الموضوع الثاني: الذي نحن حكينا فيه والذي نحن في صدده هو سحب الأجهزة من إنسان اعتبر متوفيًا ولا رجعة في أي وظيفة من وظائف دماغه نهائيًا، أما بالنسبة للموضوع الآخر وهو أنه مريض ميئوس من حالته عدم وضع أي جهاز عليه فهذا الكلام لا يقبله الأطباء مطلقًا؛ لأن وظيفة الطبيب أن يلاحق المريض لآخر لحظة ولآخر رمق في حياته إلى أن ربنا يأخذ الروح، لا نستطيع أبدًا أن نمنع جهازًا نملكه ممكن أن يساعد المريض بأي مرض كان ومهما كانت حالته.
الشيخ مختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم ...
سيادة الرئيس في الواقع أغنيتني عن كثير من الأسئلة، فضيلة الشيخ عبد الله البسام هو الذي دفعني إلى زيادة الكلام، أعتقد أن دخول الأطباء في اختصاص الفقهاء لا يمسح به، كما أعتقد بالأمثل أن دخول الفقهاء في اختصاص الأطباء لا يسمح به.
الرئيس:
إذن يتركون المريض لا حيًا ولا ميتًا، لا بد أن تتلاحم الوجهتان يا شيخ.
الشيخ مختار السلامي:
فأنا أسأل الطبيب أن هذا الشخص مات أو لم يمت؟ فإذا قرر الطبيب أن هذا الشخص مات لا أبحث عن العلامات التي وضعها العلماء بحثًا في طفولة العلم وأتمسك بها، فإذا قال الطبيب أو قال الطب كلمته في أن الحياة قد انتهت إذ ذاك يأتي دور الفقيه ليقول: يورث أو لا يورث، يصلى عليه، متى يصلى عليه، متى يدفن، من يرثه، هذه كلها قضايا لا يدخل فيها الطبيب، أما أن نجعل أنفسنا أطباء ونجعل أنفسنا فقهاء فأعتقد أن هذا ليس صحيحًا، وشكرًا.
الرئيس:
شكرًا.. في الواقع أنه لا بد أن نكون أطباء فقهاء، يعني في تقريرنا ولهذا نستدعي الأطباء حتى نستكمل التصور لأنه إن لم نستكمل التصور الطبي ويكون مفهومًا لنا مثل وضوح الشمس ما يمكن لنا أن نكيف المسألة فقهًا إطلاقًا.
стр. 1542
الشيخ مختار السلامي:
يا سيدي، القلب ينبض أو لا ينبض أنا كفقيه لا أعرفه، قد يكون القلب ينبض نبضًا خفيفًا فأضع يدي وأتسمع فلا أسمع شيئًا.. والطبيب يقول لك: هذا حتى بقيت الحياة فيه وما زال حيًا، قد أحاول التنفس فلا أجد نفسًا فأقول مات، وهو التنفس بسيط ويعود إلى الحياة.
القضية قضية تشخيص أو بيان الوقت الذي مات فيه المريض لا يستطيع أي فقيه مهما أوتي إلا أن يكون ذلك ادعاء لأنها قضية دقيقة جدًا وتخضع لآلات عندما أقف أجدها صماء بالنسبة لي لا تتحدث بشيء بينما هي تتحدث للطبيب بكل شيء.
الدكتور أشرف الكردي:
يا سيدي نحن بحاجة إليكم لأن هذا الموضوع الحقيقة هو بصدد خلق بلبلة في الكثير بين الناس، ورأي علماء الدين الأفاضل ورأي الفقهاء يساعدنا وبيطمأن الكثير من الناس، أن القرارات الطبية هذه تؤخذ بالطريقة الصحيحة لأن الشروط الصارمة والقياسية التي نحن وضعناها هي تعتبر من أقسى الشروط الموجودة في العالم، يعني يوجد هنالك شروط أقل صرامة منها ومعترف فيها في العالم أجمع، وشكرًا.
الدكتور محمد علي البار:
بسم الله الرحمن الرحيم ...
أولًا: قلنا: إن موضوع موت القلب وتوقف القلب والتنفس هما أساسيان من الجلسات الماضية وهي التي في حوالي ٩٩? أو أكثر من جميع حالات الوفيات التي يقررها الأطباء هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: أنه في حالة موت الدماغ بما أن الدماغ هو الذي يتحكم في التنفس، فيه مراكز في جذع الدماغ هي التي تجعل الإنسان يتنفس إذا ماتت هذه المراكز موتًا كاملًا فلا يمكن أن يحدث تنفس، ولهذا من شروط الفحص الدلالة القوية في علامة موت الدماغ من أهم العلامات التشخيصية لموت الدماغ هو أن يكون التنفس قد توقف لكن بما أن الأطباء يريدون أن يحرصوا على أن لا يكون لهم دور في التنفس ولو شيء بسيط يعطون هذا الشخص بواسطة أنبوبة أو قسطرة تصل إلى القصبة الهوائية تعطيه أوكسجين لفترة قبل أن ينزعوا الأجهزة، وهذه الاحتياطات وفحص الدم الذي شرحه الدكتور الكردي يوضح الاحتياطات الإضافية التي تعمل وتجرى من أجل أن يبقى مستوى الأوكسجين في الدم ومستوى ثاني أوكسيد الكربون بحيث أنه ينبه مراكز الدماغ لو كانت غير متنبهة، يعني كانت خامدة فقط.
стр. 1543
أما بالنسبة لتعريفات الفقهاء وتشخيصات الفقهاء فلا شك أن التعريفات السابقة قد حكمت بالموت على مئات الآلاف من الأشخاص بينما كانوا أحياء، والدليل على ذلك ما ذكره الشيخ السلامي في قوله يرى الإمام مالك بن أنس ﵁ " أن المولود إذا لم يصرخ لا يعتبر حيًا ولو تنفس" يعني هم عندهم لو تنفس ما يعتبروا التنفس، بينما نحن لو تنفس نعتبره حيًا بدون شك ولو تنفس أو بال أو تحرك كل هذا عندنا طبعًا علامة للحياة، بينما يرى الإمام مالك أنه ليس حيًا. ومعنى هذا أنه لا يحكم له بالحياة لمجرد التنفس حتى يقرن به البكاء.
وقال ابن الماجشون: إن العطاس يكون من الريح، والبول من استرخاء المواسك واعتبروا الرضاع، بدءوا يتناقشون: هل الرضاع دليل على الحياة أو لا؟ يعني الطفل حي ويرضع وكل هذا هم مصرون على أنه ميت، ثم إن عمر ﵁ لما طعن وسقاه الطبيب اللبن وخرج اللبن من الأمعاء قال الطبيب: هذا ميت، واعتبره الفقهاء المتأخرون أو بعض الفقهاء على الأقل أنه ميت ولو قتل شخص عمر لما اعتبره قاتلًا، بينما هذه الحالة تعتبر تافهة جدًا مما يعتبره الطبيب، يعني "ريجان" لما ضرب بالرصاص اخترق رئتيه الرصاص واخترق التامبور يعني غشاء القلب أيضًا، غشاء القلب اخترقته الرصاصة، ومع هذا لم يعتبره الأطباء ميتًا بل سارعوا لإنقاذه.
نحن في الواقع الشروط التي وضعها الفقهاء للموت شروط تؤدي إلى حكم بالموت على مئات الآلاف بل ملايين الأشخاص الأحياء لو اتخذنا تعريفات الفقهاء في أن هذا هو الموت انخسف رجله بردت يداه كل هذه التعريفات التي يتخذونها علامات ليست علامات للموت.
هي علامات أحيانًا توقف الدورة نسبيًا أو شيء ما جس النبض، كل هذه العلامات لو اتخذناها لحكمنا بالموت على مئات بل على ملايين من الأشخاص إذا أخذنا النظرة التاريخية الماضية خلال ألف وأربعمائة عام لكان ذلك قتل لآلاف بل ملايين الأشخاص، بينما النظرة الطبية لهذا فرضت القوانين والدول أنه لا يحق للشخص العادي أن يعلن الموت الطبيب، فكانت معظم - يعني كل الحالات - يشخصها الطبيب ويعلن حالة الوفاة الطبيب، ويوقع على شهادة الوفاة الطبيب، لأنه هو المسئول وهو ذو الخبرة، ثم جاءت حالات ما هو أشد وأعقد نتيجة التقدم الطبي فصار الأمر إلى نوع معين من الموت وهو موت الدماغ نتيجة المحاولات الحثيثة أنقذ ما لم يكن ممكنًا إنقاذه، قبل عشرين سنة هذا لم يكن موجودًا لأنه لم يكن إنقاذ بعض هؤلاء الأشخاص، الآن بموت الدماغ أو بالوسائل الحديثة أمكن إنقاذ مجموعة من هؤلاء الأشخاص.
فلا بد أن يعرف أن موت الدماغ يشمل توقف التنفس وإلا لما كان موتًا للدماغ، لو كان التنفس تلقائيًا موجودًا أو حتى لو رفعنا بالتنبيه وغيره ثم استطاع هذا الشخص أن يتنفس ولو لحظة واحدة لما اعتبر ميتًا. موت الدماغ نفسه يفرض أن التنفس قد توقف لا رجعة فيه توقفًا نهائيًا.
стр. 1544
يعني إذا فهم الأطباء هذه النقاط كلها يسهل عليهم فهم كيف أن هذا الشخص ممكن أن يستمر في حالات محدودة ينبض قلبه بالماكينة أو التنفس بالماكينة حتى يمكن أخذ الأعضاء منه وهي بحالة جيدة. أما إذا نزع الطبيب هذه وتوقف التنفس فهو توقف للتنفس وهو علامة الموت ولا بد أن ينتهي الإنسان بشكل من الأشكال ولا بد أن يتوقف تنفسه ويتوقف قلبه. فلا نستطيع أن ننفخ في جثث ميتة لفترة طويلة لأن ذلك كما ذكر الدكتور الكردي وكما ذكرت من قبل أنه يشكل مشاكل كثيرة وخطيرة.
الرئيس:
في الواقع يا سعادة الأستاذ في قضية أنه قد يحكم على حساب حقيقة الوفاة عند الفقهاء بموت أشخاص ثم يتبين أنهم أحياء، نفس الشيء قد يحكم على الشخص بموته لموت جذع الدماغ أو لموت الدماغ لدى الأطباء، ومن خلال ما رأينا في مطالعات في ندوة بداية الحياة الإنسانية ونهايتها في الكويت وجدنا عدة حالات حكم بها أو أعلن عنها بأن الحكم بالوفاة ثم تبين أنه حي واستمرت الحياة. فقصدي أن هذه الوقائع هل تؤدي إلى أن مجموع الوفاة طالما أنه ليس في حقيقة الوفاة نص شرعي ينص على أن حقيقة الوفاة هو موت الدماغ وأن حقيقة الوفاة هو توقف القلب وإنما هي مجرد ما لدى الفقهاء؟ يظهر، والله أعلم، أنه بحكم العلامات الظاهرة لأنه ما كان عندهم اكتشافات طبية في ذلك الوقت ليعرفوا الدماغ وبموت جذع الدماغ وإنما بحكم الظواهر التي أمامه، ولهذا جعلوا هذه العلامات مع توقف القلب وتوقف التنفس إلخ العلامات الظاهرة. فأنا قصدي هل يمكن أن يقال: إن حقيقة الوفاة هي مجموع الصفة لحاصلة على ما قرره الإمام الغزالي بأنه يقول: هي انفصال الروح عن البدن بالكلية، فإن كلمة الغزالي هذه في الحقيقة فيها جامعية بحيث إنه يكون انفصلت الروح عن جميع أجزاء البدن. ولأن الروح يقولون: إنها مشتبكة بالهيكل هكذا تمامًا. فما أدرى وجهة نظر الطب في هذا الشيء.
الدكتور محمد علي البار:
هذا التعريف، الحقيقة تعريف ديني، وليس للطبيب من وسيلة لمعرفة خروج الروح غير العلامات التي تحدثنا عنها، توقف القلب أو توقف التنفس أو توقف الدماغ، أما الطبيب، الحقيقة ليس لديه أي مقدرة في أي مكان في العالم أن يعرف أن الروح قد خرجت أو لم تخرج. هذا خارج نطاق بحث الطبيب.
стр. 1545
الرئيس:
قصدي في الحالات التي يحكم الأطباء بموته لموت الدماغ أو جذع الدماغ تم تثبت حياته.
الدكتور أشرف الكردي:
ممكن أن أجيب.. يا سيدي الذي تفضلت فيه صحيح مثل ما قال الفقهاء، لو أخذنا على حكمهم أنه فيه كثير من الناس هم يعتبرون في حكم الأموات لكنهم أحياء، كذلك الأمر بالنسبة لما ذكرت في مؤتمر الكويت، هذا الحكم صحيح، لكن إذا نظرنا إلى الشروط التي وضعت لتشخيص هذه الوفاة نجدها أنها مختلفة عن الشروط التي تكلمنا فيها هذا المساء والتي بدأنا نمشي فيها من السنة الماضية في الأردن وتبنتها كثير من البلاد العربية. المهم في الموضوع هو صرامة شروط التشخيص في الشيء الذي ذكرته في الكويت هم كانوا متبعين الطريقة الإنجليزية، الطريقة الإنجليزية تقول: إن أي طبيب حتى ممرضة ممكن أن تقوم بهذا الشيء، نحن هنا نركز أنه يجب هنالك ثلاثة اختصاصيين من ذوي المعرفة في هذا الموضوع، ويجب أن يراقب كل واحد منهم عمل الآخر، وكذلك يحدث هذا التشخيص على حالات معينة وليس على جميع الحالات.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم ...
إخواني أنا كنت في ندوة تلفزيون هنا في الأردن مع بعض الأطباء، اشتركت طرحت نقطتين وأحب الآن أن أطرحهما لأن الواقع يتوقف عليهما الحكم في الموضوع بين قضية الوفاة الشرعية والوفاة الطبية.
стр. 1546
أولًا: أريد أن أسأل يا ترى هل من الممكن حتى بالنظر الطبي أن يفرق ما بين حكم الميت أن يكون الشخص في حكم الميت أو أن يقول: إنه قد مات ليس دماغه مات شخص وأنا أريد أن نميز أن نقول: مات دماغه أو مات هو، فهل ممكن أن نقول: إن حالة موت الدماغ بالتعريف الطبي؟ وهذا لا ننازع الأطباء فيه لما يقولون موت الدماغ، وبمعنى أنه الدماغ أصبح قطعة معطلة لا رجعة فيها أبدًا ولا سبيل إلى أن يستمر هذا الإنسان في الحياة طويلًا. فهذا موت الدماغ الذي وصفتموه. ألا يمكن أن نقول عنده يجعل الشخص في حكم الميت، ولكنه ما دام قلبه ينبض ولو بالأجهزة ونفسه صاعد نازل فإنه لا نقول عنه ميت، بل نقول: إنه في حكم الميت، بمعنى أنه صار موته وبقاؤه سيان، هل يمكن هذا من الوجهة الطبية أو لا يمكن؟ هذا سؤال.
السؤال الثاني: وهو ما يتعلق الآن مما أثير وأجاب الأخ الكريم الدكتور البار.. هل يمكن أن نقول خرج الروح يعني نحن لا نشك في النظر الشرعي عندنا الموت هو خروج الروح لكن الروح لا نراه، فمتى يحكم بأن الخروج قد خرج؟ هذا يا ترى لا شك أجاب الدكتور هناك علامات يعني تلك العلامات التي ذكرتموها لا حاجة لإعادتها فهذه العلامات كلها طبقت فوجدت أن تدل دلالة إيجابية بمعنى أنها تدل على وفاة وانعدام خصائص الشخص.
تقولون: إنه يحكم بخروج روحه لأننا لا نراها، ألا يمكن أن نقول: إن هذه العلامات لا تكفي للحكم بخروج الروح الذي هو معنى الوفاة الشرعية، وهي التي أراد أساتذتنا أن يمسوها الموت عند الفقهاء، فهذا المعنى الذي هو ثابت شرعًا، أن الموت موت الشخص هو خروج روحه، أفلا يمكن أن نقول هذه العلامات لا تكفي للحكم بأنه خرج روحه ما دام نبضه شغال، قلبه دورته الدموية شغالة، نفسه ورئتاه شغالة ولو بالأجهزة. وإنما هناك علامة أخرى أنا كنت طرحتها في الندوة التلفزيونية علامة أخرى يمكن أن تكون هي العلامة الصحيحة على خروج الروح وهي ما يذكره أطباء في الطب الشرعي أحيانًا. أما علامة خروج الروح هو أن يصبح الجسم مستعدًا للتفسخ أي مستعدًا لتلقي وتقبل عوامل التفسخ التي هي المكروبات دون أن يكون عنده أي مقاومة لها تقف في وجهها لأننا نعلم أن الحي لا يتفسخ فما دام فيه حياة فيقاوم عوامل التفسخ لكن ممكن تتعطل وظائفه بالكلية ويصبح كأنه ميت لكن لا يمكن أن يتفسخ ما دام حيًا. فلا يمكن أن نقول إن الموت الحقيقي ما هو كل الدماغ، أن كلمة موت الدماغ لا أكتفي بها، أنه حتى نحكم أن الشخص قد مات بمعنى أن نقول: خرج روحه، أن نقول: آية ذلك ليست هي مسألة تعطل وظائف الدماغ أو غير ذلك وإنما هي أن يصبح هذا الجسد مستعدًا لتقبل عوامل التفسخ بلا مقاومة بمعنى أن تعمل فيه عوامل التفسخ. لا يمكن أن نقول هذا بالنظر الطبي، ثم أحب بالنسبة لمسألة حكم الميت، أنا آتي بمثال خطر لي الآن هناك حالات الشخص معدود في حكم الميت تمامًا يعني بالعادة والشهود. ومن الرأي مثلًا مرض النوم الذي يحدث في إفريقيا في بعض بلاد إفريقيا نتيجة لسعة ذبابة المعروفة (تسي تسي) ، هذا الذي أعرفه عن هذا المرض أن الشخص يصبح في غيبوبة دائمة يبقى في غيبوبة إلى أن يموت ولا يمكن أن يصحو ولا يمكن أن يمارس أو يبقى له أي وظيفة من وظائف الشخص الحي لكنه حي وقد يموت بعد فترة شهرين لا أدري المدة التي تقدر فنتيجة لسعة ذبابة (تسي تسي) ، لا يمكن أن يمارس أي وظيفة أو وظائفه الفسيولوجية كلها معطلة دماغه الخ.. ولكنه حي قطعًا، فهذا ممكن أن نقول عنه: أصبح في حكم الميت، فالذي تعطل دماغه لا يمكن أن نعده من هذا القبيل، إن هذا في حكم الميت ولكن ليس بالمعنى الشرعي ميت لأن الموت خروج الروح وأرجو أن لا تؤاخذوني لأن هذه نقاط أعتقد يتوقف عليها كثير من الأهمية في الحكم في الموضوع.
стр. 1547
الدكتور محمد علي البار:
الحقيقة الشيخ مصطفى الزرقاء بدأ الموضوع.. أنتم بدأتم الموضوع وصعبتوه علينا نسبيًا، لكن في الآخر سهلتوه جدًا. ذكرتم مثال موضوع "تسي تسي" ومرض النوم واعتبرتوه في حكم الميت، هذا الواقع ليس أبدًا إطلاقًا هو حي لأنه لا يزال يتنفس. يتحرك، التنفس يكفي، في الوقت الحاضر والدتي هي في المستشفى ولها عشرة أسابيع مغمى عليها إغماء تامًا، لا تسمع لا تبصر، لا تتكلم لا تحس أي شيء، وهي تتنفس تنفسًا طبيعيًا وتتغذى بأنبوب، ويخرج منها الإفرازات بأنبوب آخر، لكن بدون أي أجهزة إطلاقًا هذه ما دخلت أصلًا في موضوع موت الدماغ إطلاقًا. هي ما تزال حية بكل المقاييس لأنها لا تزال تتنفس، قلبها ينبض طبيعيًا بدون أي جهاز إطلاقًا. فمثل هذا الشخص الذي ذكرتوه هو ليس في حكم الميت بالنسبة لنا هو حي تمامًا ولا يدخل في حكم الميت إطلاقًا.
إذا مات الإنسان دماغه فمعناه أن تنفسه أيضًا توقف متى يلتقي بسرعة الطب والفقه في هذه النقطة إذا نزعنا هذا الجهاز وأصدرنا شهادة الوفاة أنه ميت نزعنا الجهاز في تلك اللحظة على التو يدخل تعريفك مباشرة لأن تنفسه متوقف وقلبه متوقف على التو، وتبدأ التغيرات الرمية التي ابتدأت تذكرها لو تركناه ستحدث، لكن الذي يمنعنا من إتمام هذا فيه بعض الحالات النادرة التي يراد منها نقل الأعضاء إذا تركنا التغييرات الرمية تحدث التغييرات هذه فإن الأعضاء تصبح غير ذات جدوى في هذه الحالات فقط محدود حتى جزء من جزء، يعني جزءًا من حالات موت الدماغ، ليس كل حالات موت الدماغ تصلح لنقل الأعضاء ويمكن أهله غير متبرعين والشخص غير متبرع بذلك وفيه عوائق كثيرة، هذا ينزع الجهاز فيتوقف التنفس ويتوقف القلب وكل علامات الموت السابقة والقديمة واللاحقة والجديدة متوفرة فيه.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
إلى أن نصل إلى هذه النقطة هل نحن إذا رفعنا الجهاز مات قطعًا؟ ولكن قبل أن نرفع الجهاز هل يمكن وقلبه ينبض وتجري الدورة الدموية فيه ونفسه شغال أن نقول عنه قد مات؟ هذه واحدة.
стр. 1548
ثانيًا: لو أردنا أخذ الأعضاء، لكن بدلًا أن نأخذها والجهاز مركب عليه وقلبه ينبض ونفسه يشتغل إذا أردنا أن نرفع الجهاز هل يمكن أخذ الأعضاء المطلوبة فورًا بعد أن يعتبر برفع الجهاز قد مات هو فعلًا، لا أن دماغاه قد مات وهذا الواقع ويقف القلب وتقف الرئة الخ.. هل يمكن أن يستفاد من الأعضاء في تلك اللحظة أن تؤخذ أو يجب أن تؤخذ والأجهزة شغالة وقلبه ينبض؟ هنا بيت القصيد، ويترتب عليه نتائج محسوسة تمامًا. هذا سؤال حساس يعني.
الدكتور أشرف الكردي:
يا سيدي نحن لا نعتبر الإنسان الذي يتوقف دماغه توقفًا نهائيًا أنه ميت إلا إذا أثبتنا أن تنفسه قد توقف، فهذا قد توقف وتوقف تلقائيًا ولا رجعة فيه.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
يعني يتوقف مع الأجهزة القائمة.
الدكتور أشرف الكردي:
لا.. هذا لإثبات أنه متوفى يجب أن نعمل هذا الفحص ونثبت أن التنفس قد توقف توقفا نهائيا ويجب إعادة هذا الفحص أكثر من مرة للتأكد من أن التنفس قد توقف بشكل نهائي إن فائدة الجهاز لا يمثل علاجًا لهذا المريض.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
لا يمثل علاجًا؟
الدكتور أشرف الكردي:
أبدًا لا يمثل علاجًا لأن هذا يعتبر في عداد الأموات.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
لا يمثل علاجًا ولكن ما دام هذا الجهاز يجعل القلب نابضًا والتنفس مستمرًا وإن لم يكن يشكل علاجًا لكن هل يمكن أن يقال: إن الشخص مات، إلا أن يكون دماغه قد توقف؟
الدكتور أشرف الكردي:
نعم نعم.. نحن نعتبر أن الإنسان الذي مات دماغه موتًا نهائيًا يعتبر ميتًا.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
اعتبر ...
الدكتور أشرف الكردي:
لا إنه ميت، مثله الشخص الذي توقف قلبه وتنفسه مع بعض.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
كيف يموت وقلبه ينبض؟
стр. 1549
الدكتور أشرف الكردي:
قلبه ينبض اصطناعيًا.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
السؤال الذي سألته ما أخذت جوابه، لو فرضنا رفعنا الجهاز ووقف القلب والتنفس فعلًا لأنه الواقع لا يشتغلان بغير هذا الجهازهل يمكن يستفاد من الأعضاء فورًا؟
الدكتور أشرف الكردي:
لا يمكن.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
لا يمكن إلا أن تؤخذ والقلب شغال.
الدكتور أشرف الكردي:
نعم!
الدكتور محمد علي البار:
توضيح زيادة.. الحقيقة بتعتمد على الأعضاء يعني إذا أردت القلب لا يمكن تستفيد منه إذا أردت العظام ممكن تجلس ٢٤ ساعة. يختلف على نوعية العضو الذي تريده. القرنية ممكن تجلس بضع ساعات لكن القلب لا يمكن، فيعتمد على العضو المقصود به نقل الأعضاء.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
يعني ما سوى القلب يمكن إلى فترة ما.
الدكتور محمد علي البار:
فترة محدودة جدًا. يعني تختلف من عضو إلى آخر.
الشيخ مصطفى الرزقاء:
يعني إذن ممكن أن يستفاد منها بعد رفع الجهاز.
الدكتور محمد علي البار:
نعم بعض الأعضاء لكن القلب لا يمكن.
стр. 1550
الشيخ إبراهيم الغويل:
بسم الله الرحمن الرحيم ...
الحقيقة، يبدو لي أن الموضوع واضح وفقًا حتى للقرآن الكريم، فربنا هو الذي يتوفى الأنفس حين موتها. إذن العملية واضحة مع عملية التنفس ووقف التنفس التلقائي، وليس الاصطناعي، هي الحاسمة في قضية الوفاة حين الموت يكون ذلك موتًا حقيقيًا عندما تتوفى الأنفس، انتهت، كذلك وهذا الأمر أيضًا هو السر في قضية نفخ الروح القضية متصلة بالتنفس في بعث الحياة، وفي الموت كلمة الروح يذكرني رسول الله ﷺ ((أن الطير تروح خماصًا وتغدو بطانًا)) فدائمًا عملية النفخ هو عبارة عن التنفس، النفس حينما تخرج والروح هي عبارة عن التنفس وهو داخل فبعث الحياة وانتهاؤها يتصل بعملية التنفس التلقائي بالنسبة للإنسان، هكذا يبدو لي. والله أعلم.
الشيخ عبد السلام العبَّادي:
الواقع النقاش الأخير الذي تم وضح الصورة إلى حد كبير، يعني نستطيع أن نقول، وأطلب من الإخوة الأطباء أن يصححوا ذلك: إن موت الدماغ يعني توقفًا فوريًا للتنفس ولحركة القلب لكن كل ما في الأمر أننا نبقي هذه الحركة الظاهرية في الدورة الدموية وفي التنفس بأجهزة، وهذه الأجهزة تبقى حركة ظاهرية يعني لا تعطي حياة لا، أسس عملية التنفس قد انتهى بموت الدماغ. فالتنفس حقيقة الذي أمامنا ليس تنفسًا حقيقيًا والدورة الدموية ليست دورة دموية حقيقية. هل هذا صحيح؟ فإذا كان صحيحًا يكون التعريف الشرعي للوفاة والتعريف الطبي للوفاة واحدًا، كل ما في الأمر أن التقدم العلمي مكننا من أن نحرك القلب حركة ظاهرية ونعمل نفسًا ظاهريًا.
الدكتور محمد علي البار:
صحيح.
الشيخ عبد السلام العبادي:
هذا يقودنا بعد أن تبلور هذا إلى نقطة أخرى. ما مدى احتمال الخطأ في التشخيص على ضوء الشروط التي وضعتها الخصائص الأردنية أو المزايا الأردنية ما مدى احتمال الخطأ في التشخيص؟ هذا سؤال.
стр. 1551
ثم ما مدى فيما إذا صدر قرار بأن موت الدماغ يعتبر موتًا للجسم وأن الأجهزة لا تقدم ولا تؤخر كل ما في الأمر هي لمنافع أخرى ولمصالح أخرى الذي منها موضوع زرع الأعضاء ونقلها؟ ما مدى الالتزام بالشروط التي وضعت والتي تفضلتم وأشرتم في قضية الثلاثة أطباء وقضية الفحص المكرر في موضوع وقف التنفس إلخ الخ؟. ما مدى الالتزام بالشروط فيما إذا صدرت فتوى شرعية تقول: إن موت الدماغ يعتبر هو الموت الحقيقي. هل سيلتزم بهذه الشروط؟
أنتم تفضلتم أن هناك مدارس وأن بعض تلك المدارس تحكم بوفاة حالات وفق الطريقة المقررة والتي أشار إليها الدكتور أشرف لا يحكم بوفاته إذن فما مدى الالتزام بالشروط؟ قد تعود في النهاية المدارس الأخرى وليس هذه المدرسة التي فيها تحوط كبير خاصة أن هنالك قضية ملحة وقضية الاستعجال بالاستفادة من الأعضاء يعني قد يدفع إلى عملية التراخي في تطبيق هذه الشروط والالتزام بها الرغبة في الاستفادة من الأعضاء وبخاصة الأعضاء التي لا يمكن الاستفادة منها إلا وأجهزة الإنعاش موجودة على جسم الإنسان الذي حكمنا نحن بموته دماغيًا. وشكرًا.
الدكتور أشرف الكردي:
يا سيدي مدى الالتزام بهذه الشروط الحقيقة هذه الورقة قدمت في المؤتمر العربي للتخدير والإنعاش في أكتوبر ٨٥ وحضر المؤتمر العديد من الدول العربية، ونوقشت هذه الورقة بإسهاب. وفي النهاية تقرر تبنيها من الدول العربية والأخذ فيها على حسب الشروط الصارمة التي وضعت فيها. وكذلك ظهرت توصية أخرى على أن تعرض كل دولة هذا الموضوع على مجلس الفقه الموجود في بلدها لأخذ الرأي في هذا الموضوع لأنه كما ذكرت سابقًا أن هذا مهم جدًا بالنسبة إلى عامة الناس.
بالنسبة إلى الخطأ في التشخيص الحقيقة لما نقول: إن نحن ذكرنا ثلاثة أطباء وثلاثة أطباء اختصاصيين ولهم خبرة في هذا الموضوع ويجب أن يكونوا هم موجودين وأن توقيعهم موجود فمجال الخطأ غير وارد. ولحد الآن ما ظهر عندنا أي شيء ونحن حريصون جدًا أن لا يكون أي خطأ لأن أي خطأ في هذا الموضوع سيكون دمارًا بالنسبة لهذا الموضوع ككل.
стр. 1552
الشيخ المختار السلامي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أريد أن أتوجه بسؤال إلى السادة الأطباء. هذا السؤال هو أنه أن موت الدماغ عبارة عن عدم قبول الدماغ للتغذية هل هذا صحيح أو لا؟
الدكتور أشرف الكردي:
هذا جزء منه يا سيدي.
الشيخ المختار السلامي:
بمعنى أنه يمكن أن يموت الدماغ، بمعنى أن قبول التغذية وعدم قبولها لا يعتبر دليلًا على الموت.
الدكتور أشرف الكردي:
لا يا سيدي هذا جزء منه، عدم قبول التغذية وعدم مرور الدورة الدموية التي فيها التغذية وفيها الأوكسجين هذا شرط رئيسي من شروط وفاة الدماغ أو موت الدماغ.
الشيخ المختار السلامي:
إذا مات الدماغ وأصبح غير قابل للتغذية وتوفرت جميع الشروط فما هو الزمن اللازم لتدمير الدماغ لان لا يبقى كبقية الأعضاء، هو يتحلل يتفسخ، بعد كم زمن يتفسخ؟
الدكتور أشرف الكردي:
الحقيقة العلمية أنه إذا توقفت الدورة الدموية عن الدماغ لفترة تتراوح بين ٤ دقائق إلى ٦ دقائق وحتى في بعض الأحيان تؤخذ إلى ٨ دقائق يعتبر أن الدماغ يبدأ في التهتك، فنحن الفترة التي أبقيناها أقل فترة ممكنة هي أربع ساعات وليست دقائق، وهذه الأربع ساعات تنطبق على إنسان دماغه تقريبًا ليس تهتك داخلا بل تهتك خارجًا يعني طلع دماغه خارج الجمجمة.
الشيخ المختار السلامي:
بحيث يصبح الدماغ متحللًا تحللًا كاملًا بعد أربع ساعات.
الدكتور أشرف الكردي:
نعم يا سيدي.
الشيخ المختار السلامي:
الدماغ في ذاته. لأن الذي أعرفه من الأطباء هو أنه إذا مات الدماغ فإن الدماغ ليس كبقية الأعضاء عنده خصائص من خلاياه، عنده خصائص في كل شيء، هو شيء آخر بالنسبة للإنسان فإذا مات الدماغ أسرع إليه التحلل بعد أربع دقائق يبدأ في التحلل وإذا كان أبقيناه أربع ساعات معناه أصبح ماء.
فلذلك الذي يقع بالنسبة إليكم أنكم لا تأخذون الأعضاء إلا بعد أربع ساعات من موت الدماغ.
الدكتور أشرف الكردي:
هذا صحيح يا سيدي.. والذي ثبت في كثير من الحالات التي نعمل لها تشخيص موت الدماغ وتوقفت الأجهزة عنها، وعمل لها تشريح فورا بعد توقيف الأجهزة وجدوا أن قطعة من خلايا الدماغ موجودة في أسفل النخاع الشوكي مما يثبت الكلام الذي أنت تفضلت فيه أن الدماغ يبتدئ في التحلل بسرعة ولكن هذا الكلام لا ينطبق على بقية الأعضاء التي تحت الدماغ ما دام فيه تغذية اصطناعية لهم.
الشيخ المختار السلامي:
وإذا دمر الدماغ فلا عودة له.
الدكتور أشرف الكردي:
كلامك صحيح مائة في المائة يا سيدي..
الشيخ مصطفى الزرقاء:
سؤال.. يعني في الحالة هذه يعني إذا الأجهزة شغالة والقلب نابض والنفس مشتغل لكن الدماغ متوقف عن كل وظائفه يمكن أن يبدأ التفسخ به مع بقاء النبض شغال.
الدكتور أشرف الكردي:
نعم. نعم. نعم.
стр. 1553
الدكتور محمد علي البار:
في الواقع، أجري الفحص على أكثر من ألف حالة، ووجد أن الدماغ أحيانًا صار فيها مثل الماء تحلل تمامًا وخاصة في الحالات التي بقي فيها أيامًا طويلة والقلب لا يزال ينبض، وبعد هذه الأيام والقلب لا يزال ينبض والتنفس ساريًا ثم فحص الدماغ فوجد الدماغ خلاص منتهيًا تمامًا قد تحلل تحللًا نهائيًا، كالماء أصبح متحللًا تمامًا تحللًا والحقيقة يبدأ التحلل بعد دقائق رغم أن النبض شغال بالأجهزة ولهذا نقول: إنه ثبت بعد ألف حالة شرحت وجد هذا الكلام أن كلها متحللة تحللًا نهائيًا وتفسخًا تامًا.
الرئيس:
أصحاب الفضيلة في الواقع إننا نشكر الأطباء الموجودين وندعو لنا ولهم بالتوفيق والهداية وأن ينفع الجميع بما علمنا.
في الواقع نرجو أن يكون حصل تصور للموضوع من جوانب مهمة التي يمكن هي صالحة أن تكون منطلقًا لما يمكن تقديره والتوصل إليه من الوجهة الشرعية. ونظرًا لأن سعادة الطبيب البار سيسافر في الغد إن شاء الله تعالى وسعادة الطبيب أشرف كذلك مرتبط بأشغال ومواعيد فقد ترون مناسبًا , وإن كان فيه نوع من المشقة لكن يستحسن أن تؤلف لجنة بعد الاستراحة الليلة هذه، إن شاء الله تعالى، يجتمعون مع الطبيبين الكريمين ومن الشيخ مصطفى الزرقاء والشيخ السلامي وإذا أردتم أن أنضم إليكم كمرافق فلا مانع لدي. وما يتوصل إليه هو يمكن إن شاء اله تعالى يكون كمشروع يعرض في الغد أو بعد الغد.
إذن تمت الموافقة وبهذا ترفع الجلسة وصلى الله على نبينا وعلى آله وصبحه.
стр. 1554
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
القرار رقم (٥) د ٣/ ٠٧/ ٨٦
بشأن " أجهزة الإنعاش "
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ إلى ١٣ صفر هـ / ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦م.
بعد التداول في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع " أجهزة الإنعاش " واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين.
قرر ما يلي:
يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:
١- إذا توقف قلبه وتنفسه توقفا تامًا وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.
٢- إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلًا نهائيًا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه. وأخذ دماغه في التحلل،
وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلًا لا يزال يعمل آليًا بفعل الأجهزة المركبة.
والله أعلم
стр. 1555
بحث
لفضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
حكم إثبات أول الشهر القمري وتوحيد الرؤية
فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد/ فإن المجمع رأى في دورته الثانية المنعقدة في مدينة جدة عام ١٤٠٥هـ بحث مسألتين تتعلقان بأول الشهر القمري:
المسألة الأولى: في حكم إثباته بالحساب.
المسألة الثانية: في حكم توحيد الرؤية.
وقد أدرت البحث في المسألة الأولى على ما يلي:
المبحث الأول: في سياق النصوص.
المبحث الثاني: في فقهها.
المبحث الثالث: إجماع المسلمين على موجبها.
المبحث الرابع: تفنيد الخلاف الحادث في هذه المسألة.
المبحث الخامس: أدلة الخلاف الحادث.
المبحث السادس: في نقضها.
المبحث السابع: في ظنية الحساب.
المبحث الثامن: في منابذته للشرع.
فإلى بيانها:
المبحث الأول: في سياق النصوص
قال الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾
وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
стр. 1556
وشهود الشهر يكون بعد إهلاله كما في الآية الأولى. وقد علم أن ما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له كالصيام والحج، والإيلاء، والعدة، ونحوها وإنما خص الحج بالذكر متميزًا له، ولأنه علامة الحول كما أن الهلال علامة الشهر.
وقال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ .
فالشهور معدودة اثنا عشر شهرًا، والشهر هلالي بالاضطرار. فالسنة عددية اثنا عشر شهرًا، والشهر طبيعي معلق برؤية الهلال. وأصح المعلومات ما شوهد بالأبصار ولهذا سمي الهلال هلالًا لظهوره وبيانه. والشهر القمري يكون تارة (٣٠) يوما، وتارة (٢٩) يومًا كما في النصوص النبوية الآتية. وعليه فالسنة القمرية (٣٥٤) يومًا وبعض يوم خمس أو سدس. وإنما يقال إنها (٣٦٠) يومًا جبرًا للكسر على عادة العرب في جبر الكسور كما جعل الشرع: اليوم طبيعيًا من طلوع الشمس إلى غروبها، وجعل الأسبوع عدديًا بسير الشمس.
هذا وقد حدد النبي ﷺ الطريق الذي يعرف به الإهلال للشهر في جملة أحاديث حكى فيها التواتر واردة عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر وحذيفة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وجابر، والبراء بن عازب، ورافع بن خديج، وطلق بن علي، وأبو بكرة، وسمرة، وعدي بن حاتم وعن رجال من الصحابة، وعن عطاء مرسلًا ﵃ أجمعين.
وحديثا ابن عمر وأبي هريرة ﵄ في الصحيحين وغيرهما، وحديث ابن عباس في صحيح مسلم، وهو وحديث حذيفة في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما، وبقية أحاديث الجماعة والمذكورين ﵃: خارج الكتب الستة كالموطأ، ومسندي أحمد والشافعي وغيرهما.
وقد خرج أحاديثهم بألفاظها، وبيان من أخرجها:
ابن الأثير في: جامع الأصول ٦/ ٢٦٥ – ٢٧١.
والمتقي في: كنز العمال ٨/ ٤٨٥ – ٤٩٣.
والألباني في: إرواء الغليل ٤/ ٢ – ١٤.
стр. 1557
وغيرهم من أصحاب الكتب الجوامع. وهذه جميعها من قوله ﷺ ، وثبت من حديث عائشة ﵂ من هديه الفعلي ﷺ .
وهذا بيان ألفاظ روايات حديث: أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس ﵃، وبقية أحاديث الآخرين ترجع إليهم:
١- حديث أبي هريرة ﵁:
قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) ، رواه الشيخان والنسائي.
وفي لفظ: قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا العدة)) .
وفي لفظ: ((فإن غمي عليكم فأكملوا ثلاثين)) .
وفي لفظ عند النسائي: ((فاقدروا له ثلاثين)) .
وفي لفظ عنده أيضًا: ((فاقدروا له)) .
وفي لفظ عنده أيضًا: ((الشهر تسع وعشرون. ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة)) .
٢- حديث ابن عمر ﵄:
أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) .
وفي لفظ مسلم: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: ((الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين)) .
وفي لفظ: ((فاقدروا له)) .
٣- حديث ابن عباس ﵄:
أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) . رواه مالك، وأبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 1558
وفي رواية للنسائي أن ابن عباس قال: عجبت ممن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
وفي لفظ ((صوموا لرؤيته)) . الحديث.
وفي لفظ ((لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته)) .. الحديث.
وفي لفظ لأبي داود: ((لا تقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين ... ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه)) .. الحديث.
٤- أما هديه الفعلي ﷺ ففي حديث عائشة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لم يتحفظ لغيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام)) أخرجه أبو داود.
المبحث الثاني: في فقه هذه النصوص.
فهذه النصوص الصحيحة تدل دلالة صريحة على أصول شرعية في أحكام الشهور وإثبات أوائلها على ما يلي:
الأصل الأول: أن الشرع جعل علامة أول الشهر: الهلال لا غير، وأن ليس لأول الشهر حد عام ظاهر سواه.
الثاني: أن جنس الشهر القمري الشرعي منحصر أقله في (٢٩) يومًا، وأكثره في (٣٠) يومًا، وأنه لا يشرع الصوم بحال حتى يمضي (٢٩) يومًا من شعبان ولا بد أن يصام في رمضان (٢٩) يومًا لا يصام أقل منها بحال.
الثالث: أن أول الشهر لا يعتبر إلا بيقين، وهذا مطرد من قاعدة الشريعة في العبادات المؤقتة: أنه لا يصح وقوعها إلا في وقتها بيقين تام، ولهذا ربط الله أسبابها بعلامات يقينية لا مدخل للعباد فيها بل هي سنن كونية ثابتة يستوي في معرفتها عموم الخلق: علماء، وعامة، حاضرة، وبادية، وهذا من أجل أسباب اليسر ورفع الحرج في الشريعة.
الرابع: أن الشرع علق الأحكام التعبدية الشهرية على الأهلة بطريقي اليقين: الرؤية أو: الإكمال، وذلك:
١- لسهولته، ويسر يقينيته.
٢- ولأنه لا يدخله الخطأ.
٣- ولأن كل نظام سواه الأصل فيه خطأ، كالحساب فإنه مع عسره وندرة العارف به يدخله الخطأ كثيرًا كما سيأتي.
стр. 1559
الخامس: أن اليقين في ذلك يتحقق بأمر محسوس: حقيقية أو حكمًا، حقيقة محسوسة بالإهلاك، وفي حكم المحسوسة بالإكمال أي:
٢- الإكمال لشعبان - مثلًا – ثلاثين يومًا في حال تعذر الرؤية لغيم ونحوه، وهذا محسوس حكمًا يقيني في واقع الحال، لعصمة التشريع بخبرة الصادق والذي هو من سنن الله الكونية: أن الشهر القمري لا ينقص عن (٢٩) يومًا ولا يزيد عن (٣٠) يومًا.
فالشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديرًا، وأن وجوده حقيقة بالرؤية البصرية بالإهلال، أو بالإكمال، وأنه بأمر لا مدخل للعباد فيه بل هو سنة كونية ثابتة. وصاحب الشرع أشعر بحصر السبب فيهما ولم ينصب سببًا سواهما.
ووجه التيقن بالإكمال أيضًا هو: استصحاب الأصل، إذ الأصل بقاء الشهر وكماله فلا يترك هذا الأصل إلا ليقين بناء على أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بمثله. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: في الاستدلال من حديث ابن عباس ﵄ وفيه: "اعلم أن الأحكام لا تجب إلا بيقين لا شك فيه، وهذا أصل عظيم من الفقه، أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين من انتقالها، وقوله ﷺ : ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يومًا)) يقتضي استكمال شعبان قبل الصيام، واستكمال رمضان أيضًا.. اهـ.
السادس: أن الأحاديث دلت بمجموعها على انحصار الوصول إلى اليقين المذكور بأحد الطريقين. فالصيام حكم سببه: الرؤية للهلال أو الإكمال.
فمنها ما يفيد بمنطوقه وجوب الصوم والفطر بعد الرؤية أو الإكمال كقوله ﷺ : ((إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
ومنها: ما يفيد بمنطوقه تحريم الصوم والفطر قبل الرؤية والإكمال كقوله ﷺ : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين))
стр. 1560
وأنه ليس في شيء من الأحاديث إناطة الحكم الشرعي بالحساب الفلكي. وتسمية الشهر به: شهرًا، بل تعليقه الحكم بأمر يقيني من رؤية أو إكمال يدل دلالة واضحة على نفي إناطة الحكم بأي سبب آخر، ففي هذا فطم عن الاعتماد على الحساب في هذا الحكم.
السابع: أن ترائي الهلال مشروع لهذه الأمة لضبط مواسم تعبدها فإن كانت العبادة واجبة كصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، كان الترائي واجبًا كفائيًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإن كانت مسنونة كان الترائي مسنونًا؛ إذ الوسائل لها أحكام الغايات، فإن تمت الرؤية وإلا فالمصير إلى الإكمال، والحمد لله على اليسر ورفع الحرج.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (وفيه –أي حديث ابن عباس - أن الله مقيد عباده في الصوم برؤية الهلال لرمضان، أو باستكمال شعبان ثلاثين يومًا، وفيه تأويل لقول الله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أن شهوده ورؤيته أو العلم برؤيته) اهـ.
المبحث الثالث:
إجماع المسلمين على موجب هذه النصوص.
موجب هذه الأحاديث أن التكليف يتبع العلم، وقد علقه الشارع بأمر محسوس يستوي فيه عموم البشر، ونهي الأمة عن الصوم إلا بأحد هذين الطريقين. فقال ﷺ : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال..)) الحديث. وهذا من باب عموم النفي لا من باب نفي العموم، أي: لا يصوم أحد حتى يرى، أو حتى يعلم أنه رؤي أو ثبت شرعًا أنه رؤي. فإذا انتفت الرؤية البصرية انتفى العلم بالإهلال، وإذا انتفى العلم به بحاسة البصر فقد جعل الشرع المصير إلى تعليق الحكم بمناط آخر يستوي فيه عموم البشر وهو إكمال شعبان مثلًا ثلاثين يومًا. ولا يعلم في شيء من النصوص تعليق المناط بغير هذين. وهذا –والله أعلم- لأن ما سواهما، إما فاسد أو مظنون، أو فيه من التكلف والحرج والعناء، وصرف الحياة إلى ما لا نفع من ورائه بما لا تأتي بمثله الشريعة المطهرة.
وهذا التقرير هو ما عرفه المسلمون في شتى عصورهم، وما زالت عباداتهم قائمة وأمورهم راشدة. ولا يعرف في هذا خلاف بين الصحابة ﵃، بل حكى شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاقهم. وحكاه المهدي في البحر. ومذاهب الأئمة الأربعة متفقة على ذلك. قال مالك رحمه الله تعالى: إن من يصوم بالحساب لا يقتدى به، وقال ابن عرفة: لا أعرفه لمالكي. بل قد حكى الإجماع على موجبه غير واحد من أهل العلم في القديم والحديث منهم ابن المنذر في الإشراف، وسند من المالكية، والباجي، وابن رشد القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والسبكي، والعيني، وابن عابدين، والشوكاني، وصديق حسن خان في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ الآية وملا علي قاري. وقال أحمد شاكر: "واتفقت كلمتهم أو كادت تتفق على ذلك".
ونكتفي من النقول عنهم بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية إذ حكاه في مواضع من: اقتضاء الصراط المستقيم، ومجموع الفتاوى ٢٥/ ١٣٢، ١٧٩، ٢٠٧ فقال ٢٥/ ١٣٢:
"إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يرى أو لا يرى، لا يجوز، والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي ﷺ كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم" اهـ.
стр. 1561
المبحث الرابع: تفنيد الخلاف الحادث في هذه المسألة.
كما رأينا من فرع حكي فيه الخلاف ثم يتبين عند التحقيق عدم ثبوته عن المخالف وهذا كثير في مسائل فرعية. ومنه في الصيام: حكاية الخلاف في صوم يوم الشك حيث عزاه ابن قدامة وعنه ابن الجوزي رحمهما الله تعالى لنحو عشرة من الصحابة ﵃، ونحوهم من التابعين، ثم بين العراقي وغيره ضعف الرواية في ذلك عن عدد مهم. وفي غير الصيام ما يروى عن جماعة كثيرين من الصحابة التابعين! أنهم خضبوا بالسواد، وقد أبان الحفاظ منهم ابن القيم في (الهدي) أن في الروايات عنهم ضعفًا وانقطاعًا وهكذا.
وفي هذه المسألة: لا يعرف فيها خلاف صحابي بل حكى إجماعهم، وقد حكى الخلاف فيها عن:
١- الشافعي.
٢- وابن سريج.
٣- ومطرف بن عبد الله بن الشخير.
٤- ومحمد بن مقاتل.
٥- وابن قتيبة.
وقد استقرأ ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الخلاف الحادث في الجواز مقيد بأمرين في: حال الإغمام، وللحاسب فقط لا يتعداه إلى غيره كما تقدم قريبًا.
وسيتبين من التقييد الآتي: إنه حصل الغلط في هذا الخلاف على القائل به وفي نوعه فابن سريج وابن خويز منداد غلطا في حكايتها ذلك على الشافعي وأن ابن سريج الشافعي بنى قوله على غلطة على إمامه، وأن بعض الشافعية غلط أيضًا ابن سريج في حكايته لقوله. وأن مطرف بن عبد الله لا يصح عنه، وأن محمد بن مقاتل الرازي صاحب محمد بن الحسن الشيباني ضعيف. وأن ابن قتيبة ليس من أهل هذا الفن، وأن بعض أهل العلم غلط في حكايته نوع الخلاف حيث أطلق ولم يقيد. وعليه: فتبقى حكاية الإجماع إن قبلناها قائمة، وإلا فعدم وجود المخالف في القرون المفضلة خلاف معتبر. وبيان ذلك على ما يلي:
١-الغلط على الشافعي رحمه الله تعالى: قال ابن رشد في بداية المجتهد: "حكى ابن سريج عن الشافعي أن من كان من مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي وقد غم، فإن له أن يعتقد الصوم ويجزئه" اهـ.
стр. 1562
وحكاه أيضًا: ابن خويز منداد المالكي عن: الشافعي كما في: التمهيد لابن عبد البر. وعند العراقي في: طرح التثريب. ولذا قال ابن تيمية: "وحكاه بعض المالكية عن الشافعي" اهـ.
تعقبه:
أفاد العلماء من الشافعية وغيرهم أن هذا غلط على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وأن هذا لا يعرف من قوله ولا مذهبه. وأن الصحيح عنه خلافه، ومن الذين قرروا إنكار نسبته إلى الشافعي، ابن عبد البر، وابن العربي، والحافظ ابن حجر، والمطيعي في جماعة سواهم. وهؤلاء هم الذين ذكروا الخلاف وسموا القائلين به على ما يأتي، وتعقبوهم. ونص الشافعية المفيد لمذهبه على وفق ما قرره السلف وذهبوا إليه اتباعًا للنص، وهو ما في كتاب أحكام القرآن لشافعي جمع البيهقي رحمه الله تعالى، فثبت بهذا بطلان نسبة القول المذكور إلى الشافعي وغلط ابن سريج وابن خويز منداد فمع كونه رأسًا في نصرة السنة جذعًا في أعين المبتدعة فقد كان يغلط في حكاية الفقهيات كما في ترجمته من ترتيب المدارك وغيره والله أعلم.
٢- الأصل في خلاف ابن سريج: أبو العباس أحمد بن سريج الشافعي من سنة ٣٠٦هـ إمام الشافعية في وقته رحمه الله تعالى. رأى الأخذ بالحساب جوازًا في حق الحاسب خاصة إذا غم الشهر ولم يره الراءون.
والذي يتجلى أن ابن سريج - مع جلالته – رتب ما ذهب إليه من تفسيره لرواية ((فاقدروا له)) أي بحساب المنازل خطاب لمن خصه الله بهذا العلم- رتبه على ما حكاه غلطًا عن الشافعي رحمه الله تعالى، وعنه اشتهر القول بذلك ومع اشتهاره اختلف عليه النقلة بين الجواز والوجوب وفي الإطلاق والتقييد، والذي يصححه علماء المذهب عنه: أنه قال بالجواز وقت الإغمام خاصًا بالحاسب نفسه لا يتعداه إلى سواه، ومن سواه يبقى على الأصل في حكم الرؤية وبسطه النووي في المجموع محررًا.
وهذا الذي تحرر قولًا لابن سريج هو: عين ما حكاه هو غلطًا على الشافعي. فإذا ثبت مما تقدم قيل: إن ابن سريج رحمه الله تعالى غلط على الشافعي في ذلك فإنه إنما قال ما قال تقليدًا منه لإمام المذهب عنده، وإذ قد بطلت نسبة القول به إلى الشافعي فهذا يفرغ ما بني عليه فلم يبق ذلك قولًا لابن سريج.
стр. 1563
وقد أنكر العلماء من الشافعية وغيرهم على ابن سريج قوله: ومنهم ابن تيمية، كما تقدم نقله في آخر المبحث الثالث.
ثم إن العلامة تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله تعالى ألف رسالته: العلم المنشور في إثبات الشهور، انتصر فيها لرأي ابن سريج للجواز لا للوجوب مقيدًا" لذلك بشرطين: أن ينكشف الحساب جليًا من ماهر بالصنعة والعلم، وأن يكون الجواز في خصوص الصوم لا الفطر.
ثم ألف الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي رحمه الله تعالى رسالته باسم: إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة، وساق اختيار السبكي ولم يتعقبه.
ثم ألف الشيخ أحمد بن محمد شاكر رحمه الله تعالى رسالة باسم: أوائل الشهور العربية هل يجوز شرعًا إثباتها بالحساب الفلكي؟
ثم تعقبه كل من الشيخ أبو النصر مبشر الطرازي الحسيني برسالة سماها: بحث في توحيد أوائل الشهور العربية.
كما تعقبه الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري ببحث سماه: لو غيرك قالها يا أستاذ.
ثم رأيت لدى الشيخ إسماعيل خطابًا من الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى يعتذر فيه إلى الشيخ إسماعيل وأنه إنما نشر رسالته لإثارة البحث بين أهل العلم وإلا فليس له رأي بات في المسألة.
وكل هؤلاء الأجلة: السبكي، فالمطيعي، فأحمد شاكر رحمهم الله تعالى ينزعون من قوس واحدة من قول ابن سريج، وقد علمت مدى العمدة في رأيه مذهبيًا. وأن السبكي قرر الجواز بالشرطين المذكورين، أما الشيخ شاكر رحمه الله تعالى فقد وسع الخطو فصرح بالوجوب ص/ ١٥، ثم ضعف تجاسره فأبداه بحثًا ص/ ١٧، ٢٩ والله أعلم.
٣- مطرف بن عبد الله بن الشخير – م سنة ٨٧ هـ رحمه الله تعالى- كان من كبار التابعين وساداتهم وقد نفى ابن عبد البر صحة الأثر عنه فقال:
"روي عن مطرف بن شخير وليس بصحيح عنه، ولو صح ما وجب اتباعه عليه لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجة له" اهـ.
ونقله عنه ابن حجر، والعراقي وغيرهما، وقال ابن تيمية ٢٥/ ١٨٢:
"إن هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء" اهـ.
стр. 1564
٤- ابن قتيبة: العلامة المشارك عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري م سنة ٣٧٦ هـ رحمه الله تعالى.
قال ابن عبد البر متعقبًا له:
"ليس هذا من شأن ابن قتيبة ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب" اهـ.
٥- محمد بن مقاتل الرازي: صاحب محمد بن الحسن الشيباني: فهو مترجم لدى الحنفية ترجمة موجزة لا تفيد نباهته في العلم، ولم أر من نص على تاريخ وفاته، وهو مضعف في الرواية عند النقاد، قال الذهبي في المغني في ضعفاء: "محمد بن مقاتل الرازي، لا المروزي، عن وكيع، ضعيف" اهـ.
وفي الميزان قال: "حدث عن وكيع وطبقته، تكلم فيه ولم يترك" اهـ.
والنقل عنه في هذا لم يتم الوقوف على سند له ليتم الكشف عنه والحنفية ينقلون قوله لنقضه، وينقلونه ممرضًا كقول القاري في شرح النخبة ص/١٩: "وأما ما ذكره بعض علمائنا عن محمد بن مقاتل أنه كان يسأل المنجمين ويعتمد قولهم ... " فذكره ثم ذكر من تعقبه كالسرخسي وغيره.
المبحث الخامس: ما استدل به المتأخرون.
استدل بهم بحديثين وقياسين:
١- أن رواية ((فاقدروا له)) معناه: قدروه بحساب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا لعلم وأن قوله "فأكملوا العدة" خطاب للعامة.
٢- حديث: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا)) الحديث.
فالأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللًا بعلة منصوصة وهي: أن الأمة لا تكتب ولا تحسب، والعلة تدور مع المعلول جودًا وعدمًا، فإذا وصلت الأمة إلى حال في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور.
٣- ليست حقيقة الرؤية شرطًا في اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا عمل بالحساب بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالأمارات أن ليوم من رمضان: وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه.
стр. 1565
المبحث السادس: في نقضها:
أولًا: نقض الاستدلال بلفظ ((فاقدروا له)) .
واجب على أهل العلم جمع ألفاظ الرواة، والجمع بينها ما أمكن، ولا تحمل على التعدد إلا عند التعذر، بل قد يكون التعدد مؤثرًا في صحة الرواية كما علم من قواعد الاصطلاح عند المحدثين.
وعليه فألفاظ الرواة كما يلي:
١- فأتموا العدة ثلاثين.
٢- فأتموا شعبان ثلاثين.
٣- فأكملوا ثلاثين.
٤- حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة.
٥- فصوموا ثلاثين.
٦- أحصوا عدة شعبان لرمضان.
٧- فأكملوا العدة ثلاثين، عن حديث ابن عمر.
٨- فأكملوا العدة ثلاثين فإنها ليست تغمى عليكم، أبو هريرة.
٩- فعدوا ثلاثين، أبو هريرة، وابن عمر.
١٠- فأكملوا العدة، أبو هريرة.
١١- فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، أبو هريرة.
١٢- فصوموا ثلاثين يومًا، أبو هريرة.
١٣- فعدوا له ثلاثين يومًا، ابن عمر.
١٤- فاقدروا له ثلاثين، أبو هريرة، وابن عمر.
١٥- فاقدروا له، أبو هريرة، وابن عمر.
فهذه الرواية ثبتت من أحاديث الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ ، وجميعها متفقة لفظًا ومعنى، أو معنى، على إكمال وإحصاء الشهر السابق ثلاثين يومًا لعدة الشهر اللاحق عند تعذر الرؤية، ولهذا فإن أهل الاصطلاح يذكرون هذا الحديث في مبحث المتابعات بالمعنى أو باللفظ والمعنى كما في: شرح نخبة الفكر للقاري ص/ ٩٠- ٩٤.
стр. 1566
وهذا الثابت من قوله ﷺ ، ثابت من سنته الفعلية ﷺ كما في حديث عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام)) ، رواه أبو داود بسند صحيح.
وجميع روايات الصحابة المذكورة ﵃ ليس فيها ((فاقدروا له)) إلا في بعض ألفاظ حديثي أبي هريرة، وابن عمر ﵃، وقد تعددت ألفاظ روايتهما فجاء فيها مثل ألفاظ الجماعة سواء ففي لفظهما أيضًا ((فعدوا ثلاثين)) وبلفظ ((فأكملوا العدة ثلاثين)) عن ابن عمر، وبلفظ ((فأكملوا العدة)) عن أبي هريرة ونحوها من الروايات السابقة عنهما، ومنها الرواية عنهما بلفظ ((فاقدروا له ثلاثين)) عند مسلم من حديث ابن عمر ﵁، وعند النسائي، من حديث أبي هريرة ﵁، فاتضح أن رواية ((فاقدروا له)) هي مثل رواية ((فاقدروا له ثلاثين)) وهما بمعنى: فأتموا العدة ثلاثين، وفي التنزيل ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي تمامًا، وهذا هو ما فهمه أهل الحديث الذين أخرجوا الحديث، حيث يوردون الرواية المفسرة بعد المجملة كما صنع: البخاري، ومالك، وبسطه الحافظان ابن عبد البر في: التمهيد ٢/ ٩٣- ٤٠، وابن حجر في: الفتح ٤/ ١٢٠.
وعليه فإن جميع مورد الروايات واحد وإن اختلفت ألفاظها، فالإكمال، والإتمام، والإحصاء، والتقدير، والعدة، هكذا وهكذا وهكذا، جميعها بمعنى واحد، وأن الذين رووا، ((فاقدروا له)) جاء عنهما ((فاقدروا له ثلاثين يومًا)) ، وجاء عنهما أيضًا مثل ألفاظ الجماعة.
والواجب في السنن جمع شملها ونفي الاختلاف والتضارب عنها، وأن الاختلاف في اللفظ لا يحمل على الاختلاف في المعنى إلا عند تعدد المخارج وتعذر الجمع، كما عليه العمل عند المحدثين وأهل الأصول، وحرره ابن حجر في النكت كما أن من طريقتهم التي لا اختلاف فيها بينهم حمل المجمل على المفسر، فمثلًا لفظ: ((فاقدروا له)) يفسره لفظ ((فأتموا العدة ثلاثين)) إذ ليس بين المجمل والمفسر تعارض أصلًا، وهذا لائح الوضوح والبيان.
стр. 1567
وأن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد اضطرب في هذا غاية الاضطراب من حمله تعدد المباني على تعدد المعاني في حديث واحد من رواية صحابي واحد، فهو يناقض ما ذهب إليه مع الجمهور طردًا للقاعدة المذكورة في حديث كيفية النهوض في الصلاة ما بينه في: الأجزاء الحديثية، هل يكون باعتماد على الركبتين أم الأرض؟ وفي حديث ((الفطر يوم يفطر الناس)) وأنه بمعنى الرواية الأخرى: ((الفطر يوم يفطر الإمام)) كما بسطه في رسالته: توحيد أوائل الشهور العربية ص/ ٢٥- ٢٨.
فسبحان من صرف بصر الأستاذ معالجته إلى هذا التأويل الذي أوصله إلى التناقض والله أعلم.
ولهذا فإن السبكي في: العلم المنشور ص/ ٩ قد أنصف غاية الإنصاف إذ بين تفسير الرواية: ((فاقدروا له)) بالرواية الأخرى: ((فأكملوا العدة ثلاثين يومًا)) .
بل جاء في رواية أبي داود لحديث ابن عمر ﵄: أن ابن عمر كان لا يأخذ بهذا الحساب فهذا تفسير منه لرواية: ((فاقدروا له)) وأنها بمعنى الرواية الأخرى: ((فاقدروا له ثلاثين)) .
وبعد كتابة جميع ما تقدم وجدت في المستدرك للحاكم ١/ ٤٢٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٠٤، بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين)) فهذه الرواية الصحيحة صريحة في تفسير المرفوع بالمرفوع ولم أر من أشار إليها في النقض فالحمد لله على التيسير والله أعلم.
ثانيًا: نقض الاستدلال بمفهوم حديث: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) الحديث.
فقد علم في اللسان أن بساط المقال كبساط الحال له تأثير في الأحكام كما علم في مسائل من الإيمان والنذور والطلاق وغيرها، فقوله ﷺ هنا: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) فقرنه بقول ((الشهر هكذا ... )) أي مرة ثلاثين ومرة ٢٩ –فهو محض- خبر من النبي ﷺ لأمته: أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو إما (٣٠) يومًا أو (٢٩) يومًا، ومرد معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال، كما في الأحاديث المتقدمة المشعرة بالحصر في هذين السبيلين لا بكتاب ولا بحساب، فهذا خبر منه ﷺ يتضمن نهيًا عن الاعتماد على الكتاب والحساب في أمر الهلال، وفطم للأمة عن الاعتماد عليه، إذ أغناهم بنصب الرؤية أو الإكمال دليلًا على أوائل الشهور، ولهذا نظائر في النصوص الخبرية كقوله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) فهذا خبر يفيد صفة المسلم متضمنًا النهي عن إيذاء المسلم بلسان أو يد.
стр. 1568
وهذا الظاهر في خبرية النص هو الذي يتفق مع الحقائق الشرعية والدلائل النصية من الأحاديث السابقة، إذًا فيتعين إبقاء النص على ظاهره في الخبرية، ولا يصرف عنها إلى العلية إلا بدليل وصرفه يؤدي إلى تعارض النصوص كما هو بيِّن.
وهذا معنى ما قرره المحققون من أهل العلم في توجيه هذا الحديث من أنه على ظاهره لا غير من عدم الاحتياج إلى الكتاب والحساب في أمر الهلال، قرر ذلك ابن تيمية في: الفتاوى ٢٥/ - وابن العربي في: عارضة الأحوذي، وابن حجر في: الفتح: ٤/ ١٢٢، وقال: فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) ولم يقل: فسلوا أهل الحساب والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الخلاف والنزع عنهم ... " اهـ. وابن بطال قال كما في: إرشاد أهل الملة:
"وقال ابن بطال وغيره معنى الحديث: أنا لم نكلف في معرفة مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة إنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم" اهـ.
والسبكي كما في العلم المنشور ص/ ٩ قال:
وفي قوله ﷺ : ((هكذا وهكذا وهكذا)) وإشارته تحقيق لاعتماد الأمر المحسوس الذي هو من أجلى الأمور، وفطم عن اعتماد الحساب في ذلك" اهـ.
ثالثًا: نقض الاستدلال بالقياس على المحسوس بالمطمورة.
فهذا القياس باطل من أصله لأن المقيس عليه هنا لم يثبت بنص ولا اتفاق ومن شرط القياس توفر ذلك، وهو مفقود فهو ملغى من أصله، ثم هو على التسليم مقدوح فيه بعدة قوادح قياسية منها:
فساد الاعتبار لمخالفة المقيس لصرائح النصوص المشعرة بالحصر في نصب الشارع الرؤية سببًا للحكم بأول الشهر.
стр. 1569
وأنه قياس مع الفارق إذ المحبوس معذور فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت فإن انكشف له غلط قضى، والله أعلم.
رابعًا: نقض قياسه على إثبات أوقات الصلوات بالحساب.
فهذا القياس كسابقه باطل من أصله، لأن المقيس عليه مختلف فيه غير ثابت بنص ولا إجماع، وثبوته بنص أو اتفاق الخصمين شرط للأصل المقيس عليه، وشرط ثالث أن يكون الحكم معقول المعنى كتحريم الخمر إلا إن كان تعبديًا كأوقات الصلوات وأعداد الركعات لأن ما لا يعقل معناه لا يمكن تعديته إلى محل آخر.
وعلى التسليم فهو قياس مع الفارق، وقد بسطه القرافي في: الفروق –الفرق الثاني بعد المائة- ذلك أن المشرع أناط الصلاة بوجود العلامة لوقتها فنفس الوقت هو سبب الصلاة فمن علم السبب بأي طريق كان، لزمه حكمه فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات، وأما الأهلة فلم ينصب الشرع خروجها سببًا بل جعل السبب: الرؤية لقوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته)) ، ولم يقل لخروجه، فإن لم تكن رؤية رد إلى الإكمال الذي يباري الرؤية في الإهلال، ثم بسط وأورد ما للمعارض وأجاب عنه في بحث مطول، والله أعلم.
стр. 1570
المبحث السادس: في ظنية الحساب.
وذلك للأمور الآتية:
١- أن قطعية الحساب لا تقبل إلا بنتائج فاشية تفيد العلم اليقيني بصدق نتيجته واطرادها، وإخبار العدول على رسم الشرع من ذوي البصارة به بذلك، ويبسط طريقته بمحضر من أهل العلم لمعرفة مدى سلامة مقدماته شرعًا، هذا لو جعل الشرع المصير إليه.
والواقع أنه ليس لدينا دليل متوفر على هذا المنوال ليكسب إفادته اليقين إلا شهادة بعض الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم يقيني، والأدلة المادية الآتية تقدح في مؤدى شهادتهم، وتقوي نفي نظرائهم في الفلك من عدم إفادته اليقين كما قررته اللجنة الشرعية الفلكية بالأزهر في قراراتها المطبوعة، إضافة إلى أن الشرع لا يعتبر صدق الخبر والشهادة إلا من مبرز في العدالة الشرعية.
٢- قيام دليل مادي في ساحة المعاصرة على أن الحساب أمر تقديري اجتهادي يدخله الغلط، وذلك في النتائج الحسابية التي ينشرها الحاسبون في الصحف من تعذر ولادة شهر رمضان أو شهر الفطر مثلًا ليلة كذا، ثم تثبت رؤية الهلال بشهادة شرعية معدلة، أو رؤية فاشية في ذات الليلة التي قرروا استحالته فيها.
ومنه ما حدث في هلال الفطر شهر شوال من هذا العام ١٤٠٦ هـ فإن الحاسبين أعلنوا النتيجة في الصحف باستحالة رؤية هلال شوال ليلة السبت (٣٠) من شهر رمضان، فثبت شرعًا بعشرين شاهدًا على أرض المملكة العربية السعودية في مناطق مختلفة في: عاليتها وشمالها وشرقها ورؤي في أقطار أخرى من الولايات الإسلامية.
فهذا دليل مادي حاضر مشاهد على أن النتائج الفلكية المعاصرة في هذا ظنية وضعيفة ضعفًا غالبًا، وهذا في ساعة المعاصرة التي ينادي فيها البعض إلى الاعتماد على الحساب ولا أرى هذا الدليل إلا إعلانًا على عدم صدق شهادة الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم قطعي.
٣- ومن شواهد المعاصرة على ذلك أنا رأينا بعض البلدان الإسلامية تعلن الصوم والفطر بموجب الحساب الفلكي، والفارق بينها وبين البلدان التي تثبته بالرؤية يومان أو ثلاثة، فهل يكون في الدنيا فارق في الشهور القمرية الشرعية كهذه المدة؟ وهذا هو عين دخول الخلل في مواسم التعبد مما يقطع كل عاقل بفساده، وقد بسط ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يدخل على المسلمين من التلاعب في شعائرهم من جنس ما يحصل من أهل الكتابين وغيرهم، إذ كانت الأحكام عندهم معلقة على الأهلة، ثم جعلوها دائرة على السنة الشمسية على اصطلاحات لهم، ومن جنس النسيء الذي كان عند العرب على ضربين:
الأول: تأخيرهم المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات.
والثاني: تأخير الحج عن وقته تحريًا منهم للسنة الشمسية كما يعلم من تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
стр. 1571
٤- ودليل آخر في ساعة المعاصرة وهو: التضارب الحاصل بالنتائج والتقاويم المنتشرة بحساب المعاصرين، فإنها متفاوتة مختلفة في إثبات أوائل الشهور وما زال اختلافها قائمًا في الولاية الواحدة ومن ولاية إلى أخرى، فهذا دليل على دفع يقينيته أو ظنيته الغالبة.
٥- أن الطب مثلًا في العصر الراهن بلغ من الدقة والترقي ما هو مشاهد لعموم الناس، ومع هذا فيقع لذوي البصارة فيه ومن دونهم من الخطأ والغلط ما يكون ضحيته نفس معصومة أو منفعة أو عضو محترم، هذا مع أن لوازمه مدركة بالحواس العاملة فيه من سمع وبصر ولمس.. فكيف بحال الحساب الفلكي الذي ما زال عملة نادرة ولم تكن نتيجته فاشية باليقين، ولوازمه غير محسوسة، إذًا فكيف يسوغ التحول من المقطوع بدلالته بحكم الشرع إلى المظنون، ومن المتيقن إلى المشكوك في نتيجته.
٦- الحساب الفلكي المعاصر قائم على الرصد بالمراصد الصناعية الحديثة، والمرصد كغيره من الآلات التي يؤثر على صلاحيته نتائجها: أي خلل فني فيها قد لا يشعر به الراصد، هذا فيه ظنية من حيث الآلة، ورحم الله الشيخ أحمد شاكر إذ تحوط في بحثه من حيث الراصد فنص على الوثاقة، والله أعلم.
المبحث السابع: في منابذته للشرع.
وذلك من وجوه:
أولًا: حقيقة الشهر عند الفلكيين هي: المدة بين اجتماع الشمس والقمر مرتين بعد الاستسرار وقبل الاستهلال، وهذه المدة مقدرة عندهم بمقدار واحد هو: (٢٩) يومًا، و (١٢) ساعة، و (٤٤) دقيقة.
وتمثل هذه المدة دورة القمر حول الأرض، أي دورته الاقترانية بالشمس بحيث يكون القمر واقعًا بين الأرض والشمس تمامًا، وعند اللحظة التي يغادر القمر فيها وضع الاقتران، أي ينفصل فيها القمر عن الدائرة الشعاعية ويستمر إلى أن يجتمع معها مرة ثانية حينئذ يبدأ الشهر القمري الفلكي، واعلم أن "الاقتران" عند الفلكيين هو ما يسمى بالمحاق عند المتقدمين، واعلم أنه في حال الاقتران، لا يرى القمر وذلك لأن نصف القمر المضيء يكون في اتجاه الشمس.
ونصفه المظلم يكون في اتجاه الأرض، ولكن عندما يتحرك القمر بعيدًا عن وضع الاقتران يتغير وضع القمر بالنسبة لسكان الأرض وتظهر حافة القمر لامعة والتي هي: قوس دقيق بشكل هلال.
стр. 1572
هذه هي حقيقة الشهر عند الفلكيين، وهذا مقداره عندهم.
أما حقيقته الشرعية: فهي الرؤية له عند الغروب أي أول ظهور القمر بعد السواد وهذا بالإجماع، حكاه ابن رشد وغيره.
ومقدار الشهر القمري الشرعي هو: لا يزيد عن (٣٠) يومًا، ولا ينقص عن (٢٩) يومًا.
وعليه فهناك فروق الاعتبارات الشرعية والاعتبارات الفلكية في عدة أمور:
١- الشهر يبتدئ عند الفلكيين قبل البدء بالاعتبار الشرعي ونتيجة لذلك فهو ينتهي قبل.
٢- الشهر مقدر بوحدة زمنية ثابتة عند الفلكيين هي (٢٩) يومًا و (١٢) ساعة و (٤٤) دقيقة، أما بالاعتبار الشرعي فهو إما (٣٠) يومًا أو (٢٩) يومًا.
٣- أن الشهر يبتدئ باعتبار الشرع بطريق (الحس) والمشاهدة بالعين الباصرة أو بالإكمال بخروج الهلال حقيقة، أما باعتبار الفلكيين فهو: بتقدير خروجه لا بخروجه فعلًا.
٤- عند الفلكيين لا فرق أن يتم الاقتران والانفصال ليلًا أو نهارًا، فلو جعل الاقتران والانفصال قبيل الفجر فاليوم عندهم هو بعيد الفجر مباشرة، ولو حصل أثناء النهار فإن الشهر يبتدئ في اللحظة التالية له، أما باعتبار الشرع فالمعتبر الرؤية بعد الغروب، فلو رؤي نهارًا بعد الزوال فهو لليلة المقبلة ولا يصام ذلك النهار الذي رؤي فيه، وهذا بلا نزاع بين أهل العلم بل حكي الإجماع عليه، أما إذا رؤي نهارًا قبل الزوال فالجمهور منهم الأربعة أنه لا عبرة بذلك ويكون لليلة المقبلة، والله أعلم.
ثانيًا: دلالة النصوص النصية على أن إثبات أول الشهر بالإهلال أو الإكمال إذا لم ير الهلال وحال منظره قتام أو سحاب، فلو صار اللجوء إلى الحساب الفلكي وقرر الحاسب أن الشهر سيهل بمضي (٢٩) يومًا لصار هذا ملغيًا لأمر النبي ﷺ بالإكمال وقاضيًا على موجب النص.
ثالثًا: أن صاحب الشرع جعل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم فألجأ الشرع إلى سبب شرعي آخر هو: إكمال العدة ثلاثين يومًا التي هي أقصى مدة للشهر القمري بنص الشرع.
стр. 1573
أما الحساب ففيه منابذة لهذا، إذ جعل تقدير خروج القمر من الشعاع سببًا للصوم، والنبي ﷺ يقول: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ولم يقل لتقدير خروجه من شعاع الشمس، فطالما أن صاحب الشرع ﷺ أشعر بحصر السبب: الإهلال أو الإكمال ولم ينصب صاحب الشرع الحساب لخروجه سببًا فلا يجب صوم ولا فطر، وهذا معنى ما قرره القرافي في الفروق، والله أعلم.
رابعًا: أن الشرع وقَّت أول الشهر بأمر طبيعي عام يدرك بالإبصار فلا يضل أحد عن دينه، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقًا إلى التلبيس في دين الله، ويستوي في معرفته أهل الإسلام كافة على اختلاف طبقاتهم.
وإثباته بالحساب الفلكي يفقد هذه المحاسن الشرعية كما هو بين لمن تأمله.
وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا أشد البسط في رسالته كما في: الفتاوى ٢٥/ ١٣٤، ١٣٦، ١٣٩، ١٤١، والله أعلم.
стр. 1574
الخلاصة:
المسألة الأولى:
أن طريقة إثبات أول الشهر شرعًا، بالإهلال أو الإكمال، وأن إجماع المسلمين منعقد على عدم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور، وأن الخلاف الحاصل حادث ثم هو ليس على إطلاقه بل هو مقيد، ثم إنه وقعت في حكايته أغاليط، وأن كلمة المحققين والحفاظ على أن الخلاف الحادث في هذا شاذ تنكبه الأئمة، والله أعلم.
المسألة الثانية:
في توحيد الرؤية:
أن هذه المسألة قد استهلكت من البحوث والدراسات الفردية والجماعية وعلى المستويات الرسمية ما لو جمع لصار في عدة مجلدات، ومنها بحثها في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة لمدة تزيد عن عشرين عامًا، وهي تدرس من جلسة إلى أخرى حتى أصدرت الرابطة آخر قرار لها في المجمع الفقهي المتضمن: أنه لا شك في اختلاف المطالع، وأن المسألة من مباحث العلم الخلافية، وأن أحوال العالم الإسلامي كما هي معلومة على ما في كتاب تبيان الأدلة في إثبات الأهلة ص/ ٥، ٥٠- ٥٢، وأن القول بعدم توحيد الرؤية هو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة فلكل قوم رؤيتهم والخلاف للحنابلة، واختار جماعة منهم مذهب الجمهور منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن حديث كريب مع ابن عباس ﵃ في صحيح مسلم وغيره يفيد عدم توحيد الرؤية، ولهذا قرر المجمع على أن أهل كل بلد يتبعون ما يقرره أهل الفتوى فيهم، وأن على المسلمين السعي إلى أساس توحيدهم وجمع كلمتهم في تحكيم شريعة الله وإعلان الحكم بها قولًا وعملًا.
وبمثل هذا قررت: اللجنة الشرعية الفلكية بالأزهر برئاسة شيخ الأزهر محمود شلتوت عام ١٩٧٩ م، وأنه لذلك ولوجود بحوث لدى المجمع كافية في هذه المسألة اقتصرت على هذه الإلمامة، وهي خلاصة ما يظهر في هذا الموضوع، وأنه لا ينبغي التهويل والإرجاف في أن اختلاف أهل الأقطار الإسلامية في يومي الصوم والإفطار مدعاة إلى تفككهم، وأن الواجب هو الالتفات إلى توثيق الأسس من حماية الاعتقاد من أسباب الزيع والانحراف، وتحكيم الشرع المطهر بين المسلمين وتربية أجيالهم على تعاليمه، وتكثيف دراستها في المدارس النظامية.
والله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1575
بحث
لفضيلة الشيخ مصطفى كمال التارزي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نظرات إسلامية
في
توحيد بداية الشهور القمرية
إن مسألة توحيد المواسم الإسلامية هي أمنية قديمة خامرت عقول المسلمين وقلوبهم منذ زمن بعيد، ونادوا بها كلما أحسوا بالحاجة للوحدة والتضامن وجمع الكلمة، لذلك كان من المتحتم على العلماء والعاملين في الميادين الإسلامية أن يبذلوا قصارى جهدهم لإيجاد طرق وحلول من شأنها أن توحد المسلمين في أعيادهم ومواسمهم الدينية على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ونصوصها والعلوم الصحيحة.
لقد سبق عقد عدة مؤتمرات إسلامية تناولت توحيد المواسم والأعياد بالدرس والتحليل وأصدرت في ذلك مقررات، ولكن يبدو أنها ما استطاعت أن تحقق الوحدة المنشودة بين الدول الإسلامية، سواء منها التي تعمل بالحساب أو التي تعتمد الرؤية.
وفي كل سنة يكثر الجدال بين المسلمين في مسألة ثبوت شهر رمضان وثبوت عيدي الفطر والأضحى، وتعلن وسائل الإعلام الإسلامية وغيرها عن موسم واحد في تواريخ متباينة.
وقد حاول كثير ممن يهتمون بالقضايا الإسلامية أن يدرجوا هذا الموضوع في المجامع العلمية والمؤتمرات العالمية علهم يظفرون بحل يزيل مظاهر اختلاف المسلمين في أعيادهم ومواسمهم الدينية.
١- المؤتمرات الإسلامية ومحاولاتها التوحيد:
حسبما أعلم فإن الجامعة العربية أوصت في ٢٨ ديسمبر ١٩٥٥/ (١٣٧٥) بالدعوة لعقد اجتماع بين المختصين من علماء المسلمين لبحث اقتراح توحيد أيام الصيام والأعياد في البلاد الإسلامية بطلب من الدولة الأردنية الهاشمية.
وأنه لمن الصدف الغريبة أن تنعقد دورة "المجمع" هذه في عاصمة الدولة نفسها "عمان" وبعد واحد وثلاثين سنة ليتخذ المجمع قرارًا في الموضوع نفسه، مستجيبًا بذلك لرغبة إسلامية ملحة تقدمت بها " المملكة الأردنية الهاشمية ".
وفي تاريخ ١٦ مارس ١٩٦١/ (١٣٨١) أرسلت نفس الجامعة مذكرة أرفقت بها قرارات اللجنة الشرعية الفلكية التي كونها الأزهر الشريف للنظر في أمر توحيد مبدأ الشهور القمرية ومواقيت الصلاة.
стр. 1576
كما عقدت بتونس ندوة حضرها ثلة من رجال الاختصاص في الدين والفلك من أقطار العالم الإسلامي وذلك بتاريخ ١٦ أكتوبر ١٩٦٣ (١٣٨٣) بإشراف الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور مفتي الديار التونسية في ذلك الوقت.
وأبرز القرارات الصادرة في هذا الموضوع هي قرارات مؤتمر معهد البحوث الإسلامية بالأزهر المنعقد بجمادى الآخرة سنة (١٣٨٥) وأكتوبر ١٩٦٦.
وقرارات المؤتمر الإسلامي العالمي المنعقد بكوالالمبور بدولة ماليزيا في أبريل ١٩٦٩/ (١٣٨٩) .
وقرارات وزراء الشئون الدينية الإسلامية والأوقاف المنعقدة بالكويت في محرم (١٣٩٣) /مارس ١٩٧٣.
وقرارات مؤتمر اسطنبول المنعقدة في سنة (١٣٩٨/ ١٩٧٨) .
وكان آخر هذه القرارات:
قرارات المجلس الفقهي الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة في شهر ربيع الآخر سنة (١٤٠١) / ١٩٨١.
على أن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قرر أن الرؤية هي الأساس لكن لا يعتمد عليها إذا تمكنت فيها التهم تمكنًا قويًا ومن أسباب ذلك:
مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به، فكانت الفقرة الثانية من التوصيات تنص على اعتماد الحساب الفلكي في إثبات دخول الشهر إذا لم تتحقق الرؤية ولم يتيسر الوصول إلى إتمام الشهر ثلاثين يومًا.
ومؤتمر ماليزيا ورد في توصياته أنه إذا تعذرت الرؤية لسبب من الأسباب وكان الحساب الفلكي يثبت إمكان رؤية الهلال يجوز الاعتماد على الحساب الفلكي بها.
ومؤتمر وزراء الشؤون الدينية والأوقاف المنعقد بالكويت ينص قراره الرابع على وجوب عمل تقويم قمري بمعرفة لجنة معتمدة من فقهاء الشريعة الإسلامية وعلماء الفلك تلتزم به الحكومات الإسلامية في صومها وفطرها وفي تحديد مواسمها الدينية وفي تاريخها، ولكن هذه اللجنة لم تؤسس.
أما مؤتمر اسطنبول فقد احتضن تقريبًا مقررات مؤتمر الكويت، وخطا خطوة إيجابية جديدة وهي بعث لجنة من دول إسلامية عشرة مؤلفة من فقهاء الشريعة الإسلامية وعلماء الدين لضبط التقويم الهجري الموحد سنة فسنة، وقد اجتمعت بالفعل هذه اللجنة وكنت أحد أعضائها في عدد من العواصم الإسلامية (اسطنبول – تونس – الجزائر – أنقرة) وآخر اجتماع لها كان بمكة المكرمة في المحرم سنة (١٤٠٥) –آخر سنة ١٩٥٥- وقد أصدرت تقاويم موحدة بداية من مؤتمر اسطنبول سنة فسنة إلى هذه السنة، واحتضنت أعمال اللجنة منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، وأذاعت كل تقاويمها وقراراتها على جميع الدول الإسلامية.
أما قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة فإنه يصرح باعتماد الرؤية البصرية خاصة دون الحساب بأي شكل من الأشكال.
стр. 1577
وفي اعتقادي أن اعتماد الحساب في دخول الشهور القمرية، إذا كان ناتجًا عن دراسة علمية صحيحة فهو لا يمكن أن يخالف الرؤية الصحيحة بحال من الأحوال لأن العلم الصحيح لا يناقض المبادئ العامة التي قام عليها الإسلام، ونصوصه التي تخص الرؤية بالذكر.
كما أعتقد أن هذا المجمع الفقهي المبارك الذي يضم خيرة من علماء العالم الإسلامي جدير بأن يعمق البحث في هذا الموضوع من جديد وأن ينظر إليه من جميع جوانبه حتى يجد الحلول المناسبة التي تتفق مع المبادئ الإسلامية وتتماشى مع روحه السمحة وتوحد الأمة الإسلامية في أعيادها وبداية شهورها، وهي أُمْنِيةٌ قلنا: إنه نادى بها كثيرون منذ زمن بعيد.
٢ - إنكار المتقدمين العمل بالحساب
وحججهم
فالمتمسكون بظاهر الرؤية في إثبات أوائل الشهور – ويعنون بها الرؤية البصرية - لا يعتمدون الحساب، لأنهم يعتقدون أن الحساب الفلكي ليس وسيلة قطعية، بل هو لم يصل عندهم حتى إلى مرتبة الظن، لأنه حدس وتخمين، وقد نهت الشريعة عن الخوض في "علم النجوم إذ حذر الرسول ﷺ عن الأخذ بأحكام المنجم فقال فيما رواه أبو داود وابن ماجة: ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر)) .
وفي حديث آخر يقول: ((من أتى كاهنًا أو منجمًا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)) ... أخرجه أبو داود في كتاب الطب.
ولأجل هذا نجد كثيرًا من المتقدمين في علم الفقه ينصون صراحة على عدم اعتماد حساب المنجمين.
أولًا: لأن التفرقة عندهم لم تكن واضحة بين "التنجيم" الذي هو ليس بعلم وإنما هو تطلع إلى الغيب، وبين "علم الفلك" الذي هو من العلوم الصحيحة التي لا يختلف الناس في قواعدها العامة ولكون عالم الفلك في القديم كان المتطلع إلى معرفة الغيب، ومن هذا الخلط شك الفقهاء في الحساب الفلكي الذي كان في الغالب من المنجمين.
ثانيًا: لأن علم الفلك لم يصل في القرون الإسلامية الأولى إلى درجة من النضج ولم تضح معالمه عند الناس حتى يتمكنوا من الاعتماد عليه في هذه القضايا الدينية.
стр. 1578
ففي الفتاوى الهندية يقول: "وهل يرجع إلى قول أهل الخبرة العدول عمن يعرف علم النجوم؟ "الصحيح أنه لا يقبل"، ويقول في كتاب معراج الدراية: "ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه"..
وقال ابن عرفة: "لا أعلم أن مالكًا اعتبر قول المنجم".. وقال القاضي عبد الوهاب في كتابه الأشراف: "ولا عبرة بقول المنجمين في دخول وقت الصوم".
وفي الجزء الثاني من الدر المختار شرح تنوير الأبصار في باب الصوم (ص ٩٣) : قال محمد علاء الدين الحصكفي "لا عبرة بقول الموقتين ولو كانوا عدولًا على المذهب".
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار في بيان قوله: ولا عبرة بقول الموقتين، أي في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج: لا يعتبر قولهم بالإجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وفي النهر: فلا يلزم بقول الموقتين أنه أي الهلال يكون في السماء ليلة كذا، وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في الإيضاح، ثم قال: ووجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا)) (الجزء الثاني صفحة ٩٣) .
ولهذا حصر الشيخ شمس الدين بن فرج المقدسي في شرحه الكبير على المقنع ثبوت رمضان بواحد من ثلاثة أشياء فقط، وكلها ترجع إلى الرؤية البصرية (ص ٤ من المجلد الثالث من كتاب المغني والشرح) فقال:
"وجملة ذلك أي صوم شهر رمضان يجب بأحد ثلاثة أشياء".
أحدها: رؤية هلال رمضان يجب بها الصوم إجماعًا لقول النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) (متفق عليه) .
الثاني: كمال شعبان ثلاثين يومًا يجب به الصوم، لأنه يتقين به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه اختلافًا، ويستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ليحتاطوا لصيامهم، وليسلموا من الاختلاف، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)) .
الثالث: أن يحول دون منظر ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، يجب صيامه، في ظاهر المذهب.
ويقول ابن قدامة في كتابه المغني: "من بنى على قول المنجمين والحساب لم يصح صومه وإن كثرت إصابتهم، لأنه ليس بدليل شرعي، إنما الدليل قوله ﵊: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) .
وفي رواية ((لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)) فأناط وجوب الصوم برؤية الهلال. وقد نقل الباجي في المنتقى، والقرطبي في الأحكام رواية عن ابن نافع عن مالك عن الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته وإنما يصوم ويفطر على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع (١) .
وجاء في شرح مسلم للنووي نقلًا عن الماروزي: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ ((فاقدروا له)) على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسر في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشهر إنما يعرف بما يعرفه جماهيرهم (٢) .
وحجة المتمسكين بإثبات الشهور القمرية بخصوص الرؤية البصرية هي أنهم اعتمدوا جملة نصوص من السنة، واعتبروا الرؤية أمرًا تعبديًا لا يمكن العدول عنها إلى الحساب بحال من الأحوال، لأن الشريعة الإسلامية ربطت اعتماد الأهلة في كل هذه النصوص بالرؤية البصرية وهذا يؤدي إلى حتمية الرؤية وعدم جواز العمل بالحساب، واستشهدوا بقوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)) ، وفي رواية: ((فاقدروا له ثلاثين)) ، وفي رواية ((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) وفي رواية ((إذا غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) .. وفي لفظ البخاري: ((الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) فلم يذكر ﷺ علم الحساب ولا أقوال المنجمين والنصوص صريحة في اعتماد الرؤية.
стр. 1579
والقدر أو التقدير عندما تتعذر الرؤية البصرية لعارض من العوارض كالضباب وغيره إنما هو إكمال الشهر ثلاثين يومًا.
كما اعتبروا أن قضية الصوم والإفطار قضية دينية بحتة يجب الرجوع فيها إلى النصوص لا إلى مقتضيات العقول لأنها ليست مجالًا للاجتهاد الذي يُفضى إلى استعماله في حالة فقدان النصوص، والمعروف أن حكمها مقرر في السنة النبوية واتفاق المسلمين في الطبقة الأولى منهم، وأغلبهم فيما بعد ذلك وإلى اليوم لم يؤولوها لأن عباراتها صريحة لا تحتمل التأويل، خصوصًا وأنه لا يوجد دليل من النصوص يعارضها.
وعلى هذا الاتجاه سار العلامة ابن حجر في شرحه لحديث: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) فقال: لا نكتب ولا نحسب، تفسير لكونهم كذلك، وقيل للعرب: أميون، لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ .
ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير (كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري – الجزء الرابع ص ١٢٧) .
وقال في المكان نفسه: فإن تعليق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية دون الحساب يستمر ولو حدث فيما بعدهم من يعرف الحساب، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) ولم يقل: فسلوا أهل الحساب.
والحكمة في ذلك أن يستوي الناس فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم.
كما ذكر العلامة ابن حجر في نفس المكان تعليق ابن بطال الذي قال في حديث: ((إنا أمة أمية)) رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته الطويلة حول الهلال في استدلاله على عدم جواز الاعتماد على الحساب: "أن الله لم يجعل لمطلع الهلال حسابًا مستقيمًا بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته طريق مطرد إلا الرؤية، وقد سلكوا طرقًا كما سلك الألوف منهم لم يضبطوا سيره إلى التعديل الذي يتفق لحساب على أنه غير مطرد وإنما هو تقريبي" (الفتاوى – ج ٢٥- ص ١٨٣) .
وقال في فقرة أخرى من نفس الرسالة:
"فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأن ضبط وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام تدركه الأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا تشغله مراعاته عن شيء مخصص له، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقًا إلى التلبيس في دين الله، كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم (ص ١٣٩) .
وقال في نفس الرسالة: "ما ذكرناه من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لا ريب فيه، لكن الطريقة إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية لا غيرها" (ص ١٤٦) .
وقال (في ص ٢٠٧) : "والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فإنه مخطئ في العقل وعلم الحساب فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي" ...
والذي يظهر لي أن كل هذه الحجج والتعاليل التي اعتمدها المانعون للعمل بالحساب ليست مقنعة ولا أنها في المنع.
стр. 1580
ذلك أن أمر المسلمين باعتماد رؤية الهلال ليس هو أمرًا تعبديًا كما يحاول أن يقول به بعضهم، بل لأسباب أخرى منها:
أولًا: أن الرؤية هي الوسيلة الممكنة في زمن البعثة لمعرفة بداية الشهور ونهايتها، لأن الكتابة كانت قليلة نادرن وأن الرصد الفلكي لم يصل إلى درجة من الوضوح والدقة حتى يصبح وسيلة لإثبات الحكم، وكثيرًا ما وصفوا حساب المنجمين بأنه حدث وتخمين.
ثانيًا: أن الأمية التي وصف بها الرسول المسلمين هي وصف عارض لهم زمن البعثة، لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة ونادرة، كما قال ابن حجر: وقد جاء الإسلام ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإسلام والمعرفة، وبذلك يزول وصف "الأمية" عنهم وقد فعل.
ومعنى هذا أن الحساب إذا وصل إلى درجة من الوضوح والدقة وأصبح علمًا من العلوم الصحيحة، وأصبحت الكتابة المنتشرة في غالب أنحاء العالم الإسلامي، فإنه يمكن الاعتماد على الحساب كالاعتماد على الرؤية.
وإذ جاز أن يكون ضعف علم الحساب والهيئة في الماضي حجة لهم على عدم الاعتداء به، فلا يجوز أن يكون حجة في العهد الحاضر على عدم اعتباره.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يعتبر الأمية صفة للأمة الإسلامية كالوسطية لا تنفك عنها بحال فقال (في ص ١٦٢ من الجزء ٢٥ من الفتاوى) : "فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور: أحدها: أن قوله: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) هو خبر تضمن نهيًا، فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته، وهي الأمة الوسط أمية، لا تكتب ولا تحسب، ومن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة"..
ومع تقديري الكامل لعلم شيخ الإسلام ابن تيمية وسمو مداركه فإني أعتقد أن تفسيره للأمية هذا لا يقره عليه عدد كبير من علماء المسلمين وخاصة في العصر الحاضر.