصدار –أو يصفى الصندوق- فإن الشركة أو الجهة التي تنشئهما لا يرتبط وجودها بهما، فلها وضع مستقل لإنشائها وانتهائها، بحسب عقد تأسيسها ونظامها الأساسي وقرارات مالكيها. الفرق بين الصناديق والإصدارات: الإصدارات لا تختلف عن الصناديق الاستثمارية من حيث إن كلا منهما يمثل ذمة مالية مستقلة تهدف إلى تجميع الأموال واستثمارها في مجالات محددة، ويقوم على أساس تجزئة رأس المال الإجمالي للإصدار أو للصندوق للاكتتاب فيه من قبل المشاركين. كما أن صكوك الأسهم أو الوحدات هي وثيقة تمثل ملكية حصة شائعة في الموجودات الكلية للإصدار أو الصندوق، ويكون للمشاركة جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في الملك الشائع من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها بما لا يمس حقوق بقية المشاركين. وتعتبر نشرة الإصدار أو لائحة الصندوق هي الوثيقة المنظمة للعلاقة التعاقدية القائمة بين الجهة المصدرة والمشارك من حيث الحد الأدنى للمشاركة وفترة الاكتتاب وشروط التداول والتخارج. ومن حيث طبيعة الصندوق وأهدافه الاستثمارية من جهة ومكونات الإصدار من جهة ثانية، وكذلك من حيث تحديد نصيب مختلف الأطراف من الأرباح وكيفية توزيعها وغير ذلك. ولعل الاختلاف الأساسي بين الإصدارات والصناديق ينحصر في كون الأولى غالباً ما تكون قصيرة الأجل لا تستغرق مدة عام، أي لا يحول حول كامل عادة على الأموال المكتتب بها. كما أن الإصدارات تشمل دائماً عمليات استثمارية محددة الخصائص المالية في حين تكون الصناديق مفتوحة وطويلة الأجل بحيث يحول عليها أكثر من حول كما يعد لها مركز مالي دوري يوضح حساب الأرباح والخسائر. (٢) إدارة الصناديق والإصدارات على أساس المضاربة: تدار غالبية صناديق الاستثمار والإصدارات الاستثمارية على أساس عقد المضاربة ويقوم بدور (المضارب) الشركة المنشئة للصندوق أو الجهة المصدرة للإصدار، حيث تتولى جمع رأس مال المضاربة من حصيلة الاكتتاب في الوحدات الاستثمارية المطروحة حسب الشروط المبينة في نشرات الاكتتاب ويقوم المشاركون في الصندوق والإصدار بدور أرباب المال.

стр. 14558

والمتبع في صورة المضاربة لإدارة الصندوق والإصدار هي المضاربة المقيدة حيث تشتمل نشرة الإصدار على القيود والشروط التي تحدد مسار الاستثمار من حيث مجاله وكيفيته، وذلك في النظام واللوائح التي يضعها المدير (المضارب) ويبدي استعداده للتقيد بها، (١) ولا أثر لكون مصدر التقييد هو رب المال مباشرة، أو المضارب بموافقة رب المال لأن إسهام المشاركين في وحدات الصندوق أو الإصدار بحسب شروط النشرة هو احتفاظ منهم بقيودها وكأنها صادرة منهم أصالة، وهذا هو الوضع المناسب لكثرة عدد المشاركين إذ ليس بالإمكان استقطاب قيودهم الفردية بما يتعذر معه إدارة المضاربة بما يحقق رغبات الجميع. وتنعقد المضاربة بإيجاب وقبول شأن بقية العقود، لكن صورة الإيجاب هي الاكتتاب في الصندوق أو الإصدار، والقبول هو موافقة الجهة المصدرة أو المنشئة للصندوق. (٢) هذا ما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، وهو ينسجم مع الصورة التي تحتفظ فيها جهة الإصدار بحقها في قبول مشاركة المكتتب ورفضها، أما إذا كانت جهة الإصدار قد أعطت للنشرة صفة الإيجاب الموجه للجمهور الملزم لها طيلة فترة الاكتتاب وتخلت عن حقها في إبداء الرأي في قبول المشاركة أو عدم قبولها فإن النشرة تعتبر في حد ذاتها إيجاباً، ويكون القبول هو تقدم المكتتب للمشاركة من خلال توقيع الاستمارة وحده أو اقترانه بتحويل مبلغ المشاركة. وقد ينشأ حينئذ دور آخر للجهة المصدرة للتخصيص إذا كانت كمية الاكتتابات أكبر من الحجم المطروح للاكتتاب، وهو تصرف واقعي ليس فيه تعبير عن إرادة الجهة، بل يمكن أن يعهد به إلى أي جهة أخرى، وربما تم أداؤه عن طريق الحاسب الآلي وفق برنامج معد من البداية.

стр. 14559

إدارة الصناديق والإصدارات على أساس الوكالة: ليست المضاربة هي السبيل الوحيد لإدارة الصندوق أو الإصدار، فهي تعتمد حيث تقوم الرغبة لدى المدير والمشاركين في أن يكون مقابل عمل المدير هو حصة شائعة من الربح، وأن تنقطع صلة المشاركين عن الإدارة إلا من خلال ما في اللوائح من تعليمات وقيود في البداية ولكن يمكن أن يصار إلى تحديد مقابل عمل المدير بنسبة من المبالغ يديرها أي بمبلغ مقطوع يستحقه في جميع الأحوال، وهذا ما يتحقق من خلال اعتماد الوكالة بالاستثمار بأجر معلوم. والأصل أن يظل للمشارك (الموكل) دور أكبر من (رب المال) في توجيه عملية الإدارة لكن لا مجال لممارسة هذا الدور بسبب تعلق الوكالة بحقوق الغير وهم بقية المشاركين في الصندوق. وقد جاء في فتاوى الحلقة الفقهية للبركة النص على إمكانية إدارة الصناديق بكل من المضاربة أو الوكالة فيما يلي: المسائل المتعلقة بتكوين الصناديق والإصدارات تنظم العلاقة التعاقدية بين إدارة الصندوق أو الإصدار (سواء كانت على أساس المضاربة أو الوكالة) ما تتضمنه نشرة الاكتتاب فيهما أو نظامها الأساسي أو اللوائح المكملة له. وفي تلك اللوائح تدرج كثير من الأحكام الخاصة بعقد المضاربة (وعقد الوكالة بالاستثمار) إلى جانب الإجراءات الإدارية والتنظيمية والمحاسبية التي تسهم في تحديد تلك العلاقة التعاقدية. وهناك مسائل أساسية تتصل بتكوين الصندوق أو الإصدار، بعيداً عما تتم مزاولته داخلهما من الصيغ الاستثمارية المشروعة، وهي جديرة بالبحث عن مفهومها والتكييف الشرعي لها؛ لأنها تحدد الحقوق والواجبات لكل من المدير والمشاركين. (١)

стр. 14560

أ- تقسيم رأس مال الصندوق أو الإصدار: يقسم الصندوق إلى وحدات تمثل حصصاً شائعة في رأس المال، وذلك ليتلاءم وضع المضاربة مع تعدد رب المال فيها، وتتحدد ملكية كل مشارك بحسب الحصة المملوكة له على الشيوع. ويساعد هذا على توزيع الربح وتحميل الخسارة؛ لأنهما حسب نظام الصناديق والإصدارات متماشيان مع مقدار الملكية. (١) ب- مساهمة المضارب في الصندوق أو الإصدار: لا مانع كذلك من مساهمة الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار في رأس مال الصندوق أو الإصدار ويكون استحقاقها نصيباً من الربح بصفتها مضارباً ونصيباً آخر بمقدار مساهمتهما في رأس المال. والأصل في هذه المساهمة من الجهة أو المشاركين أن تكون بالنقود لكن ليس هناك ما يمنع من تقديم مساهمات عينية ولا سيما من الجهة لبعض العقارات أو المعدات شريطة تقويمها لتحديد القيمة التي تعاد للمشاركة عند انتهاء المضاربة مع ما يتحقق من ربح أو بعد حسم ما يقع من خسارة. (٢) ج- دفع مبلغ المشاركة على أجزاء: أحياناً يسمح نظام الصندوق بدفع المساهمة على أقساط وبذلك تتحقق مصلحة المشارك بالتيسير عليه وتمكينه من المتابعة وتقويم الأداء ومصلحة الجهة أيضاً بمواكبة السيولة لإمكانات التوظيف. ومما يستحضر هنا أن العبرة بما يدفع فعلاً من المقدار الذي اكتتب به المشارك فيتحمل المخاطر في حدود ما دفع فعلاً وليس بالمقدار الذي اكتتب به. وهذه التجزئة في رأس المال المكتتب به في المضاربة، متفقة مع اتجاه الحنابلة في عدم اشتراط تسليم جميع رأس المال للمضارب، بل تصح لو بقي مع رب المال أو وضعه عند أمين؛ لأن هذا الشرط لا يحول دون عمل المضارب فكلما احتاج لمبلغ أخذه. (٣)

стр. 14561

د- تداول الوحدات الاستثمارية: يمثل صك الوحدة الاستثمارية ملكية حصة شائعة في الصندوق أو الإصدار، وتستمر هذا لملكية طيلة مدتهما وتترتب عيها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في ملكه، من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها. (١) فيحق للمشارك التصرف بالوحدة بالبيع ولكن عليه إعلام (مدير الصندوق أو الإصدار) وله أن يبيع بالقيمة المتراضى عليها بينه وبين المشتري سواء كانت مماثلة للقيمة الاسمية أو السوقية أو أكثر منهما أو أقل. وقد أشار قرار المجمع إلى جواز تداول صكوك المقارضة بالضوابط الشرعية، وذلك وفقاً لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة الطرفين. (٢) ولا بد من مراعاة الأحكام الخاصة بموجودات الصندوق في كل حين: - فإذا كان التداول قبل المباشرة في العمل والمال لا يزال نقوداً فإنه تطبق عليه أحكام الصرف؛ لأنه مبادلة نقد بنقد. (ولهذا تمنع لوائح الصناديق التداول خلال الفترة التالية للاكتتاب، أو قبيل تاريخ التصفية) . - وإذا أصبحت الموجودات ديوناً، تطبق على التداول أحكام تداول الديون. - وإذا صارت الموجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز التداول وفقاً للسعر المتراضى عليه. ولو بالتفاضل بين الثمن وقيمة الحصة أو بتأجيل الثمن. وقد اشترط قرار المجمع أن تكون الغلبة للأعيان والمنافع. في حين لم تشترطه جهات الفتوى كندوة البركة وغيرها، (٣) واكتفت بعدم اقتصار الموجودات على النقود والديون أخذاً بمبدأ التبعية. فتعتبر النقود والديون تابعة للأعيان والمنافع؛ لأن غرض الصندوق منصب عليها.

стр. 14562

هـ- ضمان رأس مال الصناديق والإصدارات: من أحكام المضاربة –وكذا الوكالة - أن المضارب أو الوكيل لا يضمن ما بيده من الأموال المستثمرة إلا بالتقدير أو التقصير أو مخالفة الشروط التي تقيد بها. فلا يجوز اشتراط ضمان رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بطل شرط الضمان، واستحق المضارب ربح مضاربة المثل. (١) ويجوز أن يتطوع المضارب بالضمان منفصلاً عن عقد المضاربة أي بعد تمام العقد، فلا يبنى دخول المشارك على وجود ذلك الضمان. وبذلك أفتى بعض فقهاء المالكية، (٢) كما يجوز أن يتبرع طرف ثالث بالضمان لرأس المال شريطة أن يكون الطرف الثالث منفصلاً في شخصيته مستقلاً في ذمته المالية عن طرفي العقد وبدون مقابل، على أن يكون التزاماً مستقلاً عن عقد المضاربة. بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو العامل في المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد. (٣) و كيفية حساب نفقات التأسيس ومن يتحملها: إن تأسيس صندوق استثماري، أو إصدار استثماري يحتاج إلى تخطيط وتنظيم وهيكلة تمهيداً لطرح وحداته، وهذه المصروفات تسمى مصروفات أو نفقات التأسيس، وهي تصرف لمرة واحدة، وتشمل نفقات الترخيص والاستشارات ونحوها. وهي من التحضيرات اللازمة لقيام الصندوق أو الإصدار وتظهر آثارها الإيجابية في إنشائهما وعملهما وتؤثر في نفعها على جميع الأطراف؛ لأنها تمكن في النهاية من تحديد كيفية التعاقد وإطاره ومكانه وزمانه وموضوع النشاط وتنظيم العلاقات المختلفة بين الأطراف وبينها وبين الغير.

стр. 14563

وتحمل هذه المصروفات على الصندوق؛ لأن مآلها لصالحه، ولأجله، فهي إما أن يطالب بها المشاركون عند الاكتتاب، وإما أن تحسم من صافي الأرباح التي تتحقق بعدئذ قبل التوزيع فيتحمل أثرها كل من المضارب وأرباب الأموال؛ لأن حسمها من الأرباح يعود بالنقص على الطرفين بنسبة ربح كل منهما. ويكون تقديرها بما صرف فعلاً سواء كان لتغطية جهود الغير أو جهود المضارب نفسه، أي بأجر المثل. وعلى هذا جاءت إحدى فتاوى الحلقة الفقهية الأولى إذ نصت على أنه " يجوز أن تحمل مصروفات إنشاء وتسويق الصناديق والأوعية الاستثمارية على مال المضاربة إذا تضمنتها نشرة الإصدار وكانت مصاريف فعلية محددة بمبلغ معين أو بحد أقصى يذكر في النشرة، فإذا لم تتضمنها نشرة الإصدار كانت هذه المصروفات على المضارب". (١) مطالبة المنضمين للصندوق لاحقاً بمعادل نفقة تأسيس أو فرق قيمة الوحدة وأين توضع؟ إن المنضمين للصندوق بعد تأسيسه إن كان انضمامهم بالشراء ممن سبقهم فإنهم بدفع القيمة السوقية للوحدة قد تحملوا نصيباً مما حققته أعمال التأسيس من زيادة تلك القيمة، وشراؤهم بهذا التخارج بمثابة حلول محل المالك السابق للوحدة، فلا مسوغ لتحميلهم ما يعادل نفقة التأسيس. أما من ينضم للصندوق بعد التأسيس بالاكتتاب بالوحدات ابتداء، مما يتم إصداره في طرح جديد، بعد أن تكون نفقات التأسيس قد تم تحميلها للمكتتبين في الطرح الأول للوحدات فإنهم يتحملون معادل نفقة التأسيس، أو فرق قيمة الوحدة ما بين القيمة الاسمية والقيمة السوقية، وذلك للتسوية بين المكتتبين الجدد والمكتتبين القدامى، وتوضع المبالغ المتحصلة من معادل نفقة التأسيس وفرق قيمة الوحدة في احتياطي الصندوق، وبذلك يعود نفعها على جميع المكتتبين في الصندوق. (٢) توزيع المصروفات التشغيلية في الصناديق أو الإصدارات: المصاريف التي تقتضيها الصناديق والإصدارات منها ما يقع عند التأسيس –وقد سبق الكلام عنها- ومنها ما يصرف خلال قيامها بأنشطتها، وفيما يلي بيانها بإيجاز: من المقرر شرعاً أنه لا ربح إلا بعد استرداد رأس المال وتغطية المصارف، والأصل أن تحمل مصارف التشغيل على الوعاء الاستثماري (الصندوق أو الإصدار) فيكون عبئها على المشارك والمدير؛ لأنها تخرج من الأرباح فتنقص ما يصل إلى الطرفين من ربح وإذا لم يحصل ربح تحسم من رأس المال وهو شأن الخسارة. على أنه إذا كانت المصروفات متعلقة بالمضارب وذلك في كل عمل يجب عليه أن يقوم به فإنها تحمل حينئذ عليه في مقابل حصته من الربح، وهذه المصروفات هي التي تلزم لوضع الخطط ورسم السياسات واختيار مجالات الاستثمار واتخاذ القرارات الاستثمارية ومتابعة تنفيذها وحساب الأرباح والخسائر وتوزيعها، وتشمل مصروفات إدارات الاستثمار والأجهزة التي تعتمد قراراتها وإدارة المتابعة وإدارة المحاسبة. إلا إذا اقتضت طبيعة المضاربة الاستعانة بخبرات في المجالات السابقة التي تلزم المضارب والتي لم تكن متاحة في هيكله الوظيفي وقت الدخول في المضاربة فإن تكلفة هذه الخبرات تكون من وعاء المضاربة. (٣)

стр. 14564

ح- اقتطاع الاحتياطي في الصندوق: الاحتياطي هو جزء من الأرباح، وإذا رضي المضارب والمشاركون في الصندوق بإرجاء توزيع جزء من الربح وتخصيصه لمواجهة مخاطر الاستثمار جاز ذلك. ويتحقق الرضا بالقبول باقتطاعه من خلال الموافقة على لوائح الصندوق، فإذا كان ذلك الاحتياطي لمواجهة حالات الانخفاض في الأرباح عن مستوى معين، جاز أن يقتطع من الربح الإجمالي، لاستفادة المضارب وأرباب المال منه. وإذا كان لحماية رأس المال فإنه يقتطع من حصة أرباب المال في الربح دون حصة المضارب؛ لأنه للوقاية من الخسارة وهي على أرباب المال وحدهم إن وقعت. وقد جاء في ذلك قرار المجمع بشأن سندات المقارضة كما جاء في فتاوى الحلقة الفقهية الثانية للبركة بالتفصيل السابق. (١) ط- التقويم في الصناديق (التنضيض الحكمي) : بما أن نشاط الصندوق يستمر سنوات وتمر عليه دورات زمنية متعددة نظراً للطابع الجماعي في المستثمرين والمخارجة بينهم فإن التنضيض الحكمي هو الملائم لهذه الطبيعة وقد اعتبر بديلاً صحيحاً عن التنضيض الفعلي الذي لا يقع إلا عند نهاية مدة الصندوق بالتصفية لموجوداته. وقد جاء في قرار المجمع بشأن سندات المقارضة أن مقدار الربح يعرف إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد. كما اشترطت فتاوى الحلقة الفقهية الثانية للبركة أن يتم التقويم وفقاً للمعايير المحاسبية المتاحة. ي- توزيع الأرباح والخسائر في الصناديق أو الإصدارات: لا بد أن تشتمل لوائح الصندوق أو نشرة الإصدار على كيفية توزيع الأرباح بين المضارب والمشاركين، ويجب أن تكون النسبة معلومة شائعة دون تحديد مبلغ مقطوع لأحد الطرفين أو منسوب إلى مبلغ المشاركة (إلا إذا كانت إدارة الصندوق تتم بطريقة الوكالة فيحدد أجر الوكيل بمبلغ مقطوع أو بنسبة من مبلغ المشاركة) . والربح على ما يتفق عليه الطرفان بأي معادلة كانت ما دام لا يقطع المشاركة في الربح، وأما الخسارة فهي على أرباب المال بمقدار حصصهم في رأس المال. وتوزيع الربح إما أن يكون نهائيًّا فيشترط له التقويم الحكمي على ما سبق وإما أن يكون تحت الحساب فيعاد النظر فيه، وغالباً ما يكون ذلك في المضارات التي فيها أصول تدر دخلاً. وإذا بِيعَ الأصل بعدئذ بأقل من ثمن شرائه فإن هذا النقصان يجبر من الموزع تحت الحساب، وقد نص على ذلك قرار المجمع في سندات المقارضة وجاء في إحدى فتاوى ندوات البركة والحلقة الفقهية الأولى للبركة. (٢)

стр. 14565

ومستند التوزيع طبقاً للتنضيض الحكمي (التقويم) هو أن الرجوع للقيمة هو مبدأ شرعي في كثير من التطبيقات وإن التقويم الدقيق يؤدي إلى معرفة الربح كما لو تمت التصفية. وأما في حالة التوزيع تحت الحساب فهو يستند إلى مبدأ جبر الخسارة بين مراحل المضاربة في حال عدم القسمة النهائية (المفاصلة) . (١) ك- تسويق الوحدات الاستثمارية في الصناديق أو الإصدارات: إن الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار لكي توسع من دائرة تداول الوحدات الاستثمارية تستعين ببعض المؤسسات المالية للإسهام معها في تسويق تلك الوحدات، مما يؤدي إلى إبراز ورقة مالية إسلامية فيها إمكانية السيولة، بالإضافة إلى الربح والأمان. حيث تتولى تلك المؤسسات البحث عن الراغبين في استثمار أموالهم في الوحدات المطروحة من خلال عدة مهام تقوم بها في هذا المجال، بصفتها وكيلة عن الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار بعمولة ومتفق عليها هي أجر الوكالة. وهذه العمولة تحمل على الصندوق أو الإصدار باعتبارها من المصاريف المتعلقة بالمضاربة. وقد جاء النص على ذلك في الحلقة الفقهية الأولى للبركة. (٢) ل- إيجاد العمليات للصندوق أو الإصدار: بالإضافة إلى الفرص الاستثمارية التي تعرض مباشرة على الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار فإنها تشجع بقية المؤسسات المالية على البحث عن عمليات مناسبة لإصدارها في صناديق استثمارية وطرحها للاكتتاب العام. وفي الغالب لا تنشأ العلاقة من تعاقد متزامن، بل من خلال إيجاب موجه إلى المؤسسات المالية للبحث عن عمليات استثمارية تتمثل في رغبات مستثمرين في شراء أو استئجار معدات أو غير ذلك من الصيغ الاستثمارية المشروعة، وتنطبق مواصفاتها مع الشروط المعلنة بشأن المبالغ والمدد والربح المتوقع والضمانات. هذا، وإن الإيجاب الموجه هو شطر من عقد جعالة يكتمل بإنجاز المؤسسة المالية العمل المستهدف منها وعقد الجعالة هي اتفاق على إنجاز عمل مجهول لكنه مربوط بالنتيجة لقاء أجر معلوم، وهو مما أخذ به جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية. (٣) ومن الجدير بالبيان أن تمكين الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار من الانتفاع بالعملية المعروضة مشروط بأن لا يكون محلها ديوناً فقط، كالمرابحات بعد إبرامها، ولكن من قبيل السلم الموازي والاستصناع الموازي، والتأجير (بامتلاك العين المؤجرة) . (٤) كما يمكن تسويغ ذلك كله إذا سبق توكيل المؤسسة المالية العارضة للعملية ليكون تصرفها واقعاً منذ البداية لصالح الجهة المعروض عليها.
следующие страницы →