← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15541–15580 · переход к 15546.

стр. 15541

وقد يحمل قول الجمهور من فقهائنا الأفاضل في منع المسلم أن يكون حكمًا على حالة ما إذا كانت الغلبة للمسلمين حقيقة أو ظاهرًا، أو حالة ما إذا أريد جعل غير المسلم حكمًا بمفرده، أما إذا كانت الغلبة لغير المسلمين حقيقة أو كان البادئ أن الغلبة سوف تكون لهم، فإن النفع الذي يجلبه التحكيم – في هذه الحالة أو تلك – قد يدعو إلى الاستجابة إليه، رعاية صالح المسلمين والحفاظ على دولتهم وإسلامهم، أما المخاطر التي قد يجلبها التحكيم، فليست أكثر سوءًا من إلزام المسلمين بدفع مال للكفار مقابل الصلح معهم، وهو ما نص الفقهاء على جوازه للضرورة (١) . ومن ثم فقد نادى بعض من علمائنا المعاصرين بأن المصلحة قد تكون في أن يقبل المسلمون مبدأ التحكيم لإيقاف القتال لأسباب أخرى كالمحافظة على السلم ونشر الإسلام بالطرق السليمة أو لدفع ضرر عام، وأن اشتراك غير المسلم في هيئة التحكيم أصبح اليوم أمرًا لا بد منه، أن ذلك هو طبيعة التحكيم بالمعنى الصحيح، وذلك حتى يتبين كل فريق وجهات نظر الطرف الآخر، ويدافع عن قومه بكل ما أوتي من قوة وسعة عرفان، وبذلك نضمن قبول قرار التحكيم. (٢) . ومن ناحية أخرى، فإنه إذا كان من الجائز في شريعة الإسلام أن تتصالح الدولة الإسلامية مع غيرها، وتضع يدها في يد غير المسلم، وتبرم معه معاهدة تلتزم بالوفاء بها، بما ينطوي عليه ذلك من تنازل عن بعض الحقوق استجابة لطبيعة الصلح، فإن الالتجاء إلى التحكيم مع إشراف غير المسلم فيه مقيد للطرف الآخر، لا يجوز أن يمنع منعًا باتًّا، وإنما يترك أمر تقديره لولي الأمر – أو من ينيبه – يقبله أو يرفضه على ضوء مصلحة المسلمين ووضعهم الحربي والاجتماعي في العالم، ومدى ما لهم من قوة تمكنهم من فرض القيود التي تكبح جماح التحكيم حتى لا يأتي بما يضر المسلمين أو يتناقض مع الأحكام الآمرة في شريعتهم السماوية الغراء.

стр. 15542

وقد علمنا رسول الله ﷺ يوم صلح الحديبية كيف نتعامل مع أعدائنا، فحين اعترض المشركون في كتابة عقد الصلح على وصفه ﷺ بأنه رسول الله، قال ﵊: (اللهم إنك تعلم أني رسولك، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله) . . . ومثل ذلك فعل علي كرم الله وجهه في عقد التحكيم مع معاوية فجعل التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية ولم يصف نفسه بما ينازعه فيه خصومه من أنه أمير المؤمنين. ٥١ – ثم إن اختلاف صور المنازعات الدولية، وتباين مظاهر الصراعات بين الدول في العصر الحديث، مع تعقد المصالح وتشابكها، يقتضي أن تكون الدولة واثقة كل الثقة في شخص ممثلها، وبالتالي فلا يتصور إلزامها بأن تختاره من أعدائها المسلمين، لا سيما وأن مجابهة الأحداث الدولية تستلزم خوض معارك شتى، قد تكون حربية أو سياسية دبلوماسية أو قانونية، ولكل معركة أساليبها، ومتطلباتها وفرسانها، والدول وإن كانت تنأى عادة عن الأساليب الحربية لعظم مخاطرها، وتفضل الوسائل السياسية والدبلوماسية، لمرونتها وإمكان السيطرة عليها وعلى نتائجها، فإنها كثيرًا ما تجد أن المخرج المناسب ينحصر في المجابهة القانونية التي تكون عادة عن طريق التحكيم الدولي أو القضاء الدولي، وهي تختار بينهما وفق ما تكشف عنه الموازنة – لديها – بين نتائجهما المحتملة في كل قضية، فحكم التحكيم الدولي أو حكم القضاء الدولي كلاهما ملزم لأطراف الخصومة، وكلاهما نهائي بحسب الأصل، ولكن حكم التحكيم لا وسيلة لتنفيذه إلا برضاء الدولة المحكوم عليها، وهي عادة تفعل ذلك، غير أنها إذا لم تفعل، فلا وسيلة لتنفيذ الحكم جبرًا لعدم وجود سلطة عليا تملك الاختصاص بتنفيذ الحكم بالقوة، وذلك بخلاف حكم القضاء الدولي الذي يوضع له – عن طريق المجتمع الدولي وتنظيماته التي ينتمي إليها فرع القضاء – من الجزاءات والضغوط ما يحمل الدول على تنفيذه. ٥٢ – ومع ذلك فقد يكون للتحكيم فوائده التي تدفع إلى الالتجاء إليه دون القضاء الدولي؛ وذلك لأن التحكيم قد يلعب دورًا رئيسيًّا في حل المنازعات الدولية التي يكون من المناسب تسويتها بقرار تحكيم، يضع في اعتباره عناصر الواقع ولا يستند إلى الاعتبارات القانونية البحتة (١) .

стр. 15543

ولذلك فإن المجتمع الدولي – حاليًا – مع أخذه بنظام القضاء الدولي، فإنه يصر على بقاء التحكيم الدولي كوسيلة لإنهاء النزاع سلميًّا، وقد يبدو هنا المعنى جليًّا في إبقائه على اتفاقية التحكيم الدولي التي أبرمت عام ١٨٩٩ وأنشأت ما أطلق عليه اسم (المحكمة الدائمة للتحكيم) والتي يمثلها مكتب في لاهاي به قلم كتاب وقائمة بأسماء عدد من الأعضاء الذين يمكن أن يختار من بينهم المحكمون الذين يعهد إليهم بالفصل في المنازعات التي يطلب من هذه الهيئة الإسهام في حسمها. وقد سنحت فرصة التعرف على آراء المجتمع الدولي في أهمية التحكيم الدولي بصورة أكثر وضوحًا، حين اقترحت دولة الأرجنتين (١) عند إنشاء محكمة العدل الدولية أن تلغي محكمة التحكيم الدولية اكتفاء بمحكمة العدل، فقد أبى المجتمع الموافقة على هذا الاقتراح وتمسك ببقاء نظام التحكيم ونظام القضاء معًا، لتختار كل دولة ما تراه موائمًا للمنازعة الناشبة، دون أن تجبر على سلوك طريق منهما بعينه. ذلك لأن السمة البارزة في المجتمع الدولي المعاصر هو عدم إلزام الدولة بطريق محدد تحسم به منازعاتها مع الآخرين سلميًّا، فهي حتى لو اختارت القضاء الدولي فإن اختيارها يجب أن ينبع من إراداتها، فليس في القضاء الدولي – في واقع الأمر – إجبار للدول على الالتجاء إليه، وما قد يقال في هذا الشأن من أن الالتجاء إلى القضاء الدولي قد يتصف بالإلزام، هو في حقيقته قائم على أساس قاعدة خلقها اتفاق سابق مؤسس على تقابل إرادة أطرافه، أعلنت به الدولة قبولها حسم المنازعات المحتملة أو القائمة قضاء، وبذلك يتميز القضاء الدولي عن القضاء الداخلي؛ إذ إن هذا القضاء الأخير لا يقوم فيه الاختصاص على الاتفاق، فالدولة هي التي تنظم العدالة وتفرض سلطة قضائية دائمة وملزمة، تتولى ترتيبها ووضع القواعد الكفيلة بتنفيذ ما تصدره من أحكام (٢) .

стр. 15544

٥٣- وقد نتج الفرق بين القضاءين الداخلي والدولي في هذا الشأن بسبب التطورات العديدة التي لاحقت النظام القضائي الداخلي، بينما النظام القضائي الدولي ظل جامدًا في مكانه، ولم يتح له الوقت الكافي للتطور، فهو لم يظهر إلى الوجود بشكل واضح إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تنفيذها للمادة ١٤ من عهد عصبة الأمم، التي تضمنت النص على تكليف مجلس العصبة بإعداد مشروع محكمة دائمة للعدل الدولي، أعده، وعرضه على الجمعية العامة في ١٣ ديسمبر ١٩٢٠ فوافقت عليه، وظل مطبقًا إلى أن تعثر إبان الحرب العالمية الثانية، حتى إذا ما انتهت هذه الحب بويلاتها وأوزارها، واجتمعت الدولة تحت علم الأمم المتحدة، استقر رأيها على وجوب استمرار القضاء الدولي، على أن تنشأ له محكمة جديدة تخلف المحكمة الدولية الدائمة للعدل، وتسمى محكمة العدل الدولية، ويكون نظامها الأساسي ملحقًا بميثاق الأمم المتحدة، وجزءًا لا يتجزأ منه، حتى تمتاز المحكمة الجديدة عن سابقتها التي لم تكن فرعًا من عصبة الأمم، وكان نظامها مستقلًا عن العصبة، وقد تم ذلك فعلًا في ١٩ إبريل سنة ١٩٤٥. وقد حافظ ميثاق الأمم المتحدة، كما حرص النظام الأساسي للمحكمة على بقاء الخصائص الرئيسية للقضاء الدولي – وفق ما كان يراه المجتمع الدولي وقتذاك – وهي الخصائص المتمثلة في أنه – بحسب الأصل – قضاء بين الدول، ذو ولاية اختيارية، وأحكامه ملزمة، يجوز تنفيذها جبرًا، بالطرق التي تتفق مع طبيعة العلاقات الدولية، وأن وجود هذه المحكمة الدولية لا يحول دون إنشاء محاكم دولية أخرى (المواد ٩٣، ٩٤، ٩٥ من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة ٣٥ من النظام الأساسي)

стр. 15545

٥٤ – وعند إنشاء جامعة الدول العربية كان المأمول أن يتضمن ميثاقها النص على إنشاء محكمة دولية عربية، تسهم في حل المنازعات التي تنشأ بين الدول العربية؛ ذلك لأنه وإن كان هذا الميثاق قد أعلن في ٢٢ مارس سنة ١٩٤٥، أي قبل ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن المجتمع الدولي كان مستقرًّا وقتذاك على الترحيب بالقضاء الدولي، والقضاء الإقليمي لحل المنازعات الدولية. ومع ذلك فقد اكتفى ميثاق الجامعة بأن عهد إلى مجلسها – في المادة الخامسة منه – بحل المنازعات سلميًّا، عن طريق الوساطة أو طريق التحكيم الذي يمكن أن ينتهي بحكم ملزم للطرفين إذا تم بناء على طلبهما، أما المحكمة العربية الدولية، فقد قنع الميثاق بالنص في المادة ١٩ منه علي أن قيام محكمة عدل عربية مسألة لها الأولوية عند بحث تعديل الميثاق. وقد شرعت جامعة الدول العربية منذ الخمسينيات في دراسة أمر إنشاء محكمة دولية عربية، وأعدت مشروعًا بهذا الشأن ما زال يتردد بين أروقتها حتى الآن، وإن أعلن في شهر يناير من هذه السنة أن المنتظر أن يعرض المشروع في الاجتماع المقرر عقده في شهر مارس من هذا العام – (سنة ١٩٩٤) – وقد عقد هذا الاجتماع وانفض ولم يقر المشروع. ٥٥- على أن الخطى إذا كان قد تعثرت في أروقة جامعة الدول العربية، فلم تصل إلى إنشاء محكمة دولية عربية، فإن الله بفضله، قد وفق منظمة المؤتمر الإسلامي في أن تدفع إلى الوجود بمشروع محكمة العدل الإسلامية الدولية، وكان ذلك ثقة من المؤتمر في أن وجود هيئة إسلامية قضائية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، من شأنه أن يعزز دور المنظمة ومكانتها، ويسهم في تحقيق أهدافها، وإيمانًا منه بأن تنقية الأجواء بين الدول الأعضاء في المنظمة هو ضرورة ملحة من أجل تمكينها من المواجهة المشتركة لكافة الأخطار والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي. (١) . وقد حملت دولة الكويت مشكورة أمانة الدعوة إلى إنشاء هذه المحكمة الإسلامية، فاقترحت ذلك في القمة الإسلامية الثالثة التي انعقدت في مكة المكرمة والطائف عام ١٩٨١، حتى إذا كانت القمة الخامسة التي انعقدت في الكويت في يناير عام ١٩٨٧، كان مشروع النظام الأساسي للمحكمة قد اكتمل إعداده، فوافق عليه المؤتمر، وعدل في المادة الثالثة من الميثاق بما يقضي باعتبار محكمة العدل الإسلامية الدولية من بين أجهزة منظمة المؤتمر الإسلامي وأن نظامها جزء لا يتجزأ من ميثاق هذه المنظمة.

стр. 15546

٥٦ – وقد احتفظ النظام الأساسي للمحكمة بالأصول التي استقر عليها المجتمع الدولي في تنظيم المحاكم الدولية، وإن كان ذلك لم يمنعه من تبني بعض القواعد التي تضفي على المحكمة الإسلامية طابعها الخاص. فالمحكمة الإسلامية لا يتقاضى فيها غير الدول، وولايتها اختيارية، وأحكامها ملزمة لأطرافها، ويجوز تنفيذها جبرًا، مثلها في ذلك كله مثل محكمة العدل الدولية، لا تكاد تختلف عنها إلا في بعض التفصيلات، فهي مثلًا، لا تسمح لغير أعضاء المؤتمر بالتقاضي أو التدخل، إلا وفق شروط معينة، ينص النظام الأساسي على بعضها، ويكل فرض بعضها الآخر إلى مؤتمر وزراء الخارجية، ويجعل تطبيق ذلك وفق تقدير المحكمة (المادتان ٢١ / ٢٣ من النظام الأساسي) ، وهذا بخلاف الأمر أمام محكمة العدل الدولية التي أجيز فيها لبعض الدول أن تكون أطرافًا في نظام المحكمة دون أن يكونوا أعضاء في الأمم المتحدة، هذا إلى جانب السماح لغير أعضاء الأمم المتحدة وأعضاء النظام الأساسي للمحكمة بأن يتقاضوا وفق شروط معينة (المادة ٩٣، ٩٤ من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة ٣٥ من النظام الأساسي للمحكمة) (١) . ومن ناحية أخرى فإن ولاية التنفيذ جبرًا عهد بها إلى مؤتمر وزراء الخارجية بدلًا من مجلس الأمن الذي يتولى ذلك بالنسبة لمحكمة العدل الدولية (المادة ٣٨ / ج من النظام الأساسي للمحكمة الإسلامية، والمادة ٩٤ / ٢ من ميثاق الأمم المتحدة) . أما عن الأمور التي تكشف عن الطابع المميز للمحكمة الإسلامية فيمكن إجمال أهمها فيما يأتي: أولًا: إن المحكمة تقوم على أساس الشريعة الإسلامية (م١) ، وبذلك تختلف عن محكمة العدل الدولية التي تفصل في منازعاتها وفقًا لأحكام القانون الدولي (م ٣٨ من النظام الأساسي) ، وإن أوجب نظامها هذا تمثيل المدنيات الكبرى والنظم القانونية الرئيسية، بما في ذلك الشريعة الإسلامية، كما تختلف عما ورد في مشروع المحكمة العربية من وجوب الحكم وفقًا لمبادئ ميثاق الجامعة العربية والقانون الدولي، وإن كان المشروع يعتمد أحكام الشريعة الإسلامية، ضمن ما يعتمده من قواعد (م ١٧) . ثم إن المحكمة الإسلامية تشترط في قاضيها أن يكون مسلمًا، وهو شطر تنفرد به عن المحكمة الدولية والمحكمة العربية كلتيهما.

стр. 15547

ولا تكفي المحكمة الإسلامية بأن يكون القاضي مسلمًا، وإنما تشترط أيضًا أن يكون ذا خبرة في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، فلا يجزئ عن خبرته في الشريعة أن يكون من الحائزين على المؤهلات المطلوبة للتعيين في أعلى المناصب القضائية، أو من المشهود لهم بالكفاءة في القانون الدولي، كما قنع بذلك نظام محكمة العدل الدولية (م ٢) ومشروع محكمة العدل العربية (م ٢ / ١) . بل لقد بلغ حرص نظام المحكمة الإسلامية على تطبيق الشريعة الإسلامية، أن جعل قسم القاضي متضمنًا ذلك، فنص على أن القسم هو: (أقسم بالله العظيم أن أتقي الله وحده في أداء واجباتي، وأن أعمل بما تقتضي الشريعة الإسلامية وقواعد الدين الإسلامي الحنيف، دون محاباة، وأن التزم بأحكام هذا النظام وأحكام ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي) (م ٩) بينما مشروع المحكمة العربية يقنع بأن يكون القسم هو: (أقسم بالله العظيم أن أؤدي واجبات وظيفتي بصدق وأمانة ونزاهة) (م٧) . ثانيًا: إن اللغة العربية – لغة القرآن المبين (كما أطلق عليها النظام الأساسي) - هي لغة المحكمة الأولى، وتشكل مع اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية اللغات الرسمية المعتمدة (م ٢٨) ، على أن تعتبر هي المرجع عند الخلاف قياسًا على المادة الخمسين من نظام المحكمة. ثالثًا: إن نظام المحكمة الإسلامية وإن كان قد منحها الحق في الإفتاء وإبداء الرأي الاستشاري بما لا يكاد يختلف عن نظام محكمة العدل الدولية (١) ، فإنه يلاحظ أن النظام الإسلامي منح محكمته الحق في ممارسة الوظائف الدبلوماسية والتحكيمية بصورة أكثر وضوحًا، فأجاز أن تقوم عن طريق لجنة من الشخصيات المرموقة أو عن طريق كبار المسؤولين في جهازها، بالوساطة أو التوفيق أو التحكيم في الخلافات التي تنشب بين عضوين أو أكثر من أعضاء المؤتمر الإسلامي، إذا أبدت الأطراف المتنازعة رغبتها في ذلك، أو طلب ذلك مؤتمر القمة الإسلامي أو المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية بتوافق الآراء (م ٤٦) .

стр. 15548

٥٧ – هذه هي أهم العناصر التي تشكل الطابع المميز لمحكمة العدل الإسلامية الدولية، وهي وإن كانت تحتاج إلى تعزيز وتدعيم وتعميق، حتى تؤتي ثمارها المرجوة، فإنها – حتى بحالتها هذه – تمثل حافزًا قويًّا للدول الإسلامية يدفعها إلى الاستعانة بالمحكمة في حل المنازعات التي تثور بينهم، فهي بلا ريب تحقق – لدولتنا الإسلامية - طمأنينة أكبر مما تحققه محكمة العدل الدولية، لما يعتور تكوين هذه المحكمة الأخيرة من عيب عدم تمثيل مصالح دول العالم الثالث، ولما ران على بعض أحكامها من مناصرة للاتجاهات الاستعمارية، على نحو ما كشفت عنه بعض مراحل قضية جنوب غرب أفريقيا (١) . هذا إلى جانب أن من يحمل راية العدل في المحكمة الإسلامية هم من شيوخ الأمة الإسلامية الذين تفقهوا في الشريعة، وعركوا قواعد القانون الدولي، ويتم انتقاؤهم، كما يتم عملهم، تحت بصر وزراء خارجية الدول أعضاء المنظمة جميعًا، سواء منهم من شارك في المحكمة أم لم يشارك فيها، ولهم من الضمانات ما يكفل لهم الاستقلال الكامل، والحيدة الخالصة، وما يوفر لهم من عناصر القوة والمنعة ما يجعلهم في المرتبة التي أرادها المؤتمر للمحكمة: (حكمًا وقاضيًا وفيصلًا فيما ينشأ بين الدول الإسلامية من خلافات) (٢) . ولا ريب أن ما توافر للمحكمة الإسلامية من عوامل، جدير بأن يسهم في دفعها إلى الطريق السوي، وأن يوفر مناخًا ملائمًا لازدهارها والإقبال عليها، بما لم يتوافر لمحكمة العدل الدولية، وكان لعدم توافره أثره في انصراف بعض الدول عنها، أو عزوفها عن قبول الاختصاص الإلزامي، أو ترددها في طلب رأيها الاستشاري، ولعل من أهم هذه العوامل ما يأتي: أولًا: إن الأحكام الدولية في الشريعة الإسلامية تمتاز بالمرونة التي تسمح للاجتهاد أن يستنبط منها ما يوائم الأعراف الدولية الحالية، أو يقوم اعوجاجها على هدي قواعد المصالح المرسلة، أو العرف، وبذلك لا تتقيد يد المحكمة الإسلامية بالإسار الذي قيد محكمة العدل الدولية، بسبب جمود نظامها الذي نقل حرفيًّا من النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الذي وضع عام ١٩٢٠، والذي كان قد نقل – بدوره – من مشروع إنشاء محكمة تحكيم قضائية، قدم إلى مؤتمر لاهاي الثاني عام ١٩٠٧، مما كان له أثره في تجاهل التطورات العديدة التي لحقت بالمجتمع الدولي منذ أوائل القرن الحالي (٣) .

стр. 15549

ثانيًا: إن وجود الرابطة الوثيقة التي تربط دول وشعوب المؤتمر الإسلامي الذي شمل أهم الدول الإسلامية إن لم يكن الغالب الأعم منها، يدفع عن المحكمة الإسلامية ما حاق بمحكمة العدل الدولية، بسبب عدم تمثيل كثير من الدول في محكمتها، مما أدى – بالتالي – إلى نزوع هذه الدول إلى عدم عرض منازعاتها على المحكمة الدولية أو قبول الاختصاص الإلزامي لها (١) . ثالثًا: إن تدعيم نظام المحكمة الإسلامية لوظائفها المتصلة بإنهاء المنازعات عن طريق التحكيم أو الوساطة، من شأنه أن يشجع الأطراف على الالتجاء إلى المحكمة، لما تتمتع به القرارات السياسية من مرونة، ولما قد تسمح به قرارات التحكيم من وقت أطول قبل التنفيذ، كل ذلك مع الاطمئنان إلى عدالة القرار بوصفه مستنبطًا من الشريعة الإسلامية التي تسيطر على المحكمة كلها، وتلتزم بها حتى ولو لم يوجد نص صريح يلزمها بذلك في التحكيم أو الوساطة. رابعًا: إن لدى الشعوب غصة تنتابها عند التجاء دولها الإسلامية إلى محاكم دولية خشية تستغل الدول الأقوى نفوذها، أو تقضي المحكمة بما يخالف الشريعة الإسلامية. ٥٨ – وإذا كان الالتجاء إلى المحاكم الدولية قد تدفع إلى الظروف القاسية، أو يجد من يبرره إذا كان النزاع بين المسلمين وغيرهم، فإن النزاع بين المسلمين بعضهم البعض لا يجد أي مبرر مقبول للاحتكام إلى غير المسلمين في المحاكم الدولية، وليس فيما قرأنا من الفقه الإسلامي ما يعصم مثل هذا التقاضي من البطلان، ولا فيما يضعه في وصف الأحكام الواجبة الاحترام. ومن ثم فإن إنشاء محكمة إسلامية يتوافر لها القضاة المسلمون الثقات العدول الخبراء بالشريعة، والخبراء كذلك بالقانون الدولي، من شأنه أن يرضى عنه الله العلي القدير، وأن تسعد به الشعوب المسلمة، دون أن يفتأت على أحد، حتى من غير المسلمين حين يرضون بالاحتكام إليها؛ ذلك لأن شريعة الله ليس فيها ما يخالف قواعد العدالة والإنصاف التي نص نظام محكمة العدل الدولية على جواز الفصل في النزاع على هديها، بما يتيح لهذه المحكمة أن تستبعد قاعدة قانونية وضعية لتطبق – بدلًا منها – ما تقضي به الأصول المنطقية التي تتفق مع العدالة (٢) .

стр. 15550

ولذلك فإنه لم يكن غريبًا أن ينص النظام الأساسي للمحكمة الإسلامية – بجانب الاعتراف للشريعة الإسلامية بأنها هي المصدر الأساسي الذي تستند إليه المحكمة في أحكامها، على أن تسترشد المحكمة – مع ذلك – بالقانون الدولي والاتفاقات الدولية الثنائية أو متعددة الأطراف أو العرف الدولي المعمول به أو المبادئ العامة للقانون أو الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية أو مذاهب كبار فقهاء القانون الدولي في مختلف الدول (م٢١) . فدخول هذه المصادر القانونية بوتقة المصدر الأساسي – وهو الشريعة – سوف يفرز قواعد عادلة ملائمة تتطور مع تطور الحياة الدولية وتتمشى مع محدثات العلاقات الدولية المتجددة. ٥٩- على أن إنصاف الشريعة الإسلامية لتأخذ مكانها المرموق على قمة القواعد الدولية التي تحكم القضاء والتحكيم الدوليين، يقتضي من الدول الإسلامية، ومن منظمة المؤتمر الإسلامي – على وجه الخصوص – أن تسعى إلى بلورة قواعد الشريعة الغراء لتكشف عن جوهرها، وتبين قدرتها على تنظيم المجتمعات على اختلاف ظروفها وتنوع تطورها. وقد يدفعنا هذا إلى أن نناشد مجمع الفقه الإسلامي، أن يضع في خططه القريبة الاهتمام بصورة أوسع بأسلمة قواعد القانون الدولي، بدراسات فقهية متخصصة، تضبط هذه القواعد على الوجهة الشرعية، وتنزل حكم الله على ما أحدثته المجتمعات الدولية من علاقات، وما نشأ بينها من منازعات لم تعرض لفقهائنا الأوائل، وتحتاج إلى اجتهاد جماعي، يعززه العلم، بمختلف فروعه، وتظلله التقوى، ويحيط به الإيمان بأن الخالق أدرى بصالح خلقه، وأقدر على بيان ما ينفعه، وصدق الله العلي القدير حيث يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] . والله من وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين

стр. 15551

خلاصة البحث يرجع تزايد الاهتمام البالغ بالتحكيم، إلى أنه يحقق ما لا يستطيع القضاء الرسمي أن يحققه، من حسم سريع، وخبرة متخصصة، مع الحفاظ على أسرار المتخاصمين، والعمل على سرعة تنفيذ ما يحكم به. وقد رحب الإسلام بالتحكيم ونظمه، بما يعتبر بحق تنظيمًا رائدًا للبشرية، كما اهتمت به الدول الإسلامية في العصر الحديث وأولته عناية خاصة , وأفردته بتنظيم مستقل، وصدقت على معظم المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة به، فضلًا عن إنشاء مراكز إقليمية دائمة على أرضها، اشترط – في بعضها – أن تكون الشريعة الإسلامية – وحدها – هي القانون الواجب التطبيق. وللتحكيم من اسمه نصيب في معناه شرعًا، فهو في الاصطلاح: اتفاق بين أطراف الخصومة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحكم ملزم، يطبق شرع الله، ومن ثم فهو يختلف عن الصلح الذي يتولاه الخصوم بأنفسهم أو بمن يمثلونهم، ويتم عن طريق نزول كل منهم عن بعض ما يتمسك به، كما يختلف عن الفتيا في أنه يقوم على تمحيص الواقعة، ولا يكون إلا في خصومة وأنه ملزم للطرفين، ويختلف عن القضاء في أن المصدر المباشر للسلطة فيه هو رضاء الطرفين لا تولية ولي الأمر، وإن هذا الرضاء هو الذي يمنح الأطراف الحق في تحديد نطاق الخصومة، وفي تقييدها بما يشاؤون من حيث الزمان أو المكان أو غير ذلك، كما يمنحهم الحق في عزل المتحكم إليه، ومنعه من مباشرة التحكيم، إذا كان لم يشرع فيه بعد. والاعتراف لإرادة الطرفين بالسلطة المشار إليها في نطاق التحكيم، يجب أن يستند إلى دليل شرعي، إذ أن هذه السلطة – في حقيقة الأمر – تنتقص من ولاية القضاء، بعزل بعض لخصومات عن اختصاصه، وإلزام الدولة بالإسهام في التنفيذ جبرًا لأحكام صادرة عمن لا تنبثق سلطته من سلطتها، ولا تتفرع ولايته من أي ولاية عامة من ولاياتها.

стр. 15552

وما سبق في الفقه الإسلامي من أدلة على مشروعية التحكيم كثير، إلا أن بعضه يتطرق الاحتمال إلى دلالته، وبعضه الآخر قد يتصرف إلى نوع من التحكيم غير التحكيم الرضائي الذي نعنيه بالدراسة، ومع ذلك فهناك من الأحاديث الشريفة، القولية والفعلية ما يكفي للبرهنة على هذه المشروعية، ومن ذلك حديث أبي شريح الذي استحسن فيه الرسول ﷺ نظام التحكيم الرضائي، وحديث تحكيم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة، وحديث تحكيم الأعور بن بشامة في بني العنبر حين انتهبوا مال الزكاة، ففي كلتا الواقعتين قبل رسول الله ﷺ النزول على التحكيم، ونفذ ما قضى به المتحكم إليه، هذا إلى جانب الوقائع العديدة التي نقلت إلينا بطرق موثوقة، وتقطع بتطبيق الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، لنظام التحكيم الرضائي في عهد الخلفاء الراشدين، ومن ذلك واقعة التحكيم بين شيعة علي وشيعة معاوية بن أبي سفيان ﵃، والتي حملت إلينا ما يشبه إجماع الصحابة في العصر الذي وقعت فيه على مشروعية التحكيم من حيث المبدأ على أقل القليل. وقيام التحكيم على الرضائية يستلزم أن تكون إرادة الطرفين واضحة الدلالة عليه طبقًا للقواعد العامة في الفقه الإسلامي التي تحكم الإيجاب والقبول وتطابق الإرادتين، وليس- بعد ذلك- بذي أثر أن يكون الاتفاق سابقًا على قيام المنازعة أو لاحقًا عليه، فالفقه يسع هذا وذلك، ولا يتجافى مع التسميات التي يطلقها رجال القانون على كل منها، وإنما يجب أن يكون التحكيم في خصومة شرعية لا صورية، وأن يتوافر للمحتكمين أهلية التعاقد على التحكيم، وهي أهلية التصرف، وذلك كله حتى يجري التحكيم في النطاق الذي حدداه، فلا يتجاوزه، ولو إلى مسألة أولية لازمة للفصل، ويجري في مواجهة من رضي به، فلا يسري على غائب لم يرض به، ولو كان ما يدعى به عليه سببًا لما يدعى به على الحاضر، وهذا ما لم يشهد العرف بأن الغائب يعد راضيًا بالتحكيم وذلك في النطاق الضيق الذي طبقه الأحناف على الشريك الغائب عن احتكام شريكه مع غريمهما.

стр. 15553

وقد وضع المشرع حدودًا لإرادة الطرفين، فلم يجز لها- مثلًا- أن تتدخل في تحديد القانون الواجب التطبيق، وإن أجاز لها في حدود معينة – أن تلزم المحتكم إليه بأن يقضي بينهما على مقتضى مذهب معين يحددانه. وفيما يختص بموضوع التحكيم، فلم يجز المشرع- في رأي الجمهور- التحكيم في الحدود والقصاص واللعان، أما فيما عدا ذلك فقد اختلف فيه الفقهاء، ووضع له المالكية معيارًا مقبولًا قوامه منع التحكيم في كل ما هو حق الله تعالى، وما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين ممن لا ولاية للحكم عليهم، وما اقتضى عظم قدره وخطره أن يعهد به إلى القضاء المولى دون غيره. وقد اختار بنظام التحكيم السعودي- في هذا الشأن – أن يمنع التحكيم فيما لا يجوز الصلح فيه، كالحدود واللعان وكل ما يتعلق بالنظام العام، بينما اختارت النظم في بعض البلاد الإسلامية الأخرى (كالمغرب، والجزائر، وتونس) أن تنص على الموضوعات المحظورة على سبيل الحصر. فإذا قضى المحتكم إليه في موضوع لا يجوز التحكيم فيه، فالجمهور يرون عدم تنفيذ حكمه، بينما يرى المالكية أن حكمه يمضي إن كان صوابًا، أما إذا كان خطأ وترتب عليها إتلاف عضو، فالدية على عاقلته، وإن ترتب عليه إتلاف مال كان الضمان عليه في ماله. وفيما عدا ما أقامه المشرع من حدود لإرادة المتحاكمين، فإن التحكيم يولد آثاره على النحو الذي ارتضياه، ومن ذلك أثره السلبي المتمثل في قبول عدم الاحتكام إلى القضاء، وذلك من وجهة نظرنا إذا كان التحكيم ممكنًا وأثره الإيجابي في فض الخصومة على يد المحتكم إليه بما يصدره من حكم ملزم لهما، وذلك ما لم يرجع المحتكمون عن التحكيم، فذلك حق لهما اتفق الأئمة على جوازه ما دام المحتكم إليه لم يشرع في التحكيم بعد، واختلفوا فيما عدا ذلك، ورأي الجمهور أنه لا يجوز لهما الرجوع إذا شرع في التحكيم أو أصدر حكمه فعلًا.

стр. 15554

ولتحديد شخصية المحتكم إليه أهمية كبرى في التحكيم الرضائي، إذ ذلك هو مبنى الثقة فيه وفي قدرته، ولذلك فإنه يجب أن يعينه أطراف الخصومة باسمه أو بصفته، فإذا لم يعيناه وأصرا على التحكيم، جاز لأيهما رفع الأمر إلى القاضي المولى، ليقوم بهذا التعيين على ضوء ما اتفاق عليه أو على هدي ما ينص عليه نظام التحكيم الذي يستظلان به، وليس في هذا افتئات على إرادة الطرفين، وإنما هو من باب الوفاء بالعقود، وإعمال لوظيفة القضاء في حسم ما ينشأ بين الناس من منازعات دون تقييد بأنواع معينة منها، وقد أخذ بهذا نظام التحكيم السعودي في المادة العاشرة منه. وليس في الفقه الإسلامي ما يوجب أن يكون الحكم فردًا، أو متعددًا، ولا ما يوجب في حالة التعدد أن يكون العدد وترًا، وإنما الأصل فيه أن يكون الحكم – في حالة التعدد – بالإجماع؛ لأن المتحكمين إنما رضوا برأي الحكام جميعهم، لا برأي أغلبهم، فإذا أريد اعتماد رأي الأغلبية فلا بد من إذنهم بذلك، أو وجود نص في نظام التحكيم الذي يظلهم على نحو ما جنح إليه التحكيم السعودي. واختيار المحتكم إليه بإرادة الطرفين وبناء على ثقتهما فيه ليحكم بينهما، من شأنه أن يعلي عوامل الثقة على عوامل الكفاءة، فيؤدي ذلك إلى الترخص في شروطه بالمقارنة بشروط القاضي المولى، وذلك ما لم يصطدم هذا الترخص بالنص كشرط الإسلام، أو يتعارض مع العقل كشرط العقل والتمييز، إذ لا ولاية للمجنون ولا للصبي غير المميز على أنفسهما، حتى تكون لهما ولاية على غيرهما، أما ما عدا ذلك من الشروط التي تشترط في القاضي المولى، فإن في خلاف الفقهاء سعة في التطبيق، فيجوز مثلًا اعتماد حكومة الفاسق، أو الجاهل الذي يستشير، أو المرأة، أو الأعمى، ونحو ذلك، ما دام الطرفان يعلمان هذا العوار ويرضيان بالتحكيم مع وجوده، وتطبيقًا لهذا فقد اختار النظام السعودي عدم جواز رد المحكم إلا لأسباب تحدث أو تظهر بعد إيداع وثيقة التحكيم.

стр. 15555

وإذا كان التحكيم عقدًا غير لازم بالنسبة لطرفيه فإنه – أيضًا – غير لازم بالنسبة للمحتكم إليه، فيجوز له أن لا يقبله، وإذا قبله يجوز له أن يعزل نفسه عنه، ولكن لا يجوز له أن يستخلف غيره إلا إذا أذن له بذلك؛ لأن الرضاء منصب على شخصه. ذلكم هو التحكيم في الفقه الإسلامي، بإطلاقاته وقيوده، وعلينا أن نتأمل فيه، وأن نتدبر فيما وراءه، فقد علمنا الإسلام ذلك وعاب على من يمر بآياته مرور الكرام فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . فالتحكيم – في نظرنا – ليس مجرد وسيلة لحل المنازعات سلميًّا، وإنما هو منفذ هائل للاستجابة إلى حاجات غير المسلمين في دار السلام، وحاجات المسلمين خارجها، وحاجات الدولة ذاتها في علاقاتها مع الأمم والشعوب، وذلك كله بما لا يخرج على أحكام الشريعة الإسلامية، بل وبما يسهم – بجدية فريدة – في تطبيق شرع الله حين تقف العقبات المصطنعة في طريقه. فأولًا: بالنسبة لغير المسلمين في داخل الدولة الإسلامية، فإن نظام التحكيم يسمح لهم بالاحتكام إلى غير المسلمين في الأمور التي أمرنا أن نتركهم وما يدينون، ويؤيد ذلك ما يراه الأحناف في هذا الشأن، وما استدلوا به من أدلة عقلية مقبولة، وما تمليه طبيعة التحكيم من خصائص أهمها: أن غير المسلمين إذ تحاكموا إلى حكام من أهل دينهم، فإنهم يلتزمون بما يحكمون به لالتزامهم له، وليس لأنه لازم من الأصل، ولأن القضاء المولى يمثل صمام الأمان الذي يحول دون الإجبار على تنفيذ حكم تحكيم لا يتفق مع الشرع؛ ولأن في السماح لمحكم غير مسلم بمن يتولى منازعات غير المسلمين، جمع بين مقتضى قاعدة عدم ترك خصومة بلا قاض في الإسلام، وبين حق القاضي في الإعراض عن خصومة غير المسلمين في الحالات التي يراها المالكية وغيرهم من فقهاء المذاهب.

стр. 15556

وثانيًا: بالنسبة لمنازعات المسلمين خارج دولة الإسلام، فإن أغلب دول العالم تسمح حاليًا بقيام التحكيم في مثلها، فإذا تنبه المسلمون إلى الاستفادة من ذلك، فإنهم قد يتجنبون مغبة تطبيق القانون الوطني عليهم فيما يتعارض مع أحكام الشريعة الغراء، كالإلزام بنتائج الأخذ بنظام التبني، أو بعض القواعد المتصلة بالزواج والطلاق التي تخالف شرع الله. وليس في الأمر صعوبة تستعصي، فأغلب بلاد العالم لا يتطلب سوى احترام النظام العام – في بلدها – والتقيد بالنسبة للتحكيم ببعض الشروط، كاشتراط الكتابة للانعقاد أو للإثبات، وضرورة اعتماد شرط التحكيم أو مشارطته، ووجوب أن يكون الموضوع هو ما يجوز فيه الصلح، وألا يكون مما احتجره القانون الوطني ليحكم فيه القضاء الرسمي دون غيره، ونحو ذلك من الشروط التي تسمح مرونة الشريعة بكثير منها. فإذا كانت الدول من تلك الأنظمة العنصرية التي لا تقبل اشتراط أن يكون المحتكم إليه مسلمًا، فيمكن – مثلًا – الاستغناء عن النص على ذلك في النظام الأساسي للمؤسسة التحكيمية التي تنشأ، بالاكتفاء بمراعاة أن لا تحوي قائمة المحكمين إلا من هو عالم بالفقه الإسلامي، فإذا اضطر القائمون على هذه المؤسسة إلى عدم التقيد بذلك، فإن في استطاعة المحتكمين – وهم مسلمون – أن يختاروا من يصلح لتطبيق دينهم من أفراد القائمة التي تحوي مسلمين وغير مسلمين، كما أنه قد يكون في اختيار نظام (التحكيم بالصلح) مهرب في البلاد التي تحقد على المسلمين وعلى شريعتهم، وتأبى أن ينص في النظام الأساسي لمؤسسة التحكيم الخاصة بهم على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية دون غيرها، فإذا ضاقت الأمور أكثر، فقد يتاح للمسلمين الالتجاء إلى نظام التحكيم الحر، واختيار بلد إسلامي يسمح النظام المطبق فيه باعتماد التحكيم الأجنبي الذي يجري على غير إقليمه، وقد يساعد في ذلك أن أغلب الدول الإسلامية قد صادقت على الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بالتحكيم الأجنبي، ومنها اتفاقية الاعتراف بأحكام المحكمين الأجنبية وتنفيذها التي أقرتها الأمم المتحدة في سنة ١٩٥٨.

стр. 15557

وثالثًا: بالنسبة للمنازعات الدولية، فإنه مع ترحيب الإسلام بالتحكيم الرضائي فيها، فإنه قد يسهم في تدعيم هذا الترحيب واستثماره، أن نأخذ برأي من يسمح بأن يمثل الجانب غير المسلم، ممثل غير المسلم، تقديرًا للمصالح التي تقتضي ذلك، والتي يقرها الشرع في مواضع أخرى، وتلابس الحكم على هذا التحكيم، وذلك كله على نحو ما ينادي به بعض فقهائنا المعاصرين من أن اشتراك غير المسلم في هيئة التحكيم بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول أصبح أمرًا لا مفر منه، حتى يطمئن كل طرف إلى أن ممثله سوف ينقل وجهة نظره ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة في البيان والبرهان. وجدير بالذكر أنه لا يقلل من الأهمية الدولية لنظام التحكيم الدولي، ما نشأ خلال القرن الحالي من نظام للقضاء الدولي تمثل – أساسًا – في (المحكمة الدائمة للعدل الدولي) إبان عصبة الأمم، (ومحكمة العدل الدولية) في عصر الأمم المتحدة، فكلا النظامين له دوره بما لا يغني عن الآخر، وقد تشبث بهما – معًا – المجتمع الدولي في مناسبات متعددة. وقد حاولت جامعة الدول العربية أن تنشئ محكمة دولية عربية ووضعت لذلك مشروعًا تداولته في أروقتها، إلا أن لم يكتب له الاعتماد حتى الآن، أما المؤتمر الإسلامي فقد حالفه توفيق الله، وأنشأ محكمة عدل إسلامية دولية، حملت دولة الكويت مشكورة أمانة الدعوة إليها، فاقترحت ذلك في القمة الإسلامية الثالثة التي انعقدت في مكة المكرمة والطائف عام ١٩٨١، حتى إذا كانت القمة الخامسة التي انعقدت في الكويت في يناير سنة ١٩٨٧، كان مشروع النظام الأساسي للمحكمة قد اكتمل إعداده، فوافق عليه المؤتمر، وعدل المادة الثالثة من الميثاق بما يقتضي اعتبار (محكمة العدل الإسلامية الدولية) من أجهزة منظمة المؤتمر، ونظامها جزء لا يتجزأ من ميثاقه.

стр. 15558

ومع احتفاظ النظام الأساسي للمحكمة بالأصول التي استقر عليها المجتمع الدولي في تنظيم المحاكم الدولية، فإنه خص المحكمة الإسلامية – في الوقت ذاته – بأمور تكشف عن طابعها المميز، كقيامها على الشريعة الإسلامية نصًّا وروحًا، واعتبارها اللغة العربية هي اللغة الأولى، وتعزيز سلطتها في الوظيفة الدبلوماسية والتحكيمية؛ ليجوز لها أن تقوم – عن طريق لجنة من الشخصيات المرموقة أو عن طريق كبار المسؤولين في جهازها – بالوساطة أو التوفيق أو التحكيم في الخلافات التي تنشب بين عضوين أو أكثر من أعضاء المؤتمر الإسلامي، إذا أبدت الأطراف المتنازعة رغبتها في ذلك أو طلب ذلك مؤتمر القمة الإسلامي أو المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية بتوافق الآراء. ولا ريب أن ما توافر للمحكمة الإسلامية الدولية وما سوف يتوافر لها بعون الله من عوامل، جدير بأن يسهم في دفعها إلى الطريق السوي، وأن يوفر لها مناخًا ملائمًا لازدهارها والإقبال عليها، بما لم يتوافر لمحكمة العدل الدولية، وبما يقطع كل الحجج التي تساق لتبرير الاحتكام إلى محاكم غير إسلامية في منازعات الدول الإسلامية، لا سيما ونظام هذه المحكمة يستلزم انتقاء شيوخ ثقات خبراء في الشريعة وفي القانون الدولي، لهم من صفاتهم الشخصية والعلمية والإيمانية ما يسمح للطمأنينة أن تسكن جنباتنا، وقد طالبهم النظام أن يضعوا في بوقتة الشريعة الإسلامية، أحكام القانون الدولي، والاتفاقيات الدولية الثنائية والمتعددة الأطراف والعرف الدولي المعمول به والمبادئ العامة للقانون والأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية ومذاهب كبار فقهاء القانون الدولي في مختلف الدول. على أن إنصاف الشريعة الإسلامية لتأخذ مكانها على قمة القواعد الدولية التي تحكم القضاء والتحكيم الدوليين، يقتضي من الدول الإسلامية ومن منظمة المؤتمر الإسلامي - على وجه الخصوص – أن تسعى إلى بلورة قواعد الشريعة الغراء لتكشف عن جوهرها الأصيل، وتجلو قدرتها على تنظيم المجتمعات على اختلاف ظروفها وتنوع تطورها. وقد يدفعنا هذا إلى أن نناشد مجمع الفقه الإسلامي أن يضع في خططه القريبة الاهتمام – بصورة أوسع – بأسلمة قواعد القانون الدولي، بدراسات فقهية متخصصة تضبط هذه القواعد على الوجهة الشرعية، وتنزل حكم الله على ما أحدثته المجتمعات الدولية من علاقات وما نشأ بينها من منازعات لم تعرض لفقهائنا الأوائل ويحتاج إلى اجتهاد جماعي يعززه العلم وتظلله التقوى ويحيط به الإيمان، كسائر عهدنا بما يقوم به هذا المجمع، وما يقدمه من ثراء فقهي مرموق. والله ولي التوفيق المستشار محمد بدر يوسف المنياوي

стр. 15559

مبدأ التحيكم في الفقه الإسلامي إعداد الدكتور عبد الله محمد عبد الله المستشار بوزارة العدل – الكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم أجمعين، وبعد فإن موضوع التحكيم في الفقه الإسلامي موضوع جدير بالدراسة إن الكتابة فيه قليلة وإن الباحثين من الفقهاء الشرعيين لم يولوه الاهتمام الذي يستحقه مع شدة الحاجة إليه، فقد صار التحكيم اليوم هو السبيل الفعال والقوي الذي يلجأ إليه المتعاقدون كلما حزبهم أمر في شأن تفسير نصوص العقود التي يعقدونها بينهم أو في تنفيذ هذه العقود، بحيث لا يكاد يخلو عقد من اتفاق ينص عليه، ولم يقف الأمر عند الاتفاقات التي يعقدها مواطنون من بلد واحد، بل أخذ الاهتمام به يتزايد في مجال العلاقات التجارية الدولية، فقد تشابكت المصالح وبات العالم يشكل كيانًا واحدًا متصلًا بعضه ببعض، وأمام التقدم الكبير في عناصر الإنتاج ووسائل النقل والاتصال وارتباط المصالح والمعاملات، فقد اهتمت المنظمات الدولية بشأن التجارة الدولية ورأوا وضع قانون شامل أو ميثاق لأصول التجارة الدولية يحقق احترام مبدأ الحرية التجارية. ويقود العلاقات الاقتصادية الدولية الآن تيار قوي يدعو إلى جعل التحكيم الوسيلة المثلى في حل المنازعات التي تنجم عن روابطها وعقودها، خاصة تلك التي تتعلق ببيع البضائع وتسليمها، وعقود الترخيص بصنع منتجات واستغلال براءات الاختراع ومقاولات وإنشاء المصانع في بلاد أخرى، ومقاولات الأشغال الكبرى كإقامة الموانئ والمطارات والطرق وغيرها – ولهذا نادرًا ما يخلو عقد من هذه العقود على شرط التحكيم – ولهذا يقولون: إن التحكيم أضحى الطريق المعتاد لنظر منازعات التجارة الدولية (١) ولا أدل على أهمية التحكيم من هذه القضايا التي رفعتها بعض الدول العربية والإسلامية التي ارتبطت بعقود مع بعض الدول الأجنبية ولجوئها إلى التحكيم في حل نزاعاتها معها وهذا غيض من فيض من هذه النزاعات: ١- قضية الهيئة العربية للتصنيع، وأطرافها: بريطانيا – مصر، السعودية، الإمارات، قطر. ٢ – قضية بين فرنسا وتونس وموضوعها: اتفقت شركة تونسية مع شركة فرنسية على إقامة مصنع للطوب في تونس بمعدات توردها الشركة الفرنسية وقد أدخلت عدة تعديلات إلى أن اتفق على شرط التحكيم ينص على تسوية ودية في المنازعات بين الطرفين.

стр. 15560

٣- صفقات من السجاد الشرقي بين بلجيكا وباكستان. ٤- عقد تشييد وإدارة مصنع بين إنجلترا وسلطنة عمان. ٥- قضية بين نيجيريا وسويسرا بشأن أسس تحديد أتعاب المحاماة. ٦- توقيع عقد بين فرنسا والمملكة العربية السعودية بشأن وكيل لتوزيع منتجات الشركات الفرنسية في السعودية. ٧- إنشاء محطة أرضية للأقمار الصناعية بين الكاميرون والولايات المتحدة الأمريكية. ٨- تحكيم بين ألمانيا واليمن حول تحريم الفوائد في الشريعة الإسلامية وقد تم اتفاق في صنعاء بين إحدى الجهات الحكومية في اليمن وبين شركة ألمانية غربية لإدارة وتقديم خدمات مشروع لتربية الماشية. ٩- إنشاء مستشفى تعليمي للطب بين ألمانيا وبلجيكا ودولة خليجية (١) . هذا قليل من كثير من الروابط والعلاقات التجارية وعقود المعاملات التي تم عرضها على التحكيم والتي أحد أطراف النزاع فيها دولة عربية أو إسلامية مع دولة أو دول أجنبية غير إسلامية. ولعلنا ندرك من ذلك أهمية موضوع التحكيم، وقد أحسن المجمع الفقهي صنعًا بطرحه هذا الموضوع للكتابة والمناقشة توصلًا إلى قرار بشأنه. ولا شك أن الموضوع المطروح من القائمين على أمر المجمع أوسع من هذا الذي تكلمنا عنه، بل يعتبر هذا جزءًا من الموضوع يتعلق بشقه الخاص بالمعاملات، أما الشق الآخر والذي يمس جوهر العلاقات الدولية على مستوى السلم والحرب فإن بحثه من أهم ما ينبغي أن توجه نحوه الجهود والبحوث. وقد حاولت استيفاء الكلام على العناصر التي طلب الكلام عليها، وبذلت جهدي في استنباط الحل من الوقائع والحوادث التي قد تعين على استجلاء حكم منها يمكن تطبيقه على مستجدات العصر، حيث تتشابه عناصرها ولا تتباين إلا فيما لا يمس جوهر المسألة، والله هو الموفق للصواب وتلك محاولتي فإذا كنت قد أصبت فذلك الفضل من الله وإن كانت الأخرى فإنما هي نفسي القاصرة وأستغفر الله.

стр. 15561

أولًا – معنى التحكيم التعريف: مادة حكم وردت في القرآن الحكيم بمعنى: يقضي ويفصل في الأمر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] ضمنت معنى يفعل (١) . وقد تكررت هذه اللفظة بصيغ مختلفة ووردت بصيغة يحكموك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] . وجاء في سبب نزولها ما ذكره القرطبي عن مجاهد وغيره أن المراد من هذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] ، قال القرطبي:روي يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ودعا المنافق اليهودي إلى حاكمهم؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم، فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنًا في جهينة فأنزل الله الآية، وذهبت جماعة إلى أنها نزلت في الزبير مع الأنصاري وكانت الخصومة في سقي بستان والقصة ذكرها القرطبي بطولها وسندها حديث ثابت صحيح رواه البخاري (٢) كما وردت بصيغة يحكمونك في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] . وجاء في أساس البلاغة: حكموه جعلوه حكمًا، وفي الحديث (إن الجنة للمحكمين) وهم الذين حكموا في القتل والإسلام فاختاروا الثبات على الإسلام (٣) . وحاكمته إلى القاضي رافعته، وتحاكمتا إليه واحتكمتا. وهو يتولى الحكومات والخصومات.

стр. 15562

والحكم والحكيم هما بمعنى الحاكم وهو القاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو بمعنى مفعل. ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (١) . ومن المجاز: حكمت السفيه تحكيمًا وأحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، وبه سمى الحاكم؛ لأنه يمنع الظالم. وعن النخعي: حكم اليتيم كما تحكم ولدك أي: امنعه من الفساد كما تمنع ولدك، أو بمعنى: حكمه في ماله إذا صلح كما تحكم ولدك (٢) . قال الماوردي: وفيما أخذ منه الحكم وجهان: أحدهما أنه مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء في موضعه. والثاني: أنه مأخوذ من إحكام الشيء لما فيه من الإلزام (٣) . وأما في الاصطلاح: فهو لا يخرج عن المعنى اللغوي. قال ابن نجيم الحنفي: التحكيم له معنيان لغوي واصطلاحي. أما الأول يقال: حكمت الرجل تحكيمًا إذا منعته مما أراد. ويقال أيضًا: حكمته في مالي إذا جعلت إليه الحكم فيه فاحتكم على ذلك. واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنى والمحاكمة المخاصمة إلى الحاكم والمراد الثاني. فهو في اللغة جعل الحكم في مالك إلى غيرك، وفي المحيط تخير التحكيم تصير غيره حاكمًا. وعرفه غيره بأنه تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما (٤) . وقال ابن فرحون: التحكيم ومعناه: أن الخصمين إذا حكما رجلًا وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز (٥) . وعرفته مجلة الأحكام العدلية في المادة / ١٧٩٠ ونصها: (التحكيم هو عبارة عن اتخاذ الخصمين آخر حاكمًا برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما) .

стр. 15563

الفرق بين التحكيم والقضاء والإفتاء أولًا – الفرق بين القضاء والتحكيم: يشترك الاثنان في أن كلا منهما وسيلة لفض النزاع بين الناس وتحقيق العدل ورفع الحيف والظلم ولهذا كانت الشروط المطلوبة في المحكم هي ذات الشروط المطلوبة تحققها في القاضي. قال في معين الحكام: وأما ولاية التحكيم بين الخصمين فهي ولاية مستفادة من آحاد الناس وهي شعبة من القضاء متعلقة بالأموال دون الحدود والقصاص (١) . إلا أن ذلك لا يمنع أن تكون ثمة فروقًا بينهما وقد وصلها ابن نجيم إلى سبعة عشر فرقًا (٢) ، ومعظم ما ذكره من مسائل الخلاف ولهذا نقتصر على أهم هذه الفروق التي يقول بها جمهور الفقهاء أيضًا؛ لأن مسائل الخلاف سيأتي الكلام عليها في ثنايا البحث. وأهم هذه الفروق: إن القاضي صاحب ولاية عامة بمعنى أن حكم القاضي يتعدى إلى غير المتخاصمين كما في صورة القتل الخطأ وليس كذلك المحكم فإن حكمه لا يتعدى إلى العاقلة؛ لأن العاقلة لأن العاقلة لم ترض بحكمه (٣) . كذلك لا يتعدى حكمه على وارث إلى الباقي فإن حكم بدين على ميت في مواجهة أحد الورثة لم يتعد حكمه إلى بقية الورثة ولا على الميت لعدم رضاهم بحكمه وانطلاقًا من هذا المبدأ قالوا: إن المحكم لا يقيم حدًا ولا يلاعن بين الزوجين ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو نسب أو ولاء وإنما استثنيت هذه المسائل لاستلزامها إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين فاللعان يتعلق به حق الولد في نفي نسبه من أبيه وكذلك النسب والولاء يسري ذلك إلى غير المحكمين ومن يسري ذلك إليه لم يرض بحكم المحكم وكذلك الطلاق فإن فيه حق الله تعالى إذ لا يجوز أن تبقى المطلقة البائن في العصمة (٤) .

стр. 15564

وهذه المسائل هي محل خلاف بين الفقهاء فقد قال الحنفية: إنه وإن جاز التحكيم في هذه الأمور إلا أنه لا يفتى به دفعًا لتجاسر العوام (١) واختلفت أقوال الشافعية في هذه المسائل والراجح عدم جواز التحكيم فيها (٢) . وأنه لا بد من تراضي المحكمين على تعيين المحكم لفض النزاع بينهما بخلاف القاضي ولا تجوز كتابة المحكمة إلى القاضي ولا العكس وإن المحكم إذا رد شهادة الشاهد بتهمة ثم اختصما إلى آخر أو إلى قاض فزكيت البينة يقضي لها؛ لأن المحكم لم يكن قاضيًا في حق غير الخصمين ولم يتصل بهذه الشهادة رد قاض. ثانيًا – الفرق بين المحكم والمفتي: بينا في الفرق بين التحكيم والقضاء أن كلًّا من المحكم والقاضي فيما يتعلق بالنظر في المنازعات المالية يقتربان من بعضهما حتى تكاد تتلاشى الفروق بينهما إلا ما كان متصلًا بطبيعة الولاية فإن القاضي يتلقى ولايته من السلطان أما المحكم فإنه يتلقى ولايته من المتخاصمين، ولما كانت ثمة فروق جوهرية بين طبيعة عمل القاضي والمفتي فإننا نستطيع القول بأن التحكيم وإن كان ذا طبيعة قضائية فهو يتفق مع مهمة الإفتاء في جوانب ولهذا من المناسب أن نذكر الفروق التي ذكرها القرافي بين القاضي والمفتي؛ لأن هذه الفروق تنسحب أيضًا على عمل المحكم. فقد ذكر القرافي في الفرق الرابع والعشرين والمائتين من كتاب الفروق الفرق بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم، فقال: إن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم بل الفتيا فقط إلى أن قال: إن الأحكام الشرعية قسمان: منها ما يقبل حكم الحاكم من الفتاوى فيجتمع الحكمان، ومنها ما لا يقبل إلا الفتوى. وذكر جملة مسائل قال: إنها من قبيل الفتوى وبعضها من قبيل الحكم والفتوى فمن الأول إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه إنه يوجب الزكاة ومن الثاني أخذه الزكاة في مواطن الخلاف (٣)

стр. 15565

وقال: إن حكمه بنجاسة ماء أو طعام أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى. وليس حكمًا ومع هذه الفوارق بين الفتوى والحكم إلا أن الجامع بينهما أن الحكم والفتوى كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى ويجب على السامع اعتقادهما وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى فيه إلزام أو إباحة والحكم معناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى (١) . وقال ابن فرحون: لا فرق بين المفتي والحاكم إلا أن المفتي مخبر والحاكم ملزم (٢) . وقال في مغني المحتاج: الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية هو إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه بخلاف المفتي فإنه لا يجب عليه إمضاؤه (٣) . ويتفق المحكم مع المفتي في هذا فالمحكم لا يقوم بتنفيذ ما يحكم به وليس له أن يحبس بل غايته الإثبات والحكم ونقل عن الرافعي نقلًا عن الغزالي وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف لم يستوفه؛ لأن ذلك يحرم أبهة الولاية. وإذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل (٤) . وقال الخطيب البغدادي إن المفتي كالحاكم لا يأخذه أجرة من أعيان من يفتيه كما أن الحاكم لا يجوز له أن يأخذ الرزق من أعيان من يحكم له وعليه وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف والتكسب ويجعل ذلك في بيت مال المسلمين فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يفرض الإمام للمفتي شيئًا واجتمع أهل محلة على أن يجعلوا له من أموالهم رزقًا ليتفرغ لفتاويهم وكتابات نوازلهم ساغ ذلك. وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي فإن الخير أعجله والسلام عليك. قال: فكان عمرو بن قيس وأسد بن وداعة فيمن أخذها.

стр. 15566

ونقل عن ابن أبي غيلان: قال بعث عمر بن عبد العزيز يزيد بن أبي مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس من البدو وأجرى عليهما رزقًا فأما يزيد فقبل وأما الحارث فأبى أن يقبل فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك فكتب عمر: أنا لا نعلم بما صنع يزيد بأسًا وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد (١) ومنع الحاكم في أخذ الأجرة من المتخاصمين محله إذا كان له رزق من بيت المال أما إذا لم يكن له رزق من بيت المال وكان ذلك الحكم مما يصح الاستئجار عليه كان له طلب أجرة مثل عمله (٢) . وإنه بتطبيق تلك القواعد على المحكم فإن المحكم لا يشغل وظيفة عامة حتى يكون له رزق من بيت المال وليس لحكمه إلزام فيجوز له أخذ الأجرة على عمله ويكون حكمه حكم القاضي، والمفتي إذا لم يكن لهما رزق من بيت المال (٣) فيجوز للمحكم أن يأخذ أجرًا على عمله من المتخاصمين. ثالثًا – قواعد وشروط التحكيم في الخلاف: يمكن استخلاص مجموعة من القواعد والضوابط من خلال ما كتبه الفقهاء في مباحث التحكيم وهذه طائفة منها: القاعدة الأولى: يشترط اتفاق الطرفين المتخاصمين على التحكيم بلفظ يدل على التحكيم فليس المراد خصوص لفظ التحكيم فلو قال: احكم بيننا أو جعلناك حكمًا أو حكمناك في كذا انعقد (٤)

стр. 15567

القاعدة الثانية: لا يحكم لأبويه وولده وزوجته ولا على عدوه للتهمة كالقاضي (١) ، قال الماوردي: وإن كان التحكيم من المتنازعين لمن لا يجوز أن يشهد لهما ولا عليهما والذي لا يجوز له أن يشهد لهما هو والد وولد والذي لا يجوز أن يشهد عليه عدو فينظر فإن حكم على من لا يجوز أن يشهد له من والد أو ولد ولمن يجوز أن يشهد له من الأجانب جاز، وإن حكم لمن لا يجوز أن يشهد له من والد أو ولد وعلى من يجوز أن يشهد له من الأجانب ففي جوازه وجهان: أحدهما: لا يجوز حكمه له كما لا يجوز أن يحكم له بولاية القضاء. الثاني: يجوز أن يحكم له بولاية التحكيم وإن لم يجز أن يحكم له بولاية القضاء؛ لأن ولاية التحكيم منعقدة باختيارهما فصار المحكوم عليه راضيًا بحكمه. وإن حكم لعدوه نفذ حكمه وإن حكم على عدوه ففي نفوذ حكمه عليه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء ولا بولاية التحكيم كما لا يجوز أن يشهد عليه. والوجه الثاني: يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء وولاية التحكيم بخلاف الشهادة لوقوع الفرق بينهما، بأن أسباب الشهادة خافية وأسباب الحكم ظاهرة. والوجه الثالث: أنه يجوز أن يحكم عليه بولاية التحكيم لانعقادها عن اختياره ولا يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء لانعقادها بغير اختياره (٢) . وقال ابن فرحون: فإذا حكم أحد الخصمين صاحبه فحكم لنفسه أو عليها جاز ومضى ما لم يكن جورًا بينًا وليس تحكيم الخصم خصيمه كتحكيم خصم القاضي. قال أصبغ: لا أحب ذلك فإن وقع مضى وليذكر في حكمه رضاه بالتحاكم إليه، وقيل: لا يجوز حكم القاضي لنفسه وقيل: يجوز (٣) .

стр. 15568

القاعدة الثالثة: لو حكم بين متخاصمين قبل أن يحكماه ثم رضيا بحكمه فإنه جائز؛ لأن الإجازة اللاحقة هي في حكم الوكالة السابقة (١) . وذهب الشافعية إلى ضرورة تحقق الرضا قبل الحكم؛ لأن رضا الخصمين هو المثبت للولاية فلا بد من تقدمه (٢) . القاعدة الرابعة: إذا حكم المحكم بغير القانون أو المذهب المتبع في البلد ولم يكن فيه مخالفة لأحكام الشريعة فهو لازم لهما (٣) . وقال الأحناف: إذا لم يوافق حكم المحكم مذهب المجتهد الذي يقلده قاضي البلد ينقضه القاضي (٤) . القاعدة الخامسة: إذا حكم المحكم في مسائل منع من التحكيم فيها استحق التأديب لافتياته على الإمام (٥) . القاعدة السادسة: إذا كان المحكمون مأذونين بالتحكيم جاز لهم تحكيم آخر أما إذا لم يكونوا مأذونين فليس لهم أن يحكموا غيرهم (٦) . القاعدة السابعة: يجوز نصب حكمين أو ثلاثة أو أكثر بحسب الحاجة، ولكن يتعين في هذه الحالة اتفاق رأيهم كلهم. (٧) . وقال الأتاسي: إلا يكون المحكمون مأذونين من قبل من حكمهم أن يحكموا بكثرة الآراء فالظاهر أنه يجوز (٨) .

стр. 15569

ثانيًا – شروط التحكيم تتنوع شروط التحكيم إلى عدة أنواع، الأول: شروط من جهة المحكم بكسر الكاف، والثاني: شروط من جهة المحكم بفتح الكاف، والثالث: شروط من جهة المحكوم به، الرابع: شروط من جهة الحكم. أولًا – شروط المحكم: أن يكون لهما ولاية على أنفسهم وذلك يتحقق بالبلوغ والعمل فلا يجوز تحكيم الصبي أو المجنون (١) ولا يشترط في المحكم غير ذلك، فلا يشترط إسلام المحكم ولا كونه حرًّا فيجوز من كل من تحققت فيه أهلية الخصومة. ثانيًا – شروط المحكم: أما شروط المحكم فقد ذهب جمهور الفقهاء على أنه يشترط فيه صلاحيته للقضاء ويشترط هذه الصلاحية وقت التحكيم ووقت الحكم (٢) لأن المحكم بمنزلة القاضي فيما بين الطرفين (٣) لكن خفف بعض الحنابلة من بعض تلك الشروط، جاء في كشاف القناع: العشر صفات التي ذكرها في المحرر في القاضي لا تشترط فيمن يحكمه الخصمان (٤) ونقل الباجي عن أشهب في كتاب ابن إسحاق إن حكما بينهما امرأة فحكمها ماض أما إذا كان مما يختلف الناس فيه وكذلك العبد والمسخوط. كما نقل أيضًا عن عدد من أئمة المالكية جواز تحكيم بعض من لا يصلح للقضاء فنقل ابن الماجشون من رواية ابن حبيب إن كان العبد والمرأة بصيرين عارفين مأمونين فإن تحكيمهما وحكمهما جائز إلا في خطأ بين وقاله أصبغ وأشهب. قال ابن حبيب: وبه آخذ وقد ولى عمر الشفاء وهي أم سليمان ابن أبي حثمة سوق المدينة، ولابد لوالي السوق من الحكم بين الناس ولو في صغار الأمور ونقل عن أصبغ قوله: إن حكما مسخوطًا فحكم فأصاب جاز وكذلك المحدود والصبي إذا كان عقل وعرف وعلم، فرب غلام لم يبلغ له علم بالسنة والقضاء، ثم عقب الباجي بعد ذلك على تلك الأقوال فقال: وأصلها على أن من جعل التحكيم من باب الوكالة لم يراع شيئًا من ذلك إذا لم يكن ذاهب العقل ومن جعله من باب الولاية في حكم خاص لم يجز فيه إلا من قدمنا وصفه ممن اجتمعت فيه صفات الحكم (٥) ، وقال الخرشي: إن الصبي المميز والعبد والمرأة والفاسق إذا حكموا في المال والجرح ففي ذلك أربعة أقوال: الصحة مطلقًا لأصبغ وعدم الصحة مطلقا لمطرف والثالث الصحة إلا في تحكيم الصبي؛ لأنه غير مكلف ولا إثم عليه إن جار وهو لأشهب والرابع الصحة إلا في تحكيم الصبي والفاسق وهو لعبد الملك (٦) .

стр. 15570

ولما كان بعض شروط القضاء محل خلاف بين الأئمة ككون من يولى القضاء ذكرًا فقد انسحب هذا الخلاف على المحكم؛ لأن المحكم فرع عن القضاء كما أسلفنا فنخص هذه الشروط التي ورد فيها الخلاف بموجز من القول، وأول هذه الشروط اختلافهم في كون من يولى القضاء ذكرًا فقد اشترط الجمهور هذا الشرط. وقال ابن جرير: إنه لا يشترط الذكورية؛ لأن المرأة يجوز أن تكون فقيهة فيجوز أن تكون قاضية. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه (١) ولهذا أجاز الأحناف تحكيم المرأة لصلاحيتها للقضاء (٢) . وثاني هذه الشروط العدالة فقد أجاز الحنفية تولي الفاسق القضاء وبالتالي قالوا بجواز كونه حكمًا (٣) ومع تولية الفاسق القضاء والحنابلة (٤) . وقد بينا موقف المالكية فلا نعيده. وثالث هذه الشروط الاجتهاد وقال صاحب المغني: الشرط الثالث أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعية وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عامِّيًّا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم؛ فإذا أمكنه بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقدمين (٥) .

стр. 15571

النوع الثالث في الشروط من جهة المحكوم به المحكوم به لا يخلو الأمر إما أن يكون في مسائل الأحوال الشخصية أو في مسائل المعاملات المالية أو في مسائل الحدود والقصاص أو في مسائل أحكام السياسات الشرعية. أ- التحكيم في مسائل الشقاق بين الزوجين أما عن الأمر الأول وهو التحكيم في مسائل الأحوال الشخصية فقد جاء في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] . قال ابن العربي في أحكامه: هي من الآيات الأصول في الشريعة (١) ، وقال: هذا نص من الله في إنهما قاضيان لا وكيلان ... وينظران فيما عند الزوجين بالتثبت فإن رأيا للجمع وجها جمعا وإن وجداهما قد أثابا تركاهما وهذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: إنهما وكيلان عنهما فلا يفرقان بينهما إلا برضاهما وهو الأصح من قولي الشافعي (٢) والقول الثاني يتفق وقول مالك. وعلى هذا فالتحكيم في هذه الشعبة من شعب الفقه متفق عليه وإن كان ثمة خلاف فإنما هو في مدى اختصاص الحكمين بالتفريق وهل تشترط موافقة الزوجين أم ينفردان دونهما بالتفريق، كما اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب (فابعثوا) ، قال سعيد بن جبير: إنه السلطان الذي يترافعان إليه. السدي: الرجل والمرأة، وقال مالك: قد يكون السلطان وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين (٣) . اختلف في بعض مسائل الأحوال الشخصية هل يجوز فيها التحكيم أم لا؟ ومن هذه المسائل: اللعان والنسب والطلاق وفسخ النكاح والرشد والسفه وكذلك بالنسبة للغائب مما يتعلق بماله وزوجته وحياته وموته، فقد نص المالكية على عدم جواز التحكيم في هذه المسائل؛ لأن هذه الأمور إنما يحكم فيها القضاة، ولأن الحق فيها يتعلق بغير الخصمين إما لله كالطلاق وإما لآدمي كاللعان والولاء والنسب، ففي اللعان حق الولد بقطع نسبه وفي الولاء والنسب ترتيب أحكامها من نكاح وعدمه وإرث وعدمه وغير ذلك على الذرية التي ستوجد (٤) . وقال الشافعية لا يجوز التحكيم في الولاية على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه (٥) وهناك مسائل هي محل خلاف بين الفقهاء كمسألة اللعان فقد نقل الماوردي فيها وجهين (٦) وقال الحنابلة يجوز التحكيم في اللعان. بل الحنابلة أطلقوا الجواز جاء في كشاف القناع: نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرها حتى مع وجود قاض فهو كحاكم الإمام (٧) .

стр. 15572

ب- التحكيم في المعاملات المالية التحكيم في المنازعات المالية هو الأصل (١) ولهذا كان أول تقنين لمسائل التحكيم طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية النصوص التي اشتملت عليها مجلة الأحكام العدلية مأخوذة من المذهب الحنفي. فقد نصت المادة ١٨٤١: (يجوز التحكيم في دعاوى المال المتعلقة بحقوق الناس) وجاءت بقية المواد لتنظيم أحكامه التفصيلية ثم أخذت التشريعات الوضعية تخصص للتحكيم نصوصًا خاصة في قوانين المرافعات وبات التحكيم يأخذ مكانة مرموقة على مستوى دول العالم ومختلف نظمه وهيئاته فالتحكيم في مسائل المعاملات كالكفالة بالنفس والمال والشفعة والديون والبيوع صحيحة وجائزة (٢) وقال في التبصرة: إن الخصمين إذا حكما بينهما رجلًا وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز في الأموال وما في معناها (٣) وجاء في الشرح الصغير: وجاز تحكيم ... في مال من دين وبيع وشراء فله الحكم بثبوت ما ذكر أو عدم ثبوته ولزومه وعدم لزومه وجوازه وعدمه (٤) . وقد ورد قول ضعيف لبعض الفقهاء أنه لا يجوز لما فيه من الافتيات على الإمام ونوابه وقد رد هذا القول على قائله بأنه ليس للمحاكم حبس ولا استيفاء عقوبته فلا افتيات ولا خرق لهيبة السلطان (٥) وشرط بعضهم لجواز التحكيم أن لا يكون قاض بالبلد وهذا القول أيضًا مردود (٦) بأن الحكم بين الناس إنما هو حق للناس لا حق الحاكم ولكن لما كان الاسترسال على التحكيم خرقًا لقاعدة الولاية ومؤديا إلى تهارج الناس فأمر الشارع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج وأذن في التحكيم تخفيفًا عنه وعنهم في مشقة الترافع؛ لتتم المصلحتان، وتحصل الفائدتان (٧) .

стр. 15573

ج. التحكيم في مسائل الحدود والقصاص: اختلف الفقهاء في جواز التحكيم في الحدود والقصاص فذهب الحنابلة وطائفة من الشافعية إلى جواز التحكيم في الحدود والقصاص بل إن الحنابلة توسعوا في الأخذ بالتحكيم فلم يقيدوه بشيء مما قيده به غيرهم فينفذ عندهم التحكيم في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرها (١) ، وقال في المهذب: واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال: يجوز في كل ما تحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم من ولاه الإمام (٢) . وذهب فريق إلى أنه لا يجوز التحكيم في الحدود التي لله تعالى حق فيها هو قول الحنفية والشافعية (٣) جاء في بداية المبتدي: ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص، قال البابرتي في شرحه على الهداية: لا يجوز التحكيم في الحدود الواجبة حقًّا لله تعالى باتفاق الروايات؛ لأن الإمام هو المتعين لاستيفائها وأما في حد القذف والقصاص فقد اختلف المشايخ، قال شمس الأئمة من أصحابنا من قال بالتحكيم في حد القذف والقصاص جائز (٤) . وقال الخصاف: ولو أن رجلين حكما بينهما رجلًا في حد أو قصاص فحكم بينهما لم يجز ذلك، ومن أصحابنا من قال: إنما لا يجوز هذا في الحدود الواجبة لله تعالى أما في القذف والقصاص فإنه يجوز (٥) . وقال الماوردي: والأحكام تنقسم في التحكيم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وعقود المعاوضات وما يصح فيه العقد والإبراء. وقسم لا يجوز فيه التحكيم وهو ما اختص القضاة بالإجبار عليه من حقوق الله تعالى والولايات على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه، وقسم مختلف فيه وهو أربعة أحكام: النكاح، واللعان، والقذف، والقصاص (٦) وكذلك منع المالكية جريان التحكيم في الحدود والقصاص. قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: والحاصل أنه يحكم في الأموال والجراحات عمدها وخطئها لا في الحدود ومنها قطع اليد في السرقة ولا في النفوس؛ لأن الحدود المقصود منها الزجر وهو حق الله وكذلك القتل؛ لأنه إما لردة أو حرابة، وكله حق لله لتعدي حرماته (٧) .

стр. 15574

د- التحكيم في مسائل السياسة الشرعية: ١- التحكيم في وقف الحرب: توصلت دول العالم أخيرًا إلى فكرة فض المنازعات بالطرق الودية كوسيلة لمنع الحروب فقررت عرض كل نزاع يقوم بين الدول على التحكيم أو القضاء وحظرت الالتجاء إلى الحرب قبل استنفاذ هذه الوسائل العلمية هذا ما نص عليه قانون عصبة الأمم ثم ميثاق الأمم المتحدة (١) ، وقد عالج الفقه الإسلامي هذا الجانب فنص على أنه لا يقاتل المسلمون غيرهم إلا بعد، يدعوهم إلى الله ورسوله ويبينوا لهم أحكام الإسلام وشرائعه (٢) . قال الماوردي: والقسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير الحرب. والمشركون في دار الحرب صنفان: ... الصنف الثاني: لم تبلغهم دعوة الإسلام ... فيحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبياتًا أو أن نبدأهم بالقتل قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار الحجة بما يقودهم إلى الإجابة (٣) مستدلًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وإذا عرضوا الصلح أو التحكيم أجيبوا إليه. وقال أبو يوسف: وإذا حاصر المسلمون حصنًا لأهل الحرب فصالحوهم على أن ينزلوا على حكم سموه فحكم فقد يكون الحكم بالقتل أو بوضع الجزية أو بغير ذلك فكل ذلك جائز. وكان أول تحكيم في الإسلام هو التحكيم الذي جرى في عهد رسول الله ﷺ : قال أبو يوسف: حدثني محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ حاصر بني قريظة فنزلوا على أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان جريحًا من سهم أصابه يوم الخندق وكان في خيمة رفيدة، فأتاه قومه فحملوه على حماره ثم قالوا: إن رسول الله ﷺ قد ولاك الحكم في بني قريظة وهم حلفاؤك.

стр. 15575

فقال: قد آن لسعد أن لا يخاف في الله لومة لائم، فخرج ومن كان معه ممن سمع مقالته إلى دار قومه يبغي رجال بني قريظة، فلما وقف على رسول الله ﷺ قباله من ذلك المكان قال: (عليكم العهد والميثاق: أن الحكم فيهم ما حكمت؟) . . . . وهو غاض طرفه عن موضع رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ والمسلمون: نعم: فقال: حكمت فيهم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية. فقال النبي ﷺ : ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات)) (١) . ومن المسائل التي تناولها الفقهاء في هذا الجانب لو نزل العدو على حكم رجل ثم تبين بعد الحكم أنه لم يكن مستجمعًا لشروط الحكم نص المالكية على أن الإمام ينظر في حكمه؛ فما كان صوابًا أمضاه، وما كان غير صواب رده، وتولى الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة (٢) . وذهب آخرون إلى أن لا يعمل بهذا الحكم ويبقون على ما كانوا عليه قبل الحكم فإن كانوا في حصن ونزلوا منه ردوا إليه. (٣) . ٢- التحكيم في المسائل الدستورية: يذكر الماوردي في معرض الاستدلال على جواز التحكيم تحكيم الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في الإمامة، وتحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف ﵁ في اختيار الخليفة من بين أهل الشورى الذين اختارهم عمر ﵁ قبل موته (٤) .

стр. 15576

والتحكيم في المسألة الأولى تغني شهرتها في كتب السير والتاريخ عن ذكرها، أما تحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف فقد أخرجه العلامة علاء الدين البرهان فوري من حديث عمرو بن ميمون وغيره (١) . وأورد الخبر بطوله ابن سعد في الطبقات عند الكلام على ترجمة عمر ﵁ وخبر مقتله واستخلافه عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن: وسعدًا، قال: فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر منكم فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن فاتمروا أولئك الثلاثة حين جعل الأمر إليهم، فقال عبد الرحمن: أيكم يبرأ من الأمر ويجعل الأمر إلي على ألا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: تجعلانه إلي وأنا أخرج منها، فوالله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين قالوا: نعم إلى آخر القصة (٢) . ومن المسائل المتعلقة بالإمامة والتي تصدى لها فريق من الباحثين المعاصرين الاختلاف بين الإمام ومجلس الشورى. وهذا الموضوع يحتاج إلى تأصيل وبيان هل مجلس الشورى هذا هو عين المجالس النيابية أو غيرها؟ فإذا كان مجلس الشورى هو المجلس النيابي أو السلطة التشريعية كما يقولون فإن الحلول المطروحة طبقًا للدساتير المتعارف عليها، وهي قيام رئيس الدولة بحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات جديدة أو قيام السلطة التشريعية بنزع ثقتها من الوزارة وإرغامها على الاستقالة (٣) هي الحلول العملية لمثل هذا النزاع.

стр. 15577

ويرى الدكتور محمد عبد الله العربي إنشاء محكمة عليا تختص بالفصل في قضايا النزاع بين رئيس الدولة والسلطة التشريعية والتي تحال إليها من أي من الطرفين لتفصل فيها ويكون لحكم هذه المحكمة السلطة في إبطال أي قانون وضعي أقره المجلس أو أي قرار إداري أصدره رئيس الدولة إذا رأت في أي منهما مخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة (١) . ويرى الدكتور فتحي عبد الكريم أنه مجلس الشورى هذا غير المجلس النيابي المتعارف عليه فإن المجالس النيابية تختص بوضع التشريعات والقوانين أما مجلس الشورى فيتعلق بالمجال التنفيذي فالخليفة أو رئيس الدولة له اختصاصات تنفيذية وفي نطاق هذه الاختصاصات التنفيذية فإنه يتعين عليه إذا عرضت مسألة هامة تتعلق بمصلحة عامة للأمة أن يستشير الأمة فيها مثل إعلان الحرب ويستدل على هذا الفرق بين المجلسين بأن الرسول ﵊ أمر بالاستشارة وكان يستشير فعلًا ولا يمكن أن يكون ذلك بقصد التشريع؛ لأن في عهده كان هو المشرع وإن الفقهاء يختلفون في نطاق الشورى كما اختلفوا في حكم الشورى هل الأمر به للوجوب أو الندب (٢) . ويتساءل الدكتور قحطان الدوري في كتابه التحكيم إذا بقي الاختلاف بين مجلس الشورى والإمام هل يؤخذ برأي الأغلبية أو يؤخذ بالتحكيم أو يؤخذ برأي الإمام ويلتقى مع الرأي السابق وهو إنشاء محكمة عليا تكون مهمتها الفصل في الخلاف بين الإمام ومجلس الشورى ويكون رأيها ملزمًا (٣) . ونرى أن مجال التحكيم واسع في الفقه الإسلامي فهو يتسع لكل المسائل والوقائع سواء ما كان متعلقًا منها بفروع القانون الداخلي أو الدولي وبعبارة أخرى بأحكام السياسة الشرعية أو فروع الفقه الأخرى إلا ما اتفق على عدم خضوعه للتحكيم.

стр. 15578

الرابع: شروط الحكم وهل يملك الحكم أو من حكمه الرجوع عن الحكم؟ إذا تحققت الشروط المعتبرة في التحكيم وهي التي سبق بيانها فإن الحكم الصادر فيه يكون لازمًا لطرفيه واجب النفاذ. قال الماوردي: وإذا جاز التحكيم في الأحكام فنفاذ حكمه مقيد بأربعة شروط (١) ، وقال: فيما يصير الحكم به لازمًا لها وفيه قولان للشافعي: أحدهما: أنه لا يلزمهما الحكم إلا بالتزامه بعد الحكم كالفتيا؛ لأنه لما وقف على خيارهما في الابتداء وجب أني يقف على خيارهما في الانتهاء وهو قول المزني. والقول الثاني: وهو قول الكوفيين وأكثر أصحابنا أنه يكون بحكم المحكم لازمًا لهما ولا يقف بعد الحكم على خيارهما لما روي عن النبي ﷺ إنه قال: ((من حكم بين اثنين تراضيًا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله)) (٢) فكان الوعيد دليلًا على لزوم حكمه كما قال في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولحديث: ((إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدًا)) (٣) فصار بتأميرهم له نافذ الحكم عليهم كنفوذه لو كان واليًا عليهم، وذلك انعقدت الإمامة للإمام باختيار أهل الاختيار (٤) . وذكر في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: فإن حكم لزمهما ولا يبطل حكمه بعزلهما لصدوره عن ولاية شرعية (٥) وكذلك نص المالكية فقد جاء في التبصرة: ولا يشترط دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم بل لو أقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم فليقض بينهما ويجوز حكمه، وقال أصبغ: لكل واحد منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده فيلزمهما التمادي فيها كما ليس لأحدهما إذا ترافعا الخصومة عند القاضي أن يوكل وكيلًا أو بعزله. وقال سحنون في كتاب ابنه: لكل واحد منهما الرجوع ما لم يفصل الحكم بينهما وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما الرجوع كان ذلك قبل أن يتقاعد صاحبه أو بعده ما ناشبه الخصومة وحكم لازم لهما (٦) .

стр. 15579

ليس للمحكم كذلك أن يرجع عن الحكم: وليس للحكم أن يرجع عن حكمه، وليس له بعد أن حكم لأحدهما أن يرجع ويقضي للآخر؛ لأن الحكومة قد تمت بالقضاء الأول فكان القضاء الثاني باطلًا (١) . عزل المحكمين: التحكيم من العقود الجائزة فلكل واحد من المحكمين الرجوع عنه، ولكن هذا الرجوع مقيد بأن يتم قبل الحكم قال في البحر الرائق: ولكل واحد من المحكمين، أن يرجع قبل حكمه؛ لأنه تقلد من جهتهما فكان لكل منهما عزله وهو من الأمور الجائزة فينفرد أحدهما بنقضه كالمضاربة والشركة الوكالة (٢) . وقال ابن أبي الدم: ومهما رضيا به ثم رجع أحدهما قبل أن يحكم لم ينفذ حكمه وفاقًا، وإنما الخلاف فيه إذا استمر على الرضا حتى حكم ولم يجددا رضا (٣) وذكر وجها بعيدًا أن رجوع أحدهما بعد الخوض في التحكيم لم يؤثر الرجوع وينفذ الحكم (٤) وقد سبق بيان أقوال المالكية في الرجوع عن التحكيم بعد شروع الحكم في نظر النزاع فلا نعيده. انتهاء مهمة الحكم: ونص الفقهاء على أن مهمة الحكم تنتهي بأحد أمور ثلاثة: بالعزل أو بانتهاء الحكومة نهائيًّا بأن كان مؤقتًا فمضى الوقت أو بخروجه من أن يكون صالحًا لنظرها وبفقده شرطًا من الشروط المؤثرة على سلامة الحكم أو سيره في نظر التحكيم وكذلك بالفصل في الدعوى موضوع التحكيم. (٥) .

стр. 15580

تنفيذ حكم المحكمين أو باتصاله بالقضاء: الأصل أن يتم تنفيذ حكم المحكمين طواعية واختيارًا؛ لأن التحكيم كان بإرادة المحكمين واختيارهم وطوعهم، ولكن لما كان حكم المحكم عرضة للخطأ والصواب وقد يبدو للطرفين فيه أو لأحدهما التأكد والاستيثاق منه من حيث صدوره موافقة لأحكام الشريعة ونظم البلاد أو ربما يتم تنفيذه في بلد آخر أو لدى قاض قد يختلف نظره في هذا الحكم لاختلاف مذهبه أو نظم البلد الذي يحكم فيه فقد عالجت مجلة الأحكام العدلية ذلك في مادتين متتاليتين نصت المادة ١٨٤٨ من مجلة الأحكام العدلية على أنه (كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكمين لازم الإجراء على الوجه المذكور في حق من حكمهم وفي الخصوص الذي حكموا به، فلذلك ليس لأي واحد من الطرفين الامتناع عن قبول حكم المحكمين بعد حكم المحكمين حكمًا موافقًا لأصوله المشروعة) . ونصت المادة ١٨٤٩ منها على أنه (إذا عرض حكم للمحكم على القاضي المنصوب من قبل السلطان فإذا كان موافقًا للأصول صدقه وإلا نقضه) . وجاء في شرح هذه المادة أن فائدة تصديق حكم المحكم من قبل القاضي هو أنه لو عرض هذا الحكم على أنه قاض آخر يخالف رأيه واجتهاده رأى المحكم فليس له نقضه؛ لأن إمضاءه وقبول القاضي لحكم المحكم هو بمنزلة الحكم ابتداء من القاضي، أما إذا لم يصدق القاضي على حكم المحكم فيكون من الممكن للقاضي الآخر أن ينقض حكم المحكم، فإذا حكم المحكم حكمًا غير موافق للأصول بنقضه القاضي والمحكم الثاني (١) وقالوا: إن عدم موافقة حكم المحكم للأصول يكون لوجهين. الأول: أن يكون حكم المحكم خطأ لا يوافق أي مذهب من المذاهب، وبما أن الحكم على هذا الوجه خطأ بين واجب رفعه ويقضي القاضي في النزاع على وجه الحق. الثاني: أن يكون حكم المحكم موافقًا لمذهب أحد المجتهدين إلا أن يكون غير موافق لمذهب المجتهد الذي يقلده القاضي الذي عرض عليه حكم المحكم. قالوا: لأن حكم المحكم لا يرفع المسائل الخلافية فالحكم لازم لطرفي التحكيم، ولكن لا يلزم القاضي بخلاف الحكم الصادر عن القضاء (٢) . ونصوص المالكية تتفق على ما سبق فقد قال الباجي: ولو حكم رجلان بينهما رجلًا فقضى بينهما فقضاؤه جائز قاله مالك في المجموعة قال ابن القاسم: وإن قضى بما يختلف فيه ويرى القاضي خلافه فحكمه ماض إلا في جَوْرٍ بَيِّنٍ (٣) .
следующие страницы →