Полный текст (22 276 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
القران والمقابلة:
لما تكون الشمس والقمر على نفس خط الطول السماوي، يمكن اعتبارهما في حالة قران، ويحدث مثل هذا لما يلتقي القمر في دورانه حول الأرض بالخط الهندسي الرابط بين مركزي الشمس والأرض، ويكون القمر بينهما.
أما المقابلة فيه على عكس التعريف السابق، تحدث لما تكون الأرض بين القمر والشمس على نفس الخط الذي ذكرناه، وبهذا تكون الأطوار الفاصلة بين القمر والشمس بقيمة ١٨٠ درجة.
أما في المراحل التي تتخلل هاتين الحالتين، والتي يوجد فيهما القمر على الخط القائم للخط الرابط بين مركزي الأرض والشمس، فإنه يمكن تسميتها بالربع الأول والربع الأخير.
وبتحديدنا لهذه التعاريف يمكن لنا أن نفهم الآن الحالات المختلفة لقرص القمر التي تطرأ عليه في مدة الشهر القمري.
ففي حالة القران لا يمكن لنا أن نشاهد قرص القمر وذلك لاتباعه مسار قرص الشمس، فعندما يغيب هذا الأخير يغيب معه القمر، وهذا هو مفهوم القران.
ولكن هذا لا يعني أن قرص القمر سيحجب عنا قرص الشمس، لأن القران لا يمكن أن يصحبه احتجاب لقرص الشمس إلا إذا حدث في واقع قرب العقد الصاعدة أو النازلة، كما سوف نرى ذلك في حالات الكسوف، ويطلق على حالة القمر في هذه الفترة: القمر الجديد.
стр. 1612
_________
стр. 1613
وبعد بضع ساعات من القران يحدث ابتعاد القمر عن الخط الرابط بين مركزي الأرض والشمس، وذلك نظرًا لسرعته الذاتية على خلاف الأجرام الأخرى التي لا يمكن لها إلا أن تتبع التحرك الليلي الظاهري الناتج عن دوران الأرض حول نفسها، وفي هذه الحالة يكون قرص القمر قد أخذ شكل هلال نظرًا للاعتبارات الهندسية المذكورة.
ثم بعد أيام يصبح القرص عبارة عن نصف كرة مضاءة، وهذا ناتج عن انتقال القمر إلى منطقة في مداره تمكننا من رؤية الإضاءة الحقيقية لحجمه المدور، وتناسب هذه الفترة بالذات وجود القمر في الربع الأول.
وإثر هذه الحالة، وبعد أيام أخرى يمكن لنا أن نلاحظ أن القرص القمري قد تحول إلى بدر كامل الضياء، وهذه الفترة بالذات تقابل مرور نصف شهر قمري، وهي توافق وجود القمر في منطقة مقابلة، ويعبر عن هذه الحالة عادة بالقمر الكامل.
وإثر هذه المرحلة يتم القمر دورته حول الأرض ليمر بعد أيام في منطقة الربع الأخير والتي نشاهد فيها القمر على حالة مطابقة لتلك التي شاهدناه فيها في الربع الأول، ما عدا فرق واحد يتمثل في مشاهدتنا للنصف الثاني فقط من القرص القمري والذي لم يكن ظاهرًا في الربع الأول ويواصل القمر دورته إلى أن يمر شهر قمري كامل تعاد إثره كامل السلسلة التي وصفناها.
هذه لمحة عن أهم الحالات التي يمر بها القمر والتي يمكن أن يشاهدها الإنسان من الأرض، يبقى في هذا المجال سؤال هام يطرح نفسه ويتمثل في المدة التي يتركها القمر ليؤدي دورته الشهرية، والتي يعبر عنها بالدورة الاقترانية، وهل أن هذه المدة قارة أم أنها تتغير طبقًا لمعطيات أخرى؟
قبل أن نبدأ الخوض في الإجابة عن هذا السؤال، نسوق بعض المعطيات لشهر قمري ما، تم فيه حساب الوقت الذي يتركه القمر ليس بكامل المراحل التي تحدثنا عنها:
- بين القران والربع الأول ــ ٧ أيام و ٨ ساعات و ٣٧ دقيقة.
- بين الربع الأول والمقابلة ــ ٧ أيام و ٢٢ ساعة و ١٢ دقيقة.
- بين المقابلة والربع الأخير ــ ٧ أيام و ٨ ساعات و ٤٥ دقيقة.
- بين الربع الأخير والقران ــ ٧ أيام و ٢١ ساعة و ٣٤ دقيقة.
стр. 1614
وهذه أيضًا بعض المعطيات الأخرى التي يمكن كذلك أن تساعدنا على الإجابة على بعض جوانب السؤال، وتتمثل في الأوقات التي تفصل قرانات عديدة ومتلاحقة للقمر:
- القران الأول: ٢٩ يومًا ــ ١٣ ساعة ــ ٣٠ دقيقة.
- القران الثاني: ٢٩ يومًا ــ ١٢ ساعة ــ ٤ دقائق.
- القران الثالث: ٢٩ يومًا ــ ١٠ ساعات ــ ٤٥ دقيقة.
يمكن لهذه المعطيات أن توضح الأمر قليلًا، وذلك لأنها تحتوي على عنصر هام يتمثل في الفروق الوقتية التي تفصل الحالات عن بعضها، والفروق الوقتية التي تفصل قرانات متتالية، وأخيرًا الفروق الموجودة بين الشهر الحقيقي والذي يقوم فيه القمر بدورة كاملة حول الأرض، وشهر قمري تعاد فيه نفس الحالات المذكورة آنفًا.
فأما الفروق الأخيرة، يمكن تفسيرها كما يلي: فإذا حدث في فترة ما قران، فإن القران الموالي سيحصل بعد مدة قام فيها القمر بدورة كاملة، كما قامت فيها الأرض كذلك لجزء من دورتها حول الشمس، وبما أن حالات القمر المختلفة ناتجة أساسًا عن الأماكن التي تأخذها الأرض والقمر بالنسبة للشمس، فإن القمر عندما يدور مرة حول الأرض فإن القران الثاني لا يحصل في نفس الوقت الذي تمت فيه هذه الدورة نظرًا لتحرك الأرض حول الشمس، بل يحدث بعد فترة يكون فيها القمر على الخط الرابط بين الأرض والشمس وهذا الشهر القمري والذي عبر عنه بالشهر الاقتراني هو أطول من الشهر الحقيقي الذي يدور فيه القمر دورة كاملة حول الأرض بقطع النظر عن الحالات التي يكون عليها قرصه.
أما الفروق الأخرى التي تهم الحالات المتتالية للقمر من جهة والفروق التي تهم المدد الفاصلة بين اقترانات متتالية من جهة أخرى، فإنها ناتجة عن أسباب معقدة تعسر حساب أوقات دخول الشهر القمري ولا تجعله ثابتًا، وأهمها أن القمر لا يخضع في دورانه إلى جرم واحد فحسب ولذلك لا يكون مداره منتظمًا نظرًا للاضطرابات التي تعتريه نتيجة لتداخل فعل قوات الأجرام المحيطة به وأهمها الأرض والشمس.
стр. 1615
فالمعروف أنه إذا كان جرم الأرض هو المؤثر الوحيد في القمر، فسيتبع هذا الأخير في دورانه إهليجا ذات خصائص ذاتية معينة طلبًا لقوانين كبلر، فيسهل بذلك حساب أوقات المراحل المختلفة التي يمر بها القمر.
ولكن هذا لا يمكن تطبيقه بصفة كلية على القمر، لأن هذا الأخير يخضع لقوات أخرى، مصدرها الشمس، التي، وإن كانت بعيدة، فإن كتلتها تؤثر بصفة مباشرة على مدارها القمري.
ولهذه الأسباب فإن دراسة حركة القمر تعتبر من أعسر الدراسات الموجودة في مجال حركية الأجرام نظرًا لأنها تعتمد على مشكل الأجسام الثلاثة، والذي لا يمكن حله بصفة جذرية، ولكن بالاعتماد الحالي على الأدمغة الإلكترونية أمكن للفلكيين معرفة أوقات حدوث كافة الحالات القمرية، وبالتالي معرفة بداية الشهر القمري ونهايته، وذلك بفوارق زمنية تصل في وقتنا الحاضر مقدار جزء من ألف الثانية.
والجدير بالذكر أن مثل هذه الحسابات الدقيقة هي التي مهدت للولايات المتحدة من بعث أول مركبة قضائية مسكونة إلى القمر.
الرؤية العلمية والبصرية لهلال أول الشهر القمري:
يحصل القران بين القمر والشمس عندما يكون هذان الجرمان على نفس خط الطول السماوي مثلما رأينا في الفقرات السابقة.
وتعريف دخول الشهر القمري عند المسلمين هو عندما يبدأ الهلال في الظهور فما هي العلاقة الموجودة إذن بين ظهور الهلال وبين القران؟
لكن قبل ذلك لنا أن نسوق بعض الملاحظات:
إن المتأمل للحالات المتعددة التي يمر بها القمر يمكن أن يلاحظ أن الهلال إذا ظهر في ليلة ما، فإنه يختفي بعد ساعات من غروب الشمس، ويتفاوت عدد هذه الساعات بتغير حجم الهلال من ليلة إلى أخرى، فهل أول الشهر يختلف مثلًا عن الهلال الذي مرت عليه أربعة أيام، وذلك لأن هذا الأخير يكون في مرحلة إشعاع للضوء أكثر من الأول، نظرًا لوجوده في منطقة من مداره تخول له انعكاسًا أكبر للضوء.
كما أنه إذا اختفى هلال أول الشهر بعد ساعة تقريبًا من غروب الشمس، فإن الهلال الذي يكون عمره أربعة أيام يختفي في القبة السماوية في منطقة الغرب وبعد أكثر من ثلاث ساعات من غروب الشمس.
وكل هذه الملاحظات يمكن أن يتتبعها أي كان عندما يبدأ الشهر القمري وكما ذكرنا في الحالات الظاهرية للقمر فإن تغير حالة قرص القمر ناتجة أساسًا عن الدوران الذاتي للقمر حول الأرض.
يبقى هنا أن نفسر ما يحدث قبل أن يظهر هلال أول الشهر.
بما أن القمر في حالة دوران مستمرة حول الأرض، فإنه قبل أن يظهر هلال أول الشهر يكون القمر قد مر بمرحلة هلال آخر الشهر، وهذا التعريف الأخير غير مستعمل لعدم اهتمامنا به لأنه لا يمثل بداية لوحدة قياس زمنية.
стр. 1616
_________
стр. 1617
وهلال آخر الشهر يمكن أن يراه كل واحد منا في منطقة الشروق وذلك قبل أن يبزغ قرص الشمس وبين هذه الحالة وحالة هلال بداية الشهر توجد مرحلة ما يعبر عنها بالقران وهي التي يصبح فيها قرص القمر مصاحبًا لقرص الشمس بدون أن يقع تداخلهما الظاهري نظرًا لوجود كل منهما على مستوى مختلف، ولا يمكن أن تحدث حالة التداخل هذه إلا عند وجود القمر في واحدة من العقد الصاعدة أو النازلة أو قربها، وهذا بالذات يقابل حالة الكسوف.
إذن يمكن القول بأن الهلال النظري يولد بعد أن يمر القمر من حالة القران التي يكون فيها حدوث كسوف الشمس ممكنًا إذا توفرت الظروف الملائمة لذلك.
هذا فيما يخص الظهور العلمي للهلال الذي يكون في الدقائق التي تتلو حدوث القران أما فيما يخص الرؤية البصرية للهلال فإنها لا يمكن أن تكون إلا إذا كان بعد قرص القمر عن قرص الشمس بمقدار ٨ درجات عند الغروب، وتعادل هذه القيمة ما بين تسع ساعات وعشرين ساعة بعد وقت القران.
ولا يمكن لأضخم آلات الرصد الفلكية أن تعاين الهلال الجديد إلا بعد مرور ساعتين على الأقل من وقت حصول القران.
وتكمن هذه الصعوبة في معاينة الهلال مباشرة بعد القران، في أن القمر حينما يجتاز هذه الحالة، يكون مجال وجوده في مجال ضوء الشمس الذي تحجب عنا قوته مشاهدة القمر الجديد، ولا يمكن بالتالي معاينة الهلال إلا بعد مرور ساعات عن القرن وفي وقت الغروب، لأن قرص الشمس في هذه الفترة يكون قد اختفى، ويكون الانفصال الزاوي بين قرصي الشمس والقمر كافيًا ليشاهد الهلال بالعين المجردة.
ولنا أن نقول هنا: إنه يمكن حساب وقت حدوث القران بدقة كبيرة لا يتعدى فيها الفارق جزءًا بسيطًا من الثانية.
стр. 1618
_________
стр. 1619
ويمكن لنا إذا أردنا أن نستعمل الحسابات المعتمدة في الدول المتقدمة لتعيين وقت دخول مثل هذه الظواهر، لأغراض تخدم مصالحنا الإسلامية، ومن ذلك فباستطاعتنا أن نعين وقت دخول الشهر القمري قبل عدة أشهر، ونقوم بالتثبيت التطبيقي عند حلول الشهر المعني مثلما أمرنا بذلك في الشريعة، وهذا في رأيي عين الصواب لتحاشي هفوات عديدة قد يكون ضحيتها أفراد الأمة الإسلامية من جراء رؤية قد تكون خاطئة، خصوصًا إذا كانت مصحوبة بحسابات فلكية بالية، وفي هذا السياق آخذ الواقعة التالية التي أتمنى أن يعتبر بها القارئ.
منذ سنوات، أعلنت بعض الإذاعات العربية عن رؤية الهلال، فتبعها، في ذلك عدد لا يستهان به من الدول العربية الأخرى، ثم اعترفت فيما بعد بالخطأ الذي وقعت فيه وكانت رؤية الهلال في ذلك المساء بالذات مستحيلة نظرًا لأن القرار يحصل بعد ١١ ساعة من الوقت الذي تم فيه الإعلان عن الرؤية، وقد أكد حدوث القران في ذلك الوقت وجود كسوف كلي في منطقة نصف الكرة الجنوبي، وكما سنرى فيما يلي فإن الكسوف إذا حدث فإنه يكون في وقت القران تمامًا، ولا يمكن لأضخم آلات الرصد الفلكية أن ترى الهلال إلا بعد مرور ساعتين على وقت حصول القران كما ذكرنا.
وفي المدة التي حصلت فيها هذه الحادثة، أراد مدرسان سوفياتيان متابعة الحدث والاطلاع على كيفية تعيين دخول القمر الجديد من قبل المسلمين، فكانت المفاجأة كبيرة إذ قال أحدهما بالحرف الواحد: كيف يمكن أن يحدث هذا الخطأ في البلاد التي كانت مهدًا لأعظم فلكيي الإنسانية؟
فلنتحر إذن كل الإشاعات الموجودة التي تقول: إنه من المستحيل معرفة وقت دخول الشهر القمري أو انتهائه بصفة علمية، ولو كان الأمر كذلك لما تمت للفلكيين معرفة سلسلة الكسوفات والخسوفات التي تحدث بعد عدة سنوات، وكما سنرى، فإن الكسوف والخسوف يتطلبان حسابًا أدق من ذلك الذي تتطلبه المعاينة العلمية لدخول الشهر.
стр. 1620
ظاهرة الكسوف والخسوف:
منذ العصور القديمة استرعى انتباه الإنسان حدوث ظواهر يتسبب فيها القمر حينًا عندما يحدث كسوف للشمس، والأرض حينًا آخر عندما يحدث خسوف القمر.
وقد اعتمدت الشعوب القديمة في تفسيرها لهذه الظواهر على أسس دينية ليس لها أي مجال من الصحة.
وقد كان الصينيون القدامى أول من حاول تفسير مثل هذه الظواهر والتعرف على الدورات الوقتية المختلفة لها، فقد قاموا بوضع جداول زمنية لحدوث الكسوف ثم محاولة تعميمها على السنوات الموالية، وقد نجحوا جزئيًا في هذه المهمة.
أما العرب المسلمون فيرجع لهم الفضل في محاولة تفسير جديد للظواهر المذكورة، ويكفي أن نذكر في هذا المجال العالم المسلم ابن الهيثم الذي كان متخصصًا في علم البصريات، والذي قام بتجارب عديدة، مهدت فيما بعد الحصول على معلومات إضافية تهم حدوث الكسوف والخسوف.
كيف يحدث الكسوف:
نعلم أنه طبقًا لقوانين كبلر، أن القمر يدور حول الأرض تبعًا لمدار إهليجي ويتخلل هذه الدورة بعض الاضطرابات الحركية التي تؤثر في الحركة الدائرية للقمر، كما سوف نرى، ومستوى مدار القمر يختلف عن مستوى مدار الأرض حول الشمس بنحو خمس درجات.
إذن يمكن أن نقول: إن القمر يدور حول الأرض تبعًا لمسار شبه دائري ومائل نحو خمس درجات للمستوى الأصلي الذي تتم فيه الدراسات الفلكية وهو مدار الأرض حول الشمس، وبما أنه توجد بعض الاضطرابات فإن هذا المدار ذا الأنحاء القار يتحرك حول خط العقد بسرعة ٣٦٠ درجة في ١٨ سنة وثلثي سنة، وهذه المدة هي التي تعيد نفس سلسلة الكسوفات والخسوفات التي حدثت في وقت ما وتسمى بالشروق نظرًا لرجوع القمر إلى نقطة البداية في المدار الأول، إذا فسلسلة الكسوفات والخسوفات التي حدثت بين سنة ١٩٦٠ وسنة ١٩٧٨ هي نفسها التي حدثت بين سنة ١٩٤٨ وسنة ١٩٦٠ مثلًا.
стр. 1621
ولكن متى يحدث الكسوف؟
حينما يكون القمر في حالة قران وتكون منطقة وجوده على مداره على بعد زاوي أقل من درجة و ٣٥ دقيقة بالنسبة للدائرة الكسوفية وهي مدار الأرض حول الشمس، فإنه من الأرجح أن يكون هناك كسوف.
أما إذا كانت منطقة وجوده العرضية أقل من درجة و ٢٢ دقيقة، فإن الكسوف يحدث لا محالة.
وبين هاتين المنطقتين يكون حدوث الكسوف غير ثابت، ولهذا يجب القيام بحسابات أدق من السابقة للتيقن من حدوثه.
ولكن لماذا يحدث الكسوف في هذه المناطق العرضية بالذات؟
للإجابة عن ذلك نقول: إنه في حالة القران يجب أن تكون زاوية العرض السماوية للقمر أقل من مجموع الزوايا التي تفصل على التوالي بين الخطين الهندسيين أرض – قمر، وأرض – شمس من جهة ونصف القطر الظاهر للقمر من جهة ونصف القطر الظاهر للقمر من جهة أخرى، وبما أن حركة القمر غير قارة كل شهر على مداره فإن مقدار هاتين الزاويتين يتغير من شهر إلى آخر.
ومن جانب آخر يمكن أن نقول: إن الكسوف يحدث إذا مكان ظل القمر يحجب بصفة جزئية أو كلية رقعة من الأرض، لذلك يكون وجود القمر في نقطة ما من مداره وقت القران بالذات المحدد الوحيد لحدوث نوع من أنواع الكسوفات المختلفة أو عدم حدوث أي واحد منها.
وأعني بأنواع الكسوف: الكسوفات الكلية، أو الكسوفات التوسطية، أو الكسوفات الجزئية.
стр. 1622
_________
стр. 1623
ومن المعلوم أنه لما يدور القمر حول الأرض يخلف في كل نقطة من مداره ظلًا يناسب طوله والمسافة التي تفصل القمر عن الشمس، وفي كل الحالات يتراوح مقدار هذا الطول بين ٥٧ و ٥٩ شعاعًا أرضيًا، وهذه الأرقام تقترب إلى حد كبير من الأرقام التي تتعلق بالمسافة الفاصلة بين القمر والأرض والتي تتراوح بين ٥٥ و ٦٦ شعاعًا أرضيًا.
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نصف الكسوفات حسب طول الظل القمري وحسب المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر وقت القران.
(أ) الكسوف الكلي:
إذا بلغ طول الظل الذي يخلفه القمر المقدار الأقصى، يعني ٥٩ شعاعًا أرضيًا، بينما لا تكون المسافة الفاصلة بين مركزي الأرض والقمر إلا ٥٥ شعاعًا أرضيًا، وهي المسافة الدنيا بينهما فتكون في هذه الحالة رقعة الظل الواقعة على الأرض عبارة على بقعة دائرية دكناء، يقدر شعاعها بـ ١٤٨ كلم، وهذه أكبر الرقاع التي يمكن أن يسببها كسوف للشمس.
أما المناطق المحيطة بهذه الرقعة فيكون فيها الكسوف جزئيًا، وذلك لأن هذه الأماكن قد اخترقها ما تحت الظل فحسب، ومن هنا فلا يرى المشاهد الأرض في هذه المناطق بالذات سوى احتجاب جزئي لقرص الشمس.
ولنصف الآن كيفية حدوث الكسوف الكلي على منطقة أرضية ما: قبل القران بساعة وبضع الساعة يبدأ قرص القمر بالدخول في مجال قرصي الشمس ويكون هذا الدخول بطبيعة الحال جانبيًا وتدريجيًا إلى أن يحجب قرص القمر جزءًا كبيرًا من قرص الشمس، وفي وقت القران بالذات يغطي قرص القمر كليًا قرص الشمس، ويخيم الظلام تمامًا على المنطقة لمدة تقارب ستة دقائق يبدأ إثرها قرص الشمس في الانجلاء شيئًا فشيئًا للرجوع بعد ساعة ونيف إلى حالة إضاءته الطبيعة.
وعلى سبيل الإفادة نذكر الحدث العلمي التالي:
في كسوف شمسي حدث سنة ١٩٧٣ اتفقت بعض الدول المتقدمة على تمويل مشروع يقضي بمتابعة هذا الكسوف الذي حدثت معظم مراحله على القارة الإفريقية في المنطقة الاستوائية، ولكن هذه المتابعة لم تكن كسابقتها بالعين المجردة فحسب، أو بآلات رصد ثابتة، بل تعدتها لتكون على متن طائرة تتجاوز سرعتها سرعة الصوت، وقد جهزت بآلات رصد خاصة مهدت للعلماء فيها بعد التعرف على جزء كبير ومجهول من مكونات الأجواء الشمسية والتي لا يمكن دراستها إلا عند حدوث كسوف كلي.
والمرحلة الكلية للكسوف التي تدوم عادة ست دقائق، تمت مراقبتها في هذه المرحلة لمدة ساعتين وذلك بمتابعة بقعة الظل القمرية التي التقت بسطح الأرض في منطقة موريتانيا وتواصلت إلى أن ابتعدت عن السطح في منطقة بكينيا، وقد انتظر الفلكيون والعلماء بشغف هذا الكسوف منذ عدة سنوات لإتمام تحضيراتهم على أحسن وجه، ولم يقتصروا على معرفة وقت بداية الكسوف فحسب، بل تعرفوا كذلك على المسار الذي تتبعته بقعة الظل، وقد تم إعطاء هذه التعليمات من قبل دماغ إلكتروني وقع تصميمه لهذا الغرض.
стр. 1624
(ب) الكسوف الجزئي:
يحدث هذا النوع من الكسوف عندما تكون المسافة الفاصلة بين سطح الأرض والقمر تعادل في قيمتها طول الظل من قاعدته إلى قمته، وفي هذه الحال تكون كامل المنطقة المحيطة بالنقطة النظرية لهذه القمة في حالة كسوف جزئي، يعني أن ما تحت الظل هو الذي يغطيها وليس الظل نفسه، وتحدث مثل هذه الحالة أيضًا إذا التقى ظل القمر بمناطق قطبية يكون فيها معظم الظل وما تحت الظل خارج الكرة الأرضية.
(ج) الكسوف التوسطي (الحلقي) :
في حالة القران، وعندما تكون المسافة الرابطة بين مركزي القمر والأرض ٦٦ شعاعًا أرضيًا بينما لا يتعدى طول الظل من قمته إلى قاعدته ٥٧ شعاعًا أرضيًا فيحدث أن نرى أن قيمة الظل القمري تكون فوق سطح القمر وبهذا عندما يكون الكسوف في مرحلته القصوى فإن قرص القمر يتوسط قرص الشمس، وهذا ناتج عن كون قيمة شعاع القرص الظاهري للقمر أقل من تلك التي تكون للشمس نظرًا لأن القمر في هذه الحالة يكون في أبعد نقطة من مداره حول الأرض.
أما في المناطق الشريطية المجاورة لمناطق الكسوف التوسطي، فيمكن أن نشاهد على غرار الكسوف الكلي احتجاجًا جزئيًا لقرص الشمس.
بقي أن نلاحظ أن حدوث كسوف كلي في منطقة من المناطق نادرًا أن يتكرر في نفس المنطقة نظرًا لأن الشريط الأرضي الذي يمكن أن يشاهد فيه كسوف كلي صغير جدًا بالنسبة لحجم الكرة الأرضية، وكذلك نظرًا لأن سلسلة الكسوفات التي ذكرناها سابقًا والتي تعيد نفس أنواع الكسوفات في مدة ١٨ سنة و ١١ يومًا لا تعيد الكسوف نفسه فوق المنطقة نفسها لأنه لا توجد تناظرية في عدد الأيام.
стр. 1625
فائدة الكسوف:
يتساءل المرء عن أهم الفوائد التي يمكن أن نجنيها من حصول كسوف ما على الأرض.
صحيح أن هذه الفوائد كانت منعدمة في القديم، ولكن الأمور تغيرت في عصرنا الحاضر وأصبح الإنسان يحاول جاهدًا تفسير عدد من الظواهر باتت إلى حد هذا الوقت غير مفهومة، ومن بين المشاكل العلمية التي أمكن للعلماء حلها لما يحدث كسوف للشمس فذلك توصلهم لإثبات عدم وجود طبقات جو على سطح القمر، وقد كان هذا الإثبات نتيجة مقارنتهم لبقعة الظل النظرية التي يمكن أن يخلفها جسم كروي كالقمر بدون أن يكون له مجال جوي محيط به، وبين البقعة الحقيقية التي يسببها مرور القمر بين الأرض والشمس في وقت القران وفي حالة الكسوف الكلي وقد وجد العلماء أن هاتين البقعتين لهما نفس المساحة.
ومثل هذه التجارب مكنت علماء الفضاء من بعث مراكب فضائية مسكونة إلى سطح القمر بدون أن يكون هناك خوف على هذه المراكب من الاحتراق إذا ما اخترقت المجال القمري، وذلك لعدم وجود طبقات جو.
أما التجربة التي قام بها زملاء انشتاين لتثبيت نظريته في النسبية العامة، فقد كانت رائدة في التاريخ الفيزيائي الحديث، ولو لم تكن هذه التجربة التي قاموا بها أثناء كسوف كلي للشمس سنة ١٩١٨ والتي حاولوا عبرها إثبات انحناء شعاع الضوء عندما يمر قرب كتلة ضخمة، كما تنص على ذلك بعض الفصول النظرية لقانون النسبية العامة لما كتب لانشتاين أن يفرض ما جاء به نظرًا لما كانت تكتنفه هذه النظرية من غموض على الصعيدين النظري والتطبيقي.
أما الفوائد الأخرى التي يمكن أن يقدمها حدوث كسوف كلي للشمس في منطقة ما، فإننا نذكر الدراسات القائمة على قدم وساق، والتي سوف تمكن العلماء بعد بضع سنوات من التعرف على بعض الخصائص المجهولة لجرم الشمس.
وأجواء هذه الأخيرة، لا يمكن أن تدرس إلا عند حدوث كسوف كلي للشمس، ولهذا نرى أنه كلما علم بحصول كسوف كلي على منطقة ما، تهافت عليها العلماء من كل حدب وصوب للتمكن من إتمام الدراسات التي يقومون بها، ونشير هنا أن معدل الوقت تستمر فيه المراحل الكلية لكامل الكسوفات الكلية التي تحدث كل سنة على أرض لا يتجاوز ١٠ دقائق، وهذا الوقت جد قصير بالنسبة لدراسات هامة كتلك التي يقوم بها العلماء في هذا المجال، ولذا فإننا نراهم يستعدون كامل الاستعداد لرصد مثل هذه الحالات، وما التجربة الرائدة التي تحدثنا عنها والتي قام بها فريق من الباحثين على متن الطائرة لتتبع بقعة الظل إلا خير دليل على ذلك.
стр. 1626
خسوف القمر:
قلنا في الجزء السابق: إنه لما يوجد القمر في نفس المستوى مع الأرض والشمس يمكن أن يكون القمر بين الأرض والشمس أو أن تكون الأرض بينه وبين الشمس.
ولذا فإننا سنتناول الحالة الثانية في الفقرات الموالية:
أن الظل الذي تخلفه الكرة الأرضية عندما تكون مضاءة بالشمس، أكبر من الظل الذي يخلفه القمر عندما يدور حول الأرض، فنظرًا لهذا فإن الخسوفات الكلية، عندما تحدث، يمكن أن تحجب قرص القمر تمامًا، وهذا لن يحدث عندما تكون الأرض في حالة كسوف.
لكن لا يمكن للخسوفات أن تحدث كل مرة يمر فيها القمر من منطقة التقابل، وذلك لأن المدار القمري ذا الأنحاء الثابت غير قارٍّ في تحركاته، ولهذا يمكن أن نصف أنواع الخسوفات حسب زاوية العرض السماوية:
١- أقل من ٢١ دقيقة: خسوف كلي ثابت.
٢- بين ٢١ و ٣٢ دقيقة: خسوف ثابت كلي أو جزئي.
٣- بين ٣٢ و ٥٢ دقيقة: خسوف ثابت جزئي.
٤- بين ٥٢ و ٦٣ دقيقة: خسوف جزئي ممكن.
٥- أكثر من ٦٣ دقيقة: حدوث الخسوف مستحيل.
وفي حالة حدوث خسوف كلي للقمر يمكن لمناطق الأرض التي يوجد فيها الظلام والتي يظهر فيها القمر أن تشاهد هذا الخسوف.
стр. 1627
وقد استعمل الخسوف الكلي لفترات طويلة كمحدد رئيس لزاوية الطول الجغرافية لمنطقة ما من الأرض، كما استعمل للتعرف على وقت حدوث البدر الكامل، وقد ساعد هذا على إصلاح بعض الحسابات الفلكية القديمة التي تعتمد دورة القمر كوحدة وقتية لها.
وفي حالة حدوث خسوف كلي يصبح القمر غير مرئي بالمرة، بل نرى ضياء أحمر داكنًا، وما هذا الضياء إلا نتيجة للإشعاعات الشمسية المنعكسة على مناطق سطح الأرض التي يكون فيها الوقت نهارًا.
تواتر الكسوف والخسوف:
اعتمادًا على ما ذكرنا سابقًا فيما يخص موقع القمر بالنسبة لمستوى مدار الأرض على مداره عندما يكون في حالة اقتران أو تقابل، اعتمادًا على هذا فإنه يمكن القول: إن عدد الخسوفات والكسوفات في السنة لا يحدث إلا نادرًا نظرًا لأن الشروط المذكرة لا تتكرر إلا في مناسبات معدودة، فالمعدل العام لحدوث نوع من الكسوفات في السنة يقارب ٢.٣ مرات، أما معدل الخسوف فلا يتجاوز ١.٥ مرات.
وتبلغ مدة الدورة الوقتية التي تعاد فيها نفس الكسوفات والخسوفات، ١٨ سنة و١١ يومًا، ويتراوح عدد الكسوفات والخسوفات في هذه المدة بين حد أقصى يبلغ السبعة (تشمل الكسوف والخسوف) وبين حد أدنى يصل في بعض الأحيان إلى اثنين (كسوف للشمس وخسوف للقمر) .
стр. 1628
_________
стр. 1629
الخلاصة
اعتبر أنه من الواجب على المسلمين وجوبًا عينيًا وكفائيًا:
- التزام التاريخ الهجري الذي أجمع عليه في عصر الصحابة.
- حساب الشهور القمرية مرتبطة بالعبادات وبالتالي فله أهمية قصوى في حياتنا.
- احترام علم الفلك وعدم مقارنته بالتنجيم الذي ليس له أي صلة بالعلوم وخصوصًا تلك التي حث عليها الإسلام.
- أن التوحيد في أوائل الشهور القمرية أمر ميسور لدى أهل علم الفلك وله ما يدعمه من حقائق وثوابت فلم يبق إلا اجتهاد فقهاء العالم الإسلامي بطريقة جماعية لتحديد أوائل هذه الشهور مستعينين بما يقدمه علم الفلك والفلكيون.
- بما أن الكسوف والخسوف ظاهرتان ثابتتان يمكن حسابهما وتثبيتهما، فإنه بالمثل لبداية الشهور القمرية، ويمكن إصدار تقاويم يوافق عليها علماء من الفلكيين والفقهاء، ومثل هذا ينظم ويبعد شبح التفرقة والفتنة بين أفراد أمة الإسلام.
وفقنا الله لما فيه خير أمة الإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1630
الوثائق المقدمة
توحيد بداية الشهور القمرية
لفضيلة الشيخ محمد علي السايس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فما له من هاد، ونصلي ونسلم على خير أنبيائه وصفوة رسله وأوليائه، سيدنا محمد بن عبد الله المبعوث بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
أما بعد، فقد طال الجدل بين العلماء قديما وحديثا في شأن الشهور القمرية وتحديد أوائلها وأواخرها، واختلفت كلمتهم في ذلك اختلافًا كثيرًا وفي كل عام يتجدد النزاع وتحتدم المناقشة في هذا الشأن، لا سيما في أشهر رمضان وذي الحجة لارتباط الصيام والحج بهما، وكثيرًا ما تطلع الناس إلى علماء الشريعة، وراودهم الأمل في أن يطلعوا على الناس برأي يجمع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويوحد صفوفهم ويؤلف بين قلوبهم ويقضي على هذا التفرق والتنازع، وذلك لتوحيد مبدأ الشهور العربية في جميع البلاد الإسلامية، وبذلك يتوحد مظهر المسلمين جميعًا في أنحاء المعمورة في أداء عبادتهم، وفي مواسمهم وأعيادهم الدينية مطمئنة قلوبهم إلى أنهم أدوا الصوم والفطر والحج في وقته، لا يتطرق إلى نفوسهم شك ولا يساورها قلق، كما هو الشأن الآن بالنسبة للمختلفين من الصائمين والمفطرين، لا يثق أي منهم وثوقًا مطلقًا بأنه هو المحق وغيره المبطل، ولعل هذا هو ما أراده النبي – ﷺ بقوله ((صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وحجكم يوم تحجون)) .
ولا شك أن توحيد مبدأ الشهور العربية في البلاد الإسلامية يعد من أقوى العوامل على تمكين الروابط بين الشعوب الإسلامية في جميع أقطار الأرض، وجمعهم على كلمة واحدة وطريقة واحدة، والناس الآن أحوج ما يكونون إلى التآلف والتقارب واتحاد الكلمة، والطابع العام للدين الإسلامي هو التوحيد، والله رب العالمين واحد، والرسول الكريم للناس كافة واحد، والقرآن واحد، والقبلة التي يتوجه إليها المسلمون في صلواتهم واحدة، والأمة الإسلامية واحدة، قال تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .
стр. 1631
وقد تقدم فضيلة الشيخ عبد الحميد السائح عضو المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية عن شرق الأردن برغبة أن يبحث المجمع هذا الموضوع، وقد استجاب المجمع لهذه الرغبة وأحال على هذا البث ليقدم إلى المؤتمر الثالث، واستعنت بالله واطلعت على نصوص من كتب المذاهب الأربعة، وبعض علماء الشيعة الإمامية والزيدية وعلى رسائل كتبت في هذا الشأن منها رسالة تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان لابن عابدين، ومنها العلم المنشور في إثبات الشهور لابن السبكي قاضي قضاة دمشق٠، ومنها إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة للشيخ محمد بخيت المطيعي، ومنها رسالة الهلال للشيخ طنطاوي جوهري، ومنها رسالة الصوم للشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر سابقًا، ومنها قرارات اللجنة الشرعية الفلكية بشأن توحيد مبدأ الشهور العربية في البلاد الإسلامية لطائفة من أساتذة كلية الشريعة.
وقد تبين لي والحمد لله بعد الاطلاع على هذه المراجع والرجوع إلى أهل الذكر فيما ليس لنا به علم من علماء الفلك أن هذا المطلب ليس بعزيز المنال، وأنه أيسر مما كنت أظن ويظن كثير من الناس، لكثرة اختلاف العلماء طوال الأزمان الخالية، دون أن تتلاقى وجهات نظرهم ويتفقوا على رأي واحد يريح المسلمين من هذا التنازع ويجمعهم على كلمة سواء.
ولا تثريب على من اختلفوا قديمًا من العلماء، فلم يكن لديهم تلك الوسائل التي مَنَّ الله بها على عباده في هذا الزمان، والتي جعلت هذا المبدأ القويم مبدأ التوحيد يسير المنال.
وأول تلك الوسائل تقدم علم الفلك وبراعة علمائه فيما يعالجونه من شؤونه، وذلك بالحساب الدقيق القطعي المبني على قواعد هندسية مبرهنة، والذي يضبطون به أحوال القمر ومنازله ومواقفه، ويحددون به أوائل الأشهر القمرية ونهايتها، مما يستعان به على رؤية الهلال رؤية عينية هي غاية العلم وهي عين اليقين.
стр. 1632
وثانيها: ما اخترعه العلماء في هذا العصر من الآلات الحديثة التي يسهل بها كشف الهلال في ليلته الأولى مهما كان صغيرًا دقيقًا، من المراصد المجهزة بأحدث الوسائل العلمية مما ييسر أمر الرؤية في هذا العصر.
وثالثها: تقدم وسائل الإذاعة والإعلام في هذا الزمان، كالراديو والتليفزيون واللاسلكي وغير ذلك مما يمكن من إعلام جميع البلاد الإسلامية بالرؤية فور ثبوتها.
ويشتمل هذا البحث على أربعة فصول وخاتمة:
الأول - في أقوال علماء المذاهب الأربعة وبعض الشيعة الإمامية والزيدية فيما ثبتت به هلال رمضان وشوال وغيرهما في حالتي الصحو والغيم، مع بيان وجهة كل منهم ومناقشة الأدلة وترجيح المختار منها.
الثاني - في بيان آراء علماء الإسلام في مطالع القمر، وهل يؤثر اختلافها في إثبات الشهور، أو لا عبرة باختلافها فيمكن توحيد البلاد الإسلامية واجتماعها على مبدأ واحد؟
الثالث - في بيان أنواع الحساب الفلكي وما جرى عليه العمل قديمًا وحديثًا في التقاويم الرسمية وغيرها، حتى يتميز ما يصح التعويل عليه وما لا يصح.
الرابع - في بيان آراء العلماء في الرأي بقول أهل الحساب والفلكيين في تحديد الشهور القمرية.
أما الخاتمة - فهي في بيان ما يجب على الدول الإسلامية القيام به في شأن إثبات الشهور القمرية لنصل إلى هذه لغاية المنشودة من أقرب سبيل.
стр. 1633
الفصل الأول
أقوال العلماء، فيما تثبت به الشهور القمرية
مذهب الحنفية:
المقرر في معتبرات الكتب عند الحنفية أنه يجب على المسلمين وجوب كفاية أن يلتمسوا هلال رمضان وغيره في اليوم التاسع والعشرين من شهر السابق لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا، فيجب عليه طلبه لإقامة الواجب، فإن رأوا الهلال ثبت الشهر الجديد، وصاموا إن كان رمضان، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإن غُمَّ عليكم أكملوا عدة الشهر ثلاثين يومًا لقوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا)) ، ولأن الأصل بقاء الشهر وكماله، فلا يترك هذا الأصل إلا بيقين بناء على القاعدة الشرعية: لا يزول اليقين بالشك.
والمصرح به في كتبهم المتداولة أنه إذا كان بالسماء علة من غيم أو غبار يحجب الرؤية أن يقبل في تحقق رمضان خبر عدل أو مستور، ولو كان خبر العدل أو المستور على خبر مثله، ويستوي في ذلك أن يكون المخبر حرًا أو عبدًا ذكرًا أو أنثى، ولا يشترط العدد ولا لفظ الشهادة ولا تقدم الدعوى ولا حكم الحاكم ولا مجلس القضاء واستدلوا بما روي عن ابن عباس ﵄: ((أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: أبصرت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فقال: نعم، قال: قم يا بلال وأذن في الناس ليصوموا غدًا)) وفي رواية ((يكفي المسلمين أحدهم قم يا بلال)) إلخ.. وعللوا ذلك أيضًا بأن هذا ليس بشاهدة، بل هو إخبار، بدليل أن حكمه يلزم الشاهد وهو الصوم، وحكم الشهادة لا يلزم الشاهد، والإنسان لا يتهم في إيجاب شيء على نفسه، إلا أنه إخبار في أمر ديني ولذلك اشترطوا في المخبر الإسلام والعقل والبلوغ، وألا يكون ظاهر الفسق، لأن قول الفاسق في الأمور الدينة التي يتيسر تلقيها من العدول غير مقبول.
أما إذا لم يكن بالسماء علة فقد اختلفت كلمتهم في ذلك، ففي ظاهر الرواية لا يقبل خبر الواحد حتى يراه جمع كثير يقع العلم للقاضي بخبرهم والمراد من العلم غلبة الظن لا اليقين، وأمر القلة والكثرة مفوض إلى رأي المشهود عنده، لأن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والأماكن.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه تقبل في هذه الحالة أيضًا شهادة الواحد العدل، وفي رواية أخرى تقبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
ووجه ظاهر الرواية أن خبر الواحد العدل إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر وهنا الظاهر يكذبه حيث تفرد بالرؤية والسماء صحو، والكل متوجه إلى ما توجه إليه يقلب وجهه في السماء، وفيهم من هو أقوى منه إبصارًا وأَحَدُّ نظرًا، فكان ذلك مظنة غلطه، فلا يفيد خبره غلبة الظن، فلا يقبل لاحتمال الغلط والخطأ، كما حكي عن أنس بن مالك أنه تراءى الهلال مع جماعة فيهم إياس، فقال أنس: إني أرى الهلال، ولم يره أحد ممن كان معه، فتفطن إياس بذكائه ونظر إلى عين أنس، فوجد عليها شعره بيضاء قد نزلت من حاجبيه، فرفعها إياس بيده، وقال: أرني الهلال، قال: لا أنظر الآن.
стр. 1634
أما هلال شوال فقد قالوا: إنه إذا كان بالسماء علة لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، مسلمين حرين عاقلين بالغين غير محدودين في قذف، كما في الشهادة في الحقوق لما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: ((إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز الإفطار إلا بشهادة رجلين،)) ، ولأن هذا من باب الشهادة؛ لأنه لا يلزم الشاهد شيء بهذه الشهادة، بل له فيه نفع، وهو إسقاط الصوم عن نفسه، فكان متهمًا فيشترط فيه العدد نفيًا للتهمة بخلاف هلال رمضان، فيشترط في هلال الفطر نصاب الشهادة ولفظ: أشهد، ولا تقبل فيها شهادة محدود في قذف، ولكن لا يشترط فيه الدعوى؛ لأن مجيء الشهر لا يدخل تحت الحكم قصدًا.
وإذا لم تكن بالسماء علة فهو كهلال رمضان لا يقبل فيه إلا خبر جماعة يحصل بخبرهم غلبة الظن، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه تقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان بالسماء علة أو كانت صحوًا.
أما هلال ذي الحجة ففي ظاهر الرواية أنه كهلال الفطر في حالتي الصحو والغيم، لأنه تعلق به نفع العباد وهو التوسع بلحوم الأضاحي، وقال ابن الهمام نقلًا عن التحفة: والصحيح أنه يقبل فيها بشهادة الواحد لأن هذا من باب الخبر، فإنه يلزم المخبر أولًا ثم يتعدى منه إلى غيره، لأنه يتعلق به أمر ديني، وهو وجوب الأضحية، وحرمة صوم يوم النحر، وأيام التشريق، فصار كهلال رمضان في تعلق حق الله به، فيقبل في حالة الغيم الواحد العدل، ولا يقبل في حالة الصحو إلا ما يحصل به غلبة الظن.
أما بقية الشهور التسعة فلم يتعرض المتقدمون لها، لأن الشارع لم يجعل مجيء شهر منها وقتًا لعبادة مفروضة أو لحرمة شيء خاص، وإنما تعرض لها بعض المتأخرين، فقد قال صاحب البحر في شرح الكنز: وذكر الإمام الأسبيجابي شرح مختصر الطحاوي الكبير:
وأما هلال الفطر والأضحى وغيرهما من الأهلة، فإنه لا يقبل فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عدول أحرار غير محدودين في قذف.
стр. 1635
قال المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعي في كتابه إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة ص ٩٩: وما قاله صاحب البحر فهو في غير موقعه كما قال المرجاني في ناطورة الحق وقال فيها: ومن الجائز أن يكون المراد منه أي من كلام الأسبيجانبي أن هذه الأهلة (ما عدا رمضان) لا تثبت بدون شهادة شاهدين في حكم متعلق بها من حقوق العباد، من تعليق طلاق وعتاق وغير ذلك، وإلا كان معارضًا لعموم ما في الوقاية وغيرها، من قولهم: يقبل بلا دعوى ولفظ: أشهد، للصوم مع غيم خبر فرد بشرط أنه عدل، لأن جميع الأهلة في هذا كالصوم البتة ومخالفًا لاشتراط العدد في الفطر والأضحى في ظاهر الرواية لتعلق حق العباد، وعدم اشتراطه في الصوم والأضحى على رواية النوادر، لكونه من أمور الدين" اهـ يعني أنهم لم يشترطوا شيئًا آخر من الشروط التي ذكرها صاحب البحر سوى العدد في الفطر والأضحى على ظاهر الرواية، ولم يشترطوا العدد في الصوم والأضحى في رواية النوادر، فكان الخلاف في اشتراط العدد وعدمه فقط، ولم يوجد منهم ما يفيد اشتراط ما عداه من الذكورة والحرية وعدم الحد في القذف وغير ذلك، بل المدار على العدالة فبعد اتفاقهم على اشتراط العدالة اختلفوا في اشتراط العدد وعدم اشتراطه، هذا مراد المرجاني، وهو عين ما قلناه من قبل.
والذي قاله من قبل أنه لا يشترك في المخبر بثبوت الرؤية إلا أن يكون عدلًا، وأما اشتراط لفظ الشهادة والحرية وغيرهما من الشروط فهو من فهم المشايخ واستنباطاتهم، ثم قال: وقد اتفقوا أصولًا وفروعًا على أن خبر الواحد مقبول في الديانات، وأنه لا يشترط فيه سوى العدالة والبلوغ والعقل، واتفقوا أيضًا على المشهور أن الشهادة رؤية رمضان من باب الخبر لا فرق فيها بين حال الصحو وحال الغيم، ولا شك في أن المعنى الذي من أجله صارت الشهادة من قبيل الرواية لا فرق فيه بين حال الصحو في رمضان وحال الغيم، فإن الصوم يلزم الشاهد كما يلزم غيره في الحالتين، وقد اتفقت كلمتهم على أن هلال الفطر في حال الصحو كهلال الصوم في حال الصحو ففي حال الغيم بالأولى، ثم قال: وقد تقدم أن القهستاني قال في جامع الرموز، والظاهر من العمادية: إن الصوم والفطر مع الغيم وبلا غيم يستويان في تلك الشروط.
ثم قال: وكيف لا يكون الحكم كما قلنا، وقد اتفق علماؤنا على أن التماس هلال رمضان فرض كفاية؟ وأنه يجب على العدل إذا رأى الهلال أن يرفع الأمر إلى القاضي ويشهد بما رأى، ولو كان العدل امرأة مخدرة ذات زوج وجب عليها أن تخرج بغير إذن زوجها، ولو كانت أمة وجب أن تخرج بغير إذن سيدها في ليلة الرؤية، مخافة أن يصبح الناس مفطرين، فقد عللوا التماس الهلال كتحمل الأحاديث التي هي أدلة الأحكام الشريعة، ففي أنه فرض كفاية وأداء الشهادة برؤية هلال رمضان كتبليغ تلك الأحاديث بطريق روايتها، فلم تبق شبهة في أنه لا خلاف بين أئمتنا في قبول خبر الواحد العدل في رؤية هلال رمضان، سواء كان بالسماء علة أو لم تكن بها علة، متى لم يكن تفرده دليل الغلط أو الكذب، وأن هلال ذي الحجة كهلال رمضان عند أصحابنا خلافًا للكرخي، وأن هلال ذي الحجة كهلال رمضان أيضًا على رواية الطحاوي، وهي التي يساعدها الدليل وقد صححوها صريحًا.
стр. 1636
وأن اشتراط العدد في حال التفرد الذي لم يكن مظنة الغلط لرؤية هلال شوال إنما هو على رواية أخرى هي ظاهر الرواية أيضًا، وقد مشي عليها جميع المتون.
ثم قال في صفحة ٩٤: والحاصل أن رؤية هلال رمضان ورؤية هلال شوال ورؤية هلال ذي الحجة سواء كان بالمساء علة أو لم يكن بها علة كل منها يتعلق به أمر ديني، فهلال رمضان يتعلق به وجوب الصوم وحرمة الفطر بلا عذر يبيحه في نهار الشهر كله، وهلال الفطر يتعلق به حرمة الصوم ووجوب صلاة العيد، ووجوب زكاة الفطر في أول يوم من شوال، وهلال ذي الحجة يتعلق به حرمة الصوم في اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ودخول وقت الحج ووجوب الأضحية وتكبير التشريف، وغير ذلك من الأحكام الدينية المحضة، فكل من الشهادة برؤية الأهلة الثلاثة من باب الأخبار الدينية فهي شبيهة بالرواية ولا يمكن أن واحدًا منها يدخل تحت الحكم ويكون حقًا من حقوق العباد ويكون فيه إلزام محض.. إلى أن قال: "وأما قول من قال بدخول العبادات تحت الحكم، فإن كان مراده بالحكم الأمر بها فلا إشكال، وإن كان مراده بالحكم القضاء والإلزام المحض الذي يستدعي مقضيًا له ومقضيًا عليه، فيجب أن يحمل قوله على ما إذا تعلق بها حق العبد وكان المقصود منها إثباته، كما لو علق عتق عبده أو طلاق امرأته بوجوب صلاة الجمعة عليه أو بصحتها أو بفسادها، وأما أن شيئًا من العبادات والديانات المحضة يدخل تحت الحكم بمعنى القضاء والإلزام المحضي مجردًا عن حق العبد فلا قائل به أصلًا لأنه لا يتصور لا عقلًا ولا شرعًا كما هو مفصل في الأصول والفروع، فيتعين أن يحمل قول من قال باشتراط شروط الشهادة في هلال رمضان أو هلال شوال أو هلال ذي الحجة على ما إذا تعلق به حق العبد وكان ثبوته في ضمن حق من حقوق العباد بلا فرق في ذلك بين هلال وهلال".
وفي ص ٩١ قال: "وإنما كان مجيء الأشهر لا يدخل تحت القضاء بلا فرق بين مجيء رمضان وشوال وغيرهما، لأن مجيء كل واحد منها له علامة محسوسة هي هلاله الذي يشاهد في أول ليلة منه، ولأن شيئًا منها لم يكن حقًا فمن حقوق الله أصلًا ولا من حقوق العباد بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يوجد فيها لذاتها خصومة لأحد بوجه من الوجوه الشرعية".
وفي ص ١٩٨: "وما يدل على صحة ما قلناه من عدم الفرق بين شهر وشهر فما قدمناه في هلال رمضان وشوال وذي الحجة، فإنه لا فرق بين مجيء هذه الأشهر الثلاثة وبين مجيء كل شهر من الأشهر التسعة الباقية إذا اشتمل على عبادة محضة، وصار وقتًا شرعًا لها بنذر ونحوه، كما لا فرق بين مجيء أي شهر حينئذ وبين دخول أوقات الصلوات الخمس وخروجها، فإن الجميع مبني على علامات ظاهرة مشاهدة يستوي في معرفتها كافة الخلق من بني آدم لا فرق بين خواصهم وعوامهم، ولذلك أناط الشارع التكليف المؤقتة بهذه العلامات الظاهرة للجميع أيضًا ومن ذلك يتضح لك جليًا أن مجيء الأشهر القمرية التي عليها مدار الأحكام الشرعية مما لا يدخل تحت الحكم والقضاء لأن مجيئها ومضيها من الحوادث الكونية التي يشاهد العلامات الدالة على حدوثها ومضيها العام والخاص، ولا دخل للخلق فيها بل هي تقدير العزيز العليم، فلا يمكن أن شيئًا منها يكون حقًا يدخل تحت الحكم ويفصل القضاء فيه فهي كمجيء الليل بغروب الشمس، ومجيء النهار بشروقها، فكما لا يمكن عقلًا ولا شرعًا أن يدخل مجيء الليل ومجيء النهار تحت القضاء لذاته، لا يمكن أن يدخل مجيء أي شهر من الأشهر لذاته تحت القضاء، لا فرق في ذلك بين شهر وشهر".
ثم قال في ١٢١: "وأيضًا قد علمت أن إثبات رؤية هلال رمضان وغيره من الأشهر ولو كانت السماء مصحية لا يتوقف على خبر الجمع العظيم، وإنما المدار في الإثبات على الخبر الذي يفيد غلبة الظن، ولو كان ذلك الخبر خبر واحد عدل، إذا لم يكن تفرده مظنة الغلط أو الكذب، لأن غلبة الظن حجة بالإجماع في مثل هذا الحكم العلمي، وأن الذي شرط الجمع العظيم من أئمتنا أراد العدد الذي يفيد خبره العلم الشامل لغلبة الظن فإن المخبر إذا انفرد وكان تفرده مظنة الغلط أو الكذب فخبره لا يفيد ظنًا فضلًا عن غلبة الظن، ثم قال: وأن الصحيح أنه لا فرق بين هلال رمضان وهلال شوال وهلال ذي الحجة في قبول شهادة الواحد العدل في حالة الغيم وكذا في حالة الصحو إذا لم يكن تفرده مظنة الغلط والكذب، وكذا بقية الأشهر التسعة إذا اشتملت على ما هو عبادة محضة، ولعله أراد أنه لم يقصد بإثباتها إثبات حق من حقوق العباد التي لا بد فيها من القضاء أو الإلزام.
стр. 1637
أما إذا قصد مجرد إثباتها ليتحقق ثبوت أشهر المواسم الدينية فمقتضى ما تقدم من الترجيح والتوجيه والتعليل أن يكون سبيلها في الإثبات سبيل الأشهر الثلاثة رمضان وشوال وذي الحجة، فإنه لا فرق بين شهر وشهر، كما تقدم غير مرة أن ذلك من باب الإخبار لا من باب الشهادة وأنه يكتفى في الخبر بما يفيد غلبة الظن ولو خبر واحد مستور لا فرق بين حالة الصحو وحالة الغيم، وأنه لا حاجة إلى شيء من شروط الشهادة، ولا إلى مجلس القضاء ولا إلى حكم حاكم أو أمر قاض، وأنه إنما يشترط العدد عندما يكون التفرد مظنة الغلط أو الكذب، ويكتفى بالعدد الذي يقع به غلبة الظن من غير تحدي بنصاب الشهادة ولا بنصاب الغمامة، كما لا يشترط لفظ: أشهد، ولا بتحقق شروط الشهادة في كل الشهود أو بعضهم، نعم لا بد من أن يكون المخبر مسلمًا عاقلًا بالغًا.
وهذا الذي رجحه المرحوم الشيخ بخيت هو الذي أختاره لقوة مدركه وصحة توجيهه وتعليله، وهو الذي يقتضيه النظر الصحيح ويقع به التوفيق بين الأقوال المختلفة والآراء المتضاربة والله الموفق.
وخلاصة ما تقدم:
١- أن الخبر الخاص برؤية الهلال من قبيل الأخبار الدينية فيجب وجوبًا كفائيًا إلى من رآه أو بلغه الخبر بطريق شرعي أن يعلنه قيامًا بالواجب الديني.
٢- أن ثبوت الأهلة كلها لا يدخل تحت الحكم قصدًا، وأن حكم القاضي بالنسبة للهلال من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من قبيل الفتوى.
٣- أن أي شهر من الشهور الاثني عشر يثبت شرعًا برؤية هلاله أو بعد الشهر السابق ثلاثين يومًا.
٤- أنه يكتفى في ثبوت أي شهر بخبر واحد عدل عدالة رواية في حالتي الغيم والصحو، ما لم يكن تفرده مظنة الغلط أو الكذب فلا بد من عدد تتحقق به غلبة الظن.
٥- أنه لا يشترط نصاب الشهادة ولا لفظ: أشهد، ولا تقدم الدعوة ولا مجلس الحكم ولا قضاء قاض ولا أمر وال، إلا أن يكون المقصود بإثبات الشهر حقًا من حقوق العباد، فيشترط فيه ما يقتضيه هذا الحق مما هو مقرر في كتب الفقه.
стр. 1638
مذهب الشافعية:
قال الإمام النووي يجب صوم رمضان بأحد أمرين: الأول: إكمال شعبان ثلاثين يومًا، والثاني رؤية الهلال ليلة الثلاثين منه، وذلك لقوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) والراجح أنه يكتفى بعدل واحد في ثبوت هلال رمضان احتياطًا للعبادة، وكذلك يثبت الهلال بشهادة عدل لكل لشهر اشتمل على عبادة كشوال والأضحى بالنظر إلى العبادة فقط، ولا تثبت الرؤية لأي شهر بشهادة العدل بالنسبة لغير العبادة كحلول دين مؤجل وطلاق وعتق علقا به.
والراجح عندهم على القول بالاكتفاء بعدل واحد أنه بطريق الشهادة لا الرواية، فلا يقبل فيها قول العبد والأنثى، ويشترط فيها لفظ أشهد، وهي شهادة حسبة لا تفتقر إلى الدعوى، ولكن لا بد في وجوب الصوم على العموم من ثبوتها عند قاض ينفذ حكمه.
مذهب المالكية:
يثبت رمضان أي يتحقق في الخارج سواء حكم بثبوته حاكم أم لا بأحد أمور ثلاثة:
الأول: إتمام شعبان ثلاثين يومًا، وكذا ما قبل رجب أن غم، أي يجب إكمال كل شهر ثلاثين يومًا إذا كانت ليلة الثلاثين متغيمة في كل شهر، وأما إذا كانت السماء مصحية فلا يتوقف ثبوت الهلال على كماله ثلاثين يومًا بل تارة يثبت بذلك إن لم يره الهلال، وتارة يثبت برية الهلال ليلة الثلاثي، فيكون شهر شعبان وغيره تسعة وعشرين يومًا، لا بحسب منجم ومسير قمر على المشهور لأن الشارع أناط الحكم الذي هو ثبوت الشهر بالرؤية أو بإكمال الثلاثين فقال ﷺ : ((الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)) وفي رواية ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا)) وهي مفسرة لما قبلها.
الثاني: رؤية عدلين الهلال، والمراد بهما ما قابل الجماعة المستفيضة فيصدق بالأكثر من العدلين، فكل من أخبره عدلان برؤية الهلال أو سمعهما يخبران غيره وجب عليه الصوم، لا بعدل ولا به وبامرأة، ولا به وامرأتين على المشهور في الكل، خلافًا لابن الماجشون في اشتراط العدلين فإنه قال: "يكفي عدل واحد وخلافًا لأشهب حيث قال: يكفي عدل وامرأة، وخلافًا لابن مسلمة فإنه قال: يكفي عدل وامرأتان، ثم قالوا: ويعم ثبوت رمضان جميع البلاد والأقطار إذا كان ثبوت الشهر بكمال شعبان، ولا يعم إذا كان ثبوته برؤية العدلين إلا إذا نقل شهادتهما عدلان، فكل من نقل إليه خبر العدلين بأخبار عدلين وجب عليه الصوم، ويثبت برؤية العدلين ولو كانت السماء مصحية وفي بلد كبير، وهو قول مالك وأصحابه.
стр. 1639
الثالث: رؤية جماعة مستفيضة لا يمكن تواطؤهم عادة على الكذب، كل واحد منهم يخبر عن نفسه أنه رأى الهلال ولا يشترط أن يكونوا كلهم ذكورًا أحرارًا عدولًا.
قال المرحوم الشيخ بخيت بعد أن نقل كثيرًا من فروع هذا الباب عن السادة المالكية:
ومما نقلناه لك من مذهب المالكية تعلم أن مذهبهم لا يخالف ما قرره أهل الأصل، وعليه فقهاء الحنفية من أهل الأصول والفروع من أن الشهادة في هلال رمضان وهلال شوال من قبيل الإخبار بأمر ديني محض، وأنها من قبيل رواية الأحاديث، وأنهم لم يفرقوا بين هلال الفطر وهلال الصوم، ولم يشترطوا لفظ لشهادة، وإنما اشترطوا الذكورة في العدلين عند من لهم اعتناء على قول، ولم يشترطوا الذكورة ولا الحرية في العدل عند من لهم اعتناء بأمر الهلال، وكل هذا يرشدك إلى أنهم قائلون بأن الشهادة في هلال رمضان من قبيل الخبر الديني الشبيه برواية الحديث.
مذهب الحنابلة:
جاء في المغني والشرح الكبير والإقناع وشرحه أنه يستحب ترائي الهلال احتياطًا للصوم وحذرًا من الاختلاف، فإن رؤي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وجب الصوم بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته فإن لم ير الهلال ليلة الثلاثين والسماء مصحية أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا)) ويقبل في هلال رمضان قول عدل وحده، لقبول خبر الأعرابي به، ولأنه خبر ديني وهو أحوط ولا تهمة فيه، ولا فرق بين الغيم والصحو والمصر وخارجه، ولو كان الرائي في جمع كثير ولم يره غيره منهم، وهو خبر لا شهادة، فيصام بقول العدل: رأيت الهلال، ولو لم يقل: أشهد، أو شهدت أني رأيته، ويقبل فيه قول المرأة والعبد كسائر الأخبار، ولا يشترط لفظ الشهادة ولا يختص بحاكم، فيلزم الصوم كل من سمعه من عدل، قالوا: وإذا ثبتت الرؤية هلال رمضان بخبر واحد ثبتت تبعًا للصوم بقية الأحكام من وقع طلاق وعتق معلقين بدخوله، وحلول الآجال لديون مؤجلة به ونحو ذلك كانقضاء عدة وخيار شرط ومدة إيلاء، ولا يقبل في رؤية هلال رمضان خبر مستور ولا مميز لعدم الثقة بخبره، ولا يقبل في بقية الشهور كشوال وغيره إلا رجلان عدلان بلفظة الشهادة، لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال غالبًا وليس بمال ولا يقصد به المال فأشبه القصاص، وإنما ترك ذلك في رمضان احتياطًا للعبادة.
стр. 1640
الفصل الثاني
اختلاف مطالع القمر
اقتضت الحكمة الإلهية أن يتفرق سكان الأرض على سطحها ليعمروها ويقوموا بخلافة الله فيها، وتبع ذلك بالضرورة اختلاف مواقع البلاد على الكرة الأرضية شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، واقتضى نظام سير الكواكب لا سيما الشمس والقمر اختلافًا وتفاوتًا في مواقيت العبادات المقدرة بشروق الشمس وغروبها وزوالها كالصلوات الخمس والمقدرة بثبوت الأهلة كالصوم، فتشرق الشمس على قوم قبل أن تشرق على آخرين بساعة وساعتين وثلاث ساعات وأكثر من ذلك على حسب التباعد بين الجهتين شرقًا وغربًا، فبينما تكون بلاد في وقت المغرب وحلول الإفطار في رمضان تكون أخرى في وقت الشروق أو الزوال أو العصر لأن كل ساعة من ساعات الليل والنهار هي طلوع الفجر وشروق الشمس وهي وقت الضحى والزوال والعصر والغروب وهي وقت ظلمة الليل أوله ووسطه وآخره على حسب مواقع البلاد، ولذلك لا يمكن أن توحد مواقيت الصلاة اليومية، ولا أوقات الإمساك والإفطار في أيام رمضان في جميع الأقطار الإسلامية ما دامت الأوضاع الكونية قاضية بتفاوت تلك المواقيت وما دام هذا التفاوت هو الواقع المشاهد، وكذلك نفس الاختلاف مطالع القمر مما وقع الاتفاق عليه ولا يمكن جحده أو المكابرة فيه، فإن الثابت واقعيًا وعلميًا والمشاهد حسيًا أن الهلال يرى في بعض البلاد بعد غروب الشمس ولا يرى في بعضها إلا في الليلة التالية، ومعنى هذا أن رؤية الهلال أول شهر قد تكون متيسرة لبعض الأقطار دون البعض، فاختلاف مطالع القمر أمر واقعي مشاهد وظاهرة كونية لا جدال فيها، لكن الذي اختلفت فيه أنظار الفقهاء هو أنه: هل لهذا الاختلاف في المطالع تأثير في ثبوت الأهلة والأحكام المتعلقة بها كالصوم والإفطار والحج والأضحية؟ أو أنه لا عبرة باختلاف المطالع؟ فإذا ثبت الهلال في أي بلد إسلامي ثبت في حق جميع المسلمين إذا بلغهم ثبوته بطريق موثوق بصحته لا خلاف لأحد في أن اختلاف مطالع الشمس معتبر شرعًا في الأحكام الشرعية المتعلقة بها، وجرى العمل بمقتضى ذلك من مبدأ الإسلام في أوقات الصلوات الخمس والإمساك والفطور ولكنهم اختلفوا بعد ذلك اختلافًا كثيرًا في اعتبار مطالع القمر وعدم اعتبارها، ولعل ذلك لأن الشارع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقال ﷺ : ((وقت الظهر إذا زالت الشمس)) ومعلوم أنه ما من حركة تتحركها الشمس إلا وهي فجر عند قوم، وزوال عد قوم وغروب عند قوم وليل عند قوم لذلك أجمع العلماء في أوقات الصلوات على أن المعتبر عند كل قوم فجرهم وزوالهم وغروبهم ولا يلزمهم حكم غيرهم، أما الأهلة فقد أناط الشارع الحكم فيها برؤيتها، قال تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقال ﷺ ((صوموا لرؤيته)) والخطاب في الآية والحديث لعامة المسلمين، وليس معنى شهود الشهر رؤية هلاله من كل مكلف فليست رؤية المكلف الهلال شرطًا لوجوب الصوم إجماعًا، ألا ترى أن في الناس من هو أعمى أو ضعيف البصر، ومن لا يتيسر له الرؤية لأي سبب مع أن الوجوب مقرر على الجميع إجماعًا لا يتصور في ذلك خلاف، كما وقع الإجماع على أن التماس الهلال ليس فرض عين، ولو كانت الرؤية شرطًا لوجب على كل أحد أن يرى الهلال، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما هو مقرر في الأصول.
стр. 1641
وإذا فالمعنى، من أدرك رمضان وعلم بثبوته وهو أهل التكليف وجب عليه الصوم، وأيضًا يكون معنى قوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته)) صوموا إذا رئي الهلال، حيث جاء الخطاب فيه عامًا للمكلفين ولم يذكر فاعل الرؤية مما يدل على أنه يكتفي برؤية البعض وهذا فعله النبي ﷺ حيث أمر الناس بالصيام لرؤية الأعرابي وكذلك لرؤية ابن عمر.
وكان من موجبات الإجماع على الاكتفاء برؤية البعض ألا يقع خلاف في اعتبار اختلاف مطالع القمر وعدم اعتباره، لكن اتساع الرقعة الإسلامية وبُعْدَ ما بين دولها وعدم التمكن فيما سلف من تبليغ المسلمين في الأقطار المتباعدة بثبوت الهلال، جعل بعض العلماء يفهمون الآية والحديث متأثرين بقوله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ على اعتبار أن لكل بلد رؤيته هو، لا يكلف برؤية بلد آخر يختلف مطلعه، كما أن لكل بلد شروقه وغروبه وصبحه ومساؤه وظهره وعصره، وسنقص عليك أقوالهم وحجة كل منهم، ونختتم ذلك ببيان الرأي الراجح الذي يستنده الدليل وتدعمه الحجة.
مذهب الحنفية:
ظاهرة مذهب الحنفية كما قال صاحب الدر المختار: إنه لا عبرة باختلاف المطالع فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، وذلك لأن عموم الخطاب في قوله: صوموا معلق بمطلع الرؤية في قوله لرؤيته، وبرؤية قوم يصدق بهم اسم الرؤية فيثبت ما تعلق به عموم الحكم فيعم الوجوب بخلاف الزوال والغروب فإنه لم يثبت على عموم الوجوب بمطلق مسماه في خطاب من الشارع، وعلى هذا الرأي أكثر المشايخ وهو الذي عليه الفتوى، وقيل يعتبر اختلاف المطالع لأن السبب الشهر وانعقاده في حق قوم الرؤية لا يستلزم انعقاده في حق آخرين مع اختلاف المطالع، وهذا هو الذي اختاره الزيلعي حيث قال: والأشبه أن يعتبره؛ لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار، كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلاف الأقطار، حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم منه أن تزول في المغرب، وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لقوم ونصف لليل لغيرهم، وحاصله قياس اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس وسنين فيما بعد أن هذا قياس مع الفارق.
стр. 1642
مذهب المالكية:
وكذلك اختلف علماء المالكية في اعتبار اختلاف مطالع القمر وحكوا في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه لا عبرة باختلاف المطالع مطلقًا قربت البلاد أو بعدت: قال الحطاب في مواهب الجليل: إن الحكم بثبوت رمضان يعم كل من نقل إليه إذا نقل بشهادة عدلين أو باستفاضة، وسواء كان ثبوته عند حاكم عام كالخليفة أو خاص كالأمر والقاضي على المشهور.
الثاني: أنه يعتبر اختلاف المطالع إذا ثبتت الرؤية عند حاكم خاص، فإنه لا يعمل الحكم إلا من في ولايته فقط، قال الحطاب: إذ كانت الشهادة عند حاكم خاص فلا تعم إلا في ولايته، حكى هذا الرأي عن عبد الملك بن الماجشون.
الثالث: يعتبر اختلاف المطالع بالنسبة للبلاد البعيدة جدًا كالأندلس من خراسان، قال الحطاب: تلبيه قال ابن عرفة قال أبو عمر (يعني ابن عبد البر) : أجمعوا على عدم لحوق حكم لرؤية ما بعد، كالأندلس من خراسان وقال ابن الجزي في القوانين الفقهية: ولا يلزم في البلاد البعيدة كالحجاز والأندلس إجماعًا.
ومقتضى ما ذكره خليل في مختصره من أنه يقتصر فيه على ما به الفتوى، وقول الحطاب لأن عدم اعتبار اختلاف المطالع هو المشهور في المذاهب أن هذا القول معتبر وما عداه لا ينهض ولا يقاوم ما هو المشهور من عليه الفتوى، ودعوة ابن عبد البر الإجماع على ما ارتضاه لا تصح، لمعارضتها بشهرة خلافه ولم يعتمد المذهب إجماعات ابن عبد البر واتفاقات ابن رشد.
стр. 1643
مذهب الشافعية:
وكما اختلف الحنفية والمالكية في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتبارها اختلف الشافعية، قال الإمام النووي: المسألة الثالثة إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره، فإن تقارب البلدان فحكمها حكم بلد واحد بلا خلاف، وإن تباعدا فوجهان مشهوران أصحهما لا يجب الصوم على أهل البلاد الأخرى، والثاني: يجيب، والصحيح الأول، فيما يعتبر به البعد والقرب ثلاثة أوجه: أصحها أن التباعد باختلاف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب لا يختلف كبغداد والكوفة والري وقزوين، والثاني: أن الاعتبار باتحاد الإقليم واختلافه فإن اتحد فمتقاربان وإلا فمتباعدان، والثالث: أن التباعد مسافة القصر والتقارب دونها، ثم قال: هذا الذي ذكرته هو المشهور للأصحاب في الطريقين، وانفرد الماوردي والسرخسي بطريقين آخرين، وبعد أن ذكرهما قال: فحصل في المسألة ستة وجوه:
أحدها: يلزم أهل الأرض برؤيته في موضع منها.
الثاني: يلزم أهل إقليم بلد الرؤية دون غيرهم.
الثالث: يلزم كل بلد يوافق بلد الرؤية في المطلع دون غيره، وهذا أصحها.
الرابع: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم.
الخامس: يلزم من دون مسافة القصر دون غيرهم.
السادس: لا يلزم غير بلد الرؤية.
قال تقي الدين بن السبكي في رسالته العلم المنشور في إثبات الشهور: والقول بأن لكل بلد رؤيته على إطلاقه ضعيف، روى سعيد بن منصور في مصنفه بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس قال: أخبرني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ قالوا: غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، ثم يخرجوا لعيدهم من الغد، وفي رواية: قدم أعرابيان على رسول الله ﷺ في آخر رمضان فشهدوا عنده بالله لإهلال الهلال بالأمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا، واعتبار مسافة القصر في هذا المحل ضعيف، واعتبار كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم جيد، واعتبار الإقليم ضعيف، وألزم جميع البلاد إذا رئي في بلد ضعيف جدًا، لأن عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين لم ينقل أنهم كانوا إذا رأوا الهلال يكتبون إلى الآفاق، ولو كان لازمًا لهم لكتبوا إليهم لعنايتهم بأمور الدين لأنا نقطع بأنه قد يرى في بعض البلاد في وقت لا يمكن رؤيته في بلد آخر، كما أنا نقطع بأن الشمس تغرب في مكان قبل أن تغرب في غيره، وأجمع العلماء في أوقات الصلوات على أن المعتبر عند كل قوم فجرهم وزوالهم وغروبهم ولا يلزمهم حكم غيرهم، فكذلك الهلال بالقياس عليه، بأن الله لا يخاطب قومًا إلا بما يعرفونه مما هو عندهم وسنناقش هذه الحجج الثلاث في نهاية البحث إن شاء الله.
مذهب الحنابلة:
جاء في المغني والشرح الكبير ص ٧ جزء ثالث فصل: "وإذا رأى الهلال أهل البلد لزم جميع البلاد الصوم" وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي، وبعد أن ساق استدلال المخالفين بحديث كريب قال: ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقول النبي ﷺ للأعرابي لما قال له: آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: ((نعم)) ، وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات، فوجب صومه على جميع المسلمين ولأن شهر رمضان من بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب النذر وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص وبالإجماع، ولأن البينة العادلة شهدت برؤية الهلال، فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان فأما حديث كريب فإنما يدل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به، وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هذا في الحديث اهـ.
وقد أجاب القاضي عن قول المخالف: "الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه فيهما فكذا الهلال" بأن تكرر مراعاتها في ككل يوم تلحق به المشقة فتؤدي إلى قضاء العبادات، وهلال رمضان في السنة مرة واحدة فليس كبير مشقة في قضاء يوم، ودليل المسألة من الصوم يقتضي التسوية (يعني به جميع البلاد) .
стр. 1644
مذهب الشيعة الإمامية والزيدية:
اختلف فقهاء الشيعة الإمامية وكذلك علماء الزيدية في اعتبار اختلاف المطالع في ثبوت هلال رمضان، فظاهر كلام الحلي أن اختلاف المطالع معتبر فلا يعم ثبوت الشهر برؤية من اختلف مطلع بلد عن بلد الرؤية كما ذكره العاملي في الحبل المتين في أحكام الدين وهو مذهب الهادوية والإمام يحيى من الزيدية، بل لا يعم عنده في الإقليم الواحد والجهة الواحدة إن اختلفت ارتفاعًا وانحدارًا كما في البحر الزخار، وقال الصنعاني في سبل السلام: والأقرب لزوم بلدة الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها واختار المهدي وجماعة من الزيدية تعميم الحكم والشهادة بالرؤية جميع البلاد وقال الشوكاني: وهو الذي ينبغي اعتماده وذهب إليه جماعة من الإمامية.
وبعد أن استمعنا إلى آراء علماء المسلمين وحججهم ومناقشاتهم لا يسعنا ترجيح القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع لا لأن هذا هو ما تصبو إليه نفوس كثير من العلماء والمصلحين حتى تتوحد كلمة الأمة الإسلامية، ولا لأن القائلين به هم الكثرة الغالبة وهم الجمهور ولكن لأن سنده من الكتاب والسنة قوي متين وشبه المخالفين مردودة، وذلك لأنها تنحصر في أربعة.
أولها: حديث كريب وقد سمعت رد الحنابلة على من استدل به فلا نعيده.
ثانيها: ما قاله السبكي من أن عمر والخلفاء الراشدين لم يكتبوا إلى الآفاق بثبوت الرؤية لأنهم حريصون على أمر الدين، والرد على السبكي أنهم لن يكتبوا لصعوبة المواصلات في زمنهم فقد لا يتيسر وصول المكتوب إلا بعد انقضاء رمضان، فلم يعم ثبوتها جميع البلاد لتعذر بلوغهم الخبر إذ ذاك، وكلامنا فيما لو أمكن تبليغ جميع البلاد ثبوت الرؤية إثر ثبوتها بحيث تصل إليهم وهم في ليلة الشهر الجديد قبل طلوع الفجر كما هو متيسر الآن بواسطة الإذاعة واللاسلكي.
стр. 1645
ثالثها: ما قاله السبكي وغيره من قياس اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس وقد سمعت رد القاضي من الحنابلة على هذه الحجة، من أنه إنما اعتبر اختلاف مطالع الشمس لئلا يلزم الحرج وتؤدى العبادات قضاء ولا يلزم من عدم اعتبار اختلاف المطالع القمرية أي حرج، لأنه ليس في السنة إلا رمضان واحد، ولا يلزم من التوحيد في الأزمان السابقة إلا قضاء اليوم الأول الذي لم يروا الهلال فيه ولا حرج في ذلك، أما في أزماننا هذه فلا يلزم شيء أبدًا، لأنه من المتيسر جدًا بعد الاختراعات الحديثة تبليغ ثبوت الرؤية في لمح البصر، وقبل أن يطلع النهار الجديد في أي بلد إسلامي مهما كان نائيًا عن بلد الرؤية. فقد ثبت علميًا أنه ليس بين أي بلدين إسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها أكثر من تسع ساعات فلكية، فإذا ثبتت رؤية الهلال في مراكش وهي أقصى بلد في المغرب لإنه من الممكن أن يبلغ ثبوت رؤية الهلال لأقصى بلد في المشرق بعد مرور تسع ساعات من غروب الشمس عندهم أي قبل طلوع الفجر عندهم بنحو ساعة ونصف، لأن الليل عندهم دائما اثنتا عشرة ساعة، لأنهم على خط الاستواء تقريبا وهذا القدر الباقي من الليل كافٍ لإثبات أنهم في أول ليلة من رمضان وكذلك هو كاف لتبييت النية والسحور بدون حرج ولا مشقة، هكذا قال أهل الذكر والعهدة عليهم، والله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
رابعها: ما قاله السبكي أيضًا من أن الله لم يخاطب قومًا إلا بما يعرفونه عندهم، والخطب في هذه الحجة سهل، وذلك لأنا نقول بموجبها أننا لم نقل بثبوت الهلال في حق من لم يروه من أهل البلاد النائية عن بلد الرؤية إلا إذا بلغهم خبر تلك الرؤية بطريق موثوق به وما دامت رؤية كل فرد من أفراد المكلفين ليست شرطًا لثبوت الهلال وما يتعلق به من الأحكام في حقه إجماعًا، بل الشرط العلم بها بمعنى غلبة الظن بأي طريق يقيد ذلك، فلا مناص من ترجيح القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وأنه متى ثبتت الرؤية عند قوم عم ثبوتها جميع أهل الأرض متى نقلت إليهم وعلموا بها بأي طريق من طرق الإعلام ولو أنه تيسر للخلفاء والولاة في صدر الإسلام ما هو متيسر الآن من إذاعة الأخبار في جميع أنحاء المعمورة في أقل من لمح البصر ما ترددوا في إبلاغ ثبوت الأهلة إلى جميع الولايات الإسلامية، ليتوحد مظهرهم الديني ويتفقوا في بدء الصيام والإفطار وسائر أعيادهم ومواسمهم الدينية.
وجملة القول أنه ما دامت مسألة اختلاف المطالع القمرية من حيث اعتبارها أو عدم اعتبارها محل اجتهاد الفقهاء، ذلك الاجتهاد الذي اختلفت فيه أنظارهم فلا يكون بدعًا أن يرجح أحد النظرين على غيره، وينفصل في المسألة بعدم التعويل على اختلاف المطالع لما قدمنا من أسباب الترجيح، وقد علمت أن هذا هو قول جمهور العلماء من أئمة الفقه في المذاهب الأربعة وغيرها، قال ابن عابدين في رسالته تنبيه الغافل والوسنان: وأنه لا عبرة باختلاف المطالع في الأقطار إلا عند الشافعي ذي العلم الزاخر ما لم يحكم به حاكم يراه، فيلزم الجميع العمل بما أمضاه، كما ذكره ابن حجر وارتضاه، وقال: لأنه صار من رمضان بموجب الحكم ومقتضاه. اهـ.
стр. 1646
وبما نقلنا عن ابن عابدين من أن الإمام الشافعي يوافق الأئمة الثلاثة فيما إذا ثبتت الرؤية عند حاكم يرى أن لا عبرة لاختلاف المطالع، فأمر به وأبلغه إلى أهل المطالع الأخرى كما حكاه عنه ابن حجر وارتضاه، يتقرر إجماع الأئمة الأربعة على أن اختلاف مطالع القمر لا يعتبر شرعًا إذا نقل حكم الحاكم الشرعي ببدء الشهر ووجوب الصيام والإفطار والحج والأعياد، ومن الخير أن ننقل هنا بعض ما كتب الأستاذ الشيخ محمد أبو العلا البنا، مدرس الفلك بكلية الشريعة بجامعة الأزهر، بصدد بيان أن العلوم الفلكية تؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية.
قال: إن جميع الحكومات الإسلامية تقع ما بين شاطئ آسيا الشرقي وشاطئ إفريقيا الغربي أعني من خط ١٢٠ شرق جرينتش إلى خط ١٥ غرب جرينتش مقدار ٩ ساعات من٢٤ تتم دورة اليوم بقسميه الليل والنهار حول الأرض من الشرق إلى الغرب.
إذا علمنا ذلك تأكدنا أن بدء الدورة اليومية الإسلامية من هذا الخط يكون طبيعيًا بالنسبة لبدء حكومات الإسلام من جهة الشرق، فتجتمع كلها في يوم واحد دون تفرقة، إذ يبدأ اليوم الأسبوعي والتاريخ للعالم الإسلامي كله من أبعد البلاد الإسلامية شرقًا وهي الفلبين وأندونيسيا والملايو قبل جرينتش بـ ٨ ساعات وقبل العراق والباكستان بـ ٥ ساعات، وقبل مصر والسودان بـ ٦ ساعات، وقبل تونس بـ ٧ ساعات، وقبل مراكش التي هي أبعد البلاد الإسلامية غربًا بـ ٩ ساعات.
стр. 1647
ومعلوم أن تأخير إعلان وجوب الصيام أو الإفطار بقدر هذه الأجزاء من اليوم لا يقدح في مشاركة جميع الحكومات في نفس اليوم والتاريخ بمعنى أنه لو فرض أن الهلال لم يتكامل ليصلح للرؤية إلا في مراكش آخر الحكومات الإسلامية جهة الغرب وفيها رئي وشهدت الشهود وأثبت قاضيها الشهر وأبرقت حكومتها بذلك إلى جميع الحكومات شرقًا وهي الفلبين وأندونيسيا والملايو بعد المغرب فيها بنحو ٩ ساعات بمعنى إن إذاعة الرؤية وبثبوت الشهر من مراكش عقب مغربها إنما تسمع في أندونسيا بعد مغربها هي بتسع ساعات أي قبل شروق الشمس فيها بثلاث ساعات، ضرورة أن ليلها دائمًا ١٢ ساعة، لوجودها على خط الاستواء تقريبًا أي قبل الفجر عندهم بنحو ساعة ونصف ساعة ومعلوم أن هذه المدة كافية لما يلزمهم من سحور وعقد النية على صيام هذا اليوم مع مراكش، وأما غير أندونيسيا من كل حكومة شرق مراكش كالعراق ومصر والجزائر فمن باب أولى.
وأما وحدة هذا اليوم في باقي بلاد الدورة من سطح الأرض كأمريكا فأمرها ظاهر، إذ أنهم وقت هذه الإذاعة من مراكش كانوا في عصر اليوم السابق أو في ظهره أو في شروقه مثلًا، وحينئذ يستقبلون هذا اليوم الجديد من أوله دون تغيير في اسمه أو في تاريخه.
وأما أهل البلاد القطبية التي تنعدم فيها علامات أوقات الصلوات اليومية لدوام النهار أو الليل أكثر من ٢٤ ساعة في بعض السنة، فيدقون بدء الشهر عندهم بزمن مبدئه في العواصم المشهورة على خطوط أطوالهم كخط طول القاهرة مثلًا، فالبلاد القطبية التي عليه تجعل مبدأ الشهر عندها كأهل القاهرة، إما من ساعة المغرب في أقرب البلاد المعتدلة إليهم، وإما من ساعة المغرب لخط الاستواء، أعني رجوعهم إلى أعدل الأيام.
стр. 1648
الفصل الثالث
طرق إثبات الشهر بالحساب الفلكي
من المفيد قبل أن ننقل آراء أئمة الفقه الإسلامي في صحة الاعتماد على الحساب الفلكي وبيان الراجح منها، أن نبين أنواع الحساب الفلكي حتى نحرر محل النزاع، ونبين الحساب الذي هو مراد لمن قال بجواز الاعتماد على الحساب، ومما لا شك فيه أن الأشهر القمرية هي أجزاء السنة العربية القمرية التي تنقسم إليها دورة القمر باعتبار انتقالاته في منازله واجتماعه مع الشمس تارة ومفارقته لها تارة أخرى، فباعتبار انتقالاته في منازله تتغير أحواله ويختلف نوره زيادة ونقصًا ويجتمع مع الشمس ويفارقها اثنتي عشرة مرة، ليتكون منها اثنا عشر شهرًا قال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ويتم انتقال القمر في منازله ويقطع دورته في فلكه اثنتي عشرة مرة في السنة، فإذا اكتمل له اثنتا عشرة دورة اجتمع مع الشمس اثنتي عشرة مرة وتكونت السنة القمرية التي اعتبرها الشارع، وجعلها مدار الآجال الشرعية كتأجيل العنين وسن اليأس للنساء وغير ذلك، كما قال تعالى ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ولما كانت السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا وخمس يوم وسدس يوم، وعدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، فقد انقسم الفلكيون في تقدير الشهر إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى:
تجعل الأشهر من الوضع الاجتماعي للشمس والقمر إلى مثله، فإن القمر: يجتمع كما قلنا مع الشمس في كل شهر مرة فإذا فارقها فهو أول الشهر عندهم إلى أن ينتهي إلى مثل تلك الحالة، وقد يكون أثناء النهار، وقد يكون في أثناء الليل والشهر عند هؤلاء دائمًا تسع وعشرون وكسر نتيجة لقسمة عدد أيام السنة على ١٢، وهذا الطريق ألغاه الإسلام حيث قال الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ .
ولقوله ﷺ : ((الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) وعقد الإبهام في الثالثة، هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين، يعني أن الشهر تارة يكون ٢٩ يومًا وتارة يكون ٣٠ يومًا لا يخرج عن هذين الأمرين ((فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) فاعتبر الرؤية فقط، بدليل قوله في أول هذا الحديث ((إنا أمة لا نكتب ولا نحسب)) فناط الحكم الشرعي بأمر مشاهد يتفق فيه الخاصة والعامة وجعل ما بعد مفارقته الشمس إلى تمام تسع وعشرين إن رئي الهلال، أو إلى تمام ثلاثين إن لم ير من الشهر الأول، وسواء رأيناه ليلة الثلاثين أو أكملنا ثلاثين فأول الشهر غروب الشمس من إحدى ليلتين، قال السبكي: واستفيد ذلك من إشارته ﷺ وقول الراوي عنه عشرًا وعشرًا وتسعًا، فإنه يقتضي دخول الليالي في حكم الأيام لأن حذف التاء يدخل على اعتبار الليالي وهي الأصل في التاريخ.
стр. 1649
الطريقة الثانية:
أن يجبروا كسر اليوم كلما زاد على نصف يوم فيصير المحرم ٣٠ يومًا وصفر ٢٩ وربيع الأول ٣٠ وكذا على التوالي، ويسمى بالسير الوسطي الاصطلاحي، ومن هؤلاء من يبني تقويمه على جداول قديمة ويجعل المحرم وربيع الأول ورجب ورمضان وذا القعدة ثلاثين يومًا باستمرار، ويجعل باقي الأشهر تسعة وعشرين يومًا أبدًا إلا في السنة الكبيسة فيجعل ذا الحجة ثلاثين يومًا قال السبكي: وعلم الحساب يقتضي لأجل الكسر الذي ذكرناه في عدة أيام السنة القمرية وتكميله تارة أن تكون الأشهر الكاملة في السنة ستة والناقصة مثلها، وتارة أن تكون الكاملة سبعة والناقصة خمسة، فلا تكون الناقصة أكثر من ستة ولا الكاملة أكثر من سبعة، هذا أمر مقطوع به في علم الهيئة وليس في الشعر ما يرده، ومن المقرر عند الفلكيين أن الشهر بالوضع الاجتماعي الحقيقي يتقدم الشهر بالوضع الهلالي (من الرؤية إلى الرؤية) بيوم على الأقل وبيومين على الأكثر.
وبعض علماء الفلك يبني تقويمه على حسابات الرصد، ولكنه يضم إلى ساعة الاجتماع ساعات يمكن أن يرى فيها الهلال اختلفوا في تقديرها، قال الشيخ طنطاوي جوهري: كذلك الحاسبون وإن اتفقوا تقريبا في زمن الاجتماع فهم يختلفون في تقدير الساعات التي تمر من حين الاجتماع إلى الرؤية من ٤ درجات إلى ١٢ درجة، وهي التي يقطعها القمر مبتعدًا عن الشمس صوب المشرق في نحو ٢٠ ساعة ونقل الشيخ محمد أبو العلا البنا عن الشيخ محمد بن جابر البناني أن القدماء -يعني اليونانيين قبل الإسلام- ما تكلموا في رؤية الهلال إلا بالقول المطلق، وهو أنه لا يمكن رؤيته لأقل من يوم وليلة، وعلق عليه بقوله: ومعلوم أن سبق القمر للشمس في ساعة يساوي نصف درجة تقريبًا وعليه فقول القدماء أن بين الاجتماع والهلال ٢٤ ساعة أو يومًا وليلة يساوي قول من قال بعدهم ١٢ ساعة، ثم نقل عن ابن سينا أن القمر لا يرى ألبته حتى يكون بينه وبين الشمس ١٢ درجة، وما كان دون ذلك لا يرى أو هو تحت شعاع الشمس فلا تلحقه الأبصار.
والخلاصة: أن الوضع الهلالي لا يسبق الوضع الاجتماعي بل إن الوضع الاجتماعي يتقدم على الهلالي بيوم أو بيومين إذ إن القمر بعد مفارقته الوضع الاجتماعي لا بد أن يسبق الشمس بمسافة يتحول فيها نوره إلى جهة الأرض، فيرى حرف منه بعد غروب الشمس وهو الهلال، وهذا السبق يقدر بنحو ١٢ درجة تقريبًا تحتاج إلى مضي نحو ٢٤ ساعة.
وأما العرب فكان بعضهم يعرفه برؤية الهلال نفسه، أو بمراقبة النجوم دون أن يعرف له أي حساب، وبعضهم كان يعرفه بالحساب الوسطي دون جبر الكسر فيكون الشهر ٢٩ يومًا وكسرًا دائمًا وبعضهم كان يجبر الكسر كما قدمنا، كما كانت هذه المعرفة تقريبية لا تحديدية عندهم جميعًا.
стр. 1650
قال ابن السبكي في رسالته العلم المنشور: وقالوا (علماء الفلك والهيئة) إذا كان قوس الرؤية ست درجات وقوس النور تسعًا وقوس المكث تسعًا استحالت الرؤية عادة، وإذا زادت كل واحدة من الثلاثة درجة أمكنت بعسر، وكلما حصلت الزيادة قوي الإمكان، وقال الشيخ طنطاوي جوهري في رسالته (الهلال) وهو بصدد الإجابة عن السؤال الثاني وهو (القمر بعد الاجتماع في كم ساعة يرى هلالًا) :
ولما قابلت الشيخ أحمد موسى الزرقاوي وكلمته في هذا الأمر قال: بعض الفلكيين الذين وقعت كتبهم في أيدينا كابن الشاطر قالوا: لا يمكن أن يرى الهلال إذا مكث بعد غروب الشمس نحو ٥٠ دقيقة ويكون درج الشمس بنحو ١٢ درجة، قال: ومن المعلوم أن القمر يقطع الدرجة الواحدة في ساعة واحدة و ٤٩ دقيقة، فيكون ابن الشاطر لا يعتمد رؤية الهلال إلا بعد الاجتماع بـ ٤٨ ق ٢١ س، وخالفه ابن يونس المصري والسلطان ألفي بك السمرقندي والجمهور، فقالوا: إنه يرى بعد مبارحة الشمس بست درجات ومكث الهلال نحو ٢٥ دقيقة ثم قال لي: وعندي أنه متى فارق الشمس به نحو ٤ درجات ومكث نحو ١٦ دقيقة أمكنت الرؤية.
أقول: وقد جاءني من مرصد حلوان أنه تمكن رؤيته بـ ١٢ درجة فلكية، ولا يقل الزمن عن عشرين ساعة فتكون أقوال علماء الفلك هكذا:
ق س
المرصد الفلكي بحلوان.. ٢٠
ابن الشاطر ٤٩ ٤١
السلطان ألفي بك ٥٤ ١٠
الزرقاوي المصري ١٦ ٠٧
الفلكيون الروسيون ٣٢ ١٤
следующие страницы →