← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15611–15650 · переход к 15616.

стр. 15611

٤- أهمية التحكيم كان التحكيم في بادئ الأمر هو الوسيلة الوحيدة لحسم المنازعات إلى أن تكونت الوحدة السياسية ذات السيادة والسلطان، فنشأ نظام القضاء ليطبق شريعة هذه الوحدة السياسية، ومع ذلك ظل التحكيم قائمًا إلى جانب القضاء يؤدي دورًا هامًّا في المجتمع الإنساني: ١- فهو يجنب الخصوم كثيرًا من النفقات التي تتمثل في رسوم التقاضي وأتعاب المحامين وما شابه ذلك. ٢- وهو يختصر الوقت الذي يستغرقه ببطء التقاضي، والتنقل بين درجاته، وإجراءات تنفيذ الأحكام. ٣- والتحكيم يتناسب وظروف أطراف النزاع، الذين يحددون بالاتفاق مع المحتكم إليهم ما يلائمهم من أوقات لا تتعارض من أعمالهم وارتباطاتهم. ٤- وقد يلجأ أطراف النزاع إلى التحكيم حفاظًا على الخصوصية التي تسود علاقاتهم، ولا يرغبون في عرضها علنًا أمام القضاء. ٥- ومما يشجع على تفضيل التحكيم، حرية أطراف النزاع في اختيار محكمين على درجة كبيرة من الخبرة الفنية التي لا بد منها في فهم طبيعة النزاع ودقة الحكم فيه. ٦- ويحتمل التحكيم مكانة مهمة في القانون الدولي العام، حيث التنظيم القضائي لا يزال قاصرًا. ٧- وللتحكيم دور بارز في حسم المنازعات التي تظهر في أوساط الأقليات الدينية أو العربية أو المذهبية، التي لا تقبل أحكام القانون السائد في البلد الذي تعيش فيه، فيجدون في التحكيم مخرجًا من تطبيق هذا القانون الذي قد يتعارض مع شرائعهم ومعتقداتهم وأعرافهم.

стр. 15612

المبحث الثاني أركان التحكيم وشروطه أطراف التحكيم – صيغة التحكيم – محل التحكيم. ١- أطراف التحكيم يقوم التحكيم على اتفاقين متكاملين: الأول بين الخصمين، وبمقتضاه يتراضيان على شخص يفصل في النزاع القائم بينهما. والآخر فيما بينهما وبين هذا الشخص الذي ارتضياه، وبمقتضاه: يقبل أن يفصل في هذا النزاع. وقد يكون الخصمان اثنين أو أكثر، وقد يكون المحتكم إليه واحد أو أكثر. وسوف نبدأ باستعراض الشروط الواجب توافرها في طرفي النزاع، ثم شروط المحتكم إليه. شروط طرفي النزاع: لا يعرض الفقهاء لشروط كل واحد من أطراف النزاع، اكتفاء بأحكام الأهلية والولاية والتراضي، إلا قليلًا منهم ذكر هذه الشروط بإيجاز مجمل، مثل: (وشرط التحكيم أن يكن الخصمان عاقلين) (١) . وقد وردت إشارات في كتب الفقه يفهم منها أن التحكيم وإن كان التولية في الصورة إلا أنه صلح في المعنى (٢) ، وأن تحكيم الحكم في الخصومة يشبه الوكالة من وجه ويشبه حكم القاضي من وجه آخر (٣) وبناء على ذلك، يمكن القول بأنه: يشترط في الخصم أن يكون أهلًا لرفع الدعوى وإبرام عقد الصلح ولما كان كل منهما تصرفًا يحتمل النفع والضرر، فإن جمهور الفقهاء يتشرطون فيمن يباشرهما أن يكون عاقلًا بالغًا غير محجور عليه، ويكفي عند الحنفية أن يكون عاقلًا مميزًا.

стр. 15613

وقد تعرض بعض الفقهاء عدة فروع، من ذلك ما جاء في مغنى المحتاج: (واستثنى البلقيني من جواز التحكيم: الوكيلين، فلا يكفي تحكيمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين والوليين، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما. والمحجور عليه بالفلس لا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه، والمأذون له في التجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما، بل لا بد من رضاء المالك. والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه. قال: ولم أر من تعرض لذلك (١) . شروط المحتكم إليه: الأصل عند جمهور الفقهاء: أن يكن المحتكم إليه أهلًا لولاية القضاء (٢) ، وهذه الأهلية تختلف باختلاف المذاهب. ومع ذلك يتسامح الفقهاء في غياب بعض شروطها لدى المحتكم إليه، مراعاة لإرادة المتنازعين الذين وقع اختيارهما عليه لصفات قد لا تتوافر في القاضي؛ ولأن ولايته قاصرة على نزاع بعينه، ويمكنه التنحي قبل إصدار حكمه، فنستعرض فيما يلي أهم هذه الشروط: ١- يشترط أن يكون المحتكم إليه معلومًا ومعينًا بالاسم أو بالصفة، فلو اتفق الخصمان على تحكيم أول من يدخل المسجد – مثلًا – لم يجز بالإجماع، لما فيه من الجهالة (٣) . ٢- يشترط أن يكون المحتكم إليه مكلفًا، بأن يكون بالغًا عاقلًا، وذلك لنقص كل من الصبي والمجنون (٤) . ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدًا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل (٥) . ٣- يتشرط أن يكون المحتكم إليه ذكرًا. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام (٦) .

стр. 15614

٤- يشترط أن يكون المحتكم إليه مسلمًا، وأجاز الحنفية تقليد غير المسلم القضاء على غير المسلمين (١) . ٥- يشترط في المحتكم إليه العدالة، أي: (أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا المآثم، بعيدًا من الريب مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا المروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته) (٢) . وعند الحنفية: العدالة ليست شرطًا لجواز التقليد، ولكنها شرط كمال: فيجوز تقليد الفاسق، وتنفيذ قضاياه إذا لم يتجاوز فيها حد الشرع، وبذلك قال بعض المالكية (٣) . ٦- كمال الخلقة، بأن يكون سميعًا بصيرًا ناطقًا، وقد جوز بعض أصحاب الشافعي قضاء الأعمى (٤) ، فيصح الاحتكام إليه، وعند المالكية، يجب أن يكون الحاكم سميعًا بصيرًا متكلمًا، واتصافه بذلك واجب غير شرط، فينفذ حكم الأعمى والأصم الأبكم إن وقع صوابًا (٥) . ٧- يشترط أن يكون المحتكم إليه من أهل الاجتهاد، وقال بعض الحنفية: يجوز أن يكون عامِّيًّا، فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقومين (٦) . وبمثل ذلك قال ابن فرحون المالكي (٧) . وقد نقل الكمال بن الهمام عن الغزالي: (أن اجتماع هذه الشروط، من العدالة والاجتهاد وغيرهما، متعذر في عصرنا، لخلو العصر عن المجتهد والعدل. فالوجه: تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلًا وفاسقًا) (٨) . وإذا كان هذا القول ينصب على القاضي، فإنه – من باب أولى –يصدق بالنسبة للمحتكم إليه. ٨- ويشترط في المحتكم إليه ألا تكون بينه وبين أحد الخصمين قرابة تمنع من الشهادة، ويجوز أن يحكم الخصم خصمه، ويمضي حكمه إن لم يكن جورًا بينًا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وهو المعتمد عند المالكية، وبه قال بعض الشافعية (٩) .

стр. 15615

٢- صيغة التحكيم سبق أن ذكرنا أن التحكيم ينتج عن عقدين رضائيين، يتم أولهما بين طالبي التحكيم أن أنفسهم، ويتم الآخر بينهم وبين المحتكم إليه. وكما هو الشأن في العقود، لا بد من صيغة تعبر عن الإرادة بما يدل على مقصود العاقدين دلالة واضحة، من قول أو فعل أو غيرهما. وقد اشترط بعض الفقهاء أن يتقدم التراضي على عقد التحكيم، ولم يشترط البعض الآخر ذلك، بحيث (إذا فصل واحد الدعوى الواقعة بين اثنين، ولم يكونا قد حكماه، صح حكمه ونفذ إذا رضيا به أجازاه) بشرط أن يكون الحكم موافقًا للأصول المشروعة (١) . ولأطراف التحكيم تقييد الصيغة بشرط مشروع يتعلق بالزمان أو المكان أو اتباع مذهب معين أو استشارة شخص بذاته أو صفاته، أو غير ذلك مما يتعلق به غرضهم. والغالب أن يتم تراضي أطراف التحكيم بمناسبة قيام النزاع ويطلق عليه القانون (مشارطة التحكيم) . وهذا لا يمنع من أن يدرج المتعاقدان في العقد شرطًا يتم بموجبه اللجوء إلى التحكيم في حالة وقوع نزاع حول تنفيذ هذا العقد، وهو ما يطلق عليه (شرط التحكيم) وقد اتفق الفقه على صحة التحكيم بمناسبة قيام نزاع وخصومة حول حق من الحقوق، ولم يتعرض البعض على صحة التحكيم مع عدم وجود خصومة، فقد جاء في مغنى المحتاج – تعليقًا على النووي (ولو حكم خصمان رجلًا: قوله خصمان، يوهم اعتبار الخصومة، وليس مرادًا، فإن التحكيم يجري في النكاح، فلو قال: اثنان، كان أولى (٢) . ولم يشترط الفقهاء الإشهاد أو الكتابة على اتفاق التحكيم، ومع ذلك: فإنهم يستحسنون الإشهاد خشية الجحود (٣) . إلا أنهم يشترطون – لقبول قول الحكم برضاء الخصمين بحكمه – أن يشهد عليهما في مجلس الحكم (٤)

стр. 15616

٣- محل التحكيم بعد استقراء الآراء المتنوعة في الفقه الإسلامية، يمكن القول بأن (ما يجري فيه التحكيم) يخضع لاتجاهين مختلفين: ١- الاتجاه الأول: يغلب في التحكيم جانبه الرضائي المستند على إرادة أطرافه، فلا يجيز التحكيم فيما لا تملكه هذه الإرادة (١) ؛ لأن التحكيم بمنزلة الصلح (٢) ويمثل هذا الاتجاه: الحنفية (٣) ، وظاهر الروايات في مذهب مالك (٤) ، وهو وجه من طريق في مذهب الشافعي (٥) ، وبه أخذ القاضي من الحنابلة (٦) . وبناء على ذلك: لا يصح التحكيم، عن الحنفية، في الحدود أو القصاص أو فيما يجب من الدية على العاقلة، وكذلك لا يصح التحكيم في اللعان؛ لأنه يقوم مقام الحد (٧) . وعند المالكية: يجوز التحكيم في الأموال والجراحات، ويمتنع في الحدود والقصاص والولاء والنسب والرشد والسفه وأمر الغائب والحبس والطلاق واللعان والعتق والفسخ لنكاح ونحوه وما يتعلق بصحة العقد وفساده، (فلا يجوز التحكيم فيها لتعلق الحق فيها بغير الخصمين) (٨) . ولا يأتي التحكيم، عند الشافعية في حدود الله تعالى: إذ ليس لها طالب معين، (وفي وجه من طريق: يختص جواز التحكيم بمال؛ لأنه أخف دون قصاص ونكاح ونحوهما كلعان وحد قذف، لخطر أمرها، فتناط بنظر القاضي ومنصبه) (٩) .

стр. 15617

وفي الفقه الحنبلي: (قال القاضي: وينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام إلا أربعة أشياء: النكاح واللعان والقذف والقصاص؛ لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها، فاختص الإمام بالنظر فيها، ونائبه يقوم مقامه) (١) . ٢- والاتجاه الآخر: يغلب في التحكيم جانب السلطة التي يستمدها المحتكم إليه من اتفاق التحكيم وصلاحيته للقضاء، فيجيز التحكيم في جميع الأمور. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في الفقه الحنبلي، حيث يعتبر أن المحتكم إليه حاكم نافذ الأحكام، فإن حكم (نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه، حتى في الدماء والحدود والنكاح واللعان وغيرها، حتى مع وجود قاض) (٢) . وعند المالكية: إن حكم المحتكم إليه في الأمور التي لا يجوز له الحكم فيها – بأن جعل فيه حكمًا – فحكم صوابًا مضى حكمه ولا ينقض؛ لأن حكم المحكم يرفع الخلاف (٣) . والصحيح – عند الشافعية – جواز التحكيم في المال والقصاص والنكاح واللعان وحد القذف؛ (لأن من صح حكمه في مال صح في غيره، كالمولى من جهة الإمام) (٤) . وفي شرائع الإسلام: (لو تراضى خصمان بواحد من الرعية، وترافعا إليه، فحكم بينهما، لزمهما الحكم ... ويعم الجواز كل الأحكام) (٥) .

стр. 15618

المبحث الثالث طبيعة اتفاق التحكيم مدى لزوم التحكيم – إلزامية الحكم – تنفيذ الحكم ١- مدى لزوم التحكيم المراد بمدى لزوم عقد التحكيم: مدى حرية أحد أطرافه في نقضه، وبعبارة أخرى: يجب أن يستمر الاتفاق على التحكيم بين الخصمين، وأن يستمر اتفاقهما مع المحتكم إلى حين انتهائه من المهمة التي أسندت إليه بإصداره الحكم؟ يبدو أن الفقهاء قاسوا عقد التحكيم على عقد الوكالة، وهو عقد غير لازم، فذهبوا إلى أن الأصل في التحكيم عدم اللزوم، بمعنى: أن كل واحد من المتنازعين يجوز له نقض التحكيم، وأن المتنازعين يمكنهما عزل المحتكم إليه وأن المحتكم إليه يستطيع عزل نفسه، وفي كل حالة من هذه الحالات ينتقض العقد ولا يكون للتحكيم أثر. غير أن هؤلاء الفقهاء قد وضعوا لذلك ضوابط تضمن استقرار التعامل وتؤدي إلى احترام العقود. فعند الحنفية: يجوز لكل واحد من الخصمين الرجوع عن التحكيم، كما يجوز لهما ذلك مجتمعين، وفي هذا عزل للمحتكم إليه، بشرط أن يكون الرجوع قبل صدور الحكم، وبعد صدور الحكم لا يكون لهذا الرجوع أثر، ويظل الحكم قائمًا؛ لأنه صدر عن ولاية شرعية للمحكم، كالقاضي الذي يصدر حكمه، ثم يعزله من ولاه (١) . وتشعبت الآراء في مذهب مالك، فبينما يرى سحنون ضرورة دوام الرضاء بالتحكيم إلى حين صدور الحكم، يرى ابن القاسم ومطرف وأصبغ أن جواز الرجوع مشروط بعدم البدء في الخصومة وإقامة البينة أمام محتكم إليه، وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما أن يرجع مطلقًا في اتفاق التحكيم (٢) . والمذهب عند الشافعية – أن رضا الخصمين هو المثبت للولاية، (واشترط استدامة الرضا إلى تمام الحكم، وحينئذ، إن رجع أحدهما قبل تمام الحكم، ولو بعد إقامة البينة والشروع فيه، امتنع الحكم، لعدم استمرار الرضا) (٣) .

стр. 15619

(وفيه وجه بعيد: أنهما إذا رضيا أولًا، فلما خاض رجع أحدهما، لم يؤثر رجوعه ونفذ الحكم، وهذا الوجه حكاه الإمام واستبعد، وحكاه الماوردي عن أبي سعيد الإصطخري ولم يستبعده) (١) . وعند الحنابلة: (لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم؛ لأنه لا يثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، أشبه قبل الشروع. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع، فبطل المقصود به) (٢) . إلزامية الحكم يكاد يتفق الفقهاء على أن حكم المحتكم إليه يلزم الخصمين بدون حاجة إلى رضاء جديد، مثله في ذلك مثل حكم القاضي (٣) . (واختيار المزني: أنه لا يلزم حكمه ما لم يتراضيا بعد الحكم، لضعفه) (٤) . وإلزامية الحكم تقتصر على الخصمين فلا تتعداهما إلى غيرهما؛ لأن مصدر الحكم اتفاقهما على التحكيم، وهو اتفاق لا يمتد أثره إلى الغير (٥) . ٣- تنفيذ الحكم أثر التحكيم يظهر في لزوم الحكم ونفاذه، نتيجة للولاية التي نشأت من اتفاق التحكيم، فإذا رضي الخصمان بالحكم فإنهما يقومان بتنفيذه، وإذا سخطه أحدهما أو كلاهما فيكون مرد الأمر إلى القضاء، الذي يختص – بما له من الولاية العامة – بتنفيذ الأحكام. وقد اختلف الفقهاء في مدى سلطة القضاء إذا رفع إليه حكم المحتكم إليه: فعند الحنفية: لا يجيز القاضي على أن يأمر بتنفيذ هذا الحكم، بل ينظر فيه، فإن وجده يوافق مذهبه أخذ به وأمضاه، ويكون إمضاؤه بمنزلة الحكم – ابتداء – في هذا النزاع، وإن وجده يخالف مذهبه، كان له الخيار: إن شاء أمضاه وأمر بتنفيذه، وإن شاء أبطله (٦) .

стр. 15620

وعند المالكية: لا يجوز للقاضي أن ينظر في حكم المحتكم إليه، بل يمضي حكمه ويأمر بتنفيذه، ولا ينقضه إلا إذا كان جورًا بينًا، وسواء في ذلك أكان هذا الحكم يوافق مذهبه أم كان مخالفًا له؛ (لأن حكم المحكم يرفع الخلاف) (١) وعند الشافعية والحنابلة: لا يجوز للقاضي أن ينقض حكم المحتكم إليه إلا بما ينقض به قضاء غيره من القضاة (٢) . التحكيم بين الزوجين: إذا تضرر أحد الزوجين أو كلاهما، وتكررت الشكوى، مع العجز عن إثبات الضرر، فينبغي بعث حكمين، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] . وقد اختلف الفقهاء في تحديد طبيعة هذا النوع من التحكيم ومدى السلطة المخولة للحكمين، على رأيين: الرأي الأول: أن الحكمين وكيلان عن الزوجين، فلا يجوز لهما التفريق إلا بإذن الزوجين، وهذا رأي الحنفية (٣) ، وقول في مذهب مالك (٤) ، والأظهر عند الشافعية (٥) ، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦) ، وهو رأي القاضي من الجعفرية (٧) خلافًا للمشهور عندهم من أن (بعثهما يكون تحكيمًا، لا توكيلًا) (٨) ، وإن كانت النتيجة واحدة؛ لأن الحكمين (إن اتفقا على التفريق لم يصح إلا بإذن الزوج في الطلاق، وإذن الزوجة في البدل إن كان خلعًا؛ لأن ذلك هو مقتضى التحكيم) (٩) . والرأي الآخر: أن الحكمين طريقهما الحكم، لا الوكالة ولا الشهادة، ولو كانا من جهة الزوجين، ويلزم من ذلك: أنهما إذا حكما بالتفريق، نفذ حكمهما بدون حاجة إلى رضاء الزوجين أو مراجعة القاضي. وهذا هو المشهور من مذهب مالك (١٠) ، والقول الآخر للشافعي (١١) ، والرواية الثانية عند الحنابلة (١٢) .

стр. 15621

المبحث الرابع أنواع خاصة من التحكيم احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية – احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية – التحكيم في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين في غير البلاد الإسلامية. ١- احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية يقتضي بحث هذا الموضوع التطرق إلى أمرين، الأول: هل تمتد ولاية القاضي المسلم لتشمل قضايا غير المسلمين؟ والآخر: إذا امتدت ولاية القاضي المسلم لهذه القضايا، فبأي شرع يحكم؟ أولًا: ولاية القاضي المسلم على غير المسلمين: تحكم ولاية القاضي المسلم على غير المسلمين قاعدتان جوهريتان: إحداهما عامة، تتمثل في قول الفقهاء: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) ، والأخرى خاصة، تتمثل في قولهم: (أمرنا بتركهم وما يدينون) . ومقتضى القاعدة الأولى: أن يلتزم غير المسلم بأحكام وقوانين وتقاليد البلد الذي يوجد فيه، وبالتالي يخضع لقضاء هذا البلد: جنائيًّا كان أم مدنيًّا، مثله في ذلك مثل المسلم سواء بسواء (١) . وعلى هذا جرى العمل في صدر الإسلام، ففي كتاب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر: (وبالله الذي لا يحلف بأعظم منه، إني لأقيم الحدود في صحن داري، على المسلم والذمي) (٢) . وجاء في كتب التاريخ: (وفي عام ١٢٠هـ، ولي قضاء مصر: خير بن نعيم، فكان يقضي في المسجد بين المسلمين، ثم يجلس علي باب المسجد بعد العصر، فيقضي بين النصارى، ثم خصص القضاة للنصارى يومًا يحضرون فيه إلى منازل القضاة ليحكموا بينهم حتى جاء القاضي محمد بن مسروق الذي ولي قضاء مصر عام ١٧٧ هـ فكان أول من أدخل النصارى في المسجد ليحكم بينهم) (٣) .

стр. 15622

ومقتضى القاعدة الثانية: ألا يكلف غير المسلمين بما له صبغة تعبدية أو دينية في نظر الإسلام، مثل الجهاد والزكاة، وليس للحاكم المسلم أن يمنعهم مما أحله لهم دينهم – وقد حرمه الإسلام – مثل شرب الخمر وأكل الخنزير، ولا يتدخل القاضي المسلم فيما يعتقدون حله من أمور الزواج والطلاق والميراث والوصية وغير ذلك من الأحوال الشخصية. وفي ذلك: أرسل عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري،يسأله: لماذا نترك النصارى يأكلون الخنزير ويشربون الخمر، ونترك المجوس يتزوجون بناتهم؟ فرد عليه الحسن: على هذا دفعوا الجزية، وعلى هذا أقرهم السلف، وإنما أنت متبع لا مبتدع (١) وفي هذه الأحوال الشخصية، كان الذميون يلجئون إلى رؤساتهم الروحيين، يحتكمون إليهم فيما شجر بينهم، فكان هؤلاء الرؤساء يقومون بدور القضاة، وقد ألفوا كثيرًا من كتب القانون تتضمن الأحكام التي تتناسب ومعتقداتهم في مسائل الزواج والميراث وفي بعض المنازعات التي تخص المسيحيين وحدهم ولا تمس الدولة أو النظام العام، وفي الأندلس: كان النصارى يفصلون في خصوماتهم بأنفسهم، ولا يلجئون للقاضي المسلم إلا في مسائل القتل (٢) . ويبدو أن هذه الأحكام الكنسية لم يكن لها قوة الإلزام إلا من الناحية الدينية، نلحظ ذلك في تحليل عبارات الفقهاء: (ولا يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار، وقال أبو حنيفة: يجوز تقليده القضاء بين أهل دينه. هذا وإن كان عرف الولاة بتقليده جاريًا، فهو تقليد زعامة ورئاسة، وليس بتقليد حكم وقضاء، وإنما يلزمهم حكمه لالتزامهم له، لا للزومه لهم. ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم، وإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه، وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ) (٣) . ولنا أن نفهم من قوله: (وإنما يلزمهم حكمه لالتزامهم له، لا للزومه لهم) أن هذا يكون نوعًا من التحكيم، فيخضع للأحكام التي سبق إيرادها في المبحث الثالث. يبقى بعد ذلك أن نعرض لحكم ما إذا ترافع غير المسلمين إلى محاكم إسلامية في الأمور التي يختصون بها. وقد ميز الفقهاء في هذه المسألة بين الذميين (رعايا الدولة الإسلامية) ، وبين المعاهدين (الأجانب الذين سمح لهم بالدخول مدة محددة) .

стр. 15623

ففيما يتعلق بالمعاهدين: يكاد يتفق الفقهاء على ضرورة اتفاق المتنازعين ورضاهما بحكم القاضي المسلم، وفي هذه الحالة يكون للقاضي الخيار بين قبول الدعوى والحكم بيها، وبين رفض الدعوى فيرجعون إلى قضاء بلدهم، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] . حيث نزلت هذه الآية لبيان حكم المعاهدين (١) . ولا يشترط أبو يوسف ومحمد وزفر رضا الخصمين، فإذا رفع أحدهما الدعوى أمام القاضي المسلم وجب عليه أن يفصل فيها (٢) . وفيما يتعلق بالذميين: يشترط أبو حنيفة رضاء الخصمين برفع الدعوى أمام القاضي المسلم، أما أصحابه: أبو يوسف ومحمد وزفر فلا يشترطون هذا التراضي، كما هو الأمر بالنسبة للمعاهدين (٣) . عند المالكية: لا بد من رضاء الخصمين باللجوء إلى القاضي المسلم، وحينئذ يكون له الخيار أن يحكم بينهما أو أن يعرض عنهما (٤) . عند الشافعية: يرى البعض اعتبار رضاء الخصمين، (ولكن عامة كلام الأصحاب على اعتبار رضا واحد إذا استعدى على خصمه) . فإن كان الذميان متفقين في الملة – كنصرانيين – وجب علينا الحكم بينهما – في الأظهر – لأنه يجب على الإمام منع الظلم عن أهل الذمة، ومقابل الأظهر: لا يجب، بل يتخير. أما إذا اختلفت ملتهما – كيهودي ونصراني – فإن الحكم يجب بينهما جزمًا (٥) . وفي الفقه الحنبلي: (إن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعض على بعض: خير الحاكم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم) (٦) . وفي الفروع: (وإن تحاكم إلينا ذميان، فعنه: يلزم الحكم ... وعنه: إن اختلفت الملة. وعنه: يخير إلا في حق آدمي. والأشهر وفيه كمستأمنين، فيحكم ويعدي بطلب أحدهما. وعنه: باتفاقهما كمستأمنين. وفي الروضة – في إرث المجوس – يخير إذا تحاكموا إلينا، واحتج بآية التخيير (٧) . وظاهر ما تقدم: أنهم على الخلاف؛ لأنهم ذمة) (٨) . فنخلص من ذلك إلى أن الصحيح عند الحنابلة: أن الحاكم مخير سواء رضي الخصمان به أو استعدى أحدهما على خصمه، وسواء اتفقت ملتهما أو اختلفت (٩) .

стр. 15624

ثانيًا: القانون الواجب تطبيقه على غير المسلمين: لا خلاف بين علماء المسلمين – من أهل التفسير أو الفقه – على أن القاضي المسلم لا يجوز له أن يحكم بغير الشريعة الإسلامية – سواء أكان ذلك بين المسلمين أم كان بين غير المسلمين، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] ؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة، إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها (١) . ولكن القاضي في تطبيقه لأحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، يراعي القواعد والأحكام التي نص عليها الفقهاء، تطبيقًا لقاعدة (أمرنا بتركهم وما يدينون) ، باعتبارها قواعد موضوعية في الشريعة الإسلامية وليست قواعد إسناد تحيل إلى شريعتهم أو إلى قانون آخر غير الشريعة الإسلامية (٢) . وعلى ذلك: ذهب الحنفية إلى أن أحكام الإسلام تجري على غير المسلمين – كما تجري على المسلمين – فيما عدا الأنكحة ونفي المهر وتمليك الخمر والخنزير وتملكهما، فقد وضعوا لها قواعد موضوعية تفصيلية، يمكن الرجوع إليها في مظانها (٣) . وعند المالكية: أنهم يقرون على أنكحتهم، وإن كانت فاسدة في ذاتها، ولا يمنعون من الزواج بالبنات والأمهات، على تفصيل في كتبهم (٤) . وقد فصل الشافعية أحكام أهل الذمة في عدة مواضع من كتبهم، بما لا يخرج في الجملة عما سبق إيراده (٥) . ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الحنابلة (٦) .

стр. 15625

٢- احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية – في الوقت الراهن – من الأمور التي عمت بها البلوى، فأغلب البلاد الإسلامية واقعة تحت تأثير خارجي شرس يمنعها من تطبيق الشريعة الإسلامية، فالقضاة الذين يحكمون على المسلمين منهم المسلم وغير المسلم، والقانون الذي يحكم به على المسلمين خليط من قواعد إسلامية وغير إسلامية، وهذه الدول الإسلامية ترتبط بمواثيق ومعاهدات دولية، وتسري عليها أحكام ومبادئ القانون الدولي وقرارات المنظمات الدولية. وتقدر بعض المصادر الإسلامية عدد المسلمين الذين يعيشون في دول غير إسلامية – سواء كانوا ينتمون بجنسيتهم إلى تلك الدول أو إلى دول أخرى أو كانوا من رعايا الدول الإسلامية – بنحو ٢٣٠ مليون مسلم، ويعتقد بعض الباحثين أن هذا العدد قد يصل إلى حوالي ثلث مليار نسمة (١) . وإزاء هذا الوضع، لا يسهل الأخذ بالحلول التقليدية التي وضعها الفقهاء إبان وحدة العالم الإسلامي وعزته، من نحو وجوب الهجرة على من يقدر عليها، وإقامة الحدود أو التعامل بالربا في دار الحرب ... ونحو ذلك (٢) . وإنما ينبغي مساندة الهيئات والمنظمات الإسلامية والإنسانية التي تهتم بأوضاع الشعوب الإسلامية التي لم تستقل بعد، والتي تعمل على تمتع الأقليات المسلمة بحقوقها السياسية والدينية الاجتماعية، وقد نص الشافعية على أن: من يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، ويقدر على الاعتزال في مكان خاص، والامتناع من الكفار، فهذا تحرم عليه الهجرة؛ لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه، فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار، وهو أمر لا يجوز (٣) . إذا تقرر ذلك، فإن احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية يدخل في باب الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وحينئذ يرخص للمسلم في الاحتكام إلى محاكم غير إسلامية، باعتباره نوعًا من التحكيم الفاسد، الذي ينفذ لموافقة الحكم قواعد القانون الطبيعي، ومبادئ العدالة (٤) . التحكيم في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين في غير البلاد الإسلامية والحديث موصول بالمسألة السابقة، ولكن خصوصية قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين تتطلب وقفة متأنية، ذلك أن أحكام الزواج والطلاق والنسب والمحرمات من النساء، وعدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها وتوزيع التركات ونحو ذلك، قد ثبتت بنصوص من الكتاب والسنة، ومجال اجتهاد الفقهاء فيها محدود، فهي أقرب اتصالًا بالعقيدة، والفصل فيما ينشأ عنها من نزاع يقتضي الكثير من الخشية والاحتياط.

стр. 15626

والمسلمون الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية على ضربين: ١- أقليات إسلامية تتمتع بقدر من الاستقلال الداخلي أو الحكم الذاتي، إما بنص أو معاهدة، وإما بحكم الأمر الواقع: وهؤلاء ينبغي عليهم إقامة نظام قضائي شرعي، ويكون تعيين قضاتهم إما بتولية من كبيرهم (شيخ الإسلام – أمير الجماعة – الحاكم) ، وإما بتولية مباشرة من رئيس الدولة أو نائبه (غير المسلم) ، وإما باتفاق من الجالية الإسلامية على شخص تتوافر فيه صفات القاضي ليحكم بينهم، وأما بأي طريق آخر يتناسب وأوضاعهم. وقد نص الفقهاء على صحة هذه التولية، ومن ذلك ما جاء في فتح القدير: (إذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه – كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار، أقروا المسلمين عندهم -.. يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليًا، فيولي قاضيًا ليقضي بينهم، أو يكون هو الذي يقضي بينهم) (١) . وفي قواعد الأحكام: (لو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله؛ جلبًا للمصالح العامة ودفعًا للمفاسد السابقة) (٢) . وفي تبصرة الحكام: (القضاء ينعقد بأحد وجهين: أحدهما عقد أمير المؤمنين .... والثاني: عقد ذوي الرأي وأهل العلم والمعرفة والعدالة لرجل منهم، كملت فيه شروط القضاء للضرورة الداعية إلى ذلك) (٣) . وفي الأحكام السلطانية: (لو اتفق أهل بلد – قد خلا من قاض – على أن قلدوا عليهم قاضيًا – فإن كان إمام الوقت موجودًا بطل التقليد، وإن كان مفقودًا صح التقليد، ونفذت أحكامه عليهم) (٤) . ٢- أقليات إسلامية في بلاد لا يسمح نظامها بغير قضاء الدولة: وهؤلاء ليس أمامهم إلا الالتجاء إلى التحكيم، فيختارون مسلمًا عدلًا عالمًا بالشرع يفصل في قضاياهم المتعلقة بالأحوال الشخصية، وغالبًا ما تتولى هذه المهمة اتحاداتهم أو روابطهم أو جمعياتهم أو المراكز الثقافية الإسلامية لديهم. وبعد صدور حكم المحتكم إليه، إما أن ينفذ الأطراف من تلقاء أنفسهم، بدافع من الإيمان أو بتأثير من الجماعة، وإما أن يرفع الحكم إلى القضاء ليأخذ صبغة تنفيذية. والواقع أن نظام التحكيم – في كثير – من صوره – أصبح الآن معترفًا به في معظم الدول، ولا يتعرض عليه القضاء إلا إذا خالف النظام العام أو حسن الآداب.

стр. 15627

المبحث الخامس التحكيم الدولي محكمة العدل الدولية – احتكام المسلمين في نزاعاتهم مع غيرهم إلى المحكمة الدولية – احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم مع بعضهم - محكمة العدل العربية - محكمة العدل الإسلامية. ١- محكمة العدل الدولية لا يتسع المقام في هذه العجالة لحديث شامل عن محكمة العدل الدولية فمحل ذلك في الدراسات الخاصة بالقانون الدولي العام (١) ، وقد أرفقنا بهذا البحث النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. كل ما يعنينا – هنا – هو استعراض بعض العناصر الأساسية المكونة لهذه المحكمة حتى نقف على مدى مشروعية الالتجاء إليها من وجهة النظر الإسلامية. أولًا – مبدأ التحكيم الدولي: اتفاق دولتين أو وحدتين سياسيتين على اختيار من يفصل في نزاعهما وبيان إجراءات التحكيم، أمر عرفه الإسلام وطبقه الرسول ﷺ ، فيما عرف بوثيقة المدينة المنورة، وبين المسلمين كأمة، واليهود كطائفة لها ذاتيتها، وقد جاء في هذه الوثيقة (٢) : (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حديث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله) . كذلك تم تطبيقه فيما بين المؤمنين كأمة وبين نصارى نجران كوحدة مستقلة (٣) . وقبل النبي ﷺ تحكيم سعد بن معاذ بينه والمسلمين – من جهة – وبين يهود بين قريظة – من جهة أخرى (٤) .

стр. 15628

ثانيًا – تشكيل المحكمة: تتكون محكمة العدل الدولية من خمسة عشر قاضيًا، تختارهم الجمعية العامة ومجلس الأمن – بغض النظر عن جنسيتهم – من القائمة التي تتضمن أسماء من ترشحهم الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، من بين الأشخاص ذوي الخلق الرفيع، المؤهلين في بلادهم لتولي أسمى درجات القضاء، أو من كبار فقهاء القانون الدولي، على أن يراعى تمثيلهم المدنيات الكبرى والنظم القانونية الرئيسية في العالم (١) . وتنعقد المحكمة بكامل هيئتها، ويجوز لها تشكيل دائرة تختص بنظر قضية بعينها، وفي هذه الحالة يتحدد عدد القضاة برضاء الطرفين المتنازعين (٢) . وإذا كان أحد القضاة يتمتع بجنسية دولة طرف في النزاع المعروض أمام المحكمة فإن للطرف الآخر – إذا لم يكن من بين أعضاء هيئة المحكمة من يتمتع بهذه الجنسية – أن يختار قاضيًا وطنيًّا، تتوافر فيه الشروط، ليمثله في هيئة المحكمة (٣) . ونحن لا نرى ما يمنع من اعتماد محكمة العدل الدولية كأداة لفض المنازعات بين الدول، فقد ضم (حلف الفضول) قبائل من قريش تحالفت في دار عبد الله بن جدعان، لشرفه وسنه، وكانوا: بني هاشم، وبني المطلب، وبني أسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتميم بن مرة، وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى ترد مظلمته، وقد قال فيه الرسول ﷺ بعد بعثته -: ((لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت)) (٤) . ثالثا – اختصاص المحكمة: يفهم من نص المادة ٣٦ / ١: أن ولاية المحكمة يكون اختياريًّا، أي أنها لا تنظر إلا فيما يتفق أطراف النزاع على رفعه إليها، وتستثني الفقرة الثانية من نفس المادة أربع حالات تكون ولاية المحكمة فيها إجبارية، وهي: أ- المنازعات القانونية الخاصة بتفسير معاهدة. ب- أي سؤال يتعلق بالقانون الدولي. ج- التحقيق في وقائع النزاع إذا كانت تخالف التزامًا دوليًّا. د- طبيعة أو مقدار التعويض الناجم عن مخالفة التزام دولي.

стр. 15629

ويتضح من ذلك أن اختصاص المحكمة لا يتعارض مع سيادة الدول؛ لأنه يتعلق بمنازعات مادية – كتعيين الحدود – أو مالية – كالتعويضات المختلفة – أو فنية – كتفسير المعاهدات وتطبيق القواعد القانونية -. رابعًا – القانون الواجب التطبيق: نصت المادة (٣٨) على القواعد الواجب تطبيقها فيما يعرض عليها من منازعات وذلك على الترتيب الآتي: أ- الاتفاقات الدولية، سواء كانت عامة أو خاصة، التي تقرر قواعد تعترف بها صراحة الدول المتنازعة. ب- العادات الدولية المتواترة، المقبولة بمثابة قانون. ج- المبادئ القانونية العامة التي اعترفت بها الأمم المتمدنة. د- أحكام القضاء وآراء جهابذة القانونيين في مختلف الأمم، على أن يكون الاعتماد عليها بصفة تبعية. وهذه القواعد إما أن تكون معترفًا بها صراحة من أطراف النزاع، وإما أن تمثل المبادئ العامة للقانون وقواعد العدالة، ولا نرى في ذلك ما يمنع من قبول الحكم الصادر تطبيقًا لها، وخاصة أن هذا الحكم يجب أن يصدر بأغلبية الآراء، بعد مداولة سرية، متضمنًا أسماء القضاة الذين أصدروه، ومذكرة برأي الأقلية، كما يجب ان يكون الحكم مسببًا وعلنيًّا. ٢- احتكام المسلمين في نزاعاتهم مع غيرهم إلى المحكمة الدولية من التعليق السابق على بعض العناصر الأساسية المكونة لنظام محكمة العدل الدولية، لا نجد ما يمنع من احتكام المسلمين إليها – بعد دراسة شاملة لموضوع النزاع وأنه لا يتعلق بالسيادة الإسلامية – إذا كان الطرف الآخر في النزاع من غير المسلمين، وقد سبق أن أشرنا إلى ما ذكره المؤرخين من أنه: كان إذا حدث نزاع بين مسلم وقطبي، تقدم المتقاضون إلى مجلس مؤلف من قضاة يمثلون الفريقين المتنازعين.

стр. 15630

٣- احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعهم مع بعضهم جماع الحكم في هذه المسألة جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) ﴾ [الحجرات: ٩ – ١٠] . فالإسلام لا يعترف بتقطع المسلمين شراذم أممًا، تدعي كل شرذمة منها استقلالًا سياسيًّا في دولة لها حدود مصطنعة، وتختار داخل هذه الدولة نظامًا خاصًّا بها يجعل من المسلمين الآخرين أجانب عنها، تطبق عليهم من القواعد مثل ما تفرضه على غير المسلمين أو أدنى. ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن تتعدد الدول الإسلامية، بل لا بد من دولة للمسلمين واحدة، لها إمام واحد؛ لأن في تعدد الدول الإسلامية مظنة للنزاع والفرقة، وهذا منهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، وقال أبو عبيد: المراد بالريح في الآية الكريمة هو الدولة (١) . ومقتضى ذلك: أن مسألة احتكام المسلمين في نزاعاتهم الداخلية إلى جهة أجنبية عنهم لا يتصور وقوعها. ومع ذلك: فقد لاحظ بعض الفقهاء والمفكرين الإسلاميين الضرورة العملية لوجود أكثر من دولة إسلامية، لكل منها إمام مستقل. فقد قال البغدادي: (لا يجوز أن يكون في الوقت الواحد إمامان، واجبي الطاعة ... إلا أن يكون بين البلدين بحر مانع من وصول نصرة أهل كل واحد منهما إلى الآخرين، فيجوز حينئذ لأهل كل واحد منهما عقد الإمامة لواحد من أهل ناحيته) (٢) . وقال إمام الحرمين: (عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخالف غير جائز، وقد حصل إجماع عليه. وأما إذا بعد المدى، وتخلل بين الإمامين شسوع النوى، فللاحتمال في ذلك مجال، وهو خارج عن القواطع) (٣) . وقال ابن حزم: (اتفق من ذكرنا على أنه: لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم ... إلا محمد بن كرام السجستاني وأبا الصباح السمرقندي وأصحابهما: فإنهم أجازوا كون إمامين وأكثر في وقت واحد) (٤) . ولما رأى أن أهل الأندلس أجازوا العقد لخلفاء متعددين، علق على ذلك قائلًا: (اجتمع عندنا بالأندلس في صقع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها) وقال مثل ذلك عبد الواحد المراكشي: (وصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة: أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا في مثلها) (٥) .

стр. 15631

فإذا أجيز تعدد الدول الإسلامية المستقلة، وثار نزاع بين بعضها البعض، فلا يجوز الحكم والفصل في هذا النزاع إلا على أساس من الشريعة الإسلامية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] . وقد لاحظ الحكماء – بعد سقوط الخلافة – أن المسلمين قد انفرط عقدهم فانقسموا إلى دول متعددة، يخضع بعضها للنفوذ الأجنبي، وانشغل بعضها الآخر بمشكلاته الداخلية، وكثر بينها النزاع والشقاق، واعتدى بعضها على البعض الآخر، أو تدخل في شؤونه الخاصة، وتحالف كثير منها مع أعداء الإسلام والمسلمين، مستعينًا بهم على إخوته في العقيدة، فقامت عدة دعوات تناشد المسلمين العودة إلى وحدتهم التي نادى بها كتابهم الكريم: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] . ولكن المسلمين كانوا في شغل عن هذه الدعوات إلى (الجامعة الإسلامية) أو (المؤتمر الإسلامي) أو (الجمعية الإسلامية) ، فانعقدت المؤتمرات في القاهرة وفي مكة وفي القدس وفي باكستان وفي المغرب وفي ماليزيا، حتى تم الاتفاق – أخيرًا – على ميثاق ط منظمة المؤتمر الإسلامي (في جدة، بتاريخ ١٨ / محرم ١٣٩٢ هـ ٤ مارس ١٩٧٢م (١) . وفي ظل هذا التفكك، لجأ المسلمون – في نزاعاتهم مع بعضهم – إلى محكمة العدل الدولية أو إلى مجلس الأمن؛ لأن الدول الإسلامية تشكل ما يقرب من ثلث أعضاء هيئة الأمم المتحدة، وقد قبلت ميثاقها، وانضمت إلى المنظمات المنبثقة عنها، ونحن نرى أن التجاء الدول الإسلامية إلى القضاء أو التحكيم الدولي يدخل في باب الضرورة، حتى تضمن الحفاظ على مصالح شعوبها، وتؤمن تنفيذ العدالة بما لهيئة الأمم من سلطات أدبية أو مادية، حتى إذا ما قام البديل الإسلامي الفعال، فإن هذه الضرورة تنتفي بانتفاء أسبابها.

стр. 15632

٤- محكمة العدل العربية كنت الدول العربية تعي جيدًا أهمية إنشاء محكمة عدل عربية، لحل المنازعات التي تنشأ فيما بينها. ولكن ميثاق جامعة الدول العربية – الذي أعلن في مارس ١٩٤٥ – لاحظ أن كثيرًا من الدول العربية لا يزال يرضخ لضغوط خارجية، لا تمكنه من حرية اتخاذ القرار، فاكتفى بتخويل مجلس الجامعة أن يقوم بحل المنازعات التي تنشأ بين أعضائه، عن طريق الوساطة أو التحكيم الذي قد يصدر عنه حكم يلزم أطراف النزاع، إذا تم بناء على طلبهم، وقد جاء في المادة (١٩) من الميثاق: (يجوز بموافقة ثلثي دول الجامعة تعديل هذا الميثاق، وعلى الخصوص لجعل الروابط بينها أمتن وأوثق، ولإنشاء محكمة عدل عربية. وقد وجدت دول الجامعة أن الحاجة ماسة لإنشاء هذه المحكمة، وخاصة بعد أن لاحظ أن كثيرًا من المحكمين الأجانب ينظرون إلى قوانين الدول العربية نظرة ازدراء، ويطبقون قوانينهم تحت مسميات مختلفة. ١- ففي قرار التحكم الذي أصدره اللورد Asquih of Bishoptone في النزاع بين إمارة أبو ظبي وشركة التنمية البترولية المحدودة (سنة ١٩٥١) طبق المحكم القانون الإنجليزي، بدعوى أنه يمثل المبادئ العامة في الدول المتحضرة، واستبعد قانون أبو ظبي) باعتباره قانونًا متخلفًا لا يمكن استخدامه لتفسير أو لحكم المعاملات التجارية الحديثة) إلى آخر ما زعمه (١) ٢- في سنة ١٩٥٨: رفض المحكم G.Sauser Hall تطبيق القانون السعودي المستمد من الفقه الإسلامي، في النزاع بين شركة أرامكو والمملكة العربية السعودية، بدعوى (عدم احتوائه لأي حل للمشكلة المطروحة) وطبق على النزاع ما سمي بالمبادئ العامة للقانون (٢) . ٣- وكذلك فعل قرار التحكيم الصادر في سنة ١٩٧٧، بشأن النزاع بين الحكومة الليبية وبين شركتي Texaco Galasiatic، حيث تم استبعاد القانون الليبي بدعوى تعارضه أو مناقضته لبعض المبادئ العامة في القانون الدولي (٣)

стр. 15633

وهكذا برزت الدعوى إلى إنشاء محكمة العدل العربية كضرورة يفرضها الواقع وتحتمها الظروف، حتى يتسنى حل أهم المنازعات بين الدول العربية في ظل القانون الذي يجمع بينها، وتم تشكيل لجنة (سنة ١٩٨٢) من كبار الخبراء العرب في القانون الدولي، وفي السياسة، ومنهم من تولى منصب القضاء في محكمة العدل الدولية، فاستلهموا مبادئ الجامعة والواقع العربي، واستأنسوا بأنظمة المحاكم الدولية، وأعيد تشكيل هذه اللجنة في سنة ١٩٨٥، ثم في سنة ١٩٩١، وأعد مشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل العربية، وعرض على مجلس الجامعة في عدة دورات، وينتظر إقراراه في الدورة الرابعة بعد المائة. وأبرز ما جاء في المشروع: ١- لا يقتصر حق التقاضي أمام هذه المحكمة على الدول الأعضاء، بل تمنح الدول غير الأعضاء حق اللجوء إلى المحكمة إذا كانت تربطها بالدول الأعضاء اتفاقيات أو معاهدات وقبلت بولاية المحكمة. ٢- لمحكمة العدل العربية ولاية إلزامية في حالات محددة، من أهمها: النزاعات التي تهدد الأمن القومي العربي. ٣- تطبق المحكمة على النزاعات التي ترفع إليها أحكام الشريعة الإسلامية، والعرف العربي، والمبادئ العامة للقانون التي استقرت في الدول العربية بالإضافة إلى مبادئ وقواعد ميثاق الجامعة وأحكام القانون الدولي. ٤- تتألف المحكمة من سبعة قضاة، ينتخبهم مجلس الجامعة بأغلبية الثلثين، من بين مواطني الدول الأعضاء الحائزين على المؤهلات القانونية المطلوبة للتعيين في أعلى المناصب القضائية، ومن المشهود لهم بالكفاءة في الشريعة أو القانون الدولي. ٥- تكون اللغة العربية اللغة الرسمية للمحكمة، ويؤدي القضاة قبل أداء وظائفهم اليمين التالية: (أقسم بالله العظيم أن أؤدي واجبات وظيفتي بصدق وأمانة ونزاهة) . ٥- محكمة العدل الإسلامية أقر مؤتمر القمة الإسلامي الخامس (الكويت ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م) مشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل الإسلامية، لتكون حكمًا وقاضيًا وفيصلًا فيما ينشأ بين الدول الإسلامية من خلافات، بعد ما لاحظ – ببالغ الأسف – ما انتهت إليه الإنسانية المعاصرة، رغم مظاهر التقدم المادي واتساع المكاسب العلمية والتقنية، من الفقر الروحي ومن الانحلال في العقائد والأخلاق، وبعد ما لاحظ ما اعترى المجتمعات الإسلامية من الوهن في الذاتية، والضعف في الفاعلية الحضارية، وخضوع العديد منها للهيمنة الأجنبية، وتعرضها لشتى وجوه الظلم والعدوان، رغم ما تهيأ لها من مقومات الوحدة، وعوامل التقدم والنهضة، ودواعي العزة والرفاهية. وقد أفردت لدراسة نظام محكمة العدل الإسلامية بحوث قيمة (١) ، يعنينا منها في هذا المقام استعراض بعض العناصر الأساسية التي تميز هذه المحكمة عن غيرها من التنظيمات القضائية الدولية. أولًا – تشكيل المحكمة: تشكل هيئة محكمة العدل الإسلامية من سبعة قضاة ينتخبون من قبل المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية لمدة أربع سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة. ويجري الانتخاب بالاقتراع السري من قائمة بأسماء الأشخاص الذين تشرحهم الدول الأعضاء في المنظمة، ويراعي في الانتخاب التوزيع الإقليمي والتمثيل اللغوي للدول الأعضاء. ويشترط لانتخاب عضو في المحكمة: أن يكون مسلمًا، عدلًا، من ذوي الصفات الخلقية العالية، ومن رعايا إحدى الدول الأعضاء في المنظمة، على ألا يقل عمره عن أربعين عامًا، وأن يكون من فقهاء الشريعة المشهود لهم، وله خبرة في القانون الدولي، ومؤهلًا للتعيين في أرفع مناصب الإفتاء أو القضاء في بلاده، ويحلف كل عضو من أعضاء المحكمة في أول جلسة علنية اليمين التالية: (أقسم بالله العظيم أن أتقي الله وحده في أداء واجباتي، وأن أعمل بما تقتضيه الشريعة الإسلامية وقواعد الدين الإسلامي الحنيف دون محاباة، وأن التزم بأحكام هذا النظام وأحكام ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي) .

стр. 15634

ثانيًا: اختصاص المحكمة: لمحكمة العدل الإسلامية ثلاثة اختصاصات: ١- اختصاص قضائي: يجعل لها ولاية الفصل – بحكم قطعي غير قابل للطعن – في القضايا التي تتفق الدول المعنية الأعضاء في المنظمة على إحالتها إليها، أو الدول الأعضاء التي لها مصلحة ذات طابع قانوني قد تتأثر بالحكم في قضية معروضة على المحكمة، وكذلك الدول غير الأعضاء في المنظمة بشرط أن تعلن مسبقًا التزامها بأحكام المحكمة وألا يمانع أطراف النزاع في تدخلها. ٢- اختصاص إفتائي: يجوز للمحكمة أن تفتي في مسألة قانونية، غير متعلقة بنزاع مطروح أمامها، وذلك بناء على طلب من أي هيئة مخولة بذلك من قبل مؤتمر وزارة الخارجية. ٣- اختصاص بالوساطة والتوفيق والتحكيم: يمكن لمحكمة العدل الإسلامية أن تقوم بالوساطة أو بالتوفيق أو بالتحكيم، عن طريق لجنة من الشخصيات المرموقة، أو على عن طريق كبار المسؤولين في جهازها، لحل الخلافات التي قد تنشب بين عضوين أو أكثر من أعضاء المنظمة، إذا أبدت الأطراف المتنازعة رغبتها في ذلك، أو إذا طلبه منها مؤتمر القمة أو المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية بتوافق الآراء. ثالثا- القانون الواجب التطبيق: نصت على ذلك المادة (٢٧) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الإسلامية، بقولها: أ- الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي الذي تستند إليه المحكمة في أحكامها. ب- تسترشد المحكمة بالقانون الدولي، والاتفاقات الدولية الثنائية أو متعددة الأطراف، أو العرف الدولي المعمول به، أو المبادئ العامة للقانون، أو الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية، أو مذاهب كبار فقهاء القانون الدولي في مختلف الدول.

стр. 15635

وقد نصت المادة (٢٨) على أن: أ- العربية – لسان القرآن المبين – لغة المحكمة الأولى، وهي – مع الإنجليزية والفرنسية – اللغات الرسمية المعتمدة. ب- للمحكمة – بناء على طلب أي من أطراف النزاع – أن تجيز استعمال لغة أخرى غير رسمية، شريطة أن يتحمل هذا الطرف الأعباء المالية المترتبة على الترجمة إلى إحدى اللغات الرسمية. ج- تصدر المحكمة أحكامها باللغات الرسمية الثلاث. كما نصت المادة (٥٠) على ما يلي: حرر هذا النظام باللغات الرسمية الثلاث للمنظمة، وكلها متساوية في حجيتها، وعند الخلاف حول تفسيره أو تطبيقه تكون اللغة العربية هي المرجع. إن إقرار النظام الأساسي لمحكمة العدل الإسلامي يعتبر – بكل المعايير – إنجازًا هامًّا وقرارًا تاريخيًّا وطريقًا مستقيمًا يصل الدول الإسلامية بتراثها الخالد، ويجنبها استجداء العدالة ممن يجهلون شريعتها، أو يحتقرون تقاليدها، أو يتربصون بأهلها. وسوف يتحقق هذا المعنى حين يكون قضاة المحكمة على قدر من فقه النفس، يؤهلهم لتطبيق روح الإسلام وسياسته الشرعية، ويبعد بهم عن أن يكونوا مضغة في الأفواه. وسوف يتأكد هذا المعنى حين يكون الجهاز التنفيذي للمحكمة مؤثرًا فعالًا، يفرض على الجميع - ودون استثناء – احترام الحق والعدل، والخضوع لإرادة المجتمع الإسلامي. وسوف يستقر هذا المعنى حين تتكون لدى المسلمين إرادة سياسية جماعية، واقتناع بالقيم الأخلاقية والروحية، وإيمان بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . والله من وراء القصد الدكتور محمد جبر الألفي

стр. 15636

التحكيم في الفقه الإسلامي إعداد الشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت بإيران والشيخ علي عندليب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين، وبعد: فقد يمكن القول بأن التحكيم يشكل ظاهرة بشرية عامة لا تختص بها أمة دون أمة، ومن هنا فقد كان التحكيم شائعا بين قبائل العرب في الجاهلية بل ربما اعتبر الشكل الرئيسي السائد للعدالة والقضاء بين الأفراد في مجتمع كان الحق فيه متوقفًا على القوة في غالب الأحيان (١) . (والمنافرة) هي إحدى عادات العرب القديمة والتي تتم بعد تنازع رجلين في الشرف ولجوئهما إلى حكماء يحكمون بتفضيل الأشرف منهما، ومن أشهر المنافرات منافرة عامر بن الطفيل مع علقمة بن علاثة على رئاسة القبيلة إذ حكما هرم بن قطبة الفزاري (٢) . وقد جوز الشرع الإسلامي ذلك على تفصيلات سنذكرها فيما يلي بعد تقديم التوضيحات: معنى التحكيم معنى التحكيم في اللغة: قال الخليل (٣) : وحكمنا فلانا أمرنا؛ أي يحكم بيننا. قال ابن دريد (٤) : يقال حكمت فلانا في كذا وكذا تحكيمًا، إذ جعلت أمره إليه. قال الجوهري (٥) : حكمت الرجل تحكيما إذا منعته مما أراد، ويقال أيضًا: حكمته في مالي، إذ جعلت إليه الحكم فيه. قال ابن فارس (٦) : يقال: حكمت فلانًا تحكيمًا، منعته عما يريد، وحكم فلانا في كذا، إذا جعل أمره إليه. قال ابن منظور (٧) : وحكموه بينهم، أمروه أن يحكم، ويقال: حكمنا فلانًا فيما بيننا أي أجزنا حكمه بيننا. قال الفيروزآبادي (٨) : وحكمت الرجل (بالتشديد) فوضت الحكم إليه. فالتحكيم في اللغة هو تفويض الأمر وجعله إلى الغير ليحكم، وهذا المعنى بعينه هو معنى التحكيم اصطلاحا مع زيادة، وإليك نصوص الفقهاء: قال الشيخ (٩) : إذا تراضى نفسان برجل من الرعية يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما ....

стр. 15637

قال المحقق (١) : لو تراضى خصمان بواحد من الرعية وترافعا إليه فحكم بينهما .... قال العلامة (٢) : لو تراضى خصمان بواحد من الرعية وترافعا إليه وحكم ... قال الشهيد الثاني (٣) : قاضي التحكيم وهو الذي تراضى به الخصمان للحكم بينهما مع وجود قاض منصوب. وقال في كتابه الآخر (٤) : التحكيم هو أن يحكم الخصمان واحدا من الناس ... فالتحكيم في اصطلاح الفقهاء هو تراضي الخصمان بواحد من الرعية والترافع إليه ليحكم بينهما، فلا فرق بين المعنى اللغوية والاصطلاحي إلا في كون الحكم من الرعية، إذ اللغويون لم يقيدوه بهذا بخلاف الفقهاء، فإنهم قيدوه. الفرق بين التحكيم والقضاء والإفتاء أما التحكيم فقد توضح معناه مما تقدم، فلا بد من بيان معنى القضاء والإفتاء حتى يظهر الفرق فيما بينها: معنى القضاء في اللغة: القضاء في اللغة: الحكم (٥) كما أن له معاني أخر كالإتقان والإنفاذ والإنهاء. وفي اصطلاح الفقهاء إما الحكم وفصل الخصومة بين المتنازعين كما عن بعضهم (٦) وإما ولاية الحكم شرعا كما عن بعضهم الآخر (٧) . والتحقيق أن القضاء هو الحكم وفصل الخصومة، والولاية خارجة عن تعريفه، فلا فرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، نعم إن القضاء منصب من المناصب وشأن من شؤون الوالي، ويحتاج إلى نصب الإمام في مشروعيته؛ لأنه من شؤونه بالأصالة.

стр. 15638

معنى الإفتاء في اللغة: الإفتاء تبيين الحكم عما يشكل من الأحكام (١) . وفي الاصطلاح هو الإخبار عن الله تعالى بحكم شرعي متعلق بكلي (٢) . أما الفرق بين الإفتاء والتحكيم والقضاء ففي الإخبار والإنشاء إذ الإفتاء إخبار، والقضاء والتحكيم إنشاء وإلزام، مع أن الإفتاء إخبار عن الحكم الشرعي الكلي، والقضاء والتحكيم إنشاء الحكم الجزئي في شيء مخصوص، ولحكم القاضي آثار كوجوب التنفيذ وعدم جواز رده ونفوذه للغير، سواء كان مقلدا أو مجتهدًا، بخلاف الفتوى فإن المجتهد الآخر لا يجوز له العمل على طبق فتوى هذا الفقيه مثلًا. وأما الفرق بين التحكيم والقضاء، ففي النصب وعدمه؛ لأن القضاء من المناصب، ويحتاج القاضي في كونه قاضيًا إلى نصب الإمام، بخلاف قاضي التحكيم فإنه يصير حكما بتراضي الخصمين وترافعهما إليه من دون نصب من الإمام، وإن شئت قلت: إن القاضي منصوب من قبل الإمام، والحكم منصوب من قبل المترافعين، فبهذا يفرق بينهما، وأما الفرق بينهما من حيث شرائط القاضي والحكم من الاجتهاد والذكورة وغيرها فسيأتي. مشروعية التحكيم: المشهور جواز التحكيم، بل ادعى الشيخ الطوسي أنه لا خلاف في جوازه حيث قال: (إذا تراضى نفسان برجل من الرعية يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما كان جائزا بلا خلاف) (٣) . وكذلك في المسالك للشهيد الثاني (٤) ، بل ظاهر كلام كشف اللثام (٥) الإجماع عليه حيث قال: (لو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعية فحكم بينهما جاز عندنا) وبه قال أبو حنيفة (٦) والشافعي (٧) وأحمد (٨) .

стр. 15639

واستدل على جواز التحكيم بوجوده: ١- محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵇: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيًا لتحاكموا إليه. ورواه الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسين بن علي عن أبي خديجة مثله إلا أنه قال: شيئا من قضائنا. ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن محمد مثله (١) . تقريب الدلالة: إن المعتبرة ناظرة إلى قاضي التحكيم، إذ قوله ﵇: (فإني قد جعلته قاضيًا، متفرع على قوله ﵇: (فاجعلوه بينكم) وهو قاضي التحكيم. ٢- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقًّا ثابتا له؛ لأن أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] ، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكمًا، فإني قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا قلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله ... قلت: فإن كان واحد اختيار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلف في حكم وكلاهما اختلافا في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما. ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر ..... ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن عيسى نحوه. ورواه الصدوق بإسناده عن داود بن الحصين (٢)

стр. 15640

تقريب الدلالة: أن هذه المعتبرة المعروفة بمقبولة عمر بن حنظلة كالمعتبرة السابقة ناظرة إلى قاضي التحكيم؛ لأن قوله ﵇: (فإني قد جعلته عليكم حاكمًا) متفرع على قوله ﵇: (فليرضوا به حكمًا) فجعله حاكمًا موقوف على تراضي الخصمين بتحكيمه، وهذا قاضي التحكيم، بل قول السائل: (فإن كان كل واحد اختار رجلًا ....) مع تقرير الصادق ﵇ يدل على جواز التحاكم إلى اثنين ويأتي في الكلام فيه. ٣- محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله ﵇ في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيهما يمضي الحكم؟ قال: ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر. ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن الحسن بن موسى الخشاب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن داود بن الحصين مثله (١) . تقريب الدلالة: هذه المعتبرة تدل على جواز التحكيم إلى رجلين، فدلالتهما على مشروعية أصل التحكيم واضحة. ٤- محمد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن سعيد عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا ليس هو ذاك، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط (٢) تقريب الدلالة: هذه الصحيحة تدل على جواز التحكيم بقوله ﵇: (ليس هو ذاك) . ٥- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن يزيد بن إسحاق عن هارون بن حمزة الغنوي عن حريز عن أبي بصير عن أبى عبد الله ﵇ قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء: كان بمنزلة الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدً﴾ [النساء: ٦٠] . ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن يحيى مثله (٣) .

стр. 15641

تقريب الدلالة: هذه الرواية تدل على جواز التحكيم، بل على وجوبه فيما لم يكن قاض منصوب لو اضطر المتخاصمان إلى التحاكم، وأنه لا يجوز التحاكم إلى أهل الجور، ولكن في سندها تأمل لتردد أبي بصير بين الثقة والمجهول. ٦- روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله)) (١) . تقريب الدلالة: لولا أن حكمه بينهما جائز لما تواعده باللعن، وكان التهديد على أصل حكمه أولى عن التهديد على عدم عدالته فيه، وبالجملة مفهومه عدم اللعن على من حكم وعدل. وأورد عليه (٢) بأن ظاهره الورود في مورد حكم آخر وهو حرمة الحكم بغير العدل لا في بيان صحة القضاء من كل من يشمله لفظ الخبر، مع أنه لم يثبت صحة سنده. أقول: الظاهر أن دلالته على جواز التحكيم تامة؛ لأنه لو كان في مقام بيان حرمة بغير العدل فقط من دون بيان أصل التحكيم كان قوله ﷺ : ((تراضيا به)) زائدًا، وذكره دليل على كونه واردًا في مورد جواز التحكيم والحكم بالعدل معًا، نعم لم يثبت صحة سنده. ٧- ما وري في تحاكم النبي ﷺ والأعرابي إلى بعض الصحابة، وأمير المؤمنين علي ﵇.

стр. 15642

١- محمد بن علي بن الحسين، قال ﵇ (١) : وفي رواية محمد بن بحر (يحيى – خ) الشيباني عن أحمد بن الحرث قال: حدثنا أبو أيوب الكوفي، قال: حدثنا إسحاق بن وهب العلاف، قال: حدثنا أبو عاصم النبال عن ابن جريج، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ من منزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ناقة، فقال: يا محمد تشتري هذه الناقة؟ فقال النبي ﷺ : ((نعم، بكم تبيعها يا أعرابي؟)) فقال: بمائتي درهم، فقال النبي ﷺ : ((بل ناقتك خير من هذا)) قال: فما زال النبي ﷺ يزيد حتى اشترى الناقة بأربعمائة درهم قال: فلما دفع النبي ﷺ إلى الأعرابي الدراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة، فقال: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فإن كان لمحمد شيء فليقم البينة، قال: فأقبل رجل، فقال النبي ﷺ : أترضى بالشيخ المقبل؟ فقال: نعم، يا محمد، فقال النبي ﷺ : ((تقضي فيما بيني وبين هذا الأعرابي؟)) فقال: تكلم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : ((الناقة ناقتي والدراهم دارهم الأعرابي)) فقال الأعرابي: بل الدراهم دراهمي والناقة ناقتي، إن كان لمحمد شيء فليقم البينة، فقال الرجل: القضية فيها واضحة يا رسول الله؛ لأن الأعرابي طلب البينة، فقال النبي ﷺ : ((اجلس)) فجلس، ثم أقبل رجل آخر، فقال النبي ﷺ : ((أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟)) قال: نعم، يا محمد فلما دنا قال النبي ﷺ : ((اقض فيما بيني وبين الأعرابي)) قال: تكلم يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : ((الناقة ناقتي والدراهم دارهم الأعرابي)) فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، وإن كان لمحمد شيء فليقم البينة، فقال الرجل: ((القضية فيها واضحة يا رسول الله؛ لأن الأعرابي طلب البينة)) فقال النبي ﷺ : ((أترضى بالشاب المقبل؟)) قال: نعم، فلما دنا قال النبي ﷺ : ((يا أبا الحسن اقض فيما بيني وبين الأعرابي)) فقال تكلم يا رسول الله، فقال: ((الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي)) فقال الأعرابي: لا، بل الناقة ناقتي والدرهم دراهمي، وأن كان لمحمد شيء فليقم البينة، فقال علي ﵇: خل بين الناقة وبين رسول الله ﷺ ، فقال الأعرابي، ما كنت بالذي أفعل أو تقيم البينة، قال: فضربه علي ﵇ ضربة (فاجتمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه، وقال بعض أهل العراق: بل قطع منه عضوًا) ، قال: فقال النبي ﷺ : ((ما حملك على هذا يا علي؟)) فقال: يا رسول الله نصدقك على الوحي من السماء، ولا نصدقك على أربعمائة درهم.

стр. 15643

٢- قال محمد بن علي بن الحسين (١) : جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فادعى عليه سبعين درهمًا ثمن ناقة باعها منه، فقال: قد أوفيتك، فقال: ((اجعل بيني وبينك رجلًا يحكم بيننا)) فأقبل رجل من قريش، فقال رسول الله ﷺ ، ((احكم بيننا)) فقال للأعرابي: ما تدعي علي رسول الله؟ قال: سبعين درهمًا ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول الله؟ قال: ((قد أوفيته)) فقال للأعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني، فقال لرسول الله: ألك بينة على أنك قد أوفيته؟ قال: لا، قال للأعرابي: أتحلف أنك لم تستوف حقك وتأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ((لأتحاكمن مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم الله ) فأتى رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵇ ومعه الأعرابي، فقال علي ﵇: ما لك يا رسول الله؟ قال: ((يا أبا الحسن احكم بيني وبين هذا الأعرابي)) فقال علي ﵇: يا أعرابي ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهمًا ثمن ناقة بعتها منه، قال: ما تقول يا رسول الله؟ قال: ((قد أوفيته ثمنها)) فقال: يا أعرابي أصدق رسول الله ﷺ فيما قال؟ قال: لا، ما أوفاني شيئًا، فأخرج علي ﵇ سيفه فضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : ((لم فعلت يا علي ذلك؟)) فقال: يا رسول الله نحن نصدقك على أمر الله ونهيه وعلى أمر الجنة والنار والثواب والعقاب ووحي الله ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي وإني قتلته؛ لأنه كذبك لما قلت له: أصدق رسول الله فيما قال؟ فقال: لا، ما أوفاني شيئًا، فقال الرسول ﷺ : ((أصبت يا علي، فلا تعد إلى مثلها)) ، ثم التفت إلى القرشي وكان قد تبعه، فقال: ((هذا حكم الله لا ما حكمت به)) .

стр. 15644

تقريب الدلالة: تحاكم النبي ﷺ مع الأعرابي إلى رجال من أصحابه مع أنهم لم يكونوا قضاة يدل على جواز التحكيم ومشروعيته، إلا أنه لم يثبت صحة سند الأول اللهم إلا أن يقال: إنهما مشهوران ورواهما الإمامية في كتبها كما قال السيد المرتضى (١) : (قد روت الشيعة أيضًا عن ابن جريح عن الضحاك عن ابن عباس قال: ((خرج رسول الله ﷺ من منزل عائشة ...)) ، فعلى هذا تكون الروايتان معتبرتين، مع أنه يكفي صحة سند الثاني، إذ طريق الصدوق إلى قضايا أمير المؤمنين ﵇ معتبر إن قيل: إن النبي ﷺ إذا رد الحكم إلى رجل صار قاضيًا منصوبًا. قلنا – ما ورد في الروايتين هو التحاكم إلى رجال، والرضا بتحكيمهم، وبهذا لا يصير المحكم قاضيًا. ٨- تحاكم الصحابة: قال في المسالك (٢) : وقد وقع في زمن الصحابة ولم ينكر أحد منهم ذلك.. قال ابن قدامة (٣) : ولأن عمر وأبيًّا التحاكم إلى زيد (٤) ، وحاكم عمر أعرابيًّا إلى شريح قبل أن يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم، ولم يكونوا قضاة. ٩- قال النسائي (٥) : أخبرنا قتيبة قال: حدثنا يزيد - وهو ابن المقدام بن شريح - عن شريح بن هانئ عن أبيه، أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ سمعه وهم يكنون هانئًا أبا الحكم، فدعاه رسول الله فقال له: ((إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟)) فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: ((ما أحسن من هذا، فما لك من الولد؟)) قال: لي شريح وعبد الله ومسلم. قال: ((فمن أكبرهم؟)) قال: شريح، قال: ((فأنت أبو شريح)) ، فدعا له ولولده، هذا وإنما يكون عمل الصحابي حجة إذا كشف عن رأي المعصوم (ع) . ١٠ – عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: استدل في كشف اللثام (٦) على مشروعيته بما دل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويرده أن الحكم والقضاء غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الحكم والقضاء إنشاء الحكم الجزئي على شيء مخصوص، وهذا يغاير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ ليس في الأمر والنهي وإنشاء الحكم.

стр. 15645

١١- الآيات الواردة في النهي عن الحكم بغير ما أنزل الله، والأمر بالحكم بالعدل: منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النساء:٥٨] . فإن المستفاد منها صحة الحكم بالعدل والحق من كل مؤمن ولو لم يكن قاضيًا، وإنما الذم على الحكم بغير ما أنزل الله. أقول: وإن استدل بها في كشف اللثام (١) ، ولكن الظاهر منها الورود في مورد حرمة الحكم بغير العدل والحق لا في بيان صحة الحكم والقضاء من كل أحد، فصحة الحكم تتوقف على دليل آخر. وقيل بعدم جواز التحكيم وعدم نفوذ الحكم المحكم: قال العلامة في التحرير (٢) : ولو تراضى خصمان بواحد من الرعية وترافعا إليه فحكم لم يلزمهما الحكم، ولكن قال بلزومه في القواعد (٣) والإرشاد (٤) . قال في الروضة على ما حكي عنها في الجواهر (٥) : هل يجوز أن يحكم الخصمان رجلًا غير القاضي؟ وهل لحكمه بينها اعتبار؟ قولان، أظهرهما عند الجمهور نعم، وخالفهم الإمام والغزالي فرجحا المنع. واستدل على المنع بوجهين: ١- لو جاز التحكيم يلزم توفيت الولاية على القاضي المنصوب، وتفويت رأيه ونظره (٦) ويرده أنه لا ملازمة بين جواز التحكيم وتفويت الولاية والرأي، إذ القاضي منصوب على القضاة والحكومة، وله ولاية على الحكم ولو لم يراجعه أحد، وأما تفويت الرأي فهو أيضًا لا يلزم؛ إذ التفويت في حكم ولم يعمل به، وأما فيما لم يحكم ولم ينظر فليست تفويت، وإلا يلزم من نصب قاض تفويت رأي القاضي المنصوب قبله، وهو كما ترى. ٢- أن جواز التحكيم على خلاف الأصل، إذ الأصل عدم نفوذ حكم أحد إلا ما خرج بالدليل (٧) ، ويرده أن الدليل قام على جوازه، فخرج من الأصل بالدليل.

стр. 15646

شرائط قاضي التحكيم القول في شرائط قاضي التحكيم: ١- البلوغ: قال الشهيد الثاني: واعلم أن الاتفاق واقع على أن قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط (١) . وقال في الروضة: فإن استجماعه لشرائط الفتوى شرط إجماعًا، وكذا بلوغه وعقله وطهارة مولده وغلبة حفظته وعدالته (٢) . قال المحقق: ويشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب (٣) . وقال الشهيد الأول في الدروس: ويشترط استجماع الشرائط (٤) . ولكن قال في اللمعة: ولا بد من الكمال والعدالة وأهلية الإفتاء والذكورة والكتابة والبصر إلا في قاضي التحكيم (٥) . قال في الجواهر: نعم يتجه اعتبار ما كان دليله عامًّا لمثله من الشرائط كالبلوغ والإسلام ونحوهما (٦) . والدليل على اشتراط البلوغ في قاضي التحكيم، مضافًا إلى الإجماع المنقول (وإن كان فيه تأمل) أن ما يدل على جواز التحكيم يختص بالبالغ، ولا إطلاق فيه بحيث يشمل الصبي، فالأصل عدم نفوذ حكم الصبي. ٢- العقل: ظهر مما تقدم في البلوغ أن اشتراط العقل إجماعي كما في المسالك والروضة. والدليل على ذلك انصراف أدلة جواز التحكيم عن المجنون، وهذا لا الإشكال فيه، وعن السفيه أيضًا. ٣- العدالة: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] ، والفاسق ظالم، والاحتكام إليه ركون إلى الظالم وهو منهي عنه، مع أنه ادعي عليه الإجماع. ٤- الذكورة: قال الشهيد الثاني: وأما الذكورية فلم ينقل أحد فيها خلافًا، ويبعد اختصاص قاضي التحكيم بعدم اشتراطها وإن كان محتملًا (٧) . والدليل على اشتراطها اختصاص الأدلة بها، إذ ورد فيها (فيتراضيان برجل منا) ، فلا إطلاق فيها حتى تشمل الأنثى، فمقتضى الأصل عدم نفوذ حكم الأنثى، اللهم إلا أن يقال: إن ذكر الرجل هنا إنما هو باعتباره عنوانًا مشيرًا.

стр. 15647

٥- طهارة المولد: ادعي الإجماع على اعتبارها في قاضي التحكيم كما تقدم. واستدل على ذلك بأن قوله: (فيتراضيان برجل منا) ينصرف إلى غير ولد الزنا، وليس هنا ما يدل على نفوذ حكمه (١) وفيه أنه لا وجه للانصراف، إذ ولد الزنا الذي يكون مؤمنًا يصدق عليه أنه رجل منا بلا إشكال، فيشمله الدليل، فحكمه نافذ، فالأقوى أنه لا يشترط طهارة المولد في قاضي التحكيم. وأما الإجماع فيحتمل كونه مدركيًّا فلا حجة. ٦- غلبة الحفظ والضبط: والدليل على انصراف الأدلة عن غير الضابط. وفيه: أن التحكيم في واقعة لا يحتاج إلى غلبة الحفظ والضبط، إلا أن يكون غير ضابط ولو في قضية واحدة. ٧- الكتابة: والدليل على ذلك الإجماع، ولكنه يحتمل كونه مدركيًّا، وإطلاق الأدلة يردها. ٨ - البصر: الكلام فيه كالكلام في الكتابة. ٩ - الاجتهاد: المشهور هو اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم بل ادعي عليه الإجماع. وقيل بعدم اعتبار الاجتهاد فيه (٢) ، وهو الأقوى. واستدل بعدم اعتباره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، فإن المستفاد منه صحة الحكم بالعدل من كل مؤمن ولو لم يكن مجتهدًا. وبإطلاق الروايات الدالة على جواز التحكيم (كصحيحة الحلبي وغيرها) فتدل على صحة حكم قاضي التحكيم ولو لم يكن مجتهدًا.

стр. 15648

شرائط التحكيم هل يشترط في جواز التحكيم عدم وجود الإمام أو القاضي المنصوب من قبله في البلد أم لا؟ المشهور عدم الاشتراط، بل لا أجد فيه خلافًا إلا ما حكي في الجواهر (١) عن بعض الفقهاء. قال في االدروس (٢) : قضاء التحكيم وهو سائغ وإن كان في البلد قاض. وقال في القواعد (٣) : والتحكيم سائغ وإن كان في البلد قاض. وقال في الروضة (٤) : قاضي التحكيم وهو الذي تراضى به الخصمان للحكم بينهما مع وجود قاض منصوب من قبل الإمام. وقال في كشف اللثام (٥) : لو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعية فحكم بينهما جاز عندنا وإن كان الإمام حاضرًا أو هناك قاض منصوب منه. والدليل على عدم الاشتراط إطلاق الأدلة الدالة على جواز التحكيم إلا أن يقال: إن الروايات صدرت في زمن عدم وجود قاض منصوب من قبل الإمام، وعدم بسط يده فلا إطلاق في البين، فالقدر المتيقن من جواز التحكيم هو عدم وجود قاض منصوب، فتأمل. هل يشترط في نفوذ حكمه تراضي الخصمين بالحكم بعده أم لا؟ فيه قولان: ١- عدم الاشتراط، قال به الشيخ (٦) ، والمحقق (٧) ، والشهيد الأول (٨) ، والثاني (٩) ، والعلامة (١٠) ، بل لم أجد خلافًا فيه عندنا، وبه قال أيضًا أبو حنيفة (١١) ، وابن قدامة (١٢) ، وهو أحد قولي الشافعي (١٣) . أدلة القول الأول: روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من حكم بين اثنين تراضيًا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله)) (١٤)

стр. 15649

تقريب الدلالة: لولا أن حكمه بينهما لازم لما تواعده باللعن (١) . أقول: لا دلالة فيه على لزوم الحكم من دون رضا الخصمين، إذ يمكن أن يكون اللعن لأجل الحكم بغير العدل ولو لم يكن حكمه نافذًا بدون رضاهما، فالموجب للعن هو الحكم بغير العدل سواء كان لازمًا أو غير لازم. لو كان الحكم لا يلزم بنفس الإلزام لما كان للترافع إليه معنى (٢) . قد يقال: تقييد لزوم الحكم برضا الخصمين به لا يوجب اللغوية، إذ يكفي فيه لزومه بعد رضاهما به إلا أنه جواب غير تام. علي بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) : انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئًا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيًا، فتحاكموا إليه (٣) .. تقريب الدلالة: أن الرواية ناظرة إلى قاضي التحكيم؛ لأن قوله: (فإني قد جعلته قاضيًا) متفرع على قوله: (فاجعلوه بينكم) وهو القاضي المجعول من قبل المتخاصمين، فإذا تحاكما إليه فهو قاض، لقوله (ع) : (قد جعلته قاضيًا) وحكم القاضي لازم ونافذ، فلا يشترط فيه رضا الخصمين. والرواية معتبرة من حيث السند، فهذه المعتبرة تدل على عدم اشتراط تراضي الخصمين بالحكم في لزوم حكم قاضي التحكيم بعد حكمه. ويدل على عدم اعتبار رضا الخصمين في لزوم الحكم مقبولة عمر بن حنظلة الآتية في أدلة مشروعية التحكيم، فإن قوله (ع) : (فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله) ظاهر في لزوم الحكم من دون رضا الخصمين، بل ولا يجوز للخصمين رده فإنه استخفاف بحكم الله. دليل القول الثاني: لا يلزم الخصمين حكم قاضي التحكيم إلا بتراضيهما؛ لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به، ولا يكون الرضا إلا بعد المعرفة بالحكم (٤) . ويرده أنه مصادرة على المطلوب؛ إذ قوله: (لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به) عين المدعى، وهو أول الكلام، وما الدليل على ذلك؟ فالدليل عين المدعى، ولا يثبت المطلوب.

стр. 15650

ما يجري فيه التحكيم اختلف الفقهاء فيما يجري فيه التحكيم على أقوال: ١- جواز التحكيم في كل الأحكام: قال به المحقق (١) ، والعلامة (٢) والشهيد الأول (٣) ، وكاشف اللثام (٤) ، وهو المحكي عن ظاهر كلام أحمد (٥) ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي (٦) ، واختاره صاحب الجواهر (٧) ، على القول بالمشروعية. ٢- جواز التحكيم في جميع ما يقع فيه التداعي، وعدم جوازه في حقوق الله المحضة التي ليس لها خصم معين، ولا يقع التداعي فيها.. اختاره الشهيد الثاني (٨) . ٣- جواز التحكيم في جميع الأحكام إلا أربعة أشياء: النكاح: واللعان والقذف والقصاص. وهو المحكي عن القاضي (٩) وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي (١٠) . ٤- جواز التحكيم في الأموال فقط. نقله صاحب الجواهر (١١) عن الروضة عن بعض الفقهاء. والمختار من هذه الأقوال هو القول الثاني والدليل على ذلك إطلاق الأدلة، إذ قوله ﷺ : ((فتحاكموا إليه)) مطلق يشمل جميع ما يقع فيه التحاكم والتداعي، نعم يختص بما يقع فيه التحاكم والتداعي، وأما ما لا تداعي فيه ولا تحاكم كحقوق الله تعالى فلا دليل على نفوذ حكمه فيه. أما ما يمكن أن يستدل على القول الأول بأنه داخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيرده أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يغاير الحكم والقضاء، ولو سلم فلا دليل على جواز التحكيم فما ليس له خصم معين من قبل المحكمين حتى يقال بجواز حكم من باب النهي عن المنكر. وأما سائر الأدلة فلا عموم لها بالنسبة إلا ما لا يقع فيه التداعي. واستدل على القول الثالث بأن لهذه الأحكام (النكاح واللعان والقذف والقصاص) مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه ((١٢) . ويرده: أولًا: لو قلنا باشتراط جواز التحكيم بعدم وجود الإمام أو القاضي المنصوب من قبله يلزم أن تعطل هذه الأحكام. وثانيًا: ورود الدليل على جواز التحكيم يكشف عن الإذن العام في النظر في هذه الأحكام لقاضي التحكيم. وثالثًا: نحن ننكر وجود مزية فيها على غيرها، بل يمكن أن يقال: إن في بعض الأحكام غير هذه الأربعة مزية على هذه الأربعة كالطلاق، والسرقة. والقول الرابع: قول بلا دليل، ويرده عمومات الأدلة.
следующие страницы →