← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15646–15685 · переход к 15651.

стр. 15646

شرائط قاضي التحكيم القول في شرائط قاضي التحكيم: ١- البلوغ: قال الشهيد الثاني: واعلم أن الاتفاق واقع على أن قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط (١) . وقال في الروضة: فإن استجماعه لشرائط الفتوى شرط إجماعًا، وكذا بلوغه وعقله وطهارة مولده وغلبة حفظته وعدالته (٢) . قال المحقق: ويشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب (٣) . وقال الشهيد الأول في الدروس: ويشترط استجماع الشرائط (٤) . ولكن قال في اللمعة: ولا بد من الكمال والعدالة وأهلية الإفتاء والذكورة والكتابة والبصر إلا في قاضي التحكيم (٥) . قال في الجواهر: نعم يتجه اعتبار ما كان دليله عامًّا لمثله من الشرائط كالبلوغ والإسلام ونحوهما (٦) . والدليل على اشتراط البلوغ في قاضي التحكيم، مضافًا إلى الإجماع المنقول (وإن كان فيه تأمل) أن ما يدل على جواز التحكيم يختص بالبالغ، ولا إطلاق فيه بحيث يشمل الصبي، فالأصل عدم نفوذ حكم الصبي. ٢- العقل: ظهر مما تقدم في البلوغ أن اشتراط العقل إجماعي كما في المسالك والروضة. والدليل على ذلك انصراف أدلة جواز التحكيم عن المجنون، وهذا لا الإشكال فيه، وعن السفيه أيضًا. ٣- العدالة: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] ، والفاسق ظالم، والاحتكام إليه ركون إلى الظالم وهو منهي عنه، مع أنه ادعي عليه الإجماع. ٤- الذكورة: قال الشهيد الثاني: وأما الذكورية فلم ينقل أحد فيها خلافًا، ويبعد اختصاص قاضي التحكيم بعدم اشتراطها وإن كان محتملًا (٧) . والدليل على اشتراطها اختصاص الأدلة بها، إذ ورد فيها (فيتراضيان برجل منا) ، فلا إطلاق فيها حتى تشمل الأنثى، فمقتضى الأصل عدم نفوذ حكم الأنثى، اللهم إلا أن يقال: إن ذكر الرجل هنا إنما هو باعتباره عنوانًا مشيرًا.

стр. 15647

٥- طهارة المولد: ادعي الإجماع على اعتبارها في قاضي التحكيم كما تقدم. واستدل على ذلك بأن قوله: (فيتراضيان برجل منا) ينصرف إلى غير ولد الزنا، وليس هنا ما يدل على نفوذ حكمه (١) وفيه أنه لا وجه للانصراف، إذ ولد الزنا الذي يكون مؤمنًا يصدق عليه أنه رجل منا بلا إشكال، فيشمله الدليل، فحكمه نافذ، فالأقوى أنه لا يشترط طهارة المولد في قاضي التحكيم. وأما الإجماع فيحتمل كونه مدركيًّا فلا حجة. ٦- غلبة الحفظ والضبط: والدليل على انصراف الأدلة عن غير الضابط. وفيه: أن التحكيم في واقعة لا يحتاج إلى غلبة الحفظ والضبط، إلا أن يكون غير ضابط ولو في قضية واحدة. ٧- الكتابة: والدليل على ذلك الإجماع، ولكنه يحتمل كونه مدركيًّا، وإطلاق الأدلة يردها. ٨ - البصر: الكلام فيه كالكلام في الكتابة. ٩ - الاجتهاد: المشهور هو اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم بل ادعي عليه الإجماع. وقيل بعدم اعتبار الاجتهاد فيه (٢) ، وهو الأقوى. واستدل بعدم اعتباره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، فإن المستفاد منه صحة الحكم بالعدل من كل مؤمن ولو لم يكن مجتهدًا. وبإطلاق الروايات الدالة على جواز التحكيم (كصحيحة الحلبي وغيرها) فتدل على صحة حكم قاضي التحكيم ولو لم يكن مجتهدًا.

стр. 15648

شرائط التحكيم هل يشترط في جواز التحكيم عدم وجود الإمام أو القاضي المنصوب من قبله في البلد أم لا؟ المشهور عدم الاشتراط، بل لا أجد فيه خلافًا إلا ما حكي في الجواهر (١) عن بعض الفقهاء. قال في االدروس (٢) : قضاء التحكيم وهو سائغ وإن كان في البلد قاض. وقال في القواعد (٣) : والتحكيم سائغ وإن كان في البلد قاض. وقال في الروضة (٤) : قاضي التحكيم وهو الذي تراضى به الخصمان للحكم بينهما مع وجود قاض منصوب من قبل الإمام. وقال في كشف اللثام (٥) : لو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعية فحكم بينهما جاز عندنا وإن كان الإمام حاضرًا أو هناك قاض منصوب منه. والدليل على عدم الاشتراط إطلاق الأدلة الدالة على جواز التحكيم إلا أن يقال: إن الروايات صدرت في زمن عدم وجود قاض منصوب من قبل الإمام، وعدم بسط يده فلا إطلاق في البين، فالقدر المتيقن من جواز التحكيم هو عدم وجود قاض منصوب، فتأمل. هل يشترط في نفوذ حكمه تراضي الخصمين بالحكم بعده أم لا؟ فيه قولان: ١- عدم الاشتراط، قال به الشيخ (٦) ، والمحقق (٧) ، والشهيد الأول (٨) ، والثاني (٩) ، والعلامة (١٠) ، بل لم أجد خلافًا فيه عندنا، وبه قال أيضًا أبو حنيفة (١١) ، وابن قدامة (١٢) ، وهو أحد قولي الشافعي (١٣) . أدلة القول الأول: روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من حكم بين اثنين تراضيًا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله)) (١٤)

стр. 15649

تقريب الدلالة: لولا أن حكمه بينهما لازم لما تواعده باللعن (١) . أقول: لا دلالة فيه على لزوم الحكم من دون رضا الخصمين، إذ يمكن أن يكون اللعن لأجل الحكم بغير العدل ولو لم يكن حكمه نافذًا بدون رضاهما، فالموجب للعن هو الحكم بغير العدل سواء كان لازمًا أو غير لازم. لو كان الحكم لا يلزم بنفس الإلزام لما كان للترافع إليه معنى (٢) . قد يقال: تقييد لزوم الحكم برضا الخصمين به لا يوجب اللغوية، إذ يكفي فيه لزومه بعد رضاهما به إلا أنه جواب غير تام. علي بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) : انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئًا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيًا، فتحاكموا إليه (٣) .. تقريب الدلالة: أن الرواية ناظرة إلى قاضي التحكيم؛ لأن قوله: (فإني قد جعلته قاضيًا) متفرع على قوله: (فاجعلوه بينكم) وهو القاضي المجعول من قبل المتخاصمين، فإذا تحاكما إليه فهو قاض، لقوله (ع) : (قد جعلته قاضيًا) وحكم القاضي لازم ونافذ، فلا يشترط فيه رضا الخصمين. والرواية معتبرة من حيث السند، فهذه المعتبرة تدل على عدم اشتراط تراضي الخصمين بالحكم في لزوم حكم قاضي التحكيم بعد حكمه. ويدل على عدم اعتبار رضا الخصمين في لزوم الحكم مقبولة عمر بن حنظلة الآتية في أدلة مشروعية التحكيم، فإن قوله (ع) : (فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله) ظاهر في لزوم الحكم من دون رضا الخصمين، بل ولا يجوز للخصمين رده فإنه استخفاف بحكم الله. دليل القول الثاني: لا يلزم الخصمين حكم قاضي التحكيم إلا بتراضيهما؛ لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به، ولا يكون الرضا إلا بعد المعرفة بالحكم (٤) . ويرده أنه مصادرة على المطلوب؛ إذ قوله: (لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به) عين المدعى، وهو أول الكلام، وما الدليل على ذلك؟ فالدليل عين المدعى، ولا يثبت المطلوب.

стр. 15650

ما يجري فيه التحكيم اختلف الفقهاء فيما يجري فيه التحكيم على أقوال: ١- جواز التحكيم في كل الأحكام: قال به المحقق (١) ، والعلامة (٢) والشهيد الأول (٣) ، وكاشف اللثام (٤) ، وهو المحكي عن ظاهر كلام أحمد (٥) ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي (٦) ، واختاره صاحب الجواهر (٧) ، على القول بالمشروعية. ٢- جواز التحكيم في جميع ما يقع فيه التداعي، وعدم جوازه في حقوق الله المحضة التي ليس لها خصم معين، ولا يقع التداعي فيها.. اختاره الشهيد الثاني (٨) . ٣- جواز التحكيم في جميع الأحكام إلا أربعة أشياء: النكاح: واللعان والقذف والقصاص. وهو المحكي عن القاضي (٩) وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي (١٠) . ٤- جواز التحكيم في الأموال فقط. نقله صاحب الجواهر (١١) عن الروضة عن بعض الفقهاء. والمختار من هذه الأقوال هو القول الثاني والدليل على ذلك إطلاق الأدلة، إذ قوله ﷺ : ((فتحاكموا إليه)) مطلق يشمل جميع ما يقع فيه التحاكم والتداعي، نعم يختص بما يقع فيه التحاكم والتداعي، وأما ما لا تداعي فيه ولا تحاكم كحقوق الله تعالى فلا دليل على نفوذ حكمه فيه. أما ما يمكن أن يستدل على القول الأول بأنه داخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيرده أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يغاير الحكم والقضاء، ولو سلم فلا دليل على جواز التحكيم فما ليس له خصم معين من قبل المحكمين حتى يقال بجواز حكم من باب النهي عن المنكر. وأما سائر الأدلة فلا عموم لها بالنسبة إلا ما لا يقع فيه التداعي. واستدل على القول الثالث بأن لهذه الأحكام (النكاح واللعان والقذف والقصاص) مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه ((١٢) . ويرده: أولًا: لو قلنا باشتراط جواز التحكيم بعدم وجود الإمام أو القاضي المنصوب من قبله يلزم أن تعطل هذه الأحكام. وثانيًا: ورود الدليل على جواز التحكيم يكشف عن الإذن العام في النظر في هذه الأحكام لقاضي التحكيم. وثالثًا: نحن ننكر وجود مزية فيها على غيرها، بل يمكن أن يقال: إن في بعض الأحكام غير هذه الأربعة مزية على هذه الأربعة كالطلاق، والسرقة. والقول الرابع: قول بلا دليل، ويرده عمومات الأدلة.

стр. 15651

الرجوع عن التحكيم هل يجوز للخصمين الرجوع عن التحكيم قبل الحكم أم لا؟ لم أجد خلافًا بين الفقهاء في جواز رجوع كل واحد من الخصمين عن تحكيمه قبل شروع الحكم في حكمه. واستدل بأنه لا يثبت إلا برضاه فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف (١) . ويرده بأن الرضا بأصل التحكيم موجود، وأما استمرار رضاهما فهو أول الكلام، والدليل عين المدعي، وأما القياس بالتوكيل فباطل؛ لأنه يغاير التوكيل.. والذي يقوى في النفس وإن لم نجد موافقًا هو أنه لا يجوز الرجوع عن التحكيم ولو قبل شروع الحكم، والدليل على ذلك قوله: (فاجعلوه بينكم فإني جعلته قاضيًا) فبمجرد التحكيم صار المحكم قاضيًا، وعزله عن التحكيم يحتاج إلى دليل، وهو مفقود، نعم للخصمين، أن ينصرفا عن التنازع والتداعي، وأما عزل الحكم فلا. رجوع الحكم عن حكمه إذا حكم القاضي بعد تحكيمه لا يجوز له الرجوع عن حكمه الذي حكم بالحق والعدل؛ لأنه بعد التحكيم يطلق عليه القاضي، وحكم القاضي لا يجوز نقضه سواء كان النقض من قبله أو من قبل آخر، ويدل عليه مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال: (فإنما استخف بحكم الله) ، فإن هذا التعليل يجري في رجوعه عن حكم أيضًا، وأما إذا عم ببطلان حكمه، وأنه حكم بغير الحق فيجب عليها الرجوع عن حكمه، إذ ورد النهي عن الحكم بغير الحق. رجوع الحكم عن الحكم لأحدهما بمحل النزاع والحكم الآخر: ظهر في المسألة السابقة حكم هذه المسألة، بأنه لو حكم بالحق فلا يجوز الرجوع، ولو رجع وحكم للآخر صار ممن حكم بغير الحق والعدل وبغير ما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وأما لو تبين له أن حكمه الأول حكم بغير الحق فيجب عليه الرجوع والحكم الآخر بالحق والعدل وإلا فهو ممن لم يحكم بما أنزل الله، وحكمه الأول كلا حكم، ويدل عليه ما ورد في تحاكم النبي ﷺ مع الأعرابي.

стр. 15652

تنفيذ حكم المحكمة مباشرة أو باتصال القضاء به: يستفاد من الأدلة الدالة على جواز التحكيم أن قاضي التحكيم يجوز له تنفيذ الحكم وإجراؤه بالمباشرة سيما ما ورد في تحاكم النبي ﷺ مع الأعرابي، ولا يحتاج إلى تنفيذ القاضي المنصوب، نعم للقاضي المنصوب تنفيذه وإجراؤه لو لم يكن لقاضي التحكيم سلطة عليه؛ لأنه حكم صدر من أهله، ولا يجوز تعطيله، إذ يلزم الاستخفاف بحكم الله، ومع ذلك كله قال العلامة (١) : (وهل له الحبس واستيفاء العقوبة إشكال) والظاهر أن التنفيذ إذا كان يعني تدخلًا في شأن حكومي لزم اتصال القضاء به. مشروعية التحاكم إلى الاثنين هل يجوز التحاكم إلى اثنين من الرعية ليكونا ناظرين معًا في قضية واحدة أم لا؟ لم أجد من تعرض لهذه المسألة من الفقهاء، إلا أن مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة، ومعتبرة داود بن الحصين المتقدمتين في مشروعية التحكيم جوازه، فعلى هذا يجتمعان وينظران في القضية وإذا اتفقا حكما معًا، وحكمهما لازم ونافذ على المتخاصمين. ثم إن التحاكم إلى الاثنين يتصور تارة بأن يختار الخصمان معًا كلاهما، وأخرى أن يختار كل واحد من الخصمين رجلًا ليكونا ناظرين في حقهما، وما ورد في المقبولة هو الثاني، وفي معتبرة داود بن الحصين هو الأول. إذا حكم الخصمان رجلين في واقعة، واختلف في الحكم حكم أيهما يمضي؟ مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة ومعتبرة داود بن الحصين صحة حكم أعدلهما وافقههما وأصدقهما وأورعهما وعدم نفوذ حكم الآخر.

стр. 15653

احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية في دولة إسلامية: المسألة ذات صور: ١- لو تحاكم ذميان من أهل ملة واحدة كأهل التوراة مثلًا إلى محاكم إسلامية من دون التحاكم إلى حكام أهل ملتهما: لا خلاف عندنا كما في الجواهر (١) ، بل عليه الإجماع كما في السرائر (٢) بأن الحاكم بالخيار في ذلك: إن شاء حكم، وإن شاء ترك، وحكي عن الشافعي في أحد قوليه (٣) وبه قال ابن قدامة (٤) وحكي عن الشافعي (٥) ، وأبي حنيفة (٦) ، والمزني (٧) وجوب الحكم على الحاكم، وقال به البيضاوي (٨) . استدل على القول الأول بوجهين: أولًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] . وأورد عليه البيضاوي (٩) بأن الآية ليست في أهل الذمة. أقول: وإن لم تكن الآية في أهل الذمة فليست مختصة بغيرهم، بل هي مطلقة تشمل أهل التوراة سواء كانوا ذميين أم لا. نعم يرد عليه أولًا: أن الآية مختصة ظاهرًا بالنبي ﷺ ، وإسراء حكمها إلى سائر الحكام يحتاج إلى دليل. وثانيًا: مختصة بأهل التوراة، فلا تشمل سائر أهل الكتاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ [المائدة: ٤٣] . وحكي عن الحسن (١٠) أنه قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فنسخ الاختيار، وأوجب الحكم بينهم.. ويرد عليه على أن النسخ يحتاج إلى دليل، وهو مفقود، والجمع بين الآيتين ممكن عرفًا بأن الآية الأولى وردت في مورد أصل الحكم بينهم، وهذه الآية وردت في مورد أنه يجب الحكم بما أنزل الله لا في مورد أصل الحكم أي إذا أردت أن تحكم فاحكم بينهم بما أنزل الله.

стр. 15654

ب- ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن سويد بن سعيد القلا عن أيوب عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) : (أن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل تحاكمون إليه كان ذلك إليه: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء تركهم) (١) . تقريب الدلالة: قوله (ع) : (إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل ...) مطلق سواء كانوا ذميين أم لا، وقوله (ع) : (كان ذلك إليه ...) يدل على التخيير. قال ابن إدريس (٢) : هذا الخبر صحيح. ولكن لم يثبت لنا صحة سنده، لتردد أبي بصير بين الثقة والمجهول اللهم إلا أن يقال بجبره لعمل الأصحاب، ومشهورية الحكم عنده. ج- الأصل: مقتضى الأصل عدم وجوب الحكم على الحاكم، إذن فيتخير بين الحكم والترك وهذا على المناقشة في الوجهين، ,وإلا لم تصل النوبة؛ لأنه في مقام الشك في الحكم، على أننا لو تصورنا المسألة في دولة إسلامية يلتزم فيها أهل الذمة بشروطها أمكننا القول بالوجوب من باب الحسبة. واستدل على القول الثاني بوجهين: أ- قال البيضاوي (٣) : والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميًّا؛ لأنا التزمنا الذب عنهم، ودفع الظلم منهم. ب- حكي عن الشافعي (٤) أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم. يرد عليه أنه ليس كل صغار مما يجب أن يجري عليهم، بل إما الصغار الذي يحصل من إعطاء الجزية، وإما الصغار الذي يرى الإمام إجراءاه عليهم، والصغار الحال من الحكم عليه بحكم الإسلام لا دليل على وجوب إجرائه عليهم، هذا أولًا.

стр. 15655

وثانيًا: أنه يتوقف على وجوب الحكم بمقتضى شريعة الإسلام، والكلام فيه يأتي. وثالثًا: وإن كان الحكم بمقتضى الشريعة صغارًا على المحكوم عليه، ولكنه ليس كذلك بالنسبة إلى المحكوم له، بل عزة له. ورابعًا: لو كان إجراء الصغار واجبًا عليهم مطلقًا فلم كان رسول الله صلى الله علبه وسلم مخيرًا في الحكم بينهم. هذا كله في أصل الحكم بينهم من التخيير أو الوجوب والثاني هو الظاهر في حالة قيام دولة إسلامية. وأما إذا حكم الحاكم بينهم إما وجوبًا وإما تخييرًا فبمقتضى أي شريعة يحكم بينهم؟ الظاهر أنه لا خلاف بيننا في أنه إن حكم فلا يجوز له أن يحكم إلا بما تقتضه شريعة الإسلام وعدله، ولا يجوز له أن يحكم إلا بالحق. قال العلامة (١) : ولو ترافعوا إلينا في خصوماتهم تخير الحاكم بين الحكم بشرع الإسلام وردهم إلى أهل نحلتهم ليحكموا بمقتضى شرعهم. قال صاحب الجواهر (٢) : لو تحاكم إلينا ذميان مثلًا كان الحاكم مخيرًا بين الحكم عليهما بحكم الإسلام، وبين الإعراض عنهم بلا خلاف أجده فيه بيننا. وحكي ذلك عن أبي حنيفة (٣) ، وبه قال الماوردي (٤) وأبو يعلى (٥) ، وابن قدامة (٦) . واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] . ولكن لا دلالة فيها على وجوب الحكم بمقتضى شريعة الإسلام، إذ ليست في مقام بيان مستند الحكم، بل وردت في مورد لزوم الحكم بالعدل، فلو دل دليل على جواز الحكم بمقتضى شريعتهم فلا ينافي كونه حكمًا بالقسط. وبقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] . وهذه أيضا لاتدل على المدعى إذ الحكم بمقتضى شريعة التوراة والإنجيل حكم بما أنزل الله وليس في الآية ما يعين المراد مما أنزل الله بأنه ما أنزل الله على محمد ﷺ فالآية مطلقة. وبقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] . هي كالآية التي قبلها في الدلالة فلا نعيدها.

стр. 15656

إن قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] قرينتان على حمل ما أنزل الله على ما أنزل الله على محمد ﷺ . قلنا: لا قرينة فيهما؛ إذ يحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] أي: لا تتبع أهواءهم في الحكم بغير ما أنزل الله عما جاءك من الحق أي من الحكم بما أنزل الله، ومن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] أي ما أنزل الله إليك من الحكم بما أنزل الله فالآيتان مطلقتان. نعم يمكن أن يقال: إنهما محفوفتان بما يتحمل القرينة، فتكونان مجملتين، والقدر المتيقن هو الحكم بمقتضى شريعة الإسلام. ٢- لو تحاكم ذميان من أهل ملة واحدة إلى محاكم إسلامية بعد أن تحاكما إلى حكامهم فقضوا عليهما بالجور أو بالعدل في مذهبهم. قال محمد بن إدريس (١) : إن كان قد قضى عليه بما هو صحيح مذهبهم فقد أمرنا أن نقرهم على أحكامهم، فلا يجوز لنا أن نفسخ حكمهم عليهم، ولا نرده عليهم، ولا نجيبه إلى ما دفعه عن نفسه، وإن كان قد قضى عليه بجور على مذهبهم فنرده؛ لأنا أمرنا أن نقرهم على أحكامهم وما يجوز عندهم دون ما لا يجوز. قال المحقق الثاني (٢) : لو تحاكموا إلى حكامهم فقضوا عليهم بالجور فترافعوا إلينا وجب الحكم بشرع الإسلام. وقال صاحب الجواهر (٣) : الظاهر أنه يجوز له أيضًا نقض حكمهم الباطل إذا استعداه أحد الخصمين. يدل على ذلك ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن ابن قولويه عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن محمد بن الحسين عن يزيد بن إسحاق عن هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (ع) قالت: قلت: رجلان من أهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينهما خصومة، فقضى بينهما حاكم من حكامهما بجور فأبى الذي قضى عليه أن يقبل وسأل أن يرد إلى حكم المسلمين، قال: يرد إلى حكم المسلمين (٤) .

стр. 15657

تقريب الدلالة: قوله: (ع) : (يرد إلى حكم المسلمين) يدل على جواز نقض حكم حاكمهم إذا حكم بالجور لو ترافعوا إلى حكام المسلمين إلا أنه لم يثبت صحة سنده لأجل يزيد بن إسحاق. واستدل أيضًا (١) بعمومات جواز نقض الحكم بتقريب أنه لما كان هذا الحكم حكم جور فيجوز نقضه، بل هو باطل من أصله، فكأنه تحاكم ابتدائي، فيشمله ما دل على جواز الحكم بينهم. ٣- لو تحاكم ذميان من أهل ملتين كاليهودي والنصراني: حكم هذه المسألة ظهر مما ذكرنا في المسألة الأولى، وقد قال المحقق الثاني (٢) : لو كان المتحاكمان من أهل ملتين ولم يتراضيا بحاكم من إحدى الملتين (وجب الحكم) حذرًا من وقوع الفتنة، فإن الدفاع عنهم واجب علينا. ٤- لو تحاكم مستأمنان حربيان من غير أهل الذمة سواء كانا من أهل الكتاب أم من غير أهل الكتاب إلى محاكم إسلامية: قال العلامة على ما حكي عنه (٣) : لا يجب على الحاكم الحكم بينهما إجماعًا؛ لأنه لا يجب على الإمام دفع بعضهم عن بعض بخلاف أهل الذمة؛ ولأن أهل الذمة فإنهم يسكنون دار الإسلام على التأبيد. ٥- لو تحاكم ذمي ومستأمن حربي إلى محاكم إسلامية: قال البيضاوي (٤) الأصح وجوب الحكم إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميًّا؛ لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم. ٦- لو تحاكم مسلم مع ذمي أو مستأمن إلى محاكم إسلامية: قال صاحب الجواهر (٥) : وجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل الله. وقال المحقق الثاني (٦) الأول (من مواضع وجوب الحكم) إذا كان أحد الخصمين مسلمًا، فإنه لا يجوز إجراء حكم الكافر على المسلم. أقول: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وغير ذلك من أدلة حرمة التحاكم إلى الكفار إذا كان المتحاكم مسلمًا، فيتعين التحاكم إلى محاكم إسلامية، فيجب على الحاكم الحكم بينهما بحكم الإسلام.

стр. 15658

احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة هل يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى محاكم غير إسلامية أم لا؟ الظاهر عدم جواز التحاكم للمسلم إلى محاكم غير إسلامية، بل يمكن أن يعد من الضروريات، وتدل على الآيات والروايات: ١- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] . تقريب الدلالة: الاحتكام ركون، والكافر ظالم، فالاحتكام إلى الظالم، وهو منهي عنه. ٢- قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] تقريب الدلالة: الاحتكام إلى الكافر وحكمه على المسلم سبيل للكافر على المسلم، ولم يجعل الله للكافر على المؤمن سبيلًا، فالاحتكام إليه حرام. ٣- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] . تقريب الدلالة: قال في المفردات (١) : والطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] فعبارة عن كل متعد. فالاحتكام إلى الكافر تحاكم إلى الطاغوت وقد أمرنا أن نكفر به فلا يجوز الاحتكام إلى محاكم غير إسلامية. ٤- قوله (ع) : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه (٢) . تقريب الدلالة: إن الاحتكام إلى الكافر يوجب علو الكفر على الإسلام، مع أنه قال (ع) : ((لا يعلى عليه)) ، هذا كله لو لم يلزم من عدم الاحتكام إلى محاكم غير إسلامية حرج أو ضرر، وإلا فيدل على جواز الاحتكام مع الحرج أو الضرر: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . حيث تدل على أن كل حكم يلزم منه الحرج فليس بمجعول، فإطلاق عدم جواز الاحتكام إلى محاكم غير إسلامية بالنسبة إلى حالة الحرج يقيد بالآية، بل الآية حاكمة على أدلة عدم الجواز فتضيق دائرتها. وما رواه محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار وكان منزل الأنصاري بباب البستان فكان يمر به إلى نخله ولا يستأذن، فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلما تأبى، جاء الأنصاري إلى رسول الله ﷺ ، فقال للأنصاري: ((اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار)) (٣) .

стр. 15659

وروي هذا الخبر بطرق مختلفة وعبارات متفاوتة، وروي قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) بدون صدر الحديث أيضًا، وتفصيله موكول إلى محله. هذا الخبر وأمثاله تعطي قاعدة كلية وهي قاعدة (لا ضرر) ، وهذه القاعدة حاكمة على أحكام الإسلام، فكلما لزم من حكم ضرر فهو مرتفع، فعلى هذا إذا لزم من عدم الاحتكام إلى الكفار ضرر نفسي أو مالي أو نحوهما فبحكم هذه القاعدة يجوز الاحتكام. وما رواه محمد بن علي بن الحسين عن محمد بن أحمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول اله ﷺ : ((رفع عن أمته تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الخلق ما لم ينطق بشفة)) (١) . تقريب الدلالة: هذه الصحيحة تدل على جواز الاحتكام في حال الاضطرار والضرورة، إذ كل حكم من الوجوب والحرمة مرفوع عند الاضطرار.

стр. 15660

احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية هل يجوز احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم أو فيما بين المسلمين وغيرهم أم لا؟ ظهر مما قدمنا في المسألة السابقة بأن احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية لا يجوز سواء كان بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم والأدلة على حرمة الاحتكام في المسألة السابقة تجري هنا. نعم كما يجوز للمسلم أن يحتكم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة عند الحرج أو الضرر، أو الاضطرار فكذلك يجوز للمسلمين أن يحتكموا إلى المحكمة الدولية عند الحرج أو الضرر أو الاضطرار، فلا نعيدها. هل يجوز أن يحكم المسلمون في غير البلاد الإسلامية رجلًا منهم، ثم يرفعون نتيجة ذلك إلى المحاكم المحلية غير إسلامية لتكتسي صبغة التنفيذ أم لا؟ حكم هذه المسألة أيضًا ظهر مما تقدم بأنه وإن لم يكن تحاكمًا إلى محاكم غير إسلامية إلا أنه ركون إلى الظالم، وأنه مما يوجب السبيل للكافر على المؤمن، وعلو الكفر على الإسلام، فلا يجوز. نعم ولو لزم من عدم الرفع حرج أو ضرر جاز رفع النتيجة للتنفيذ. الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي نبذة عن تأسيس المحكمتين الدولية والإسلامية: قلنا في مطلع البحث: إن التحكيم قد يشكل ظاهرة بشرية عامة فعرفت الوساطة والتحكيم منذ كانت الأمم وكانت الحروب وقد وضعتا كطريقتين سلميتين لأجل تسوية المنازعات الدولية في اتفاقات مؤتمري لاهاي سنة ١٨٩٩ م وسنة ١٩٠٧ م، وقد أنشئت محكمة التحكيم الدائمة، ومحكمة العدل الدولية بعدها حيث نظمت مجددًا بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة عبر ميثاق خاص بها تمت المصادقة عليه في مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرانسيكسو بتاريخ ٢٦ حزيران ١٩٤٥ م وهي تشكل الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة وتتألف من خمسة عشر قاضيًا تنتخبهم الجمعية العمومية ومجلس الأمن من لائحة مرشحين لمدة تسع سنوات على أن يتغير ثلثهم كل ثلاث سنوات، وقد عينت مدينة لاهاي (هولندا) مركز للمحكمة ولها حق الاختصاص بإعطاء الفتاوى الاستشارية حسب شروط نظامها، والاختصاص للحكم في بعض القضايا المحالة إليها بصورة قضائية لكن اختصاصها القضائي اختياري مبدئيًّا؛ لأن بعض الدول الكبرى رفضت الاختصاص الإلزامي محافظة على حريتها في العمل (١) .

стр. 15661

هذا وقد عملت منظمة المؤتمر الإسلامي على إنشاء محكمة العدل الإسلامية عبر اجتماعات متكررة (١) وقد أعلنت الكويت مقرًّا لها إلا أنها – ومع الأسف – لم ترق إلى مستوى الموافقة المطلوبة من قبل الدول الإسلامية، فإننا لا نستطيع التقويم هنا. إلا أن الملاحظ في المحكمة الدولية أنها قامت على أسس غير قوية خصوصًا بعد ما لاحظناه من فقدان الاختصاص الإلزامي نتيجة سعي الدول الكبرى المؤثرة في الأمم المتحدة كيلا يتم تقييد حريتها في العمل على تحقيق مصالحها الاستعمارية والسلطوية. وهناك بعض النداءات التي تدعو لإعادة بنائها على أسس حقوقية دولية أكثر متانة وأقرب إلزامًا. والذي يبدو لنا أيضًا أن النظام الأساسي للمحكمة الإسلامية فيه بعض الثغرات التي لا مجال لاستعراضها هنا والتي لا تمكنها من القيام بدورها التحكيمي المطلوب. أما بالنسبة للنظرة الإسلامية للموضوع: فقد رأينا – من قبل – أن النصوص الإسلامية – تمنع – مبدئيًّا – من التحاكم إلى غير المسلمين باعتبار ذلك ركونًا إلى الظلم، إلا إذا اقتضت الضرورة ولتكن هنا ضرورة دولية تعاونية باعتبار أنه لا يمكن أن تنفرد دولة إسلامية ما بمسيرة خاصة بها في مجال العلاقات الدولية. إلا أنه يجب أن يبقى عند حد الضرورة والحرج. والله العالم. الشيخ محمد علي التسخيري

стр. 15662

التحكيم في الفقه الإسلامي مبدؤه وفلسفته إعداد الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد يهتم الإسلام بتربية الفرد المسلم تربية صالحة مناسبة لفطرته وقدراته البشرية، وهدفية وجوده في الحياة ـ تسمو بنفسه، وتزكي أخلاقه، وتجعل منه بشرًا سويًّا، متوازن التفكير والسلوك. وبما أن الإنسان مدني بالطبع، فإن حياته في مجتمعه الإنساني تقتضي تبادل المصالح، وهذا التبادل قد يفضي أحيانًا إلى الخلافات مما يعرض العلاقات البشرية لأنماط من التنازع والتضاد التي تتعارض مع مقاصد الشريعة الهادفة لحفظ نظام التعايش والتساكن الذي لا يستقر إلا بحفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال. لهذا سعت التربية الإسلامية إلى تركيز فعاليتها في وجدان الإنسان قبل اعتمادها على قوة السلطان؛ إذ أن التنظيمات القضائية ليست في نظر الشريعة إلا وسائل تنظيمية تتعلق باهتماماتها بشؤون المجتمع أكثر مما تتعلق بحكم الناس، فالشريعة تهدف إلى إسعاد البشر بما توفره من ضوابط لمعاملاتهم وعلاقاتهم في إطار الأخوة الإسلامية والعدل الإلهي. ولذلك يلاحظ أن العقوبات التي شرعها الإسلام قليلة بالنسبة لعموم الجرائم، وهي في نظر الفقهاء كفارات عما ارتكبه الإنسان من آثام أو زواجر، لإصلاح المجتمع كله. والكفارات من خصوصيات الشريعة؛ لأنها تربية ذاتية، واقتناع بالرجوع إلى الجادة. وهذا ما يركز في طبيعة الإنسان وفطرته فكرة العدل والإنصاف سواء له أو عليه، من غير حاجة اللجوء إلى القضاء.

стр. 15663

والشريعة الإسلامية مبنية على مراعاة المصلحة في جمع المعاملات الإنسانية؛ لأن غايتها تحقيق السعادة الدينوية والأخروية للجميع، ولذلك فالمصلحة لا تعني النفع الذي يناله الإنسان الفرد، أو تناله الجماعة عن عمل مناقض للدين، أو مضر بمصلحة أخرى، بل كلما كانت المصلحة أعم وأشمل كان الإقرار بها أهم، ولذلك اعتبر علماء الأصول سد الذرائع ودرء المفاسد، أصلًا من أصول الشريعة التي وضعها الإسلام لمعرفة المصلحة الحقيقية من المصلحة المتوهمة، ولا مجال لتعارض المصالح في الإسلام حيث يوجد معيار وصفي دقيق يراعي الأولوليات بين المصالح العامة بحسب تدرجها من حيث الأهمية. ويذكر الشاطبي في الموافقات أن بالاستقراء للأحكام العامة والجزئيات في الشريعة الإسلامية، يلاحظ المتتبع لذلك مراعاة الخالق جل علاه لمصالح عباده، فهي بارزة في أحكام الشريعة كلها، كما يلاحظ المتتبع لمنهاج القرآن والسنة في عرض الأحكام الشرعية أن الشريعة الإسلامية استدراجية للوصول إلى هدفها الأسمى في تحقيق العدل، تتوخى طرقًا متعددة للوصول إليه. فهي تنهج طريق محاسبة النفس ومساءلتها، قبل أن ترقى إلى الاستفتاء الشرعي، ثم التحكيم؛ لتجعل القضاء آخر المطاف، فهي المحاسبة والتبصر في الأمر والتبين له، والإرشاد إلى وجوب تجنب لحظات الغضب والانفعال؛ لئلا يخطئ الإنسان في تقدير القضية. وقد نص الفقهاء على أن تفاهة الموضوع ولحظات الغضب والانفعال والاندهاش، تعتبر من مبررات سقوط الدعوى أو تأجيل النظر فيها، بل إن الشارع حفاظًا على العلاقات الاجتماعية لا يلجأ إلى قسوة الحكم لدى تنفيذه، فهو يتجاوز عن بعضه مع الإرشاد إلى استكماله، لو بدت أسباب لاستكماله الشرعية فيما بعد. وقد كان رسول الله ﷺ يدرأ الحدود بالشبهات، وعليه عمل الصحابة ورأي جمهور الفقهاء (١) .

стр. 15664

وبما أن الإسلام دين سمح له قدرة فائقة على سبر أغوار النفس البشرية ومعرفة حاجاتها ورغباتها وحدود إرضائها، فهو يسعى دومًا إلى إقامة الترابط بين أفراد المجتمع الواحد، بما يقتضيه التسامح والعفو، يضمن استمرارية الانسجام الجماعي. إذ لو بالغ كل فرد في إشباع مطالبه أو ما يحسبه حقًّا من حقوقه لتعرض المجتمع للتفتت والانهيار وزعزعة الانسجام والاستقرار، ولهذا فهو يلجأ في طلب الحق إلى مراحل لتحقيق العدل: أولًا: إلى مراجعة النفس وذلك بالأخذ بالعفو، والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين بقدر الإمكان. ثانيًا: إلى طلب الفتوى، لاستجلاء وجهة نظر الشرع في الأمر. ثالثًا: إلى الصلح، وهو خير. رابعًا: إلى طلب الفصل في النزاع بحكم، وذلك بأحد الطريقين: أ- التحكيم الحر، بتراضي الأطراف على اختيار محكم والالتزام بحكمه، وذلك في القضايا المسموح شرعًا بفضها عن طريق التحكيم، ومجاله يكون في العدالة التوزيعية لا العقابية. ب- القضاء: وهو الولاية الرسمية لفض جميع الخصومات أيا كانت طبيعتها، بما فيها تلك التي لم يتوصل الأطراف إلى فضها بالوسائل السابق بيانها، أو تلك التي لجئوا فيها إلى مثل تلك الوسائل ولكنها أسفرت عن ظلم بين، أو مساس بالشرع والسيادة. وهذه المراحل أساسية في فلسفة الحكم في الإسلام فهي سلم متدرج الخطى في سبيل تربية أخلاقية دينية وخلق متسامح، متعال، وتقوى لله وابتعاد عن الفجور والظلم، وعدم التهافت على المنافع والشهوات؛ إذ ما عند الله خير وأبقى، ثم الصلح خير، وفي التجاوز مصلحة عامة.

стр. 15665

أولًا: التحكيم قبل الإسلام: إن عادة التحكيم معروفة في الجاهلية، فقد حكمت قريش، في نزاعها مع القبائل العربية الأخرى حول من يضع الحجر الأسود في مكانه بعد إعادة بناء الكعبة، أول داخل إلى البيت العتيق، فكان الرسول ﵊. كما أن من عادة القبائل العربية أن تلجأ إلى شيوخ القبائل لتحكمهم فيما يعن لهم من خلافات، وكان ذلك هو القضاء في المجتمع القبلي. وجاء الإسلام، فهذب التحكيم وسما به، وجعله مرحلة يستأنس بها القاضي أو يركن إليها الخصوم لفض المنازعات. ووضع له نظامًا يضبطه، فاشترط في المحكمين ما يضمن خبرتهم وعدلهم، وحدد القضايا التي يقبل فيها التحكيم، بل إن القرآن الكريم أعطى لكلمة التحكيم معنى القضاء، إذا كان الحكم هو النبي ﷺ ، فقال تعالى في الآية ٦٥ من سورة البقرة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٥] . لأن حكم النبي قضاء. وتطور التحكيم في مختلف البلاد الإسلامية، إلى ما يسمى بالسديد، وظهرت وظيفة قاضي السداد، وفي تاريخ القضاء بالأندلس والمغرب نجد مراتب للقضاة حسب النظام الذي حكموا وقضوا في ظله. ثانيًا: التحكيم والإفتاء: يختلف التحكيم عن الإفتاء في أن الفتوى هي رأي استشاري ليست له قوة الإلزام، فقد كان المفتي في الأندلس والمغرب يقدم للخصوم فتوى في موضوع النازلة ليستأنس القاضي بمضمونها المبني على حكم الشرع، بينما كانت الفتوى في بعض البلاد الإسلامية تنحصر حدودها في المسائل المتعلقة بالدين فقط.

стр. 15666

ثالثًا: التحكيم في الفقه: يكاد يتفق الفقهاء على أن التحكيم هو تولية الخصمين حاكما بينهما، أو انتداب القاضي لحكم يحسم الخلاف، فهو سيلة لفض النزاع بين المتحاكمين، حتى يحدد الحق يعرف صاحبه (١) . وهذا التعريف يظهر تقارب معنى التحكيم من معنى القضاء، مع الفرق بينهما؛ لأن التحكيم هو تولية الخصمين حاكما بينهما باقتراحهما أو بأمر القاضي. أما القضاء فهو تبيين الحكم الشرعي الإلزام به وفصل الخصومة عن طريق السلطة الرسمية، فالقضاء هو الأصل والتحكيم فرع؛ لأن القاضي له الولاية العامة لا يخرج أحد عن سلطته ولا يستثنى من اختصاصه موضوع؛ لأنه ممثل للسيادة، فهو السلطة الرسمية لفض المنازعات. أما المحكم فإن توليته تكون من القاضي إذا اقتضى نظره ذلك، أو من الخصمين إذا لجأ إليه لفض الخلاف بينهما. وإذا كان القاضي لا يستثنى من اختصاصه موضوع؛ فإن الحال ليس كذلك في التحكيم حيث توجد أمور وقضايا لا يمكن التحكيم فيها؛ لأنها من اختصاصات القضاء وحده نظرا لتعلقها بالنظام العام وبمفهوم السيادة. كما أن حكم القاضي لا خلاف حول قوته الإلزامية في فض الخصومة. أما حكم المحكم فهو ملزم للأطراف عند أغلب الفقهاء (٢) ، غير أن جانبا من الفقه يراه للصلح بين المتحاكمين وإصلاح ذات بينهما أو إزالة الخصومة فلا يكون ملزما إلا برضا الطرفين (٣) . إن التحكيم مثبت شرعا بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع الأئمة. أما في القرآن الكريم، فقد جاء في سورة النساء الآية ٣٥، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] ، فإذا كان مرغوبًا من الله في العلاقة الزوجية، فمن باب أولى أن يكون كذلك في المعاملات الدنيوية الأخرى، لدنوها في الأهمية من العلاقات الأسرية. أما السنة المطهرة، ففيها ما هو صحيح ومتعلق بالتحكيم، فقد رضي رسول الله ﷺ ، بتحكيم سعد بن معاذ، ﵁، في أمر اليهود من بني قريظة، حين جنحوا إلى ذلك ورضوا بالنزول على حكمه، وفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ ، رضي بتحكيم الأعور بن بشامة في أمر بني العنبر حين انتهبوا أموال الزكاة، وفي الحديث، الذي أخرجه أبو داود، أن أبا شريح هانئ بن يزيد،﵁، لما وفد إلى رسول الله ﷺ ، مع قومه وسمعهم يكنونه بأبي الحكم، فقال له رسول الله ﷺ : ((إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟)) فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال ﷺ : ((ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟)) فقال له: شريح ومسلم وعبد الله فقال: ((فمن أكبرهم؟)) قال شريح: فقال ﷺ : ((أنت أبو شريح ودعا له ولولده)) .

стр. 15667

أما عن إجماع الصحابة بالعمل به، فقد كان بين عمر وأبي بن كعب، ﵄، منازعة في نخل، فحكما بينهما زيد بن ثابت، ﵁، وكثيرًا ما كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يحكمون أحدهم في أقضية من أقضيتهم. وقد لاحظ بعض الفقهاء المتأخرين أن التحكيم كان في عصر الصحابة والتابعين لمعرفتهم بالدين ولتقواهم، فلا يجوز العمل به بعد ذلك؛ إذ قد يتجاسر العوام فيحكمون بغير ما أوجبته الشريعة، لا شك أن هذا الرأي وإن كان له ما يبرره، إلا أنه لم يراع ما يشترط في الحكم من شروط تحافظ على حكم الشرع، وتحقق ما ترمي إليه الشريعة الغراء من إشاعة التواصل الاجتماعي وتحقيق الصلح والمصالحة، وبعض الشافعية أجازوه بشرط عدم وجود قاض في البلد، ومنهم من أجازه في المال فقط، وقد أجاز الحنابلة التحكيم، وهو الأظهر عند الشافعية، وقال بعض المالكية بنفاذه بعد الوقوع. ١- من يجوز له أن يكون محكمًا؟ اشترط الفقهاء في المحكم أن يكون مسلمًا أهلًا لولاية القضاء أهلية مطلقة لا في خصوص موضوع النزاع فقط، أما تحكيم غير المسلم فلا يجوز بين المسلمين ولا يتعلق ذلك بعدم الثقة في غير المسلمين، فالإسلام يبيح التعامل الحر والثقة بين الناس على اختلاف مللهم، وإنما شرط إسلام الحكم أمر يتعلق بحسن تطبيق الشريعة الإسلامية، إذ جرت العادة على أن غير المسلم لا يكون على إلمام عميق بعلوم الشريعة، نظرًا لطبيعتها الإيمانية، لذلك قاس الفقهاء المحكم على القاضي في شرط إسلامه لو كان أطراف الخصومة أو أحدهم من المسلمين (١) – واستغنى بعض الشافعية عن شرط الأهلية عندما لا يتوفر، ومنهم من حصر التحكيم في الأموال فقط كما اشترطوا في المحكم أن لا تربطه بأحد الخصمين قرابة تمنع الشهادة. كما يشترط فيه تراضي طرفي الخصومة على قبول حكمه، إلا إذا عينه القاضي؛ لأنه نائب عنه، وليس للخصمين أن يتفقا على محكم ليس أهلًا للتحكيم، كما يجب أن يستمر الاتفاق على التحكيم حتى صدور الحكم، فلو رجع أحد الخصمين عن التحكيم قبل صدور الحكم يلغى التحكيم.

стр. 15668

٢- موضوعات التحكيم: إن الأقضية إذا كانت متعلقة بحق الله كالحدود، أو كان حق الله فيها غالب كالقصاص، أو تعلقت بحقوق غير المتخاصمين كالنسب، لا يجوز فيها التحكيم، لذلك أجاز المالكية التحكيم إلا في ثلاثة عشر موضوعًا وهي: الرشد، والسفه، والوصية، والحبس، وأمر الغائب، والنسب، والولاء، والحد، والقصاص، ومال اليتميم، والطلاق، والعتق، واللعان. وجعلوا هذه الأمور من اختصاص القضاء (١) . ويظهر من فقه الحنابلة جواز التحكيم في كل ما يعرض على القاضي عامة، إلا أن أغلب فقهاء المذهب خصوا التحكيم في الأموال أما باقي الأقضية فيجب فيها الاحتياط، ولذلك يجب أن تعرض على القضاة. (٢) وعلى هذا فالتحكيم لا يجوز في الحدود الواجبة لله؛ لأن عقوبتها مما يستقل به ولي الأمر، كما لا يجوز التحكيم في القصاص، إذ الإنسان لا يملك دمه حتى يجعله موضعًا للصلح، كما لا يجوز التحكيم فيما يجب في الدية، ولا يجوز للمحكم الحبس والسجن إذ لا سلطة له تمتد إلى ذلك. ٣- الرجوع عن التحكيم: اعتبر الفقهاء التحكيم كالقضاء، لهذا فقد يرجع الخصمان عن التحكيم قبل صدور الحكم، أما بعد صدور الحكم فليس لأحد حق الرجوع عن التحكيم؛ لأنه صدر عن ولاية شرعية فالمحكم كالقاضي لا يرجع في حكمه، ولا يشترط المالكية دوام رضا الخصمين إلى صدور الحكم بل لو أقاما البينة عند الحكم، ثم بدا لأحدهما أن يرجع عن التحكيم قبل الحكم تعين على الحكم أن يقضي وجاز حكمه (٣) . ٤- ما يترتب على التحكيم من آثار: يترتب على التحكيم لزوم الحكم ونفاذه، على أنه يجوز نقضه من قبل القضاء، إذا حمل ظلمًا بينًا. لذلك فإن المبدأ هو نفاذ الحكم بمجرد صدوره ودون توقف على رضا الخصمين. وليس للحكم أن يرجع عن حكمه (٤) .

стр. 15669

٥- هل يجوز للقاضي نقض الحكم؟ : إذا رضي الخصمان بالحكم يعملان على تنفيذه، أما إذا أراد أحد الخصمين الطعن فيه أمام القضاء لحجة يراها فله ذلك، ويرى المالكية أن القاضي لا ينقض حكم المحكم إلا إذا كان جورًا بينًا، فإن لم يكن فلا ينقضه سواء كان موافقًا لرأي القاضي أو مخالفًا له (١) . والشافعية والحنابلة يرون أن القاضي، إذا رجع إليه حكم المحكم، لا ينقضه إلا بما ينقض به قضاء غيره من القضاة (٢) . ٦- المحكم الذي يعينه القاضي في أمر الطلاق: جاء في الذكر الحكيم ﴿إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] . لهذا أباح الشارع لكل من الزوجين طلب التفريق من القاضي، وعليه أن يعين حكمين من أسرة الزوجين، فإن استطاعا الإصلاح وفقا بين الزوجين، وإلا رفعا تقريرهما إلى القاضي فيحكم بالتفريق بينهما بطلقة بائنة، فالقاضي يؤجل حكمه إلى ما بعد حكم الحكمين من أسرة الزوجين، فإن لم يجد عين غيرهما ممن يرى فيهما القدرة على الإصلاح بينهما، وقد يحلفهما يمينًا على أن يقوما بمهمتهما بعدل وأمانة، ويكون على الحكمين أن يتعرفا على أسباب الشقاق بين الزوجين بحضورهما معًا وبمن يقرر دعوته الحكمان، وإذا اختلف الحكمان حكم القاضي غيرهما أو ضم إليهما حكمًا ثالثا مرجحًا وحلفه اليمين. ٧- عزل المحكم: ينعزل المحكم إذا عزله أحد الخصمين أو كلاهما قبل الحكم، إذ لكل من الطرفين عزل المحكم قبل الحكم (٣) أما إذا كان المحكم معينًا من طرف القاضي فليس لأحد عزله، بل يطلب ذلك من القاضي. وكذلك ينعزل المحكم إذا انتهى الوقت المحدد للتحكيم قبل صدور الحكم، أو فقد المحكم أهليته للتحكيم.

стр. 15670

٨- التحكيم في الجزاء على قتل الصيد في الحرم: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] . لقد أحال الله تعالى الحكم بالجزاء، على مقترف ذلك الإثم، إلى حكمين ممن تحققت فيهما صفة العدالة والمعرفة ويتعين على الحكمين تحديد المثل، ويخيرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام. ويقدران له قدر الطعام إن اختار تقديمه. وقد حكم من الصحابة، في جزاء الصيد، عمر مع عبد الرحمن بن عوف، كذلك مع كعب بن مالك، وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمن بن عوف، وحكم عبد الله بن عمر مع ابن صفوان. وقد اشترط في الحكمين أن يكونا من المسلمين بقوله تعالى: (منكم) تحذيرًا من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم، فلعلهم يدعون معرفة خاصة بالجزاء، على غير ما بينه الله . رابعًا: التحكيم في القانون: لا تخلو القوانين الوضعية من اعتماد (التحكيم) مادة قضائية، تخصص في دراستها رجال الحقوق والقانون، ويعتمد القضاء الوضعي على الخبراء ورأيهم في الموضوع المتنازع فيها، استئناسًا يطمئن إليه القضاة في أحكمهم. لذلك تخصص بعض الجماعات شعبًا لدراسة (التحكيم) وقوانينه وتختلف نظم التحكيم في دول العالم حسب تطور الطرق المتبعة في تحديد موضوعاته. خامسًا: التحكيم السياسي الداخلي: إن أول تحكيم سياسي في الإسلام، كان في معركة صفين عندما رفع أصحاب معاوية القرآن على رماحهم مطالبين بالتحكيم والرجوع إلى كتاب الله. وقد انتهى ذلك التحكيم – الذي مثل فيه عليًّا، ﵁، أبو موسى الأشعري، ومثل معاوية، ﵁، عمرو بن العاص – إلا خلافات كبيرة أدت إلى انشقاق طائفة من أصحاب علي ﵁، محاربتهم له. ومن خلال التحليل لما كتبه (الطبري) عن عقد التحكيم، ومن نقد المؤرخ المسعودي للتحكيم، ومن تعليق الكامل لابن الأثير، يظهر أن التحكيم لم يستوف الشروط الشرعية.

стр. 15671

لقد علق على ذلك محقق كتاب الكامل لابن الأثير بقوله: (إن هذه النتيجة كانت سيئة لازمة لحكمين قد حكما بكتاب لم تبين به المعالم التي ينتهيان إليها، ولا الحدود التي ليس لهما أن يتجاوزاها، بل إن الكتاب كله كلام مفكك العرى، غير ظاهر الحدود والمعالم، وأحد الحكمين رجل فهي غفلة وعدم تقدير للأمور، وهو حاقد على علي منذ عزله عن الإمرة، مخذل عنه من قبل ذلك، وقد قعد عن نصرته ورآه سائرًا في فتنة أرثت النار بين المسلمين، فهو لأمر علي كاره، ومن خلافته نافر، فما كان لأصحاب علي أن يشيروا باختياره لهذا الأمر الذي هو فوق إدراكه، ولا قدرة له على حمله. وكان خيرًا لعلي أن يجعل أمره بيد معاوية من أن يجعله في يد رجل لا يقدر الأمور، فما كان حكم معاوية إذا جار على علي بأكثر ضررا ولا أشد إيلاما من حكم أبي موسى، وهل يوجد أكثر غفلة من رجل يريد ابن عمر للخلافة مع أن عمر منعه إياها؟ ولم يكن بينهما كتاب على ما اتفاق عليه جورًا كان أو عدلًا، وهل كان عزل علي في كتاب الله الذي أخذ عليهما العهد أن يعملا به؟) . وكان من أثر التحكيم اضطراب حزب علي، وتقوية حزب معاوية مما كان السبب في ظهور حزب ثالث هو حزب الخوارج. فقد جاء زرعة بن البرج الطانب، وحرفوص بن زهير المعدي فقالا لعلي: (لا حكم إلا لله فرد على: لا حكم إلا الله) . وطالبا عليًّا أن يثوب عن خطيئته، ويخرج للقتال. فقال علي: (أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابًا، وشطرنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودًا، والله يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] . وخطب الإمام على ذات يوم عن دعوى الخوارج فقال: (الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل! إن سكتوا غممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم) . على أن المؤرخين بالغوا في تقديم صورة أبي موسى الأشعري في أمر التحكيم، فوصفوه بالغفلة وقصور الرأي، ويظهر أن الرجل قد اختير من أهل العراق فنصح لهم بإنهاء الفتنة، وكان يمثل رأي طائفة من معاصريه. ولم يكن أمر التحكيم وحده مصدر هزيمة علي، ﵁، فقد كانت دواعي أخرى للهزيمة، منها اضطراب جيشه أمام جيش معاوية، كما أن التحكيم لم يكن قائمًا على أساس، إذا لم يكن من ورائه قوة من المسلمين تستطيع تنفيذ الحكم. إن الحكمين اتفقا على خلع علي ومعاوية، وأن يستقبل المسلمون أمرهم من جديد فيولون عليهم من يختارونه للخلافة، مع أنهما كان عليهما أن يفصلا في الموضوع، ودون الأخذ برأي حكم واحد من الحكمين، وهو ما لم يقل به الفقهاء الذين اشترطوا وحدة الحكم، ولعل الفقه السياسي لم يكن من الحيوية والتطور اللذين عرف بهما الفقه الاجتماعي. لذلك كان التحكيم ضعيفًا ولم ينته إلى نتيجة حاسمة.

стр. 15672

سادسًا: التحكيم السياسي الدولي: كان إنشاء هيئة الأمم المتحدة، بعد الحرب العالمية، مرحلة لتحقيق الترابط مما نمَّى الإحساس بوحدة مستقبل البشرية والبحث عن وسائل قانونية لفك المنازعات والخلافات بين الدول، بدلًا عن اللجوء إلى الحرب والمعاناة وما يتركه ذلك من أثر سيء على البشرية جمعاء. لقد جاءت هيئة الأمم لتعبر عن تضامن دولي لمواجهة الصعوبات والمشاكل التي تهدد أمن الشعوب، ولذلك اهتمت بإيجاد آليات ونظم قانونية قادرة على منع الحرب وإحلال السلام في العالم، ولهذا لجأت إلى تطوير القانون الدولي الذي يحكم علاقات الدول بعضها ببعض. وتأسست لذلك لجنة القانون، يراعى في انتخاب أعضائها تمثيلهم لأكبر الحضارات الإنسانية والأنظمة القانونية الرئيسية في العالم، حتى تستطيع أن تستقطب المفاهيم العامة التي تربط العلاقات بين الدول، وتراعي في إصدار أحكامها واقتراحاتها المصالح والقيم والمثل العليا لمختلف الشعوب. ومحكمة العدل الدولية تقوم بتطوير القانون الدولي نتيجة لآرائها الاستشارية أو لأحكامها التي تصدرها بناء على طلب الجمعية العامة أو تلبية لطلب أحد أجهزتها أو وكالاتها. وتعتبر أحكام وفتاوى محكمة العدل مصدرًا أساسًا لقواعد القانون الدولي، والأصل في أحكامها ألا يترتب الحكم القاضي أو الرأي الاستشاري آثارًا إلا بالنسبة لأطراف النزاع، ولكن يمكن لخبراء لجنة القانون والقضاء الدوليين الاستئناس بأحكام وفتاوى المحكمة، فهي أقرب ما تكون إلى التحكيم. إن استقلال معظم الشعوب في العالم ووجود محكمة دولية أعطيا للقانون الدولي بعدًا جغرافيًّا جديدًا يختلف عن البعد الجغرافي الدولي في العصور القديمة، الذي كان مرتبطًا بأوروبا المسيحية الرأسمالية، أو الاشتراكية. كما أن الاستقلال شعوب العالم الثالث بعد الحكم الاستعماري جعلها تعيش في أوضاع مختلفة، متناقضة أوجبت رفع المنازعات إلى محكمة العدل الدولية، وهذا ما جعل المحكمة حكمًا بين الشعوب في البحث عن وسائل قانونية لفض خلافاتها. وإذا عرفنا أن دخول العالم الثالث في المجتمع الدولي وضع صعوبات جمة أمام محكمة العدل لاختلاف مفاهيم الحضارات والثقافات التي تؤمن بها هذه الدول، عن مفاهيم القانون الدولي الأوروبي، تبين لنا مدى ضرورة إنشاء محكمة عدل دولية إسلامية لتبحث المنازعات بين الدول الإسلامية على أسس تجد حلولها في مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية الغنية بالدراسات في هذا الموضوع. مع إضافة الموضوعات جديدة، لم تكن مألوفة في الفقه الإسلامي، كالخلافات والمنازعات المتعلقة بالفضاء الخارجي وبأعماق البحار والتلوث. ولعل محكمة العدل أشبه بحكم المحكمين منه بالقضاء لعدم وجود سلطة العقاب والردع، فهي من اختصاص القضاء. حتى إذا لجأت بواسطة مجلس الأمن إلى العقاب ظهر ما يلاحظ من عجز في التنفيذ إلا على الضعفاء والمستضعفين.

стр. 15673

التحكيم إعداد الأستاذ الدكتور عبد العزيز الخياط عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، وفقنا إلى القول الصالح والعمل الصالح، وأصلي وأسلم على نبي الهدى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فقد اخترت أن أكتب لمجمع الفقه الإسلامي في دورته التاسعة في بحث من الموضوع الثاني وهو مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي في الفقرات الأولى – الرابعة والثانية عشرة والثالثة عشرة وهي: ١- معنى التحكيم ودليله وما يجري فيه. ٢- الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي. نبذة مختصرة عن نشأة محكمة العدل الدولية. ٣- احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم فيما بينهم وحكم ذلك إذا كان النزاع فيما بين المسلمين وغيرهم. والله ولي التوفيق الأستاذ الدكتور عبد العزيز الخياط عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن

стр. 15674

التحكيم التحكيم لغة: جعل الحكم فيما لك لغيرك، يقال: حكمته في مالي إذا جعلت الحكم إليه فيه فاحتكم علي في ذلك (١) ، وحكّمت (بالتشديد) الرجل: فوضت الحكم إليه (٢) وحكمه في الأمر تحكيمًا أمره أن يحكم فاحتكم (٣) ، ويقال (حكم فلانًا عما يريد، وفلانًا في الشيء جعله حكمًا، وفي التنزيل العزيز ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ، والمحكمة هيئة تتولى الفصل في القضاء، أو مكان انعقاد هيئة الحكم (٤) . وهناك علاقة بين المعنى اللغوي والعرفي في تسمية (المحكمة) وهي هيئة تتولى الفصل في القضاء، وفي اللجوء إلى الحكمين للفصل في الخصومة، فالتحكيم عرفًا: تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما أي الفريقين المتخاصمين (٥) ، أو التحكيم: أن يحكم المتخاصمان شخصًا آخر لفض النزاع القائم بينهما على هدى من الشرع (٦) وقد أدخل كل من التعريفيين المعرف في التعريف. والتحكم بين الدول: عرفته المادة (٣٧) من اتفاقية جنيف الأولى المعقودة بتاريخ ١٨ تشرين أول سنة ١٩٠٧ بنصها. يرمي التحكيم الدولي إلى تسوية النزاعات الناشئة بين الدول، بواسطة قضاة تختارهم على أساس الحق (٧) ، ويعرفه آخرون بأنه) لجوء الطرفين المتنازعين إلى من يحكمانه في البت في النزاع القائم بينهما. ((٨) . وركن التحكيم: اللفظ الدال عليه مع قبول الآخر مثل احكم بيننا، أو جعلناك حكمًا في كذا. ويشترط في المحكم (بفتح الكاف) أن يكون عاقلًا، وأهلًا للتحكيم كأهلية الشهادة، فصح تحكيم الذمي بين أهل الذمة؛ لأنه أهل للشهادة، وتقليد الذي يحكم بين أهل الذمة صحيح، ولا يجوز أن يكون حكمًا بين المسلمين ويجوز أن يكون المحكم امرأة أو فاسقًا، وإن كان كره بعض العلماء تحكيم الفاسق (٩) ، كما يشترط صلاحيته للقضاء وقت التحكيم ووقت الحكم معًا، فلو حكمًا صبيًا لا يجوز ولو حكمت صبيًا ثم بلغ عند الحكم لا يجوز، لأنه لم يكن وقت التحكيم أهلًا فلابد من أن يكون في الوقتين معًا أهلًا للتحكيم.

стр. 15675

دليل جواز التحكيم: أولًا: الكتاب: قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] ، فدلت الآية على جواز التحكيم قال ابن عباس: وإن خفتم الآية، هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل، ورجلًا مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروها على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة وقسروها على زوجها ومنعوها النفقة فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرها جائز (١) . وقوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، أي: لا يؤمنون حتى يجعلوك حكمًا يتحاكمون إليك ويترافعون (٢) . ثانيًا: السنة: ١- عن أبي شريح قال: يا رسول الله، إن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي عني الفريقان. فقال له رسول الله ﷺ : ((ما أحسن هذا)) (٣) !!. ٢- قبل النبي ﷺ بتحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة وقبل حكمه فيهم، لما اتفقت اليهود على الرضا بحكمه روى ابن هشام قال: فلما كلمته الأوس (أي في أمر يهودي بني قريظة) قال رسول الله ﷺ : ((ألا ترضون ما معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟)) قالوا: بلى! قال: ((فذاك إلى سعد بن معاذ)) فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين. قال رسول الله ﷺ : ((قوموا إلى سيدكم)) ... فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليكم لتحكم فيهم: فقال سعد بن معاذ: (عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم وقال: على من ههنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له. فقال رسول الله ﷺ ((نعم)) . فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء (٤) .

стр. 15676

٣- روي أنه كان بين عمر وأبي بن كعب منازعة على نخل فحكما بينهما زيد بن ثابت، فأتياه، فخرج زيد وقال لعمر: (هلا بعثت إلى فآتيك يا أمير المؤمنين) ، فقال عمر: (في بيته يؤتى الحكم) ، فدخلا بيته فألقى لعمر وسادة، فقال عمر: (هذا أول جورك) فكانت اليمين على عمر، فقال زيد لأبي: (لو عفيت أمير المؤمنين) ، فقال عمر: (يمين لزمتني) ، فقال أبي: (نعفي أمير المؤمنين ونصدقه) يقول الكمال بن الهمام: وليعمل أنه لا يظن بأحد منهما في هذه الخصومة التلبيس وإنما هي لاشتباه الحادثة عليهما فتقدما إلى الحكم لتبيين لا للتلبيس، وفي الحديث جواز التحكيم (١) . ٤- وتحاكم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله إلى جبير بن مطعم، وروى الشافعي في الأم والبيهقي في السنن عن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله وجهه ومع كل واحد منهما قائم من الناس، فأمرهم علي أن يبعثوا رجلًا حكمًا من أهله ورجلًا حكمًا من أهلها ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إذا رأيتما تجمعًا أن تجمعا وإن رأيتما تفرقًا أن تفرقا، قالت: رضيت كتاب الله بما علي به ومالي وقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. ثالثًا: الإجماع: وقد أجمع الصحابة على جواز التحكيم (٢) . وقد حكم علي بن أبي طالب ومعاوية في الإمامة أبا موسى الأشعري (٣) . رابعًا: المعقول: وذلك أن الناس يحتاجون إلى فض الخصومة فيما بينهم دون الرجوع إلى القضاء والخوض في إحضار البينات والمرافعة وغيرها، ولا سيما في أيمانا هذه لتعقيدات القضاء في الخصومات، وامتداد الزمن في تأجيل البت في القضايا، مما يؤدي إلى ضياع كثير من الحقوق وملل المتخاصمين فيلجأ إلى التحكيم لسرعة البت في الموضوع ومساعدة القاضي في الحكم. والتحكيم نوع من القضاء في فض الخصومات ويشترط في المحكم أن يكون قادرًا على التحكيم، ويرى الحنفية أن كل من تقبل شهادته في أمر جاز ان يكون حكمًا فيه، وعلى هذا يجوز تحكيم المرأة؛ لأنها تصلح للشهادة (٤) ، واشترط غيرهم في المحكم أن يكون حرًّا بالغًا عاقلًا عادلًا مقبول الفتوى عالمًا بالشريعة (٥) ، ورأي الحنفية أولى في زمننا هذا.

стр. 15677

ما يجري فيه التحكيم: ويجوز التحكيم في الأمور المالية والأحوال الشخصية والأمور السياسية المتعلقة بين الحكام والمحكومين أو بين الدول المسلمة بعضها مع بعض، وقد منع بعض الفقهاء أن يكون التحكيم في عقوبة الله تعالى (١) أي في الحدود والقصاص لأنه لا ولاية للمحكمين على دمهما أي هي من حقوق الله تعالى والإمام هو المتعين لاستيفائهما (٢) ، وقال شمس الأئمة والكمال بن الهمام من الحنفية: يجوز التحكيم في حد القذف والقصاص، قال المرغياني (وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات (٣) . وعبر عبد الله الموصلي عن عدم جواز التحكيم في الحدود والقصاص؛ لأنه لا ولاية لهما على دمهما حتى لا يباح بإباحتهما) (٤) . والفرق بين القضاء والتحكيم أن المحكم قد يولي من القاضي، من جهة المتخاصمين الذين احتكموا إليه، القاضي يولي من الإمام أو نائبه أو من الدولة، وولاية القضاء واسعة، وولاية التحكيم قاصرة على المتحاكمين فقط، ويمكن للقاضي أن يفسخ حكم المحكمين، والقضاء لا يشترط فيه موافقة المتخاصمين على القاضي، ويشترط في التحكيم، وشروط القاضي أشد من شروط المحكم. مبدأ التحكيم الدولي: يختلف التحكيم عن القضاء وإن كان المحكم هو بمثابة القاضي، وأوجه الاختلاف أن القاضي يعين من الدولة في أي محكمة من محاكمها سواء أكانت محكمة صلح أو ابتدائية أو استئنافية أو محكمة التمييز العليا، بينما المحكم يختاره الطرفان المتنازعان برضاهما، ويتفقان على قبول حكمه. والإسلام أول دين أقر التحكيم – كما ذكرنا الأدلة على ذلك – وتطور في الأمم بعد ذلك ولا سيما في الدول الغربية إذا نشأ التحكيم بواسطة رئيس الدولة (الملك أو مندوب عنه) وذلك عندما نشأ التنازع بين البابا والإمبراطور، أي بين السلطتين الدينية والدنيوية، ثم زال هذا النوع من التحكيم في عهد الإصلاح الديني، وظهور الدول القومية في القرن السادس عشر في أوروبا، وبدأ التحكيم بواسطة لجنة مختصة، وأول تطبيق لها كان بين إنجلترا والولايات المتحدة في منازعات الحدود بينها كحالة تحديد نهر الصليب المقدس (Sainte Croixe) .

стр. 15678

ثم تطورت لجان التحكيم إلى تكوين (لجنة مختلطة) من الأطراف المتنازعة وذلك بمعاهدة جاي (Jay) في ١٩ تشرين الثاني سنة ١٧٩٤ م وفي ٨ أيار سنة ١٩٧١ م لجأت الدولتان بريطانيا والولايات المتحدة إلى تحكيم بواسطة (محكمة تحكيمية) عهد بها إلى أشخاص يتمتعون بالاستقلال والتجرد ويتصفون بكفاءة علمية عليا، حسب معاهدة واشنطن المؤرخة في ٨ أيار سنة ١٩٧١ م وفي سنة ١٩٠٧ م عقدت اتفاقية لاهاي الأولى بين الدول المشتركة بشأن تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية تقرر فيه إنشاء هيئة تحكيم دائمة، وعزز هذه الاتفاقيات الميثاق العام الصادر في جنيف في ٢٦ سبتمبر سنة ١٩٢٨ م ونص فيه على إنشاء هيئة التحكيم الدائمة (يكون لكل دولة وقعت على الاتفاقية الحق في اختيار أربعة على الأكثر، من كبار رجال القانون محكمين لمدة ست سنوات، ويكون مركز هذه المحكمة (لاهاي) . ويدير رئيس هيئة المحكمين جلسة التحكيم وفق الإجراءات المتفق عليها بين الدولتين المتنازعتين) . ثم تطورت هذه الهيئة فأصبحت (محكمة التحكيم) المحدثة التي أنشئت بواسطة الاتفاقيات والمعاهدات المختلفة، ما بين سنة ١٩١٩ – ١٩٥٥م، وظلت (محكمة التحكيم) ناقصة على الرغم من إصدارها القرارات المختلفة. محكمة العدل الدولية: اضطرت الدول الغربية إلى إنشاء محكمة العدل الدولية الدائمة تطبيقًا المادة ١٤ من عهد عصبة الأمم الذي أقر بتاريخ الأول من أيلول سنة ١٩٣٩م، وقعته ٥٩ دولة. وقد أقر نظام المحكمة طريقة إنشاء المحكمة بتعيين خمسة عشر قاضيًا أصيلًا من مجلس العصبة والجمعية العامة، وتعيين أربعة قضاة احتياطيين، كما يعين قاض وطني لكل من الدولتين المتنازعتين حسب المادة (٣١) من نظام المحكمة. وتكون مدة المحكمة تسع سنوات ويجوز إعادة انتخابهم، وتجدد ولاية خمسة منهم بعد مضي ثلاث سنوات، وخمسة آخرين بعد ست سنوات، وهي مدة طويلة لتمكين المحكمة من الاستقرار وعدم الخضوع السريع لدولهم. وتعقد المحكمة دورة سنوية عادية في قصر السلام بلاهاي كما يحق أن تعقد دورات استثنائية. وللمحكمة مكتب مكون من موظف ومساعده يتولى إدارة شؤون المحكمة المالية والإدارية. واختصاص المحكمة حل المنازعات الناشئة بين الدول في القضايا المتعلقة بالقانون الدولي، أو تفسير المعاهدات أو فرض الالتزامات الدولية أو التعويضات.

стр. 15679

وولاية المحكمة ولاية اختيارية إذ لا تنظر في أي قضية إلا بموجب اتفاق بعقده الطرفان المتنازعان لهذه الغاية على أساس شرط التحكيم، وقد تكون الولاية إجبارية لمدة محددة من ٥ – ١٠ سنوات في حالات أربع: أ- تسوية المنازعات المتعلقة بالبلاد الموضوعة تحت الانتداب. ب- تسوية الخلافات المتعلقة بحماية الأقليات. - - تسوية الخلافات المتعلقة بالمواصلات الترانزيت د- تسوية الخلافات المتعلقة بمنظمة العمل الدولي. كما أنها قد تكون إلزامية إجبارية إذا اتفق الطرفان على ذلك. ويجوز للمحكمة أن تقدم الآراء الاستشارية لعصبة الأمم. كما أنها قد كون إلزامية إجبارية إذا اتفق الطرفان على ذلك أو اتفق أعضاء الأمم المتحدة بالنزول على حكم المحكمة في أي قضية يكونون أطرافًا فيها، وإذا امتنع الطرف عن التنفيذ فللطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن، وللمجلس أن يصدر توصياته أو أن يصدر قرارات بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ الحكم كما نصت على ذلك المادة (٩٤) من ميثاق الأمم المتحدة. ومحكمة العدل الدولية جهاز رئيسي كما نصت المادة (٧) من ميثاق الأمم المتحدة، ونصت المادة (٩٢) منه على أن محكمة العدل الدولية هي الأداء القضائية الرئيسية للأمم المتحدة. كما حددت وظيفتها بالفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقًا لأحكام القانون الدولي وهي تطبق في هذا الشأن حسب المادة (٣٨) . ١- الاتفاقات الدولية العامة التي تضع قواعد معترفًا بها بصراحة من جانب الدولة المتنازعة. ٢- العادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال. ٣- مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتحدة المتمدنة. ٤- أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الأمم، ويعتبر هذا أو ذاك مصدرًا احتياطيًّا لقواعد القانون وذلك مع مراعاة أحكام المادة (٥٩ التي تنص على أن الحكم لا يكون له قوة الإلزام إلا بالنسبة لمن يصدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل فيه. ٥- يجوز للمحكمة أن تتبع قواعد العدل والإنصاف إذا اتفق الطرفان على ذلك.

стр. 15680

مشروعية الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية: ذكرنا أن اختصاص محكمة العدل الدولية في القضاء والإفتاء والقواعد التي تعتمد عليها، ونريد أن نتبين الحكم الشرعي في الاحتكام إليها بين الدول الإسلامية وغيرها من الدول غير الإسلامية، وبين الدول الإسلامية نفسها، وذلك يرجع إلى أمور ثلاثة: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] فإن من الأئمة من قال: إن الآية عامة تشمل الدنيا والآخرة، وهي وإن تبعها قوله تعالى ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١١٣] لكن عمومها يفيد أنها في الدنيا كما هي في الآخرة، والتحكيم والقضاء فيه سبيل على الآخرين، فلا يجوز التحكيم أو القضاء لغير المسلم، والمحكمون أو أعضاء محكمة العدل الدولية قد يكونون من المسلمين ومن غير المسلمين فلا يجوز للدولة أن تلجأ في التحكيم ولا في طلب الحكم إليهم للآية الكريمة (١) . ثانيًا: هل يصح أن يكون المحكم (وهو كالقاضي) غير مسلم، وهل يصح أن يلجأ إلى محكمة العدل الدولية وقضاتها غير مسلمين لتفصل في النزاع بين الدول الإسلامية. لقد نص الفقهاء على أن القاضي يجب أن يكون مسلمًا فقالوا: لا يجوز لكافر أن يتولى منصب القضاء بين المسلمين باتفاق الفقهاء لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] أي طريقًا للحكم عليهم، والقضاء من أعظم السبل وأقواها. وأعضاء محكمة العدل الدولية بحسب اختصاصها إما أن يكون قضاة أو محكمين: فإن اعتبرناهم قضاة، فإن كانوا مسلمين فليست هناك مشكلة في اللجوء إلى محكمة العدل، وإن كانوا غير ذلك فالنص على عدم جواز قضائهم في المسلمين (٢) ، ومنهم الدولة الإسلامية، ولا يصح أن تفض النزاع فيما بينهم بل لا بد من قضاة مسلمين. وإن اعتبرناهم محكمين فالخلاف بين الفقهاء في اشتراط الإسلام للمحكمة، فمنهم من اشترط أن يكن مسلمًا كالقاضي ومنهم من لم يشترط الإسلام بل اكتفى بأن يكون المحكم حرًّا بالغًا عاقلًا عادلًا مقبول الفتوى، عالمًا بالشريعة، يجوز الاحتكام إلى محكمين دوليين غير مسلمين، وأيضًا لا يجوز الاحتكام لمحكمة العدل العليا ما دام المحكمون غير مسلمين. وقد نص الفقهاء على أنه إذا كان الطرفان المتنازعان مسلمين جازت المفاوضة بينهما في هذا الأمر أو اللجوء إلى تكوين لجان تحقيق منهما أو لجان توفيق للإصلاح فيما بينهم. ويلتزم المحكمان بقرار المحكم عند الحنابلة والحنفية (٣) ولكل منهما الرجوع عن التحكيم قبل إصدار الحكم عند الحنفية وسحنون من المالكيين أما ابن ماجشون فلا يجوز رجوع أحدهما.

стр. 15681

وعلى القول الثاني جاز أن يلجأ إلى التحكيم على أساس ما أقره الإسلام من قواعد قال ﵇ في العهد الذي كتبه لأهل المدينة: ((أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (١) ، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] )) . وقد ذكر ابن هشام أن تحكيمًا جرى بين رسول الله ﷺ وبين نصارى نجران دعاهم الرسول ﷺ إلى المباهلة فقال له أحدهم: أحكمك اليوم والليلة فمهما حكمت فهو جائز (٢) وإذا كانت المادة (٣٣) من ميثاق الأمم المتحدة تحدد طرق الوسائل السلمية لحل الخلافات وفض النزاعات والتحقق والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية والالتجاء إلى المنظمات الإقليمية وغيرها من الوسائل السلمية التي يرضاها الطرفان، فالنص على رضا الطرفين أساسي في اختيار القانون الذي يحكمان به، ولذلك فإن الالتجاء إلى التحكيم الدولي أو إلى محكمة العدل الدولية يقتضي من الدول الإسلامية أن تختار اللجوء إلى الأحكام الشرعية وذلك لقوله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] ، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ، وما دامت القواعد العامة التي يلجأ إليها هي العدل وعلى أساس احترام الحق (كما جاء في المادة (٣٧) من اتفاقية لاهاي) فإن العدل والحق يتمثلان في القواعد والأحكام التي جاءت بها الشرائع السماوية ومنها الإسلام. قال سبحانه ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] ، وقال ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، ويرى الشيخ وهبة الزحيلي أنه (لا مانع من تطبيق القانون الدولي (قواعد الحق والعدالة) في التحكيم لأن الرسول حدد مقدمًا لسعد بن معاذ في قضية التمكين في يهود بني قريظة القواعد التي قضي بها.

стр. 15682

وقواعد التمكين في محكمة العدل الدولية لا تخرج عن كونها إما اتفاقًا دوليًّا أو عرفًا عامًّا سارت الدول على مقتضاه، أو قاعدة من قواعد العدل والإنصاف، فإذا اضطرت قاعدة ما بالمسلمين كانوا بالخيار كما هو المقرر دوليًّا في عدم عرض النزاع على محكمة العدل المذكورة (العلاقات الدولية في ظلال الإسلام) / ٧٧ وهذا الكلام لا يقبل على إطلاقه من الدكتور الزحيلي للأسباب التالية: ١- التحكيم إنما يكون لشرع الله سبحانه، وقواعد التحكيم أو الحكم في محكمة العدل الدولية لا ترجع إلى الشريعة الإسلامية بل ترجع إلى الاتفاقات الدولية أو العادات الدولية المرعية أو مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة، فهل هذه متطابقة مع شرع الله أو مستمدة منه، وقد بلونا الأمرين من الاتفاقات الدولية التي ما وضع أكثر أحكامها إلا لتمكين الدول الكبرى المتحكمة من الاستمرار في السيطرة على الشعوب والأمم وابتزاز خيراتها. ٢- الأعراف الدولية منها ما هو عرف صحيح ومنها ما هو عرف فاسد فكيف نلجأ إلى تحكيمهم في رقابنا والله يقول ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . ٣- قواعد (الحق والعدالة) أو قواعد العدل والإنصاف) قواعد مبهمة تختلف باختلاف وجهات نظر الدول والقضاة، فلا يصح الرجوع إلى أمر مبهم غامض أو فيه اختلاف وجهات النظر. والفرق بين الرأيين: أن الرأي الأول لا يجيز اللجوء إلى التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية إلا إذا كان المحكمون مسلمين، أما الرأي الثاني فيشترط الحكم بالقواعد والتعاليم الشرعية ولو لم يكن المحكمون مسلمين.

стр. 15683

والرأي الذي أراه أن اللجوء إلى المحكمين يقتضي أن يكون بينهم مسلمون، وأن يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في التحكيم أو أن لا يكون القانون أو القواعد التي يلجأ إليها المحكمون متعارضة مع نص الشريعة الإسلامية أو مقاصدها الشرعية، لا سيما وأن فيها من البنود ما يجعل وضع قواعد التحكيم متروكًا للدولتين المتنازعتين (١) . وأما اللجوء إلى المحاكم الدولية مما لم يكن القانون الذي يحكم به موافقًا لما جاء به الإسلام، وما لم تكن مواد القانون قد وضعت باشتراك الدول الإسلامية وأقرتها طبقًا لفلسفتها ودستورها، فلا يجوز اللجوء إليها لما ذكرنا من النصوص القرآنية الصريحة؛ لأن ذلك اعتراف بسيادة قانون غير إسلامي ليحكم به في خلافات المسلمين. وقد نص الفقهاء على أن شرط التحكيم من جهة المحكم العقل والإسلام، وأن شرط المحكم أن يكون فهيمًا وأمينًا وقادرًا على التمييز وصلاحيته للقضاء وقت التحكيم. ونحن من الرأي القائل بأن التحكيم إنما يكون في سائر الأمور المالية والاجتهادات، كما نص على ذلك صاحب الهداية والدر المختار والبحر الرائق والفتاوى الهندية. وينفذ حكم المحكم أو محكمة العدل الدولية في حق المتنازعين فقط الذين حكماه به أو لجأ إلى المحكمة فيه، ولا يتجاوزه إلى غيره من سائر الخصومات، وينفذ على من رضي به من المحكمين (٢) . والله أعلم وبالله التوفيق. ٢٥ / شوال / ١٤١٤ هـ الدكتور عبد العزيز الخياط

стр. 15684

التحكيم في الفقه الإسلامي إعداد الأستاذ محمود شمام الجمهورية التونسية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين الحكيم الذي له الحكم وهو أحكم الحاكمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبد الله وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . صدق الله العظيم التحكيم إن الإنسان مدني بالطبع وهو في حاجة أكيدة وشديدة إلى التعامل مع أفراد مجتمعه للتحصيل على ضروريات قوته ومعاشه وتحقيق متطلبات حياته. وهذه الحاجة يتبادلها الأفراد كما تتبادلها الجماعات بحكم الضرورة الملحة والمصلحة الدافعة. ويحدث الخلاف والنزاع والشقاق وتباين وجهة النظر والرأي ثم إسناد المنافع وتبنيها واقتنصاها. وقد شرع الله وسائل لسد الذرائع وحماية المجتمع وأفراده في تعاملهم وفي حياتهم المدنية والاجتماعية والشخصية الفردية. وجاءت وسائل الإثبات وإقامة الحجج ورسم الخطط لدفع هذا النزاع ورده وصده. ولكن مع كل ما يحاط به الموضوع من حماية ورعاية فالخلافات تتوجد وتتكون والنفوس تتقاذفها الأهواء وتتجاذبها المنافع فتدفعها دفعًا إلى إهدار الواجبات والارتماء خلف الادعاءات الكاذبة الباطلة توصلًا لأغراض زائلة وأعراض فانية وأرباح تافهة.

стр. 15685

واحتيج إلى التقاضي والالتجاء إلى الحكم بين الناس واحتيج إلى من ترفع إليه القضايا ليحسم الخلافات ويقضي على النزاعات ويحافظ على سلامة المجتمعات ويحمي أفرادها من تنطع بعضهم وتعمده دوس الحقوق واجتياز الحدود والاستيلاء باطلًا على أموال الناس. والحكم هو العلم والفقه والتفقه والقضاء بالعدل بين الناس وهو مصدر حكم يحكم وجمعه أحكام والتحكيم إسناد الفعل يقال: حكمت فلانًا أي أطلقت يده ورأيه وأوكلت الله تنفيذه. جاء في لسان العرب: مادة حكم الحكم هو القضاء وجمعه أحكام وهو مصدر قولك: حكم فيهم يحكم أي قضى وحكم له وحكم عليه. وحكموه بينهم انتخبوه للحكم وأجازوا ما يقضي به. وفي مختار الصحاح في نفس المادة: حكمه في ماله تحكيمًا إذا جعل إليه الحكم فيه. وجاء في نفس المادة من كتاب المصباح المنير: الحكم هو القضاء حكمت الرجل بالتشديد فوضت إليه الحكم وجاء التشريع الإسلامي قاضيًا بأن من دعي إلى حاكم لفض خلاف ونزاع فعليه الإجابة والامتثال. ودليل ذلك قوله : ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] . يقول الماوردي (١) : الآية دليل على وجوب الاستجابة لدعوة القضاء، ويقول: إنه ورد عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قوله: إن النبي ﵊ قال: ((من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له)) . . . . .
следующие страницы →