← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15576–15615 · переход к 15581.

стр. 15576

والتحكيم في المسألة الأولى تغني شهرتها في كتب السير والتاريخ عن ذكرها، أما تحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف فقد أخرجه العلامة علاء الدين البرهان فوري من حديث عمرو بن ميمون وغيره (١) . وأورد الخبر بطوله ابن سعد في الطبقات عند الكلام على ترجمة عمر ﵁ وخبر مقتله واستخلافه عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن: وسعدًا، قال: فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر منكم فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن فاتمروا أولئك الثلاثة حين جعل الأمر إليهم، فقال عبد الرحمن: أيكم يبرأ من الأمر ويجعل الأمر إلي على ألا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: تجعلانه إلي وأنا أخرج منها، فوالله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين قالوا: نعم إلى آخر القصة (٢) . ومن المسائل المتعلقة بالإمامة والتي تصدى لها فريق من الباحثين المعاصرين الاختلاف بين الإمام ومجلس الشورى. وهذا الموضوع يحتاج إلى تأصيل وبيان هل مجلس الشورى هذا هو عين المجالس النيابية أو غيرها؟ فإذا كان مجلس الشورى هو المجلس النيابي أو السلطة التشريعية كما يقولون فإن الحلول المطروحة طبقًا للدساتير المتعارف عليها، وهي قيام رئيس الدولة بحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات جديدة أو قيام السلطة التشريعية بنزع ثقتها من الوزارة وإرغامها على الاستقالة (٣) هي الحلول العملية لمثل هذا النزاع.

стр. 15577

ويرى الدكتور محمد عبد الله العربي إنشاء محكمة عليا تختص بالفصل في قضايا النزاع بين رئيس الدولة والسلطة التشريعية والتي تحال إليها من أي من الطرفين لتفصل فيها ويكون لحكم هذه المحكمة السلطة في إبطال أي قانون وضعي أقره المجلس أو أي قرار إداري أصدره رئيس الدولة إذا رأت في أي منهما مخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة (١) . ويرى الدكتور فتحي عبد الكريم أنه مجلس الشورى هذا غير المجلس النيابي المتعارف عليه فإن المجالس النيابية تختص بوضع التشريعات والقوانين أما مجلس الشورى فيتعلق بالمجال التنفيذي فالخليفة أو رئيس الدولة له اختصاصات تنفيذية وفي نطاق هذه الاختصاصات التنفيذية فإنه يتعين عليه إذا عرضت مسألة هامة تتعلق بمصلحة عامة للأمة أن يستشير الأمة فيها مثل إعلان الحرب ويستدل على هذا الفرق بين المجلسين بأن الرسول ﵊ أمر بالاستشارة وكان يستشير فعلًا ولا يمكن أن يكون ذلك بقصد التشريع؛ لأن في عهده كان هو المشرع وإن الفقهاء يختلفون في نطاق الشورى كما اختلفوا في حكم الشورى هل الأمر به للوجوب أو الندب (٢) . ويتساءل الدكتور قحطان الدوري في كتابه التحكيم إذا بقي الاختلاف بين مجلس الشورى والإمام هل يؤخذ برأي الأغلبية أو يؤخذ بالتحكيم أو يؤخذ برأي الإمام ويلتقى مع الرأي السابق وهو إنشاء محكمة عليا تكون مهمتها الفصل في الخلاف بين الإمام ومجلس الشورى ويكون رأيها ملزمًا (٣) . ونرى أن مجال التحكيم واسع في الفقه الإسلامي فهو يتسع لكل المسائل والوقائع سواء ما كان متعلقًا منها بفروع القانون الداخلي أو الدولي وبعبارة أخرى بأحكام السياسة الشرعية أو فروع الفقه الأخرى إلا ما اتفق على عدم خضوعه للتحكيم.

стр. 15578

الرابع: شروط الحكم وهل يملك الحكم أو من حكمه الرجوع عن الحكم؟ إذا تحققت الشروط المعتبرة في التحكيم وهي التي سبق بيانها فإن الحكم الصادر فيه يكون لازمًا لطرفيه واجب النفاذ. قال الماوردي: وإذا جاز التحكيم في الأحكام فنفاذ حكمه مقيد بأربعة شروط (١) ، وقال: فيما يصير الحكم به لازمًا لها وفيه قولان للشافعي: أحدهما: أنه لا يلزمهما الحكم إلا بالتزامه بعد الحكم كالفتيا؛ لأنه لما وقف على خيارهما في الابتداء وجب أني يقف على خيارهما في الانتهاء وهو قول المزني. والقول الثاني: وهو قول الكوفيين وأكثر أصحابنا أنه يكون بحكم المحكم لازمًا لهما ولا يقف بعد الحكم على خيارهما لما روي عن النبي ﷺ إنه قال: ((من حكم بين اثنين تراضيًا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله)) (٢) فكان الوعيد دليلًا على لزوم حكمه كما قال في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولحديث: ((إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدًا)) (٣) فصار بتأميرهم له نافذ الحكم عليهم كنفوذه لو كان واليًا عليهم، وذلك انعقدت الإمامة للإمام باختيار أهل الاختيار (٤) . وذكر في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: فإن حكم لزمهما ولا يبطل حكمه بعزلهما لصدوره عن ولاية شرعية (٥) وكذلك نص المالكية فقد جاء في التبصرة: ولا يشترط دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم بل لو أقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم فليقض بينهما ويجوز حكمه، وقال أصبغ: لكل واحد منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده فيلزمهما التمادي فيها كما ليس لأحدهما إذا ترافعا الخصومة عند القاضي أن يوكل وكيلًا أو بعزله. وقال سحنون في كتاب ابنه: لكل واحد منهما الرجوع ما لم يفصل الحكم بينهما وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما الرجوع كان ذلك قبل أن يتقاعد صاحبه أو بعده ما ناشبه الخصومة وحكم لازم لهما (٦) .

стр. 15579

ليس للمحكم كذلك أن يرجع عن الحكم: وليس للحكم أن يرجع عن حكمه، وليس له بعد أن حكم لأحدهما أن يرجع ويقضي للآخر؛ لأن الحكومة قد تمت بالقضاء الأول فكان القضاء الثاني باطلًا (١) . عزل المحكمين: التحكيم من العقود الجائزة فلكل واحد من المحكمين الرجوع عنه، ولكن هذا الرجوع مقيد بأن يتم قبل الحكم قال في البحر الرائق: ولكل واحد من المحكمين، أن يرجع قبل حكمه؛ لأنه تقلد من جهتهما فكان لكل منهما عزله وهو من الأمور الجائزة فينفرد أحدهما بنقضه كالمضاربة والشركة الوكالة (٢) . وقال ابن أبي الدم: ومهما رضيا به ثم رجع أحدهما قبل أن يحكم لم ينفذ حكمه وفاقًا، وإنما الخلاف فيه إذا استمر على الرضا حتى حكم ولم يجددا رضا (٣) وذكر وجها بعيدًا أن رجوع أحدهما بعد الخوض في التحكيم لم يؤثر الرجوع وينفذ الحكم (٤) وقد سبق بيان أقوال المالكية في الرجوع عن التحكيم بعد شروع الحكم في نظر النزاع فلا نعيده. انتهاء مهمة الحكم: ونص الفقهاء على أن مهمة الحكم تنتهي بأحد أمور ثلاثة: بالعزل أو بانتهاء الحكومة نهائيًّا بأن كان مؤقتًا فمضى الوقت أو بخروجه من أن يكون صالحًا لنظرها وبفقده شرطًا من الشروط المؤثرة على سلامة الحكم أو سيره في نظر التحكيم وكذلك بالفصل في الدعوى موضوع التحكيم. (٥) .

стр. 15580

تنفيذ حكم المحكمين أو باتصاله بالقضاء: الأصل أن يتم تنفيذ حكم المحكمين طواعية واختيارًا؛ لأن التحكيم كان بإرادة المحكمين واختيارهم وطوعهم، ولكن لما كان حكم المحكم عرضة للخطأ والصواب وقد يبدو للطرفين فيه أو لأحدهما التأكد والاستيثاق منه من حيث صدوره موافقة لأحكام الشريعة ونظم البلاد أو ربما يتم تنفيذه في بلد آخر أو لدى قاض قد يختلف نظره في هذا الحكم لاختلاف مذهبه أو نظم البلد الذي يحكم فيه فقد عالجت مجلة الأحكام العدلية ذلك في مادتين متتاليتين نصت المادة ١٨٤٨ من مجلة الأحكام العدلية على أنه (كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكمين لازم الإجراء على الوجه المذكور في حق من حكمهم وفي الخصوص الذي حكموا به، فلذلك ليس لأي واحد من الطرفين الامتناع عن قبول حكم المحكمين بعد حكم المحكمين حكمًا موافقًا لأصوله المشروعة) . ونصت المادة ١٨٤٩ منها على أنه (إذا عرض حكم للمحكم على القاضي المنصوب من قبل السلطان فإذا كان موافقًا للأصول صدقه وإلا نقضه) . وجاء في شرح هذه المادة أن فائدة تصديق حكم المحكم من قبل القاضي هو أنه لو عرض هذا الحكم على أنه قاض آخر يخالف رأيه واجتهاده رأى المحكم فليس له نقضه؛ لأن إمضاءه وقبول القاضي لحكم المحكم هو بمنزلة الحكم ابتداء من القاضي، أما إذا لم يصدق القاضي على حكم المحكم فيكون من الممكن للقاضي الآخر أن ينقض حكم المحكم، فإذا حكم المحكم حكمًا غير موافق للأصول بنقضه القاضي والمحكم الثاني (١) وقالوا: إن عدم موافقة حكم المحكم للأصول يكون لوجهين. الأول: أن يكون حكم المحكم خطأ لا يوافق أي مذهب من المذاهب، وبما أن الحكم على هذا الوجه خطأ بين واجب رفعه ويقضي القاضي في النزاع على وجه الحق. الثاني: أن يكون حكم المحكم موافقًا لمذهب أحد المجتهدين إلا أن يكون غير موافق لمذهب المجتهد الذي يقلده القاضي الذي عرض عليه حكم المحكم. قالوا: لأن حكم المحكم لا يرفع المسائل الخلافية فالحكم لازم لطرفي التحكيم، ولكن لا يلزم القاضي بخلاف الحكم الصادر عن القضاء (٢) . ونصوص المالكية تتفق على ما سبق فقد قال الباجي: ولو حكم رجلان بينهما رجلًا فقضى بينهما فقضاؤه جائز قاله مالك في المجموعة قال ابن القاسم: وإن قضى بما يختلف فيه ويرى القاضي خلافه فحكمه ماض إلا في جَوْرٍ بَيِّنٍ (٣) .

стр. 15581

نظرات سريعة في قواعد التحكيم في التشريعات الوضعية: هذه القواعد التي أسلفنا الكلام عليها في التحكيم أخذت به التشريعات والنظم القانونية الحديثة ولما كانت هذه النظم لا خلاف بينها سيما في المسائل الجوهرية فنكتفي بعرض أهم هذه الأحكام العامة مستشهدين ببعض نصوص القانون الكويتي. أولًا – الاتفاق على التحكيم: لا يعرض النزاع على المحكمين إلا باتفاق ذوي الشأن وهذا الاتفاق يتخذ إحدى صورتين (٢٥٤) فهو قد يرد في نفس العقد سواء كان عقدًا مدنيًّا أو عقدًا تجاريًّا بأن يتفق الطرفان على شراء وتوريد أو بناء منزل أو شراء عمارة مثلا فينصان في عقد الشراء أو عقد البناء أو عقد التوريد على أنه في حال نشوب أي نزاع بينهما بشأن تغير هذه العقد أو تنفيذه يعرض على محكمين وقد لا ينصان في العقد الأصلي ولكن بعد نشوب النزاع يتفقان على عرضه على محكمين ويطلق عليه في هذه الحالة وثيقة التحكيم أو مشاركة التحكيم. ثانيًا – شروط التحكيم: وأهم هذه الشروط: أ- توافر الأهلية (٢٥٥مرافعات) وتطبيقا لهذه الشروط لا يجوز للمحجور عليه إبرام عقد التحكيم. ب- أن يصلح الحق المتنازع عليه كمحل للتحكيم ولا يكون المحل صالحًا للتحكيم إذا كان مما لا تجوز المصالحة عليه إن كان متعلقا بالحالة الشخصية أو بالنظام العام فلا يجوز التحكيم على حق الزوج في الطلاق. ج- تحديد محل النزاع ويترتب على الاتفاق على التحكيم أنه لا يجوز عرض النزاع على القضاء، فإذا رفعت أمام القضاء كان للمدعى عليه الحق في رفعها بعدم القبول.

стр. 15582

ثالثًا- يجوز أن يكون المحكم واحدا ويمكن أن يكونوا متعددين (٢٥٦) ولكن بشرط أن يكون العدد فردا ثلاثة أو خمسة وإلا كان باطلا. وإذا كان المحكمون مفوضين بالصلح يجب تعيين أسمائهم أما إذا لم يكونوا مفوضين بالصلح فلا يشترط التعيين بالاسم. رابعًا – شروط المحكمين: يشترط القانون فيمن يكون محكما أن يكون له الأهلية المدنية الكاملة وإلا يكون ممنوعا من التحكيم (كتعيين رجال القضاء بدون موافقة مجلس القضاء الأعلى) وألا تكون له مصلحة في النزاع. خامسًا – رد المحكم وتنحيته وعزله؛ لأن المحكم في حكم القاضي. سادسًا – حكم المحكمين إذا كانوا متعددين يصدر بأغلبية الآراء ويجب كتابة حكم المحكمين (المادة ٢٦٧مرافعات) . ويكون لحكم المحكمين حجية الآراء المقضى بمجرد صدوره يكون هذا الحكم ورقة رسمية وحتى تكون له القوة التنفيذية فإنه لا بد من عرضه على القضاء لإعطائه القوة وهو صدور أمر تنفيذه المادة (٢٦٣مرافعات) ويجوز الطعن عليه بالاستئناف إلا إذا كان المحكمون مخولين بالصلح أو تنازل المحكوم عليه عن حقه في الطعن صراحة أو كانت قيمة الدعوة غير قابلة للطعن عليه بالاستئناف. (١) هذه أهم القواعد التي تنص عليها القوانين الوضعية في التحكيم وهي بمجملها تتفق مع الأحكام التي سبق بيانها في الفقه الإسلامي وأن بعض الأحكام التي فيها مخالفة لأحكام الفقه ككون الحكم صادرًا من الأغلبية في حالة تعدد المحكمين تقتضيها مصلحة الخصوم في إنهاء الخصومة فيما بينهم وغالبًا ما تكون في مسائل جانبية لا تمس جوهر القانون.

стр. 15583

احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية في دولة إسلامية للعلماء في هذه المسألة خلاف بين وأصله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] . الكلام في الآية في موضعين: الأول: في بقاء التخيير وعدمه. والثاني: في موضع الحقوق. أما عن الأمر الأول: فقد تباينت الآراء في بقاء التخيير بين الفصل في أنزعتهم إذا لجئوا إلى قضاتنا أو عدم الفصل فيها وتركها وشأنهم في اللجوء إلى رؤسائهم ومحاكمهم الخاصة بهم فذهب فريق إلى بقاء التخيير وذهب آخرون إلى أن التخيير قد نسخ وأنه يجب الفصل إذا لجئوا إلينا وذهب فريق ثالث إلى بقاء التخيير في المعاهدين والمستأمنين ولزوم الفصل في حق أهل الذمة ويفرق ابن العربي بين جرائم القتل والغصب فيلزم الحكم في هذه الجرائم يخير فيما سواهما، وهذه تفاصيل أقوالهم: قال الجصاص: ظاهر ذلك يقتضي معنيين: أحدهما: تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم. الثاني: التخيير بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا. وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم: فقال قائلون: إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم. وقال آخرون: التخيير منسوخ فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير. وقد قال بالتخيير الحسن والشعبي وإبراهيم وذهب ابن عباس إلى أن آية التخيير منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] .

стр. 15584

وروى النسخ سعيد بن جبير عن الحكم عن مجاهد وروى سفيان عن السعدي عن عكرمة مثله. ورجح الجصاص النسخ وعلق عليه بقوله: ومعلوم أن ذلك لا يقال عن طريق الرأي؛ لأن العلم بتواريخ نزول الآية لا يدرك من طريق الرأي والاجتهاد وإنما طريقه التوقيف ولم يقل من أثبت التخيير أن آية التخيير نزلت بعد قوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وأن التخيير نسخه، وإنما حكى عن مذاهبهم في التخيير من غير النسخ فثبت نسخ التخيير بقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] كرواية من ذكر نسخ التخيير، ويدل على نسخ التخيير قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآيات (١) . وذكر القرطبي أن القول بالنسخ هو قول عمر بن عبد العزيز وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه. ونقل عن النحاس في (الناسخ والمنسوخ) له قوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] منسوخ؛ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي ﷺ المدينة واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم، فلما قوي الإسلام أنزل الله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي. ثم رجح قول القائلين بالنسخ فقال: فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ابن عباس. ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة؛ لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة وإلا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركًا فرضًا فاعلًا ما لا يحل له ولا يسعه (٢) . ووفق فريق بين الرأيين السابقين فقال: إن التخيير في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم، وإيجاب الحكم بما أنزل الله في أهل الذمة الذين يجري عليهم أحكام المسلمين. قال الجصاص: وقد روى ابن عباس ما يدل على ذلك روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قوله الله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبين بني النضير وذلك أن بني النضير كان لهم شرف بدون دية كاملة وأن بني قريظة بدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك فجعل الدية سواء ومعلوم أن بني قريظة وبني النضير لم تكن لهم ذمة قط وقد أجلى النبي ﷺ بني النضير وقتل بني قريظة ولو كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا قتلهم، وإنما كان بينهم وبينه عهد وهدنة فنقضوها.

стр. 15585

فجائز أن يكون حكمها باقيًا في أهل الحرب من أهل العهد وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتًا في أهل الذمة فلا يكون فيها نسخ وهذا تأويل سائغ (١) ويستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] نقل القرطبي عن النحاس قوله: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا فالآية منسوخة (٢) . ولابن العربي وجهة أخرى، ولعله قول رابع في المسألة فهو يفرق بني جرائم القتل والغصب التي لا تحل في شريعة من الشرائع فيوجب الحكم فيها وبين ما تختلف فيه الشرائع فيكون التخيير، فهو يقول: وجملة الأمر أن أهل الكتاب مصالحون، وعمدة الصلح ألا يعرض لهم بشيء وإن تعرضوا لنا ورفعوا أمرهم إلينا فلا يخلو أن يكون ما رفعوه ظلمًا لا يجوز في شريعة أو مما تختلف فيه الشريعة، فإن كان مما لا تختلف فيه الشرائع كالغصب والقتل وشبهه لم يمكن بعضهم من بعض فيه. وإذا كان مما تختلف فيه الشرائع ويحكموننا فيه وتراضوا بحكمنا عليهم فيه فإن الإمام مخير إن شاء أن يحكم بينهم حكم وإن شاء أن يعرض عنهم أعرض قال ابن القاسم: والأفضل أن يعرض عنهم (٣) . والتفريق بين أهل العهد وأهل الذمة هو مذهب الشافعية قال في المهذب: وإن تحاكم مشركان إلى حاكم المسلمين نظرت فإن كانا معاهدين فهو بالخيار بين أن يحكم بينهما وبين ألا يحكم لقوله ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ولا يختلف أهل العلم أن هذه الآية نزلت فيمن وادعهم رسول الله ﷺ من يهود المدينة قبل فرض الجزية. وإن كان ذميين نظرت فإن كانا على دين واحد ففيه قولان:

стр. 15586

أحدهما: أنه بالخيار بين أن يحكم بينهما وبين ألا يحكم؛ لأنهما كافران فلا يلزمه الحكم بينهما كالمعاهدين. والقول الثاني: أنه يلزمه الحكم بينهما وهو اختيار المزني لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولأنه يلزمه دفع ما قصد كل واحد منهما بغير حق فلزمه الحكم بينهما كالمسلمين. وإن كانا على دينين كاليهودي والنصراني ففيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين كالقسم قبله؛ لأنهما كافران فصارا كما لو كانا على دين واحد. والثاني: قول أبي علي ابن أبي هريرة أنه يجب الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنهما إذا كانا على دين واحد فلم يحكم بينهما تحاكما إلى رئيسهما فيحكم بينهما، وإذا كانا على دينين لم يرض كل واحد منهما برئيس الآخر فيضيع الحق (١) . وإذا تحاكم ذمي ومعاهد ففيه قولان كالذميين، وإن تحاكم إليه مسلم وذمي أو مسلم ومعاهد لزمه الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنه يلزمه دفع كل واحد منهما على ظلم الآخر فلزمه الحكم بينهما، ولا يحكم بينهما إلا بحكم الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولقوله تعالى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٢) [المائدة: ٤٢] . وأما عن الأمر الثاني وهو موضوع الحقوق فيقول صاحب المهذب في بيان موضع القولين موضحًا أقوال أئمة المذهب، قال: فمنهم من قال القولان في حقوق الآدميين وفي حقوق الله تعالى، ومنهم من قال القولان في حقوق الآدميين وأما حقوق الله تعالى فإنه يجب الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يحكم بينهما ضاعت. ومنهم من قال القولان في حقوق الله تعالى؛ فأما حقوق الآدميين فإنه يجب الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يحكم بينهما في حقوق الآدميين ضاع حقه واستضر ولا يوجد ذلك في حقوق الله تعالى (٣) .

стр. 15587

وقال القرطبي: فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام، فإن كان ما رفعوه ظلمًا كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ومنعهم منه بلا خلاف، وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي غير أن مالكًا رأى الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام (١) ، وقال الجصاص: وقال أصحابنا أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإسلام كالمسلمين إلا في بيع الخمر والخنزير فإن ذلك جائز فيما بينهم؛ لأنهم مقرون على أن تكون مالًا لهم ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالًا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرًا أن عليه قيمتها. وقد روى أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور فكتب إليهم عمر أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيها وما عدا ذلك فهو محمول على أحكامنا لقول الله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وروى عن النبي ﷺ : أنه كتب إلى أهل نجران: ((إما إذا تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله)) فجعلهم النبي ﷺ في خطر الربا ومنعهم منه كالمسلمين إلى أن قال: فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات وحدود أهل الذمة والمسلمون فيها سواء (٢) . احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة: يجيز الإسلام للمسلم الانتقال إلى البلاد غير الإسلامية للتجارة والعمل وغيره (٣) ولا شك أن البيع والشراء والإجارة ونحوها مظنة لوقوع الخلاف بين المتعاملين ومظنة لوقوع التباعد والتناكر بينهما فلا بد من سبيل إلى دفع الظلم الحيف ورفع التجاحد والتناكر بين الناس والسبيل إلى ذلك إما أن يعمد كل إنسان إلى تخليص حقه بيده فيكون الأقوى بدنًا أو عشيرة هو المستفيد وإما أن يلجأ إلى هيئة تضعها الجماعة أو السلطة المتواضع عليها تنظر في مظالم الناس وتعطي كل ذي حق حقه، والعدل والظلم لا يخضعان دائمًا لقوة الدين وسلطانه فكم من دولة كافرة تنشر العدل بين رعاياها وتنصف المظلوم من الظالم فينفعها ذلك في استتاب الأمن فيها وبقائها، يقول ابن تيمية: وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة إن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام (٤) .

стр. 15588

ويقول: إن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصحابها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة (١) . ولهذا لما اشتد البلاء على المسلمين في صدر الإسلام قال الرسول ﷺ لأصحابه: ((لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه)) وكان الذين خرجوا اثنى عشر رجلًا وأربع نسوة قالوا: قدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢) ومفاد قوله ﵊: ((لا يظلم أحد عنده)) . . . .، أنه لو تعرض لهم أحد من رعاياه أو غيرهم ورفعوا أمره إليه لرفع عنهم الظلم بل هذا ما حدث بالفعل فإن قريشًا أرسلت وفدًا منها إلى الحبشة في طلب رد المهاجرين إليها، جاء في سيرة ابن هشام، وشرحه للسهيلي فيما يرويه عن ابن إسحاق وقصة المهاجرين متواترة عند العلماء قال ابن تيمية في الجواب الصحيح جـ ١ / ٨١ ط المدني – وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء كأحمد بن حنبل في المسند وابن سعد في الطبقات وأبي نعيم في الحلية وغيرهم وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه.

стр. 15589

قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي فيردهم عليهم ليفتنوهم في دينهم ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته ثم بعثوهما إليه فيهم، وتحدث أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى، لا تؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع كله وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم قالت: فخرجا حتى قدما النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهم نعم ... قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي ... إلا أن النجاشي لما سمع ذلك منهم ومن بطارقته غضب ثم قال: لاها الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسالهم عما يقول هذان في أمرهم – قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله وسألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتهم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل قالت: فكان كلمة جعفر بن أبي طالب (١) .

стр. 15590

والقصة كلها في روض الأنف ولم يكن النجاشي قد أسلم يومئذ وقد تكررت المقابلة في اليوم التالي بعد أن عزم عمرو بن العاص على أن يوقع بهم قال عمرو: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به حُظراءهم ... قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فهي ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن .... وتعليقنا على هذا نقول: إنها قضية كأقوى ما تكون عليه قضية في عصرنا، ومرافعة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا ودفاع لم يأت بمثله غير جعفر بن أبي طالب ثم كان الحكم العدل. قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال، فقال: وإن نخرتم والله: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي – والشيوم: الآمنون – من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم, ثم قال: من سبكم غرم، ما أحب أن لي ديرًا من ذهب وإني آذيت رجلًا منكم (١) . ونجد في السير الكبير لمحمد بن حسن الشيباني يذكر صورًا للمسلم يدخل دار الحرب فيتعرض للغصب من مسلم أو غيره فيرفع الأمر إلى سلطان تلك البلاد الكافرة فيقضي بينهما فيترتب على حكمه كما لو قضى به حاكم مسلم في دار الإسلام. يقول في المسألة ٢٦٧٩ – ولو أن رجلين أسلما في دار الحرب ثم غصب أحدهما صاحبه شيئًا وجحده فاختصما إلى سلطان تلك البلاد فسلمه للغاصب لكونه في يده ثم أسلم أهل الدار والرجلان مسلمان على حالهما فالمغصوب مردود على المغصوب منه. قال في الشرح: لأن رد العين مستحق على الغاصب بحكم اعتقاده بسلام أهل الدار لا يزيده إلا وكادة وبقوة سلطان أهل الحرب. المسلم لا يصير محرزًا مال المسلم ولا متملكًا؛ لأنهما في دار الإسلام لمن يكن هو متملكًا بحكم سلطان المسلمين فكيف يصير متملكًا بحكم سلطان أهل الحرب.

стр. 15591

ويفهم من هذه المسألة أن الاحتكام إلى سلطان أهل الحرب غير ممنوع منه وأنه لو قضى برد المغصوب لكان حكمه صائبًا أما أنه قضى بإبقاء المغصوب في يد الغاصب فهو كما لو حكم قاض مسلم في دار الإسلام بذلك لا يصير الغاصب مالكًا للمغصوب بل يتعين عليه رده. ويذكر في المسألة ٢٦٧٥ – ولو استودع مسلم مسلمًا شيئًا وأذن له إن غاب أن يخرجه معه فارتد المودع ولحق بدار الحرب، فلحقه صاحب وطلبه منه فمنعه، واختصما إلى سلطان تلك البلاد فقصر يد المسلم عنه ثم أسلم أهل الدار فالوديعة للمودع لا سبيل لصاحبها عليها. قال في الشرح: لأنه ما كان ضامنًا لها في دار الإسلام، وحين منعها في دار الحرب كان هو حربيًّا لو استهلكها لم يضمن فكذلك إذا منعها؛ ولأنه بهذا المنع يصير في حكم الغاصب فكأنه غصبه منه ابتداء، فيتم إحرازه بقوة السلطان. ويذكر في المسألة ٢٦٧٧ – وإن كان حين طلبه في دار الحرب من الغاصب أعطاه إياه ثم وثب فأخذ منه ثانية وقصر السلطان يد المغصوب معه عن الاسترداد ثم أسلم أهل الدار فهو سالم للغاصب. ويظهر من هذه المسائل أن المسلم لما لم يمنع من رفع خصومته إلى السلطان الكافر في بلاد الكفر فدل على جواز ذلك، وعندي أن المسألة لها وجه آخر وهي تدخل في باب الاستعانة بالكافر على تحصيل الحق ورفع الظلم سواء في ذلك الفرد والدولة وسيأتي ذلك مفصلًا في المبحث المخصص لاحتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية. ويدخل في هذه مسألة ما لو حكم الزوجان المسلمان حكمين مسلمين ثم يرفعان ما انتهى إليه الحكمان إلى المحاكم الأجنبية لوضع الصيغة التنفيذية فإن ذلك من قبيل تحصيل الحقوق والاستعانة على تحصيلها وليس من قبيل فصل القضاء في أمور دينية بين المسلمين. وقريب مما ذكرنا لو تغلب الكفار على المسلمين واضطر ولي أمر المسلمين إلى مهادنتهم على شرط فيها حط من شأن المسلمين كبقاء أسرى مسلمين بأيديهم أو سكانهم في قرية للمسلمين أو فصلهم في خصومة بين كافر ومسلم أو دفع مال إليهم فيجوز إذا كان في كل ما تقدم يحقق مصلحة (١) لأن الهدنة تعتريها الأحكام الخمسة (٢) .

стр. 15592

مبدأ التحكيم في الخلاف وموقف الفرق الإسلامية في مشروعيته بينا فيما سبق مذاهب الفقهاء من أهل السنة والجماعة في التحكيم وذكرنا استدلال الماوردي على صحة التحكيم بجملة أمور منها قوله: إن علي بن أبي طالب لما حكم في الإمامة كان التحكيم فيما عداها أولى واستدل أيضًا بتحكيم أهل الشورى فيها عبد الرحمن بن عوف وذكرنا تفصيلات هذه الواقعة ولهذا اتفق أهل الفقه والدين من أئمة المسلمين على جواز التحكيم مستدلين بقوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢] . - وحكوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال -: الأول: أنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي ﷺ إلى بني قريظة فخانه. الثاني: نزلت في شأن بني قريظة والنضير، وذلك أنهم شكوا إلى النبي ﷺ فقالوا له: إن النضير يجعلون خراجنا على النصف من خراجهم ويقتلون منا من قتل منهم، وإن قتل أحد منهم أحدًا منا ودوه أربعين وسقا من تمر. الثالث: أنها نزلت في اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا له: إن رجلًا منا وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون.)) قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة، فأتوا بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يديك فرفع يده فإذا آية الرجم تلوح فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما (١)

стр. 15593

وعلق ابن العربي على هذه الأقوال فضعف الأول وقال: لا أصل له, وقال عن الثاني: وأما من قال: إنها نزلت في شأن بني قريظة والنضير، ما تشكوه من التفضيل بينهم فضعيف؛ لأن الله تعالى أخبر أنه كان تحكيمًا منهم للنبي ﷺ لا شكوى والصحيح ما رواه الجماعة عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله كلاهما في وصف القصة كما تقدم أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وحكموه، فكان ما ذكره في الأمر (١) ، ثم قال: وجملة الأمر أن أهل الكتاب مصالحون، وعمدة الصلح ألا يعرض لهم في شيء وإن تعرضوا لنا ورفعوا أمرهم إلينا فلا يخلو أن يكون ما رفعوه ظلمًا لا يجوز في شريعة أو مما تختلف فيه الشريعة فإن كان مما لا يختلف فيه الشرائع كالغصب والقتل وشبهه لم يمكن بعضهم من بعض فيه، وإذا كان ما تختلف فيه الشرائع ويحكموننا فيه بحكمنا عليهم فيه فإن الإمام مخير إن شاء أن يحكم بينهم حكم، وإن شاء أن يعرض عنهم أعرض (٢) . وقال في المسألة السادسة من مسائل الآية السابقة – لما حكموا النبي ﷺ أنفذ عليهم الحكم ولم يكن لهم الرجوع. وكل من حكم رجلًا في الدين فأصله هذه الآية، قال مالك: إذا حكم رجل رجلًا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جورًا بينًا وقال سحنون: يمضيه إن رآه (٣) . وقد سبق بيان مذاهب العلماء هذا تفصيلًا فلا نعيده.

стр. 15594

لكن ذهبت الخوارج إلى عدم جواز التحكيم وأنكروا على علي التحكيم، وقالوا: أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال لا حكم إلا لله تعالى (١) . وذكر الطبري في تاريخ واقعة التحكيم هذه ومحاجة ابن عباس ﵄ لهم (٢) ثم ما كان من علي ﵁ في بيان زيفهم وزيغهم وأخذ علي ﵁ يبين لهم في أكثر من موقف خطأهم وقام يخطبهم ذات يوم فقال رجل من جانب المسجد: لا حَكَمَ إلا الله، فقام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدة رجال يحكمون، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق يلتمس بها باطل، أما إن لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا، ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (٣) ، ومن هنا كانت واقعة التحكيم التي حصلت بين علي ومعاوية ﵄ من أخطر قضايا التحكيم في التاريخ الإسلامي وكانت آثارها سلبية على المسلمين إلى أن إلتأم شملهم من جديد عام الجماعة بتنازل الحسن لمعاوية وقال قولته المشهورة: يا أهل العراق، إنه سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي (٤) والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والذي نميل إليه هو قول جمهور العلماء من أن التحكيم جائز على النحو الذي أسلفنا الكلام عليه. الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي: الإسلام يرجح السلام على الحرب ويجنح إليه ما وجد إلى ذلك سبيلًا ولا يميل إلى الحرب إلا إذا فرضت عليه دفاعًا عن العقيدة وعن النفس والوطن وقد جاءت آيات القرآن الواردة في القتال صريحة في تحديد سبب الحرب قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) ﴾ [الحج: ٣٩ – ٤١] .

стр. 15595

يقول الشيخ شلتوت: جاء الإذن في الآية الكريمة ولم تعلله بنشر الإسلام أو إلجاء الناس إليه، وإنما عللته بما وقع على المسلمين من ظلم، وما أكرهوا عليه من الهجرة والخروج من ديارهم من غير حق إلا أن يقولوا كلمة الحق (١) ويؤكد هذا المعنى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (إن الإسلام بدئ بدعوة رجل أرسله الله تعالى بالدين فدعا الناس إليه فآمن به أول الأمر خديجة وأبو بكر وعلي وسعد بن أبي وقاص قال سعد: لقد مكثت سبعة أيام وأنا ثلث الإسلام فاستخف بهم المشركون، فلما أخذ المسلمون يكثرون تنمر لهم المشركون وناصبوهم العداء فصار المسلمون عرضة لأذى المشركين بمختلف الأذى على نسبة استضعافهم من يؤذونه حتى اضطر جمع من المسلمين إلى الهجرة إلى الحبشة ثم هاجر بقية المسلمين إلى المدينة ولم يبق بمكة إلا المستضعفون من الرجال والنساء والصبيان، فنزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٣٩ – ٤٠] وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (٢) [النساء: ٧٥] . بل إن السلام هو من سمات الإسلام البارزة وصفة من صفات أهل الإيمان لذلك يدعوهم ربهم جل وعلا إلى ذلك في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] ويبين لرسوله ﷺ أن أعداءه وإن كانوا غير صادقين في دعوتهم له بالسلم وإن كانوا يضمرون كيدًا وخداعًا فعليه أن يقبل منهم السلام إذا طلبوه منه وليفوض أمره إلى الله ولا يخاف من كيدهم ومكرهم وتوسلهم بالصلح إلى الغدر، فقال ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] . والإسلام يؤكد على عقد المعاهدات والوفاء بها فيقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ويقول ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] .

стр. 15596

وقد تتنوع المعاهدات إلى أنواع فمنها ما يمكن إطلاق معاهدات حسن الجوار عليها كالمعاهدات التي عقدها رسول الله ﷺ حين هجرته إلى المدينة مع اليهود وقد جاء في بنود هذه المعاهدة ((... وأن من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم)) ومنها ما يصح أن يطلق عليها معاهدات وعقود الأمان وهناك الصلح وهو غالبًا ما يكون عند نشوب الحروب وهذه المعاهدة تخضع لظروف الدول وتلبية حاجاتها ومتطلباتها والإسلام يؤكد على احترام المعاهدات بمختلف أنواعها. وبيَّن رسول الله ﷺ حرصه على التعاون في سبيل القضاء على الخصومات وإزالة أسبابها فيقول: ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدْعَى به في الإسلام لأحببت)) (١) . ويذكر السهيلي عن حلف المطيبين أن سببه ما حدث من خلاف بشأن الحجابة والساقية والرفادة وكاد أن تنشب بينهم حرب بسببها فيقول: (فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذا تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة. وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لنبي عبد الدار كما كانت ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب وثبت كل قوم مع من حالفوا فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ((ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا قوة)) (٢) . ومن هذا المنطلق الأساسي التي نهجته الشريعة الإسلامية والمواقف الثابتة للمسلمين منذ صدر الإسلام نستطيع القول بأن التعاون الدولي في سبيل القضاء على أسباب الخلافات التي تنشب بين الدول أمر يقره الإسلام ويحث عليه ولهذا وجدناه الدول الإسلامي من أوائل الدول التي سارعت إلى إقرار ميثاق الأمم المتحدة والتعاون في مختلف نشاطاتها وهيئاتها بما في ذلك محكمة العدل الدولية وكان الدافع لإنشاء هذه المحكمة هي حرص الدول على حل منازعاتها بعيدًا عن قعقعة السلاح وما تخلفه من دمار شامل وإهلاك للحرث والنسل فأخذ المشتغلون بالقانون الدولي أفرادًا وهيئات على تهيئة الظروف وتوجيه الرأي العام نحو فكرة إنشاء محكمة قضائية دولية تفصل في المنازعات القانونية التي تنشأ بين الدول وكان هناك وسائل مختلفة وهذه فكرة موجزة عن تطور ومراحل هيئات التوفيق والتحكيم إلى إنشاء محكمة العدل الدولية وكان أولى هذه الوسائل هي إنشاء لجان التحقيق الدولي وقد تناولت اتفاقية لاهاي (١٨٩٩ – ١٩٠٧) موضوع التحقيق ضمن الوسائل السلمية التي ذكرتها لتسوية المنازعات الدولية والقواعد والإجراءات المتصلة بها.

стр. 15597

وثانيها: إنشاء لجان التوفيق وهي نوع من أنواع الوساطة نبهت إليه عصبة الأمم في بدء تكوينها ولاقت رواجًا لدى الدول ونصت عليه في كثير من المعاهدات الثنائية كما أبرمت بشأنها بعض المعاهدات العامة وتتولى التوفيق لجان خاصة أطلق عليها اسم لجان التوفيق وتناولت ميثاق التحكيم العام الذي وضعته عصبة الأمم في ٢٦ سبتمبر ١٩٢٨ والمعروف باسم ميثاق جنيف العام موضوع التوفيق في الفصل الأول منه ونص على الإجراءات والأحكام المتصلة به وتشبه قرارات هذه اللجنة ومهمتها هيئات التحكيم أو القضاء وتختلف عنها من حيث إنه ليس لقراراتها صفة إلزامية بخلاف قرار التحكيم أو حكم القضاء التي له صفة إلزامية في حق الدول. ثالثها – التحكيم والقضاء: أولًا: التحكيم هو النظر في نزاع بمعرفة شخص أو هيئة يلجأ إليه المتنازعون مع التزامهم بتنفيذ القرار الصادر في النزاع. وبهذا الالتزام بتميز التحكيم عن الوساطة والتوفيق وقد كان التحكيم في مقدمة المسائل التي اهتمت بها مؤتمرات لاهاي سنتي (١٨٩٩ و ١٩٠٧) وتضمنت الاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية ووضعت الأحكام العامة للتحكيم وإجراءاته كما تقرر فيها تكوين هيئة دائمة للتحكيم يمكن للدول إذا شاءت أن تستعين بها بدلًا من هيئات التحكيم الخاصة التي تختارها بمناسبة كل نزاع وأطلق على هذه الهيئة اسم محكمة التحكيم الدولي الدائمة. ثانيًا: محكمة العدل الدولي وقد أنشئت في ظل عصبة الأمم وفي شهر ديسمبر ١٩٢٠ أقرت مشروع هذه المحكمة وأبرم بذلك بروتكول خاص تضمن النظام الأساسي للمحكمة وبلغ عدد الدول التي وقعت عليه وانضمت إليه إحدى وخمسين دولة.

стр. 15598

وأخيرًا – وبعد أن صفيت أعمال عصبة الأمم بعد الحرب الأخيرة وأنشئت الأمم المتحدة أعيد تكوين المحكمة باسم محكمة العدل الدولية وقد نصت المادة ٩٢ من ميثاق الأمم المتحدة على إنشاء هذه المحكمة ونصها – محكمة العدل الدولية هي الأداء القضائية الرئيسية للأمم المتحدة وتقوم بعملها وفق نظامها الأساسي الملحق بهذا الميثاق، وهو مبني على النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي وجزء لا يتجزأ من هذا الميثاق. وهذه خلاصة عن النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. اشتمل النظام الأساسي لهذه المحكمة على أربعة فصول في سبعين مادة تضمن الفصل الأول تنظيم المحكمة من حيث تكوينها – الشروط المطلوب توفرها فيمن يعين قاضيًا بها وعددهم، وأن الجمعية العامة ومجلس الأمن ينتخبونهم من قائمة الأسماء الذين رشحتهم الشعب الأهلية في محكمة التحكيم كما يبين واجبات القضاة وبعض نظم العمل بالمحكمة. ويتضمن الفصل الثاني اختصاص المحكمة وولايتها ويتضمن الفصل الثالث في الإجراءات وتنص على أن اللغة الفرنسية والإنجليزية هما اللغة الرسمية وطريقة رفع الدعوى أمامها، ويتضمن الفصل الرابع مجالًا آخر للمحكمة وهو الإفتاء في المسائل القانونية ويتضمن الفصل الخامس إجراءات التعديل على النظام الأساسي (١) . أما مشروع محكمة العدل الإسلامية فهي تتفق في مجملها مع المبادئ التي نص عليها النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وأهدافها قريبة من أهداف المحكمة الدولية كما أن نظام ميثاق الأمم المتحدة تشجع مثل هذه الهيئات الإقليمية للتغلب على المشاكل التي تقوم بين دول المنطقة وهي من قبل ومن بعد تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء في قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ويقول ابن العربي: هذه الآية هي الأصل في قتال المسلمين والعمدة في حرب المتأولين وعليها عول الصحابة وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة وإياها عنى النبي ﷺ بقوله: ((يقتل عمارًا الفئة الباغية)) وقوله في شأن الخوارج ((: ((يخرجون على خير فرقة من الناس)) )) (٢) .

стр. 15599

احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم فيما بينهم، وحكم ما إذا كان النزاع فيما بينهم المسلمين وغيرهم النزاعات التي تقوم بين الدول أما أن تكون بشأن مسائل تجارية ومعاملات مالية وإما أن تكون بشأن خلافات تتطور إلى صدام مسلح كالنزاعات بشأن الحدود وما شابهها وفي كلتا الصورتين قد تكون هذه الخلافات بين دول إسلامية أو بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية وإن كان الاستقراء العقلي يقتضي صورة أخرى وهي الصدامات والخلافات التي تقوم بين دول غير إسلامية بعضها مع بعض ولكن هذه الصورة ليست متعلقة بموضوعنا فنقصر الكلام على الصور السابقة: فتكون الصور والحالة هذه هي: أولًا – خلاف مالي بين دولتين إسلاميتين. ثانيًا – خلاف ذو طابع حربي بين دولتين إسلاميتين. ثالثًا – خلاف مالي بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية. رابعًا – خلاف ذو طابع حربي بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية. وقبل أن نخوض في تفصيلات المسائل وجزئياتها لا بد من الإشارة إلى جملة أمور تصلح أن تكون أصولًا لتلك المسائل: أولها: أن دول العالم بأسرها ترتبط مع بعضها اليوم بمعاهدات صداقة وتعاون وحسن جوار فليست هناك دول حربية بالمفهوم السابق اللهم إلا في فترات محددة سرعان ما تنتهي وتعود إلى حالتها السلمية ولا أدل على ذلك من الديباجة الرائعة التي افتتحت بها ميثاق الأمم المتحدة وهي: نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنها الوصف.

стр. 15600

وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية. وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي. وأن نرفع بالرقي الاجتماعي قدمًا، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح. وفي سبيل هذه الغايات: أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معًا في سلام وحسن جوار، وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، وأن نستخدم الدولية في ترقية الشئون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها. قد قررنا أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأعراض، ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة سان فرانسيسكو الذين قدموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط، وقد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا وأنشأت بمقتضاها هيئة دولية تسمى (الأمم المتحدة) . ثانيها: إن هذا التعاهد الدولي على التعاون أمر يقره الإسلام ويتبناه بل سبق العالم إلى وضعه موضع التنفيذ قولًا وعملًا، ولا أدل على ذلك من الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار وبين اليهود أيضًا وقد افتتح بديباجة ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: بأنهم أمة واحدة من دون الناس. وبعد ما بين ما ينبغي أن يكون عليه التعاون بين قبائل العرب من المهاجرين والأنصار،)) قال في شأن اليهود: ((وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، ثم بين: أن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم والمسلمين دينه من مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوقع إلا نفسه وأهل بيته)) .

стр. 15601

وينظم هذه العلاقة فيقول: ((وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ ، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأن من فتك فبنفسه فتك وبأهل بيته إلا من ظلم، وأن الله على أيد هذا (أي على الرضا به) وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم)) . ((وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم أمره بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين)) . ((وأن يثرب حرام صد لأهل هذه الصحيفة)) (١) وتمضى هذه الصحيفة على هذا النحو إلى نهايتها. إن من يقارن من جاء في صحيفة النبي ﷺ وبين ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة لا بد أن ينتهي إلى أن هذا الميثاق متفرع عن ذلك الأصل وأنه حذا حذوه واهتدى بمبادئه واسترشد بنور النبوة ومشكاة الهداية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . ثالثها: أن الرسول الله ﷺ بارك أي عمل يحفظ للإنسانية كرامتها وصون أمنها وسلامتها من غير نظر إلى من قام به ولهذا أبدى رضاه عن الأحلاف التي تعاقدها العرب في جاهليتهم قبل الإسلام؛ لأن فيها خيرًا لبني البشر ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأحببت)) . وقوله (ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا قوة) ، وكذلك ما قاله لأصحابه حين هاجروا إلى الحبشة: إن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد. فمن هذه المبادئ المسلمة في الإسلام نقول: إن ما اتفقت عليه الأمم بمحض اختيارها في منع الحروب ونشوب الخصومات والاتفاق على إيجاد حلول لها أمر لا يأباه الإسلام بل يحث عليه ويجعله من مبادئه ومسلماته.

стр. 15602

ومع هذه المنارات الشامخة من عمل الرسول وهديه لا بد من النظر فيما كتبه الفقهاء في هذا الشأن في مسألة الاحتكام إلى المحكمة الدولية: أولًا: إذا كان النزاع خاصًّا بالمسلمين فإن كانت بشأن معاملات مالية وخلافات على عقود تجارية فهذا النوع أمره هين ولا يثير معضلة؛ لأن أثره وإن كان سلبيًّا فهو محدود، وأما إن كان بشأن خلافات ذات طابع حربي كتلك الخلافات التي تنشب بين دولتين متجاورتين على الحدود أو بعض المقاطعات (كالخلاف الحاصل بين البحرين وقطر) فإن طرحها على المحكمة الدولية باعتبارهما عضوين في الأمم المتحدة مما لا تأباه الشريعة ولا يصطدم مع مبدأ من مبادئها باعتباره أحد بنود العقد وإن كان الأولى حلها عن طريق جماعة المسلمين والمنظمات الإقليمية كمنظمة المؤتمر الإسلامي أو جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون، لأن هذه الأمور تلتقي مع أهداف المنظمة الدولية في إنشاء منظمات إقليمية تسهم في إقرار السلام والمحافظة على الأمن في المناطق التي توجد فيها وقد أفرد ميثاق الأمم المتحدة (الفصل الثامن) لهذه المنظمات جاء فيه (ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام منظمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحًا فيها ومناسبًا ما دامت هذه المنظمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها (١) ومن المنظمات الإقليمية القائمة الآن: اتحاد الدول الأمريكية – جامعة الدول العربية، منظمة الوحدة الأفريقية (٢) منظمة المؤتمر الإسلامي. أما إذا استعصى على الحل أو عجزت هذه المنظمات عن إيجاد حلول يقبل بها الطرفان المتنازعان فلا حرج في هذه الحالة إن هي التجأت إلى المنظمات الدولية الأعلى شأنًا مثل المحكمة الدولية؛ لأن هذا إضافة إلى ما سبق بشأن جواز التعاقد فإنه أيضًا من قبيل الاستعانة بغير المسلم. والاستعانة بغير المسلم إما تكون على مسلمين ظالمين باغين أو على غير مسلمين. أما الانتصار بهم على الباغين الظالمين ففيها ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز، وهو قول جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة (٣) .

стр. 15603

القول الثاني: جواز الاستعانة بشرط ألا يكون حكم أهل الشرك هو الظاهر (١) قال في المبسوط: (وإن ظهر أهل البغي على أهل العدل حتى ألجئوهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغي؛ لأن حكم أهل الشرك ظاهر عليهم ولا يحل لهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر) . ثم قال: (ولا بأس أن يستعين أهل العدل بقوم من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهرًا) . ومفاد هذا النص أن يتعين لجواز الاستعانة ظهور حكم أهل العدل. القول الثالث: وهو لطائفة من الزيدية جاء في شرح الأزهار (مما يجوز للإمام فعله هو الاستعانة بالكفار والفساق على جهاد البغاة من المسلمين) (٢) . ثانيًا – وإن كان النزاع مع دول غير إسلامية فإن الاستعانة بغير المسلمين على غير المسلمين جائزة ومن الفقهاء من يقيده بقيود واستدلوا على جواز الاستعانة بالكفار بفعل الرسول ﷺ فقد استعان بيهود بني قينقاع على بني قريظة (٣) ، وقال الطحاوي: لا بأس بالاستعانة بأهل الكتاب في قتال من سواهم إذا كان حكمنا هو الغالب ويكرهون ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك (٤) . وجاء عن الإمام الشافعي ﵁ في الأم (ثم استعان أي الرسول ﷺ بعد بدر بسنتين في غزاة خيبر بعدد من يهود بني قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله ﷺ في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك. ويرى أن رد بعض المشركين إما أن له الخيار في الاستعانة وعدمها أو يرده لمعنى يخافه منه كما يكون له رد مسلم، أو أنه كان ممنوعًا من الاستعانة ثم نسخ فاستعان بعده بمشركين ثم قال: فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا ويرضخ لهم) (٥) .

стр. 15604

ووفق النووي بين حديث عائشة بعدم الاستعانة بمشرك في غزوة بدر والحديث الآخر الذي استعان فيه الرسول ﷺ بصفوان بن أمية قبل إسلامه كما قال الشافعي وآخرون بأن الكافر إذا كان حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره وحمل الحديثين على هذين الحالين (١) . وقيد المالكية الاستعانة بهم لخدمة كنوتيٍّ أو خياط أو هدم حصن (٢) ويقيده بعض الشافعية بأن تؤمن خيانتهم ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر قدروا على مقاومتهم (٣) . وللحنابلة رايتان: الجواز وعدمها، قال في المغني: (ولا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجورجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به وكلام الخرقي يدل عليه أيضًا عند الحاجة وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى) (٤) وبعد فإن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ليس فيها استعانة بالمعنى السابق وهو استعداء الكفار على المسلمين ومقاتلتهم بالسلاح فإن قضاء المحكمة إنما هو استجلاء للحقيقة ومعرفة من هو صاحب الحق ومن هو المعتدى عليه فإن امتنع عن رد الحق إلى صاحبه بعد ذلك كان في حكم الباغي من كل وجه ومن ثم تكون الاستعانة هي الخيار الحقيقي للمبغي عليه والسبيل الوحيد للظفر بحقه. والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الدكتور عبد الله محمد عبد الله

стр. 15605

التحكيم في الفقه الإسلامي إعداد الدكتور محمد جبر الألفي الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة العين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة ترتبط فكرة العدل والفصل في الخصومات ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة الدينية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، ومقتضى ذلك أن يكون للمؤمن وازع من دينه يدعوه إلى الخير ويحجزه عن الشر، وقد أفرد الإمام مسلم في صحيحه كتابًا جمع فيه الأحاديث التي تحرم الظلم وتتوعد الظالمين (١) ، بدأها بالحديث القدسي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا)) (٢) . وأورد في باب القصاص وأداء الحقوق يوم القيامة قول رسول الله ﷺ : ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: ((المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) (٣) . من أجل ذلك جاءت تعاليم الإسلام تأمر بالعدل والإحسان (٤) والوفاء بالعقود (٥) وترغب في العفو عن المسيء (٦) ، وتنهى عن قربان ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء والسعي في الأرض بالفساد (٧) . ومن شأن هذا كله أن يستتب الأمن بين المسلمين، ويسود السلام علاقاتهم بغيرهم. ومع ذلك فقد وجدت ظروف وملابسات خفي فيها وجه الصواب، أو التبس الحق بالباطل، أو تعذرت إقامة الأحكام فظهرت الحاجة ماسة إلى النصح والإفتاء، أو إصلاح ذات البين، أو إقامة حكم عدل، أو نصب قاض يفصل بين المتنازعين، وهذه كلها وسائل مترابطة يسلم بعضها إلى بعض، وتنحو نحو هدف واحد. وموضوع هذه الورقة يتناول إحدى هذه الوسائل، (التحكيم في الفقه الإسلامي) على الترتيب الذي أعده مجمع الفقه الإسلامي، ليشمل العناصر الجوهرية التي تؤدي إلى إماطة اللثام عن أحكامه، وليجيب عن التساؤلات التي تدور اليوم في أذهان المسلمين أفرادًا وجماعات. فنخصص مبحثًا للحديث عن عموميات التحكيم، وآخر لبيان أركانه وشروطه، ونوضح في مبحث ثالث طبيعة عقد التحكيم، وستعرض في مبحث رابع أنواعًا خاصة من التحكيم يتطلبها الوضع الراهن، أما المبحث الخامس والأخير فنلقي فيه بعض الضوء على موقف الإسلام من مبدأ التحكيم الدولي. والله ولي التوفيق.

стр. 15606

المبحث الأول عموميات التحكيم معنى التحكيم – الفرق بين التحكيم والإفتاء والقضاء – مشروعية التحكيم – أهمية التحكيم. ١- معنى التحكيم التحكيم في اللغة: حكم بالأمر يحكم حكمًا: قضى، يقال: حكم له، وحكم عليه، وحكم بينهم، وحكم فلانًا في الشيء أو الأمر: جعله حكمًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ، واحتكم الخصمان إلى الحاكم: رفعا خصومتها إليه، والحكم: من يختار للفصل بين المتنازعين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] . وحكمه في الأمر تحكيمًا: أمره أن يحكم. وحكمت الرجل: فوضت الحكم إليه. فالتحكيم في اللغة: اختيار شخص للفصل في نزاع. وقد يطلب التحكيم لغة على إجازة الحكم، فيقال: حكمنا فلانًا، أي أجزنا حكمه (١) التحكيم في اصطلاح الفقهاء: لا يضع كثير من الفقهاء تعريفًا للتحكيم اكتفاء بما وقر في الأذهان في معناه اللغوي وبما تواضع عليه العرف والعمل، وإنما يبينون حكمه بعبارات يمكن أن يستخلص منها تعريف للتحكيم، ومن ذلك قولهم: (لو أن رجلين حكما بينهما رجلًا، فحكم بينهما، أمضاه القاضي ...) (٢) . (وإذا حكما رجلًا ورضيا بحكمه، لزمهما حكمه ...) (٣) ، (إذا اختصم رجلان في حق من الحقوق المالية، فحكما رجلًا، هل ينفذ حكمه؟ قولان) (٤) ، (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حد الله تعالى، جاز مطلقًا ...) (٥) ، (وإن تحاكم شخصان إلى رجل للقضاء بينهما فحكم، نفذ حكمه ...) (٦) ،، (... إلا في قاضي التحكيم، وهو الذي تراضى به الخصمان ليحكم بينهما مع وجود قاض منصوب من قبل الإمام) (٧) ، (وجاز للخصمين تحكيم رجل عدل ....) (٨) .

стр. 15607

ومع ذلك، نجد في كتابات بعض الفقهاء تعريفًا للتحكيم لا يخرج عن هذه المعاني، من ذلك قول صاحب الدر: (وعرفًا: تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما) (١) . وبهذا المعنى جاء في المجلة: (التحكيم: هو اتخاذ الخصمين برضاهما حاكمًا يفصل خصومتهما ودعواهما ...) (٢) . الفرق بين التحكيم والإفتاء والقضاء الإفتاء: يقال: أفتى في المسألة، إذا بين حكمها، واستفتى: سأل عن الحكم (٣) ، قال تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] ، والإفتاء عند علماء الفقه والأصول: إظهار الحكم الشرعي المتعلق بأمر من الأمور (٤) . وهكذا يتفق التحكيم والإفتاء في أن كلًّا منهما إخبار عن الحكم الشرعي في الواقعة، ولكنها يختلفان في كثير من الأمور: ١- فالتحكيم يستلزم وجود نزاع بين طرفين، أما الإفتاء فقد يكون نتيجة طلب شخص يريد أن يعرف الحكم ليعمل به في خاصة نفسه. ٢- والتحكيم يجري في مسائل حددتها كتب الفقه واختلف في تعدادها الفقهاء. أما الإفتاء فمحله يتناول جميع المسائل والأحكام. ٣- والتحكيم – في رأي أكثرية الفقهاء – عقد ملزم لأطرافه وينبغي عليهم الالتزام بنتيجته. أما الإفتاء فليس عقدًا ولا تكون نتيجته ملزمة للمستفتي. ٤- وقد اشترط كثير من الفقهاء أن تتوافر في المحتكم إليه شروط القاضي. أما المفتي فلا يشترط فيه ذلك. ٥- والتحكيم يتطلب من المحتكم إليه تمحيص الوقائع التي تقدم إليه قبل أن يصدر حكمه فيها، أما المفتي فإنه يسلم بالواقعة التي طلب منه إظهار الحكم فيها دون مناقشتها.

стр. 15608

القضاء: يقال: قضى يقضي قضيًا وقضاء وقضية: حكم وفصل، وقضى الله: أمر، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والقضاء الحكم، أو الأداء، أو عمل القاضي (١) . وفي الاصطلاح: إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه (٢) . فلئن كان التحكيم والقضاء يشتركان في إظهار حكم الشرع في أمر من الأمور، إلا أن هما يختلفان من عدة وجوه: ١- فالقاضي يستمد ولايته من عقد التولية، ولذلك يكون القضاء هو الأصل في فض المنازعات. أما المحكم فإنه يستمد ولايته من عقد التحكيم، فيكون التحكيم فرعًا عن القضاء. ٢- وبناء على ما سبق اشترط الفقهاء فيمن يتولى القضاء شروطًا لا تلزم فيمن يقوم بالتحكيم. ٣- وتطبيقًا لذلك جاز أن تكون ولاية القاضي عامة، أما المحكم فإنه يقتصر على الفصل في النزاع المطروح أمامه دون أن يتعداه إلى غيره، وخاصة ما يمتنع عليه أن ينظر فيه. ٤- وأهم ما يفترق فيه القضاء عن التحكيم: أن الأول لا يحتاج إلى اتفاق المتنازعين حتى ترفع الواقعة إليه – كما في التحكيم – وإنما لكل من المتنازعين أن يرفع الدعوى إلى القضاء، بإرادته المنفردة ودون الحاجة إلى رضاء خصمه. ٥- فإذا رفع الأمر إلى القضاء، التزم كِلَا الخصمين بالسير في الدعوى إلى حين صدور الحكم، أما في التحكيم فالعقد غير ملزم لأطرافه – عند البعض- ولا يصير ملزمًا إلا بعد صدور الحكم – عند البعض الآخر -.

стр. 15609

٣- مشروعية التحكيم ثبتت مشروعية التحكيم بالكتاب والسنة والإجماع الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل والحكم بين الناس له طرق: منها الولاية العامة والقضاء، ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة (١) . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] ، وهذه الآية دليل على إثبات التحكيم ومشروعيته (٢) . . السنة: ورد في الصحاح أن النبي ﷺ قبل تحكيم سعد بن معاذ فيما بين المسلمين وبني قريظة، وأنه أنفذ حكم سعد، وقال له: ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك)) (٣) وفي الحديث الشريف: ((من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضيا به فلم يعدل بينهما بالحق، فعليه لعنة الله)) رواه أبو بكر. ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم (٤) الإجماع: العمل بالتحكيم (وقع لجمع من كبار الصحابة، ولم ينكره أحد. قال الموردي: فكان إجماعًا) (٥) . من ذلك: كان بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب منازعة في نخل، فحكما بينهما زيد بن ثابت، ولم يكن قاضيًا (٦) .

стр. 15610

اشترى طلحة بن عبيد الله مالًا من عثمان بن عفان، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار، فحكم بينهما جبير بن مطعم (١) . حين اشتد القتال في موقعة (صفين) بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان، تم التراضي على تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وكتب عقد التحكيم، وأعلنت الهدنة (٢) . اعتراض على التحكيم: كان قبول علي التحكيم سببًا في انفصال عدد كبير من جيشه، لا يجيز العدول عن حكم الله إلى حكم الرجال، ولا يجيز مبدأ التحكيم في الدماء (٣) ، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم: (المحكمة الأولى) . وبعدم جواز التحكيم قال بعض الشافعية، لما فيه من الافتئات على الإمام، وأجازه بعضهم بشرط عدم قاض بالبلد، ولوجود الضرورة حينئذ (٤) . ومن المالكية من لم يجزه ابتداء (٥) . وقد أفتى بعض الحنفية بمنع التحكيم لكيلا يتجاسر العوام على تحكيم أمثالهم فيحكموا بغير ما شرع الله من الأحكام، وفي ذلك مفسدة عظيمة.

стр. 15611

٤- أهمية التحكيم كان التحكيم في بادئ الأمر هو الوسيلة الوحيدة لحسم المنازعات إلى أن تكونت الوحدة السياسية ذات السيادة والسلطان، فنشأ نظام القضاء ليطبق شريعة هذه الوحدة السياسية، ومع ذلك ظل التحكيم قائمًا إلى جانب القضاء يؤدي دورًا هامًّا في المجتمع الإنساني: ١- فهو يجنب الخصوم كثيرًا من النفقات التي تتمثل في رسوم التقاضي وأتعاب المحامين وما شابه ذلك. ٢- وهو يختصر الوقت الذي يستغرقه ببطء التقاضي، والتنقل بين درجاته، وإجراءات تنفيذ الأحكام. ٣- والتحكيم يتناسب وظروف أطراف النزاع، الذين يحددون بالاتفاق مع المحتكم إليهم ما يلائمهم من أوقات لا تتعارض من أعمالهم وارتباطاتهم. ٤- وقد يلجأ أطراف النزاع إلى التحكيم حفاظًا على الخصوصية التي تسود علاقاتهم، ولا يرغبون في عرضها علنًا أمام القضاء. ٥- ومما يشجع على تفضيل التحكيم، حرية أطراف النزاع في اختيار محكمين على درجة كبيرة من الخبرة الفنية التي لا بد منها في فهم طبيعة النزاع ودقة الحكم فيه. ٦- ويحتمل التحكيم مكانة مهمة في القانون الدولي العام، حيث التنظيم القضائي لا يزال قاصرًا. ٧- وللتحكيم دور بارز في حسم المنازعات التي تظهر في أوساط الأقليات الدينية أو العربية أو المذهبية، التي لا تقبل أحكام القانون السائد في البلد الذي تعيش فيه، فيجدون في التحكيم مخرجًا من تطبيق هذا القانون الذي قد يتعارض مع شرائعهم ومعتقداتهم وأعرافهم.

стр. 15612

المبحث الثاني أركان التحكيم وشروطه أطراف التحكيم – صيغة التحكيم – محل التحكيم. ١- أطراف التحكيم يقوم التحكيم على اتفاقين متكاملين: الأول بين الخصمين، وبمقتضاه يتراضيان على شخص يفصل في النزاع القائم بينهما. والآخر فيما بينهما وبين هذا الشخص الذي ارتضياه، وبمقتضاه: يقبل أن يفصل في هذا النزاع. وقد يكون الخصمان اثنين أو أكثر، وقد يكون المحتكم إليه واحد أو أكثر. وسوف نبدأ باستعراض الشروط الواجب توافرها في طرفي النزاع، ثم شروط المحتكم إليه. شروط طرفي النزاع: لا يعرض الفقهاء لشروط كل واحد من أطراف النزاع، اكتفاء بأحكام الأهلية والولاية والتراضي، إلا قليلًا منهم ذكر هذه الشروط بإيجاز مجمل، مثل: (وشرط التحكيم أن يكن الخصمان عاقلين) (١) . وقد وردت إشارات في كتب الفقه يفهم منها أن التحكيم وإن كان التولية في الصورة إلا أنه صلح في المعنى (٢) ، وأن تحكيم الحكم في الخصومة يشبه الوكالة من وجه ويشبه حكم القاضي من وجه آخر (٣) وبناء على ذلك، يمكن القول بأنه: يشترط في الخصم أن يكون أهلًا لرفع الدعوى وإبرام عقد الصلح ولما كان كل منهما تصرفًا يحتمل النفع والضرر، فإن جمهور الفقهاء يتشرطون فيمن يباشرهما أن يكون عاقلًا بالغًا غير محجور عليه، ويكفي عند الحنفية أن يكون عاقلًا مميزًا.

стр. 15613

وقد تعرض بعض الفقهاء عدة فروع، من ذلك ما جاء في مغنى المحتاج: (واستثنى البلقيني من جواز التحكيم: الوكيلين، فلا يكفي تحكيمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين والوليين، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما. والمحجور عليه بالفلس لا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه، والمأذون له في التجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما، بل لا بد من رضاء المالك. والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه. قال: ولم أر من تعرض لذلك (١) . شروط المحتكم إليه: الأصل عند جمهور الفقهاء: أن يكن المحتكم إليه أهلًا لولاية القضاء (٢) ، وهذه الأهلية تختلف باختلاف المذاهب. ومع ذلك يتسامح الفقهاء في غياب بعض شروطها لدى المحتكم إليه، مراعاة لإرادة المتنازعين الذين وقع اختيارهما عليه لصفات قد لا تتوافر في القاضي؛ ولأن ولايته قاصرة على نزاع بعينه، ويمكنه التنحي قبل إصدار حكمه، فنستعرض فيما يلي أهم هذه الشروط: ١- يشترط أن يكون المحتكم إليه معلومًا ومعينًا بالاسم أو بالصفة، فلو اتفق الخصمان على تحكيم أول من يدخل المسجد – مثلًا – لم يجز بالإجماع، لما فيه من الجهالة (٣) . ٢- يشترط أن يكون المحتكم إليه مكلفًا، بأن يكون بالغًا عاقلًا، وذلك لنقص كل من الصبي والمجنون (٤) . ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدًا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل (٥) . ٣- يتشرط أن يكون المحتكم إليه ذكرًا. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام (٦) .

стр. 15614

٤- يشترط أن يكون المحتكم إليه مسلمًا، وأجاز الحنفية تقليد غير المسلم القضاء على غير المسلمين (١) . ٥- يشترط في المحتكم إليه العدالة، أي: (أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا المآثم، بعيدًا من الريب مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا المروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته) (٢) . وعند الحنفية: العدالة ليست شرطًا لجواز التقليد، ولكنها شرط كمال: فيجوز تقليد الفاسق، وتنفيذ قضاياه إذا لم يتجاوز فيها حد الشرع، وبذلك قال بعض المالكية (٣) . ٦- كمال الخلقة، بأن يكون سميعًا بصيرًا ناطقًا، وقد جوز بعض أصحاب الشافعي قضاء الأعمى (٤) ، فيصح الاحتكام إليه، وعند المالكية، يجب أن يكون الحاكم سميعًا بصيرًا متكلمًا، واتصافه بذلك واجب غير شرط، فينفذ حكم الأعمى والأصم الأبكم إن وقع صوابًا (٥) . ٧- يشترط أن يكون المحتكم إليه من أهل الاجتهاد، وقال بعض الحنفية: يجوز أن يكون عامِّيًّا، فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقومين (٦) . وبمثل ذلك قال ابن فرحون المالكي (٧) . وقد نقل الكمال بن الهمام عن الغزالي: (أن اجتماع هذه الشروط، من العدالة والاجتهاد وغيرهما، متعذر في عصرنا، لخلو العصر عن المجتهد والعدل. فالوجه: تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلًا وفاسقًا) (٨) . وإذا كان هذا القول ينصب على القاضي، فإنه – من باب أولى –يصدق بالنسبة للمحتكم إليه. ٨- ويشترط في المحتكم إليه ألا تكون بينه وبين أحد الخصمين قرابة تمنع من الشهادة، ويجوز أن يحكم الخصم خصمه، ويمضي حكمه إن لم يكن جورًا بينًا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وهو المعتمد عند المالكية، وبه قال بعض الشافعية (٩) .

стр. 15615

٢- صيغة التحكيم سبق أن ذكرنا أن التحكيم ينتج عن عقدين رضائيين، يتم أولهما بين طالبي التحكيم أن أنفسهم، ويتم الآخر بينهم وبين المحتكم إليه. وكما هو الشأن في العقود، لا بد من صيغة تعبر عن الإرادة بما يدل على مقصود العاقدين دلالة واضحة، من قول أو فعل أو غيرهما. وقد اشترط بعض الفقهاء أن يتقدم التراضي على عقد التحكيم، ولم يشترط البعض الآخر ذلك، بحيث (إذا فصل واحد الدعوى الواقعة بين اثنين، ولم يكونا قد حكماه، صح حكمه ونفذ إذا رضيا به أجازاه) بشرط أن يكون الحكم موافقًا للأصول المشروعة (١) . ولأطراف التحكيم تقييد الصيغة بشرط مشروع يتعلق بالزمان أو المكان أو اتباع مذهب معين أو استشارة شخص بذاته أو صفاته، أو غير ذلك مما يتعلق به غرضهم. والغالب أن يتم تراضي أطراف التحكيم بمناسبة قيام النزاع ويطلق عليه القانون (مشارطة التحكيم) . وهذا لا يمنع من أن يدرج المتعاقدان في العقد شرطًا يتم بموجبه اللجوء إلى التحكيم في حالة وقوع نزاع حول تنفيذ هذا العقد، وهو ما يطلق عليه (شرط التحكيم) وقد اتفق الفقه على صحة التحكيم بمناسبة قيام نزاع وخصومة حول حق من الحقوق، ولم يتعرض البعض على صحة التحكيم مع عدم وجود خصومة، فقد جاء في مغنى المحتاج – تعليقًا على النووي (ولو حكم خصمان رجلًا: قوله خصمان، يوهم اعتبار الخصومة، وليس مرادًا، فإن التحكيم يجري في النكاح، فلو قال: اثنان، كان أولى (٢) . ولم يشترط الفقهاء الإشهاد أو الكتابة على اتفاق التحكيم، ومع ذلك: فإنهم يستحسنون الإشهاد خشية الجحود (٣) . إلا أنهم يشترطون – لقبول قول الحكم برضاء الخصمين بحكمه – أن يشهد عليهما في مجلس الحكم (٤)
следующие страницы →