هذا بالنسبة في ضمان المتلفات، وهذا محل اتفاق، أما في البيع فلم يجوزوه، إلا ما نقل عن مالك، وما روي عن معاوية أنه يجوز بيع مضروب بقيمته من جنسه، كحلي وزنه مائة يشتريه بمائة وعشرة، وتكون الزيادة في الصنعة، وهي الصياغة، وقال الأوزاعي كان أهل الشام يجوزون ذلك فنهاهم عمر (١) وكذلك اعتبر ابن تيمية وابن القيم المصوغ كالحلي يراعى فيه القيمة.
٤- يقول الشوكاني: " فإذا تلفت كان المالك مخيراً بين أخذ مثلها، أو قيمتها يوم الغصب، على وجه يرضى به من غير فرق بين مثلي وقيمي، ولكن إرجاع المثلي من أعلى أنواع الجنس، وقيمة القيمي على هذا الاصطلاح، أقرب إلى دفع التشاجر، وأقطع لمادة النزاع " (٢) .
ولم يغفل الفقهاء حتى في الذهب والفضة الوزن، حتى في حالة كونهما نقدين، فقد روى حرب، قال: قلت لأحمد: دفعت ديناراً كوفيًّا ودرهماً وأخذت ديناراً شاميًّا وزنهما سواء لكن الكوفي أوضع؟ قال: لا يجوز، إلا أن ينقص الدينار، فيعطيه بحسابه فضة (٣) فيما يجري فيه الربا، اعتبرت المماثلة فيه في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً (٤) ، وقد أخذوا ذلك من الحديث الصحيح الذي رواه مسلم بسنده، أن رسول الله ﷺ قال: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن)) (٥) .
كما أنهم لم يغفلوا عن القيمة، حتى في بعض صور بيع الدراهم بالدينار، حيث اعتبر بعضهم النقص في القيمة عيباً يمنع الرد، يقول الفقيه الحنبلي الخرقي: "وإذا اشترى ذهباً بورق عيناً بعين، فوجد أحدهما فيما اشتراه عيباً، فله الخيار بين أن يرد، أو يقبل إذا كان بصرف يومه.." وعلق ابن قدامة على قوله " إذا كان بصرف يومه" قائلاً: "يعني: الرد جائز ما لم ينقص قيمة ما أخذه من النقد عن قيمته يوم اصطرفا، فإن نقصت قيمته كأن أخذ عشرة –أي من الدراهم- بدينار، فصارت أحد عشر بدينار، فظاهر كلام أحمد والخرقي: أنه لا يملك الرد؛ لأن المبيع تعيب في يده، لنقص قيمته" ثم إن ابن قدامة سلم بأن نقص القيمة عيب وإن كان لا يمنع ذلك من الرد، لوجود العيب القديم في نظره، ولكنه يجب عليه في حالة الرد أرش العيب الحادث عنده، وأخذ الثمن (٦) .
وقد أخذوا ذلك، من حديث ابن عمر، حيث قال لرسول الله ﷺ : (رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطى هذه من هذه؟) فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها مالم تفترقا وبينكما شيء)) (٧) .
стр. 14807
وذكر ابن نجيم الحنفي أمثلة كثيرة روعيت فيها القيمة في هذا الباب منها: إذا وجب الرجوع بنقصان العيب عند تعذر رده، كيف يرجع به؟ قال قاضيخان: وطريق معرفة النقصان، أن يقوم صحيحاً لا عيب فيه، ويقوم به العيب".
ومنها: المغصوب المثلى إذا انقطع، قال أبو حنفية ﵀ تعتبر قيمته يوم الخصومة، وقال أبو يوسف ﵀ : يوم الغصب، وقال محمد ﵀ يوم الانقطاع.
ومنها المتلف بلا غصب، تعتبر قيمته يوم التلف، ولا خلاف فيه، ومنها المقبوض بعقد فاسد، تعتبر قيمته يوم القبض.
ومنها الرهن إذا هلك بالأقل من قيمته ومن الدين، فالمعتبر قيمته يوم الهلاك، ومنها قيمة اللقطة إذا تصدق بها، أو انتفع بها بعد التعريف، ولم يجد مالكها، فالمعتبر فيها يوم التصدق (١) .
ويقول ابن القيم: "إن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رد مثله كما اقترض النبي ﷺ بكراً ورد خيراً منه.. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقصة داود وسليمان ﵉ من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث كأن ضمنهم بالقيمة، وأما سليمان، فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث، حتى يعود كما كان، فضمنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية، يأخذون منفعتها عوضاً عن المنفعة التي فاتت من غلة الحرث إلى أن يعود، وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز، فيمن أتلف له شجر فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان، وقال ربيعة وأبو الزناد: عليه القيمة، ثم قال بأن القاعدة في المثلي هي المساواة في الجنس، والصفة، والمالية، والمقصود والانتفاع، ولذلك فما كان أقرب إلى المماثلة، فهو أولى بالصواب (٢) ومن هنا لنا الحق أن نتسائل: هل النقود الورقية هذه السنة تشبه النقود الصادرة قبل عشرين سنة؟ ! ويقول ابن حجر عند تعليقه على القول برد المثل في القيمي، عند من يقول به: "ومن لازم اعتبار المثل الصوري: اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد بها القيمة " (٣)
стр. 14808
ثانياً: أن جمهور الفقهاء عرفوا المثلي في أبواب القرض والغصب والإتلاف، بما هو مكيل أو موزون، وجعلوا الكيل، أو الميزان معياراً له، فعلى ضوء ذلك، لا يدخل فيه النقود الورقية، فتكون من القيميات التي يلاحظ فيها عند الحقوق والالتزامات قيمتها.
وأما على ضوء تعريف إمام الحرمين، والغزالي، الذي جعل تساوي الأجزاء من حيث القيمة والمنفعة معياراً للمثلي، فلا تدخل فيه النقود الورقية، فالليرة اللبنانية الآن هل تساوي الليرة اللبنانية قبل خمس عشرة سنة؟ وكذلك الأمر بالنسبة لتعريف الكاساني الذي أضاف إلى المكيل والموزون: المعدود الذي لا اختلاف بين آحاده؛ وذلك لأن النقود الورقية يوجد بينها اختلاف بيِّن بين آحاده؛ وذلك لأن النظر إلى النقد الورقي ليس باعتبار شكله ورسمه، وإنما اعتبار قيمته الشرائية، فالنقود الورقية ليس فيها نفع ذاتي، فلا تؤكل ولا تشرب، ولا تلبس، وإنما باعتبار ما يشترى بها.
وقد رأينا المحققين رجحوا تعريف المثلي بما هو مكيل أو موزون، وشاهدنا دفاع الإمام الجليل الرافعي وغيره عنه، ويقول ابن قدامة: "وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن" (١) .
ويقول صاحب المطالب: "ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض" (٢) ويقول العلامة البابرتي: "إن المكيلات والموزونات كلها من ذوات الأمثال، دون القيم" (٣) .
فعلى ضوء هذا التعريف للمثلي لا تدخل النقود الورقية فيه، فتكون من القيميات التي تلاحظ فيها القيمة كقاعدة عامة.
ومن هذا العرض، يمكن القول بأن للفقهاء في باب القروض والغصب معيارين: معياراً ذاتيًّا، وهو رعاية الكيل، أو الوزن، ومعياراً موضوعيًّا مرناً، وهو تساوي الأجزاء مع رعاية القيمة والمنفعة، وهذا ما اختاره إمام الحرمين والغزالي وغيرهما، وهو الذي يظهر رجحانه، إذ أن الوقوف عند الناحية الشكلية، دون رعاية الجوهر والغاية والمقاصد، لا يتفق مع هذه الشريعة التي نزلت لتحقيق العدالة في كل الأمور، ولذلك جعل الماوردي وغيره تساوي القيم بين شيئين معياراً لتحقيق المثلية فيهما فقال: " فإن التماثل بالقدر، غير أن القيمة يعرف بها تماثل القدر وتفاضله" وقد ذكر ابن الهمام أن المماثلة الحقيقية المطلوبة لا تتحقق إلا باعتبار الصورة والمعنى، والمعيار يسوي الذات، أي الصورة، والجنسية تسوي المعنى (٤) .
стр. 14809
ثالثاً: إن قضية المثلي والقيمي واعتبار ما هو مثلي، أو قيمي ليست من الأمور المنصوص عليها في الشرع، بحيث لا يمكن تجاوزها، وإنما كان الغرض منها هو محاولة التقريب والتبسيط والتقعيد الفقهي، والرائد فيها هو تحقيق العدالة، ولذلك قالوا في تعليلهم لوجوب رد المثلي في المثلي: إن المثل هو أقرب الأشياء إليه، وقالوا في رد القيمي في القيمي: أنه نظراً لتفاوت أفراده يمنع رد المثل فيه، ولذلك تجب قيمته، ومن هنا إذا رد المقرض في القيميات شيئاً أحسن مما أخذه يجوز، استناداً إلى ما فعله رسول الله ﷺ حيث استسلف من رجل جملاً بكراً فأمر أن يعطيه رباعيًّا وقال: ((فإن خياركم أحسنكم قضاء)) (١) .
وقد أكد الإمام الشوكاني ذلك، وبين بأن قاعدة المثلي والقيمي قاعدة مرنة جدًّا، وأنها ليست منصوصة، فقال: "قوله: وفي تالف المثلي مثله إلخ" أقول: "إطلاقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه، أنه مثلي، وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي، هو مجرد اصطلاح لهم، ثم وقوع القطع والبت منهم بأن المثلي يضمن بمثله، والقيمي بقيمته، هو أيضاً مجرد رأي عملوا عليه، وإلا فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته" (٢) .
ولو استقرينا فروع الشريعة وكلياتها ومبادئها ووسائلها، لوجدناها قائمة على العدل قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"والأصل في العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل، وأنزلت الكتب.. والشارع نهى عن الربا، لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم" (٣) .
стр. 14810
هل النقود الورقية مثل الدراهم والدنانير في كل الأحكام؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه علينا، والجواب عنه بالسلب، أو بالإيجاب، أو التفصيل، يكون هو الأساس في أي حل يراد. فقد ذهب أكثر العلماء الذين عاصروا مولد النقود الورقية إلى أنها ليست مثل النقود الذهبية والفضية على الإطلاق، بل ذهب بعضهم إلى نفي نقديتها وماليتها، ورتبوا عليها عدم وجوب الزكاة فيها، وعدم جريان الربا فيها، فقد جاء في فتح العلي المالك: ".. ما قولكم في الكاغد، الذي فيه ختم السلطان، ويتعامل به كالدراهم والدنانير.. هل يزكى زكاة العين أو العرض أو لا زكاة فيه؟ "
فأجبت بما نصه: ".. لا زكاة فيه، لانحصارها في النعم وأصناف مخصوصة من الحبوب والثمار، والذهب والفضة، ومنهما قيمة عرض المدير وثمن عرض المحتكر، والمذكور ليس داخلاً في شيء منها، ويقرب لك ذلك أن الفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها لا زكاة في عينها لخروجها عن ذلك" (١) يقول الأستاذ الدكتور القرضاوي: "لم تعرف النقود الورقية إلا في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف فيها حكم، وكل ما هنالك أن كثيراً من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجاً على أقوال السابقين، فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفية والظاهرية، فلم يرد هذه نقوداً؛ لأن النقود الشرعية إنما هي الذهب والفضة، وإذن لا زكاة فيها.. وبهذا أفتى الشيخ عليش وبعض الشافعية.." (٢) .
وقد أسند كتاب الفقه على المذاهب الأربعة إلى الحنابلة عدم وجوب الزكاة في الورق النقدي، إلا إذا صرف ذهباً، أو فضة، ووجدت فيه شروط الزكاة السابقة (٣) وهذا الإسناد غير مقبول؛ لأن النقد الورقي لم يكن موجوداً في زمن أحمد ولا أصحابه، وحتى لازم المذهب ليس بمذهب، فكيف تسنى له أن يسند إليهم هذا القول؟ !
وكذلك أفتى كثير من علماء الهند في القرن السابق، بعدم وجوب الزكاة فيها، وعدم أداء الزكاة بها، وعدم جواز شراء الذهب والفضة بها (٤) .
وبعكس هذا الاتجاه، ذهب علماء معاصرون كثيرون إلى وجوب الزكاة فيها، منهم العلامة أحمد الساعاتي صاحب ترتيب مسند أحمد وشرحه، حيث قال: "فالذي أراه حقاً، وأدين الله عليه، أن حكم الورق المالي كحكم النقديين في الزكاة سواء بسواء؛ لأنه يتعامل به كالنقدين تماماً" (٥) وأفتى بمثله العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي، حيث قال: "فتحصل أن الأوراق المالية يصح أن تزكى باعتبارات أربعة" (٦) .
стр. 14811
وكذلك أفتى بمثله بعض علماء الهند مثل: مولانا الشيخ فتح محمد اللكنوي صاحب عطر الهداية، وذكر المفتى سعيد أحمد اللكنوي في كتابه أن الإمام عبد الحي اللكنوي كان يوافق تلميذه الشيخ فتح محمد في هذه المسألة (١) .
والراجح أن هذا الخلاف لفظي، وليس خلافاً معنويًّا، ولا خلافاً قائماً على الحجة والبرهان، وإنما هو خلاف عصر وأوان، فالأوائل بنوا أقوالهم في عدم وجوب الزكاة فيها على أساس أنها كانت سندات لديون، والآخرون نظروا إليها باعتبارها أصبحت أثماناً بالعرف وكلا الرأيين صحيح فالأوراق النقدية كانت في بدايتها سندات، فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية: "أن البنكنوت كان ظهوره قبل الشيكات المصرفية، ويمكن اعتباره كسند عند الدائن لدين له على البنك، وأن حقوق هذه الأوراق تنتقل إلى آخر عند تسلمها، فحينئذ يكون حاملها دائناً للبنك بطريقة تلقائية.." (٢) .
وأما الآن بل ومنذ فترة ليست وجيزة، لم يعد لها هذا التكييف، بل هي تطورت وأصبحت عملة قانونية، ومنعت الحكومات البنوك الشخصية من إصدارها، وحينئذ تختلف حقيقتها عن السندات المالية الأخرى في أمور كثيرة (٣) .
وكذلك في مسألة الربا، حيث لا ينبغي تكييف مسألة النقود الورقية الآن على أنها ما دامت لا تتحقق فيها علة الربا عند بعض العلماء، يجوز فيها الربا قياساً على قول من أجاز الربا في الفلوس، وذلك لأن هؤلاء لما قالوا في الفلوس، قالوا فيها باعتبار كونها سلعة، ولا سيما أنها لم تكن النقد السائد، بل كانت المساعدة، أما لو شاهدوا غلبتها وأصبحت العملة الوحيدة، فلا أعتقد أن أحداً منهم يقول بهذا القول، ولذلك نرى مشايخ ما وراء النهر، حرموا التفاضل في العدالي والغطارفة –نوعان من النقود الفضية التي كانت نسبة النحاس فيهما أكثر من الفضة- مع أن علماء المذهب الحنفي القدامى أجازوا التفاضل وزناً وعدداً في الدراهم والدنانير المغشوشة، قال المرغيناني: "وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير، وإن بيعت بجنسها متفاضلاً جازا.." ثم قال: "ومشايخنا ﵏ لم يفتوا بجواز ذلك في العدالي والغطارفة؛ لأنها أعز الأموال في ديارنا، فلو أبيح التفاضل فيه ينفتح باب الربا. ثم إن كانت تروج بالوزن فالتبايع والاستقراض فيها بالوزن وإن كانت تروج بالعد فبالعد.." (٤) .
ولكن مع رواج النقود المغشوشة وقبولها وكونها من أعز الأموال، لم يعط الحنفية كل أحكام الدراهم والدنانير الخالصة.
стр. 14812
يقول المرغيناني: "ثم هي ما دامت تروج تكون أثماناً، لا تتعين بالتعيين، وإذا كانت لا تروج، فهي سلعة تتعين بالتعيين، وإذا كانت يتقبلها البعض دون البعض، فهي كالزيوف لا يتعلق العقد بعينها، بل بجنسها زيوفاً، إن كان البائع يعلم بحالها، لتحقق الرضا منه، وبجنسها من الجياد، إن كان لا يعلم، لعدم الرضا منه" (١) ، ثم قال موضحاً المزيد من الفرق بينها وبين الجياد: "وإذا اشترى بها سلعة، فكسدت، وترك الناس المعاملة بها، بطل البيع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع، وقال محمد: قيمتها آخر ما تعامل الناس بها، لهما أن العقد صح، إلا أنه تعذر التسليم بالكساد، وأنه لا يوجب الفساد.. وإذا بقي العقد، وجبت القيمة، لكن عند أبي يوسف وقت البيع؛ لأنه مضمون به، وعند محمد يوم الانقطاع، لأنه أوان الانتقال إلى القيمة.. ولأبي حنيفة أن الثمن يهلك بالكساد؛ لأن الثمنية بالاصطلاح، وما بقي، فيبقى بيعاً بلا ثمن فيبطل، وإذا بطل البيع، يجب رد المبيع، إن كان قائماً، وقيمته، إن كان هالكاً، كما في البيع الفاسد" ونقل ابن الهمام عن أصحاب الذخيرة: أن الفتوى على قول أبي يوسف (٢) .
وبعد هذا العرض، يمكننا أن نأتي إلى ذكر الفروق الجوهرية بين النقود الورقية والنقود المعدنية والذاتية بإيجاز.
الفرق الأول:
أن الذهب والفضة نقدان ذاتيان ضامنان للقيمة في حد ذاتهما، في حين أن العملة الورقية نقد حسب العرف والاصطلاح، اكتسبت قوتها في بدايتها من غطائها الذهبي أو الفضي، والآن تكسبها من قوة الدولة وضمانها لها.
ولذلك فليس بوسع أي أحد –فرداً أو دولة- أن يلغي قيمة النقود المعدنية، حتى لو ألغيت نقديتها رسميًّا ستظل قيمتها باقية كسلعة، أما النقود الورقية، فتستطيع كل دولة أن تلغيها، أو تنقص من قيمتها، وإذا ألغيت فلا يبقى لها أية قيمة.
ولا شك في أن قيمة النقود الورقية في قوتها الشرائية، وقدرتها على أن يشترى بها الحاجات الأساسية وغيرها؛ وذلك لأن النقود الورقية ليست مما يؤكل ولا يلبس، ولا يتحلى بها على عكس السلع، والنقود الذهبية والفضية.
стр. 14813
الفرق الثاني:
أن النقود الذاتية لا ينسى مع نقديتهما وزنهما، باعتبار أن زيادة الوزن تدل بلا شك على زيادة القيمة، وقد أشار إلى ذلك الحديث الصحيح ((وزناً بوزن)) (١) ويترتب على ذلك أمران:
الأمر الأول:
عدم جواز الزيادة بين تبر الذهب ونقده، بل وبين الدنانير بعضها ببعض إذا كان في أحدها زيادة على الآخر، يقول الشافعي: ".. أرأيت الذهب والفضة مصروبين دنانير، أو دراهم.. لا يحل الفضل في واحد منهما على صاحبه لا ذهب بدنانير، ولا فضة بدراهم إلا مثلاً بمثل، وزناً بوزن، وما ضرب منهما، وما لم يضرب سواء لا يختلف". "الربا في مضروبه وغير مضروبه سواء". فقد نظر الشافعي إلى النقود من حيث أصلها، فما دام موزوناً فيراعى فيه الوزن، وهكذا، ولذلك فما كان غير موزون أو مكيل ويصبح ثمناً بالعرف يلاحظ فيه أصله، يقول الشافعي: "وإنما أنظر في التبر إلى أصله، وأصل النحاس لا ربا فيه".
وما دام يلاحظ في النقود الذهبية والفضية أصلها من حيث الوزن، ولذلك يوجد الربا في مضروبه وغير مضروبه، ومن هنا "فكيف يجوز أن يجعل مضروب الفلوس مخالفاً غير مضروبها؟ " (٢) وإلى اعتبار الوزنية في الذهب والفضة تبرها ونقدهما، ذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) والحنابلة (٥) وغيرهم.
قال ابن رشد:
"وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلاً، لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلا معاوية، فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ، لمكان زيادة الصياغة، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه، فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه، أو دراهمه؟ فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك، فأرجو ألا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه، وأنكر ابن وهب من أصحابه"
(٦) قال ابن قدامة: "فإذا باع ديناراً بدينار كذلك وافترقا، فوجد أحدهما ما قبضه ناقصاً، بطل الصرف؛ لأنهما تبايعا ذهباً بذهب متفاضلاً" (٧) قال ابن عابدين: "فإذا استقرض مائة دينار من نوع، فلا بد أن يوفى بدلها مائة من نوعها الموافق لها في الوزن، أو يوفى بدلها وزناً لا عدداً" (٨) .
стр. 14814
الأمر الثاني:
جواز بيع دينار ذهبي زائد بدينار ناقص، وزيادة بقدر النقصان، وبالعكس فقد روى الحافظ ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندهما، عن الحكم أن في الدينار الشامي بالدينار الكوفي وفضل الشامي فضة قال: لا بأس به، ورويا مثله عن مجاهد، وروى عبد الرازق بسنده عن مجاهد: في الرجل يبيع الفضة بالفضة بينهما فضل؟ قال: "يأخذ بفضله ذهباً، وروى مثله ابن أبي شيبة، عن طاووس والنخعي " (١) .
بل إن جماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة ومحمد ذهبوا إلى اعتبار الوزن في الدراهم والدنانير مطلقاً؛ وذلك لأن النبي ﷺ نص على وزنتيهما حيث قال: ((وزناً بوزن)) والنص أقوى من العرف، فهو لا يعارض النص، وذكر ابن عابدين أن الدراهم والدنانير في عصره كانت مختلفة حيث قال: "فإن النوع الواحد من أنواع الذهب والفضة المضروبين قد يختلف في الوزن كالجهادي والعدلي والغازي من ضرب سلطان زماننا، فإذا استقرض مائة دينار من نوع فلا بد أن يوفى بدلها مائة من نوعها الموافق لها في الوزن أو يوفى بدلها وزناً لا عدداً، أما بدون ذلك، فهو رباً؛ لأنه مجازفة" (٢) .
ولا شك في أن النقود الورقية لا يلاحظ فيها الوزن قاطبة حتى تكون مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ومن هنا قال الشافعي: "الذهب والفضة بائنان من كل شيء لا يقاس عليهما غيرهما" (٣) .
الفرق الثالث:
أن النقود الذاتية كالدراهم والدنانير، حتى لو ألغيت نقديتها، بقيت مثليتها، على عكس النقود الاصطلاحية كالفلوس عند من يقول بها، حيث لو كسدت تصبح سلعة متقومة عند الكثيرين، أما الدراهم والدنانير، حتى لو كسدتا وألغيت نقديتهما، بقيتا مثليتين.
بل إن الفلوس والدراهم والدنانير المغشوشة أحسن حالاً من النقد الورقي إذ إنها باعتبار أصولها وإمكانية الانتفاع من موادها، كسلعة تحمل قيمة، أما النقود الورقية، فلا تحمل أية قيمة، إذ إنها لم تعد صالحة للانتفاع بها، حتى للكتابة عليها بعد ما كتبت عليها من كتابات خاصة بالدولة التي أصدرتها، ولذلك يقول الاقتصاديون: إن هذه الأوراق جعلتها الدولة أثماناً عرفية، وألزمت الناس بقبولها في اقتضاء ديونهم، ولكن الأثمان المسكوكة سابقاً حتى "النقود الرمزية منها، كانت في أنفسها أموالاً لها قيمة يعتد بها، ولم يكن تقويمها موقوفاً على إعلان الحكومة، ولا بجعلها أثماناً رمزية، فإنها كانت تصنع تارة من الذهب والفضة، ومرة من الصفر، وأخرى من النحاس، أو الحديد مما هي أموال في أنفسها، ولذا لو أبطلت الحكومة ثمنيتها، بقي تقومها من حيث موادها، وأما هذه الأوراق، فليست أموالاً في أنفسها، وإنما جاء فيها التقويم من قبل الحكومة، ولو أبطلت الحكومة ثمنيتها بطل تقومها (٤) إذن فما المانع إذا قامت الحكومة بخفض قيمتها، أن نلاحظ هذه القيمة بقدرها في الحقوق والالتزامات الآجلة؟ "
стр. 14815
يقول الأستاذ جيوفري: "إن الورق النقدي الآن ليس إلا قطعة من الكاغذ، ليس لها قيمة ذاتية، ولو قدمت إلى البنك البريطاني لافتكاكها، فإن البنك لا يستطيع الوفاء بوعده إلا بإعطاء عملة رمزية أخرى، أو ورق نقدي آخر" (١) وحاصل ذلك: أن هذا الوعد المكتوب لا يعبر إلا عن ضمان الحكومة لحامله، بأنه مستعد للوفاء بوعده، ولكن ليس بذهب ولا فضة، بل بورق آخر يساويه في القيمة.
وقد أشار ابن عابدين إلى أن العملة الذاتية الخالصة تكتسب قوتها من ذاتيتها، ولذلك لا يتحكم فيها الناس –كقاعدة عامة- على عكس النقود الاصطلاحية حيث يقول:
"فإنه –أي الغلاء والرخص- إنما يظهر إذا كانت –أي الدراهم والدنانير- غالبة الغش تقوم بغيرها" (٢) .
وأشار الشافعي إلى فرق لطيف بين الذهب والفضة من جانب، وبين غيرهما، حتى ولو صار نقداً مثل الفلوس، حيث ذكر أن الذهب سواء كان مضروباً كالدينار، أم تبراً لا يجوز بيعه بالذهب مطلقاً إلا مثلاً بمثل، وكذلك الفضة، "وما ضرب منهما وما لم يضرب سواء لا يختلف.. فلا يحل الفضل في مضروبه على غير مضروبه.. فكيف يجوز أن يجعل مضروب الفلوس مخالفاً غير مضروبها؟ " (٣) فالنقود الورقية يجوز أن يشترى بها كميات أكثر من وزنها من الأوراق التي صنعت منها.
الفرق الرابع:
أن علماءنا المعاصرين متفقون على أن نقودنا الورقية تقوم بالذهب، أو الفضة، أو غيرهما لمعرفة نصاب الزكاة فيها، ولذلك فنقد كل بلد يقوم فإذا بلغ ما لدى الإنسان مقداراً يصل إلى قيمة عشرين مثقالاً من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة تجب الزكاة إذا حال عليه الحول، بل أكثر من ذلك رجح فضيلة الأستاذ القرضاوي ربط نصاب النقود الورقية بالسلع الأساسية التي نص على نصابها فقال: "وبناء على هذا البحث، نستطيع أن نضع معياراً ثابتاً للنصاب النقدي، يلجأ إليه عند تغير القوة الشرائية للنقود تغيراً فاحشاً يجحف بأرباب المال أو بالفقراء، وهذا المعيار هو ما يوازي متوسط نصف قيمة خمس من الإبل، أو أربعين من الغنم في أوسط البلاد وأعدلها" (٤) .
стр. 14816
الفرق الخامس:
أن المعاصرين جميعاً متفقون على أن نقودنا الورقية مختلفة باختلاف الدول التي تصدرها، ولذلك لا يجرى الربا بين ريال قطري وبين ريال سعودي، مع أن كلًّا منهما ريال، وبينهما شبه شكلي، فيجوز بيع ريال سعودي بريال وزيادة كما هو المعهود، ولو رد الدين به بدل الريال القطري تحسب هذه الزيادة فما السبب في ذلك؟
لا جواب على ذلك إلا اعتبار القيمة للريالين، ولذلك فهي ليست ثابتة، فقد يزداد سعر أحدهما دون الآخر وبالعكس، فلا اعتبار للاسم ولا للشكل ولا للوزن والعدد، وإنما للقيمة، في حين لو كانت العملة ذهبية، لما اختلفت باختلاف دولة الإصدار.
الفرق السادس:
أن أكثر العملات –إن لم يكن جميعها- قد كتب عليها عبارة: "ورقة نقدية مضمونة القيمة بموجب القانون " حتى إذا لم يكتب عليها هذه العبارة، فهذا هو واقعها، فقيمتها في وقتها الشرائية، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ننكر هذا الواقع لأجل شكل ما أنزل الله به من سلطان؟ ولا أحد يدعي أن الذهب، أو الفضة حينما يضرب يحتاج إلى هذه العبارة، أو هذا الضمان.
الفرق السابع:
إن النقود الورقية في واقعها الذي ظهرت فيه كانت عبارة عن صكوك، تعبر عن الرصيد الذي كانت تمثله، ثم وضع لها غطاء ذهبي، فكانت قيمتها باعتبار هذا الغطاء، ثم لما ألغي هذا الغطاء، أصبحت موارد الدولة وقوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وقوة ضمانها من قبلها هي الغطاء، ولذلك تتقلب هبوطاً وارتفاعاً حسب التقلبات التي تقع على الدولة المصدرة لها والضامنة لها، فهذا يعني بكل بساطة رعاية قيمتها وقدرتها الشرائية، ولذلك تتغير قيمة الليرة اللبنانية الآن وهي متقلبة ومتغيرة، وأن النقود نفسها تتأثر بها، فلا بد إذن القول بأن الليرة اللبنانية اليوم التي يمثلها غطاء ضعيف مهزوز، غير الليرة التي كان يمثلها غطاء قوي من حيث الواقع والغاية والهدف والنتيجة، فهي مرتبطة بأصل، وهذا الأصل قد تغير جوهره، فما يبنى على الأصل لا بد أن يتغير به.
وهذا بلا شك على عكس النقود الذهبية والفضية، حيث تكتسب قوتها من ذاتها، ولا تحتاج إلى هذه الاعتبارات.
стр. 14817
الفرق الثامن:
أن الفقهاء حينما أجمعوا على أن الذهب والفضة، والحنطة والشعير –مثلاً- يجب فيها المثل مطلقاً في حين اختلفوا في النقود المغشوشة والفلوس، حيث لاحظ بعضهم القيمة عند الغلاء والرخص، صرحوا بأن السبب في ذلك أن الذهب والحنطة ونحوهما مما يستفاد بذاتها مع قطع النظر عن قيمتها فعشرة كيلوات من الحنطة سواء رخص سعرها أو غلا، هو غذاء يحقق الغرض المقصود، وينتفع به صاحبها من حيث الطعم والغذاء دون أن يؤثر فيها القيمة ولكن الفلوس والنقود المغشوشة تكمن قيمتها في رواجهما وقبول الناس لهما فإذا لم يتحقق فيهما هذه الشروط، فقد فقدتا مثليتهما، وبالتالي يلاحظ فيهما القيمة والقوة الشرائية.
الفرق التاسع:
لنا أن نتساءل: ما هو المعيار الذي تحدد به قيمة النقود في العالم؟ فمثلاً يكون الريال القطري الآن يساوي كذا، وسابقاً كان يساوي كذا، وكذلك بقية العملات، ثم العلاقة بين عملة أخرى، فالدولار يساوي مثلاً ٣.٦٥ ريال قطري ٣٣٠ قرشاً مصريًّا مثلاً.
فكان المعيار عند نشأة النقود الورقية هو الغطاء الذهبي، إذن كانت مقومة به ومعتبرة به، وتابعة له من حيث الرخص والغلاء، أما بعد أن ألغي هذا الربط فبأي شيء يرتبط؟ لا شك أنها مرتبطة بعدة اعتبارات مختلفة للدولة التي تصدرها.
وأيًّا ما كان، فقد روعي من حيث أساسها القيمة، ولا تزال في دول الغرب يلاحظ فيها قوتها الشرائية، حيث يعرف من خلالها نسبة التضخم، ويكون المعيار في ذلك هو السلع الأساسية باعتبار وقتين مختلفين، وقت إصدار النقد، والوقت الذي حصل فيه الغلاء.
بل أكثر من ذلك لا تزال قيمة النقود الورقية يراعى فيها قيمتها في مقابل الذهب على مستوى الصندوق المالي العالمي.. يقول الأستاذ محمد تقي العثماني: "وفي سنة ١٩٧٤م اختار (الصندوق المالي العالمي) فكرة (حقوق السحب الخاصة) كبديل لاحتياطي الذهب، وحاصل ذلك أن أعضاء هذا الصندوق يستحقون سحب كمية معينة من عملات شتى الدول، لأداء ديونهم إلى الدول الأجنبية الأخرى، واعتبر ٨٨٨٦٧٦ جراماً من الذهب كعيار لتعيين هذه الكمية، وأن حقهم لسحب هذه الكمية اعتبر بديلاً لاحتياطي الذهب" (١) .
وأما النقود الذهبية، أو الفضية فلم يقل أحد بأنها بحاجة إلى التقويم.
стр. 14818
الفرق العاشر:
أن مشكلة التضخم التي يعاني منها العالم ولدت في أحضان النقود الورقية، بعد ما حلت محل النقود الذاتية بحيلة قانونية –كما ذكرنا- ولا سيما بعد ما أصبحت بلا غطاء حقيقي، ولذلك أصبحت أموال الناس مهددة بهذه التقلبات الكبيرة التي نشاهدها ونعايشها، فكم من غني جمع من النقود الورقية بكده، وعرق جبينه، ثم ظهر التضخم فأكل أمواله النقدية، وأصبحت كل هذه العملات التي يملكها لا تساوي شيئاً يذكر، فكم من تجار مهرة في لبنان جمعوا أموالهم بالليرة اللبنانية وبلغت الملايين، ولكن بعد ما حصل لليرة اللبنانية ما حصل أصبحت مئات الآلاف لا تساوي شيئاً يذكر.
فلو كانت نقودنا ذهبية، أو فضية فهل كان ينجم كل هذه الأضرار؟
إن الحضارة الإسلامية لم تشهد تضخماً إلا حينما شاعت الفلوس والنقود المغشوشة، ولم تشهد النقود الذهبية والفضة الخالصة أي تضخم يذكر.
يقول الأستاذ محمد الحريري: "إن هذا الداء –أي داء التضخم - كان ظاهرة اقتصادية، رافقت الانتقال من النقود السلعية إلى النقود الائتمانية.. فالذهب والفضة تمتعا –كنقود- بثبات نسبي في قيمتها.. وذلك، لأن النقود السلعية –ومنها الذهب والفضة- كانت تتساوى قيمتها الاسمية مع قيمتها التبادلية، بينما نقل كثيراً قيمة النقد الاصطلاحي، عن قيمته الاسمية، وباستعراض تاريخي للأزمات الاقتصادية في العالم، نجدها مصاحبة لتداول النقد الورقي" (١) .
ويذكر المقريزي وغيره أسباب المشاكل النقدية التي وقعت في بعض العصور الإٍسلامية، وأنها تكمن في إصدار الفلوس، يقول المقريزي: "الفلوس لم يجعلها الله تعالى قط نقداً في قديم الدهر وحديثه، إلى أن راجت في أيام أقبح الملوك سيرة وأرذلهم صريرة –الملك الناصر- وقد علم كل من رزق فهماً وعلماً أنه حدث في رواجها خراب الأقاليم، وذهاب نعمة أهل مصر، والفضة هي النقد الشرعي –أي بجانب الذهب- لم تزل في العالم، وأما الفلوس فإنه.. ومنذ كان الملك إلى أن حدثت الحوادث والمحن بمصر سنة ست وثمانمائة في جهات الأرض كلها عند كل أمة من الأمم كالروم والفرس وبني إسرائيل، واليونان والقبط، والنبط والتبابعة، ومن أقيال اليمن والعرب العاربة، والعرب المستعربة، ثم في الدول الإسلامية من حين ظهورها على اختلاف دولها التي قامت بدعوتها كبني أمية بالشام والأندلس، وبني العباس بالعراق، والعلويين بطبرستان وبلاد المغرب، وديار مصر والشام، والحجاز واليمن، ودولة بني بويه، ودولة الترك بني سلجوق، ودولة الأكراد بمصر والشام، ودولة المغول ببلاد المشرق، ودولة الأتراك بمصر والشام.. إن النقود التي كانت أثماناً وقيماً، إنما هي الذهب والفضة فقط، ولا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عن أمة من الأمم، ولا طائفة من الطوائف أنهم اتخذوا أبداً في قديم الزمان ولا حديثه نقداً غيرهما، إلا أنه لما كانت في المبيعات محقرات تقل أن تباع بدرهم أو بجزء منه، أصبح قديماً وحديثاً إلى شيء سوى النقدين يكون إزاء تلك المحقرات، ولم يسم أبداً ذلك الشيء الذي جعل للمحقرات نقداً البتة.. ولا أقيم قط بمنزلة أحد النقدين، ولم تزل ملوك مصر والشام والعراقيون، وفارس والروم في أول الدهر وآخره، يجعلون بإزائها نحاساً يضربون منه القليل والكثير صغاراً تسمى فلوساً، وكان للناس بعد الإسلام وقبله أشياء أخرى يتعاملون بها كالبيض، والودع (٢) وغير ذلك (٣) ، ويقول الشافعي في الأم بعد أن ذكر أن الفلوس لا يمكن أن تكون أثماناً ونقوداً: "وقد بلغني أن أهل سويقة في بعض البلدان أجازوا بينهم خزفاً مكان الفلوس" (٤) .
стр. 14819
وما قاله المقريزي وغيره في حق الفلوس تحقق منه أكثر في عالم النقود الورقية من مشاكل التضخم، وسرقة أموال الناس من خلالها، والتقلبات الخطيرة التي لم يعد الإنسان يطمئن إلى هذه النقود ولم تصبح مخزناً للثروة، ولا قيماً يقاس بها الأموال، بل أصبحت السلع هي المعيار لها، فهي بدعة أحدثها الغرب، للتحكم في ثروات العالم رخصاً وغلاء، وحسب مصالحهم، ولذلك إذا أرادوا أن يضربوا اقتصاد أية دولة خفضوا نقودهم التي ارتبط بها مصير جميع نقود دول العالم، ومن جانب آخر فإن أهمية الذهب والفضة تكمن في كونهما معدنين نفيسين نادرين ليس من السهل الحصول عليهما إلا عند وجودهما وتحصيلهما، أما النقود الورقية فتستطيع الدولة أن تصدر ما تشاء منها بالمليارات، ومع ذلك لا تصبح بها غنية، يقول (بواجلبرت) : "من المحقق أن النقود ليست ثروة في ذاتها، وأن كميتها لا تؤثر في رخاء الأمة" (١) وقبله قال ابن سينا في رده على المشتغلين بالكيمياء: " وذلك أن حكمة الله في الحجرين وندورهما أنهما قيم لمكاسب الناس، ومتمولاتهم، فلو حصل عليهما بالصفة، لبطلت حكمة الله في ذلك، وكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء" (٢) كما هو الحاصل الآن حيث لا يحصل أحد منا من اقتناء كثير من نقودنا الورقية على ما يحقق رغبته ويشتري بها ما يريده بسبب كثرتها وتضخمها. وقد هاجم ابن خلدون هؤلاء الكيميائيين الذين يغشون الذهب والفضة ويلبسون الحديد أو غيره ثوب أحدهما، لما يترتب على ذلك من مظالم للناس؛ ولأن الغش، أو الصفة لا يزيد من الثروة للإنسان، بل هو عجز وكسل، والغنى إنما يحصل بالأعمال الإنسانية والصناعات، وزيادة الآلات والمكاسب (٣) .
ويقول د. محمد صالح: "إن قيمة المعادن النفيسة أقل تعرضاً للتغيرات من بقية السلع؛ وذلك لأن كمية المستخرج سنويًّا منها طفيفة بالنسبة للمقادير العظيمة الموجودة منها، ولهذا السبب يصغر شأن التقلبات التي يحدثها هذا المحصول السنوي في قيمة هذه المعادن" (٤) ويقول: " لكن إجماع الناس انعقد منذ القدم على تفضيل الذهب والفضة، ومنذ نصف قرن فضلوا الذهب، وأصبحت الفضة في المقام الثاني، وصار الذهب هو العملة الدولية، ثم ذكر أسباب تفضيلهما على غيرهما بالتفصيل (٥) بالإضافة إلى العلاقة الوثيقة بين سعر الذهب والفضة والنقود المصنوعة منها حيث تنخفض، أو ترتفع حسب قيمة أصلها، في حين لا توجد أية علاقة بين سعر النقد الورقي، والورق المصنوع منه، وقد أشار العلامة جعفر الدمشقي إلى المزايا الخاصة التي جعلت الذهب والفضة مرشحين للنقدية وتفضيل الذهب على الفضة" فقال: " وقع إجماع الناس كافة على تفضيل الذهب والفضة لسرعة المواتاة في السبك، والطرق والجمع، والتفرقة، والتشكيل بأي شكل أريد مع حسن الرونق وعدم الروائح والطعوم الرديئة، وبقائهما على الدفن وقبولهما العلامات التي تصونهما وثبات السمات التي تحفظهما من الغش والتدليس، فطبعوهما وثمنوا بهما الأشياء كلها، ورأوا أن الذهب أجل قدراً في حسن الرونق وتلزز الأجزاء والبقاء على طول الدفن وتكرار السبك في النار، فجعلوا كل جزء منه بعدة من أجزاء الفضة، وجعلوها ثمناً لسائر الأشياء " (٦) .
стр. 14820
الترجيح.. والتكييف الفقهي
رأينا –فيما سبق- كيفية ظهور النقود الورقية، وكيف أن الخلاق قد ثار بين العلماء عند بداية ظهورها، حيث لم يعترف بها بعضهم، بل لم يجعلوها نقداً ولا مالاً فلم يوجبوا فيها زكاة ولا غيرها من الأحكام التي تترتب على النقود الذاتية من الذهب والفضة.
وهذا القول إذا كان في وقته سائغاً ومقبولاً، للاعتبارات السابقة التي صاحبت نشأتها حيث كانت لا تخلو من كونها سندات في بداية ظهورها، كما أن النقد الذهبي، أو الفضي كان سائداً.. فإن هذا الرأي لم يعد مقبولاً في عصرنا الحاضر بعد أن صارت النقود الورقية هي السائدة لا غير، وأصبحت هي أساس المعاملات، وأثمان الأشياء، ورؤوس الأموال، وبها يتم البيع والشراء وسائر المعاملات، ومنها تصرف الأجور والرواتب والمكافآت، إنها تدفع مهراً فتستباح بها الفروج شرعاً دون أي اعتراض، وتدفع ثمناً في النفائس وغيرها، وأجراً للجهد البشري ودية في القتل، وغير ذلك من الأحكام (١) .
وإذا كان القول السابق لم يعد له مبرر لقبوله، لما فيه من تفريط فإن القول بأن النقود الورقية مثل النقود الذهبية أو الفضية في كل الأحكام قول لا يجد لنفسه مستنداً مقبولاً من نصوص الشريعة الغراء، ولا يدعمه الواقع المعاصر الذي نعايشه، ولا يخفى الغلو والإفراط الذي يصاحبه.
ومن هنا فالعدل دائماً كامن في الوسطية، التي هي سمة ديننا وشرعنا ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وهي القول بنقدية هذه الأوراق المالية، وبالتالي وجوب الزكاة فيها باعتبار قيمتها الموازية لنصاب الذهب، أو الفضة –كما سبق- وكونها صالحة للثمنية والحقوق والالتزامات، ولكنها مع ذلك لا تؤدي جميع الوظائف التي تؤديها الذاتية، وبعبارة أخرى إنها نقود، ولكنها لا تؤدي جميع وظائف النقود الذاتية، وإنما تؤدي بعضها، ولذلك يلاحظ فيها المالية والقيمة، كما يلاحظ فيها عدم جواز الربا فيها، وعدم التأجيل إذا بيع بعضها ببعض.
فكما أننا لا نعتبر الريال القطري جنساً شاملاً للريال السعودي أو بالعكس، بل ننظر عند الصرف إلى قيمة كل واحد منهما، فكذلك الأمر عندما تحدث فجوة كبيرة جدًّا بين ما وقع عليه العقد، وما يجب أداؤه بعد فترة زمنية، وذلك لأن غطاء النقود الورقية الآن ليس ثابتاً –كما سبق- وإنما هو تابع لدولتها التي تصدر منها، فإذا كان هذا الغطاء متجدداً متغيراً فلا بد أن تكون النقود التابعة له متغيرة يلاحظ فيها هذه التغيرات، على عكس النقود الذاتية التي تستمد قوتها الشرائية من ذاتها وكونها تصلح للسلعة، حيث إنها معدن نفيس حتى لو بطل التعامل بها نقداً، لبقيت قيمتها المالية وصلاحيتها لكثير من الاستعمالات –كما سبق-.
ثم الاعتراف بأن نقودنا اليوم لا تؤدي جميع الوظائف التي كان النقدان المعدنيان –الذهب والفضة- يؤديانها لا يتعارض مع القواعد العامة في الاقتصاد الحديث، بل يعترف بذلك بوضوح، ولذلك فمفهوم النقد مرن جدًّا يشمل أنواعاً كثيراً، بعضها لا يؤدي إلا وظيفة واحدة، يقول الدكتور محمد يحيى: "وهذه الوظائف الأربع للنقود تعتبر متكاملة في المجتمع الذي يسوده نظام اقتصادي مستقر.. فإذا ما عجزت النقود المتعارف عليها عن القيام بإحدى هذه الوظائف، فإنها تفقد خاصيتها.. ففي حالة الانهيار المفاجئ لقيمة النقود، فإنها تفقد ميزتها، أو وظيفتها كوسيلة للمعاملات الآجلة، ومن ثم تفقد كذلك وظيفتها كوسيلة الاحتفاظ بالثروة أو لاختزان القيمة" (٢) .
стр. 14821
ويقول الدكتور أحمد عبده: "كذلك يعتبر الكثيرون أن الوظيفتين الأوليين للنقود (وهما وسيط للتبادل ومقياس للقيم) وظائف أصلية، أما الوظيفتان الأخيرتان (أي مخزن للقيم ومعيار للمدفوعات الآجلة) ، فتعدان وظائف مشتقة" (١) .
ثم إن مفهوم النقود اليوم واسع جدًّا حيث يشمل النقود السلعية، والمعدنية، والمساعدة، والورقية، والمصرفية، وظهرت الآن في أوربا نقود أخرى مثل نقود البلاستيك، فكلها نقود مع أن أكثرها لا تؤدي جميع الوظائف التي كانت تؤديها النقود المعدنية (٢) .
يقول الأستاذ حمدي عبد العظيم: "إن النقود المعدنية (الذهب والفضة) لا تستخدم فقط كوسيلة للتبادل، وإنما تستخدم كذلك كمخزن للقيمة، وكمعيار للمدفوعات الآجلة، وذلك خلافاً لما هو عليه الحال في الاقتصاديات غير الإسلامية التي أدت فيها النتائج السيئة المترتبة على عدم وجود غطاء للعملة، وما يتبعه من حدوث أزمات مختلفة إلى مجرد الاقتصار على وظيفة واحدة للنقود، وهي كونها وسيلة للتبادل" (٣) .
وفي نظري أن نظام النقود اليوم –ولا سيما النقود الورقية- نظام خاص لا يمكن إجراء جميع الأحكام الخاصة بالنقود المعدنية: الذهب والفضة، حتى ولا الفلوس- كما ذكرنا- فهو نظام خاص جديد لا بد من أن نتعامل معه على ضوء نشأته، وتطوره وغطائه، وما جرى عليه، ومن هنا فما المانع من أن نقره كوسيط للتبادل التجاري، ولكنه مع ذلك نلاحظ فيه قيمته، ولا سيما عند تذبذبه وانهياره، ونربطه إما بالذهب، أوبسلة السلع –كما نذكر فيما بعد- وبذلك أخذنا بإيجابياته، وطرحنا سلبياته، وهذا الحل الأمثل في نظري إلى أن يعود نظام النقدين: الذهب والفضة، أو يصلح نظام النقد الدولي.
فقد فقدَ النقد الورقي الحالي كثيراً من وظائفه الأساسية، فلم يعد –مثل السابق- مقياساً للقيم، حتى في الغرب الذي نشأ فيه، ولا مخزوناً للثروة، حيث إن الكثيرين يخزنون ثرواتهم بغيره، أو بالعقارات ونحوها، ولذلك حينما تظهر بادرة حرب، أو مشكلة سياسية خطيرة يقدم الناس –ولا سيما في الغرب- على شراء الذهب، فترتفع أسعاره (٤) .
فقيمة نقودنا الحالية تكمن قدرتها الشرائية –كما ذكرنا- ولذلك يقول الإمام السرخسي قبل عدة قرون: "إنما المقصود المالية، وهي باعتبار الرواج في الأسواق" (٥) .
وقد أكد ذلك بعض الاقتصاديين المعاصرين يقول أحدهم: "النقود حق مالي تتحد قيمتها بالقيمة الاقتصادية لموضوع هذا الحق، وتزيد قيمتها حسب قوتها الشرائية التي تتبع الإنتاج القومي، وهكذا فإن قيمة النقود هي قيمة مشتقة من قوة الاقتصاد وحجم الإنتاج، ولذلك فالنقود هي حقوق على اقتصاد الدولة التي تصدرها، وهي حقوق ومديونية من نوع خاص تتميز بقابليتها للتداول (السيولة) ثم انتهى الباحث إلى أن النقود ليست مثلية، وأن من يسترد نقوده بعد فترة فإنه لا يسترد نفس الشيء وإنما يتعلق حقه باقتصاد وإنتاج جديد" (٦) .
стр. 14822
والخلاصة:
أن الرأي الذي يطمئن إليه القلب هو رعاية القيمة في نقودنا الورقية في جميع الحقوق الآجلة المتعلقة بالذمة من قرض، أو مهر، أو بيع، أو إجارة أو غيرها، ما دام قد حصل انهيار، وغبن فاحش يبين قيمة النقد الذي تم عليه الاتفاق وقدرته الشرائية في الوقتين –أي وقت العقد، ووقت الوفاء- وسواء كان المتضرر دائناً أو مديناً، والذي نريده هو تحقيق المبدأ الذي أصله القرآن الكريم، وعبر عنه الرسول ﷺ بقوله: ((قيمة عدل لا وكس وشطط)) (١) .
النقود الورقية مثلية كقاعدة عامة ولكن:
ومن هنا فالنقود الورقية مثلية –كقاعدة عامة- فيكون الرد فيها بالمثل دون رعاية فروق طفيفة قد تحدث ولكنها عند الفرق الشاسع بين حالتي القبض والرد أو عند انهيار تفقد مثليتها، وقد ذكرنا لذلك أمثلة تحول فيها المثلي إلى القيمي مثل الماء الذي أتلفه شخص، أو استقرضه في الصحراء عند عزته وندرته، فلا يكفيه الرد بالمثل، وإنما لا بد من قيمته ملاحظاً فيها الوقت والمكان –كما سبق- فكذلك المثلي الذي دخلت فيه الصنعة فجعلته من القيميات، كالحلي ونحوه.
ومن هنا، فالنقود الورقية يلاحظ فيها يوم قبضها ما دام وجد انهيار، أو فرق كبير –أو كما يسميه الفقهاء غبن فاحش - بين الحالتين، فكما يلاحظ بين ريال قطري وريال سعودي قيمتهما عند الصرف، فكذلك لا بد من الفرق بين ليرة لبنانية كان غطاؤها قويًّا، وليرة في وقت ضعفها وضعف غطائها، فما دام المقابل قد تغير، فما يبنى عليه ينبغي أن يلاحظ فيه هذا التغير، وهذا هو في الواقع منطق ظهور النقد الورقي حيث كان بمثابة السند والإثبات في بداية ظهوره، ثم أصبح يغطيه غطاء من الذهب، ثم لما ألغي هذا الغطاء أصبح ينظر إليه باعتبار قوته الشرائية، بل لا يزال ينظر الصندوق المالي العالمي إلى قيمته في مقابل الذهب، وأن هناك محاولات جادة من قبل إقتصاديين لإعادة ربطه مرة أخرى بالذهب، للخروج من هذا المأزق، كما أن مندوب أمريكا –كما ذكرنا- قد طالب في مؤتمر صندوق النقد الدولي بضرورة ربط الدولار الأمريكي بالذهب، بأن يعترف المؤتمرون بأن الدولار يساوي كذا من الذهب، فرفضوا ذلك بناء على أن أمريكا تريد الحصول على هذا المغنم، دون أن يقدم الغطاء الحقيقي.
ومن جانب آخر فعلماؤنا الكرام لاحظوا الوزن في الدينار الذهبي المضروب لدولة واحدة، حيث أجازوا بيع دينار وزنه أكبر بدينار آخر وزنه أقل مع أخذ الزيادة، وما ذلك إلا لملاحظة القيمة الناتجة من القدر.
стр. 14823
ومن هنا، فالعملات الورقية إذا بيع بعضها ببعض نقداً فإذا كانا من جنس واحد مثل الريال القطري، فلا تجوز الزيادة؛ لأنها تكون بلا مقابل، وإذا كانا من جنسين مختلفين مثل الريال القطري والريال السعودي –مثلاً- فتجوز الزيادة بالاتفاق، وما ذلك إلا لملاحظة قيمة كل واحد منهما، أما إذا كان على الإنسان دين بعملة ورقية، سواء كان هذا الدين بسبب القرض، أو البيع، أو الإجارة، أو المهر، أو الضمان أو أي سبب آخر، فحينئذ ننظر إلى قيمة هذا النقد باعتبار الزمنين –هما زمن نشأة الدين وزمن الرد- مع ملاحظة مكان الدين، فإذا وجد فرق شاسع، فلا بد من رعايته وإلا فلا داعي ضماناً للاستقرار، ورعاية للعدالة، وتوازناً بينهما، وهذا الحكم لا يقتصر على القرض، بل يشمل جميع الحقوق والالتزامات الآجلة، يقول العاصمي: "وكثير من الأصحاب تابعوا الشيخ تقي الدين في إلحاق سائر الديون بالقرض، وأما رخص السعر، فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة، وهو الأقوى" (١) .
فعلى ضوء هذا، فالتساوي والتماثل، والتفاضل، والتعامل والزكاة باعتبار قيمة النقود، إذن فما سعر الريال –مثلاً- في وقت واحد ومكان واحد لا تتصور فيه الزيادة، فلا تحتاج إلى رعاية القيمة، وكذلك في وقتين لم تتغير فيهما قيمته بشكل يؤدي إلى الغبن الفاحش فعلاً، لا تصوراً ولا تخميناً.
وحتى تكون أبعاد هذا الرأي الذي نختاره واضحة المعالم، فلا بد من أن نذكر التأصيل الفقهي له، والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم، ومتى نلجأ إليه؟ وزمن التقويم ومكانه، وما يدور في هذا الفلك من حلول ممكنة.
التأصيل الفقهي للمسألة:
لا شك في أن مسألة النقود الورقية لم تكن موجودة في عصر النبي ﷺ ولا في عصر الصحابة والتابعين، بل ولا في عصر الفقهاء المجتهدين، وإنما ظهرت –كما سبق- في حدود القرنين الأخيرين، ومن هنا فلا أمل ولا طمع لنا في أن نحصل على نص خاص يعالج هذه المسألة بخصوصها، ولكن لما كان الإسلام ديناً خالداً تضمن من المبادئ الكلية والقواعد العامة ما يمكن استنباط حكم كل قضية مهما كانت جديدة على ضوئها، إذن فالقضية قضية المبادئ والمقاصد العامة للشريعة، وليست قضية حادثة واقعة نص عليها، ومن هنا نذكر بعض المبادئ العامة التي تندرج تحتها هذه المسألة، ثم نعرج إلى بعض جزئيات ذكرها الفقهاء يمكن الإفادة منها، لتوضيح أبعاد الحل المقترح بإذن الله تعالى.
стр. 14824
أولاً: المبادئ العامة القاضية بشكل قاطع على تحقيق العدالة، والمصلحة الحقيقية للإنسان، ورفع الظلم والمفسدة عنه، فيقول الله تعالى بخصوص الربا: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
وقد ذكر المفسرون أن بني غيرة كان لهم ربا على بني المغيرة، فطلبوا منهم، فقال بنو المغيرة: لا نعطي شيئاً، فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب به إلى الرسول ﷺ فنزلت هذه الآية، حيث أمرتهم، وغيرهم أن يرجعوا رؤوس الأموال إلى أصحابها بدون نقص ولا شطط (١) . فإذا كان هذا هو عدل الإسلام مع المرابين، فكيف يقبل أن يتضرر المقرض وبغبن هذا الغبن الفاحش؟ وإذا كان الإسلام قد دعا إلى الإحسان بالدائن، وقال ﷺ : ((خير الناس أحسنهم قضاءً)) (٢) فكيف يقبل أن يقع عليه ضرر وظلم؟
إن الإسلام هو دين العدالة ودين العرفان بالجميل. والإحسان، وهو قد دعا إلى رد الإحسان بالإحسان، بل الرد بالأحسن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] .
وضرب الرسول ﷺ القدوة الصالحة والأسوة التي يحتذى بها في رد القرض بالأحسن حيث استقرض جملاً ورد جملاً أحسن منه سنًّا وقال: ((خياركم أحسنكم قضاءً)) (٣) فكيف يقبل أن يدفع شخص دم قلبه وادخار عمره وخلاصة جهده وكده في زمن من الأزمان، ثم ترجع إليه نقوده بعد هذه الفترة التي احتسب فيها أجره إلى الله تعالى، وقد فقدت قيمتها الشرائية، وعادت إليه وهي لا يشترى بها شيء يذكر، بعد أن كانت تشترى بها أغلى الأشياء، فقد حدث أن أحد الفلاحين جاء إليه شخص يطلب منه مبلغاً من المال، فلم يجده عنده، فباع – من دماثة خلقه- بقرته بخمسين جنيهاً، وسلمها إليه، ومضت الأيام، حتى أصبح المدين موسراً، فرجع بخمسين جنيهاً إلى دائنه، فوقف الفلاح ينظر إلى هذا المبلغ الزهيد الآن، ماذا يفعل به؟ فنطق من فطرته قائلاً: يا أخي لا أريد هذا المبلغ، وإنما أريد أن تشتري لي بقرة مثل بقرتي، فتخاصما ولجآ إلى عالم المنطقة فأفتى بوجوب رد المثل! فهل خمسون جنيهاً الآن مثل خمسين جنيهاً قبل عشرين سنة؟ أين المثلية؟ وعلى أي معيار؟
стр. 14825
ذكرنا في السابق عند كلامنا عن المثلية والقيمية أن هذه القاعدة العظيمة ما وضعها الفقهاء إلا لتحقيق العدالة، والوصول إلى التعادل والمساواة بين الحقوق المطلوبة والمدفوعة، فهل يحقق العدالة القول بمثلية النقود الورقية في الحقوق والالتزامات الآجلة؟
نرى القرآن الكريم والسنة المشرفة يركزان بشكل منقطع النظير على الميزان المستقيم والعدالة، فقال تعالى: ﴿الرحمن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) ﴾ [الرحمن: ١-٩] فكأن الحكمة من نزول القرآن هي إقامة الوزن بالقسط وعدم الهوادة والتساهل في الميزان، ولذلك نرى قد كرر الوزن والميزان في هذه الآيات القليلة أربع مرات، بل قد تكررت ألفاظ العدل، والقسط والميزان ومشتقاتها في القرآن الكريم ستًّا وسبعين مرة، بل أشار القرآن الكريم إلى أن قيام الكون كله يكون بالعدل، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
قال الماوردي: "معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل، أي ثباته".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الربا حرم لما فيه من أخذ الفضل وذلك ظلم يضر المعطي فحرم لما فيه من الضرر" (١) وقال أيضاً: "والأصل في العقود جميعها هو العدل فإنه بعثت به الرسل، وأنزلت الكتل" (٢) .
ومن المبادئ العامة في هذا الميدان قول النبي ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (٣) الذي أصبح قاعدة فقهية نالت القبول عند جميع الفقهاء، بل جعله الشاطبي من القطعيات التي تزاحمت عليها أدلة الشرع من الكتاب والسنة (٤) ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
стр. 14826
إلى غير ذلك من الآيات التي منعت الضرر إطلاقاً حتى بين الوالد وولده، وأما السنة، فقد أكدت هذا الجانب بما لا يمكن ذكره في هذا المجال، منها أن الرسول ﷺ أمر أحد الصحابة أن يقلع شجرة شخص؛ لأنها كانت تضره، وعلل ذلك بالضرر حيث روى أبو داود بسنده أن سمرة بن جندب كانت له شجرة نخل في حائط –أي بستان- رجل من الأنصار معه أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذى به الأنصاري ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، فأتى النبي ﷺ فذكر له، فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: ((فهبه له ولك كذا وكذا)) ، فأبى فقال: ((أنت مضار)) فقال ﷺ للأنصاري: ((اذهب فاقلع نخله)) (١) وقال ﷺ أيضاً: ((من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه)) (٢) .
ومن هذا المنطلق، فلا يمكن أن تكون الجزئيات مخالفة للقواعد العامة الشرعية، ولا التطبيقات مناقضة للأصول العامة المقررة، يقرر القرافي أن الكليات المقررة في الشريعة هي أصولها، وأن الجزئيات مستمدة من هذه الأصول الكلية شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات، فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص –مثلاً- في جزئي معرضاً عن كليه فقد أخطأ، وكما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه، فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه (٣) .
فعلى ضوء ذلك، فالقول بمثلية النقود الورقية واعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، أو حتى في أكثرها ما دام يترتب عليه هذه المظالم لأصحاب الحقوق، وهضم حقوقهم لا يتفق مع هذه المبادئ العامة القاضية برعاية العدل وعدم الظلم، ودفع الضرر والضرار، ولا سيما أن النقود الورقية لم يرد فيها نص خاص في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، إذن فينبغي أن نطبق عليها القواعد العامة والمبادئ التي تحقق العدالة.
ثانياً: بعض مسائل فقهية سابقة يمكن أن تكون لنا أرضية صالحة للقياس عليها، مثل القضايا التي ذكرها فقهاؤنا السابقون بخصوص الفلوس، والدراهم والدنانير المغشوشة، حيث كانت تقدر قيمتها حسب نسبة التعادل بينها وبين الذهب أو الفضة، أو على أساس رواجها في السوق، وأن القيمة ملاحظة فيها عند إلغائها، أو رخصها، أو غلائها عند بعض الفقهاء، كما نجد أصولاً صالحة في هذه المسألة بخصوص ما ذكرناه في القيمي والمثلي على ضوء ما يأتي:
١- الرد في القيمي يكون بالقيمة عند جمهور من قال بقرض القيمي من الفقهاء –كما سبق- وعلى ضوء المعايير التي ذكرناها وجدنا أن إدخال النقود الورقية في المثلي، ليس من السهل قبوله ولا سيما إذا انهارت قيمتها –كما سبق-.
فإذا لم تدخل النقود الورقية في المثلي عند انهيارها، أو تذبذب كبير لها، فهي من القيميات، فيكون الرد فيها في الحقوق والالتزامات الآجلة بالقيمة، وحينئذ لا يكون هناك أي إشكال في رعاية القيمة، وقد ذهب وجه للشافعية وغيرهم إلى اعتبار النقود المغشوشة والفلوس من القيميات (٤) .
стр. 14827
٢- رعاية القيمة عند رخص الفلوس والدراهم المغشوشة:
لا خلاف بين الفقهاء عند إعواز المثلي يرجع إلى قيمته، غير أنهم اختلفوا في الفلوس والنقود المغشوشة هل يجب الرد فيها بالمثل أو بالقيمة عند غلائها، أو رخصها، أو كسادها، أو انقطاعها؟ (١) .
هذا ما ثار فيه الفقهاء:
أ- اتجاه يعتد بالمثلية:
فذهب جماعة منهم المالكية –في المشهور- والشافعية والحنابلة أبو حنيفة إلى رعاية المثلية في هذه الصورة، على التفصيل الآتي: يقول خليل: "وإن بطلت فلوس، فالمثل.. وإن عدمت، فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم" وعلق عليه الخرشي بقوله: "يعني أن الشخص إذا ترتب له على آخر فلوس، أو نقد من قرض، أو غيره، ثم قطع التعامل بها، أو تغيرت من حالة إلى أخرى فإن كانت باقية، فالواجب على من ترتبت عليه المثل في ذمته قبل قطع التعامل بها، أو التغير على المشهور، وإن عدمت، فالواجب عليه قيمتها مما تجدد وظهر.." (٢) فعلى ضوء ذلك أن هذه المسألة ليست خاصة بالفلوس، وإنما هي تضم جميع النقود في جميع العقود الآجلة، وقد جاء في المعيار المعرب: تحت عنوان: "ما الحكم فيمن أقرض غيره مالاً من سكة ألغي التعامل بها؟ سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة؟
أجاب: أخبرني بعض أصحابنا أن أبا جابر فقيه إشبيلية قال: نزلت هذه المسألة بقرطبة أيام نظري فيها في الأحكام، ومحمد بن عتاب حي ومن معه من الفقهاء، فانقطعت سكة ابن مهور بدخول ابن عباد سكة أخرى، أفتى الفقهاء أنه ليس لصاحب الدين إلا السكة القديمة، وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطوعة من الذهب" (٣) .
وقد نص الشافعي على أن: "من سلف فلوساً، أو دراهم، أو باع بها ثم أبطلها السلطان، فليس له إلا مثل فلوسه، أو دراهمه التي أسلف، أو باع بها" (٤) .
стр. 14828
ويقول النووي: "ويرد المثل في المثلي" ثم يعلق عليه شارحه ابن حجر بقوله: "ولو نقداً أبطله السلطان؛ لأنه أقرب إلى حقه" ثم يزيد المحشي في التعليق: "فشمل ذلك ما عمت به البلوى في زمننا في الديار المصري من إقراض الفلوس الجدد، ثم إبطالها، وإخراج غيرها وإن لم تكن نقداً" (١) ونص الحنابلة أيضاً على أن القرض إذا كان فلوساً، أو مكسرة فحرمها السلطان، وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها، ولم يلزمه قبولها سواء كانت قائمة في يده، أو استهلكها؛ لأنها تعيبت في ملكه، نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة، أما الغلاء والرخص، فلا يؤثران في المثل، والمسألة تعم جميع العقود الواردة على الذمة (٢) .
وذهب أبو حنيفة أيضاً إلى وجوب المثل في جميع الحالات، بالنسبة للقرض، أما البيع فيبطل إذا كسد الثمن قبل القبض، أو انقطع، وعند الصاحبين لا يبطل البيع، بل يلاحظ القيمة، أما في القرض، فيرى محمد وجوب المثل عند تغير القيمة، ووجوب القيمة في حالتي الكساد والانقطاع، وأما أبو يوسف، فيرى اعتبار القيمة في الحالات الثلاث (٣) .
ب- اتجاه يعتبر القيمة:
وذهب جماعة –منهم أبو يوسف، ومحمد في بعض الأحوال، وبعض فقهاء المالكية ووجه للشافعية، وبعض الحنابلة- إلى اعتبار القيمة على التفصيل الآتي:
يقول ابن عابدين: "قال في الولوالجية.. رجل اشترى ثوباً بدراهم نقد البلدة، فلم ينقدها حتى تغيرت، فهذا على وجهين: إن كانت تلك الدراهم لا تروج اليوم في السوق أصلاً فسد البيع؛ لأنه هلك الثمن، وإن كانت تروج لكن انتقص قيمتها لا يفسد، لأنه لم يهلك، وليس له إلا ذلك، وإن انقطع بحيث لا يقدر عليها فعليه قيمتها.." ثم قال: "يجب رد مثله. هذا كله قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجب عليه قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل، وقال محمد: يجب آخر ما انقطع من أيدي الناس، قال القاضي: الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف، وفيما سوى ذلك على قول أبي حنيفة.. انتهى". قال التمرتاشي: اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها، أو بالفلوس وكان كل منهما نافقاً حتى جاز البيع، لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري للبائع، ثم كسدت، بطل البيع، والانقطاع على أيدي الناس كالكساد، وحكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم، ثم كسدت، أو انقطعت، بطل البيع، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائماً ومثله إن كان هالكاً وإن كان مثليًّا، وإلا فقيمته، وإن لم يكن مقبوضاً، فلا حكم لهذا البيع أصلاً، وهذا عند الإمام الأعظم، وقالا: لا يبطل البيع؛ لأن المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد، لاحتمال الزوال بالرواج، كما لو اشترى شيئاً بالرطبة، ثم انقطع، وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه، وجبت قيمته، لكن عند أبي يوسف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد، وهو آخر ما تعامل الناس بها، وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف، وفي المحيط والتتمة والحقائق بقول محمد يفتى، رفقاً بالناس، ولأبي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح فيبطل، لزوال الموجب فيبقى البيع بلا ثمن، والعقد إنما يتناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت بخلاف انقطاع الرطب، فإنه يعود غالباً في العام القابل، بخلاف النحاس، فإنه بالكساد رجع إلى أصله، وكان الغالب عدم العود (٤)
стр. 14829
أما إذا لم يكن كساد بل كانت تروج في بعض البلاد دون بعض، وكان التعاقد في البلد الذي ذهب رواج النقد المعقود عليه فيه، فحينئذ لا يبطل العقد بل يتخير البائع –أو نحوه- إن شاء أخذ قيمته، وإن شاء أخذ مثل النقد الذي وقع عليه العقد، وأما إذا انقطع النقد بحيث لم يبق في السوق، فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع. أما إذا غلت الدراهم، أو الفلوس أو رخصت قبل القبض لا يبطل العقد، ولكن له ما وقع عليه العقد عند أبي حنيفة، وله قيمتها عند أبي يوسف من الدراهم يوم البيع والقبض.. قال العلامة الغزي: وعليه الفتوى. وهكذا في الذخيرة والخلاصة فيجب أن يعول عليه افتاءً وقضاءً، ثم قال: "وقد تتبعت كثيراً من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة، فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة، بل جعلوا الفتوى على قول أبي يوسف في كثير من المعتبرات، فليكن المعول عليه" (١) ثم علق عليه ابن عابدين بأن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها" (٢) غير أنه ذكر أن بعض الأحناف عمموا الحكم في المغشوشة وغيرها (٣) ثم ذكر ابن عابدين مسألة مما وقعت في عصره، رجح القول فيها بناءً على العدالة، لا على الشكل والتقليد، فقال: "ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائجة بالنقص، واختلف الإفتاء فيه، والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد، لو كان معيناً، كما لو اشترى بمائة ريال إفرنجي، أو مائة ذهب عتيق، أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يتعين المتبايعان نوعاً والخيار فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد، ولكن الأول ظاهر سواء كان بيعاً، أو قرضاً بناءً على ما قدمناه، وأما الثاني، فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين، فإن ما ورد الأمر برخصه متفاوت، فبعض الأنواع جعله أرخص من بعض، فيختار المشتري ما هو أكثر رخصاً وأضر للبائع فيدفعه له، بل تارة يدفع له ما هو أقل رخصاً على حساب ما هو أكثر رخصاً، فقد ينقص نوع من النقود قرشاً ونوع آخر قرشين، فلا يدفع إلا ما نقص قرشين، وإذا دفع ما نقص قرشاً للبائع، يحسب عليه قرشاً آخر نظراً إلى نقص النوع الآخر، وهذا مما لا شك في جوازه". ثم قال: " وكنت قد تكلمت مع شيخي.. فجزم بعدم تخيير المشتري في مثل هذا لما علمت من الضرر، وأنه يفتى بالصلح، حيث كان المتعاقدان مطلقي التصرف بصح اصطلاحهما، بحيث لا يكون الضرر على شخص واحد" ثم علل: كيف أن القضية تدور مع علتها فقال: " فإنه وإن كان الخيار للمشتري في دفع ما شاء وقت العقد وإن امتنع البائع، لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت الأنواع، فإن امتنع البائع عما أراده المشتري يظهر تعنته، أما في هذه الصورة فلا؛ لأنه أظهر أنه يمتنع عن قصد إضراره، فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار الأنفع له فالصلح حينئذ أحوط، خصوصاً والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها.. فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت، ويدفع من أوسطها نقصاً، لا الأقل، ولا الأكثر، كي لا يتناهى الضرر على البائع، أو على المشتري" (٤) .
стр. 14830
وهذا ما نحن نؤكد عليه هنا، وهو أنه ما دامت النقود الورقية غير منصوص عليها إذن فلا بد من رعاية ما يحقق العدالة ويرفع الحيف والضرر والضرار دون النظر إلى الشكل.
ويقول ابن عابدين في حاشيته أيضاً مبيناً أهمية القيمة والمالية: "وحاصله أنه إذا اشترى بدرهم فله دفع درهم كامل، أو دفع درهم مكسر قطعتين أو ثلاثة، حيث يتساوى الكل في المالية والرواج.." ثم قال في حكم القروش: "ومنه يعلم حكم ما تعورف في زماننا من الشراء بالقروش.. بقي هنا شيء وهو أنا قدمنا أنه على قول أبي يوسف المفتى به: لا فرق بين الكساد والانقطاع، والرخص والغلاء في أنه تجب قيمتها يوم وقع البيع، أو القرض إذا كانت فلوساً أو غالبة الغش.. أما إذا اشترى بالقروش.. ثم رخص بعض أنواع العملة أو كلها واختلفت في الرخص كما وقع مراراً في زماننا ففيه اشتباه" ثم وصل إلى وجوب دفع الضرر عن الطرفين، ورعاية ما يحقق العدالة دون التقيد بمثلية العملة (١) .
وفي المذهب المالكي نجد القاضي ابن عتاب، وابن دحون، وغيرهما، يقولون بالقيمة في بعض المسائل، حيث جاء في المعيار المعرب: "سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة؟ أجاب: أخبرني بعض أصحابنا أن أبا جابر فقيه إشبيلية قال: نزلت هذه المسألة بقرطبة، أيام نظري فيها في الأحكام – ومحمد بن عتاب حي ومن معه من الفقهاء، فانقطعت سكة ابن مهور بدخول ابن عباد سكة أخرى وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطوعة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب، قال: "وأرسل إلي ابن عتاب، فنهضت إليه فذكر المسألة، وقال لي: والصواب فيها فتواي فاحكم بها.. وكان أبو محمد بن دحون ﵀ يفتي بالقيمة يوم القرض، ويقول: إنما أعطاها على العوض، فله العوض" (٢) وقيد الرهوني رد المثل بالمثل بما إذا لم يكن تغيراً لسعر كبير، فقال: "وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف، حيث إن الدائن قد دفع شيئاً منتفعاً به، لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به" (٣) .
وقد اعتنى المالكية في باب الزكاة عناية كبيرة بالقيمة، حيث ذهبوا إلى أن عشرين ديناراً من الذهب تجب فيها الزكاة، حتى ولو كان فيها نقص من حيث الوزن مادامت مثل الكاملة في الرواج وعلل ذلك الدسوقي بقوله: " لا يخفى أن القيمة تابعة للجودة والرداءة، فالالتفات لأحدهما التفات إلى الآخر" (٤) خلافاً للشافعية وغيرهم في اعتبارهم الوزن (٥) .
стр. 14831
ثم إن القاعدة العامة لدى الشافعية هي أن المثلي إذا عدم، أو عز، فلم يحصل إلا بزيادة، لا يجب تحصيله، كما صححه النووي، بل يرجع إلى قيمته (١) وقد فصل السيوطي في رسالته عن الفلوس وتغيراتها (٢) هذه المسألة، كما ذكر وجهاً للشافعية يقضي بأن الفلوس، والدراهم والدنانير المغشوشة من المتقومات، فعلى هذا يكون الرد فيها بالقيمة.
والحنابلة –كما ذكرنا- يقولون بوجوب القيمة في حالة إلغاء السلطان الفلوس، أو الدراهم المكسرة (٣) ، ولكن هل تجب القيمة عند الغلاء أو الرخص؟ المنصوص عن أحمد وأصحابه هو عدم اعتبارها، وقد بين ابن قدامة السبب في هذه التفرقة بين الحالتين فقال معللاً وجوب القيمة في حالة الكساد دون حالة تغير القيمة: "إن تحريم السلطان لها منع إنفاقها وأبطل ماليتها، فأشبه كسرها، أو تلف أجزائها، وأما رخص السعر، فلا يمنع ردها سواء كان كثيراً.. أو قليلاً؛ لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت، أو غلت" (٤) .
ولو دققنا النظر في هذا التعليل، لوجدناه قائماً على أمرين:
الأمر الأول:
الاعتماد على أن الكساد عيب، ولكن الرخص الفاحش ليس بعيب، مع أن ابن قدامة نفسه حينما عرف بالعيوب قال: هي النقائض الموجبة لنقص المالية، ثم ذكر عدة تطبيقات في إثبات الخيار فيها قائلاً: "ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته" (٥) وقال أيضاً في عدم الخيار في مسألة: "ولنا أنه لا ينقص عينها، ولا قيمتها.." (٦) .
فعلى ضوء ذلك كان الأجدى رعاية القيمة أيضاً في النقود الاصطلاحية؛ لأن القيمة عنصر أساسي في العيوب كما رأينا.
الأمر الثاني:
الاعتماد على القياس على الحنطة إذا رخصت، ويمكننا أن نقول: إن قياس النقود المغشوشة والفلوس على الحنطة قياس مع الفارق؛ لأن الحنطة ذات قيمة ذاتية لا تختلف باختلاف قيمتها، في حين أن النقود الاصطلاحية قيمتها في رواجها وقيمتها، حتى لو سلمنا هذا القياس في النقود التي ذكروها، فالتسليم بقياس نقودنا الورقية على ما ذكروه لا يمكن قبوله بسهولة.
стр. 14832
ولذلك جعل شيخ الإسلام ابن تيمية –كما نقل عنه صاحب الدرر السنية (١) - اختلاف الأسعار مانعاً من التماثل، وقاس مسألة تغير القيمة على كسادها، بناء على أن كون الكساد عيباً يكمن في كونه نقصاً في القيمة؛ لأنه ليس عيباً في ذات النقد من حيث النقص في عينه، حيث إن القدر لم يتغير، وإنما هو باعتبار أن الكساد يترتب عليه نقصان في القيمة لا غير، ثم عقب صاحب الدرر على ذلك بقوله: "إن كثيراً من الأصحاب تابعوا الشيخ تقي –أي ابن تيمية- في إلحاق سائر الديون بالقرض، وأما رخص السعر، فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة أيضاً وهو الأقوى" (٢) .
وهذا الرأي الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية جدير بالقبول وحري بالترجيح، وهو يسعفنا في الموضوع الذي نحن بصدد بحثه، وهو رعاية القيمة.
فعلى ضوء هذا الرأي، والآراء التي سبقته لأبي يوسف وبعض علماء المالكية نكون قد وجدنا أرضية ثابتة ومنطلقاً للرأي الذي نرجحه وهو اعتبار القيمة في نقودنا الورقية بالضوابط السابقة.
الأمر الثالث:
رجوع الفقهاء في كثير من الأمور المثلية إلى القيمة حينما لا يحقق المثل العدالة، كما في حالة اقتراض الماء عند ندرته، وفي حالة الحلي المصوغ من الذهب ولكن داخلته الصنعة، وغير ذلك مما ذكرناه عند كلامنا على المثلي والقيمي.
الأمر الرابع:
وحتى نختم هذا بختام المسك نرى أن النبي ﷺ أشار إلى أهمية القيمة، حيث قال: ((من أعتق عبداً بين اثنين فإن كان موسراً قوم عليه، ثم يعتق)) وفي رواية صحيحة أخرى: ((من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)) وفي رواية لمسلم ((في ماله قيمة عدل، ولا وكس ولا شطط)) (٣) .
يقول العلامة ابن القيم: "ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان" ثم نقل عن جمهور العلماء قولهم: "الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبي ﷺ ضمن معتق الشخص إذا كان موسراً بقيمته، ولم يضمنه نصيب شريكه بمثله، فدل على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون" (٤) .
стр. 14833
على أي معيار نعتمد في التقويم؟
سبق أن ذكرنا أننا لا نلجأ إلى القيمة، إلا عند انهيارها، أو وجود الغبن الفاحش جدًّا، وفي حالة رجوعنا إلى القيمة، لا بد من أن نضع موازين دقيقة ومعايير معقولة للتقويم، حتى يتبن لنا الفرق ين قيمتي العملة الورقية في الوقتين: وقت القبض ووقت إرادة الرد، ولنا لمعرفة ذلك معيارات:
المعيار الأول:
الاعتماد على السلع الأساسية مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز، بحيث نقوم المبلغ المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد: كم كان يشترى به من هذه السلع الأساسية؟ ثم نأتي عند الرد أو الوفاء، والالتزام إلى القدر الذي يشترى به الآن من هذه السلع، فحينئذ يتضح الفرق. وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع، وهي معتبرة في كثير من الدول الغربية يعرفون من خلالها التضخم ونسبته، ويعالجون على ضوئها آثار التضخم، ولا سيما في الرواتب والأجور.
ويشهد على هذا الاعتبار أن الرسول ﷺ جعل دية الإنسان –وهو أغلى ما في الوجود- الإبل مع وجود النقدين –الدراهم والدنانير- في عصره.
ويقال: إن السبب في ذلك هو أن الإبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب.
وذلك، لأن الرسول ﷺ قومها عليهم بالذهب أو الفضة، كما ذلك العلماء في الإبل قد عزت عندهم، ومع ذلك لم يجعل الذهب، أو الفضة أصلاً في الدية، ومن هنا زاد القدر حسب قيمة الإبل. فقد روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم.." فكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيباً فقال: "ألا إن الإبل قد غلت" قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً. (١)
قال الخطابي: " وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى، لكون الإبل قد عزت عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثماني مائة، ومن الورق ثمانية آلاف درهم فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلع بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثني عشر ألفاً" (٢)
والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة الإبل حتى في زمن النبي ﷺ لم تكن مستقرة استقراراً تامًّا، وإنما كانت تابعة لغلاء الإبل ورخصها، فقد روى أبو داود، والنسائي والترمذي بسندهم "أن رجلاً من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفاً" (٣)
كما روى الدارمي أن الرسول ﷺ فرض على أهل الذهب ألف دينار (٤)
стр. 14834
وروى النسائي: "وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلع قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار. أو عدلها من الورق" (١) وروى البخاري بسنده في قصة شراء النبي ﷺ ناقة جابر قال ابن جريج عن عطاء وغيره، عن جابر: "أخذته بأربعة دنانير". وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم. (٢)
كل ما ذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع الأساسية وجعلها معياراً يرجع إليها عند التقويم، ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خلالها قيمة النقود –كما ذكرنا- ولذلك نرى الأستاذ القرضاوي يثير تساؤلاً حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضاً: فهل من سبيل إلى وضع معيار ثابت للغنى الشرعي؟ فيقول: "وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود بالأنصبة الأخرى الثابتة بالنص" ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع الأساسية، مثل الإبل، والغنم، والزروع والثمار، ثم رجح كون الإبل والغنم المعيار الثابت، حيث إن لهما قيمة ذاتية لا ينازع فيها أحد.
المعيار الثاني:
الاعتماد على الذهب باعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية، وفي حالة القيام بالرد، وأداء هذا الالتزام، بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشترى به من الذهب؟ فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد أو ارتفاعه الحاد يلاحظ في الرد –وفي جميع الحقوق والالتزامات - قوته الشرائية بالنسبة للذهب، فمثلاً لو كان المبلغ المتفق عليه كان عشرة آلاف ريال ويشترى به عشرون جراماً من الذهب، فالواجب عند الرد والوفاء بالالتزام المبلغ الذي يشترى به هذا القدر من الذهب. وذلك؛ لأن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتاً واستقراراً. وأنه لم يصبه التذبذب والاضطراب مثل ما أصاب غيره حتى الفضة (٣) ولذلك رجح مجمع البحوث الإسلامية الاقتصار –في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية- على معيار الذهب فقط، لتميزه بدرجة ملحوظة من الثبات (٤) ويشهد لاعتبار الذهب دون الفضة في التقويم أن الذهب لم يقوم بغيره في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة، يقول السيوطي:
"الذهب والفضة قيم الأشياء إلا في باب السرقة، فإن الذهب أصل، والفضة عروض بالنسبة إليه" نص عليه الشافعي في الأم، وقال: "لا أعرف موضعاً تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إلا في السرقة" (٥)
ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة فبها ونعمت، وإلا فيرجع الأمر إلى القضاء، أو إلى التحكيم، وتنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبينات والقضاء.
стр. 14835
الجمع بين المعيارين:
ويمكن لقاضي الموضوع، أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة النقد بالنسبة للذهب والسلع الأساسية يوم إنشاء العقد.
متى نلجأ إلى التقويم؟
لا شك أننا لا نلجأ إلى التقويم في كل الأحوال، ولا عند وجود التراضي بين الأطراف، وإنما نلجأ إليه عند وجود الغبن الفاحش الذي يلحق بأحد العاقدين سواء كان في عقد القرض. أم البيع بالأجل. أم المهر. أو غير ذلك من العقود التي تتعلق بالذمة ويكون محلها نقداً آجلًا ثم تتغير قيمته من خلال الفترتين –فترة الإنشاء وفترة الرد والوفاء- تغييراً فاحشاً، وبعبارة أخرى نلجأ إلى القيمة عند الانهيار النقد كما حدث لليرة اللبنانية والدينار العراقي والدينار الكويتي فترة الاحتلال، حيث لم تبق لهما قيمة تذكر فأصبحت –كما قال البهوتي- أشياء لا ينتفع بها الانتفاع المطلوب، وكذلك عند وجود الارتفاع الحاد كما حدث للمارك الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. ويستأنس لذلك بما ذهب إليه جماعة من الفقهاء من اعتبار الغبن الفاحش حتى في البيوع التي مبناها على المساومة، (١) كما ذكر بعض العلماء مثل الرهوني أن التغيير الكثير لا بد من ملاحظته حتى في المثليات، فيجعلها من القيميات، وكذلك قال الرافعي وغيره في مسائل كثيرة –كما سبق-.
معيار التغير الفاحش أو الانهيار:
قبل أن نذكر هذا المعيار، نرى فقهاءنا الكرام قد وضعوا عدة معايير لمقدار الغبن الفاحش الذي يعطي الخيار في الفسخ عندما يقع في البيع ونحوه.
يقول القاضي ابن العربي، والقرطبي وغيرهما: "استدل علماؤنا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] على أنه لا يجوز الغبن في معاملة الدنيا؛ لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة.. وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث، واختاره البغداديون.. وأن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع، إذ هو من باب الخداع المحرم شرعاً في كل ملة، لكن اليسير لا يمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع. (٢)
ثم إن العلماء قد ثار الخلاف بينهم في تحديد الغبن الفاحش فبعضهم حدده بما زاد على قيمة الشيء بالثلث، وبعضهم بنصف العشر، وبعضهم بالسدس، وذهب جمهورهم إلى معيار مرن قائم على ما يعد عرف التجار غبناً، وهذا الأخير هو الذي رجحناه. (٣) ونرجحه هنا أيضاً في باب تقويم النقود الورقية، فما يعده التجار في عرفهم غبناً فاحشاً فهو غبن فاحش هنا أيضاً، وإذا اختلفوا فالقاضي يحكم بما يرتاح إليه حسب الأدلة والظروف والملابسات التي تحيط بالقضية بعينها.
стр. 14836
وفي بعض القوانين الحديثة نرى أن مجرد التذبذب الخفيف في أسعار العملات الورقية لا يؤثر إلا إذا تجاوز ٥?، ومن هنا وضعوا معياراً لأدنى ما يعتبر فيه التضخم مؤثراً في الإيجارات ونحوها. (١)
وأما الانهيار فهو ألا تبقى قيمة تذكر للنقد لأي سبب كان.
زمن التقويم ومكانه:
إذا كنا قد رجحنا اعتبار القيمة في النقود الورقية حينما يكون هناك فرق شاسع بين القوة الشرائية لها عند إنشاء العقد وثبوتها في ذمة المدين، وبين إرادة ردها، فأي وقت نعتبر؟ هل نعتبر قيمة النقد يوم إنشاء العقد؟ وهل نعتبر مكان العقد؟ أم مكان الرد؟
والذي نرجحه هو رعاية القيمة يوم إنشاء العقد وقبض المعقود عليه، ومكانه، أي تقوم النقود الورقية يومئذ كم كانت تساوي من الذهب، أو كم يشترى بها من السلع الأساسية، ثم على أساسها يرجع الدين، أو يوفى بما يلتزم به من مهر، أو ثمن البيع الآجل أو غير ذلك، فلو دفع رجل قبل عشر سنوات (أي في ١٩٧٧) لآخر مائة جنيه، أو باع له أرضاً بها، أو كان مهر زوجته مثل هذا المبلغ، فالآن يقوم بالمبلغ المذكور على أساس عام (١٩٧٧) كم يشترى به من الذهب؟ أو من السلع الأساسية على ضوء أحد المعيارين السابقين؟ أو متوسط ما يشترى به من الذهب والسلع الأساسية؟ فلو كان هذا المبلغ المذكور في وقته كان يشترى به بقرة مثلاً، فيجب عليه أن يرد مبلغاً يشترى به بقرة، أو كان يشترى به عشرون جراماً من الذهب عيار (٢١) فيجب عليه أن يرد ما يشترى به هذا القدر –وهكذا- إلا إذا تراضيا بالمعروف.
والذي يشهد لذلك هو أن جمهوراً من ذهب إلى اعتبار القيمة في الفلوس، والنقود المغشوشة، بل حتى النقود الخالصة عند كسادها، أو انقطاعها، ذهبوا إلى أن المعتبر هو يوم إنشاء العقد والقبض، ومكانه قال المرغيناني "وإذا اشترى بها -أي بالدراهم المغشوشة- سلعة وترك الناس التعامل بها قال أبو يوسف عليه قيمتها يوم البيع وقال محمد قيمتها آخر ما تعامل الناس بها" ثم علل أبو يوسف ذلك بأن الضمان إنما تم بالبيع، وهو سببه فلا بد إذن من اعتباره، (٢) وقد رجح الكثيرون من الأحناف رأي أبي يوسف. قال المرغيناني: "وقول أبي يوسف أيسر" فعلق عليه ابن الهمام، والبابرتي فقالا: " لأن القيمة يوم القبض معلومة ظاهرة لا يختلف فيها بخلاف ضبط الانقطاع، فإنه عسر، فكان قول أبي يوسف أيسر في ذلك" (٣) قال ابن عابدين: "وفي المنتقى: إذا غلت الفلوس قبل القبض، أو رخصت، قال أبو يوسف: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع، ويوم وقع القبض، وعليه الفتوى، وهكذا في الذخيرة والخلاصة، فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء" (٤)
стр. 14837
وكذلك الأمر عند القائلين بالقيمة من المالكية مثل ابن عتاب وابن دحون، حيث أفتيا برعاية القيمة –في مسألة إلغاء السكة- يوم القرض. (١)
بل إن كثيراً من العلماء ذهبوا إلى اعتبار القيمة يقوم العقد، ونشأة سبب الضمان في مسائل كثيرة، فقد ذكر لنا ابن نجيم منها: المقبوض على يوم الشراء. فالاعتبار لقيمته يوم القبض، أو التلف، ومنها المغصوب القيمي إذا هلك، فالمعتبر قيمته يوم غصبه اتفاقاً، وكذلك المغصوب المثلي إذا انقطع عند أبي يوسف، ومنها المقبوض بعقد فاسد تعتبر قيمته يوما القبض؛ لأنه به دخل في ضمانه، ومنها العبد المجني عليه، تعتبر قيمته يوم الجناية، ومنها: ما لو أخذ من الأرز والعدس، ونحوهما وكان قد دفع إليه ديناراً مثلاً، لينفق عليه، ثم اختصما بعد ذلك في قيمة المأخوذ.. قال في اليتيمة: تعتبر قيمته يوم الأخذ. (٢)
وذكر السيوطي أمثلة كثيرة جدًّا، روعيت فيها القيمة يوم القبض، منها مسألة ماء التيمم، في موضع عز فيه الماء حيث تراعى قيمته في ذلك الموضع في تلك الحالة على الصحيح عند جمهور الأصحاب، وكذلك الطعام والشراب حالة المخمصة، ومنها مسألة المبيع إذا تخالفا، وفسخ وكان تالفاً يرجع إلى قيمته يوم التلف على رأي لأنه مورد الفسخ، ويوم القبض على رأي آخر؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرف بعد ذلك من زيادة أو نقصان فهو ملكه، ومنها المستعار إذا تلف تعتبر قيمته يوم القبض على وجه، وكذلك المقبوض على جهة السوء، إذا تلف. (٣)
قال النووي، في مسألة رد القيمي في القرض بالقيمة: "يرد القيمة يوم القبض، إن قلنا يملك به" (٤)
وقال السيوطي: "وإذا قلنا: إنه يرد في المتقوم القيمة، فالمعتبر قيمة يوم القبض إن قلنا يملك به، وكذا إن قلنا: يملك بالتصرف في وجه" (٥)
وقد نص الإمام أحمد في الدراهم المكسورة بعد كسادها على أنه يقومها: كم تساوي يوم أخذها (٦) قال صاحب المطالب: "ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض" (٧) وقال ابن قدامة: " تجب القيمة حين القرض "؛ لأنها حينئذ ثبتت في ذمته (٨) وقد نص إمام الحرمين والغزالي، وغيرهما من فقهاء المذهب الشافعي على أن العبرة في حالة تغير النقد، هو النقد الذي كان سائداً يوم العقد، ولا ينظر لنقد يوم الحلول. وكذلك الثمن المؤجل إذا حل (٩) وقال مالك:
"لا بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهماً، ثم يأخذ منه بربع، أو ثلث، أو بكسر معلوم: سلعة معلومة، فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم، وقال الرجل: آخذ منك بسعر كل يوم، فهذا لا يحل؛ لأنه غرر يقل مرة، ويكثر مرة. ولم يفترقا على بيع معلوم" (١٠) وهذا الكلام يدل على اعتبار سعر معلوم عند بداية التصرف.
стр. 14838
وبعد هذا العرض والتأصيل، يظهر لنا رجحان ما ذهبنا إليه، وهو اعتبار القيمة يوم العقد والقبض، وهو أدنى إلى تحقيق العدالة وأقرب إلى القسط، وأيسر؛ وذلك لأن المقرض، أو البائع قد خرج المال من عهدته في ذلك الوقت، ودخل في ذمة المدين والمشتري، وحينئذ يكون له الحق في أن يشتري به شيئاً آخر، ولذلك قال أحد الفلاحين المصريين بفطرته: "دفعت لك ثمن جاموسة، فرجِّع إلي ما أشتري به مثلها ويكفي أنك استفدت به كل هذا الوقت" قال ذلك عندما جاء إليه شخص من أقربائه وطلب منه ديناً، فباع الفلاح جاموسته بمبلغ ودفع إليه بالكامل، ثم بعد عشر سنوات جاء الرجل، ورد عليه المبلغ الذي ما كان يشتري به الآن ربع جاموسة. فأنطقته فطرته السليمة هذا القول. (١)
حل آخر:
بالإضافة إلى هذا الحل الذي ذكرناه، فإنه يمكن للمتعاقد، الذي تثبت له نقود في ذمة الآخر آجلاً أن يشترط أن يكون الرد بما يساويه من أية بضاعة، مثل أن يدفع أحمد مثلاً عشرة آلاف جنيه قرضاً لخالد، أو أن يبيع له أرضاً بها، ثم يقدروها بما يساويها من سلع أساسية، ليعرفوا القيمة الشرائية للدين حتى يرجعوا إليها عند التنازع، فيأخذ الدائن حقه بدون وكس ولا شطط، أو أن يتفقا على تثبيت قيمة الدين عند التعاقد، وذلك بأن يتفقا على أن يكون المعول عليه عند الأداء هو القوة الشرائية الحالية للنقد الذي تم به العقد سواء كان قرضاً، أو غيره، فإذا كانت قيمة النقد هي ٨٨٠ وحدة شرائية، فعند السداد يدفع المدين نفس هذه القيمة بغض النظر عما إذا كان مبلغ الدين عند السداد له هذه القيمة، أو أقل أو أكثر. (٢)
وهذا الشرط ليس فيه –حسب نظري- أي مخالفة للشريعة الغراء، وذلك ليس شرطاً جر منفعة للدائن، بل هو يحقق العدالة للطرفين، وليس ممنوعاً في حد ذاته، بل كل ما يقتضيه هو رد المثلي بالقيمة –إذا قلنا: إن نقودنا الورقية مثلية، وإذا قلنا: إنها قيمية، فيكون هذا الشرط من الشروط الموافقة لمقتضى العقد.
وهذا الشرط مهما دققنا النظر فيه لن يتجاوز اشتراط ما يضمن رد حقه بدون شطط ولا وكس، فهو مثل من يشترط رد قرضه في بلد آخر ضماناً له من مخاطر الطريق، وهو ما يسمى بالسفتجة، وهو جائز عند جمهور الفقهاء، يقول شيخ الإسلام: "والصحيح الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهم المقترض، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم، ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم" (٣) والشرط الذي معنا ليس فيه غرر، لا يؤدي إلى جهالة، ولا ربا، ولا منازعة، بل يؤدي إلى أداء الحقوق كاملة إلى أصحابها، في وقت أصبحت التقلبات الكبيرة سمة عصرنا، فحينئذ يكون كل واحد يعرف ما له وما عليه، بالإضافة إلى أن الأصل في الشروط هو الإباحة عند الجمهور الفقهاء. (٤)
стр. 14839
باب التراضي مفتوح:
كل ما قلناه إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين، أما عند سداد الدين، أو الوفاء بالثمن، أو المهر، أو نحو ذلك تراضيا بالمعروف على الزيادة أو النقصان، فإن أحداً من الفقهاء لم يمنع ذلك، بل هذا ما دعا إليه الإسلام، وكان رسول الله ﷺ القدوة في ذلك، فقد روى البخاري، ومسلم، وغيرهما بسندهم: أن رجلاً أتى النبي ﷺ يتقاضاه بعيراً، فقال: ((أعطوه)) فقالوا: لا نجد إلا سنًّا أفضل من سنه، فقال ((أعطوه، فإن خياركم أحسنكم قضاءً)) (١)
فعلى هذا إذا حل الأجل وجاء المدين ورأى أن المبلغ الذي يرده الآن لا يساوي شيئاً بالنسبة لقيمة المبلغ الذي أخذه، وقدرته الشرائية، فطيب خاطر الدائن ونفسه بالزيادة في المقدار، أو بسلعة أخرى ففقد فعل الحسن وطبق السنة، بل إنني أعتقد أنه لا تبرأ ذمته في حالات التغير الفاحش لقيمة العملة محل العقد إلا بإرضاء صاحب الحق؛ لأن مبنى الأموال وانتقالها في الإسلام على التراضي، وطيب النفس بنص القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . (٢)
فكيف تطيب نفسه عندما يقع الظلم عليه، ويرجع إليه ماله وقد اقتطع منه أجزاء، وأفرغ من كثير من محتواه؟ صحيح أن مبنى القرض على التطوع والتبرع، ولكنه تطوع وتبرع بالوقت الذي أمهله دون مقابل محتسباً أجره عند الله تعالى، أما أن ينقص ماليته فلا، ولذلك نرى الفقهاء يجيزون رد العين المستقرضة إلى المقرض، ما دامت لم تتعيب بعيب ينقص من ماليته، أما إذا تعيبت فلا يصح ردها. (٣) فكذلك الأمر هنا:
وقد ذكر الإمام ابن السبكي جواز أخذ القيمة في المثلي، إذا رضي الطرفان، فقال: "لو تراضيا على أخذ قيمة المثلي مع وجوده، وجهان أصحهما: عند الوالد ﵀ الجواز" ثم ذكر أنه يعلل الجواز بأنه اعتياض عما يثبت في الذمة من المثلي. (٤)
فلا شك في أن مسألة التراضي تحل كثيراً من مشاكل مجتمع قائم على العدل والإحسان والإيثار، مثل المجتمع الإسلامي الذي يقوم على معيار دقيق، وهو "أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وتكره لأخيك ما تكره لأخيك ما تكره لنفسك" (٥) فهل يرضى الإنسان أن يعود إليه دينه، أو يعطى لها مهرها، وقد أصبح لا قيمة له بعد أن كان ذا قيمة جيدة. فهل يرضى أحد أن يعود إليه ليراته اللبنانية، أو السورية، أو التركية الآن مع أنها حينما خرجت من يديه كانت لها قيمة وقدرة شرائية ممتازة؟ هذا السؤال موجه إلى كل مؤمن، وذلك لأن الإسلام لا يعتني بالجانب الظاهري القانوني فقط، بل يعتني أيضاً بالجانب السلوكي، ولذلك فالعذاب فيه ليس دنيويًّا فقط بل هو في الدنيا والآخرة، والأحكام لا تقتصر على الصحة والبطلان الظاهرين، بل هناك الحل والحرمة، والذي يراقب الله تعالى يخاف من عذاب الله في الآخرة أكثر من العذاب الدنيوي.
стр. 14840
اعتراضات ودفعها:
الاعتراض الأول:
إن هذا القول يؤدي إلى زيادة في بعض الأموال، وهي ربا، وهو حرام بنص القرآن، مثل أن يقرض شخص قبل عشر سنوات عشرة آلاف ليرة، فلو قدرنا القيمة يكون يساوي مائة ألف ليرة، وهذا عين الربا؟
الجواب عن ذلك، أن ذلك ليس زيادة ولا ربا لما يأتي:
أولاً: أن الربا هو الزيادة دون مقابل، والزيادات الموجودة هنا ليست في الواقع إلا زيادة من حيث الشكل والعدد وهذا ليس له أثر، فالزيادة التي وقعت عند التقويم وهي ليست زيادة وإنما المبلغ المذكور أخيراً هو قيمة المبلغ السابق، وبالتالي فالمبلغان متساويان من حيث الواقع والحقيقة والقيمة.
ثانيًا: أن الربا هو الزيادة المشروطة، وهنا لم يشترط الدائن مثلاً أية زيادة، وإنما اشترط قيمة ماله الذي دفعه، ولذلك قد تنقص في حالة ما إذا ارتفع سعر النقد الذي أقرضه –مثلاً- وأصبحت قوته الشرائية أكثر من وقت العقد والقبض.
ثالثاً: أنه يمكن أن نشترط أن يكون الرد بغير العملة التي تم بها العقد في حالة الزيادة وهذا هو الراجح، فمثلاً لو كان محل العقد ليرة لبنانية، فليكن الرد عند الزيادة، أو النقص بالريال، أو بالدولار، أو الجنيه وهكذا، فاستيفاء الدراهم بدلاً من الدنانير، وبالعكس أمر معترف به عند جمهور الفقهاء –منهم الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة- واستدلوا على جوازه بأدلة، منها حديث ابن عمر ﵄ حيث قال: "كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ " فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (١) قال الخطابي: "ذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع من ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يعتبر غيره السعر، ولم يبالوا ذلك بأغلى، أو أرخص من سعر اليوم.." (٢) قال الحافظ السندي: "والتقيد بسعر اليوم على طريق الاستحباب " (٣) وقد روى النسائي عن بعض التابعين أنهم لا يرون بأساً في قبض الدراهم مكان الدنانير، وبالعكس، في جميع العقود الآجلة بما فيها القرض. (٤)
стр. 14841
قال ابن قدامة معلقاً على حديث ابن عمر "ولأن هذا جرى مجرى القضاء، فقيد بالمثل كما لو قضاه من الجنس، والتماثيل ههنا من حيث القيمة لتعذر التماثل من حيث الصورة" (١)
ثم إن هذه المسألة ليست بدعاً في الأمر، ولا هي من المسائل التي لا نجد فيها نصًّا لفقهائنا السابقين في أشباهها، بل نجد لها مثيلات كثيرة في فقهنا الإسلامي نذكر بعضها هنا:
يقول الإمام الرافعي: "وإذا أتلف حلياً وزنه عشرة، وقيمته عشرون، فقد نقل أصحابنا وجهين فيما يلزمه:
أحدهما: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها سواء كان ذلك نقد البلد، أو لم يكن؛ لأنه لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا.
وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن كان من جنسه" (٢)
ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات –كما سبق- ونجد كذلك في باب العقود عند مالك، حيث أجاز أن يعطى الإنسان مثقالاً وزيادة في مقابل دينار مضروب، وكذلك أجاز بدل الدينار الناقص بالوزن، أو بالدينارين، وروى مثل ذلك عن معاوية ﵁ يقول ابن رشد: "وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلاً، لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلا ومعاوية، فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر، والمصوغ لمكان زيادة الصياغة، وإلا ما روى عن مالك أنه سأل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب، ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه، أو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك، فأرجو ألا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه" (٣)
والمقصود بهذا النص أن الزيادة ما دام لها مقابل، لا تعتبر ربا، لأن الربا هو: "الفضل المستحق لأحد العاقدين في المعاوضة الخالي عن عوض شرط فيه" (٤)
الاعتراض الثاني:
إن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد، وبالتالي تترتب عليه مشاكل لا عد لها ولا حصر؟
الجواب عن ذلك: أننا لا نسلم أن ذلك لا يؤدي إلى تحطيم النقود، وإنما يؤدي إلى أن يكون دورها محصوراً بحيث لا تؤدي جميع وظائفها الأربع المعروفة وهذا لا يضر، حيث اعترف كثير من الاقتصاديين بأن نقودنا لا تؤدي هذه الوظائف جميعها، أو لا تؤديها على شكل مقبول، كما أنهم الآن وسعوا مفهوم النقد، ليشمل أنواعاً كثيرة لا يؤدي بعضها إلا وظيفة واحدة –كما سبق- مع أن ذلك لا يتعارض مع نقديتها، وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بأن الفلوس ثمن، ومع ذلك لم يثبتوا لها جميع الأحكام الخاصة بالذهب، أو الفضة.
стр. 14842
ومن جانب آخر أن ذلك إنما يحصل إذا لم توضع معايير دقيقة، ولكنا ما دمنا نعترف بالنقود الورقية بأنها نقود –وإن كانت لا تؤدي جميع الوظائف- وتربط إما بمعيار الذهب، أو معيار السلعة، فإنه في الحقيقة لا تحدث أية مشكلة تذكر، بل هي تحقق العدالة، بالإضافة إلى أننا لا نلجأ إلى عملية التقويم دائماً، فلا نلجأ إليه في جميع العقود التي يتم فيها قبض الثمن مباشرة، وكذلك لا نلجأ إلى التقويم في العقود التي كون الثمن مؤجلاً إلا في حالة الغبن الفاحش أو انهيار قيمة النقد، كما سبق.
الاعتراض الثالث:
لماذا لا نعتد بالرخص والغلاء في الذهب والفضة، والحنطة والشعير ونحوهما في الوقت الذي نعتد بهما في النقود الورقية؟
الجواب عن ذلك: أن هذه القضية تتعلق بالمثلي والقيمي، حيث لا ينظر في المثلي إلى القيمة، وأما القيمي، فيلاحظ فيه القيمة –كما سبق- ونحن قلنا: إن النقود الورقية لا يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ولا إلغاء نقديتها، وإنما الحل الوسط هو ما ذكرناه.
ومن هنا فهي وإن كانت مثلية –كقاعدة عامة- لكنها عند وجود الفرق الشاسع يلاحظ فيها القيمة، كالماء الذي أخذه الإنسان في الصحراء، فلا يرجع له الماء، وإنما عليه قيمته في ذلك المكان.
وهذا الحل ليس خاصًّا برد القرض، بل هو عام في جميع الحقوق التي تؤدى بالعملات الورقية، فنرى ضرورة ملاحظة القيمة في الإجارات والرواتب والأجور ونحوها، وهذا ما تلاحظه الدول المتقدمة عندما يكون التضخم كبيراً، فليس من العدالة أنك لو استأجرت بيتاً بألف ليرة لبنانية أو نحوها – عام سبعين أن تدفع نفس المبلغ اليوم، فألف في ١٩٧٠ كان يساوي ٥٠٠ دولار تقريباً وألف اليوم يساوي دولارين فقط، وكذلك الرواتب والأجور. والله أعلم.
وفي الختام هذا ما اطمأنت إليه نفسي، وأدى إليه اجتهادي المتواضع فإن كنت قد أصبت فمن الله، وإلا فعذري أنني بذلت كل ما في وسعي ولم أرد به إلا وجه الله تعالى.
ومع ذلك فما أقوله عرض لوجهة نظري، أرجو أن تنال من الباحثين الكرام النقد والتحليل، للوصول إلى حل جذري أمام هذه المشكلة.
وكلمة أخيرة أكررها هي أنه ليس هناك من محيص للخروج من هذه الأزمات الجادة إلا بالرجوع إلى النقدين الذاتيين، أو على الأقل ربط نقود الورقية بالغطاء الذهبي، وهذا ما يدعو إليه كثير من الاقتصاديين، بل بعض المؤتمرات –كما سبق- فلا شك في أن ربط النقد الورقي بالذهب إنما هو إعادة إلى أصله الذي تأصل عليه، فإلى أن نعود إلى هذا النظام فلا بد من أن نلاحظ القيمة في نقودنا عندما تقتضيه الضرورة والحاجة، حتى تتحقق العدالة "دون وكس ولا شطط".
والله الموفق وهو من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل.
الدكتور علي محيي الدين القره داغي
стр. 14843
أهم مراجع البحث
كتب تفسير القرآن الكريم:
* أحكام القرآن للإمام الشافعي: ط. دار الكتب العلمية: بيروت ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥م.
* أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن الرازي الجصاص: ط. دار الفكر بيروت.
* أحكام القرآن لأبي محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي تحقيق علي محمد البجاوي: ط. دار المعرفة بيروت.
* تفسير ابن عطية المسمى: المحرر الوجيز: ط. مؤسسة دار العلوم بقطر.
* تفسير الشوكاني –المسمى فتح القدير: ط. عالم الكتب بيروت.
* التفسير الكبير للرازي –المسمى: مفاتيح الغيب: ط. دار إحياء التراث العربي –بيروت.
* تفسير الماوردي –المسمى: النكت والعيون: ط. أوقاف الكويت.
* تفسير المنار للإمام محمد عبده –جمع الشيخ رشيد رضا: ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٢ م.
* جامع البيان في تفسير القرآن لأبي جعفر محمد بن جعفر الطبري: ط. المطبعة الكبرى ببولاق – القاهرة ١٣٢٨هـ.
* الجامع لأحكام القرآن –لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي: ط. دار الكتب المصرية سنة ١٣٨٧هـ.
كتب الحديث وشروحه:
* تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للحافظ أبي يعلى محمد بن عبد الرحمن: طبعة ثانية ١٣٨٥ هـ –مطبعة الفجالة- القاهرة.
* تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني –تصحيح السيد: عبد الله هاشم اليماني المدني –شركة الطباعة الفنية- القاهرة، ومطبوع مع المجموع للنووي في المطبعة العربية– مصر.
س* سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني – ت. ٢٧٣هـ طبعة عيسى البابي الحلبي –بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وطبعة العلمية سنة ١٣١٣هـ.
* سنن أبي داود: للحافظ الحجة سليمان بن الأشعث السلجستاني ت: ٢٧٥هـ طبعة المكتبة السلفية- المدينة المنورة مع شرحه عون المعبود وطبعة مصطفى محمد سنة ١٣٥٤ هـ.
* سنن الترمذي: للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى السلمي ت: ٢٧٩ هـ ط: بولاق سنة ١٢٩٢ هـ، وطبعة الفجالة القاهرة- مع شرحه: تحفة الأحوذي.
* سنن الدارقطني: للحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني ت ٣٨٥ هـ تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني –ط. شركة الطباعة الفنية- القاهرة سنة ١٣٨٦ هـ.
* سنن الدارمي: للحافظ أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ت ٢٥٥ هـ تحقيق عبد الله هاشم اليماني – ط: دار المحاسن للطباعة – القاهرة سنة ١٣٨٦هـ.
* السنن الكبرى: للحافظ الفقيه أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ت: ٤٥٨ هـ ط. دار المعارف – حيدر آباد بالهند.
* سنن النسائي: للحافظ أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي ت: ٣٠٣ هـ ومعه زهر الربى على المجتبى للحافظ السيوطي مع تعليقات مقتبسة من حاشية السندي. ط: شركة مصطفى البابي الحلبي –مصر سنة ١٣٨٣ هـ، وكذلك طبعة دار البشائر الإسلامية – بيروت – لبنان.
* شرح الزرقاني على الموطأ – ط: الفكر –بيروت – لبنان.
* صحيح البخاري: للحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت: ٢٥٦ هـ ط –المطبعة السلفية –القاهرة. مع فتح الباري.
* صحيح مسلم: للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت: ٢٦١ هـ. ط: دار الإحياء. عيسى البابي الحلبي –تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
* عون المعبود – شرح أبي داود: للعالم أبي طيب محمد بن شمس الحق العظيم آبادي –ط: المكتبة السلفية – المدينة المنورة سنة ١٣٨٨ هـ.
* فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ت: ٨٥٢ هـ إشراف الشيخ عبد العزيز بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. ط: المطبعة السلفية – القاهرة.
стр. 14844
* المستدرك: للحافظ محمد بن عبد الله النيسابوري المشهور بالحاكم ت: ٤٠٥ هـ ط: حيدر آباد سنة ١٣٤٠ هـ.
* مسند الإمام أحمد بن حنبل. ط: المكتب، الإسلامي – بيروت.
* مسند الشافعي. ط: دار الشعب. بهامش الجزء السادس من الأم.
* مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني. ت: ٢١١ هـ مطابع دار القلم – بيروت – لبنان طبعة أولى سنة ١٣٩٠ هـ.
* الموطأ للإمام مالك ت: ١٧٩ هـ. ط: الشعب، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
* موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: للعلامة نور الدين علي بن أبي بكر ط. دار الكتب العلمية – بيروت.
* نصب الراية بتخريج أحاديث الهداية: للعلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي ت: ٧٦٢ هـ. مع حاشية النفيسة: بغية الألمعي في تخريج الزيلعي. نشر المكتبة الإسلامية.
* نيل الأوطار: للعلامة محمد بن علي الشوكاني ت: ١٢٥٠ هـ. ط: الكليات الأزهرية – القاهرة ١٣٩٨ هـ.
كتب الفقه والأصول والقواعد واللغة:
* الإجماع: للعلامة ابن المنذر – تحقيق د. عبد القادر شن أر. ط. أنقرة – تركيا. وط. قطر.
* الأحكام السلطانية للعلامة أبي الحسن الماوردي ط. التوفيقية – القاهرة.
* الأحكام السلطانية للعلامة القاضي أبي يعلي. ط. مصطفى الحلبي – عام ١٩٦٦ – القاهرة.
* إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي. ط. عيسى الحلبي – القاهرة.
* اختلاف المذاهب: للوزير ابن هبيرة، مخطوط الإسكندرية. بمكتبة البلدية.
* إدرار الشروق على أنواء الفروق لسراج الدين قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط. ط – دار المعرفة، بيروت.
* الأشباه والنظائر للعلامة جلال الدين السيوطي. ط. عيسى الحلبي – القاهرة.
* الأشباه والنظائر للعلامة زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي، ط. مؤسسة الحلبي – القاهرة.
* الأشباه والنظائر للعلامة ابن السبكي، مخطوطة البلدية بالإسكندرية.
* إعلام الموقعين للعلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية. ط. شركة الطباعة الفنية بالقاهرة عام ١٣٨٨ هـ.
* إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للإمام أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي. تحقيق أحمد أبو طاهر الخطابي، ط. المغرب.
* البحر الرائق للعلامة ابن نجيم. ط. دار المعرفة – بيروت.
* البحر الزخار للعلامة أحمد بن يحيى بن المرتضى. ط. مؤسسة الرسالة عام ١٣٦٦ هـ.
* البحر المحيط للعلامة بدر الدين الزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ١٠١ أصول تيمور.
* بدائع الصنائع للإمام الكاساني. ط. مطبعة الإمام – القاهرة.
* بداية المجتهد – للعلامة ابن رشد الحفيد. ط. مصطفى الحلبي عام ١٣٩٥ – القاهرة.
* البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين. تحقيق أ. د عبد العظيم الديب. ط. دولة قطر – طبعة أولى.
* بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب مالك. للعلامة أحمد الصاوي – ط. عيسى الحلبي – القاهرة.
* البيان والتحصيل للعلامة ابن رشد. ط. دار الغرب الإسلامي – مع دار إحياء التراث بقطر.
* تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. للعلامة فخر الدين الزيلعي. ط. الخشاب بالقاهرة عام ١٣١٣ هـ.
* التحرير لابن الهمام مع شرحه: التقرير والتحبير. ط. الأميرية سنة ١٩٣٦ هـ.
* التعريفات. للعلامة أبي الحسن علي الجرجاني. المعروف بالسيد الشريف. ط. الدار التونسية.
* التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإمام الأسنوي. ط. مكة ١٣٥٣ هـ.
* حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. ط. الاستقامة بالقاهرة.
* حاشيتا عميرة، والقليوبي على شرح المحلى على المنهاج، ط. عيسى الحلبي. القاهرة.
* الخراج. للإمام أبي يوسف. تحقيق د. محمد إبراهيم البنا ط. دار الاعتصام.
* خزانة الفقه، وعيون المسائل للفقيه أبي الليث السمرقندي تحقيق د. صلاح الدين الناهي. ط. شركة الطبع والنشر الأهلية ببغداد.
* رحمة الأمة في اختلاف الأئمة. للعلامة أبي عبد الله الدمشقي ط. مصطفى الحلبي سنة ١٣٨٦ هـ – القاهرة.
* رد المحتار على الدر المختار للعلامة ابن عابدين. ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٤٠٧ هـ.
* الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر. ط. مصطفى الحلبي ١٣٥٨ هـ.
* روضة الطالبين للإمام النووي. ط. المكتبة الإسلامية للطباعة.
стр. 14845
* شرح الخرشي على مختصر خليل. للعلامة أبي عبد الله محمد الخرشي. طبعة ثانية بالمطبعة الأميرية – بولاق – مصر.
* شرح العناية على الهداية، للعلامة محمد بن محمود البابرتي ط. الأميرية.
* الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. للعلامة ابن القيم ط. المدني.
* الغاية القصوى. للإمام البيضاوي. تحقيق على محيي الدين القره داغي. ط. دار الإصلاح.
* فتح العزيز شرح الوجيز. للإمام عبد الكريم بن محمد الرافعي ط. شركة العلماء بمصر.
* فتح القدير. للعلامة ابن الهمام الحنفي ط. أولى بالمطبعة الأميرية عام ١٣١٦ هـ.
* الفروق. للإمام القرافي. ط. دار المعرفة ببيروت.
* القاموس المحيط. للعلامة الفيروز آبادي. ط. مؤسسة الرسالة بيروت.
* القواعد. للعلامة ابن رجب. ط. الكليات الأزهرية.
* قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية. للعلامة محمد بن أحمد بن الغرناطي المالكي. ط. دار العلم للملايين، بيروت ١٩٧٤.
* كشف الأسرار. للعالمة البزدوي.
* لسان العرب لابن منظور. ط. دار المعارف.
* مباحث العلة، تأليف الدكتور عبد الحكيم السعدي. ط. دار البشائر الإسلامية. بيروت.
* المبسوط. للعلامة شمس الدين السرخسي. ط. السعادة بمصر سنة ١٣٢٤.
* المجموع. للإمام النووي. ط. شركة العلماء بمصر.
* مجموع الفتاوى. للعلامة ابن تيمية. ط. دار الإفتاء بالسعودية.
* المحلى لابن حزم. ط. المنيرية ١٣٥٢.
* المدونة الكبرى للإمام مالك. رواية سحنون بن سعيد التنوخي في ٢٤٠ هـ عن عبد الرحمن بن قاسم العنقي ت ١٩١ هـ، طبعة مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٢٣ هـ.
* المعجم الوسيط. ط. قطر.
* المعيار المعرب.
* مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج. للعلامة محمد الشربيني الخطيب. ط. مصطفى الحلبي عام ١٣٧٧ هـ.
* المغني. للعلامة ابن قدامة المقدسي الحنبلي ط. الرياض.
* المقدمات والممهدات. للعلامة ابن رشد. ط. دار الغرب الإسلامي.
* المنثور في القواعد. للعلامة بدر الدين الزركشي. ط. أوقاف الكويت.
* مواهب الجليل. للعلامة أبي عبد الله الخطاب. ط. قطر.
* موجبات الأحكام. لابن قطلو بغا الحنفي. ط. دار الإرشاد بغداد عام ١٩٨٣ م.
* الوجيز للإمام الغزالي. تحقيق د. علي محيي الدين القره داغي. ط. دار الاعتصام، ومخطوطة دار الكتب رقم ٣١٢ فقه شافعي، ومخطوطة طلعت أيضاً.
أهم الكتب الفقهية المعاصرة وكتب الاقتصاد:
* أحكام النقود للأستاذ محمد تقي الدين العثماني، بحث مقدم إلى مجمع الفقه بمكة عام ١٤٠٦ هـ.
* استبدال النقود والعملات للدكتور علي السالوس. ط. مكتبة الفلاح بالكويت.
* أصول الاقتصاد، دكتور محمد صالح. ط. نهضة مصر ١٩٣٣.
* تقلبات القوة الشرائية للنقود للأستاذ شوقي دنيا، بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر، العدد ٤١.
* جناية القتل العمد للأستاذ نظام الدين عبد الحميد. ط. بغداد ١٩٧٥.
* الدين والعين في الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور محمد زكي عبد البر. بحث منشور بمجلة القانون والاقتصاد، العدد الخاص بالعيد المئوي لحقوق القاهرة.
* عقد التحكيم للدكتور قحطان الدوري. ط. وزارة الأوقاف العراقية.
* فقه الزكاة للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي.
* مبادئ علم الاقتصاد للدكتور محمد عويس. ط. دار النصر – القاهرة.
* الملكية ونظرية العقد. للشيخ الجليل محمد أبو زهرة ﵀ ط. دار الفكر العربي بالقاهرة.
* الملكية في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد السلام العبادي. ط. الأقصى بعمان.
* الموجز في النقود والبنوك للأستاذ أحمد عبده. ط. دار الكتاب الجامعي ١٩٧٨.
* النقود للعلامة المقريزي. طبعة. أستانة.
* النقود والمكاييل والموازين. للحافظ عبد الرؤوف المناوي. ط. دار الحرية للطباعة ببغداد. تحقيق رجاء السامرائي.
* تلك هي أهم المصادر والمراجع، وتركنا الكثير حيث أشرنا إليها بالكامل في الهوامش.