كما عقدت بتونس ندوة حضرها ثلة من رجال الاختصاص في الدين والفلك من أقطار العالم الإسلامي وذلك بتاريخ ١٦ أكتوبر ١٩٦٣ (١٣٨٣) بإشراف الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور مفتي الديار التونسية في ذلك الوقت.
وأبرز القرارات الصادرة في هذا الموضوع هي قرارات مؤتمر معهد البحوث الإسلامية بالأزهر المنعقد بجمادى الآخرة سنة (١٣٨٥) وأكتوبر ١٩٦٦.
وقرارات المؤتمر الإسلامي العالمي المنعقد بكوالالمبور بدولة ماليزيا في أبريل ١٩٦٩/ (١٣٨٩) .
وقرارات وزراء الشئون الدينية الإسلامية والأوقاف المنعقدة بالكويت في محرم (١٣٩٣) /مارس ١٩٧٣.
وقرارات مؤتمر اسطنبول المنعقدة في سنة (١٣٩٨/ ١٩٧٨) .
وكان آخر هذه القرارات:
قرارات المجلس الفقهي الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة في شهر ربيع الآخر سنة (١٤٠١) / ١٩٨١.
على أن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قرر أن الرؤية هي الأساس لكن لا يعتمد عليها إذا تمكنت فيها التهم تمكنًا قويًا ومن أسباب ذلك:
مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به، فكانت الفقرة الثانية من التوصيات تنص على اعتماد الحساب الفلكي في إثبات دخول الشهر إذا لم تتحقق الرؤية ولم يتيسر الوصول إلى إتمام الشهر ثلاثين يومًا.
ومؤتمر ماليزيا ورد في توصياته أنه إذا تعذرت الرؤية لسبب من الأسباب وكان الحساب الفلكي يثبت إمكان رؤية الهلال يجوز الاعتماد على الحساب الفلكي بها.
ومؤتمر وزراء الشؤون الدينية والأوقاف المنعقد بالكويت ينص قراره الرابع على وجوب عمل تقويم قمري بمعرفة لجنة معتمدة من فقهاء الشريعة الإسلامية وعلماء الفلك تلتزم به الحكومات الإسلامية في صومها وفطرها وفي تحديد مواسمها الدينية وفي تاريخها، ولكن هذه اللجنة لم تؤسس.
أما مؤتمر اسطنبول فقد احتضن تقريبًا مقررات مؤتمر الكويت، وخطا خطوة إيجابية جديدة وهي بعث لجنة من دول إسلامية عشرة مؤلفة من فقهاء الشريعة الإسلامية وعلماء الدين لضبط التقويم الهجري الموحد سنة فسنة، وقد اجتمعت بالفعل هذه اللجنة وكنت أحد أعضائها في عدد من العواصم الإسلامية (اسطنبول – تونس – الجزائر – أنقرة) وآخر اجتماع لها كان بمكة المكرمة في المحرم سنة (١٤٠٥) –آخر سنة ١٩٥٥- وقد أصدرت تقاويم موحدة بداية من مؤتمر اسطنبول سنة فسنة إلى هذه السنة، واحتضنت أعمال اللجنة منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، وأذاعت كل تقاويمها وقراراتها على جميع الدول الإسلامية.
أما قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة فإنه يصرح باعتماد الرؤية البصرية خاصة دون الحساب بأي شكل من الأشكال.
стр. 1577
وفي اعتقادي أن اعتماد الحساب في دخول الشهور القمرية، إذا كان ناتجًا عن دراسة علمية صحيحة فهو لا يمكن أن يخالف الرؤية الصحيحة بحال من الأحوال لأن العلم الصحيح لا يناقض المبادئ العامة التي قام عليها الإسلام، ونصوصه التي تخص الرؤية بالذكر.
كما أعتقد أن هذا المجمع الفقهي المبارك الذي يضم خيرة من علماء العالم الإسلامي جدير بأن يعمق البحث في هذا الموضوع من جديد وأن ينظر إليه من جميع جوانبه حتى يجد الحلول المناسبة التي تتفق مع المبادئ الإسلامية وتتماشى مع روحه السمحة وتوحد الأمة الإسلامية في أعيادها وبداية شهورها، وهي أُمْنِيةٌ قلنا: إنه نادى بها كثيرون منذ زمن بعيد.
٢ - إنكار المتقدمين العمل بالحساب
وحججهم
فالمتمسكون بظاهر الرؤية في إثبات أوائل الشهور – ويعنون بها الرؤية البصرية - لا يعتمدون الحساب، لأنهم يعتقدون أن الحساب الفلكي ليس وسيلة قطعية، بل هو لم يصل عندهم حتى إلى مرتبة الظن، لأنه حدس وتخمين، وقد نهت الشريعة عن الخوض في "علم النجوم إذ حذر الرسول ﷺ عن الأخذ بأحكام المنجم فقال فيما رواه أبو داود وابن ماجة: ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر)) .
وفي حديث آخر يقول: ((من أتى كاهنًا أو منجمًا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)) ... أخرجه أبو داود في كتاب الطب.
ولأجل هذا نجد كثيرًا من المتقدمين في علم الفقه ينصون صراحة على عدم اعتماد حساب المنجمين.
أولًا: لأن التفرقة عندهم لم تكن واضحة بين "التنجيم" الذي هو ليس بعلم وإنما هو تطلع إلى الغيب، وبين "علم الفلك" الذي هو من العلوم الصحيحة التي لا يختلف الناس في قواعدها العامة ولكون عالم الفلك في القديم كان المتطلع إلى معرفة الغيب، ومن هذا الخلط شك الفقهاء في الحساب الفلكي الذي كان في الغالب من المنجمين.
ثانيًا: لأن علم الفلك لم يصل في القرون الإسلامية الأولى إلى درجة من النضج ولم تضح معالمه عند الناس حتى يتمكنوا من الاعتماد عليه في هذه القضايا الدينية.
стр. 1578
ففي الفتاوى الهندية يقول: "وهل يرجع إلى قول أهل الخبرة العدول عمن يعرف علم النجوم؟ "الصحيح أنه لا يقبل"، ويقول في كتاب معراج الدراية: "ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه"..
وقال ابن عرفة: "لا أعلم أن مالكًا اعتبر قول المنجم".. وقال القاضي عبد الوهاب في كتابه الأشراف: "ولا عبرة بقول المنجمين في دخول وقت الصوم".
وفي الجزء الثاني من الدر المختار شرح تنوير الأبصار في باب الصوم (ص ٩٣) : قال محمد علاء الدين الحصكفي "لا عبرة بقول الموقتين ولو كانوا عدولًا على المذهب".
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار في بيان قوله: ولا عبرة بقول الموقتين، أي في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج: لا يعتبر قولهم بالإجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وفي النهر: فلا يلزم بقول الموقتين أنه أي الهلال يكون في السماء ليلة كذا، وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في الإيضاح، ثم قال: ووجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا)) (الجزء الثاني صفحة ٩٣) .
ولهذا حصر الشيخ شمس الدين بن فرج المقدسي في شرحه الكبير على المقنع ثبوت رمضان بواحد من ثلاثة أشياء فقط، وكلها ترجع إلى الرؤية البصرية (ص ٤ من المجلد الثالث من كتاب المغني والشرح) فقال:
"وجملة ذلك أي صوم شهر رمضان يجب بأحد ثلاثة أشياء".
أحدها: رؤية هلال رمضان يجب بها الصوم إجماعًا لقول النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) (متفق عليه) .
الثاني: كمال شعبان ثلاثين يومًا يجب به الصوم، لأنه يتقين به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه اختلافًا، ويستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ليحتاطوا لصيامهم، وليسلموا من الاختلاف، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)) .
الثالث: أن يحول دون منظر ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، يجب صيامه، في ظاهر المذهب.
ويقول ابن قدامة في كتابه المغني: "من بنى على قول المنجمين والحساب لم يصح صومه وإن كثرت إصابتهم، لأنه ليس بدليل شرعي، إنما الدليل قوله ﵊: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) .
وفي رواية ((لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)) فأناط وجوب الصوم برؤية الهلال. وقد نقل الباجي في المنتقى، والقرطبي في الأحكام رواية عن ابن نافع عن مالك عن الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته وإنما يصوم ويفطر على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع (١) .
وجاء في شرح مسلم للنووي نقلًا عن الماروزي: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ ((فاقدروا له)) على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسر في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشهر إنما يعرف بما يعرفه جماهيرهم (٢) .
وحجة المتمسكين بإثبات الشهور القمرية بخصوص الرؤية البصرية هي أنهم اعتمدوا جملة نصوص من السنة، واعتبروا الرؤية أمرًا تعبديًا لا يمكن العدول عنها إلى الحساب بحال من الأحوال، لأن الشريعة الإسلامية ربطت اعتماد الأهلة في كل هذه النصوص بالرؤية البصرية وهذا يؤدي إلى حتمية الرؤية وعدم جواز العمل بالحساب، واستشهدوا بقوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)) ، وفي رواية: ((فاقدروا له ثلاثين)) ، وفي رواية ((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) وفي رواية ((إذا غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) .. وفي لفظ البخاري: ((الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) فلم يذكر ﷺ علم الحساب ولا أقوال المنجمين والنصوص صريحة في اعتماد الرؤية.
стр. 1579
والقدر أو التقدير عندما تتعذر الرؤية البصرية لعارض من العوارض كالضباب وغيره إنما هو إكمال الشهر ثلاثين يومًا.
كما اعتبروا أن قضية الصوم والإفطار قضية دينية بحتة يجب الرجوع فيها إلى النصوص لا إلى مقتضيات العقول لأنها ليست مجالًا للاجتهاد الذي يُفضى إلى استعماله في حالة فقدان النصوص، والمعروف أن حكمها مقرر في السنة النبوية واتفاق المسلمين في الطبقة الأولى منهم، وأغلبهم فيما بعد ذلك وإلى اليوم لم يؤولوها لأن عباراتها صريحة لا تحتمل التأويل، خصوصًا وأنه لا يوجد دليل من النصوص يعارضها.
وعلى هذا الاتجاه سار العلامة ابن حجر في شرحه لحديث: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) فقال: لا نكتب ولا نحسب، تفسير لكونهم كذلك، وقيل للعرب: أميون، لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ .
ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير (كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري – الجزء الرابع ص ١٢٧) .
وقال في المكان نفسه: فإن تعليق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية دون الحساب يستمر ولو حدث فيما بعدهم من يعرف الحساب، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) ولم يقل: فسلوا أهل الحساب.
والحكمة في ذلك أن يستوي الناس فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم.
كما ذكر العلامة ابن حجر في نفس المكان تعليق ابن بطال الذي قال في حديث: ((إنا أمة أمية)) رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته الطويلة حول الهلال في استدلاله على عدم جواز الاعتماد على الحساب: "أن الله لم يجعل لمطلع الهلال حسابًا مستقيمًا بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته طريق مطرد إلا الرؤية، وقد سلكوا طرقًا كما سلك الألوف منهم لم يضبطوا سيره إلى التعديل الذي يتفق لحساب على أنه غير مطرد وإنما هو تقريبي" (الفتاوى – ج ٢٥- ص ١٨٣) .
وقال في فقرة أخرى من نفس الرسالة:
"فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأن ضبط وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام تدركه الأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا تشغله مراعاته عن شيء مخصص له، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقًا إلى التلبيس في دين الله، كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم (ص ١٣٩) .
وقال في نفس الرسالة: "ما ذكرناه من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لا ريب فيه، لكن الطريقة إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية لا غيرها" (ص ١٤٦) .
وقال (في ص ٢٠٧) : "والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فإنه مخطئ في العقل وعلم الحساب فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي" ...
والذي يظهر لي أن كل هذه الحجج والتعاليل التي اعتمدها المانعون للعمل بالحساب ليست مقنعة ولا أنها في المنع.
стр. 1580
ذلك أن أمر المسلمين باعتماد رؤية الهلال ليس هو أمرًا تعبديًا كما يحاول أن يقول به بعضهم، بل لأسباب أخرى منها:
أولًا: أن الرؤية هي الوسيلة الممكنة في زمن البعثة لمعرفة بداية الشهور ونهايتها، لأن الكتابة كانت قليلة نادرن وأن الرصد الفلكي لم يصل إلى درجة من الوضوح والدقة حتى يصبح وسيلة لإثبات الحكم، وكثيرًا ما وصفوا حساب المنجمين بأنه حدث وتخمين.
ثانيًا: أن الأمية التي وصف بها الرسول المسلمين هي وصف عارض لهم زمن البعثة، لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة ونادرة، كما قال ابن حجر: وقد جاء الإسلام ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإسلام والمعرفة، وبذلك يزول وصف "الأمية" عنهم وقد فعل.
ومعنى هذا أن الحساب إذا وصل إلى درجة من الوضوح والدقة وأصبح علمًا من العلوم الصحيحة، وأصبحت الكتابة المنتشرة في غالب أنحاء العالم الإسلامي، فإنه يمكن الاعتماد على الحساب كالاعتماد على الرؤية.
وإذ جاز أن يكون ضعف علم الحساب والهيئة في الماضي حجة لهم على عدم الاعتداء به، فلا يجوز أن يكون حجة في العهد الحاضر على عدم اعتباره.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يعتبر الأمية صفة للأمة الإسلامية كالوسطية لا تنفك عنها بحال فقال (في ص ١٦٢ من الجزء ٢٥ من الفتاوى) : "فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور: أحدها: أن قوله: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) هو خبر تضمن نهيًا، فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته، وهي الأمة الوسط أمية، لا تكتب ولا تحسب، ومن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة"..
ومع تقديري الكامل لعلم شيخ الإسلام ابن تيمية وسمو مداركه فإني أعتقد أن تفسيره للأمية هذا لا يقره عليه عدد كبير من علماء المسلمين وخاصة في العصر الحاضر.
стр. 1581
٣- الحساب الفلكي هو غير التنجيم
اعتقد علماء الفلك والهيئة من جانبهم أنهم مخاطبون شرعًا للعمل يلف هذا الميدان لا سيما والقرآن نفسه رغب الناس في علم الهيئة لمعرفة حساب الشهور والسنين من منازل القمر بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ .
وقد ورد من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) .
ويتعين أن يكون المراد من ((اقدروا)) انظروا فيه وتدبروه حتى تعرفوا الأوقات، وذاك يختلف باختلاف الناس، ولا يلزم أن يكون كل الناس عارفين بالعلامات التي تدل على الأوقات، بل يكفي أن يعرف ذاك البعض، وسبيل من لم يعرف أن يسأل من يعرف، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
كما حفزهم على بذل الجهد في هذا الميدان بالحديث المروي عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: ((إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب الشهر هكذا وهكذا)) ، وانكبوا انكبابًا كليًا لمعرفة كل العلوم للخروج من الأمية إلى نور العلم والمعرفة محبة في الرفعة، والله يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وهكذا انطلق علماء الفلك المسلمون على رصد سير الشمس والقمر منزلة منزلة حتى تمكنوا من التقدم في هذه العلوم تقدمًا واسعًا، كما تمكنوا من معرفة الأحوال التي يمكن أن يرى فيها الهلال إذا تعذرت رؤيته بالبصر حتى كانت نتائجهم لا تخالف الرؤية البصرية، بل كانت الرؤية تؤكد حسابهم وإرصادهم، مما جعل علم الهيئة يتبوأ الصدارة من بين العلوم لديهم، وهذا ما تفطن إليه كثير من الفقهاء في مختلف المذاهب الإسلامية، وجعلهم يميلون شيئًا فشيئًا إلى هذه الاكتشافات العلمية الصحيحة، ويعطون للحساب ما يستحقه من اعتبار في التشريع، إذ أصبح وسيلة من وسائل إثبات الصوم لا تقل قيمة عن الرؤية البصرية.
стр. 1582
ولا أظن أن أمر الشك الذي كان يحوم حول قدرة "المنجمين" على حسب الأهلية ينصب اليوم على أكاديميات البحث العلمي والتكنولوجي، مثل معهد الأرصاد بحلوان بمصر، ومعهد قانديلي باسطنبول، والمعهد الفلكي ببوزريعة بالجزائر، والمرصد الفلكي بجاغرتا بأندونيسيا وغيرها من المراصد التي تمحضت لدراسة علم الفلك، وأصبحت عنوان التقدم العلمي في العصر الحاضر.
إن هذه المعاهد اليوم تستطيع أن تحدد لحظة ميلاد القمر، وفترة مكثه بعد غروب الشمس في البلاد الإسلامية المختلفة بدقة متناهية، واحتمال الخطأ مع انضباط الحسابات في المراصد الفلكية الحديثة المختلفة أصبح من الأمور المستبعدة.
وأصبحت الدراسات التي تقدم من الفلكيين في هذا الموضوع تصور بوضوح كل الأشكال التي تمر بها عملية ظهور الهلال، وقد تقدم المرصد الفلكي بقاندلي باسطنبول بخرائط جغرافية واضحة تدل بكل دقة على بداية رؤية الهلال لكل شهر من شهور السنة، كما تبين البلدان التي يمكن فيها ظهور الهلال فوق الأرض بالساعة والدقيقة والثانية، ثم كيف تستمر عملية الرؤية طبقًا لحركة القمر حول الأرض.
وقد صرح كثير من الفلكيين بأنه يمكن الاستعانة بالأقمار الاصطناعية لتصبح عملية الرؤية تشاهد على شاشة التليفزيون من طرف كل الناس.
هذا وإن البحث الذي تقدم به علماء الفلك بجامعة الملك عبد العزيز بجدة إلى مجمعكم هذا، ليعد نموذجًا صادقًا ودراسة علمية عميقة لمحاولة التوفيق بين النصوص الشرعية وعلم الحساب الذي أصبح من العلوم الصحيحة في هذا العصر.
стр. 1583
٤- المجيزون لعمل بالحساب
وحجبهم
إن القول بجواز الاعتماد على الحساب ابتدأ من عهد التابعين، أمثال: مطرف بن عبد الله، وابن قتيبة من المحدثين، والقاضي عبد الجبار، وابن مقاتل الرازي من أصحاب محمد بن الحسن، وأبي العباس ابن سريج والقفال، والقاضي أبي الطيب من الشافعية كما نص على ذلك القرطبي في تفسيره (ج ٢ ص ٢٩٣) وقال: "وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين، وابن قتيبة من اللغويين، فقالا: يعول على الحساب عند الغيم، بتقدير المنازل واعتبار حسابها، في صوم رمضان حتى إنه لو كان صحوًا لرئي، لقوله ﵇: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) ، أي استدلوا عليه بمنازله، وقدروا إتمام الشهر بحسابه.
وصرح صاحب الهداية الحنفي في كتابه مختارات النوازل (١) : أن علم النجوم قسمان: أحدهما الحسابي معلنًا أنه حق، وقد نطق به الكتاب قال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي سيرهما بحساب، بل إن كثيرًا من الآيات القرآنية ترغب الناس في علم الهيئة لمعرفة حساب الشهور والسنين من منازل القمر، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
أما العلامة ابن دقيق العيد فقد قال في شرح عمدة الأحكام: "والذي أقول به أن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه بمفارقة القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم الشهر بالحاسب على الشهر بالرؤية بيوم أو بيومين، فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع، كالغيم مثلًا فهذا يقتضي الوجوب لوجود الحساب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية بمشروطة في اللزوم، لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بالحساب بإكمال العدد بالاجتهاد بالأمارات وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه (كتاب أحكام الأحكام الجزء الثاني ص ١٧) .
أما الإمام ابن السبكي فقد ذهب إلى اعتماد الحساب في إثبات الأهلة ومواقيت الصلاة، بناء على أن الحساب قطعي الثبوت، نظرًا إلى ما وصل إليه علم الحساب والفلك من الدقة، والوثوق في نتائجهما، وقرر الإمام ابن السبكي: أنه لو شهدت بينة برؤية الهلال ليلة الثلاثين من الشهر، وقال الحساب بعدم إمكان الرؤية تلك الليلة عمد بقول أهل الحساب لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية.
стр. 1584
وابن السبكي يرى جواز الاعتماد على الحساب الفلكي، لا وجوبه، وربط الحكم الشرعي به، إذا كان القمر بعيدًا عن مغرب الشمس، بحيث يمكن رؤيته بصريًا لولا الغيم، وهو في هذا تابع لإمام سابق من أئمة الشافعية، وهو ابن سريج.
وقال في تعليقه على حديث ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) في كتابه العلم المنثور: "والبحث في الحديث في موضوعين: أحدهما قوله ((فاقدروا له)) قال بعض من يقول باعتماد الحساب: معناه احسبوا له، ويكون معناه: قدروه بالحساب والمنازل كما قال تعالى ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ قاله مطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين وابن سريج من الشافعية وابن مقاتل من أصحاب محمد بن الحسن وطائفة من المتأخرين قالوا: ولا يلزمنا مقال المارزي من أن الناس لو كلفوا بالحساب ضاق عليهم إذ لا يعرفه إلا القليل.. لأنه إنما يلزم ذلك لو كلف عامة الناس بالحساب ولم يقل بذلك أحد، بل الذي قلناه: إن الحديث في المعنى الذي اخترناه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقوله في الرواية الأخرى ((فأكملوا العدة ثلاثين)) خطاب للعامة.. فلا تنافي بين الروايتين، بل هما في حالتين مختلفتين يعمل بكل منهما في حال".
وقال الغزالي: "علم النجوم إذا أريد به: موت فلان وحياة فلان، وبطلوع نجم كذا يظهر موت فلان أو هلاك أمة أو ذهاب دولة، فليس يقينيًا ولا ظنيًا، فهذا القسم لا يقول به الشرع، فأما علم النجوم الذي يعرف به سير الكواكب والشمس والقمر وكذلك علم الهيئة فلن يكذبه الشرع، بل يهتدي به إلى معرفة السنين والشهور وأوقات الصيام والحج ومواقيت الصلاة، فإنكار هذا قصور وجهل.
ومن هذا ما ذكره الأستاذ العلامة الشيخ محمد رشيد رضا (في الجزء الأول المجلد ٢٨ من المنار، صفحة ٦٣ المؤرخ ٢٩ شعبان ١٣٤٥ هجرية) ونص المقصود:
"ما زلنا منذ بلغنا سن الرشد إلى أن أدركنا سن الشيخوخة نسمع المسلمين يتألمون من الاضطراب والاختلاف الذي يحدث في إثبات أول شهر رمضان لأجل الصيام الواجب، وإثبات أول شوال لأجل الفطر الوجب في يوم العيد، وكذا هلال ذي الحجة لأجل وقوف عرفة، وقد عرض لنا في هذا اليوم الجمعة ٣٠ قبيل ظهور الشمس أي قبل طلوعها أن سمعنا دوي المدافع تنفجر في قلعة القاهرة إعلانًا لإثبات شهر رمضان، وكان الحاسبون الفلكيون قد نشروا في جميع الجرائد تذكيرًا بما دون في جميع النتائج لهذه السنة الهجرية، من أن أول رمضان فيها ليلة السبت، لأن هلاله يولد في ليلة الجمعة بعد ثلاث ساعات ونصف دقيقة واحدة من غروب الشمس، فرؤيته مستحيلة قطعًا في ليلة الجمعة، وممكنة لكل معتدل البصر في ليلة السبت".
стр. 1585
ويقول الشيخ رشيد رضا في مجلة المنار:
"إن الشهر قد ثبت برؤية الهلال حقيقة أو حكمًا، فلا يكون إثبات وجوب الصيام بقول الفلكيين الحاسبين بل بوجود الهلال، وإنما يبينون للناس متى يرى ...
..إن إثبات أول شهر رمضان، وأول شهر شوال، هو كإثبات أوقات الصلوات الخمس، قد ناطها الشارع كلها بما يسهل لعلم به على البدو والحضر كما تقدم، وغرض الشارع من ذلك العلم بهذه الأوقات لا التعبد برؤية الهلال، ولا بتبيين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أي انفصال كل من الآخر برؤية ضوء الفجر المسيطر من جهة المشرق، ولا التعبد برؤية ظل الزوال وقت الظهر، وصيرورة ظل الشيء مثله وقت العصر، ولا برؤية غروب الشمس، وغيبة الشقف لوقتي العشائين ... ".
وينهي العلامة المرحوم رشيد رضا بحثه بقوله: "وجملة القول أننا بين أمرين:
إما أن نعمل بالرؤية في جميع مواقيت العبادة أخذًا بظواهر النصوص، وحسبانها تعبدية، وحينئذ يجب على كل مؤذن أن لا يؤذن حتى يرى نور الفجر الصادق مسيطرًا منتشرًا في الأفق، وحتى يرى الزوال والغروب.. الخ.
وإما أن نعمل بالحساب المقطوع به لأنه أقرب إلى مقصد الشارع، وهو العلم القطعي بالمواقيت وعدم الاختلاف فيها، وحينئذ يمكن وضع تقويم عام تبين فيه الأوقات التي يرى فيها هلال كل شهر في كل قطر، عند عدم المانع من الرؤية، وتوزع في العالم".
وقد بحث الشيخ بخيت المطيع مفتي الديار المصرية سابقا في كتابه إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة واستعرض أقوال الفقهاء في المذاهب المختلفة وساق الأدلة والمناقشة من الجانبين، وذكر ما قاله صاحب الهداية الحنفي في مختارات النوازل.
ثم قال: "مما يؤيد القول بالعمل بالحساب الصحيح أن أهل الشرع من الفقهاء وغيرهم يتوجهون في كل حادث إلى أهل الخبرة وذوي البصيرة فيهم، فإنهم يأخذون بقول أهل اللغة في معاني ألفاظ القرآن والحديث، وبقول الطبيب في إفطار شهر رمضان، وغير ذلك كثير ... فما الذي يمنع من بناء إكمال شعبان ورمضان وغيرهم من الأشهر على الحساب، والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة العارفين به إذا أشكل علينا الأمر في ذلك، مع كون مقدماته قطعية وموافقة لما نطقت به آيات القرآن لكريم؟ ألا ترى أن الحاسب إذ قال بناء على حسابه: إن الخسوف أول الكسوف يقع ساعة كذا من يوم كذا، وقع كما قال قطعًا ولا يتخلف، خصوصًا وأن مبنى الحساب على الأمور المحسوسة والمشاهدة بواسطة الأرصاد وغيرها.."
стр. 1586
وقال في موضع آخر: "الواجب على القاضي النظر في حال الشهود تحقق عدالتهم وتيقظهم وبراءتهم من الريبة والتهمة، وسلامة حواسهم، وحدة نظرهم، وسلامة الأفق ومحل الهلال مما يشوش الرؤية، ومعرفة منزلة الهلال التي يطلع فيها، وما يقتضيه الحساب من إمكان رؤيته وعدمها، فإن المشهود به شرطه الإمكان، فإذا دل الحساب على عدم إمكان الرؤية وأخبر مخبر برؤيتها، فالخبر يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل التعمد الغلط، ولكل منهما أسباب لا تنحصر.
فليس من الرشد قبول الخبر المحتمل لذلك، أو الشهادة به مع عدم الإمكان، لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات، وهذه المسألة لم نجدها مسطورة فتفقهنا فيها ورأينا فيها عدم قبول الشهادة.
ومن العلماء من لا يقتصر على الرؤية البصرية، لإثبات الشهر، مثل العلامة المرحوم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في بحث له، بعنوان: يسألونك عن الأهلة: نشر في مجلة الهداية التونسية بتاريخ جويلية ١٩٧٤، ونشر كذلك في مجلة الأصالة الجزائرية قال: "ولمعرفتنا وجود الهلال عقب المحاق في علم الله طرق:
أولها: رؤيته بالبصر، رؤية لا ريبة تتطرقها، وهذا الطريق حسي ضروري ولا خلاف في العمل به.
ثانيها: مرور ثلاثين ليلة من وقت استهلالك الهلال الذي سبقه، وهذا الطريق قطعي تجريبي، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة.
ثالثها: دلالة الحساب الذي يضبطه المنجمون، أعني العالمين بسير النجوم علمًا لا يتطرق قواعده شك، وحسابًا تحققت سلامته من الغلط، وذلك هو ما يسمى بالتقويم.
стр. 1587
فإذا ضبط الحساب وقت وجود الهلال باليوم والساعة، حصل لا محالة العلم بهذا الشهر القمري، إذ جرب التقويم في حساب السنة الشمسية عند الأمم قديمًا وحديثًا، فلم يعثر له على غلط، واتبعه المسلمون في أوقات الصلوات وفي أوقات الإمساك والإفطار في رمضان، وجرب عند العرب في حساب السنة القمرية كذلك.
وإن علم الناس بوجود الهلال لم يكن له طريق في العصور الماضية سوى الرؤية فلذلك قال النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له)) .
وليس في لفظ الحديث صفة قصر الصوم على حالة رؤية الهلال وقياس حساب المنجمين على رؤية الهلال قياس جلي ... ".
وذهب العلامة الشيخ علال الفاسي إلى مثل ما ذهب إليه محمد رشيد رضا ومحمد الطاهر بن عاشور وقال في حديث: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) أنه خرج مخرج الكلام المعلل وهو أن العرب بل الذين كانوا في عصر النبي ﷺ مِنْ أُمَمِ العالم، لم يكونوا على درجة من العلم يجعل نتائج حساباتهم قطعية بل كانت مقدمات الحساب الفلكي لإثبات الشهر قبل الإسلام وإلى حياة النبي ﷺ غير متيقنة الإنتاج.. أما اليوم فقد تطورت حال معرفة المسلمين للفلك، ومنذ العصر العباسي وعلماؤنا يتعاطون هذا الفن، وانضمت إليه الدراسات المصرية فلم يعد من المكن القول بأن النتائج الحسابية ظنية بل هي قطعية بقدر ما تكون الرياضيات قطيعة، وعليه فما دام الحكم قد خرج معللًا وما دامت العلة قد انتفت أي أننا لم نعد أمة أمية بل أصبحنا نقرأ ونحسب فقد أرشدنا الحديث إلى العمل بالحساب طبقًا للقاعدة الأصولية التي تقول:
"الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا" (وهذا النص نقل عن كتاب للأستاذ علال الفاسي عنوانه: الجواب الصحيح والنصح الخالص في نازلة فاس وما يتعلق بمبدأ الشهور الإسلامية العربية) .
وذهب هذا المذهب عدد كبير من العلماء المعاصرين، نادوا بالعمل بالحساب في إثبات الشهور القمرية.
стр. 1588
وهكذا فإن بعض المصلحين يقولون:
لا يمكن توحيد المسلمين في هذه القضية إلا بواسطة تقويم فلكي يتفق عليه علماء الشريعة وعلماء الفلك المسلمون مع إلغاء اعتبار المطالع كما هو مذهب جل الأئمة المجتهدين وإلزام أهل الشرق والغرب، واعتبار "مكان ما" مركزًا لإمكان الرؤية، ولتكن " مكة المكرمة " وهي أم القرى وقلب العالم الإسلامي، وهذا ما صادق عليه مؤتمر الكويت.
أما الذي اعتمده مؤتمر اسطنبول فهو أن أية بقعة من الأرض يرى فيها الهلال يكون بداية لدخول الشهر، وقد التزمت اللجنة الشرعية الفلكية بهذا الإجراء بداية من تكليفها بإعداد التقاويم الموحدة.
إذا اعتبر أن إثبات دخول الشهر القمري بالحساب هي رؤية حسابية للهلال وأنها كالرؤية البصرية.
وبهذا ندرك أن النصوص التي استشهد بها على حصر الرؤية بالبصر لا يمكن أن تكون دليلًا على منع إثبات الشهر بغير الرؤية البصرية لأن هذه النصوص وإن أفردت الرؤية بالذكر فإنها لم تقصر إثبات الشهر على البصر، بل اقتصرت على ذكر وسيلة من وسائل إثبات الرؤية.
وكل من أجاز العمل بالحساب لا ينكر جواز الاعتماد على الرؤية البصرية إذا تحققت شروطها وسلمت من الطعن.
стр. 1589
٥- نتائج واقتراحات
يبدو أننا لم نظفر إلى الآن بنتائج إيجابية للتقريب بين الذين يجيزون العمل بالحساب وبين الذين يقصرون ثبوت الشهر على الرؤية البصرية وحدها.
فالفريق الأول يقيد العمل بالحساب بشرط أن يكون الحاسبون جماعة من المسلمين موثوقًا في دينهم وعلمهم وأن يكون حسابهم متماشيًا مع القواعد الشرعية وأن يكون مؤيدًا بحسابات المراصد الفلكية العالمية وعندما تتوفر هذه الشروط يعتبر الحساب وسيلة ثانية من وسائل الإثبات فتكون عند المسلمين وسيلتان لا وسيلة واحدة الرؤية والحساب، لاسيما وأن علم الهيئة أصبح من العلوم الصحيحة أقرته الأمة الإسلامية وقررت تدريسه في جامعاتها وأيقن عموم الناس أنه على أساس هذا العلم وغيره من العلوم الصحيحة تسير الطائرات وتطلق الأقمار الاصطناعية ومراكب الفضاء.
وتمكن الإنسان من الصعود إلى القمر والنزول على سطحه والقرآن الكريم يبين أن حكمة الله اقتضت أن نظام الكواكب والأفلاك إنما يسير بحساب معين لا يختلف.
وإذا تمكنت المؤتمرات والندوات الإسلامية التي انعقدت حتى الآن أن تقيد عمل الحاسبين، وأن تضبط الرؤية المرادة شرعًا، وأن تقيدها بقيود اتفق عليها علماء الشريعة والفلك، وبرزت بصيغة قرارات كانت جميعها متكاملة روعي فيها جانب النص كما روعي فيها جانب المصلحة، وكانت غايتها جمع المسلمين وتوحيد أعيادهم ومواسمهم.
فإن هذه المؤتمرات لم تتمكن من جانب آخر من إقناع القائلين بانفراد الرؤية البصرية دون الحساب في إثبات الشهور لأن الرؤية عندهم أمر تعبدي لا يمكن أن يطرأ عليها أي تغيير، فالأحكام أبدية والأسباب والشروط والموانع هي كذلك أبدية من وضع إلهي، فما أثبت واجبًا يبقى كذلك وما أثبت ممنوعًا يبقى كذلك أيضًا.
وقد ثبت أن الرؤية سبب شرعي للصوم والإفطار لتبق كذلك منظورًا إليها نظر الأصول الثابتة لا أن يتحيل على إلغائها باعتماد الحساب الفلكي مناطًا مستقلًا، وبالتالي الاعتماد على التقاويم في جميع الشهور.
إن الذي يقول بذلك هو حاكم على الرؤية البصرية بالنسخ، وهو في الآن نفسه منتقص للدين الذي يجب أن يعتقد أنه كامل بالرؤية بالعين وغاية ما أنيط به الحكم، وسبب لوجوده، فلا يتحقق دخول الشهر إلا بها، وكل النصوص الواردة تنص على وجوب الصوم بالرؤية البصرية فلا موجب لتأويلها.
стр. 1590
وقد غفل القائلون هكذا عن أمر، وهو أن بعض النصوص التي اعتمدوها وردت معللة من الرسول ﷺ نفسه، والقاعدة عند الأصوليين والفقهاء أن النص إذا ورد معللًا بعلة فإن للعلة تأثيرها في فهم النص، وأن الحكم يرتبط بها وجودًا وعدمًا، لا فرق في ذلك بين العبادات وغيرها.
كما تغافلوا عن أن الضرورة قد يكون لها دخل في تغير الحكم، فمثلًا: جاءت النصوص بصوم الثلاثين يومًا عند الغيم ضرورة أننا لا نستطيع معرفة أول دخول الشهر إلا عن طريق الرؤية البصرية وقد تعذرت، فإذا أمكننا التعرف على دخول أول رمضان أو أول شوال بواسطة أهل الذكر وهم أهل الحساب الفلكي فلا يجوز لنا أن نعتمد على الضرورة والله تعالى يقول ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وبذلك يتبين أن أصحاب هذا الاتجاه لم يقنعوا بأي دليل أو برهان من الأدلة والبراهين التي قدمها المجيزون لإثبات الشهر بالحساب، واعتباره وسيلة ثانية مع الرؤية على الأقل كما أن كل المعطيات الجديدة التي حفت بموضوع إثبات أوائل الشهور والتطور العلمي المدهش الذي ظهر في العالم، والرغبة الملحة من الأمة الإسلامية في التوحيد لم تغير من مواقفهم شيئًا.
وإذا كان من المفروض عند علماء الحساب ومن يجيزون العمل به أنه لا يمكن أن تختلف نتيجة الحساب عن نتيجة الرؤية الصادقة بحال من الأحوال، فإن اختلاف المسلمين في بداية الشهور القمرية يدل على وجود خلل، إما في الحساب وإما في الرؤية.
وقد بلغ الخلل أقصاه في السنوات الأخيرة، إذ ليس من المعقول لولاه أن تختلف بداية الشهر القمري بين بلد وآخر بمدة وصلت في السنة الماضية (١٤٠٦) إلى ثلاثة أيام.
وبإعادة النظر في تقييم هاتين الوسيلتين –الرؤية والحساب- بعد كل هذه الجهود التي بذلت، ولاسيما في السنوات الأخيرة، فإننا نجد ضبطًا مدققًا في التقاويم القمرية التي صدرت عن اللجنة الدولية المنبثقة عن مؤتمر اسطنبول، إذ هي التزمت بكل الضوابط التي فرضت عليها، فكان الاتفاق كاملًا بين المراصد الفلكية في كامل العالم الإسلامي، كما كان التطابق تامًا في النتائج المقدمة كل سنة من طرف المراصد، الأمر الذي دفعنا إلى الاطمئنان إلى نتائج الحساب.
أما الرؤية البصرية فإنها لم تضبط في نظرنا الضبط المدقق الذي يضمن لها الصحة، ويحقق لها النتيجة الصحيحة التي لا ينبغي أن تختلف عن الحساب المصحح عادة.
стр. 1591
ويرجع هذا في نظري إلى تمسك الفقهاء بأحد قولي الإمام أحمد بن حنبل الذي يجيز في إثبات هلال رمضان قبول شاهد واحد وهو مشهور المذهب الحنبلي المستند إلى حديث ابن عباس الذي قال: ((جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا لله؟ فقال: نعم، فقال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدًا)) .
بينما المشهور في المذهب الحنفي أنه لا يقبل في هلال رمضان عند الصحو إلا الاستفاضة، وقدرت بخمسين رجلًا على الأقل عند أبي يوسف، كالقسامة، وقد علل المغني اشتراط أبي حنيفة الاستفاضة بأنه لا يجوز أن ينظر الجماعة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم واحدة، والموانع منتفية، فيراه واحد فقط، وقال ابن عابدين في تعليقه على قول الحصكفي: "جمع عظيم يقع به العلم الشرعي وهو غلبة الظن": "لأنه العلم الموجب للعمل، لا العلم بمعنى اليقين ولذلك فلا يقبل خبر واحد لأن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه مع فرض عدم المانع وسلامة الأبصار وإن تفاوتت في الحدة ظاهرة في غلطه" (بحر – الجزء الثاني- ص ٩٣) .
فإذا امتنع أبو حنيفة من قبول خبر الواحد في عصر التابعين، وعد شهادته بانفراده برؤية الهلال غلطًا، مع علمه بالنص الذي اعتمده من أجاز قبول خبر الواحد فكيف يكون الحال في هذا الزمان الذي اشتهر بكثيرة الكاذبين المدعين لرؤية الهلال، وكتب الفقه مليئة بالحوادث التي صام فيها المسلمون أو أفطروا تبعًا لشهادات كاذبة أو غالطة.
وكم من مرة في هذه السنوات الأخيرة أعلن عن الصيام أو الإفطار بشهادة رؤية الهلال ثم لم ير الناس الهلال في الليلة الثانية وهذا يؤكد بطلان الشهادة، فلماذا نتمسك بآراء معينة أصبحت لا تحقق المصلحة المرجوة منها، مع أننا سمعنا بحوادث كثيرة توقف فيها الفقهاء وأعادوا فيها النظر دفعًا لمفسدة وأصدروا أحكامهم الجديدة معللين ذلك بفساد الزمان؟ والرسول ﷺ نفسه أشار إلى ضياع الأمانة وفقدان الخير وتدهور الأخلاق، بقدر ابتعاد الناس عن القرون الأولى، ففي الحديث الذي رواه الصحيحان، أن النبي ﷺ قال: ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)) .
стр. 1592
فأي مانع يمنعنا في هذا الزمان الذي كثر فيه الغش، وفقدت الأمانة، وظهرت شهادة الزور في كل مكان، من أن نشترط شروطًا من شأنها أن تحفظ سلامة الشهادة التي يصوم بها مليار من المسلمين في جميع بقاع الأرض، ويحتفلون بموجبها بأعيادهم ومواسمهم.
إذا اكتفى الرسول ﷺ في زمن البعثة بتزكية الشاهد بالنطق بالشهادتين على يديه ثم اشترطت العدالة وقال مالك: لا بد من شاهدين عدلين، فإن مثل هذه التزكية لا تكفي في هذا الزمان الذي كثر فيه من ينطق بالشهادتين ثم يخون ويغدر ويسرق.
إن التمسك بمذهب أبي حنيفة وحده في هذه المسألة ربما لا يكفي في هذا الزمان، بل لا مانع من تنظيم كيفية إثبات الرؤية بطريقة تضمن بها صحة هذه الشهادة، ولماذا لا تتعدد هيئات الرؤية في جهات متعددة من العالم الإسلامي، وحتى في القطر الواحد؟
ولماذا لا ننتخب أفراد الهيئات التي يعهد إليها أمر الرؤية ما دام احتمال الكذب، واحتمال خداع النظر، واحتمال قلة المعرفة بأمكنة طلوع الهلال قائمًا.
اعتقادي أننا لا نخرج بهذه القيود الجديدة عن أصول الأحكام التي تمثل الوسائل، والتي تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال، والأمثلة في ذلك كثيرة في الفقه الإسلامي.
١- فقد أمر الخليفة عثمان بن عفان ببيع الإبل الملتقطة بعد أن كان حكمها أن تترك لحالها حتى يلقاها ربها، كما جاء في السنة، وعلل ذلك بأن المجتمع على وشك الفساد، فخاف منه على سرقة هذه الإبل.
стр. 1593
٢- وأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة مع نهي الرسول ﷺ عن كتابة غير القرآن، وعلل ذلك بأن أسباب منع كتابة الحديث زالت بانتشار المصاحف واستقرار القرآن في الأذهان.
٣- وقد نقل ابن عابدين (ج ٤ ص ١٧٨) اعتبار العرف مطلقًا وإن خالف النص عند أبي يوسف ورجحه، وعلل ذلك بقوله: لأن لنص ما كان في ذلك الوقت إلا لأن العادة كانت كذلك وقد تبدلت فتبدل الحكم.
ومع ما ذكر فكثير من العلماء ممن يعتمدون الرؤية البصرية يعتبرون أن مخالفة الرؤية البصرية لما تعارف الناس عليه من قواعد علم الهيئة التي لا تتخلف، توجب تكذيب الشهود، وتعتبر من قوادح الشهادة، ومن ذلك:
١- إذا ثبت علميًا أن الهلال لم يولد فلا يمكن أن يقال إنه شوهد، لأنه لا بد من ميلاد الهلال قبل غروب الشمس، ومكثه بعد الغروب حصة تكفي لمشاهدته، واعتبروا هذا النوع من الشهادة باطلًا لأنه خداع بصر أو سراب كاذب.
٢- إذا راقب الناس الهلال في آخر الشهر من جهة الشروق بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، فرأوه رؤية محققة، ثم شهد شهود برؤيتهم الهلال مساء ذلك اليوم، فيكذبون، لأن رؤيته صباحًا دليل على أنه ما زال لم يقترن مع الشمس، وما زال لم يدخل تحت شعاعها، إذ من المعلوم أن القمر لا بد أن يختفي في آخر الشهر تحت شعاع الشمس يومين على الأقل.
٣- إذا راقب الناس الهلال في كل مكان فلم يروه مع الصحو التام، ثم ادعى رؤيته واحد أو أفراد قلائل من الناس، فيكذبون أيضا، لأنه لو كان موجودًا لرآه جمهور الناس.
٤- إذا ادعى رؤية الهلال وانخسفت الشمس بعد ذلك بيوم أو يومين، فإن هذا دليل على كذب الرؤية، لأن الشمس لا يخسف بها في سنة الله إلا في اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين، كما دقق علماء الفلك، وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته في الصوم (في الجزء ٣٥ ص ١٨٤، ١٨٥، من الفتاوى) .
стр. 1594
وهكذا تكذب كل شهادة في رؤية الهلال إذا كانت في وقت تستحيل رؤيته فيه، والغريب أنه لم يقع اعتبار كل هذه الضوابط التي يقرها العقل السليم، ولم تعتبر من القوادح في الشهادة، بل اكتفى بشهادة الشهود، وقبلت ولو من واحد عند الإعلان عن الشهر القمري في بلدان من العالم الإسلامي في هذه السنوات الأخيرة، وفي نظري أن هذه الأجزاء من الأسباب التي زادت في تباين المسلمين في بداية الشهور والأعياد.
فالرؤية البصرية في نظري لا يمكن أن تكون أكثر من وسيلة من وسائل العلم، والله عندما قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (فإنما أراد العلم بوجوده: فكل من علم منكم بوجود الشهر وجب عليه صومه، فوجود الشهر شرعًا يكون بوجود هلاله بعد غروب الشمس بأي طريق من طرق العلم، وإنما نص الشارع على الرؤية باعتبارها إحدى وسائل العلم بوجود الهلال، وهي المتعارفة عند نزول الآية.
ولعل ما قدمه علماء الدين والفلك في هذا المجمع المبارك يمكن أن يمثل البداية للخروج من الخلاف وقد أصبحت مسألة توحيد بداية الشهور القمرية بعد كل هذه الجهود واضحة تتطلب أخذ قرار حازم من مجمعكم يأخذ كله هذه الملاحظات بعين الاعتبار لكي يبعد الأمة الإسلامية عن البلبلة التي وقعت فيها منذ سنوات، ويوضح لها معالم الطريق حتى تسير في السبيل السنوي، والله الهادي إلى سواء السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مصطفى كمال التارزي
стр. 1595
بحث
فريق علماء جامعة الملك عبد العزيز
قسم علوم الفلك
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فإننا ندعو الله تعالى أن يلهمنا طريق الصواب وأن يمهد لنا طريق الحق ويبعدنا عن طريق الضلال.
لم تكن مشكلة توحيد الشهور العربية قائمة في العصور السابقة وما ظهر منها فهو محدود وغير ملفت للنظر نظرًا لصعوبة الاتصال بين البلدان أما في العصر الحاضر وقد تقاربت البلدان بتقدم المواصلات وتقدمت طرق الاتصالات بين أرجاء المعمورة وفي ثوان ينتشر الخبر في جميع أنحاء العالم وأصبح المسلمون في العالم كأنهم يعيشون في بلدة واحدة ومن جهة أخرى فقد تطورت العلوم عامة والعلوم الفلكية خاصة وأتى بعدها غزو الفضاء الخارجي والذي أدى بدوره إلى ربط الحسابات الفلكية والمشاهدات والتوقعات مع الواقع الحقيقي وتم التأكد من دقة الحسابات رغم المسافات الشاسعة بين الكواكب والأجرام فأصبح بإمكان العلماء تحديد موقع ومكان الخسوف والكسوف على سبيل المثال قبل أعوام من حدوثها بدقة متناهية وتم وصف حركة الكواكب والنجوم والأقمار بدقة وتم كذلك حساب سرعتها وأوزانها وطبيعة مكوناتها.
ولا يخفى على أحد بأن دين الإسلام هو آخر الأديان وهو دين عالمي لا يخص فئة بذاتها ولا منطقة بعينها، ولا يخفى علينا بأن ديننا دين توحيد والتوحيد هو إفراد الله في العبادة وتنزيهه عن كل النقائض كما أننا نقدر أن للتوحيد معنى آخر وهو تأمين وحدة المشاعر والجهود وتوحيد المناسبات الإسلامية والأعياد.
إن موضوع رؤية الهلال وبداية الشهور العربية ترتبط به جميع المناسبات الإسلامية، ولذلك فإن له أهمية كبرى في حياة المسلم وعلى سبيل المثال لا الحصر عند نهاية شهر شعبان من كل سنة يبدأ النقاش في العالم الإسلامي حول بداية شهر رمضان، ويصبح لدى المسلمين شك نحو البلاد الإسلامية الأخرى التي تخالف بلادهم في بداية الصوم، وتعظم المشكلة عند المسلمين في البلاد الأوروبية والأمريكية حيث إن معظم المسلمين في تلك البلاد من جنسيات مختلفة، وأصبح كل منهم يصوم ويفطر على بلده مما سبب تمزقًا رهيبًا بينهم، وشكًا في أداء عباداتهم وقلقًا وخصامًا وجدالًا، وبذلك ذهبت فرحة استقبال رمضان والصوم، وذهبت كذلك فرحة العيد فنرى البعض صائمًا والآخر يفطر وهل هذا شيء طبيعي، وتوجه لهم من المجتمع هذه الأسئلة:-
- ألستم من دين واحد؟
стр. 1596
- لماذا لا تتفقون في مواعيد أعيادكم ومناسبتكم؟
وهل من الطبيعي أن يفطر من في العراق ويصوم من في مصر وهم يعلمون بما يفعل الآخر؟ والواقع أن لهذا الوضع حالتين:
الأولى: أن أحدهما يفطر في يوم صوم.
والحالة الثانية: أن أحدهما يصوم في عيد، وكلتا الحالتين محرمة شرعًا.
ولا بد هنا من الذكر بأن هذا لوضع بالنسبة للمسلمين غاية في السوء، ومثار الاستنكار بين معظم عامة وعلماء المسلمين، وكذلك مدعاة للهجوم من قبل الملحدين.
والسؤال الذي يجب على علماء المسلمين أن يفكروا فيه: هل هناك تعارض بين الدين والعلم؟ والجواب بالنفي معروف لدى جميع المسلمين لذلك فإننا ندعو علماء المسلمين أن يتفكروا في هذا الموضوع، ويضعوا جل اهتمامهم به، وأن يتعمقوا في فهم النواحي الفلكية حتى يتمكنوا من تصور الوضع والحلول المقترحة، وسوف نشرح فيما بعد حركة القمر والأرض وكيفية ميلاد الهلال، والقواعد التي يأخذها العلماء الفلكيون المسلمون حتى تتوافق حساباتهم مع الشريعة ومع تعاليم الرسول ﷺ .
دعوى اختلاف المطالع:
إن دعوى اختلاف المطالع اجتهد فيها بعض العلماء السابقين لتفسير اختلاف الرؤية، وهم مأجورون على ذلك، والواقع أنه إذا ولد الهلال في مدينة ما والتي تقع على خط طول معين فإن ميلاد الهلال يكون مؤكدًا في جميع البلدان التي تقع على هذا الخط ويكون أيضًا مؤكدًا لجميع البلدان التي تلي ذلك الخط.
وإذا أخذنا بالقول الشرعي بأنه إذا اشترك بلد مع آخر بليل فإنه يؤخذ برؤية البلد الآخر يصومان ويفطران معًا، وعل هذا الأساس فإن جميع بلدان العالم الإسلامي يجب أن تصوم وتفطر في يوم واحد لأنها جميعًا تشترك مع بعضها البعض بليل.
стр. 1597
الحساب الفلكي:
لا بد أن نذكر هنا أن أي حل لبداية الشهور العربية يجب أن يتوافق مع الشريعة الإسلامية السمحة، وأننا عندنا نتبنى الرأي القائل بجواز الاعتماد على الحسابات الفلكية ليس معناه تعليق الحكم في الصوم وغيره بهذا الحساب أصلًا بل إننا نقول بأن حكم الشريعة باعتماد الرؤية البصرية باق إلى يوم الدين، علمًا بأنه هو الأصل، ذلك لأن الشرع الإسلامي لا يمكن أن يربط حكمًا شرعيًا بأمور تتوقف على علم قد يوجد وقد لا يوجد وقد نفقد قواعده وعلماءه يومًا ما، وإنما مرادنا بإمكان الاعتماد على الحساب الفلكي اليوم، هو أنه جائز ولا مانع شرعًا بعد أن وصل علم الفلك إلى ما وصل إليه من الدقة المدهشة واليقين المدعم بالشواهد والبراهين، وبذلك فنحن نعتقد بأن الحسابات الفلكية تحقق ما تحققه الرؤية بصورة أيسر وأبعد عن الخطأ مع بقاء الرؤية هي الأصل، بمعنى أنه إذا فقد هذا العلم بقيت الرؤية مستندًا في الحكم، وقد بنينا هذا الرأي على الأسس الآتية:
١- أن العالم الإسلامي بأسره اليوم يأخذ بالحسابات الفلكية في الصلاة والتي هي ثاني ركن من أركان الإسلام بعد الشهادة، ولا أحد يذهب ليرى هل ظهر الشفق؟ أو هل زال الظل؟ أو هل أصبح طول الظل ضعف طول الجسم الأصلي؟ بل ولا أحد ينظر هل غابت الشمس ليعلن دخول وقت المغرب؟ بل إن الجميع ينظر إلى التقويم ويأخذ منه الوقت وهذا محسوب بالحسابات الفلكية التي تحقق الأحكام الشرعية الأصلية في المواقيت، أما من لا تتوفر لديه تلك التقاويم يعود ويطبق تلك الأحكام.
٢- أن الكثير من نصوص القرآن الكريم تدعو الناس للتفكر في خلق الله تعالى وبالأخص للتفكر في الكون فقال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فهذه الآيات تدل على أن حركة الأفلاك حركة دقيقة ثابتة لا تختلف عبر العصور فهي تسير على نسق منتظم، فكان انتظار دوران القمر والأرض حول الشمس سبيلًا لتحديد السنوات، والحساب، وجاء أيضًا في القرآن الكريم ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وفسر البعض "شهد" على أنها علم، أي علم بحلول الشهر.
стр. 1598
ومن جهة أخرى فإن أحاديث الرسول ﷺ أتت بعدة صور وروايات وقد استنبط بعض العلماء إمكانية الرخصة ومما جاء في قوله ﷺ :
((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) وفي رواية ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) وفي رواية ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإن غم عليكم فاقدروا له)) .
ففي الرواية الأخيرة ((فاقدروا له)) وأحد صور التقدير تكون بالحساب وكانت الرؤية البصرية مطلوبة في ذلك الحين لعدم توفر الحسابات الفلكية حيث قال الرسول ﷺ ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا..)) إلى نهاية الحديث، وربط الكتابة والحساب بالشهور دليلًا على إمكانية استخدام الحساب في تحديد الشهور إذا توفر ذلك العلم، وأن الرؤية البصرية خاصة بتلك الفترات التي لا يتوفر بها علم الحساب والله أعلم.
٣- لقد كان لعامة سكان الجزيرة العربية خبرة ودراية في الكواكب والنجوم والقمر حيث كان الاعتماد كبيرًا عليها لمعرفة الاتجاهات والوقت والشهور، وكذلك كان الجو خاليًا من الملوثات التي تمنع الرؤية كالدخان والإضاءة العالية، ولكن في زمننا هذا فإن عامة الناس لا يعرفون إلا القليل عن القمر والكواكب والنجوم وحتى المهتم منهم في هذا العلم لا بد له من السفر بعيدًا عن إضاءة المدينة ودخانها حتى يتسنى له رؤية السماء بوضوح، ولذلك نرى الاختلافات الكثيرة التي تحصل بين البلدان عند تحديد بداية الشهور والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى عدة أيام.
٤- من المعلوم أن الأحكام الدينية تنقسم إلى قسمين هما: المقاصد، والوسائل، فصوم رمضان، والإفطار في أول يوم من شوال، والوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة يمثل المقاصد، أما تثبيت المناهج والأصول المتعلقة بتحديد أوقات هذه العبادات تمثل الوسائل، وأن الأحكام الدينية التي تمثل الوسائل يمكن أن تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال لأنها ليست مقاصد بالذات بل هي وسائل للوصول للغايات المقصودة، قال الفقهاء: "إن الأحكام الشرعية ترتبط بالعلل والأسباب فإذا ما ثبتت العلة ثبت الحكم وإذا زالت زال الحكم تبعًا لها".
والأمثلة على ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال نذكر أحاديث الرسول ﷺ ، قال ﷺ : ((لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن فمن كتب شيئًا غير القرآن فليمحه)) وذلك خوفًا منه ﷺ أن تختلط الأحاديث بالقرآن الكريم، وعندما دونت المصاحف وانتشرت زالت الأسباب المانعة من كتابة الأحاديث، فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، بل واعتبر كتابة الأحاديث واجبة لصونها من الضياع، فالأحكام التي تبنى على سبب خاص وتقوم على حالة معينة تزول لسبب وتستمر بدوام السبب والعلة.
стр. 1599
والسبب في اتخاذ الفقهاء الرؤية البصرية أساسًا لتحديد أوائل الشهور القمرية مستدلين من قول رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا)) لعدم كفاية علم الفلك بتثبيت أوائل الشهور في ذلك العهد، وقد صرحت هذه العلة في الحديث النبوي الشريف ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ... )) أما اليوم فبات بالمستطاع حساب أدق حركة للقمر على وجه اليقين وأصبح بالإمكان أيضًا تحديد وقت ومكان ميلاد الهلال.
علم الفلك وكيفية تحديد الشهور العربية:
مما يؤسف له أن يعتقد البعض بأن علم الفلك هو علم التنجيم، أو أنه يعتمد على الظن والتخمين في حساباته والواقع أن علم الفلك مثل العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء فهو يعتمد على أمور علمية محسوسة وعلى التجربة والمشاهدة وكما ذكرنا سابقًا بأن تطور العلوم والتقنية في مجال الفضاء أدى إلى التحقق في النظريات الفلكية، وأدت الأجهزة الحديثة إلى الوصول إلى مستويات عالية من الدقة في مراقبة وحسابات سير الكواكب والأجرام السماوية.
تنتمي الكرة الأرضية إلى المجموعة الشمسية، والتي تتكون من الشمس ويدور حولها ٩ كواكب وهي على التوالي: عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشترى، زحل، يورانوس، نيبتوس، وبلوتو، وتدور هذه الكواكب بمدارات حول الشمس.
стр. 1600
الشكل (١) يوضح الشمس في المركز وحولها مدارات الكواكب وتدور الأرض بمدار شبه دائري حول الشمس وتبعد عنها بالمتوسط مسافة ١٤٩.٥ مليون كيلو متر، ويدور حول معظم هذه الكواكب أقمار أقل حجمًا من الكوكب، فمثلًا يدور حول المريخ قمران وحول المشترى ١٦ قمرًا، وحول الأرض يدور القمر وهو يبعد عن الأرض بمسافة قدرها ٣٦٥ ألف كيلو متر.
стр. 1601
في الشكل (٢) نوضح دورة الأرض حول الشمس ودورة القمر حول الأرض، حيث تمثل دورة الأرض حول الشمس دورة كاملة السنة الشمسية بفصولها الأربع بينما تمثل دورة الأرض حول نفسها يومًا كاملًا، أما بالنسبة للقمر فإن دورته الاقترانية حول الأرض تمثل طول الشهر القمري.
يدور القمر حول الأرض بدورة اقترانية كل ٢٩ و ١٢ ساعة و٤٤ دقيقة بالمتوسط، ومعنى اقترانية هو اقتران القمر بالشمس أي أن يكون القمر واقعًا بين الأرض والشمس تمامًا، وتقاس مدة الدورة من وضع الاقتران إلى وضع الاقتران التالي.
في الشكل (٣) نوضح وضع الاقتران:
стр. 1602
_________
стр. 1603
وهذه الدورة تمثل الشهر العربي (القمري) وفي وضع الاقتران لا يرى القمر وهذا ما يسمى بالمحاق، وذلك لأن نصف القمر المضيء يكون في اتجاه الشمس ونصفه المظلم يكون في اتجاه الأرض، ولكن عندما يتحرك القمر بعيدًا عن وضع الاقتران يتغير وضع القمر بالنسبة لسكان الأرض وتظهر حافة القمر لامعة والتي هي قوس دقيق بشكل هلال.
стр. 1604
_________
стр. 1605
ويبدأ الشهر فلكيًا عندما يغادر القمر وضع الاقتران، ولكن حتى نحقق شرط الرؤية التي يتطلبها الشرع وضعنا بعض الشروط اللازم توفرها حتى يتسنى لنا رؤية الهلال.
تتوقف رؤية الهلال ووضوحه على ارتفاعه وقت غروب الشمس فإذا غرب القمر قبل غروب الشمس فإنه لا يرى مطلبًا في تلك الليلة، وكلما زاد ارتفاعه عن الأفق وقت غروب الشمس كلما وضحت الرؤية، ونظرًا لوجود شفق الغروب فإننا لا نستطيع رؤية الهلال إذا كان ارتفاعه أقل من ٥ درجات عن الأفق وبذلك فإن الشرط الأول الذي يتطلبه الفلكيون رؤية الهلال بصريًا هو أن يكون ارتفاعه عن الأفق وقت المغرب أكثر من ٥ درجات والشرط الآخر أن يكون القمر بزاوية أكثر من ٨ درجات عن وضع الاقتران كما شرحنا سابقًا، أي أن يكون القمر على بعد ٨ درجات من الشمس.
وباستطاعة الفلكيين حساب وقت ميلاد القمر فلكيًا (وضع الاقتران) ، وزاوية انحراف القمر عن وضع الاقتران، وارتفاع القمر وقت الغروب فوق الأفق، وكذلك انحراف موضع غروب القمر عن موضع غروب الشمس لكل يوم، وذلك بمنتهى الدقة، وتوجد جداول عالمية توضح معظم هذه المعلومات لجميع المواقع على ظهر الأرض على مدار السنة، وأصبحت هذه الحسابات من الأمور المسلم بها علميًا وباستطاعة أي عالم فلكي القيام بهذه الحسابات بمنتهى السهولة والدقة.
التوصية:
نظرًا لما سبق ولما أتضح أن الحسابات الفلكية لا تتعارض إطلاقًا مع أحكام الشريعة ونظرًا لما لمسناه من دقة تامة في الحسابات الفلكية في تحديد مواقيت الصلاة والظواهر الفلكية المختلفة مثل الكسوف والخسوف والشروق والغروب وخلافه إننا نوصي بالآتي:
(أ) الأخذ بالحسابات الفلكية التي تحقق الرؤية البصرية لتحديد أوائل الشهور العربية.
(ب) الشروط اللازم توفرها لشروط الرؤية البصرية والتي يبني على أساسها الفلكيون حكم دخول الشهر العربي شرعًا:
١- أن لا يقل البعد الزاوي بين الشمس والقمر عن ٨ درجات بعد الاقتران.
٢- أن لا تقل زاوية ارتفاع القمر عن الأفق عند غروب الشمس عن ٥ درجات.
(جـ) التحقيق والتأكد من شهادة من يدعي رؤية الهلال في الوقت الذي يثبت عدم ميلاد الهلال واستحالة رؤيته بالحسابات الفلكية.
стр. 1606
توحيد بدايات الشهور القمرية
(الشمس والقمر بحسبان)
لسعادة الدكتور فخر الدين الكراي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
التكليف في الإسلام على ما هو معروف عند أهل العلم أنه بقدر الطاقة والوسع قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ونعرف حتى في شهر رمضان، يختلف حكم الصوم باختلاف حال المكلفين والمريض والمسافر مثلًا بوسعهما أن يفطرا لأن التكليف لازم دائمًا لقدرة الإنسان، وهنالك أمر آخر، قال العلماء: المرء قادر بنفسه عاجز بغيره بمعنى أن كل تكليف شرعي إنما يناط بقدرة الفرد أو قدرة الجماعة، لنضرب على ذلك مثلًا: فرض الوقت ظهر الجمعة، قال العلماء: فرض الوقت هو الظهر، إذن كل مكلف يستطيع بانفراده أن يؤدي هذه الفريضة ولكن إذا توفرت شرائط الجماعة وجب أداء الجمعة وإسقاط الظهر.
ومن هذا المنطلق: إنا أمة صرنا قادرين على الحساب وهو أحد وجهي إثبات ولادة الهلال ودخول الشهر، ولم يعد الحساب في زماننا ضمن التنجيم ولكنه يناط به عند الشرق والغرب، أخطر القضايا ولا تقل عندهم أهميته عن تعبدنا بإثبات الهلال، وصار من البديهيات المعروفة أن حساباتهم الفلكية يكاد ينعدم منها الخطأ إطلاقًا، وأن معلوماتنا تؤكد بأن أوجه الخلاف بين أهل العلم قاطبة في هذا المجال جزء من ألف الثانية، وهذا كما تعلمون لا يؤثر في ولادة اليوم، ومما هو مسلم أن الأرقام الحسابية أدق حتى من الرؤية، وإلى ذلك أشار غير واحد من العلماء المسلمين من السلف والخلف بما فيهم علماء المنطق لأن الحواس التي تعتمد عليها قد تخطئ، وخاصة في مثل هذا المجال.
ولئن قيل: إن الحاسبين أيضًا قد يخطئون فنعود إلى الإجابة بأن خطأهم لا يتجاوز ما ذكرنا من الوقت بينما خطأ ملتمس الهلال بوسيلة البصر هو أكثر وكتب الفقه مشحونة بذلك.
وإن أول كلمة نزل بها الروح الأمين هي ﴿اقْرَأْ﴾ وإن قراءتنا باسم ربنا أوصلتنا إلى حقائق ثابتة لا تتعارض ولا يمكن أن تتعارض البتة مع حديث رسول الله ﷺ .
وتلمسون يا سادة أن أمصار المسلمين كان لا يصل بينها ما يصلها الآن من وسائل الاتصال الحديث وكأن العالم كله صار مصرًا واحدًا، وأن الكرة الأرضية تكاد تكون أمام علماء الفلك بمثابة الكرة الصغيرة يحيط بها من جميع جوانبها عبر الآلات الحديثة، وأن التنجيم الذي نفاه علماء المسلمين سابقًا نحن أشد نفيًا له لأنه ينطلق من مسلمات وافتراضات، بينما علماء الفلك ينطلقون من حقائق ثابتة لا مجال للشك فيها.
стр. 1607
وفيما يلي بسطة علمية تفسر وتوضح النقاط التقنية التي جاءت بهذه المقدمة مقرونة ببعض الدلائل التي لا يمكن القدح فيها.
منذ القديم، مثلت تحركات القمر والحالات الظاهرية التي تنشأ عنها مصدر تساؤلات عديدة، من قبل المهتمين بالمجال السماوي.
فمن المعلوم أن الشعوب القديمة اهتمت بكل الظواهر التي لها علاقة بالقمر، ونجد ذلك من خلال اعتنائهم برسم خرائط سماوية يخترقها القرص القمري من حين لآخر، كما قامت بإنشاء جداول زمنية تعتمد أساسًا على الحالات التي يمر بها القمر، فكان أن ظهرت للوجود وحدة القياس الزمنية التي يعبر عنها بالشهر القمري، وهي الفترة التي تفصل بين حالتين متشابهتين لجرم الليل، ومن بين الاهتمامات الأخرى في هذا المجال قيام الفلكيين القدامى بحسابات تقريبية مكنتهم من التعرف على مختلف الدورات الزمنية للظواهر الأخرى المتعلقة بقرص القمر، ونذكر مثلًا حالات الكسوف والخسوف التي شغلت لزمان طويل لب الدارسين للأجرام الخارجية.
التحركات الظاهرية للقمر:
يمكن لكل واحد منا أن يلاحظ لعدة أيام أن القمر يبدأ في ظهوره في القبة السماوية من الشرق ليختفي بعد اختراقه المجال العلوي لهذه القبة من الغرب، وهذا ليس بغريب نظرًا لأن القمر يشارك الأجرام البعيدة الأخرى الحركات الظاهرية الليلية الناتجة عن دوران الأرض حول نفسها.
ولكن هذه التحركات الظاهرية لهذه الأجرام البعيدة والتي تعاد كل ليلة في نفس الوقت، ليست مثل التحركات القمرية، ذلك لأن القمر يقوم بتحركات ذاتية تبعده كل ليلة عن موقعه السابق.
فالذي نلاحظه كل ليلة يمكن تلخيصه كالآتي:
إذا راقبنا قرص القمر في ليلة لما، وقمنا برسم موقعه على خريطة سماوية في وقت معين فإننا سنجد موقعه هذا قد تغير في الليلة المقبلة في نفس ذلك الوقت، ونجد أنه قد تأخر لمدة تقارب الساعة عن الموقع الأصلي.
стр. 1608
وعلاوة على هذا التأخير اليومي في الرجوع إلى نفس الموقع، فإن القرص القمري يتغير شكله طيلة الشهر القمري من خلال صغير في أول الشهر إلى بدر كامل الضياء في نصفه، ثم يتراجع هذا البدر ليصبح في آخر الشهر عبارة عن هلال صغير في أول الشهر إلى بدر كامل الضياء في نصفه، ثم يتراحع هذا البدر ليصبح آخر الشهر عبارة عن هلال صغير ذي اتجاه قرني معاكس للاتجاه الذي كان عليه في أول الشهر.
والقمر كغيره من الأجرام الفضائية الأخرى، يخضع في مساره الدوراني إلى كتلة أضخم منه وهي في حالنا هذا الأرض.
ويمثل مدار القمر حول الأرض مستوى يبعد عن مستوى دوران الأرض حول الشمس بخمس درجات، وبما أن هذين المستويين غير متوازيين فإنهما يلتقيان في نقطتين مداريتين يعبر عنهما بالعقد.
فإذا كان القمر في حالة اجتياز مستوى مدار الأرض من أعلى إلى أسفل، فإن العقدة تسمى بالنازلة، أما إذا كان الاجتياز من أسفل إلى أعلى فإن العقدة تسمى بالصاعدة، أما الخط الرابط بين العقد فإنه يتحرك بسرعة دائرية تبلغ دورة كاملة في ١٨ سنة وثلثي السنة، وتكون هذه الدورة في اتجاه معاكس للاتجاه المباشر المعروف للقمر حول الأرض، وهذه المدة هي التي تعيد نفس سلسلات الكسوف والخسوف كما سنرى.
وفيما يخص الخصائص الأخرى لقرص القمر فإنه يمكن القول أنه يبين لنا من سطح الأرض بقطر ظاهري يتراوح بين "٢٨.٢٢" و"٣٣.٢٢" وهذا التغير في القطر الظاهري ناتج أساسًا عن المسافة غير القارة التي تفصل بين مركزي الأرض والقمر.
أما المسافة التي تفصل بين مركزي الجرمين فإنها غير قارة، لأن القمر يدور حول الأرض تبعًا لمسار إهليجي تكون فيه الأرض بؤرة، ذلك طبقًا لقوانين كبلر الآنفة الذكر.
الأمر ليس بسيطًا إلى هذه الدرجة، فعلاوة على هذا المدار الإهليجي، فإنه توجد تداخلات قوات أخرى تغير من خصائص المسار القمري الطبيعية. وهذه القوات لا تعدو أن تكون سوى أفعال مشتركة تسببها الأرض والشمس لأنهما يمثلان الأجرام الأكثر فاعلية على القمر نظرًا لقرب الأولى ولكبر حجم الثانية.
والمسافة التي تفصل بين مركزي الأرض والقمر، تتراوح بين ٥.٥ و٦٦ شعاعًا أرضيًا ومعدل هذه المسافة يكون قرابة ٣٨٠٠٠٠ كلم.
وتبعًا للمعطيات المذكورة فإنه يمكننا أن نستخلص قيمة الشعاع القمري التي تبلغ ١٧٣٦ كلم.
стр. 1609
_________
стр. 1610
حالات القمر ومنازله:
يعتبر القمر جرم الليل نظرًا لظهوره الليلي المتميز بإشعاع قوي، وهذا الإشعاع يفوق كل الإشعاعات الصادرة عن الأجرام الأخرى سواء كانت نجومًا أو كواكب.
وبما أن القمر يدور حول الأرض مرة كل شهر، وأن إشعاعه ناتج عن انعكاس الضوء الذي يستقبله من الشمس، فإنه من البديهي أن يكون لقرص القمر حالات متعددة يمكن للمشاهد الأرضي أن يرقبها كل ليلة.
وقد سميت هذه الحالات بمنازل القمر، وهذا التتابع في الحالات الذي يتكرر مرة كل شهر قمري جعل بعض الشعوب والأمم تتخذ منه وحدة قياسية للزمن كالذي يحدث حاليًا بالنسبة للعديد من الدول التي تتخذ من الشهر الشمسي وحدة زمنية.
ومن بين الشعوب التي اهتمت بدراسة الوجوه المختلفة لقرص القمر بصفة خاصة نجد الشعوب الإسلامية، فقد اهتمت بالخصوص بتعيين وقت دخول الشهر القمري ووقت نهايته مرورًا بالمراحل الأخرى التي تتوسطهما، وذلك لأنها اتخذت الشهر القمري كمحدد للمقاييس الزمنية.
ولكن يبقى هنا أن نتساءل عن مصدر كل هذه الحالات المختلفة التي تطرأ على القرص القمري.
إن الشمس بنورها الذي تبعثه في كل أرجاء الفضاء المحيط بها، تضيء كافة الأجرام بصفة مماثلة، يعني أنه لو وجد جسم كروي في هذا الفضاء فإن نور الشمس سيغطي شطره، وبالتحديد المناطق المواجهة للأشعة المرسلة من القرص الشمسي، كل هذا ينطبق إذن على القمر، فإذا افترضنا وجود مشاهد خيالي في منطقة بعيدة عن الأرض فإنه سيرى القمر مقسمًا إلى شطرين: الأول مظلم، والثني مضاء بنور الشمس كالأرض.
فمن خلال هذه الملاحظات إذن يمكن أن نقول: إن الحالات المختلفة للقرص القمر لا تعدو أن تكون إلا حالات ظاهرية تبد لنا من الأرض مختلفة من يوم إلى آخر، نظرًا لاعتبارات هندسية ناتجة أساسًا عن انعكاس قسط من الأشعة التي ترسلها الشمس على القمر في مختلف مواقعها على مدارها حول الأرض.
стр. 1611
القران والمقابلة:
لما تكون الشمس والقمر على نفس خط الطول السماوي، يمكن اعتبارهما في حالة قران، ويحدث مثل هذا لما يلتقي القمر في دورانه حول الأرض بالخط الهندسي الرابط بين مركزي الشمس والأرض، ويكون القمر بينهما.
أما المقابلة فيه على عكس التعريف السابق، تحدث لما تكون الأرض بين القمر والشمس على نفس الخط الذي ذكرناه، وبهذا تكون الأطوار الفاصلة بين القمر والشمس بقيمة ١٨٠ درجة.
أما في المراحل التي تتخلل هاتين الحالتين، والتي يوجد فيهما القمر على الخط القائم للخط الرابط بين مركزي الأرض والشمس، فإنه يمكن تسميتها بالربع الأول والربع الأخير.
وبتحديدنا لهذه التعاريف يمكن لنا أن نفهم الآن الحالات المختلفة لقرص القمر التي تطرأ عليه في مدة الشهر القمري.
ففي حالة القران لا يمكن لنا أن نشاهد قرص القمر وذلك لاتباعه مسار قرص الشمس، فعندما يغيب هذا الأخير يغيب معه القمر، وهذا هو مفهوم القران.
ولكن هذا لا يعني أن قرص القمر سيحجب عنا قرص الشمس، لأن القران لا يمكن أن يصحبه احتجاب لقرص الشمس إلا إذا حدث في واقع قرب العقد الصاعدة أو النازلة، كما سوف نرى ذلك في حالات الكسوف، ويطلق على حالة القمر في هذه الفترة: القمر الجديد.
стр. 1612
_________
стр. 1613
وبعد بضع ساعات من القران يحدث ابتعاد القمر عن الخط الرابط بين مركزي الأرض والشمس، وذلك نظرًا لسرعته الذاتية على خلاف الأجرام الأخرى التي لا يمكن لها إلا أن تتبع التحرك الليلي الظاهري الناتج عن دوران الأرض حول نفسها، وفي هذه الحالة يكون قرص القمر قد أخذ شكل هلال نظرًا للاعتبارات الهندسية المذكورة.
ثم بعد أيام يصبح القرص عبارة عن نصف كرة مضاءة، وهذا ناتج عن انتقال القمر إلى منطقة في مداره تمكننا من رؤية الإضاءة الحقيقية لحجمه المدور، وتناسب هذه الفترة بالذات وجود القمر في الربع الأول.
وإثر هذه الحالة، وبعد أيام أخرى يمكن لنا أن نلاحظ أن القرص القمري قد تحول إلى بدر كامل الضياء، وهذه الفترة بالذات تقابل مرور نصف شهر قمري، وهي توافق وجود القمر في منطقة مقابلة، ويعبر عن هذه الحالة عادة بالقمر الكامل.
وإثر هذه المرحلة يتم القمر دورته حول الأرض ليمر بعد أيام في منطقة الربع الأخير والتي نشاهد فيها القمر على حالة مطابقة لتلك التي شاهدناه فيها في الربع الأول، ما عدا فرق واحد يتمثل في مشاهدتنا للنصف الثاني فقط من القرص القمري والذي لم يكن ظاهرًا في الربع الأول ويواصل القمر دورته إلى أن يمر شهر قمري كامل تعاد إثره كامل السلسلة التي وصفناها.
هذه لمحة عن أهم الحالات التي يمر بها القمر والتي يمكن أن يشاهدها الإنسان من الأرض، يبقى في هذا المجال سؤال هام يطرح نفسه ويتمثل في المدة التي يتركها القمر ليؤدي دورته الشهرية، والتي يعبر عنها بالدورة الاقترانية، وهل أن هذه المدة قارة أم أنها تتغير طبقًا لمعطيات أخرى؟
قبل أن نبدأ الخوض في الإجابة عن هذا السؤال، نسوق بعض المعطيات لشهر قمري ما، تم فيه حساب الوقت الذي يتركه القمر ليس بكامل المراحل التي تحدثنا عنها:
- بين القران والربع الأول ــ ٧ أيام و ٨ ساعات و ٣٧ دقيقة.
- بين الربع الأول والمقابلة ــ ٧ أيام و ٢٢ ساعة و ١٢ دقيقة.
- بين المقابلة والربع الأخير ــ ٧ أيام و ٨ ساعات و ٤٥ دقيقة.
- بين الربع الأخير والقران ــ ٧ أيام و ٢١ ساعة و ٣٤ دقيقة.
стр. 1614
وهذه أيضًا بعض المعطيات الأخرى التي يمكن كذلك أن تساعدنا على الإجابة على بعض جوانب السؤال، وتتمثل في الأوقات التي تفصل قرانات عديدة ومتلاحقة للقمر:
- القران الأول: ٢٩ يومًا ــ ١٣ ساعة ــ ٣٠ دقيقة.
- القران الثاني: ٢٩ يومًا ــ ١٢ ساعة ــ ٤ دقائق.
- القران الثالث: ٢٩ يومًا ــ ١٠ ساعات ــ ٤٥ دقيقة.
يمكن لهذه المعطيات أن توضح الأمر قليلًا، وذلك لأنها تحتوي على عنصر هام يتمثل في الفروق الوقتية التي تفصل الحالات عن بعضها، والفروق الوقتية التي تفصل قرانات متتالية، وأخيرًا الفروق الموجودة بين الشهر الحقيقي والذي يقوم فيه القمر بدورة كاملة حول الأرض، وشهر قمري تعاد فيه نفس الحالات المذكورة آنفًا.
فأما الفروق الأخيرة، يمكن تفسيرها كما يلي: فإذا حدث في فترة ما قران، فإن القران الموالي سيحصل بعد مدة قام فيها القمر بدورة كاملة، كما قامت فيها الأرض كذلك لجزء من دورتها حول الشمس، وبما أن حالات القمر المختلفة ناتجة أساسًا عن الأماكن التي تأخذها الأرض والقمر بالنسبة للشمس، فإن القمر عندما يدور مرة حول الأرض فإن القران الثاني لا يحصل في نفس الوقت الذي تمت فيه هذه الدورة نظرًا لتحرك الأرض حول الشمس، بل يحدث بعد فترة يكون فيها القمر على الخط الرابط بين الأرض والشمس وهذا الشهر القمري والذي عبر عنه بالشهر الاقتراني هو أطول من الشهر الحقيقي الذي يدور فيه القمر دورة كاملة حول الأرض بقطع النظر عن الحالات التي يكون عليها قرصه.
أما الفروق الأخرى التي تهم الحالات المتتالية للقمر من جهة والفروق التي تهم المدد الفاصلة بين اقترانات متتالية من جهة أخرى، فإنها ناتجة عن أسباب معقدة تعسر حساب أوقات دخول الشهر القمري ولا تجعله ثابتًا، وأهمها أن القمر لا يخضع في دورانه إلى جرم واحد فحسب ولذلك لا يكون مداره منتظمًا نظرًا للاضطرابات التي تعتريه نتيجة لتداخل فعل قوات الأجرام المحيطة به وأهمها الأرض والشمس.
стр. 1615
فالمعروف أنه إذا كان جرم الأرض هو المؤثر الوحيد في القمر، فسيتبع هذا الأخير في دورانه إهليجا ذات خصائص ذاتية معينة طلبًا لقوانين كبلر، فيسهل بذلك حساب أوقات المراحل المختلفة التي يمر بها القمر.
ولكن هذا لا يمكن تطبيقه بصفة كلية على القمر، لأن هذا الأخير يخضع لقوات أخرى، مصدرها الشمس، التي، وإن كانت بعيدة، فإن كتلتها تؤثر بصفة مباشرة على مدارها القمري.
ولهذه الأسباب فإن دراسة حركة القمر تعتبر من أعسر الدراسات الموجودة في مجال حركية الأجرام نظرًا لأنها تعتمد على مشكل الأجسام الثلاثة، والذي لا يمكن حله بصفة جذرية، ولكن بالاعتماد الحالي على الأدمغة الإلكترونية أمكن للفلكيين معرفة أوقات حدوث كافة الحالات القمرية، وبالتالي معرفة بداية الشهر القمري ونهايته، وذلك بفوارق زمنية تصل في وقتنا الحاضر مقدار جزء من ألف الثانية.
والجدير بالذكر أن مثل هذه الحسابات الدقيقة هي التي مهدت للولايات المتحدة من بعث أول مركبة قضائية مسكونة إلى القمر.
الرؤية العلمية والبصرية لهلال أول الشهر القمري:
يحصل القران بين القمر والشمس عندما يكون هذان الجرمان على نفس خط الطول السماوي مثلما رأينا في الفقرات السابقة.
وتعريف دخول الشهر القمري عند المسلمين هو عندما يبدأ الهلال في الظهور فما هي العلاقة الموجودة إذن بين ظهور الهلال وبين القران؟
لكن قبل ذلك لنا أن نسوق بعض الملاحظات:
إن المتأمل للحالات المتعددة التي يمر بها القمر يمكن أن يلاحظ أن الهلال إذا ظهر في ليلة ما، فإنه يختفي بعد ساعات من غروب الشمس، ويتفاوت عدد هذه الساعات بتغير حجم الهلال من ليلة إلى أخرى، فهل أول الشهر يختلف مثلًا عن الهلال الذي مرت عليه أربعة أيام، وذلك لأن هذا الأخير يكون في مرحلة إشعاع للضوء أكثر من الأول، نظرًا لوجوده في منطقة من مداره تخول له انعكاسًا أكبر للضوء.
كما أنه إذا اختفى هلال أول الشهر بعد ساعة تقريبًا من غروب الشمس، فإن الهلال الذي يكون عمره أربعة أيام يختفي في القبة السماوية في منطقة الغرب وبعد أكثر من ثلاث ساعات من غروب الشمس.
وكل هذه الملاحظات يمكن أن يتتبعها أي كان عندما يبدأ الشهر القمري وكما ذكرنا في الحالات الظاهرية للقمر فإن تغير حالة قرص القمر ناتجة أساسًا عن الدوران الذاتي للقمر حول الأرض.
يبقى هنا أن نفسر ما يحدث قبل أن يظهر هلال أول الشهر.
بما أن القمر في حالة دوران مستمرة حول الأرض، فإنه قبل أن يظهر هلال أول الشهر يكون القمر قد مر بمرحلة هلال آخر الشهر، وهذا التعريف الأخير غير مستعمل لعدم اهتمامنا به لأنه لا يمثل بداية لوحدة قياس زمنية.