قال ابن قدامة معلقاً على حديث ابن عمر "ولأن هذا جرى مجرى القضاء، فقيد بالمثل كما لو قضاه من الجنس، والتماثيل ههنا من حيث القيمة لتعذر التماثل من حيث الصورة" (١)
ثم إن هذه المسألة ليست بدعاً في الأمر، ولا هي من المسائل التي لا نجد فيها نصًّا لفقهائنا السابقين في أشباهها، بل نجد لها مثيلات كثيرة في فقهنا الإسلامي نذكر بعضها هنا:
يقول الإمام الرافعي: "وإذا أتلف حلياً وزنه عشرة، وقيمته عشرون، فقد نقل أصحابنا وجهين فيما يلزمه:
أحدهما: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها سواء كان ذلك نقد البلد، أو لم يكن؛ لأنه لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا.
وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن كان من جنسه" (٢)
ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات –كما سبق- ونجد كذلك في باب العقود عند مالك، حيث أجاز أن يعطى الإنسان مثقالاً وزيادة في مقابل دينار مضروب، وكذلك أجاز بدل الدينار الناقص بالوزن، أو بالدينارين، وروى مثل ذلك عن معاوية ﵁ يقول ابن رشد: "وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلاً، لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلا ومعاوية، فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر، والمصوغ لمكان زيادة الصياغة، وإلا ما روى عن مالك أنه سأل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب، ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه، أو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك، فأرجو ألا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه" (٣)
والمقصود بهذا النص أن الزيادة ما دام لها مقابل، لا تعتبر ربا، لأن الربا هو: "الفضل المستحق لأحد العاقدين في المعاوضة الخالي عن عوض شرط فيه" (٤)
الاعتراض الثاني:
إن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد، وبالتالي تترتب عليه مشاكل لا عد لها ولا حصر؟
الجواب عن ذلك: أننا لا نسلم أن ذلك لا يؤدي إلى تحطيم النقود، وإنما يؤدي إلى أن يكون دورها محصوراً بحيث لا تؤدي جميع وظائفها الأربع المعروفة وهذا لا يضر، حيث اعترف كثير من الاقتصاديين بأن نقودنا لا تؤدي هذه الوظائف جميعها، أو لا تؤديها على شكل مقبول، كما أنهم الآن وسعوا مفهوم النقد، ليشمل أنواعاً كثيرة لا يؤدي بعضها إلا وظيفة واحدة –كما سبق- مع أن ذلك لا يتعارض مع نقديتها، وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بأن الفلوس ثمن، ومع ذلك لم يثبتوا لها جميع الأحكام الخاصة بالذهب، أو الفضة.
стр. 14842
ومن جانب آخر أن ذلك إنما يحصل إذا لم توضع معايير دقيقة، ولكنا ما دمنا نعترف بالنقود الورقية بأنها نقود –وإن كانت لا تؤدي جميع الوظائف- وتربط إما بمعيار الذهب، أو معيار السلعة، فإنه في الحقيقة لا تحدث أية مشكلة تذكر، بل هي تحقق العدالة، بالإضافة إلى أننا لا نلجأ إلى عملية التقويم دائماً، فلا نلجأ إليه في جميع العقود التي يتم فيها قبض الثمن مباشرة، وكذلك لا نلجأ إلى التقويم في العقود التي كون الثمن مؤجلاً إلا في حالة الغبن الفاحش أو انهيار قيمة النقد، كما سبق.
الاعتراض الثالث:
لماذا لا نعتد بالرخص والغلاء في الذهب والفضة، والحنطة والشعير ونحوهما في الوقت الذي نعتد بهما في النقود الورقية؟
الجواب عن ذلك: أن هذه القضية تتعلق بالمثلي والقيمي، حيث لا ينظر في المثلي إلى القيمة، وأما القيمي، فيلاحظ فيه القيمة –كما سبق- ونحن قلنا: إن النقود الورقية لا يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ولا إلغاء نقديتها، وإنما الحل الوسط هو ما ذكرناه.
ومن هنا فهي وإن كانت مثلية –كقاعدة عامة- لكنها عند وجود الفرق الشاسع يلاحظ فيها القيمة، كالماء الذي أخذه الإنسان في الصحراء، فلا يرجع له الماء، وإنما عليه قيمته في ذلك المكان.
وهذا الحل ليس خاصًّا برد القرض، بل هو عام في جميع الحقوق التي تؤدى بالعملات الورقية، فنرى ضرورة ملاحظة القيمة في الإجارات والرواتب والأجور ونحوها، وهذا ما تلاحظه الدول المتقدمة عندما يكون التضخم كبيراً، فليس من العدالة أنك لو استأجرت بيتاً بألف ليرة لبنانية أو نحوها – عام سبعين أن تدفع نفس المبلغ اليوم، فألف في ١٩٧٠ كان يساوي ٥٠٠ دولار تقريباً وألف اليوم يساوي دولارين فقط، وكذلك الرواتب والأجور. والله أعلم.
وفي الختام هذا ما اطمأنت إليه نفسي، وأدى إليه اجتهادي المتواضع فإن كنت قد أصبت فمن الله، وإلا فعذري أنني بذلت كل ما في وسعي ولم أرد به إلا وجه الله تعالى.
ومع ذلك فما أقوله عرض لوجهة نظري، أرجو أن تنال من الباحثين الكرام النقد والتحليل، للوصول إلى حل جذري أمام هذه المشكلة.
وكلمة أخيرة أكررها هي أنه ليس هناك من محيص للخروج من هذه الأزمات الجادة إلا بالرجوع إلى النقدين الذاتيين، أو على الأقل ربط نقود الورقية بالغطاء الذهبي، وهذا ما يدعو إليه كثير من الاقتصاديين، بل بعض المؤتمرات –كما سبق- فلا شك في أن ربط النقد الورقي بالذهب إنما هو إعادة إلى أصله الذي تأصل عليه، فإلى أن نعود إلى هذا النظام فلا بد من أن نلاحظ القيمة في نقودنا عندما تقتضيه الضرورة والحاجة، حتى تتحقق العدالة "دون وكس ولا شطط".
والله الموفق وهو من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل.
الدكتور علي محيي الدين القره داغي
стр. 14843
أهم مراجع البحث
كتب تفسير القرآن الكريم:
* أحكام القرآن للإمام الشافعي: ط. دار الكتب العلمية: بيروت ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥م.
* أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن الرازي الجصاص: ط. دار الفكر بيروت.
* أحكام القرآن لأبي محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي تحقيق علي محمد البجاوي: ط. دار المعرفة بيروت.
* تفسير ابن عطية المسمى: المحرر الوجيز: ط. مؤسسة دار العلوم بقطر.
* تفسير الشوكاني –المسمى فتح القدير: ط. عالم الكتب بيروت.
* التفسير الكبير للرازي –المسمى: مفاتيح الغيب: ط. دار إحياء التراث العربي –بيروت.
* تفسير الماوردي –المسمى: النكت والعيون: ط. أوقاف الكويت.
* تفسير المنار للإمام محمد عبده –جمع الشيخ رشيد رضا: ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٢ م.
* جامع البيان في تفسير القرآن لأبي جعفر محمد بن جعفر الطبري: ط. المطبعة الكبرى ببولاق – القاهرة ١٣٢٨هـ.
* الجامع لأحكام القرآن –لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي: ط. دار الكتب المصرية سنة ١٣٨٧هـ.
كتب الحديث وشروحه:
* تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للحافظ أبي يعلى محمد بن عبد الرحمن: طبعة ثانية ١٣٨٥ هـ –مطبعة الفجالة- القاهرة.
* تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني –تصحيح السيد: عبد الله هاشم اليماني المدني –شركة الطباعة الفنية- القاهرة، ومطبوع مع المجموع للنووي في المطبعة العربية– مصر.
س* سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني – ت. ٢٧٣هـ طبعة عيسى البابي الحلبي –بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وطبعة العلمية سنة ١٣١٣هـ.
* سنن أبي داود: للحافظ الحجة سليمان بن الأشعث السلجستاني ت: ٢٧٥هـ طبعة المكتبة السلفية- المدينة المنورة مع شرحه عون المعبود وطبعة مصطفى محمد سنة ١٣٥٤ هـ.
* سنن الترمذي: للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى السلمي ت: ٢٧٩ هـ ط: بولاق سنة ١٢٩٢ هـ، وطبعة الفجالة القاهرة- مع شرحه: تحفة الأحوذي.
* سنن الدارقطني: للحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني ت ٣٨٥ هـ تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني –ط. شركة الطباعة الفنية- القاهرة سنة ١٣٨٦ هـ.
* سنن الدارمي: للحافظ أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ت ٢٥٥ هـ تحقيق عبد الله هاشم اليماني – ط: دار المحاسن للطباعة – القاهرة سنة ١٣٨٦هـ.
* السنن الكبرى: للحافظ الفقيه أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ت: ٤٥٨ هـ ط. دار المعارف – حيدر آباد بالهند.
* سنن النسائي: للحافظ أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي ت: ٣٠٣ هـ ومعه زهر الربى على المجتبى للحافظ السيوطي مع تعليقات مقتبسة من حاشية السندي. ط: شركة مصطفى البابي الحلبي –مصر سنة ١٣٨٣ هـ، وكذلك طبعة دار البشائر الإسلامية – بيروت – لبنان.
* شرح الزرقاني على الموطأ – ط: الفكر –بيروت – لبنان.
* صحيح البخاري: للحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت: ٢٥٦ هـ ط –المطبعة السلفية –القاهرة. مع فتح الباري.
* صحيح مسلم: للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت: ٢٦١ هـ. ط: دار الإحياء. عيسى البابي الحلبي –تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
* عون المعبود – شرح أبي داود: للعالم أبي طيب محمد بن شمس الحق العظيم آبادي –ط: المكتبة السلفية – المدينة المنورة سنة ١٣٨٨ هـ.
* فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ت: ٨٥٢ هـ إشراف الشيخ عبد العزيز بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. ط: المطبعة السلفية – القاهرة.
стр. 14844
* المستدرك: للحافظ محمد بن عبد الله النيسابوري المشهور بالحاكم ت: ٤٠٥ هـ ط: حيدر آباد سنة ١٣٤٠ هـ.
* مسند الإمام أحمد بن حنبل. ط: المكتب، الإسلامي – بيروت.
* مسند الشافعي. ط: دار الشعب. بهامش الجزء السادس من الأم.
* مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني. ت: ٢١١ هـ مطابع دار القلم – بيروت – لبنان طبعة أولى سنة ١٣٩٠ هـ.
* الموطأ للإمام مالك ت: ١٧٩ هـ. ط: الشعب، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
* موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: للعلامة نور الدين علي بن أبي بكر ط. دار الكتب العلمية – بيروت.
* نصب الراية بتخريج أحاديث الهداية: للعلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي ت: ٧٦٢ هـ. مع حاشية النفيسة: بغية الألمعي في تخريج الزيلعي. نشر المكتبة الإسلامية.
* نيل الأوطار: للعلامة محمد بن علي الشوكاني ت: ١٢٥٠ هـ. ط: الكليات الأزهرية – القاهرة ١٣٩٨ هـ.
كتب الفقه والأصول والقواعد واللغة:
* الإجماع: للعلامة ابن المنذر – تحقيق د. عبد القادر شن أر. ط. أنقرة – تركيا. وط. قطر.
* الأحكام السلطانية للعلامة أبي الحسن الماوردي ط. التوفيقية – القاهرة.
* الأحكام السلطانية للعلامة القاضي أبي يعلي. ط. مصطفى الحلبي – عام ١٩٦٦ – القاهرة.
* إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي. ط. عيسى الحلبي – القاهرة.
* اختلاف المذاهب: للوزير ابن هبيرة، مخطوط الإسكندرية. بمكتبة البلدية.
* إدرار الشروق على أنواء الفروق لسراج الدين قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط. ط – دار المعرفة، بيروت.
* الأشباه والنظائر للعلامة جلال الدين السيوطي. ط. عيسى الحلبي – القاهرة.
* الأشباه والنظائر للعلامة زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي، ط. مؤسسة الحلبي – القاهرة.
* الأشباه والنظائر للعلامة ابن السبكي، مخطوطة البلدية بالإسكندرية.
* إعلام الموقعين للعلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية. ط. شركة الطباعة الفنية بالقاهرة عام ١٣٨٨ هـ.
* إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للإمام أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي. تحقيق أحمد أبو طاهر الخطابي، ط. المغرب.
* البحر الرائق للعلامة ابن نجيم. ط. دار المعرفة – بيروت.
* البحر الزخار للعلامة أحمد بن يحيى بن المرتضى. ط. مؤسسة الرسالة عام ١٣٦٦ هـ.
* البحر المحيط للعلامة بدر الدين الزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ١٠١ أصول تيمور.
* بدائع الصنائع للإمام الكاساني. ط. مطبعة الإمام – القاهرة.
* بداية المجتهد – للعلامة ابن رشد الحفيد. ط. مصطفى الحلبي عام ١٣٩٥ – القاهرة.
* البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين. تحقيق أ. د عبد العظيم الديب. ط. دولة قطر – طبعة أولى.
* بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب مالك. للعلامة أحمد الصاوي – ط. عيسى الحلبي – القاهرة.
* البيان والتحصيل للعلامة ابن رشد. ط. دار الغرب الإسلامي – مع دار إحياء التراث بقطر.
* تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. للعلامة فخر الدين الزيلعي. ط. الخشاب بالقاهرة عام ١٣١٣ هـ.
* التحرير لابن الهمام مع شرحه: التقرير والتحبير. ط. الأميرية سنة ١٩٣٦ هـ.
* التعريفات. للعلامة أبي الحسن علي الجرجاني. المعروف بالسيد الشريف. ط. الدار التونسية.
* التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإمام الأسنوي. ط. مكة ١٣٥٣ هـ.
* حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. ط. الاستقامة بالقاهرة.
* حاشيتا عميرة، والقليوبي على شرح المحلى على المنهاج، ط. عيسى الحلبي. القاهرة.
* الخراج. للإمام أبي يوسف. تحقيق د. محمد إبراهيم البنا ط. دار الاعتصام.
* خزانة الفقه، وعيون المسائل للفقيه أبي الليث السمرقندي تحقيق د. صلاح الدين الناهي. ط. شركة الطبع والنشر الأهلية ببغداد.
* رحمة الأمة في اختلاف الأئمة. للعلامة أبي عبد الله الدمشقي ط. مصطفى الحلبي سنة ١٣٨٦ هـ – القاهرة.
* رد المحتار على الدر المختار للعلامة ابن عابدين. ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٤٠٧ هـ.
* الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر. ط. مصطفى الحلبي ١٣٥٨ هـ.
* روضة الطالبين للإمام النووي. ط. المكتبة الإسلامية للطباعة.
стр. 14845
* شرح الخرشي على مختصر خليل. للعلامة أبي عبد الله محمد الخرشي. طبعة ثانية بالمطبعة الأميرية – بولاق – مصر.
* شرح العناية على الهداية، للعلامة محمد بن محمود البابرتي ط. الأميرية.
* الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. للعلامة ابن القيم ط. المدني.
* الغاية القصوى. للإمام البيضاوي. تحقيق على محيي الدين القره داغي. ط. دار الإصلاح.
* فتح العزيز شرح الوجيز. للإمام عبد الكريم بن محمد الرافعي ط. شركة العلماء بمصر.
* فتح القدير. للعلامة ابن الهمام الحنفي ط. أولى بالمطبعة الأميرية عام ١٣١٦ هـ.
* الفروق. للإمام القرافي. ط. دار المعرفة ببيروت.
* القاموس المحيط. للعلامة الفيروز آبادي. ط. مؤسسة الرسالة بيروت.
* القواعد. للعلامة ابن رجب. ط. الكليات الأزهرية.
* قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية. للعلامة محمد بن أحمد بن الغرناطي المالكي. ط. دار العلم للملايين، بيروت ١٩٧٤.
* كشف الأسرار. للعالمة البزدوي.
* لسان العرب لابن منظور. ط. دار المعارف.
* مباحث العلة، تأليف الدكتور عبد الحكيم السعدي. ط. دار البشائر الإسلامية. بيروت.
* المبسوط. للعلامة شمس الدين السرخسي. ط. السعادة بمصر سنة ١٣٢٤.
* المجموع. للإمام النووي. ط. شركة العلماء بمصر.
* مجموع الفتاوى. للعلامة ابن تيمية. ط. دار الإفتاء بالسعودية.
* المحلى لابن حزم. ط. المنيرية ١٣٥٢.
* المدونة الكبرى للإمام مالك. رواية سحنون بن سعيد التنوخي في ٢٤٠ هـ عن عبد الرحمن بن قاسم العنقي ت ١٩١ هـ، طبعة مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٢٣ هـ.
* المعجم الوسيط. ط. قطر.
* المعيار المعرب.
* مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج. للعلامة محمد الشربيني الخطيب. ط. مصطفى الحلبي عام ١٣٧٧ هـ.
* المغني. للعلامة ابن قدامة المقدسي الحنبلي ط. الرياض.
* المقدمات والممهدات. للعلامة ابن رشد. ط. دار الغرب الإسلامي.
* المنثور في القواعد. للعلامة بدر الدين الزركشي. ط. أوقاف الكويت.
* مواهب الجليل. للعلامة أبي عبد الله الخطاب. ط. قطر.
* موجبات الأحكام. لابن قطلو بغا الحنفي. ط. دار الإرشاد بغداد عام ١٩٨٣ م.
* الوجيز للإمام الغزالي. تحقيق د. علي محيي الدين القره داغي. ط. دار الاعتصام، ومخطوطة دار الكتب رقم ٣١٢ فقه شافعي، ومخطوطة طلعت أيضاً.
أهم الكتب الفقهية المعاصرة وكتب الاقتصاد:
* أحكام النقود للأستاذ محمد تقي الدين العثماني، بحث مقدم إلى مجمع الفقه بمكة عام ١٤٠٦ هـ.
* استبدال النقود والعملات للدكتور علي السالوس. ط. مكتبة الفلاح بالكويت.
* أصول الاقتصاد، دكتور محمد صالح. ط. نهضة مصر ١٩٣٣.
* تقلبات القوة الشرائية للنقود للأستاذ شوقي دنيا، بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر، العدد ٤١.
* جناية القتل العمد للأستاذ نظام الدين عبد الحميد. ط. بغداد ١٩٧٥.
* الدين والعين في الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور محمد زكي عبد البر. بحث منشور بمجلة القانون والاقتصاد، العدد الخاص بالعيد المئوي لحقوق القاهرة.
* عقد التحكيم للدكتور قحطان الدوري. ط. وزارة الأوقاف العراقية.
* فقه الزكاة للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي.
* مبادئ علم الاقتصاد للدكتور محمد عويس. ط. دار النصر – القاهرة.
* الملكية ونظرية العقد. للشيخ الجليل محمد أبو زهرة ﵀ ط. دار الفكر العربي بالقاهرة.
* الملكية في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد السلام العبادي. ط. الأقصى بعمان.
* الموجز في النقود والبنوك للأستاذ أحمد عبده. ط. دار الكتاب الجامعي ١٩٧٨.
* النقود للعلامة المقريزي. طبعة. أستانة.
* النقود والمكاييل والموازين. للحافظ عبد الرؤوف المناوي. ط. دار الحرية للطباعة ببغداد. تحقيق رجاء السامرائي.
* تلك هي أهم المصادر والمراجع، وتركنا الكثير حيث أشرنا إليها بالكامل في الهوامش.
стр. 14846
مفهوم كساد النقود الورقية
وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة
حدود التضخم
التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة
إعداد
الدكتور ناجي بن محمد شفيق عجم
أستاذ الدراسات الإسلامية
بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين. وبعد
إن مشكلة التضخم النقدي، أو تدهور القوة الشرائية للعملات الورقية تدهورًا خطيرًا في بعض الأحيان أو الدول أدى إلى مشاكل في علاقات الالتزامات الآجلة، وضياع الحقوق، مما أورث النزعات والضغائن بين الخصوم. ولا يخفى أثر هذا في إضعاف الثقة في العقود الآجلة، وانعكاسه في شلل واضطراب اقتصاد المجتمع، وذلك لوجود الخلل السلوكي في بعض الأنظمة، نتيجة ضعف القيم، والقواعد التي يرتكن إليها في التعامل الاقتصادي.
ومها يكن فإن المشكلة قائمة وتفرض نفسها، ولا بد من وضع ضوابط التغير في قيمة النقود الورقية المؤثر في الحقوق، ثم وضع الحلول الشرعية.
ولقد كتب إخوان كرام في أثر تغير قيمة العملة كما سيأتي، أثروا المكتبة الإسلامية، فجزاهم الله تعالى خيرًا، لكن مفهوم كساد العملة وما يلحق به وحكمه الشرعي يحتاج إلى بحث وتوضيح، فاستعنت الله تعالى. وأرجو أن أكون قد وفقت لما يحبه الله ويرضاه. ونظرًا لتداخل موضوعي:
١- مفهوم كساد النقود الورقية وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة.
٢- حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية "نقودًا كاسدة".
دمجتهما في بعضهما، وسيكون البحث وفق الخطة التالية:
١- مقدمة في النقود الورقية.
٢- بعض إيجابيات الورق النقدي.
٣- موقف الشريعة من الأوراق النقدية.
٤- التضخم ومشاكل وأخطاء تدهور قيمة النقود وآثاره.
٥- مفهوم كساد النقود الورقية، وضوابطه، وما يلحق به.
٦- آثار كساد النقود الورقية في تحديد أو تعيين قيمة الحقوق والالتزامات الآجلة والأدلة الشرعية.
٧- خاتمة وخلاصة البحث.
стр. 14847
مقدمة في النقود الورقية
الأموال: نقود، وعروض، ومنافع، وحقوق. وكانت النقود في السابق إما دنانير ذهبية أو دراهم فضية، والنقدان هما الذهب والفضة، ولا زال للنقدين الاعتبار في الثروات والمدخرات حتى في التثمين للسلع والخدمات.
ثم تطورت النقود شكلًا ووظيفة؛ من نقود سلعية أو معدنية إلى نقود ائتمانية ورقية كتابية نائبة وثيقية، وهي نقود اصطلاحية اعتبارية اسمية قانونية، وكانت النقود الورقية قابلة للتبديل بالذهب، وكانت تغطيتها كاملة، ثم أصبحت إلزامية وتغطيتها نسبية، ولا تعتبر حوالة لأن مصدرها لا يقبل بتسديد قيمتها كسائر الحوالات، فهي أشبه بالفلوس الرائجة التي ثمنيتها بالاصطلاح، لا بالدنانير والدراهم التي ثمنيتها بالخلقة؛ لأن النقود الورقية لا تكاد قيمتها الذاتية تذكر، مقابل قيمته النقدية.
وصارت النقود الورقية تقوم بكافة وظائف النقود المعدنية، من كونها مقياسًا للقيم، ووسيطًا للمبادلة والدفع، وخزانًا للقوة الشرائية، فضلًا عن كونها وحدة حساب.
لكن هذا التطور في النقود من سلعية ذات قيمة ذاتية، إلى ائتمانية ذات قيمة اسمية اصطلاحية، منح الجهة المصدرة (الدورة) حرية ومرونة في سياستها النقدية، وهذا قد يؤدي إلى التضخم النقدي المؤدي إلى زيادة الأسعار، وبالتالي ضعف القوة الشرائية للورق النقدي، أو تغير قيمة العملة بالنسبة للأموال العينية والخدمات، فإذا كنت تملك مثلًا مبلغًا قوته الشرائية (١٠٠) ، بعد التدهور تشتري فيه نصف ما كنت تشتريه من قبل أو أقل، فهو ضريبة مباشرة تقتطع من أموال الأفراد دون رضاهم.
وفي كل الأحوال تتوقف قيمة رواج الأوراق النقدية على القدرة الإنتاجية للدولة المصرية لها، وإنتاجها هو السلعة الحقيقية والتي يقابلها النقد.
ومهما يكن فالنقود الورقية فكرتها قديمة، ففي صدر الإسلام روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل، فقيل له: إذن لا بعير فأمسك ذلك؛ لأن الطلب النقدي على الجلود يأخذ حجمًا كبيرًا يصعب معه إشباع الطلب السلعي وربما أدى ذلك إلى اختفاء البعير نفسه، وحاجتهم إليه ماسة" (١)
стр. 14848
وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب أو الفضة نظيرة؛ أي أن الجلود إذا صارت نقودًا، أخذت حكم النقود في الربا فمبادلة نقد بنقد لا يجوز فيه النساء (التأخير أو التأجيل٩. (١)
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن كل شيء اصطلحوا عليه فيما بينهم مثل الفلوس التي اصطلح الناس عليها، أرجو أن لا يكون به بأس، وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما الدرهم والدينار فلا يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذكر بعضهم: أن النقد ما تم الاتفاق على اعتباره حتى ولو كان قطعة من حجر أو خشب. (٢)
وما زالت الفكرة تتطور حتى بدأ العالم يتخلى عن نظام الذهب والفضة والفلوس المعدنية كوسيط، وما انتصف القرن الذي نحن فيه حتى تبنى العالم نظام الأوراق النقدية غير القابلة للتحويل.
بعض إيجابيات الورق النقدي
لا يخفى أن اعتماد الأوراق النقدية بدل المعادن الوسيط فيه تسهيل للتبادل. وتقليل لنفقاته، ورفع كفاءة الأداء الاقتصادي، وسهولة التخزين أو الادخار، والتحويل، والصرف، والحمل، (النقل) ، فلو أراد شخص شراء عقار (عمارة، أرض، مصنع) أو أي سلعة كثيرة الثمن لاحتاج إلى حمالين لنقل الثمن بالنقود المعدنية، ولا يحتاج لمثل هذا في الأوراق النقدية، ثم ظهرت السندات (شيك تحويلي لقبض الثمن من المصرف) ثم ظهرت بطاقة الائتمان أسهل من دفتر الشيكات بموجبها توقع حوالة بقبض الثمن من المصرف ... ثم ... ثم. إلخ.
стр. 14849
موقف الشريعة من الأوراق النقدية
سبق ذكر أقوال بعض السلف من قول عمر بن الخطاب والإمام مالك والإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمهم الله تعالى- من أن النقد ما تم الاتفاق على اعتباره ولو كان قطعة حجر أو خشب أو الجلود، ووجوب الزكاة فيها وحرمة الربا. وفي هذا جاءت القرارات:
أ- قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم ١٠ بتاريخ ١/٤/١٣٩٣ هـ و٧/٤/١٣٩٣:
أولًا: جريان الربا بنوعيه فيها (الأوراق النقدية) كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيره من الأثمان كالفلوس.
ثانيًا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة، إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثًا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات. (١)
ب- القرار التاسع لمجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في الدورة الثالثة في عمان الأردن ٨-١٣ صفر ١٤٠٧:
... أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها.
وفي نفس المعاني والأحكام أيضًا جاء قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في دورته الأولى ١٤٠٥ القرار السادس حول القيمة الورقية.
وجزاهم الله تعالى خيرًا فقد حسموا اللغط، وسدوا الأبواب على بعض المتأولين.
стр. 14850
التضخم ومشاكل وأخطار تدهور قيمة النقود
أ- بعض أسباب التضخم:
بسبب الجوائح من حروب وزلازل وبراكين وقحط واضطرابات داخلية: عرقية طائفية، وضعف المواد، وهدر الطاقات، والسرف في الإنفاق في غير البنية الاقتصادية للدولة، وغير ذلك، بدأت تظهر مشاكل التضخم النقدي، وبالتالي ضعفت القوة الشرائية للعملة الورقية، مما أدى إلى رخصها تجاه السلع والمنافع والخدمات التي تبذل عوضًا عنها، وصارت مشكلة التضخم من أبرز المشكلات الاقتصادية المعاصرة التي تمس الفرد والجماعة في دول العالم الثالث خاصة وبقية العالم عامة، ويمكن تلخيص أسباب التضخم بالتالي:
١- تخفيض الدولة لقيمة عملتها بالنسبة لبعض العملات الأخرى.
٢- الإفراط في الإصدار النقدي.
٣- توسع المصارف في منح الائتمان النقدي من أجل الربح السريع.
٤- التعامل بالربا.
٥- إلغاء العملة الرائجة والاستبدال بنقد آخر يصلح على التعامل به.
٦- تدهور الوضع الأمني في البلد المصدر للنقد مما يجعل الناس يسارعون بالتخلص من العملة خوفًا من كسادها فينخفض السعر جدًّا.
ب- بعض الآثار السيئة للتضخم والتغير في قيمة العملة أو الكساد: (١)
١- إحداث الفوضى والنزاع في العلاقات بين الدائنين والمدينين.
٢- تدهور المدخرات للخزانة.
٣- اختلاف سبل الاستثمار للأفراد والجماعات وغير ذلك كثير.
وعليه فهذا التضخم الكبير للنقد أو التغير الفاحش في انخفاض القيمة؛ القريب من الكساد، أدى إلى خلل ونزاع خطير في مجال المعاملات الفردية، فقد يقرض المرء أخاه المحتاج رفقا به ومعونة له وتفريجًا لكربته، وعند حلول أجل الوفاء يجد المقرض أن المبلغ رجع إليه أقل بكثير مما دفع من حيث الورقة الشرائية أو قيمته بالنسبة للذهب والعملات الأخرى. وكذلك في بدل إيجارات المباني والأراضي ومحلات التجارة طويلة الأجل تنخفض قوة بدل الإيجار، وإن كان الكم لم يتغير، وكذلك في البيوع الآجلة (النسيئة والسلم) فيبيع التاجر البضاعة بنقد محدد مؤجل الوفاء إلى وقت معين، وعندما يحل الأجل يجد التاجر أن المبلغ المتفق عليه، قد اختلف حاله من حيث القوة الشرائية أو بالنسبة للذهب والعملات الأخرى. وكذلك المهر المؤجل يجعل التغيير الفاحش انخفاضًا في قيمته.
стр. 14851
وكذلك المقادير الشرعية للديات والحدود (نصاب السرقة) نصاب الزكاة، الدخول الدائمة مدى الحياة؛ المعاشات والإعانات الاجتماعية.
هذا وقد كتبت أبحاث وكتب من إخوة كرام في أحكام تغير النقود ككتاب "آثار التغيرات في قيمة النقود وكيفية معالجتها في الاقتصاد الإسلامي " للدكتور موسى آدم عيسى، وكتاب "دراسات في أصول المداينات "؛ فيه بحث عن تغير النقود وأثره على الديون للدكتور نزيه حماد، وكتاب "الإسلام والنقود" للدكتور رفيق المصري، وكتاب "الورق النقدي" للشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع.
وأبحاث علمية كثيرة فيه قدمت إلى أمانة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي
بدأت من نحو عشر سنين وكذلك أبحاث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي كذلك منذ أكثر من عشر سنين وورقات عمل وأبحاث إلى ندوات اقتصادية وحلقات فقهية تبناها بنك التنمية الإسلامية ومجموعة دالة البركة.
ومما اتخذ من القرارات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي القرار رقم ٤ الصادر عن الدورة الخامسة المنعقدة في الكويت "العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًّا كان مصدرها بمستوى الأسعار".
стр. 14852
والتوسع في هذا ليس هو الغرض الأساسي لهذا البحث، هذا إذا تغيرت قيمة العملة وانخفضت قيمتها قليلًا فيجب وفاء الحقوق الثابتة في الذمة بنفس المقدار من حيث الكم، وكل زيادة في الكم هي ربا فضل وربا نسيئة.
أما إذا كسدت العملة أو انقطعت أو ألغي التعامل بها، أو انخفضت انخفاضًا فاحشًا ونزلت إلى ١ على ١٠٠٠ من قيمتها السابقة أو أكثر كما هو الحال في الليرة التركية، واللبنانية وغيرهما من العملات هل يبقى كما هو؟
نعم الفقهاء اختلفوا في وفاء الحقوق الثابتة عند تغير العملة وخاصة عند نقص قيمتها، فهذا أبو يوسف صاحب أبي حنيفة –رحمهما الله تعالى- ومعه آخرون يقول: "يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج في البيع تجب القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض" (١)
ومثل هذه الفتوى عنه وعن غيره في حاشية ابن عابدين بعنوان "مطلب مهم في أحكام النقود إذا كسدت أو انقطعت أو غلت أو رخصت ... وعند أبي يوسف تجب قيمته يوم البيع ... ثم يقول وحاصل ما مر: أنه على قول أبي يوسف المفتى به لا فرق بين الكساد والانقطاع والرخص والغلاء في أنه تجب قيمتها يوم وقوع البيع أو القرض لا مثلها ... " (٢)
وآخرون من العلماء يؤدى: المثل لا القيمة. وذكرنا أن المجمع تبنى فتوى وجوب المثل لا القيمة. ولكن الخلاف بين الفقهاء قليل في حال كساد العملة أو انقطاعها كما سنعلم.
стр. 14853
مفهوم كساد النقود الورقية وضوابطه وما يلحق به
جاء في المعجم الوسيط: "كسد كسادًا وكسودًا لم يرج لقلة الرغبة فيه" (١)
وفي القاموس المحيط: كسد: لم ينفق. وفي تنبيه الرقود في اصطلاح الفقهاء: أن تترك المعاملة بها (العملة) في جميع البلاد وإن كانت تروج في بعض البلاد، لا يبطل لكنه يتعيب إذا لم يرج في بلدهم (٢) ويقول الأزهري: الكساد: خلاف النفاق ونقيضه، وسوق كاسدة: بائرة (٣)
وفي تنبيه الرقود: عدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع البلدان. (٤)
فإذا ترك التعامل بالعملة الورقية في جميع البلاد فذلك ما يسميه الفقهاء بكساد النقد.
أما الانقطاع: أن لا يوجد في السوق وإن كان يوجد في يدل الصيارفة والبيوت.
وألحق بعض الفقهاء التغير الفاحش لقيمة العملة انخفاضًا بالكساد.
جاء في حاشية محمد المدني في حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل "وهو أن التغير إذا كان فاحشًا فيجب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء، أو الرخص، أما إذا لم يكن فاحشًا فالمثل". يقول الرهوني معلقًا على قول المالكية المشهور بلزوم المثل ولو تغير النقد بزيادة أو نقص "قلت ونبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف، ويقصد العلة التي استدل بها أصحاب القول المقابل المشهور في مسألة كساد النقد وهي أن الدائن دفع شيئًا منتفعًا به لأخذ منتفع به فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به" (٥)
وينبغي أن نضع ضابطًا للتغير الفاحش في قيمة العملة الملحق بالكساد. جاء في المعجم الوسيط: فحش القول أو الفعل اشتد قبحه، وفحش الأمر: جاوز حده، فهو فاحش، ومؤنثه فاحشة، وجمعها فواحش. (٦)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] والنهي يقتضي التحريم.
стр. 14854
والفحش ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. (١)
الفحشاء: ما ينفر عنه الطبع السليم، ويستنقصه العقل المستقيم. (٢)
الفحش: كل شيء جاوز حده وقدره، فهو فاحش، وكل أمر لا يكون موافقًا للحق فهو فاحشة. (٣)
يقول تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ١٩] قيل: خروجها من بيتها بغير إذن زوجها.
وفي القاموس المحيط: الفاحش: كل ما نهى الله عنه، والفاحش: الكثير الغالب والكثير عكس القليل.
يقول أبو الفرج البغدادي: الكثير: الغزير، والقليل: اليسير الزهيد. (٤)
وفي القاموس: الكثرة: نقيض القلة، ومعظم الشيء.
وفي مفردات القرآن: الكثرة والقلة يستعملان في الكمية المنفصلة كالأعداد. (٥)
يقول الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
ويقول الأزهري: الكثرة: نماء العدد. يقول الله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] التفاخر بكثرة العدد والمال. (٦)
وعليه لا شك أن أقصى ضابط للقلة والكثرة النصف (٥٠?) فما هو أكثر من النصف كثير، وأقل من النصف قليل، وكثير من الفقهاء اعتبر استثناء الكثير كالاستثناء المستغرق المغلي وهو استثناء الكل، كقول المقر: له علي عشرة دراهم إلا عشرة يلغي الاستثناء ويثبت على المقر عشرة دراهم، ويلزمه القاضي بها؛ لأن المستثنى مستغرق (شامل) للمستثنى منه. وكذلك استثناء الكثير في قوله: له علي عشرة إلا سبعة فيلغو الاستثناء ويثبت المستثنى منه ويلزمه القاضي بالعشرة أيضًا.
يقول القرافي: إن الاستثناء إنما وضعته العرب لإخراج ما عساه يذهل عنه المتكلم فيحتاج إلى إخراجه بعد اندراجه في اللفظ. ويعذر في القليل؛ لأن مثله يجوز الذهول عنه أما أن ينطق بما نصفه باطل (كقوله عشرة إلا خمسة) فهذا يعد مشتغلًا بالهذيان (٧)
стр. 14855
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] ، ﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] . وهكذا جاء في القرآن الكريم آيات كثيرة فيها استثناء القليل وإبقاء الكثير.
فالأصل في الاستثناء إخراج القليل من حكم الكثير، وأما العكس أي: إخراج الكثير وإبقاء القليل في الحكم فقد عده كثير من أهل اللغة والفقه في حكم الاستثناء المستغرق الملغى كما تقدم.
وهذه بعض الفتاوى الفقهية في عدم اعتبار استثناء الأكثر: يقول الفقيه تقي الدين الفتوحي الحنبلي الشهير بابن النجار في كتابه منتهى الإرادات في باب الاستثناء: "ويصح في نصف فأقل من مطلقات وطلقات". (١)
أي إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثًا إلا واحد. تقع طلقتان؛ لأنه استثنى أقل من النصف. وإن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين يقع ثلاثا، فيلغو الاستثناء ويبقى المستثنى منه كقوله: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثًا. هذا هو الاستثناء المستغرق الملغى فيقع ثلاث طلقات. هذا الاستثناء في الطلقات.
والاستثناء في عدد الزوجات المطلقات كذلك، فلو كان عند الزوج أربع نساء وقال: نسائي طوالق إلا واحدة، يقع الطلاق على ثلاث من زوجاته ويبقى له واحدة، وعليه بيان اسمها، وإذا قال: نسائي طوالق إلا ثنتين يقع الطلاق على زوجتين، ويبقى زوجتان في عصمته وعليه بيان اسمهما. أما إذا قال: نسائي طوالق إلا ثلاثا طلقن جميعا لأنه استثنى أكثر من النصف، كقوله: نسائي طوالق إلا أربعًا، طلقن جميعًا وهذا هو الاستثناء الملغى.
ويقول القرافي في كتاب الاستغناء "وقال الزيدي في شرح الجزولية مذهب البصريين: لا بد أن يكون المستثنى أقل مما بقي، وقال الكوفيون وبعض البصريين يجوز النصف، وأكثر الكوفيين وكثير من الفقهاء لا يجيزون الأكثر، وقد حكى أبو يعلى الحنبلي أن مذهب أحمد لا يصحح استثناء الأكثر، وحكاه الخرقي في كتاب الإقرار ونقله المازري عن عبد الملك بن الماجشون من المالكية" (٢)
وعند الحنفية اعتبروا أن ترك القليل من عدد أشواط طواف الزيارة (الإفاضة) لا يلغي هذا الركن عن الحاج وإنما يجبر النقص بدم ويتم حجه. يقول الميداني في اللباب شرح الكتاب (للقدوري) : ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها، ولم يطف بعده غيره، فعليه شاة؛ لأن النقصان بترك الأقل يسير، وإن ترك أربعة أشواط بقي محرمًا أبدًا في حق النساء حتى يطوفها. (٣)
стр. 14856
ومثله في الاعتبار للعدد الأكثر في السعي بين الصفا والمروة، وعدد الحصيات في رمي الجمار.
ثم إن الفقهاء يفرقون بين الغبن (النقص والخداع) اليسير والغبن الفاحش الكثير.
ويثبت بعضهم خيار الفسخ في البيع للغبن كالحنابلة، جاء في المغني "يثبت الخيار في البيع للغبن في مواضع أحدها: تلقي الركبان إذا تلقاهم فاشترى منهم وباعهم وغبنهم.
الثاني: بيع النجش،
الثالث: المسترسل إذا غبن غبنًا يخرج عن العادة فله الخيار بين الفسخ والإمضاء وبهذا قال مالك ... ولا تحديد للغبن في المنصوص عن أحمد، وحدد أبو بكر في التنبيه وابن أبي موسى في الإرشاد في الثلث، وهو قول مالك؛ لأن الثلث كثير بدليل قول النبي ﷺ ((الثلث والثلث كثير)) (في الوصية) . وقيل بالسدس، وقيل بما لا يتغابن به الناس في العادة؛ لأن ما لا يرد الشرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف. (١)
كما أن بعض الفقهاء ومنهم الحنابلة يعتبرون دية المرأة نصف دية الرجل، وكذلك في دية الأعضاء ومنافعها إلا إذا كانت الدية أقل من الثلث فتجب لها الدية كاملة.
يقول ابن النجار: "دية الحر المسلم مائة بعير ... ودية أنثى بصفته نصف ديته ويستويان في موجب دون ثلث الدية". (٢)
ويورد الدكتور الزحيلي عن الحنابلة (٣) "يؤثر الغبن الفاحش في العقد فيجعله غير لازم سواء كان بتغرير أم بغير تغرير ويعطى للمغبون حق فسخ العقد في حالات ثلاث:
أ- تلقي الركبان: وهو أن يتلقى شخص طائفة من الناس يحملون متاعًا إلى بلد فيشتريه منهم قبل قدومهم البلد ومعرفتهم بالسعر وهو حرام ومعصية ويثبت لهم حق الفسخ إذا غبنوا غبنًا فاحشًا لقوله ﷺ ((لا تلقوا الركبان)) (٤) وهذا رأي الشافعية لثبوت الخيار فيه بنص الحديث (٥)
стр. 14857
ب- النجش: وهو زيادة في سعر السلعة المعروضة للبيع لا لرغبة في شرائها بل ليخدع غيره فيثبت الخيار للمشتري إذا لم يعلم بأن الذي يزيد لا يريد الشراء.
ج- المسترسل: وهو الشخص الجاهل بقيمة الأشياء ولا يحسن المساومة والفصال، ويشتري مطمئنًا إلى أمانة البائع ثم يتبين أنه غبن غبنًا فاحشًا فيثبت له الخيار بفسخ البيع". (١)
وعليه؛ الغبن نوعان: يسير وفاحش. والغبن اليسير: ما يدخل تحت تقويم المقومين، والغبن الفاحش: ما لا يدخل تحت تقويم المقومين.
وقدر نصر بن يحيى الغبن الفاحش بنصف العشر في العروض أي ٥? التجارية، والعشر في الحيوانات، والخمس في العقار أو زيادة.
وبعد هذا الاستعراض لبعض أقوال العلماء لمعنى الكساد والتغير الفاحش الكثير لقيمة العملة، وأقصى بيان للمراد من الكثير أنه ما زاد على النصف. فإني أرى أن هبوط قيمة العملة الورقية إلى ما دون النصف ملحق بحكم كسادها، يوجب القيمة للحقوق وقت العقد، وإن تجاهل التدهور النقدي الفاحش فيه ظلم لأصحاب الحقوق، فالقرض صدقة باستخدام المال لزمن معين، وليس صدقة بأكثر المال.
وممكن أن تقوم هذه الحقوق الثابتة في هذه الحال بكمية من الورق النقدي بما يعادلها من الذهب وقت ثبوتها.
جاء في المعيار المعرب: "ما الحكم فيمن أقرض غيره مالًا من سكة ألغي التعامل بها؟ ... أفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب ... وكان أبو محمد بن دحون يفتي بالقيمة يوم القرض، ويقول: إنما أعطاها على العوض فله العوض" (٢)
ويقول الرهوني من علماء المالكية: "إذا أبطلت تلك العملة واستبدلت بغيرها فيرجع إلى قيمة العملة الملغاة من الذهب ويأخذ صاحب القيمة ذهبًا" (٣)
ويقول ابن النجار في كتابه منتهى الإرادات وشرحه للبهوتي في باب القرض: "ما لم يكن القرض فلوسًا أو دراهم مكسرة فيحرمها السلطان أي يمنع التعامل بها، ولو لم يتفق الناس على ترك التعامل بها، فإن كان كذلك فله أي المقرض قيمته أي القرض المذكور وقت قرض نصًّا؛ لأنها تعيبت، وسواء نقصت قيمتها قليلًا أو كثيرًا، وتكون القيمة من غير جنسه أي القرض، إن جرى فيه أي أخذ القيمة من جنسه ربا فضل بأن اقترض دراهم مكسرة وحرمت، وقيمتها يوم القرض أنقص من وزنها فإنه يعطيه بقيمتها ذهبًا" (٤)
وبالقيمة من الذهب يقول أبو يوسف: "وعليه قيمتها من الذهب يوم وقع القرض" (٥)
يقول الدكتور رفيق المصري: " ... إن قرض هذه النقود الورقية ولا سيما في بعض البلدان التي تتدهور فيها قيمة النقود تدهورًا مخيفًا لا بد من اتخاذ إجراءات لحمايته والمحافظة على استمراريته، أما ما ذهب إليه بعض العلماء من تجاهل هذه الحقيقة فهذا يعني ضمنًا أنهم موافقون على الظلم الذي يلحق بالمقرض أو أنهم غير مبالين بالقرض منح أو منع، أو أنهم متجاهلون للخلل الكبير الذي أصاب تلك النقود في أدائها لوظيفة الدفع المؤجل، فكيف يقال: إن هذه النقود الورقية تقوم مقام النقدين في كل شيء؟ هل تقوم مقامها في وظيفة الدفع المؤجل. (٦)
стр. 14858
آثار كساد النقود الورقية وما يلحق به في تعيين قيمة
الحقوق والالتزامات الآجلة والأدلة الشرعية
بعد أن عرفنا أن المراد من الكساد في الأصل ترك التعامل بالعملة الورقية في جميع البلاد، وأن التغير الفاحش في انخفاض قيمة العملة ألحقه بعض العلماء في الكساد، وضبطنا ذلك أنه إذا انخفضت العملة الورقية إلى أقل من نصف ما كانت عليه وقت ثبوت الحق أو الالتزام الآجل، وبينت أدلة اختياري لهذا المستوى من الانخفاض في الإلحاق بالعملة الكاسدة.
وبعد أن بينت أن بعض العلماء كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة والرهوني من المالكية أفتى بثبوت قيمة العملة المتغيرة وقت العقد. وأفتى بعض علماء المالكية والحنابلة والحنفية بالقيمة يوم القرض بالذهب؛ وبعد هذا أسوق بعض الأدلة الشرعية على الحكم بثبوت القيمة يوم العقد أو وقت ثبوت الحق للحقوق والالتزامات الآجلة إذا كان التغير أو الانخفاض كثيرًا أو فاحشًا إلى أقل من نصف قيمتها وقت ثبوت الحق مقارنة بالذهب، هذه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال بعض علماء هذه الأمة.
أ- من الكتاب:
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وصاحب الحق سواء أكان دائنًا أو مقرضًا أو أجيرًا (موظفًا) قائما بعمله أو متقاعدًا أو ملتزما بمقاولة إنشائية أو غيرها كعقد توريد (طعام مثلًا للمدارس أو المستشفيات) مقابل حق آجل؛ حينما يستلم أقل من نصف حقه وقت ثبوته بسبب الغلاء أما يكون الطرف الثاني قد أكل حقه بالباطل (حرام) ؟
إذا كانت هذه الآية في أول مرادها حرمت على المرء أن يأكل مال نفسه بالباطل وذلك إذا أنفق المال على وجه البطر والإسراف؛ لأن هذا من الباطل الحرام وليس من الحق، فمن باب أولى يحرم التعدي على حق غيره وأكله بالباطل ولو بثبوت العقد! يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي يرحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية في تفسيره: ولا تأخذوا أموالكم أي أموال غيركم إضافة إليهم؛ لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويحترم ماله، كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره، يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة، ولما كان أكلها نوعين: نوعًا بحق ونوعًا بباطل، وكان المحرم إنما أكلها بالباطل قيده الله تعالى بذلك". (١) وكذلك في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وتفسير العلماء للفاحشة بمجاوزة الحد وقدره وكل أمر لا يكون موافقًا للحق فهو فاحشة (٢) واستلام صاحب الحق أقل من نصف حقه لا شك فيه مجاوزة للحق. ونقلنا أن صاحب القاموس المحيط يقول عن الفاحش: الكثير الغالب وتدهور قيمة العملة إلى أقل من نصف قيمتها سابقًا وقت ثبوت الحق لا شك أنه كثير غالب وأنه ظلم؛ والظلم يزال.
стр. 14859
ب- من السنة:
١- عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى أن: ((لا ضرر ولا ضرار)) ، (١) وعن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) (٢) وفي رواية الحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه)) قال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الشوكاني عنه: إنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات. (٣) وضرر صاحب الحق الآجل بفوات أكثر حقه واضح، وهو حرام، والضرر يزال، وإزالة الضرر بتقويم الحق وقت ثبوته بنقد يقل التحكم والتأثير فيه نسبيًّا ألا وهو الذهب أمام العملات الورقية.
٢- عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ ((وضع الجوائح)) قال الخطابي: قال مالك: يوضع في الثلث فصاعدًا ولا يوضع فيما أقل من الثلث (٤) ويقول أبو البركات أحمد بن محمد الدردير من علماء المالكية في تعريف الجائحة: كل شيء لا يستطاع دفعه عادة من أمر سماوي كبرد وثلج وغبار وسموم – أي ريح حار- وجارد وفأر ونار ونحو ذلك أو جيش ... " (٥) ويقول ابن تيمية: فالجائحة هي: الآفة السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك (٦) فالجائحة كل ما لا يستطاع دفعه ولا تضمين أحد فيه إذا أتلف أو أنقص أحد العوضين قبل قبضه (٧) ويقول ابن تيمية: وضع الجوائح في المبايعات والضمانات والمؤجرات مما تمس الحاجة إليه، وذلك داخل في قاعدة المقصود والمعقود عليه قبل التمكن من قبضه. (٨)
стр. 14860
٣- روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حق)) ؟ (١)
وبهذا تبدو لنا حكمة وضع النبي ﷺ الجوائح فإنها تمنع المنازعات بين الناس وتزيل الأحقاد من قلوبهم، وتدرأ عنهم المفاسد وتجلب المصالح، ولو لم توضع لوقع الناس في حرج في معاملاتهم. وإني أرى التضخم النقدي الخطير من هذه الجوائح كالبرد والصواعق والزلازل والبراكين التي هي ليست بسبب من صاحب العقد ولا يمكن دفعها.
هذا وقد اعتبر مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي أن التضخم من الجوائح وتعويض المتضرر بتغير الأسعار وسماها الظروف الطارئة في دورته الخامسة من ٨-١٦ ربيع الآخر عام ١٤٠٢هـ وأنقل نص القرار بكماله لما فيه من الأدلة التي تنفي شبهة الربا، وتثبت إنصاف صاحب الحق الآجل المتضرر بسبب التدهور النقدي.
стр. 14861
القرار السابع بشأن الظروف الطارئة
وتأثيرها في الحقوق والالتزامات العقدية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
أما بعد،
فقد عرض على مجلس مجمع الفقه الإسلامي مشكلة ما قد يطرأ بعد إبرام عقود التعهد ونحوها من العقود ذات التنفيذ المتراخي في مختلف الموضوعات من تبدل مفاجئ في الظروف والأحوال ذات التأثير الكبير في ميزان التعادل الذي بنى عليه الطرفان المتعاقدان حساباتهما فيما يعطيه العقد كلًّا منهما من حقوق، وما يحمله إياه من التزامات مما يسمى اليوم في العرف التعاملي بالظروف الطارئة.
وقد عرضت مع المشكلة أمثلة لها من واقع أحوال التعامل وأشكاله توجب التفكير في حل فقهي مناسب عادل يقضي على المشكلة في تلك الأمثلة ونظائرها كثيرة.
فمن صور هذه المشكلة الأمثلة التالية:
١- لو أن عقد مقاولة على إنشاء بناية كبيرة يحتاج إنشاؤها إلى مدة طويلة تم بين طرفين، وحدد فيه سعر المتر المكعب من البناء وكسوته بمبلغ مائة دينار مثلًا، وكانت كلفة المواد الأولية من حديد وأسمنت وأخشاب وسواها وأجور عمال تبلغ عند العقد للمتر الواحد ثمانين دينارًا فوقعت حرب غير متوقعة، أو حادث آخر خلال التنفيذ قطعت الاتصالات والاستيراد وارتفعت بها الأسعار ارتفاعًا كبيرًا يجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا جدًّا.
٢- لو أن متعهدًا في عقد توريد أرزاق عينية يوميًّا من لحم وجبن ولبن وبيض وخضروات وفواكه ونحوها إلى مستشفى أو إلى جامعة فيها أقسام داخلية، أوالى دار ضيافة حكومية، بأسعار اتفق عليها في كل صنف لمدى عام، فحدثت جائحة في البلاد أو طوفان أو فيضان أو زلزال، أو جاء جراد جرد المحاصيل الزراعية، فارتفعت الأسعار إلى أضعاف كثيرة عما كانت عليه عند عقد التوريد، إلى غير ذلك من الأمثلة المتصورة في هذا المجال.
فما الحكم الشرعي الذي يوجبه فقه الشريعة في مثل هذه الأحوال التي أصبحت كثيرة الوقوع في العصر الحاضر الذي تميز بالعقود الضخمة بقيمة الملايين، كالتعهد مع الحكومات في شق الطرق الكبيرة، وفتح الأنفاق في الجبال، وإنشاء الجسور العظيمة، والمجمعات لدوائر الحكومة أو للسكنى، والمستشفيات العظيمة أو الجامعات، وكذا المقاولات التي تعقد مع مؤسسات أو شركات كبرى لبناء مصانع ضخمة، ونحو ذلك مما لم يكن له وجود في الماضي البعيد. فهل يبقى المتعاقد الملتزم على حدود عقده وأسعاره قبل تبدل الظروف وطروء التغييرات الكبيرة المشار إليها مهما تكبد في ذلك من خسائر ماحقة أو ساحقة؟ تمسكًا بمقتضى العقد وحدوده في الأسعار والكميات؟ أو له مخرج وعلاج من فقه الشريعة الحكيمة السمحة العادلة، يعيد كفتي الميزان إلى التعادل ويحقق الإنصاف بقدر الإمكان بين الطرفين؟
стр. 14862
وقد نظر مجلس المجمع في النظائر الفقهية ذات الصلة بهذا الموضوع من فقه المذاهب واستعرض قواعد الشريعة ذات العلاقة مما يستأنس به ويمكن أن يوصى بالحكم القياسي والاجتهاد الواجب فقهًا في هذا الشأن كما رجع إلى آراء فقهاء المذاهب فوجد ما يلي:
١- إن الإجارة يجوز للمستأجر فسخها بالطوارئ العامة التي يتعذر فيها استيفاء المنفعة كالحرب والطوفان ونحو ذلك، بل الحنفية يسوغون فسخ الإجارة أيضًا بالأعذار الخاصة بالمستأجر مما يدل على جواز فسخها بالطوارئ العامة مقبول لديهم أيضًا بطريق الأولوية فيمكن القول: إنه محل اتفاق، وذكر ابن رشد في بداية المجتهد (ج ٢ ص/١٩٢ من طبعة الخانجي الأولى بالمطبعة الجمالية في مصر) تحت عنوان: (أحكام الطوارئ) أنه: (عند مالك أن أرض المطر (أي البعلية التي تشرب من ماء السماء فقط) إذا كريت فمنع القحط من زراعتها، أو إذا زرعها المكتري فلم ينبت الزرع لمكان القحط (أي بسببه) أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة فلم يتمكن المكتري من زرعها) انتهى كلام ابن رشد.
٢- وذكر ابن قدامة المقدسي في كتاب الإجارة من المغني (المطبوع مع الشرح الكبير ج ٦ ص/٣٠) أنه: (إذا حدث خوف عام يمنع ذلك المكان الذي فيه العين المستأجرة، أو تحصر البلد فامتنع الخروج إلى العين المستأجرة لزرع أو نحو ذك، فهذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ لأنه أمر غالب يمنع المستأجر من استيفاء المنفعة، فأما إذا كان الخوف خاصًّا بالمستأجر مثل أن يخاف وحده لقرب أعدائه ... لم يملك الفسخ، لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية فأشبه مرضه.
٣- وقد نص الإمام النووي ﵀ في روضة الطالبين (ج ٥ ص/٢٣٩) أنه لا تنفسخ الإجارة بالأعذار سواء كانت إجارة عين أو ذمة، وذلك كما إذا استأجر دابة للسفر عليها فمرض، أو حانوتًا لحرفة فندم، أو هلكت آلات تلك الحرفة، أو استأجر حمامًا فتعذر الوقود. قال النووي: وكذا لو كان العذر للمؤجر بأن مرض وعجز عن الخروج مع الدابة، أو أكرى داره وكان أهله مسافرين فعادوا واحتاج إلى الدار أو تأهل قال: فلا فسخ في شيء من ذلك إذ لا خلل في المعقود عليه.
٤- ما يذكره العلماء ﵏ في الجوائح تجتاح الثمار المبيعة على الأشجار بالأسباب العامة كالبرد والجراد وشدة الحر والأمطار والرياح ونحو ذلك، مما هو عام حيث يقرون سقوط ما يقابل الهالك بالجوائح من الثمن وهي قضية الجوائح المشهورة في السنة والفقه.
стр. 14863
٥- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مختصر الفتاوى ص/٣٧٦ أن من استأجر ما تكون منفعة إدارته لعامة الناس، مثل الحمام والفندق والقياسية، فنقصت المنفعة المعروفة لقلة الزبون أو لخوف أو حرب أو تحول سلطان ونحوه فإنه يحط عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة.
٦- وقال ابن قدامة أيضًا في الصفحة ٢٩ من الجزء السابق الذكر نفسه (لو استأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها إلى مكان معين، فانقطعت الطريق إليه لخوف حادث أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق فلكل واحد منهما فسخ الإجارة وإن أحب إبقاءها إلى حين إمكان الاستيفاء جاز) . وقال الكاساني من فقهاء الحنفية في الإجارة من كتاب بدائع الصنائع (ج ٤ ص/١٩٧) : (إن الفسخ في الحقيقة امتناع من التزام الضرر، وأن انكسار الفسخ عند تحقق العذر خروج عن العقد والشرع، لأنه يقتضي أن من اشتكى ضرسه، فاستأجر رجلًا لقلعها، فسكن الوجع يجبر على القلع وهذا قبيح عقلًا وشرعًا) .
هذا وقد ذكر فقهاء المذاهب في حكم الأعذار الطارئة في المزارعة والمساقاة والمغارسة شبيه ما ذكروا في الإجارة.
٧- قضى رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده وقرر كثير من فقهاء المذاهب في الجوائح التي تجتاح الثمار ببرد أو صقيع، أو جراد، أو دودة، ونحو ذلك من الآفات، أنها تسقط من ثمن الثمار التي بيعت على أشجارها ما يعادل قيمة ما أتلفته الجائحة وإن عمت الثمر كله تسقط الثمن كله.
٨- قال رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه ((لا ضرر ولا ضرار)) وقد اتخذ فقهاء المذاهب من قوله هذا قاعدة فقهية اعتبروها من دعائم الفقه الأساسية، وفرعوا عليها أحكامًا لا تحصى في دفع الضرر وإزالته في مختلف الأبواب.
ومما لا شك فيه أن العقد الذي عقد وفقًا لنظامه الشرعي يكون ملزمًا لعاقديه قضاءً عملًا بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] .
ولكن قوة العقد الملزمة ليست أقوى من النص الشرعي الملزم للمخاطبين به كافة، وقد وجد المجمع في مقاييس التكاليف الشرعية، ومعايير حكمة التشريع، أن المشقة لا ينفك عنها التكليف عادة بحسب طبيعته، كمشقة القيام في الصلاة، ومشقة الجوع والعطش في الصيام، لا تسقط التكليف ولا توجب فيه التخفيف، ولكنها إذا جاوزت الحدود الطبيعية للمشقة المعتادة في كل تكليف بحسبه، أسقطته أو خففته، كمشقة المريض في قيامه للصلاة ومشقته في الصيام، وكمشقة الأعمى والأعرج في الجهاد، فإن المشقة المرهقة عندئذ بالسبب الطارئ الاستثنائي، توجب تدبيرًا استثنائيًّا يدفع الحد المرهق منه، وقد نص على ذلك وأسهب في بيانه، وأتى عليه بكثير من الأمثلة في أحكام الشريعة الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في كتابه (لموافقات في أصول الشريعة) .
стр. 14864
فيتضح من ذلك أن الخسارة المعتادة في تقلبات التجارة لا تأثير لها في العقود لأنها من طبيعة التجارة، وتقلباتها التي لا تنفك عنها ولكنها إذا جاوزت المعتاد المألوف كثيرًا بمثل تلك الأسباب الطارئة الآنفة الذكر توجب عندئذ تدبيرًا استثنائيًّا.
ويقول ابن القيم – ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) : "إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالعدل الذي قامت به السماوات والأرض وكل أمر خرج من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى عكسها فليس من شرع الله في شيء، وحيثما ظهرت دلائل العدل وسفر وجهه فثم شرع الله وأمره" وقصر العاقدين إنما تكشف عنه وتحدده ظروف العقد وهذا القصر لا يمكن تجاهله والأخذ بحرفية هذا العقد مهما كانت النتائج، فمن القواعد المقررة في فقه الشريعة، أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
ولا يخفى أن طريق التدخل في مثل تلك الأحوال المعروضة آنفًا في العقود المتراخية التنفيذ لأجل إيجاد الحل العادل الذي يزيل الجور إنما هو من اختصاص القضاء، ففي ضوء هذه القواعد والنصوص المعروضة التي تنير طريق الحل الفقهي السديد في هذه القضية المستجدة الأهمية يقرر الفقه الإسلامي ما يلي:
أ- في العقود المتراخية التنفيذ (كعقود التوريد والتعهدات والمقاولات) إذا تبدلت الظروف التي تم فيها التعاقد تبدلًا غير الأوضاع والتكاليف والأسعار تغييرًا كبيرًا بأسباب طارئة عما لم تكن متوقعة حين التعاقد فأصبح بها تنفيذ الالتزام العقدي يلحق بالملتزم خسائر جسيمة غير معتادة من تقلبات الأسعار في طرق التجارة، ولم يكن ذلك نتيجة تقصير أو إهمال من الملتزم في تنفيذ التزاماته، فإنه يحق للقاضي في هذه الحال عند التنازع وبناء على الطلب، تعديل الحقوق والالتزامات العقدية، بصورة توزع القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه إذا رأى فسخه أصلح وأسهل في القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له صاحب الحق في التنفيذ يجبر له جانبًا معقولًا من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد بحيث يتحقق عدل بينهما دون إرهاق للملتزم، ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعًا أهل الخبرة الثقات.
ب- ويحق للقاضي أيضًا أن يمهل الملتزم إذا وجد أن السبب الطارئ قابل للزوال في وقت قصير، ولا يتضرر الملتزم له كثيرًا بهذا الإمهال.
هذا وإن مجلس المجمع الفقهي يرى في هذا الحل المستمد من أصول الشريعة تحقيقًا للعدل الواجب بين طرفي العقد، ومنعًا للضرر المرهق لأحد العاقدين بسبب لا يد له فيه، وإن هذا الحل أشبه بالفقه الشرعي الحكيم، وأقرب إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة وعدلها، والله ولي التوفيق، (١) وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
وهكذا يقرر هذا المجمع الموقر مبدأ التعويض للمتضرر صاحب الحق الآجل بسبب الجوائح، وإن تدهور قيمة الورق النقدي إلى ما دون منصف قيمته وقت العقد، ليس هذا من تقصير صاحب الحق حتى يتحمل الخسارة، إنما هو من الجوائح أو الظروف الطارئة القاهرة، فالعدل يقتضي أن يستوفى من الطرف الآخر للعقد الرابح من انخفاض العملة وارتفاع الأسعار ما يعادل الحق الثابت وقت العقد، هذا إذا كان تدهور قيمة العملة كثيرًا فاحشًا كما سبق ضبطه بالنصف؛ وإلا فلا، لأن التجارات لا تخلو من مخاطرات وما دون النصف يسير.
стр. 14865
وفي مثل هذا الاتجاه يقول الدكتور نزيه حماد معللًا لتحقيق العدل في المعاملات المالية لإيجاد أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار من رأي الجمهور الذاهبين أن الواجب على المدين أداؤه إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت في الذمة دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين:
(أحدهما) : أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، والله يأمر بالقسط.
(والثاني) : أن فيه رفعًا للضرر عن كل من الدائن والمدين فلو أقرضه مالًا فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول المثل عددًا تضرر الدائن لأن المال الذي تقرر ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيبًا بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة (حيث إن عيب العين المعينة، هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها) ولو أقرضه مالًا فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عددًا تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ.. والقاعدة الشرعية الكلية أنه لا ضرر ولا ضرار.
إن الرأي الذي استظهره الرهوني من المالكية بلزوم المثل عند تغير النقد بزيادة أو نقص إذا كان ذلك التغير يسيرًا، ووجوب القيمة إذا كان التغير فاحشًا أولى في نظري من رأي أبي يوسف المفتى به عند الحنفية بوجوب القيمة مطلقًا وذلك لاعتبارين:
أحدهما: أن التغير اليسير مغتفر قياسًا على الغبن اليسير والضرر اليسير المغتفرين شرعًا في عقود المعاوضات المالية، من أجل رفع الحرج عن الناس، نظرًا لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، ولغرض تحقيق أصل تشريعي مهم، وهو استقرار التعامل بين الناس بخلاف الغبن الفاحش. والغرر الفاحش فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات.
والثاني: أن التغير اليسير مغتفر تفريعًا على القاعدة الفقهية الكلية (أن ما قارب الشيء يعطى حكمه) بخلاف التغير الفاحش، فإن الضرر فيه بين والجور فيه محقق. (١)
стр. 14866
خاتمة وخلاصة للبحث
١- رأينا أن النقود الورقية ائتمانية اعتبارية وقيمتها اصطلاحية اسمية وليست ثمنيتها ذاتية بالخلقة كالذهب والفضة (النقدين) .
٢- أنها تقوم بوظائف النقدين تمامًا في وساطة التبادل وتقويم الأموال.
٣- فتاوى السلف والخلف على أنها أثمان تجب الزكاة فيها ويجري فيها الربا.
٤- أنها قابلة لتدهور القيمة أكثر من الذهب والفضة، وأن كثيرا من الدول تعاني من مشاكل التضخم النقدي وانخفاض قيمة عملتها، وظهور النزاع بين الناس.
٥- بينت المراد من كساد العملة الورقية أي انعدام أو إلغاء القيمة المالية لها، وإن انخفاض القيمة لها لأقل من نصف قيمتها وقت ثبوت الأجل (التدهور الفاحش) في معنى الكساد، وسقت الأدلة الشرعية على ذلك.
٦- وأنه في حالة الكساد والتدهور الفاحش تجب قيمة الحق الآجل وقت ثبوته بالذهب والأدلة على ذلك.
٧- وهذا لا علاقة له بالربا لأن الربا زيادة مشروطة وقت ثبوت الحق واعتبار قيمة النقد المنخفض لأقل من نصفه غير مشروط بل له علاقة بالضمان.
يقول الدكتور المصري: "وتغير قيمة النقود الورقية تغيرًا كبيرًا يعتبر من العيوب الموجبة للضمان، والضمان غير الربا، فهو متعلق بما يثبت في ذمة المدين بنقود ورقية، هل القيمة الاسمية (العدد) أو القيمة الحقيقة (القوة الشرائية لنقود أو سلع معينة والنقود يرد مثلها في القرض ولكن هل المثل مثل الصورة أم مثل المعنى؟) ". (١)
وبالختام:
أرى قبل الفصل بين المتنازعين في التعويض عن ضرر صاحب الحق الآجل أن يصطلحا لأن الله تعالى يقول ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١١٤] ، والرد إلى الصلح رد إلى الخير، ويقول عمر بن الخطاب ﵁: "ردوا الخصوم كي يصطلحوا فإن فصل الخصومة بالقضاء يورث الضغائن" (٢) فالصلح يحصل به مقصود رفع الضرر مع التراضي من غير ضغينة. والله أسأل أن يرفع كل الجوائح ما ظهر منها وما بطن عن أمة نبيه وحبيبه سيدنا محمد ﷺ ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب.
الدكتور ناجي بن محمد شفيق عجم
стр. 14867
أهم مراجع البحث:
١- مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني.
٢- تيسير الكريم الرحمن من تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
٣- سنن ابن ماجه، محمد فؤاد عبد الباقي.
٤- سنن أبي داود ومعه كتاب معالم السنن للخطابي.
٥- نيل الأوطار للشوكاني.
٦- صحيح مسلم تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
٧- موسوعة فقه عمر بن الخطاب د. محمد روس قلعجي.
٨- تنبيه الرقود على مسائل النقود (ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين) .
٩- حاشية الرد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين.
١٠- منتهى الإرادات لابن النجار.
١١- اللباب شرح الكتاب عبد الغني الميداني.
١٢- المغني لابن قدامة المقدسي.
١٣- الفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي.
١٤- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني.
١٥- المعيار المعرب لأحمد بن يحيى الونشريسي.
١٦- الشرح الصغير على أقرب المسالك للإمام مالك، أحمد الدردير.
١٧- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
١٨- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية.
١٩- تهذيب اللغة للأزهري.
٢٠- القاموس المحيط للفيروز أبادي.
٢١- جواهر الألفاظ لأبي الفرج البغدادي.
٢٢- الاستغناء في أحكام الاستثناء لشهاب الدين القرافي.
٢٣- الإسلام والنقود د. رفيق المصري.
٢٤- دراسات في أصول المداينات د. نزيه حماد.
٢٥- الجوائح وأحكامها د. سليمان الثنيان.
стр. 14868
مفهوم كساد النقود الورقية
وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة
حدود التضخم
التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة
إعداد
الشيخ محمد المختار السلامي
مفتي الجمهورية التونسية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
طلب مني سماحة الأمين العام للمجمع أن أتناول بالبحث: مفهوم كساد النقود الورقية في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة، وحدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة.
إن هذا الموضوع قد نظر فيه مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة، وقدم فيه تسعة من الباحثين الجلة دراسات قيمة بلغت في المجلة مع ما تبعها من مناقشة وقرار خمس عشرة وثلاثمائة صفحة، ثم عرض الموضوع في الدورة الخامسة وقدم فيه اثنا عشر بحثًا موسعة موثقة، دونت مع المناقشة والقرار في خمسين وستمائة صفحة من المجلة.
ورغم الجهد المبذول، جزى الله كل من أسهم فيه عن عمله وحسن قصده الجزاء الأوفى رغم ذلك فإن المسألة ما تزال مطروحة، وما زال الاقتناع العام بقرارات المجمع لم ينفذ نفاذ القبول العام.
وقد عدت للبحوث والمناقشات، وتأملت في البحوث وعشت من جديد جو المناقشات وانتهيت إلى مزيد تقدير للعلماء الجلة الذين قاموا بالدراسات المعمقة.
وأردت في كلمتي هذه أولًا أن أقصر بحثي على مذهب الإمام مالك، لأن العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهم أدرى مني بمذاهب أئمتهم وكتبهم قد توسعوا ما شاء لهم التوسع، واستخرجوا من بطون كتبهم ما لا أستطيع أن أزيد عليه.
ثم ثانيًا: أن أخلص من تتبع مذهب مالك عبر العصور إلى عرض تغير قيمة العملة الورقية في العصر الحاضر وما يترجح عندي بعد ذلك.
فهذا هو البحث الذي أقدمه والله أسأل أن يعصمني وإياكم من الزلل والخطأ، في تقرير الحكم الذي يرضيه، وكلكم راد ومردود عليه إلا من عصمه الله، فجعله مبلغ وحيه ومقرر شرعه، ﷺ كما قال مالك.
стр. 14869
المذهب المالكي:
الرأي الأول: أن الدين يقضى بمثل ما وجب به تغيرت السِكة أو لم تتغير انقطعت أو لم تنقطع، جاء في المدونة في باب الرهن:
قلت أرأيت إن أسلفت رجلًا فلوسًا، وأخذت بها رهنًا ففسدت الفلوس قال: قال مالك: ليس لك إلا فلوس مثل فلوسك، فإذا جاء بها أخذ رهنه لأن مالكًا قال: من أسلف فلوسًا أو اشترى بفلوس إلى أجل فإنما له نقد الفلوس يوم اشترى ولا يلتفت إلى فسادها ولا إلى غير ذلك.
قلت أرأيت إن أتيت إلى رجل فقلت: أسلفني درهم فلوس ففعل، والفلوس يومئذ مائة فلس بدرهم، ثم حالت الفلوس ورخصت حتى صارت مائتا فلس بدرهم؟ قال: إنما يرد ما أخذ ولا يلتفت إلى الزيادة، قال: قال مالك: والشرط باطل وإنما عليه مثل ما أخذ (١) .
هذا النص من المدونة وقع فيه تدقيق بصورتين:
١- التصوير الأول: الذي صور به سحنون سؤاله، دقق فيه: إذ أضاف إلى عدد الفلوس أن الدائن ضبطها بالرهن، لأن شأن الرهن أن تكون قيمته قريبة من قيمة الدين، فكأن المقرض أو البائع يشعر بأن يرغب في التحصيل على قيمة ما أقرضه أو ما باع به لا دونه، فكان الجواب واضحًا = من أسلف فلوسًا أو اشترى بفلوس إلى أجل فإنما له نقد الفلوس يوم اشترى، ولا يلتفت إلى فسادها.
٢- أما التصوير الثاني: فإن التدقيق جاء من أن الآخذ " المدين " طلب من الدائن درهم فلوس، فالمدين هنا هو الذي يرى منه أنه يرغب في الاحتفاظ بالموازنة بين الدرهم الفضي والفلوس، مع أنه لم يقبض إلا فلوسًا، وقد يكون غرضه إما أن يطمئن الدائن، وإما أن يتوثق لنفسه بأن يكون دينه مائة فلس صرفها درهم وإن غلت، فكان الجواب واضحًا أنه لا يرد إلا مثل ما أخذ، والشرط الذي ربط به باطل لا أثر له إذا غلت الفلوس أو رخصت، وهنا يأتي السؤال على الملحظ الذي لحظه مالك.. وعلى ماذا بنى رأيه؟ هذا ما نجد الإجابة عنه في باب السلم.
قال سحنون: ما قول مالك فيمن أسلم دراهم في فلوس؟ قال مالك: لا يصلح ذلك، قلت: وكذلك الدنانير إذا أسلمها في الفلوس؟ قال: نعم لا يصلح ذلك. قلت: وكذلك لو باع فلوسًا بدراهم إلى أجل أو بدنانير إلى أجل لم يصلح ذلك؟ قال: نعم. قلت: لم؟ قال: لأن الفلوس عين وهذا صرف (٢) .
стр. 14870
فهذا النص من المدونة يبرز رأي مالك أنه يسوي بين الفلوس والذهب والفضة في أحكام الصرف ويطلق عليها لفظ العين، والعين كما جاء في الصحاح يطلق على الدينار ويطلق على المال الناض (١) وهو مرادف للنقد، كما يؤخذ من لسان العرب (٢) فالفلوس عند مالك نوع من أنواع النقود يجري عليها أحكام النقود في باب الصرف ولا يجوز صرفها بفلوس ولا بدنانير ولا بدراهم إلا يدًا بيد.
ويزيد هذا المعنى تأكيدًا فيقول سحنون: قلت: أرأيت إن اشتريت فلوسًا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقابض؟ قال: لا يصلح هذا في قول مالك وهذا فاسد. قال لي مالك: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق (٣) .
ففي المواطن الثلاثة لا يختلف قول مالك في اعتبار الفلوس نقدًا لها أحكام الذهب والفضة.
ما هي الفلوس؟
الفلوس عند مالك كل سكة يتعامل بها الناس، وكونها في زمنه من نحاس لا تؤثر مادتها في الحكم، إذ المدار على رواجها في التعامل، يقول: ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة (٤) .
وصورة الجلود التي فرضها مالك هي صورة النقود عندنا اليوم لأن الجلد في عهد مالك كان هو المادة التي تؤدي وظيفة الورق في عصرنا، وهو يشير بهذا إلى أن المادة وإن كانت لا قيمة لها فإن برواجها كنقد تأخذ أحكام النقدين، لأنه عندما تكون من نحاس لها قيمة ذاتية لمادتها، وأما إذا كانت من قطع جلود فإنه لا قيمة لمادتها إذ لا قيمة للجلد إذا قطع قطعًا صغيرة.
انضاف إلى هذا التأكيد في مواطن مختلفة من المدونة التنصيص على أن مالكًا في هذا الرأي يتفق مع شيوخه كما جاء في المدونة: "قال الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما كرها الفلوس بالفلوس بينهما فضل أو نظرة، قالا: لأنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم، كما روى الليث عن يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر قالا: وشيوخنا كلهم أنهم كانوا يكرهون صرف الفلوس بالدنانير والدراهم إلا يدًا بيد" (٥)
وجاء في المدونة أيضًا في مسألة تسليف الحديد والصوف والكتان، قال ابن وهب: قال الليث: كتب إلى ربيعة: الصفر بالصفر عرض ما لم يضرب فلوسًا. فإذا ضرب فلوسًا فهو بيع الذهب بالذهب والفضة يجري مجراهما. فيما يحل ويحرم.
قال يونس عن ربيعة أن قال: كل تبر خلقه الله فهو بمنزلة عرض من العروض. يحل منه ما يحل من العروض ويحرم منه ما يحرم من العروض إلا تبر الذهب والورق وإذا ضربت الفلوس دخلت مع ذلك.
стр. 14871
ولما كانت المسألة واردة بمثل هذا الوضوح والتأكيد كان قول علماء المالكية في أمهات كتب المذهب أن الفلوس تأخذ حكم الذهب والفضة. وأنه إذا عمرت بها ذمة فالواجب عند الأداء نفس العدد من الفلوس، كما هو الشأن في الدراهم والدنانير لا ينظر فيها إلى حوالة الأسواق، فقد جاء في التلقين للقاضي عبد الوهاب: ومن باع بنقد أو اقترض، ثم بطل التعامل به لم يكن عليه غيره إن وجد، وإلا فقيمته إن فقد (١) فصاحب التلقين أضاف صورة لم تأت في المدونة وهي: إذا ما انقطعت السكة وعدمت فهنا يجعل القيمة هي المرجع، ولم يوضح هل المراد قيمة النقود يوم تعمير الذمة أي عند عقد البيع والسلف أو عند حلول الأجل الذي هو يوم وجوب إبراء الذمة. أو هو يوم الانقطاع للسكة. أو هما معًا؟ وذكر ابن الجلاب الفصل ٧٧١ تبديل السكة: ومن اقترض دراهم، أو دنانير، أو فلوسًا أو باع بها وهي سكة معروفة، ثم غير السلطان السكة، وأبدلها بغيرها، فإنما عليه مثل السكة التي قبضها ولزمته يوم العقد. (٢)
وجاء في فتاوى أبي الوليد ابن رشد:
وسئل ﵁ عن الدراهم والدنانير إذا قطعت السكة فيها. وأبدلت بسكة غيرها. ما الواجب في الديون والمعاملات المتقدمة وأشباه ذلك؟
فقال ﵁: المنصوص لأصحابنا ولغيرهم من أهل العلم ﵏ أنه لا يجب عليه إلا ما وقعت به المعاملة.
فقال له السائل: فإن بعض الفقهاء يقول: إنه لا يجب عليه إلا سكة متأخرة، لأن السلطان قطع تلك السكة وأبطلها فصارت كلا شيء، فقال وفقه الله: لا يلتفت إلى هذا القول، فليس بقول لأحد من أهل العلم، وهذا نقص لأحكام الإسلام، ومخالفة لكتاب الله تعالى وسنة النبي ﵇ في النهي عن أكل المال بالباطل.
ويلزم هذا القائل:
١- أن يقول: إن بيع عرض بعرض أنه لا يجوز لمتبايعيه أن يتفاسخا العقد فيه بعد ثبوته.
٢- وأن يقول: إن من كانت عليه فلوس فقطعها السلطان وأجرى الذهب والفضة فقط أن عليه أحد النوعين وتبطل عنه الفلوس.
٣- وأن يقول: إن السلطان إذا أبطل المكايل بأصغر أو أكبر، والموازين بأنقص أو أوفى وقد وقعت المعاملة بينهما بالمكيال الأول أو الميزان الأول أنه ليس للمبتاع إلا بالكيل الآخر وإن كان أصغر، وأن على البائع الدفع بالثاني وإن كان أكبر وهذا مما لا خفاء ببطلانه. (٣)
نتبين من هذه الفتوى أن قضية الوفاء بما في الذمة من دين بسكة منقطعة قد أصبح يمثل إشكالًا، وأن هذا الواقع قد فرض نفسه على الناس لمعاودة النظر، وأن هذا النظر قد أدى إلى أن بعضهم – ولم يسم - قد نظر إلى هذا الواقع من جانب آخر واعتبر معطى أغفله من قبله هو أن السكة من خصائص السلطان، وأن السلطان مسئوليته هي العدل بين الناس، وأن لا يحدث من الترتيبات والتنظيمات والقوانين إلا ما يحقق العدل بينهم، فلا يظلم فريقًا ليؤثر فريقًا آخر.
стр. 14872
فإبطال السكة كان في وقت السكة: ليست في يد صاحبها: لأنها إما عند المقترض أو المشتري لأجل، وله أن يقول لو كان المال بيدي لتحوطت ولعرفت كيف أواجه الواقع الجديد.
لكن القاضي كان شديدًا في الرد على صاحب هذا النظر:
١- أنه قول ساقط لا يستحق أن يلتفت إليه الفقهاء ولا أن يعتبروه وجهة نظر أصلًا.
٢- لأنه يتناقض مع قواعد الإسلام في خط مخالف لنصوص الكتاب وللسنة – إذ هو من باب فتح باب لأكل أموال الناس بالباطل - فالتعليل هو أكل المال بالباطل الذي ورد النص الواضح فيه قرآنًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] . ثم أخذ يلزم قائل هذا القول بإلزامات ثلاثة وسنزيد هذا بيانًا فيما بعد إن شاء الله.
٣- أنه يلزم هذا القائل أن يكون الواجب إذا قطع السلطان التعامل بالفلوس أنه يجب أداء الدين من الذهب والفضة، فكأن هذه الحالة عنده من الوضوح في الحرمة أنه مما لا يقول به أحد.
والعجب من القاضي أبي الوليد كيف يحتد على قائل هذا القول مع أنه منقول عن ابن سحنون، وهو الذي فهمه ابن محرز من كلام أشهب، قال ابن عرفة: ابن بشير حكى الأشياخ عن كتاب ابن سحنون إن انقطعت الفلوس قضى بقيمتها وذكر ابن ناجي في شرحه على قول التفريع المتقدم: "ومن اقترض دراهم أو دنانير أو فلوسًا إلخ" (١)
وفي كتاب ابن سحنون إن انقطعت الفلوس قضى قيمتها. ونحوه وقع لأشهب على ما فهمه ابن محرز (٢)
الرأي الثاني في المذهب المالكي هو الرجوع إلى القيمة
فقد ذكر ابن ناجي في شرحه لكلام صاحب التفريع المتقدم: "وفي كتاب ابن سحنون إن انقطعت فلوس قضى قيمتها، ونحوه وقع لأشهب على ما فهمه ابن محرز" (٣)
وظاهر كلام ابن ناجي أن ابن سحنون نص على أنه يجب عند انقطاع السكة دفع قيمة السكة المنقطعة. وأن هذا المذهب لم ينص عليه أشهب وإنما فهمه ابن محرز من كلامه.
إلا أن حمل كلام ابن سحنون على أن القيمة قيمة الفلوس هو ما فهمه بعض من نظر في كلامه، وذكر الحطاب وقبله خليل في شرحه لكلام ابن الحاجب: ولو قطعت فلوس فالمشهور المثل: قال خليل: ذكر ابن بشير أن الأشياخ حكوا عن كتاب ابن سحنون أنه يقضي بقيمتها، وظاهره أنه يقضي بقيمة الفلوس، لكن حكى بعضهم عن كتاب ابن سحنون أنه يتبعه بقيمة السلعة اهـ.
стр. 14873
وهذا ما حكاه أيضًا أبو الحسن الصغير في كتاب الصرف. حيث قال: وحكى عن ابن شاس أنه قال: إذا كانت الفلوس من بيع، على المبتاع قيمة السلعة (١)
كل من نقل قول ابن سحنون اعتبر أن هذا الرأي رأي شاذ لا يعتمد.
إلا أنه في القرن الخامس أخذ هذا القول الشاذ يجد تأييدًا. ويفتى به في بعض الأمصار.
فقد ذكر الونشريسي أن ابن الحاج سئل عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة فأجاب: أخبرني بعض أصحابنا أن أبا جابر فقيه أشبيلية قال: نزلت هذه المسألة بقرطبة أيام نظري فيها في الأحكام – ومحمد بن عتاب حي ومن معه.. فانقطعت سكة ابن جهور بدخول ابن عباد - فأفتى الفقهاء: أنه ليس لصاحب الدين إلا السكة القديمة، وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب، قال وأرسل إلي ابن عتاب. فنهضت إليه فذكر المسألة. وقال لي: الصواب فيها فتواي فاحكم بها ولا تخالفها أو نحو هذا الكلام. (٢)
إن ما نقله ابن الحاج عن ابن عتاب يتفق فيه ابن عتاب مع ما نقل عن ابن سحنون حسب الفهم الأول: أن القيمة هي المرجع وأنها قيمة السكة المنقطعة لا قيمة السلعة.
وأنه يعمم في هذا سواء أكان الدين ترتب عن بيع أو عن قرض، بل إن ابن دحون ﵀ كان يفتي بالقيمة يوم القرض ويقول: إنما أعطاها على العوض فله العوض (٣) فابن دحون يوجه ما أفتى به: أن المقرض والمقترض قد عقدا قرض المعروف بينهما على أن المقترض ينتفع بما اقترضه، ثم يرد عوض ما اقترضه مساويًا له، ولا يظلم المقترض بمطالبته بأكثر مما أخذ، ولا يظلم المقرض باسترجاعه أقل مما أعطى والعوض المساوي لا تظهر المساواة عنده في العدد فقط ولكن تظهر المساواة أن يكون لما يأخذه قيمة مساوية لما أعطاه، فلو أعطاه نفس العدد وقد انحطت قيمة السكة فقد ظلمه. كما نقل عن أبي عمر بن عبد البر أنه يتوسع في اعتبار الوضع يوم القضاء لا يوم العقد قال: وكان الفقيه أبو عمر بن عبد البر يفتي فيمن اكترى دارًا أو حمامًا بدراهم موصوفة جارية بين الناس حين العقد، ثم غيرت دراهم ذلك البلد إلى أفضل منها أن يلزم المكتري النقد الثاني الجاري حين القضاء، دون النقد الجاري عند العقد.
ويعلق الونشريسي. وقد نزلت هنا ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كان ضربها القيسي وبلغت ستة دنانير بمثقال، ونقلت إلى سكة أخرى كان صرفها ثلاثة دنانير للمثقال، فالتزم ابن عبد البر السكة الأخيرة وكانت حجته في ذلك: أن السلطان منع من إجرائها وحرم التعامل بها.
стр. 14874
ويعلق على هذه الفتوى فيقول: وهو خطأ من الفتوى. (١)
إن ابن عبد البر قد بنى فتواه في نظري على أمرين:
١- أن المكتري يستوفي المنفعة شيئًا فشيئًا فيستحق المالك ما يقابل المنفعة التي مكن منها المكتري بالسكة التي يتعامل بها الناس وقت الانتفاع، ولما تغيرت السكة وجب أن يتسلم ما يقابل المنفعة مما يتداوله الناس بينهم. وهذا مراعاة لجانب العدالة.
٢- أن التنظيمات التي يحدثها ولي الأمر والتي لا تتعارض مع نصوص الشارع يجب على المسلم أن يحترمها ويعمل بها، ولما منع الحاكم من تداول نقد من النقود فإنه يجب على كل فرد أن يطيعه وهذا يوجب أن يكون إبراء الذمة لا يتم إلا بالنقد الذي أذن فيه.
وهذه النظرة التي أخذت تظهر بقوة في بلاد الأندلس نجد في نفس الفترة من يذهب إليها من اعتبار الواقع في حقيقته لا في ظاهره.
فقد ذكر الإمام المازري في شرحه للتلقين في باب الصرف أن شيخه عبد الحميد الصائغ يعدل عن المذهب المذكور من المدونة، ويعتل بأنه أعطى منتفعًا به ليأخذ منتفعًا به فلا يظلم بأن يعطي ما لا منفعة له فيه – ولا يحصل هذا الغرض إلا بأن يأخذ قيمتها، قال: وإذا لم توجد بعد انقطاعها كان عليه قيمة السلعة، كمن أسلم في فاكهة فانقطع إبانهما. إن السلم ينفسخ ويرد رأس المال إلى دافعه، وإن كانت قرضًا فانقطعت ولم توجد كانت عليه قيمتها يوم انقطاعها إذا كان الأجل قد حل، وإن لم يحل الأجل فإنه قبل الأجل لا يستحق المطالبة به، فلا يقوم له ما لا يستحق المطالبة به. (٢)
فالشيخ عبد الحميد الصائغ مع تلميذه المازري لاحظا:
١- أن الدائن عمر ذمة المدين بشيء منتفع به، أي له قيمة وقت العقد، ومعنى هذا أن ملكه بعد أن كان في ضمانه وينتفع بخراجه، قد انتقل إلى المدين وهو الذي ينتفع بخراجه فيكون من العدل أن يعود للدائن نظير ما سلمه لا في العدد الظاهري ولكن في القيمة النفعية التي كانت وقت العقد، فإذا بقيت السكة رائجة على حالها كان العدل أن يأخذ نفس السكة، وإذا انقطعت وحولت أخذ قيمتها من السكة الجديدة حتى تكون هذه السكة المحدثة التي يتقاضاها عن دينه تمكنه مما كان يتمكن منه من السكة القديمة لو لم تحول.
стр. 14875
٢- أنه يقاس انقطاع السكة التي في الذمة على انقطاع المسلم فيه عند حلول الأجل فكلاهما في الذمة وكلاهما منقطع، فالحكم في الأصل أي السلم أن يعود رأس المال إلى دافعه. فكذلك إذا انقطعت السكة عاد رأس المال إلى دافعه.
٣- أنه بالتحول عن نفس السكة التي عمرت بها الذمة إلى السكة الجديدة ووجوب إبراء الذمة بإعطاء قيمة الدين يثور إشكال هو: ما هي القيمة؟ لأن القيمة قد تختلف بين وقت انبرام العقد، ووقت حلول أجل الدين الذي هو يوم الوفاء بما في الذمة. ووقت انقطاع السكة. فعلى أيهما يقوم الدين؟
ذهب بعضهم إلى أن القيمة هي قيمة الدين يوم عمرت به الذمة. وقت عقد القرض أو البيع الآجل.
وذهب بعضهم إلى أن الذمة بقيت مشغولة إلى يوم الوفاء بالدين فعندها ينظر في قيمة الدين ليتساوى الإبراء مع الدين، ذلك أنه قبل حلول الأجل ليس للدائن الحق في مطالبة المدين، وإذا لم يكن له حق المطالبة فلا يمكن أن يتصور تقويم ما لا حق له في المطالبة به.
ورأي ثالث: أنه ينظر في القيمة يوم التحول للسكة، فذلك هو اليوم الذي انتقل فيه ما عمرت به الذمة من السكة القديمة إلى السكة الجديدة، وإذا كان الشيخ عبد الحميد الصائغ يعود بانقطاع السكة إلى القيمة مطلقًا فإن معاصره في البلاد الإفريقية الشيخ أبا الحسن اللخمي يناقشه فيما ذهب إليه: ويلزم الدائن بقبول السكة المقطوعة، يقول المازري: ولما جرت هذه المسألة في مجلس شيخي الشيخ أبي الحسن اللخمي – ﵀ أخذت أنتصر لما قاله شيخي أبو محمد عبد الحميد فقال لي الشيخ أبو الحسن: إني كنت ناظرته على المسألة وألزمته أن يجعل مقالًا لمن أسلم في طعام فصار الطعام لا يساوي شيئًا له قدر، أن يبطل السلم لأنه إنما دفع ما ينتفع به ليأخذ ما ينتفع به، فحاولت الانتصار لشيخنا أبي محمد عبد الحميد لما أفهمني شيخنا أبو الحسن أنه لم ينفصل له عن هذا بأن قلت له: السلم الأصل فيه أن لا يجوز لأنه بيع ما ليس عندك، لكن رخص فيه لأجل الرفق والحاجة والارتفاق الذي هو سبب الرخصة إنما هو اختلاف الأسواق، ولهذا لم يجز مالك السلم الحال.
واشترط في صحة السلم أجلًا تختلف الأسواق فيه، فلو آثر اختلاف الأسواق فسخه، وهو السبب في جوازه وصحته لكان كالمتناقض، بخلاف الدنانير والدراهم التي يجوز البيع بها في الذمة حالًا وإلى أجل قريب أو بعيد فإذا كانت مما بين فيها جواز المعاملة على اختلاف الأسواق فإن اختلافها اختلاف يتفاوت تفاوتًا كثيرًا يؤثر في العقد، فلم يجبني عن هذا بشيء أنقله عنه. (١)
ثم إنه بعد المازري جاء ابن الحاجب في مختصره فقال: لو قطعت الفلوس فالمشهور المثل، ولو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم، فهما صورتان: الانقطاع والعدم (شرح ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب) فصور المسألة الأولى بقوله: يعني لو باعه بفلوس أو سلفه إياها فقطع التعامل بها لقضي عليه بمثلها لأن ذلك لكسادها فهو مصيبة ممن له الفلوس.
стр. 14876
ويقابل هذا المشهور فيما يعطيه كلام المؤلف أن الشاذ القضاء بقيمتها، ولا أدري كيف يتصور القضاء بقيمتها مع وجودها، إلا أن يريد بقيمتها يوم تعلقت بالذمة لا يوم حلول الأجل، وهو مع ذلك مشكل لأنه إلزام لمن هو في ذمته أكثر مما التزم به وإنما حكى هذا عن ابن سحنون إذا انقطعت أي عدمت.
وصور المسألة الثانية بقوله: ولو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم يعني إذا لم ينقطع التعامل بها، ولكنها لم توجد وقت اجتماع الاستحقاق والعدم فإنه يجب فيها القيمة يوم حلول الأجل لأنه حينئذ أعني – يوم حلول الأجل - وجب قضاؤها فلم توجد.
وإن تأخر طلبها بعد حلول الأجل بشهر مثلًا فقطعت في نصف ذلك الشهر فإنه يجب قيمتها في نصف ذلك الشهر لا في أوله وهو وقت حلول أجل الدين، ولا في آخره يوم التحاكم لأنها لم تزل في ذمته يوم الانقطاع وهذا معنى قول المؤلف: فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم وهذا القول هو اختيار الشيخ أبي الحسن اللخمي.
وقال بعض الشيوخ: عليه قيمتها يوم تحكمهما قال: لأنها لم تزل في ذمته إلى يوم التحاكم فيها والأول أقرب إلى التحقيق.
وإن كان قول ابن سحنون جاريًا في هذه الصورة فتكون فيها ثلاثة أقوال. (١)
فابن عبد السلام يؤكد أن مشهور المذهب أن الفلوس إذا كانت موجودة بأيدي الناس، ولكن انقطع التعامل بها فقضاء الدين من سلف أو بيع يكون بتلك الفلوس ولو كانت لا تساوي شيئًا يذكر معتبرًا ذلك مصيبة حلت بالدائن.
وإن القول الشاذ: هو استحقاق الدائن للقيمة ويتوقف في المراد بالقيمة، فإن كان المراد بالقيمة، قيمتها يوم السداد فإنه يعكر عليه أنها موجودة فكيف تقوم؟ وإن كان المراد قيمتها يوم تعلقها بالذمة أي يوم عقد البيع أو القرض فإنه يشكل عليه أن المدين التزم بأداء ما عليه يوم حلول الأجل مضبوط الصفة والعدد، فإلزامه بقيمة الدين يوم العقد لا يوم الوفاء إلزام بما لم يلتزم به.
وناقشه تلميذه ابن عرفة: بأن الفلوس إذا عدمت فإننا نقدر وجودها ونقومها على حسب ذلك التقدير فكذلك إذا كانت موجودة وانقطع التعامل بها فإنا نقدرها على اعتبار ثبوت التعامل بها.
والذي يظهر لي أن مناقشة ابن عرفة غير منزلة على كلام ابن عبد السلام، لأن كلام ابن عبد السلام مبناه أن الفلوس من المثليات وهي موجودة فكيف تخرج من دائرة المثلي إلى دائرة التقويم.
وأما إذا لم يبطل التعامل بها ولكنها فقدت في السوق، ففيها ثلاثة أقوال:
١- إن الواجب القيمة للدين يوم الاستحقاق وانعدامها فإذا حل أجل الدين يوم غرة المحرم وكانت يومها موجودة ولكنه لم يتقاض دينه فانقطعت في نصف المحرم وتمكن من اقتضاء دينه في نهاية المحرم فإن القيمة هي قيمتها في نصف المحرم.
٢- إن الواجب القيمة يوم التحاكم نهاية المحرم.
стр. 14877
٣- إن الواجب القيمة يوم ثبوت الدين في الذمة يوم القرض أو البيع.
وجاء الشيخ خليل بن اسحق، وكان لفظه في مختصره هو لفظ ابن الحاجب إذ قال: "وإن بطلت فلوس فالمثل أو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم". (١)
يشرح الزرقاني كلام خليل مسويًّا بين أمرين:
١- قطع التعامل بها بالكلية.
٢- تغيرها بزيادة أو نقص على أنه من باب أولى- ويعلل الزرقاني ذلك بأنه المنصوص في المدونة ولأن الفلوس من المثليات، والمثليات تقضى بأمثالها لا بقيمتها.
ويضيف الزرقاني صورة أخرى: وهي أنه إذا ماطل المدين دائنه حتى بطل التعامل فيقول: إن ظاهر المدونة الإطلاق أي التسوية بين حالة المماطلة وعدمها، وينقل عن الوانوغي أنه قيد المدونة بما إذا لم يكن هناك مطل، وأقر تقييد الوانوغي المشذالي وابن غازي في تكميل التقييد قائلًا: هو تقييد حسن غريب، وقال صاحب تكميل المنهاج: وهو ظاهر إذا آل الأمر إلى ما هو أرفع وأحسن. وأما إن آل إلى ما هو أقبح وأردأ فإنه يعطيه ما ترتب في ذمته. (٢)
فالمماطل على هذا لا يخول له أن ينتفع من مطله، فإذا سقطت قيمة الفلوس فالواجب الأصل الأعلى، وإن زادت وارتفعت فالواجب الفلوس الرفيعة.
وعلق البناني على هذا التقييد بما يدفعه ويوجب السكة الواجبة في الذمة لا غير، موجهًا اعتراضه بأن الدائن قد دخل في معاملته على احتمالات إما أن يقضيه دينه في الأجل وإما أن يماطله فمفزعه إلى الحاكم، وإما أن يفلس فيذهب الدين كله أو بعضه.
ولذا فإن هذه حالة مدخول عليها لا توجب أية زيادة على المدين
مما ذكرناه من النقول عن كتب المذهب المالكي نتبين أمورًا:
أولًا: إن حكم الفلوس هو حكم الذهب والفضة في التعامل، وبناء على ذلك فبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والفلوس بالفلوس، يشترط في كل واحد من هذه الثلاثة التماثل والتناجز.
وإن بيع أحد الأصناف الثلاثة بالآخر هو من باب الصرف لا بد أن يكون يدًا بيد وأن الفلوس المختلفة المصدر والقيمة يحكم التبادل بينها قاعدة الصرف كما تشير إليه القرارات المجمعية "٩ – د – ٣" و"٤- د – ٥" و"٦ – د- ٨" وخاصة الفقرة الرابعة منه.
стр. 14878
ثانيًا: إن الفلوس إذا بقيت ثابتة القيمة فالأمر واضح تقضى الديون بأثمانها كما يجوز الاتفاق على اقتضاء القيمة من نقد آخر بسعر اليوم.
ثالثًا: إن النقود إذا بطل التعامل بها. أو تغيرت بزيادة أو نقص فقد اختلف فيها الفقهاء:
١- إن العبرة في الأداء هو بعملة يوم التعاقد، ولا ينظر لقوتها الشرائية ويعللون ذلك بما يلي:
أ- أن النقود من المثليات، والمثليات تقضى بالمثل لا بالقيمة، وهو التعليل الذي علل به القرار المجمعي رقم "٤- د- ٥"
ب- أن النقود لا ثمن لها، وهذا ما علل به البرزلي (١) على معنى أنها وضعت معيارًا لغيرها فلو رجعنا إلى القيمة انقلبت أوضاع التعامل واختلطت، وفقد الناس في تعاملهم المعيار الذي يرجعون إليه.
ج– أن النقود إذا كسدت أو انحطت قيمتها فهي مصيبة حلت بمستحقها تقاس على من اشترى دابة فماتت أو على من أسلم في بضاعة فانحط ثمنها يوم القبض وهذا القياس هو الذي وجه به اللخمي.
د- ألزم ابن رشد من يقول بالرجوع للقيمة بإلزامات ثلاثة:
أولًا: أنه لا يجوز للمتبايعين فسخ العقد إذا كان الثمن والمثمن عروضًا، يعني - والله أعلم - إذا تغيرت القيمة، فإذا تغيرت القيمة كان العائد لأحدهما أكثر مما أعطي وهو ممنوع حسبما ضبط في بيوع الآجال.
ثانيًا: أنه إذا أبطل السلطان التعامل بالفلوس وأجرى الذهب والفضة فقط أن على من كان عليه دين بالفلوس أن يجب عليه أن يقضي دينه من الذهب والفضة، معنى هذا أن يكون المدين ملزمًا بدفع دينه بعملة لم يلتزم بها.
ثالثًا: أن السلطان إذا أبدل الميزان أو المكيال بأوفى أو أقل إنه يجب على من تعلق بذمته عروض مقدرة بمكيال أو ميزان أو يقضي دينه بالمكيال الجديد. أي أن اعتماد التحول الأخير في العملة يوجب أن يلتزم المدين المكيال الأخير سواء أكان أكبر أم أقل.
стр. 14879
٢- أن العبرة إذا أبطل التعامل بالفلوس فإن القضاء يكون في القيمة.
والقيمة قد اختلف فيها هؤلاء:
١- قيمة الفلوس يوم انعقاد البيع أو القرض.
٢- قيمتها يوم انقطاعها ويوم استحقاقها باعتبار أقصى الأجلين.
٣- قيمتها يوم التحاكم وتتنزل منزلته المطالبة إذا قضاه بعد مطالبته.
ومن البين أن القيمة يوم الانقطاع لا يعني بها قيمتها عنده ولا بعده ولكن في آخر فترة للتعامل بها.
وإذا كان الدين من بيع، رأي رابع: أن القيمة هي قيمة السلعة يوم عقد البيع ويعللون ذلك بما يلي:
١- أن المقرض أو البائع إلى أجل أخرج من يده ماله قيمة وما هو مرغوب فيه ليعود له عند الأجل ما يوازي ما خرج من يديه في العرف العام، وإذا كان الأصل والغالب أن يعود له ما اتفقا عليه صفة ومقدارًا فإنه إذا فرغ هذا العوض من القيمة التي كانت له كان للدائن أن يتقاضى حقه بالقيمة التي لدينه لا بالصورة الفارغة.
٢- أن السلطان إذا أبطل التعامل بالفلوس فقضاء الدين بالفلوس الممنوع التعامل بها فيه خروج عن طاعته وتعريض المتعامل بها نفسه للتأديب.
٣- أن يقاس إبطال التعامل بالفلوس على انعدام المسلم فيه عند الأجل، ولما كان في هذه الحالة يعود للمسلم رأس ماله فكذلك عند إبطال الفلوس يعود للدائن رأس ماله لا السكة المنقطعة.
الموازنة بين الاتجاهين:
مناقشة أدلة الفريق الأول:
١– أن النقود من المثليات: لا شك أن النقود من المثليات باعتبار أن المثلي هو ما يكال أو يوزن أو يعد، على معنى أن المتعاملين ينظرون إلى الكمية باعتبار أنها تحقق مصالحهم ويتساوى تحقق المصالح بتحقق المقدار، فقفيز من القمح يساويه قفيز من القمح فيما جعل القمح له من الغذاء، غلت قيمته أو رخصت، وقنطار من السكر يساويه قنطار من السكر كذلك ومائة بيضة تساويها مائة بيضة.
стр. 14880
أما في الفلوس فإنها إذا عدم التعامل بها ذهبت المثلية كمائة حاوية من التفاح مملوءة يقابلها مائة حاوية من التفاح مملوءة، ولا يساويها مائة حاوية فارغة أو نصف مملوءة، والفلوس نظر الناس إليها لا باعتبار ذاتها وإنما باعتبار ما تحويه من قيمة، فإذا بطل التعامل بها ذهبت المثلية، إذ ألف فلس رائجة لا يماثلها ألف فلس لا تروج لا في وقت التعامل ولا عند حلول أجل الدين، فإذ كانت لا تساويها وقت التعامل فكيف تساويها وقت الأداء؟!
٢- أن النقود لا قيمة لها هو نفس السابق معبر عنه بصورة مختلفة إذ الحق النقود لها قيمة وقيمتها هي وظيفتها في تحقيق رغبات مالكيها.
٣- قياس كساد النقود على وضع المشتري لدابة فماتت أنها مصيبة نزلت به، وهذا قياس مع وجود الفارق، ذلك أن مشتري الدابة قد وضع عليها يده ودخلت في حوزه وانقطعت علاقة البائع بالمشتري بتمام الصفقة، وملك المشتري خراج ما اشتراه، فله غُنمه وعليه غُرمه شأن المالك، أما في الدين فإن العلاقة بين الدائن والمدين ثابتة وذمة المدين عامرة، نعم لو كسدت الفلوس بعد قبضها لصح القياس وما يكون أقرب في القياس هو أن يقاس هذا الوضع على مشتري الثمرة على رؤوس الأشجار على التبقية، فإذا أجيحت رجع المشتري على البائع بقيمة ما أجيح إن بلغ الثلث يوم الجائحة كما هو مذهب مالك (١) .
٤- ما ألزم به ابن رشد: من يقول بالرجوع للقيمة أنه يلزمه أن لا يجيز فسخ عقد بيع عوضاه عروض، وهذا غير لازم، وذلك لأن فسخ العقد إذا كان عوضاه عروضًا هو من باب الإقالة، والإقالة على الاختيار، فإذا اتفقا على الإقالة بأن يعود لكل ما دفعه ورضي بذلك فلا وجه للمنع منه، وأما في الوفاء بما في الذمة من النقود التي بطل التعامل بها فهو إلزام لأحد الطرفين في مقاطع الحقوق بقبول ما لا قيمة له.
وأما الإلزام الثاني: فالقائلون بالنظر إلى القيمة يلتزمونه، بل هم يقولون به ولا مانع منه، وإلزام المدين بأداء ما لم يلتزم به كلمة استعملت في غير حقيقتها، ذلك أن النقود لا تتعين بالتعيين، معنى هذا أن ذات النقد لا أثر له وإنما النظر للوظيفة التي يقوم بها النقد، فإذا بطلت وظيفته كان المساوي له في القيمة هو الذي تبرأ به الذمة.
وأما الإلزام الثالث: أنه إذا تغير المكيال والميزان يلزم منه أن يكون الوفاء بالمكيال الجديد، هذا الإلزام غير لازم أصلًا لأن إيجاد مكيال غير المكيال الأول لا ينعدم به المكيال الأول في التقدير ولا في المماثلة، بل يكون المكيال الجديد أو الميزان الجديد يحول الالتزام إلى ما هو أكثر أو أقل، بخلاف الاعتماد على العملة القديمة يفرغ المدين من دينه بشيء لا قيمة له، فالمكيال الجديد والميزان الجديد ظلم، والعدل هو الميزان والمكيال السابق، وذلك عكس الفلوس التي بطل التعامل بها، فالعدل قيمتها أو العملة المساوية لها التي حلت محلها، وهذا لا جور فيه على الدائن ولا على المدين لأنه دفع ما يساوي القيمة المتخلدة بذمته والتي استفاد منها.