٢- الرأي الفقهي:
ثبت طبيًا أن أكثر طرق انتقال عدوى الإيدز انتشارًا هي المعاشرة الجنسية إذ تتسبب في ما يربو على ٩٠ % من حالات العدوى، وأنه ينقل كذلك عن طريق الحقن ونقل الدم أو عن طريق الدم من طمث أو جرح يلوث بدم المصاب، كما يحتمل أيضًا أن يحدث عن طريق حدوث خدوش أو جروح تتلوث بإفرازات المصاب بالعدوى، والتي تحتوي على المسببات، وقد يكون نقل العدوى عمدًا لفرد أو جماعات، وقد يكون خطأ أو بدون قصد، ومن الثابت طبيًا – كذلك – أن الإصابة بهذا المرض تؤدي إلى الوفاة طال الزمن أو قصر لعدم اكتشاف علاج شاف حتى الآن.
وعلى ذلك فإن نقل العدوى كوضع السم في الطعام، وهو آلة للقتل، وقد اقتص ﷺ من اليهودية التي سممت الشاة، وقدمتها إلى رسول الله ﷺ ، وأمر بقتلها لما توفي من أكل معه من الشاة، وهو بشر بن البراء بن معرور. (١) .
فالقتل بالأسباب الخفية يوجب القصاص كالقتل بالأسباب الظاهرة حتى لا يتخذها الأشرار وسيلة للوصول إلى مآربهم.
وإن نقل العدوى بالإيدز لمن أشنع صور الحرابة والإفساد في الأرض.
وبناء على ما تقدم فإن تعمد نقل العدوى بهذا المرض إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد، عمل محرم شرعًا، ويعد من الموبقات التي أمر الشرع باجتنابها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] وفي قوله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) . . . . قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٢) .
ويستوجب هذا العمل العقوبة الدنيوية فضلًا عن العقوبة الأخروية إن لم يتب.
وتتفاوت العقوبة الدنيوية بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع، فإن كان قصد المعتد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع، فعمله هذا يعد نوعًا من الحرابة والإفساد في الأرض، وقد شدد الله النكير على من يفعل ذلك حيث يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] .
стр. 15857
وقد رأى جماعة من السلف والمالكية أن الإمام مخير في قاطع الطريق بين هذه العقوبات (١) .
ويرى الأحناف أن الآية على التخيير في من قتل وأخذ المال فقط، فالإمام مخير فيه بين قطع اليد والرجل ثم القتل أو قطعهما والصلب أو الصلب فقط (٢) .
ورأي فريق ثالث أنها على التنويع (٣) لتفاوت الجنايات، والعقل يقتضي أن يكون الجزاء مناسبًا للجناية ويشهد لهذا الرأي ما روي عن أنس ﵁، من ((أن الرسول ﷺ سأل جبريل ﵇ عن القصاص فيمن حارب، فقال: من سرق مالًا وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج والحرام فأصلبه)) (٤) .
ومما يؤكد اعتباره كالمحارب ما قاله الإمام مالك (٥) . من أن المتستر في ذلك والمعلن بحرابته سواء، والمحتال كالمحارب، وهو الذي يحتال في قتل أو أخذ مال أو هتك عرض وإن لم يشهر السلاح، وقد يكون من المناسب له أن يقتل ويصلب ليتحقق الزجر والردع.
وإن كان قصده إعداء شخص بعينه، وكانت طريقة الإعداء تصيب بهذا المرض غالبًا، وانتقلت العدوى وأدت إلى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصًا.
وإن تمت العدوى ولم يمت المنقول إليه، عوقب المتعمد بعقوبة تعزيزية مناسبة، وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية.
وأما إذا كان قصده (من تعمد نقل العدوى) إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى، فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.
وإذا تم نقل العدوى عن طريق الخطأ أو لقلة الاحتياط ومات المنقول إليه فإن ذلك قتل خطأ يستوجب الدية، وإن لم يمت المنقول إليه يعزر المتسبب في العدوى تعزيرًا مناسبًا.
стр. 15858
وتجب عليه كذلك كفارة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] . فهي واجبة لغير المحارب حتى ولو كان غير مسلم وإن عجز عن الصيام أطعم ستين مسكينًا قياسًا على كفارة الظهار والفطر العمد في رمضان.
وغني عن البيان أن ذلك لا يسقط عنه حد الجريمة التي ارتكبها في سبيل العدوى إذا كانت زنا أو لواطًا.
ففي حالة الجلد يتم جلده قبل تنفيذ حد نقل العدوى، وفي حالتي الرجم أو الإلقاء من شاهق يتحمل دية من مات بسبب نقل العدوى، وتجب على العاقلة وهم عصبة الجاني وذلك من باب التآزر، ولكي يأخذوا على الجاني فلا يقع في مثل هذا الخطأ.
حقوق الزوج المصاب وواجباته
أ- أثر الزواج في الحماية من هذا المرض.
ب- حكم الزواج من المصاب.
ج- حق المعاشرة بالنسبة للمصابين بهذا المرض.
د- حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة.
أ- أثر الزواج في الحماية من هذا المرض:
لقد أثبتت الإحصاءات أن الممارسات الجنسية غير المشروعة بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين معًا لها الدور الأكبر في انتقال العدوى بفيروس الإيدز خاصة ممارسة الجنس في بيوت الدعارة حيث تكثر العدوى بالأمراض التناسلية الأخرى مما يزيد من خطورة نقل العدوى.
стр. 15859
ولهذا يدرك العقلاء حكمة الله تعالى في تحريم الإباحية وقصر قضاء الشهوة على طريق مأمون العواقب، وهو الزواج، واعتبار ذلك طريق المؤمنين الفالحين، والخروج عنه جريمة وتعديًا، حيث يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ – ٧]
وقد شدد الله النكير على من يقع في جريمة الزنا حيث جعل حده مائة جلدة إن كان غير محصن كما بينت الآية الكريمة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
وإن كان محصنًا، وهو من سبق له زواج شرعي فحده الرجم حتى الموت لقوله ﷺ عقب نزوله الآية السابقة: ((خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) . . . . (١) .
وشدد النكير كذلك على جريمة اللواط حيث جعل حدها القتل (بالحجارة أو الرمي من شاهق) في قوله ﷺ : ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) . . . . (٢) .
ويدركون الحكمة كذلك في تسمية الزواج إحصانًا والمتزوج محصنًا في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] .
ولذا رغبنا الشرع في الزواج لأنه الطريق الوحيد لإرواء الغرائز وابتغاء النسل وتحقيق كرامة الإنسان، حيث بين لنا الله أن ذلك من سنن المرسلين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] . وبينه الرسول ﷺ في قوله: ((أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر والسواك والنكاح)) (٣) .
стр. 15860
وعَدَّ الرسول ﷺ الزوجة الصالحة خير متاع الدنيا حيث يقول: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) (١)
ويعتبره صلوات الله وسلامه عليه عبادة يستكمل بها المرء نصف دينه، حيث يقول: ((من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي)) . . . . (٢) . وذلك لأن الزواج يعف المرء عن الزنا فيغلق بابًا من بابي الذنوب، وهو باب الفرج، لقوله ﷺ : ((من وقاه الله شر اثنتين له الجنة، ما بين لحييه (فكيه) وما بين رجليه)) (٣) .
وعلى ذلك، فالزواج نعمة من الله تستوجب الشكر، ولذا امتن الله علينا في قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
ومدح من يسأله من عباده الزوجة والذرية، حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] .
وقد كلَّف الله الأمة أن تزوج من لا زوج له في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] .
وشرع الله – على مر العصور – تعدد الزوجات ليكون صمام أمن من الوقوع في المحارم، حيث يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، فقد قال العلماء في العلاقة بين فعل الشرط وجوابه في الآية الكريمة يا من تحذرون ظلم اليتامى احذروا الزنا وأمامكم الحلال الطيب من واحدة إلى أربع.
стр. 15861
رعاية المعاشرة الزوجية:
وقد رعى الإسلام المعاشرة الزوجية في أخص خصوصياتها وهو الجماع، حيث بيَّن القرآن الكريم وقته وهو طهر الزوجة من الحيض والنفاس في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
وبيَّن – كذلك – موضعه، وهو مكان الإنجاب، في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي في الموضع الذي أمركم الله باجتنابه وقت نزول الدم وهو الفرج.
ولعل حكمه الله في نهيه الرجل عن إتيان زوجته وهي حائض أو نفساء، وعن إتيانها في الدبر تتجلى الآن في ضوء ما عرف من أثر الدم الطمث واللواط في انتشار عدوى الإيدز.
كما اعتبر الشرع إحصان الزوج لزوجته عبادة يتقرب بها إلى ربه، حيث جاء في الحديث ((وفي بُضْع أحدكم صدقة)) قالوا يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال: ((أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزر؟)) قالوا: نعم. قال ((فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له الأجر)) (١) .
وهذا حق للزوجة لا يجوز أن يشغل عنه المرء بكثرة الصيام والقيام، فقد قال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: ((يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل)) . . . . فقلت: بلى يا رسول الله، قال: ((فلا تفعل، صم وافطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا وإن لزوجك عليك حقًا)) . . . . (٢) .
حكم زواج حاملي فيروس الإيدز:
إذا كان الزواج أعظم وسيلة للوقاية من انتشار العدوى بمرض الإيدز فيجب ألا يكون سببًا في نقله وانتشاره.
ولا يجوز أبدًا لمن يعلم أنه مصاب بمرض الإيدز أن يقدم على الزواج من إنسان سليم بدون إعلامه بذلك لأن في ذلك إضرارًا به وقد نهانا ﷺ عن إضرار الآخرين حيث يقول: ((لا ضرر ولا ضرار)) . . . . (٣) . ولأن في إخفاء ذلك تدليسًا وغشًا، وقد نفر ﷺ من الغش لأنه يخرج عن حوزة الإسلام ففي الحديث الشريف: ((من غش فليس مني)) (٤) .
وإذا أخفى المريض بالإيدز على زوجه ذلك وتم الزواج وانتقلت العدوى فهو متعمد العدوى.
стр. 15862
وجوب الفحص على الزوجين:
وقد يكون من الواجب في ظل هذا الخطر الداهم أن يفرض على كلا الزوجين إجراء فحص للتأكد من خلوهما من مرض الإيدز، ولكل منهما طلبه من الطرف الآخر.
وللحكومة أن تعتبره من مسوغات إبرام العقد من باب حماية أفرادها، لأننا نحكم بالتفريق لوجوده بأحد الزوجين بعد العقد.
وهل يجوز للمصابين الزواج؟:
يجوز زواجهما سواء امتنعًا عن الإنجاب عن طريق العزل أو الرفال، أو لم يمتنعا.
أما في حالة إصابة المرأة فإن انتقال العدوى إلى الجنين يحدث في نسبة ليست قليلة ويجب لهذا الاحتراز من الحمل.
حق المعاشرة بالنسبة للمصابين بهذا المرض:
من المعلوم شرعًا أن الجماع من مقومات الحياة الزوجية، وأنه حق لكلا الزوجين على سواء، وأن انعدامه بدون عذر مخالفة شرعية قد وضع الإسلام لها حدا، ففي حالة امتناع الزوجة من تمكين زوجها من وطئها – بدون عذر شرعي – تعتبر ناشزًا، وعلى الزوج أن يحاول إصلاحها بواسطة حكمين فإن لم يجد ذلك سقطت نفقتها، وحق له أن يطلق أو يرفع الأمر إلى القاضي ليحكم بالتفريق، وفي كلتا الحالتين تحرم الزوجة من حقوق المطلقة من المتعة والنفقة هذا فضلًا عما ينالها من عقاب الله لامتناعها عن تمكين الزوج من حق من حقوقه الشرعية، فقد قال ﷺ : ((ولا تؤدي المرأة حق الله عليها كله حتى تؤدي حق زوجها عليها كله، حتى لو سألها نفسها وهي على ظهر قتب لأعطته إياه)) (١) .
стр. 15863
وفي حالة امتناع الزوج عن وطء زوجته – بدون عذر شرعي – فإنه يعد موليًا (١) ، وقد وضع الله حدًا لذلك بأن نمهل هذا الزوج مدة أربعة أشهر فإن فاء أي رجع إلى الصواب وجامع زوجته على أن لن يعود لمثلها فإن الله يغفر له ما كان منه من تقصير، وإن أصر على امتناعه إلى أن انقضت الأربعة أشهر طلقت منه زوجته – إن أصرت على شكواها – وأخذت جميع حقوقها من مؤخر صداق ومتعة (٢) ،يقول سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ – ٢٢٧) .
وفي حالة امتناع الوطء لوجود عيب في أحد الزوجين، فإن القاضي يفرق بينهما أو يحكم بالتطليق إذا كان العيب مستحكمًا لا برء منه، أو يمهلهما فترة ابتغاء صلاح الحال إذا كان العيب غير مستحكم، وفي حالة عدم تحقق الصلاح يحكم بالتفريق أو التطليق (٣) .
وبناء على ذلك، فإذا كان أحد الزوجين مصابًا بالإيدز، فإن لغير المصاب منهما أن يمتنع عن المعاشرة الجنسية لما ثبت طبيًا من أن الاتصال الجنسي هو الطريق الرئيسي لنقل العدوى.
أما إذا رضي الزوج بالمعاشرة الجنسية، فإن الاحتياط يستوجب استعمال العازل الذكري الذي يقلل من احتمالات العدوى والحمل إذا أحسن استعماله.
بالنسبة للزوجين المصابين يمكن أن يجامع كل منهما الآخر ويستحسن أن يكون ذلك باستخدام العوازل الذكرية أو الأنثوية لمنع تكرار نقل العدوى بينهما خاصة وأن الفيروس قد تتغير نوعيته داخل جسم المصاب بالعدوى كما أن تكرار العدوى تسبب سرعة تطور العدوى إلى المرض.
حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة
١- الرأي الطبي:
إن احتمالات انتقال العدوى من الزوج المريض إلى الزوج السليم واردة، ولا سيما إذا كان المريض يرفض استعمال العازل الذكري، واحتمالات انتقال المرض من الذكر إلى الأنثى أكبر بكثير من احتمالات انتقاله من الأنثى إلى الذكر، لأن المني يحتوي على كمية كبيرة من الفيروس، ويستقر مدة طويلة على الغشاء المخاطي للمرأة، فاحتمالات عدوى الزوجة السليمة من زوج مصاب احتمالات كبيرة، مع احتمال أن يولد أطفال مصابون أيضًا.
стр. 15864
يضاف إلى ذلك أمران اثنان: أولهما: أن من شروط استمرار الزواج قدرة الزوج على الجماع، وهذه قدرة منقوصة في حال إصابته بالإيدز، نظرًا لضرورة استعمال الرفال في كل مرة منذ بداية العملية الجنسية إلى نهايتها, وإذا كان العزل عن المرأة جائزًا إذا أذنت، فإن عدم إذنها قد يؤلف مدخلًا لتسويغ طلب الطلاق.
والأمر الثاني: أن الإنجاب مقصد أساسي من مقاصد الزواج، وواضح أن العزل عن الزوجة بالشروط المطلوبة للوقاية من الإيدز يجعل احتمال الإنجاب أقرب إلى العدم، وقد يكون ذلك مدخلًا آخر لتسويغ طلب الطلاق.
لقد وضع ابن القيم (١) . ﵀ – ضابطًا للعيوب التي يجوز الفسخ بها، فقال: والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار أي في العقد قياسًا على البيع بل هو أولى.
وقد عزا إلى ابن شهاب الزهري، وذكر عنه أنه قال: (يرد النكاح من كل داء عضال) وعزا كذلك إلى القاضي شريح الذي قال عن عقد الزواج: إن كان دلس لك بعيب لم يجز.
وذكر ابن القيم كذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر رجلًا عقيمًا تزوج امرأة من غير أن يخبرها، أن يخبرها بعقمه ثم يخيرها.
وحكمه ﵁ على الزوج بإخبار زوجته وتخييرها، لأن الغرض الأسمى للزواج هو الإنجاب، وهو مطلب لكلًا الزوجين على سواء، وعدم الإنجاب مناف للسكن والرحمة والمودة وعلى ذلك سارت قوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلدان الإسلامية.
ويستوي في ذلك أن يكون العيب موجودًا قبل العقد أو وجد بعده ولم يرض به الطرف الآخر.
وهذا ينطبق اليوم على مرض الإيدز، بل إن مرض الإيدز أشد لما يؤدي إليه من هلاك بسبب العدوى، وتشير جميع التقارير الدولية والعالمية على خطورة الإيدز وما يمكن أن ينتج عنه من آثار مدمرة على حياة الإنسان وبقائه على سطح هذه البسيطة.
стр. 15865
حق طلب التفريق أو الطلاق للزوج السليم
وبناء على ما تقدم، فإنه يحق لكلا الزوجين طلب الفرقة من الزوج المصاب بمرض الإيدز باعتبار أنه مرض معد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي، ويستوي في ذلك أن يكون موجودًا قبل العقد أم جدَّ بعده.
ويكون تفريقًا إذا كانت الزوجة هي المصابة فلن يكون لها حقوق المطلقة، بل له أن يرجع عليها أو على وليها بالمطالبة بما دفع – إن لم يكن قد دخل بها -، وبعوض المهر إن كان قد دخل.
ويكون طلاقًا إذا كان الزوج هو المصاب فتأخذ الزوجة مؤخر الصداق ومتعة المطلقة.
ويضاف إلى ذلك أن المدلس منهما الذي كان يعلم بالمرض ولم يخبر الطرف الآخر يدخل تحت طائلة عقوبة ناقل العدوى التي سبق الحديث عنها.
حكم إجهاض الحامل في ظل مرض الإيدز
١- الرأي الطبي:
لم يتمكن العلماء حتى الآن من معرفة إصابة الجنين وهو داخل الرحم سواء في الأشهر الأربعة الأولى أو في ما بعدها، وقد ذكرنا أن نسبة انتقال العدوى إلى الجنين في أثناء الحمل نسبة ضئيلة لا تتجاوز عشرة بالمائة، ويعتقد أن هذه النسبة لا تحدث إلا في الأشهر الأخيرة من الحمل، لكن إذا توصل العلم إلى تشخيص إصابة الجنين مبكرًا، فقد يكون هناك مسوغ لإجهاض الجنين في الفترة التي يسمح فيها الشرع بالإجهاض، وذلك في ضوء ما نعلمه من أنه لا يوجد علاج لهذا المرض حتى الآن، على أن هذا الحكم لا بد من أن يتغير إذا ظهر علاج للإيدز.
على أنه قد ينصح بالإجهاض لمصلحة الأم، فقد ذكرنا أن الحمل هو من جملة العوامل التي تقصر مرحلة كمون المرض وتسرع ظهوره. فالمرأة تسوء حالتها وتتدهور صحتها أثناء الحمل، ولعل في هذا مسوغًا أكبر لإجراء الإجهاض حرصًا على الأصل.
стр. 15866
٢- الرأي الفقهي:
قيمة الأولاد:
إن للأولاد قيمة عظمى في نفوس الناس، فهم شطر زينة الحياة الدنيا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] .
ولذا يمن علينا بهذه النعمة في قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢] .
وقد حضنا الشرع على الإنجاب، وأمرنا باحترام الجنين، لأنه أصل الإنسان، ومن أمارات هذا الاحترام.
فطر الحامل في رمضان إن خافت على جنينها، وتأخير تنفيذ الحد أو القصاص من أجله، وحرمة العدوان عليه حتى ولو كان جنين سفاح.
وعقاب من يعتدي على الجنين فيسقطه أن يدفع ديته إن نزل حيًا، عن مدة يعيش مثله فيها ثم مات متأثرًا بالجناية.
ووجوب الغرة وهي قيمة عشر دية أمة – ثم الكفارة – التي هي بمثابة اعتذار للمجتمع لوقوع الجناية على أفراده، وتعويض لأهل الجنين عن تلكم الخسارة وهي عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فقد روي (١) . عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة: عبد أو أمة. قال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة – ﵄.
ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] (٢) .
стр. 15867
أقوال الفقهاء في إسقاط الجنين
مجمل أقوال الفقهاء في هذا الأمر ما يلي:
١-عندما تتعرض الأم للخطر بسبب الحمل نسقط الجنين مهما مضى عليه من وقت الحمل.
٢-وفي حالة عدم تعرض الأم للخطر، فهم مجمعون على حرمة العدوان عليه إذا مضى على بدء الحمل مائة وعشرون يومًا، لتمام خلقه ونفخ الروح فيه، لقوله ﷺ : ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا – نطفة – ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكن مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقة وأجله وعمله، وشقي أم سعيد ....)) (١) وهي الأطوار التي تشير إليها هذه الآيات الكريمة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِّنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ –١٤] .
٣ –يرى الحنابلة خطر العدوان على الجنين عندما يبدأ في التخلق، وقد علم أن الحد الزمني لذلك هو بعد أربعين يومًا، فإذا تجاوز الحمل أربعين يومًا حرم الإسقاط (٢) .
٤-حرمة إسقاطه بمجرد العلوق، والقائلون بذلك:
أ- الإمام الغزالي:
حيث قال (٣) . في الفرق بين العزل وبين الإجهاض أو الوأد أنهما جناية على موجود حاصل، لأن الوجود له مراتب، أولها أن تقع النطفة في الرحم وتستعد لقبول الحياة، فإفساد ذلك جناية، فإذا صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح ازدادت الجناية تفاحشًا.
ثم يؤكد كلامه بالتفريق بين العزل وبين الإجهاض، بأن العزل شبيه بنقض العقد قبل الإيجاب، لأن ماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في العقود، فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانيًا على العقد بالنقض والفسخ، ولكن الرجوع بعد القبول يعد نقضًا للعقد وفسخًا له.
стр. 15868
ب- بعض الأحناف:
ففي حاشية ابن عابدين (١) . أنه قد جاء في كراهة الخانية: ولا أقول بحل الإسقاط قبل التخلق، لأن المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه، لأنه أصل الصيد، وكذلك النطفة بعد العلوق أصل الإنسان، لأن الماء بعد وقوعه في الرحم مآله الحياة كما في بيض صيد الحرم، ويقول ابن وهبان من فقهاء الأحناف: إباحة الإسقاط قبل التخلق المروي عن بعض الأحناف محمولة على حالة العذر أو أنها لا تؤثم إثم القتل.
ج- المالكية:
حيث قالوا: لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يومًا (٢) .
وجاء في القوانين الفقهية لابن جزي: وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح، فإنه قتل للنفس إجماعًا (٣) .
فعلماء الشريعة – إذا – يرون ما يراه الأطباء من أن مادة التلقيح فيها حيوية يقدرها الفقهاء ويعتدون بها، وذلك حين حكموا بالضمان على كاسر بيض الصيد في الحرم، لأنه أصل الصيد، وقد قاسوا على ذلك الحيوان المنوي بعد تلقيحه ببويضة الزوجة واستقرارهما في الرحم.
ويطلق البعض على هذه الحياة؛ الحياة الحيوانية، أما الحياة التي تكون بعد تمام أربعة أشهر على بدء الحمل، فهي الحياة الإنسانية، التي عبر عنها الله بالخلق الآخر، وعبر عنها الرسول بنفخ الروح.
стр. 15869
وهناك سؤالان مطروحان:
السؤال الأول: هل يجوز إسقاط الجنين المصاب بالإيدز؟
بعد الاستنارة برأي أهل الاختصاص الذين يقولون: إن احتمالات انتقال العدوى من الأم المصابة إلى الجنين واردة وأن أغلبها حدث حول وقت الولادة، وحيث إنه حتى الآن لم يتمكن العلماء من معرفة إصابة الجنين وهو في الرحم قبل تمام مائة وعشرين يومًا على بدء حمله أو بعدها فما الحكم في ضوء عدم وجود علاج لمريض الإيدز حتى الآن؟
والجواب: إن إسقاطه قبل ١٢٠ يومًا من بدء حمله حرام على الرأي الأحوط، لأن النطفة حية ترزق، وهي أصل الإنسان فالعدوان عليها عدوان عليه كما هو الحال في العدوان على بيض الصيد في الحرم أو للمحرم، وفي رأي آخر يكره كراهة تحريمية.
وفي حالة التأكد من إصابته بعد تمام مائة وعشرين يومًا على بدء حمله، فلا يجوز إسقاطه، شأنه في ذلك شأن الجنين المشوه الذي لا يجوز إسقاطه، وشأن مريض الإيدز الذي لا يجوز أن نمتنع عن علاجه، فضلًا عن أن نميته.
السؤال الثاني: هل يجوز إسقاط الجنين من أجل المصابة بالإيدز؟
والجواب: إذا كان وجوده سيعرض الأم للهلاك فإننا نضحي به لأن حياته مظنونة وحياة أمه متيقنة والتضحية بالمظنون من أجل المتيقن أمر واجب.
وأما إذا لم تتعرض الأم للخطر، ولكن الحمل سيقصر فترة كمون المرض فلا يجوز التعرض له لسببين:
الأول: أنه يمكن التغلب على ذلك بحسن الرعاية الصحية للأم.
الثاني: أن ظهور المرض مبكرًا لا دخل له في قصر الأجل، لأنه محدد عند الله لعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .
стр. 15870
حكم حضانة الأم المصابة لوليدها السليم وإرضاعه
١- الرأي الطبي:
ذكرنا أن انتقال فيروس الإيدز بلبن الأم لم يذكر إلا في حالات محدودة جدًا في العالم كله حتى الآن.
ومع ذلك فإن الرأي السائد في المجتمعات التي يمكن أن يوجد فيها للرضيع ظئر، أو يتوافر له من بدائل لبن الأم ما يحقق له معظم المزايا الغذائية التي يزوده بها لبن الأم، عدم إرضاع الطفل من الأم المصابة بالعدوى، أما في غير هذه الظروف فإن من مصلحة الطفل إرضاعه من أمه، حيث إن الضرر المحتمل من ذلك أقل كثيرًا من احتمال تعرضه للعدوى بالأمراض المختلفة نتيجة عدم توافر بدائل للبن الأم.
أما إذا ثبت أن الطفل مصاب بالإيدز كذلك، فلا حرج من إرضاعه من أمه ابتداء.
ولم يثبت انتقال العدوى في العائلات، حتى ولو لم تتخذ احتياطات إضافية، إلا بين الزوج والزوجة، فإذا راعت الأم الأساسيات البسيطة لنقل العدوى، فلن تكون مصدر خطر على طفلها، ومن هذه الأساسيات أن لا تلامس أغشيته المخاطية إذا أصيبت بجرح أو تلوثت بدم حيضها.
وإلا فإن حضانة الأم للطفل لها مميزات عديدة من حيث التطور النفسي والنشأة الطبيعية للطفل، وهي مميزات لا يجوز أن يضحى بها من أجل احتمال عدوى يكاد يكون معدومًا.
٢- الرأي الفقهي:
إن مما اشترطه الفقهاء في الحاضن سلامتها من الأمراض المعدية التي تنتقل عن طريق التنفس أو اللمس أو المخالطة واستخدام الحاجيات.
ولقد قال أهل الاختصاص: إن العدوى بالإيدز لا تنتقل عن طريق مثل هذه الممارسات وإنه لم يثبت انتقال العدوى في العائلات – حتى ولو لم تتخذ احتياطات إضافية – إلا بالمعاشرة الجنسية.
فإذا راعت الأم الأساسيات البسيطة لعدم نقل العدوى فلن تكون مصدر خطر على محضونها.
стр. 15871
ومن هذه الأساسيات، ألا تلامس أغشيته المخاطية إذا أصيبت بجرح أو تلوثت يدها بدم حيضها.
وبناء على ذلك فلا يجوز أن تحرم الحاضنة من حقها، ونحرم المحضون من رعاية من هي أفضل له من غيرها.
وأما إرضاع الأم المصابة بهذا المرض وليدها السليم، فقد ذكر أهل الاختصاص بأن هناك حالات معدودة في العالم كله يعتقد أن العدوى فيها قد انتقلت عن طريق لبن المرضع، وحيث إن فيروس الإيدز يوجد بلبن الأم في نسبة ضئيلة من الحالات كما هو الحال في إفرازات البدن الأخرى من اللعاب والعرق والبول، ولكن يظن أن حدوث تشققات في حلمة الثدي مما يتسبب عنه خروج دم مع اللبن واحتمال عدوى الرضيع.
وبناء على ذلك، فلا يجوز حرمان الرضيع والمرضع من حقهما وتفويت المؤكد من مصلحتهما البدنية والنفسية لمجرد احتمال ضئيل لضرر يمكن الاحتراز من وقوعه إذا حرصت المرضع على تنفيذ وصاية الأطباء بأن تتجنب الإرضاع المباشر عند وجود تشققات بحلمة الثدي مع ملاحظة ما سبق بالنسبة للحضانة.
ويضاف إلى ذلك العمل بوصاية الشرع بأن نعامل مريض الإيدز معاملة عادية كي نهون عليه مصابه وبذلك أيضًا أوصت المنظمات الدولية.
حكم اعتبار مرض الإيدز مرض الموت
١- الرأي الطبي:
إن حياة المريض بالإيدز قد تطول عشر سنوات أو أكثر. صحيح إن نهايته – بحسب معارف اليوم – محتومة وهي الموت، إلا أنه كالمصاب بالسرطان يمكن أن يعيش سنين عددًا.
ومن أجل ذلك لا ينبغي- في نظرنا – الحكم على تصرفاته على أنها تصرفات مريض مرض الموت، اللهم إلا في مراحله النهائية.
على أن مريض الإيدز قد يصاب في بعض مراحل المرض ببعض الاضطرابات العصبية، وأكثرها شيوعًا هو الاعتلال الدماغي المصاحب للإيدز الذي يتصف بتغيرات سلوكية مترقية مصحوبة بالخرف. ويحدث (خرف الإيدز) هذا عادة فيما يقرب من ثلث مرضى الإيدز في مراحل متأخرة من المرض، وحكمه إذا حصل حكم الخرف.
стр. 15872
٢- الرأي الفقهي:
يعرف جمهور الفقهاء مرض الموت بأنه المرض المخوف الذي يتصل بالموت، ولو لم يكن الموت بسببه (١) ، فهم يشترطون لتحققه أمرين:
أحدهما: أن يكون مخوفًا، أي غلب الهلاك منه عادة أو يكثر.
فقد جاء بالفتاوى الهندية: وحد مرض الموت تكلموا فيه، والمختار للفتوى أنه إن كان يغلب منه الموت كان مرض موت، سواء أكان صاحب فراش أم لا (٢) .
وقال النووي: المرض المخوف هو الذي يخاف منه الموت لكثرة من يموت به (٣) .
ومن الضروري في زماننا هذا مع تقدم علم الطب أن يرجع إلى الأطباء والخبراء في طبيعة الأمراض لمعرفة كون المرض مخوفًا أو غير مخوف، على أن يكونوا عدولًا، لأن قولهم فيه من قبيل الشهادة على أموال المسلمين وحقوقهم.
وإنما اشترط الفقهاء اجتماع هذين الوضعين لتحقق مرض الموت، لأن وجود هاتين العلاقتين يدل على أن المريض في حالة نفسية يستشعر دنو أجله، مما قد يبعثه على إبرام تصرفات قد تضر بحقوق دائنيه وورثته.
وهذا هو السبب في تقييد الشارع لتصرفاته التي تمس حقوقهما، وجعله أحكامًا خاصة لتلك التصرفات بحسب نوعها، وما ينتج عنه من آثار.
التكييف الفقهي لمرض الموت:
يرى الأحناف في تكييف هذا المرض أنه أحد العوارض التي تطرأ على الأهلية، فتسبب تقييد تصرفات المريض بما لا يضر بحقوق الآخرين مع بقاء أهليته بالنسبة لحقوق الله أو حقوق العباد.
ونظرًا لكون مرض الموت سببًا لتعلق حق الوارث والغريم بالمال، كان من أسباب حجر المريض عن التبرعات بالقدر الذي يحفظ حق الوارث والغريم.
وبناء على ما تقدم، وعلى ما عرف طبيًا عن مرض الإيدز بأن العدوى به في الجسم تمر بمراحل، من أهمها مرحلة الكمون، وهي من فترة دخول الفيروس في الجسم إلى أن تظهر أعراض المرض المميزة له، وتستغرق هذه المرحلة فترة قد تمتد إلى عدة سنوات يكون فيها المصاب بالعدوى عاديًا في تصرفاته، وفي المراحل المتأخرة من العدوى يحدث في ما يقرب من ثلث المرض تغيرات سلوكية مصحوبة بالخرف.
ولهذا فإن مرض الإيدز لا يعد مرض موت شرعًا إلا إذا اكتملت أعراضه وأدى بالمريض إلى الخرف أو أقعده عن ممارسة الحياة اليومية واتصل بالموت.
стр. 15873
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
توصيات
الندوة الفقهية الطبية السادسة
رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز
المنعقدة في الكويت
خلال الفترة من ٢٣ – ٢٥ جمادى الآخرة ١٤١٤ هـ
الموافق ٦- ٨ ديسمبر ١٩٩٣
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لتحمد الله جلت قدرته على فضله ونعمته أن استأنفت نشاطها في مجالاتها المختلفة، وآداء الرسالة الملقاة على عاتقها، والنهوض بما يستوجبه نظامها الأساسي، وذلك إثر توقف قهري بسبب الاحتلال العراقي وما لحق مقر المنظمة من تخريب وتدمير وإتلاف على يد قوات الاحتلال العراقي الغادر.
وإن المنظمة ما كانت لتواصل مسيرتها لولا عون من الله ثم الدعم المستمر والتأييد المتصل الذي تلقاه من لدن حضرة صاحب السمو أمير دولة الكويت وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والحكومة الرشيدة بدولة الكويت ووزارة الصحة ممثلة بوزيرها والمسؤولين فيها.
وبحمد الله وحسن توفيقه بدأت المنظمة أولى خطواتها بعد تحرير دولة الكويت حيث تم انعقاد (الندوة الفقهية الطبية السادسة) وموضوعها:
رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز
بالتعاون مع وزارة الصحة بدولة الكويت – مجمع الفقه الإسلامي بجدة – والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية في الفترة من ٢٣ – ٢٥ جمادى الآخرة ١٤١٤ من الهجرة التي توافقها ٦ – ٨ ديسمبر ١٩٩٣ للميلاد، وذلك تحت رعاية صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت.
стр. 15874
وقد شارك في أعمال الندوة ما يربو على ١٣٠ شخصًا من الفقهاء والأطباء والعلماء الذين قدموا من أكثر من ثلاث وعشرين دولة.
عقد حفل الافتتاح بقاعة الاجتماعات الكبرى بمقر المنظمة بمركز المرزوق للطب الإسلامي شهده عدد كبير من المسؤولين في الدولة والسفراء وجمع غفير من المهتمين بالأمور الفقهية والشئون الطبية، وقد استهل الحفل بتلاوة من القرآن الكريم أعقبها كلمة مندوب صاحب السمو أمير البلاد راعي الحفل والتي ألقاها سعادة وزير الصحة بدولة الكويت الدكتور عبد الوهاب سليمان الفوزان ثم كلمة للأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة فضيلة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة تلتها كلمة منظمة الصحة العالمية ألقاها الدكتور محمد هيثم الخياط، وكان ختام الحفل كلمة رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية سعادة الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي.
وقد تشرف أعضاء مجلس أمناء المنظمة وعدد من المشاركين في الندوة بمقابلة حضرة صاحب السمو أمير البلاد ومقابلة سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وقد ألقى عدد من المشاركين كلمات أمام حضرة صاحب السمو واشادوا بإنجازات المنطقة في السنوات السابقة وأشادوا بدعم سموه وسمو ولي العهد وتعاون وزارة الصحة في تعزيز أعمالها ثم استمعوا إلى توجيهات وإرشادات سمو الأمير وسمو ولي العهد.
ثم بعد ذلك واصلت الندوة أعمالها في فندق ميريديان، وكانت ذات شقين:
أولًا: الجوانب الطبية لمرض الإيدز من حيث أسبابه وطرق انتقاله وخطورته.
стр. 15875
ثانيًا – الجوانب الفقهية وتشتمل على:
١-حكم عزل مريض الإيدز.
٢-حكم تعمد نقل العدوى.
٣-حقوق الزوج المصاب وواجباته.
أ- حكم إجهاض الأم المصابة بعدوى الإيدز
ب- جواز حضانة الأم المصابة بالإيدز لوليدها السليم وإرضاعه.
ج- حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الإيدز.
د – حق المعاشرة الزوجية.
٤-اعتبار مرض الإيدز مرض الموت.
وعلى مدى ثلاثة أيام استغرقتها الندوة في الأبحاث والمناقشات انتهت في جلستها الختامية التي عقدت في مركز الطب الإسلامي إلى الآراء والتوصيات التالية:
أولًا – عزل المريض:
تؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حاليًا أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري (الإيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة أو التنفس أو الحشرات أو الاشتراك في الأكل أو الشراب أوالمراحيض أو حمامات السباحة أو المقاعد أو أدوات الطعام أو غير ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تنتقل العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:
١-الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
٢-نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
٣-استعمال المحاقن الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات.
٤-الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها.
بناء على ما تقدم فإن عزل المصابين من التلاميذ أو العاملين أوغيرهم عن زملائهم الأصحاء ليس له ما يسوغه.
стр. 15876
ثانيًا - تعمد نقل العدوى:
تعمد نقل العدوى بمرض الإيدز إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.
فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعًا من الحرابة والإفساد في الأرض ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وكانت طريقة الإعداء تصيب به غالبًا انتقلت العدوى وأدت إلى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصًا.
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وتمت العدوى ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية.
وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.
ثالثًا: إجهاض الأم المصابة بعدوى الإيدز:
كانت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية قد عقدت ندوة حول الإنجاب في ضوء الإسلام، وتوصلت في موضوع حكم الإجهاض إلى ما يلي:
- أن الجنين حي من بداية الحمل، وأن حياته محترمة في كافة أدوارها، خاصة بعد نفخ الروح، وأنه لا يجوز العدوان عليها بالإسقاط إلا للضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض المشاركين فرأى جوازه قبل تمام الأربعين يومًا وخاصة عند وجود الأعذار.
وترى الندوة أن هذا الحكم ينطبق على الأم الحامل المصابة بعدوى الإيدز.
стр. 15877
رابعًا – حضانة الأم المصابة بالإيدز لوليدها السليم وإرضاعه:
أ- لما كانت المعطيات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى الإيدز لوليدها السليم، شأنها في ذلك شأن المخالطة والمعايشة العادية فترى الندوة أنه لا مانع شرعًا من أن تقوم الأم بحضانته.
ب- لما كان احتمال عدوى الطفل السليم من أمه المصابة بعدوى الإيدز أثناء الرضاعة نادرًا جدًا، وإن كان ذلك واردًا بسبب ما يحتويه لبن الأم من فيروس أو ما يتسرب إلى فم الرضيع من دم الأم بسبب تشقق الحلمة، فللأم أن ترضع طفلها لما في الإرضاع من المزايا العديدة، وعليها أن تتخذ من الوسائل ما يخفف احتمال عدوى رضيعها، ويجوز لها أن تمتنع من إرضاعه إذا أمكن أن توجد للرضيع مرضعة ترضعه، أو أن تتوافر له من بدائل لبن الأم تغذية كافية.
خامسًا – حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الإيدز:
ترى الندوة أن لكل من الزوجين طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الإيدز باعتبار أن الإيدز مرض معد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.
سادسًا – حق المعاشرة الزوجية:
إذا كان أحد الزوجين مصابًا بالإيدز، فإن لغير المصاب منهما أن يمتنع عن المعاشرة الجنسية، لما سبق ذكره من أن الاتصال الجنسي هو الطريق الرئيسي لنقل العدوى.
أما إذا رضي الزوج السليم بالمعاشرة الجنسية، فإن الاحتياط يستوجب استعمال العازل الذكري الذي يقلل من احتمالات العدوى والحمل إذا أحسن استعماله.
سابعًا – اعتبار مرض الإيدز مرض موت:
لا يعد الإيدز مرض موت شرعًا إلا إذا اكتملت أعراضه وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل بالموت.
стр. 15878
ثامنًا: توصيات عامة:
١-على الجهات الرسمية والشعبية العمل على توعية أفراد المجتمع بخطورة مرض الإيدز، وكيفية انتقال عدواه، وسبل الوقاية منه، ولا سيما التمسك بالعفة، والحث على الفضيلة.
٢-ينبغي إدخال التربية الإسلامية في المناهج المدرسية لجميع المستويات التعليمية، بحيث تتكامل مع المناهج الدراسية الأخرى في سبيل بناء شخصية الفرد بما يحقق مصلحة الأفراد والمجتمع ويضمن الوقاية من هذا الوباء.
٣-من أجل حماية الشباب من الانحراف الجنسي، ينبغي تشجيع الزاج المبكر، وإزالة العقبات التي تسبب تأخير سن الزواج.
٤-من حق المصاب بعدوى الإيدز أن يحصل على العلاج والرعاية الصحية اللذين تتطلبهما حالته الصحية، مهما كانت طريقة إصابته بالعدوى، وعليه أن يعلم طبيبه بإصابته حرصًا عليه وعلى مراجعيه من احتمال انتقال العدوى إليهم، وعلى الطبيب أن يلتزم بعلاجه متخذًا من الاحتياطات ما يقي به نفسه وغيره.
ويجب توعية المصاب بعدوى الإيدز بكيفية الحفاظ على حالته من مزيد من التدهور، وكف العدوى عن الآخرين، ولا يجوز أن يظلم أو يخذل أو يلمز بسبب مرضه.
٥-تدعو الندوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية التي هي عصمة للأمة الإسلامية من مثل هذه الأمراض والآفات التي تفتك بالجماعات والأفراد.
٦-لوسائل الإعلام دور هام في توعية الناس بمخاطر الإيدز وسبل الوقاية منه، ولا سيما في الحض على العفة، ولذا عليها أن تتجنب عرض كل ما من شأنه إثارة الغرائز أو الإغراء بالرذيلة.
٧-على الجهات الرسمية توفير الكواشف الضرورية لتشخيص الإصابة بعدوى الإيدز على أوسع نطاق، لما للكشف المبكر من أثر فعال في الوقاية من انتشار المرض.
٨-تناشد الندوة جميع المتدينين والعقلاء في كل أنحاء العالم أن يضموا صفوفهم وجهودهم إلى المسلمين في دعوتهم إلى العفة ومحاربة جميع صور الاتصال الجنسي خارج إطار الزواج الشرعي.
٩-أناب المشاركون سعادة الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي بإرسال برقيتي شكر لصاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح حفظه الله وسمو ولي عهده الأمين على دعم المنظمة واستقبال سموهما لمجلس الأمناء وبعض المشاركين في الندوة.
стр. 15879
أسماء السادة المشاركين
في ندوة (رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز)
١-د. إبراهيم الصياد
٢- د. إبراهيم المهلهل
٣- د. إبراهيم جميل بدران
٤-د. أحمد إمام
٥-د. أحمد أبو الفضل
٦-د. أحمد الشطي
٧-د. أحمد الغساني
٨-د. أحمد القاضي
٩-د. أحمدالهاشمي
١٠-د. أحمد رجائي الندي
١١-د. أحمد عيسى
١٢-د. أحمد كامل شنبو
١٣-د. أحمد مسلم
١٤-د. أحمد حجي الكردي
١٥-د. إحسان دوغراماجي
١٦-المستشار أسامة أحمد
١٧-د. أسامة الطيب
١٨-د. أسامة رسلان
стр. 15880
١٩-د. المهدي بن عبود
٢٠-د. توفيق يوسف الواعي
٢١-د. جمال العشيري
٢٢-د. جمال ماضي
٢٣-د. جواد بهبهاني
٢٤-د. حامد جامع
٢٥-د. حامد محمود شتلة
٢٦-د. حسان حتحوت
٢٧-د. حسين المؤمن
٢٨-د. حسنين محمود حسنين
٢٩-د. حمد العباد
٣٠-د. حمداتي شبيهنا ماء العينين
٣١-د. خالد المذكور
٣٢- الأستاذ خالد المرزوق
٣٣-الشيخ خليل الميس
٣٤-السيد خليل العنزي
٣٥-د. رضا علي
٣٦-د. سالوناز حتحوت
٣٧-المستشار سري صيام
٣٨-د. سعود بن مسعد الثبيتي
٣٩-د. سهير سعيد شعير
٤٠-د. صلاح العتيقي
٤١-د. صلاح عيد
٤٢-د. صديقة العوضي
٤٣-د. صديقة عبد العظيم أبو الحسن
٤٤-الشيخ طه الصابونجي
٤٥-د. عبد الرحمن آل محمود
٤٦-د. عبد الرحمن عبد الله العوضي
٤٧-د. عبد الله بن سليمان المنيع
٤٨-د. عبد الله باسلامة
стр. 15881
٤٩-المستشار عبد الله العيسى
٥٠-د. عبد الله محمد عبد الله
٥١-د. عبد الله الغنيم
٥٢-د. عبد الحليم أحمدي
٥٣-الشيخ عبد الحميد جاسم البلالي
٥٤-د. عبد الرزاق خليفة الشايجي
٥٥-د. عبد الستار أبو غدة
٥٦-د. عبد الستار الشلاح
٥٧-د. عبد العزيز العنزي
٥٨-السيد عبد العزيز البشير
٥٩-د. عبد اللطيف السنان
٦٠-د. عبد المنعم أبو الفتوح
٦١-د. عبد الفتاح الشيخ
٦٢-د. عبد الفتاح شوقي
٦٣-د. عبد السلام صبحي حامد
٦٤-د. عبد الكريم شحاتة
٦٥-د. عبد الوهاب الفوزان
٦٦-د. عجيل النشمي
٦٧-د. عصام الشربيني
٦٨-د. عصام العريان
٦٩-د. علي السيف
٧٠-د. علي عبد الفتاح
٧١-د. عمر الجيدي
٧٢-د. عمر سليمان الأشقر
٧٣-د. عيسى الشيخة
стр. 15882
٧٤-د. عيسى زكي شقرا
٧٥-عبده معلم موسى
٧٦-د. محمد السيد طنطاوي
٧٧-الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة
٧٨-الشيخ محمد المختار السلامي
٧٩-د. محمد الهواري
٨٠-السيد محمد بلال
٨١-د. محمد حلمي وهدان
٨٢-د. محمد خليل حداد
٨٣-د. محمد رضا الجندي
٨٤-حكيم / محمد سعيد
٨٥-د. محمد سعيد البوطي
٨٦-محمد سليمان الأشقر
٨٧-د. محمد صعيب الشامي
٨٨-د. محمد علي البار
٨٩-د. محمد عدنان صقال
٩٠-د. محمد عبد السلام محمد
٩١-د. محمد عبد الغفار الشريف
٩٢-د. محمد فوزي فيض الله
٩٣-د. محمد نعيم ياسين
٩٤-د. محمد هيثم الخياط
٩٥-د. محمود محمد حسن
٩٦-د. مدحت عاصم
٩٧-د. نزيه حماد
٩٨-الشيخ نظام محمد صالح يعقوب
٩٩-د. وليد البصيري
١٠٠-د. وليد مساعد الطبطبائي
١٠١-د. وهبة الزحيلي
١٠٢- السيد يحيى أبو الفتوح
١٠٣-د. يوسف القرضاوي
стр. 15883
الإيدز ومشاكله الاجتماعية والفقهية
وثيقة مقدمة من
الدكتور محمد علي البار
مستشار الطب الإسلامي بمستشفى الملك فهد التخصصية بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والقائل في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
والقائل عز من قائل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه أجمعين.
والقائل: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (١) .
والقائل: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) (٢)
وصدق رسول الله ﵌ فما أن شاعت الفاحشة في بلاد الغرب ومنه إلى مختلف بلاد العالم إلا أصابهم الله بآفة الأمراض الجنسية، وأخطرها، متلازمة نقص المناعة المكتسب، المعروف باسم الإيدز (أو سيدا في الجهات الناطقة بالفرنسية) .
وفي هذا البحث المقدم بصورة مختصرة إلى مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة بدار السلام بروناي في الفترة ما بين ١ – ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ – ٢٧ يونيو ١٩٩٣ تعرضت لمرض الإيدز ومشاكله الاجتماعية ... وقد أصدر المجمع الفقهي الموقر قراراته التي ألحقتها بهذا البحث، وأجل النظر في بعضها، ثم عقدت ندوة متخصصة نظمتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية حول المشاكل الاجتماعية والفقهية المتعلقة بالإيدز، وذلك في ٢٣ – ٢٥ جمادى الآخرة ١٤١٤ هـ الموافق ٦ – ٨ ديسمبر ١٩٩٣. وقد اشتركت في هذه الندوة ومناقشاتها الخصبة وأبحاثها الرصينة.. وأضفت بعض ما جد من أبحاث حول هذا المرض الخبيث وأعدت النظر فيما كتبت من قبل بحيث يتفق مع ما توصلت إليه الندوة في غالب قراراتها التي ألحقتها بالكتاب ليكون مرجعًا في هذا الموضوع الحيوي الهام.
والله أسأل أن ينفع بهذا البحث والأبحاث المماثلة التي تضمها هذه السلسة التي تحاول أن تجيب على بعض الأسئلة الطبية الفقهية الاجتماعية بعد أن تعرض لأبعاد المشكلة وآراء الفقهاء والأطباء والعلماء وقراراتهم الهامة فيها.
стр. 15884
تعريف الإيدز
(متلازمة العوز المناعي)
(Acquined Immune Deficiency)
هو مرض سببه فيروس من الفصيلة المنعكسة Retrorirus ينتقل أساسًا عبر الاتصال الجنسي سواء كان بين ذكر وذكر أو ذكر وأنثى، كما ينتقل أيضا عبر الدم ومحتويات الدم. ويؤدي إلى فقدان المناعة لأن الفيروس يهاجم الخلايا اللمفاوية المسؤولة عن المناعة، وبالذات الخلايا اللمفاوية T٤، فإذا ضعف جهاز المناعة تناوشت الجسم الميكروبات الانتهازية infection Opputunistic، وهي ميكروبات وطفيليات لا صولة لها ولا جولة عند وجود جهاز المناعة السوي، ولكنها تستغل ضعف جهاز المناعة فتهجم على الجسم الضعيف المقاومة فتصرعه وتقضي عليه ... وأهم هذه الميكروبات والطفيليات هي:
١- الطفيلي المتحوصل في الرئتين neumocystis carini ويؤدي إلى وفاة نصف حالات الإيدز في أوربا والولايات المتحدة.
٢- ميكروب الدرن (بأنواع غير معتادة) وأكثر انتشاره في إفريقيا.
٣- طفيليات البوغيات المختلفة Crypto sporodium ويسبب الإسهال الشديد وأكثر انتشاره في إفريقيا، ويؤدي إلى وفاة نسبة غير قليلة من مرضى الإيدز.
ويؤدي إضعاف جهاز المناعة أيضًا إلى انتشار الأورام الخبيثة، وأهمها دون ريب، ورم (غرن) كابوسي الذي يؤدي إلى وفاة ما لا يقل عن ٢٥ بالمئة من حالات الإيدز.
стр. 15885
كيفية انتشار الإيدز:
رغم أن المصاب بالإيدز يخرج فيروسات الإيدز في إفرازاته كلها بما فيها الدموع والبول واللبن من المرضع، إلا أن وسائل العدوى تتركز في العوامل الآتية فقط:
١- الشذوذ الجنسي (اللواط)
٢ - الزنا.
ويشكل هذان العاملان اليوم ما يوازي ٩٠ بالمئة من حالات انتشار الإيدز. ويعتبر الشذوذ الجنسي (اللواط) العامل الأساسي في حدوث الإيدز وانتشاره في الولايات المتحدة وكندا ودول أوربا الغربية بصورة خاصة، حيث يشكل الشاذون جنسيًا ما بين ٧٠ و ٨٠ بالمئة من جميع حالات الإيدز في هذه البلاد.
ويعتبر الزنا العامل الأساسي في إفريقيا الاستوائية، وفي الوباء الذي انتشر مؤخرًا في الهند وبانجكوك (تايلند) ، حيث بلغت نسبة المصابات بفيروس الإيدز من البغايا في بومباي (الهند) وبانجوك أكثر من ٧٠ بالمائة. بلغت نسبة البغايا الحاملات لفيروس الإيدز في نيروبي (كينيا) ، وبيوتار (رواندا) ، وزائير، وزامبيا ويوغندا، وأنجولا ما بين ٨٠ – ٩٠ بالمئة.
٣- الدم ومحتويات الدم (١) : وهذا العامل كان مهمًا جدًا في الماضي حتى عام ١٩٨٦ عندما ظهر فحص اليزا (Eliza) الذي يمكن بواسطته معرفة الدم الملوث. وبالتالي لم يعد هذا العامل مهمًا جدًا في تسبيب الإيدز اليوم. وإن كان قد أصاب آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء العالم بالإيدز وجعل عشرات الآلاف يحملون الفيروس. وبما أن المملكة العربية السعودية ودول الخريج الأخرى كانت تستورد الدم الملوث بفيروس الإيدز من بريطانيا والولايات المتحدة حتى عام ١٩٨٦ فإن كثيرين ممن تلقوا هذا الدم الملوث أصيبوا بالإيدز، أو يحملون فيروس الإيدز في المملكة ودول الخريج. وربما أن هؤلاء المصابين بالإيدز أو الحاملين لفيروس الإيدز يطلبون تعويضًا في الولايات المتحدة وأوروبا، وتقوم المحاكم هناك بإعطاء المصاب بالإيدز نتيجة نقل الدم تعويضًا يبلغ مليون دولار أو أكثر، فإن من حق من أصيبوا بالإيدز في المملكة ودول الخليج نتيجة الدم الملوث أن يطالبوا المستشفيات بهذا المبالغ. كما أن من حق المستشفيات أن تطلب هذه المبالغ من المصادر التي مولتها بهذا الدم الملوث!! وهي مبالغ تصل إلى آلاف الملايين من الدولارات والتي ينبغي أن نطالب بها الولايات المتحدة وبريطانيا.
ونحن نعرف يقينًا أنه لو أصيب بريطاني أو أمريكي بالإيدز نتيجة دم ملوث من البلاد العربية لحجزوا الأموال العربية الموجودة لديهم حتى يتم دفع التعويض المطلوب الذي قد يبلغ عشرات الملايين من الدولارات!!
стр. 15886
٤- انتقال فيروس الإيدز عن طريق الحقن والإبر الملوثة ... وأكثر ما يكون ذلك لدى مدمني المخدرات الذين يتعاطونها بواسطة الحقن بالوريد. ولذا فإن الدول الغربية ومنظمة الصحة العالمية تقدم نصائحها لهؤلاء على الوجه التالي: ينبغي أن تتحول من الحقن إلى الشم أو البلع!! إذا لم تستطع ذلك فعليك باستخدام حقن معقمة ولا تشارك أحد في حقنتك!! ويعتبر استخدام المخدرات بطريق الحقن الملوثة مسؤولا عن ٢٠ –٢٥ بالمئة من حالات الإيدز في أوربا والولايات المتحدة.
٥- انتقال فيروس الإيدز من الأم المصابة إلى جنينها: وتقول منظمة الصحة العالمية أن هناك ما يقارب مليونًا ونصف مليون طفل حاملين لفيروس الإيدز بهذه الطريقة حتى نهاية عام ١٩٩٣، ٧٥ بالمئة منهم في إفريقيا. وتقرر منظمة الصحة العالمية أن عشرة بالمائة من الحوامل المصابات بفيروس الإيدز سينقلن هذا الفيروس إلى أجنتهن ويحدث ذلك في الأشهر الأخيرة من الحمل. ثم إن نسبة أخرى كبيرة (٣٠ %) ستصاب بالفيروس أثناء الولادة، ونسبة ضئيلة قد تصاب، نتيجة الرضاعة والاتصال الحميم بين الأم ووليدها.
٦- ينتقل فيروس الإيدز أيضًا بواسطة التلقيح الاصطناعي وزرع الأعضاء: وهي حالات محدودة. وفي منطقة الخليج والمملكة هناك ١٤ شخصًا يحملون فيروس الإيدز نتيجة زرع الكلى في بومباي – بالهند.
٧- ينتقل فيروس الإيدز أيضًا عن طريق العمليات الجراحة أو الإصابة بإبرة أثناء استخدام الآلات أو سحب الدم. وهذه الحالات جميعًا نادرة الحدوث.
ومثلها الحالات التي يمكن أن تحدث نتيجة الحجامة أو الحلاقة بموسي واحدة لأكثر من شخص، أو عمليات الوشم التي تمارس في بعض المناطق الريفية، وعند غير المسلمين (وقد نهى الرسول ﷺ عن الوشم ولعن الواشمات والمستوشرات لأسنانهن والواصلات لشعورهن .... الخ) . وهذه كلها تعتبر من المخاطر المحتملة وإن كانت نادرة الحدوث إلى وقتنا هذا.
وبما أن بعض القادمين للحج قد يأتون من مناطق ينتشر فيها الإيدز مثل إفريقيا الاستوائية والحبشة والصومال، فإن عملية الحلق التي تتم عند الجمرات ينبغي أن يتم الإشراف عليها حتى لا يستخدم الموسي لأكثر من شخص واحد وقد بذلت حكومة خادم الحرمين الشريفين جهودًا جبارة في رعاية الحجيج والحفاظ على صحتهم وسلامتهم، ولا تزال تبذل مشكورة الجهود الجبارة، ولن يكلفها شيئًا كثيرًا إعطاء كل حاج عند قدومه الأراضي المقدسة موسي خاصة به من الأنواع الرخيصة التي ترمى بعد الاستعمال.
стр. 15887
لا ينتقل فيروس الإيدز بالطرق التالية:
١- المصافحة.
٢- الأكل سويًا.
٣- السباحة
٤- استخدام الهواتف العامة.
٥- استخدام دورات المياه.
٦- زيارة مريض الإيدز أو الجلوس عنده.
٧- استنشاق الهواء، وبالتالي لا يعدي عطس أو كحة مريض الإيدز لغيره.
٨-وخز الحشرات مثل البعوض أو غيره.
فيروس الإيدز:
ينتمي فيروس الإيدز إلى مجموعة من الفيروسات المعروفة باسم الفيروسات المنعكسة (العكوسة) Retroviruses وهي فيروسات تحمل الحامض النووي الريبوزي RNA، ولكنها تستطيع بواسطة أنزيم يدعي الناسخ أو الكاتب المنعكس Transcriptase أن تتحول إلى الحامض النووي (دنا) DNA. وهذه المجموعة نادرًا ما تصيب الإنسان بالمرض، وإن كانت مرتبطة ببعض أنواع سرطان خلايا الدم البيضاء. وقد اتفق على تسمية فيروس الإيدز باسم فيروس العوز المناعي الإنساني Immuno deficiency virus Human وذلك منذ عام ١٩٨٦. وقد تبين أن هناك نوعين منهما: أحدهما وهو المنتشر في الولايات المتحدة وأوربا ومعظم بقاع العالم. وهو المسبب الرئيسي لمرض الإيدز (متلازمة عوز المناعة المكتسب) وهناك نوع ثان (HIV type ١١) : وقد ظهر بصورة خاصة في إفريقيا، ويبدو أنه أقل من الأول خطورة، وأبطأ منه في إحداث المرض.
وقد استطاع العلماء (مجموعة مونتانييه في فرنسا وجالو ومجموعته في الولايات المتحدة) اكتشاف فيروس الإيدز فيما بين عام ١٩٨٣ و ١٩٨٤. وأمكن الآن معرفة دقائق تركيب هذا الفيورس بصورة مدهشة.
وقد حفز فيروس الإيدز ومرضه العلماء إلى إجراء أبحاث مكثفة في عالم الفيروسات، وفي علم المناعة. وحدثت قفزات رائعة في هذه العلوم خلال العقد الماضي منذ اكتشاف الفيروس إلى اليوم. ولكن لا يزال إيجاد مصل أو علاج شاف لمرض الإيدز بعيد المنال حتى الآن (١٩٩٤) رغم التقدم العلمي المثير.
стр. 15888
معلومات هامة عن الإيدز
١- تم معرفة الحالات الأولى من الإيدز عام ١٩٨١.
وفي ذلك الوقت لم يكن العلماء والأطباء قد عرفوا السبب لمرض الإيدز ولا كيفية انتقاله. وكل الذي تعرفوا عليه وجود مجموعة من الشبان يفقدون مناعتهم دون سبب ظاهر، وكان هؤلاء يعانون من أمراض انتهازية شديدة وظهور ورم كابوسي (نوع من السرطان) وذلك بسبب فقدان المناعة ... وكانت معظم الحالات لمجموعة من الشاذين جنسيًا في الولايات المتحدة.
٢- تم التعرف على سبب مرض الإيدز، وهو فيروس الإيدز من مجموعة الفيروسات المنعكسة عام ١٩٨٣ وعام ١٩٨٤ (المجموعة الأولى في فرنسا والثانية في الولايات المتحدة) .
٣- انتشر الإيدز في العالم بأجمعه وبنهاية عام ١٩٩٢ أعلنت ١٧٣ دولة حدوث حالات إيدز لديها. وبلغ المجموع الكلي من حالات الإيدز المبلغ عنها ٦١١,٥٨٩. وفي نهاية يونيه ١٩٩٣ كان عدد الحالات المبلغ عنها والتي تعاني من الإيدز هو ٧١٨.٨٩٤ حالة بالتوزيع التالي:
الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية ٣٧١.٠٨٦
أفريقيا (بالذات الاستوائية) ٢٤٧.٥٧٧
آسيا ٣.٥٦١
أوروبا ٩٢.٤٨٢
أوقيانوسيا (استراليا ونيوزيلنده) ٤.١٨٨
ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر دول العالم في الحالات المبلغ عنها رسميًا.
٤- انتشر فيروس الإيدز في إفريقيا الاستوائية بصورة رهيبة بحيث تعتبر حاليًا منطقة موبوءة، حيث تقدر منظمة الصحة العالمية أن نصف عدد الذين يحملون فيروس الإيدز من البالغين هم في أفريقيا الاستوائية وأن ثلاثة أرباع الأطفال المصابين بفيروس الإيدز هم في هذه القارة البائسة.
стр. 15889
٥- في نهاية ١٩٩٣ قدرت منظمة الصحة العالمية عدد حاملي فيروس الإيدز في العالم بخمسة عشر مليونًا.
٦- وهناك فرق كبير بين حاملي الفيروس وهم الذين لا يبدو عليهم أي مرض وبين أولئك الذين أصيبوا بالمرض فعلًا ... ففي تايلند تم الإبلاغ عن ١٧٩ حالة مرض إيدز عام ١٩٩٢ بينما يقدر عدد الذين يحملون الفيروس في تلك الفترة قرابة نصف مليون شخص. وفي الهند عن ١٠٢ حالة إيدز عام ١٩٩٢ بينما تقدر منظمة الصحة العالمية عدد حاملي الفيروس بمليونين ونصف المليون.
٧ -تقدر منظمة الصحة العالمية عدد الذين لاقوا حتفهم بسبب فيروس الإيدز منذ ظهوره عام ١٩٨١. وحتى نهاية عام ١٩٩٢ بـ ١,٧٠٠,٠٠٠ (مليون وسبعمائة ألف) بينما الأرقام الفعلية المسجلة هي أقل من ذلك بكثير.
٧- العدد الفعلي المسجل لحالات الإيدز في البلاد العربية والمبلغ عنها إلى منظمة الصحة العالمية حتى نهاية عام ١٩٩٢ هو ١٢٩٦ شخصًا فقط ... وفي نفس الوقت تقدر منظمة الصحة العالمية عدد حاملي الفيروس في البلاد العربية بـ ٧٥.٠٠٠ على الأقل.
وفي نهاية عام ١٩٩٣ أعلنت الحكومة اليمنية وجود ١٨٠ حالة إيدز مرضية بينما كانت التقارير السابقة خالية من أي حالة.
٩- تعتقد منظمة الصحة العالمية أن هناك فارقًا كبيرًا بين ما هو مسجل من حالات الإيدز وبين الحالات الحقيقية الموجودة. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل مثل عدم التشخيص، وعدم توفر الإمكانات الطبية وعدم التبليغ، ومحاولة التقليل من الخطر وطمأنة الجماهير.
١٠- تقدر منظمة الصحة العالمية حدوث نصف مليون حالة من العدوى بفيروس الإيدز كل عام، منها ٣٠٠.٠٠٠ حالة بين الذكور و ٢٠٠.٠٠٠ حالة بين الإناث، وبحلول عام ٢٠٠٠ سيتساوى الذكور والإناث.
١١- ٩٠ بالمائة من حالات العدوى بفيروس الإيدز ناتجة عن الزنا واللواط.
١٢- تلعب السياحة دورًا كبيرًا في نشر مرض الإيدز في كثير من بلدان العالم.
١٣- مدة الحضانة قد تصل إلى عشر سنوات أي أن حامل الفيروس يظهر سليمًا ولا يشتكي من أي مرض، ومع ذلك ينقل العدوى لكل من يتصل بهم أو الأطفال وفي ضعيفي المقاومة وتزداد في البالغين الذين يتمتعون بصحة جيدة.
стр. 15890
١٤- لا يعرف حتى الآن نسبة الذين يصابون بالمرض من جملة من دخل الفيروس أجسامهم. ولكن منظمة الصحة العالمية تعتقد أن الأغلبية الساحقة سيصابون بالمرض خلال أثنى عشر عامًا من دخول الفيروس.
١٥- هناك عدة عقاقير تساعد على مقاومة الفيروس وتحسين المناعة ومن ضمنها عقار زيدوفيودين AZT. كما أن معالجةالميكروبات الانتهازية حققت بعض التقدم، وكذلك علاج سرطان (ورم) كابوسي. لذا فإن بعض حالات مرض الإيدز تعيش سنوات طويلة (أغلبها في عذاب) وقد رأيت مريضًا من السويد في هولندة أثناء مؤتمر عقد عن الإيدز عام ١٩٩٠، وكان لا يزال حيًا رغم إصابته بالمرض في بداية الثمانينات. ولكن معظم الحالات تلاقي حتفها خلال عامين منذ ظهور أعراض مرض الإيدز.
١٦- تزداد فرصة الإصابة بالإيدز عند الاتصال الجنسي بشخص مصاب بالإيدز عشرة أضعاف عند وجود قرح في الجهاز التناسلي. وذلك مثل وجود الزهري، القرحة الرخوة ... الخ.
وقد ثبت أن لأمراض الجنسية الأخرى (حتى الكلاميديا التي قد تكون بدون أي أعراض ظاهرة) تزيد من فرصة الإصابة بفيروس الإيدز.
١٧- تقل فرصة الإصابة بفيروس الإيدز (والأمراض الجنسية الأخرى) عند استعمال الرفال (الكوندوم، الواقي، الجراب) ، ولكن استعماله لا يقي بصورة أكيدة من حدوث الإصابة وذلك لاحتمالات انزلاق الكوندوم أو حدوث تمزق فيه .... الخ.
١٨- تقل فرصة الإصابة بفيروس الإيدز (وكذلك معظم الأمراض الجنسية مثل القرحة الرخوة والهربز والزهري) لدى المختونين بالمقارنة مع غير المختونين، وقد ثبت أن الغلفة (القلفة) تزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض الجنسية بما فيها الإيدز.
١٩- الإيدز مرض جنسي أي أنه يحدث نتيجة اتصال جنسي بين مصاب وسليم. والمصدر الأساسي في العالم لنشر الإيدز فئتان: الشاذون جنسيًا والبغايا. وقد ثبت أن ٩٠ بالمائة من حالات الإيدز هي نتيجة اتصال جنسي، فإذا أمكن التوصل إلى منع اللواط والزنا، فإن ذلك يعني القضاء على ٩٠ % من أسباب انتشار الإيدز.لهذا ينبغي أن تصب كل الجهود في هذه النقطة، على عكس ما تفعله اليوم الدول الغربية ومنظمة الصحة العالمية، وغيرها من المنظمات الصحية والعالمية المهتمة بموضوع الإيدز.
стр. 15891
إن القضاء على الإيدز أو إيقاف دوره المدمر لا يمكن أن يتم بدون محاربة الزنا واللواط والبغاء وكل الطرق الملتوية المؤدية إليها مثل السياحة والفن الداعر ..... الخ.
٢٠ –يمثل تعاطي المخدرات بواسطة الحقن مصدرًا آخر لنشر الإيدز وخاصة في الدول الغربية وفي شرق آسي حيث يمثل ما بين ١٥ – ٢٥ بالمئة من مجموع حالات الإيدز في تلك البلاد ... ولذا فإن محاربة المخدرات والتصدي لمشكلتها سيقلل إلى حد كبير من فرص الإصابة بالإيدز.
٢١- يصاب كل يوم ٥٠٠٠ شخص بفيروس الإيدز، ما يقارب ٧٠ % منهم شباب أقل من ٢٥ سنة وتذكر منظمة الصحة العالمية أن إصابة الفتيات من سن ١٥ إلى سن ٢٥ سنة هي أكثر من إصابة الفتيان ... ذلك لبلوغ الفتاة قبل الفتى وممارستها للنشاط الجنسي قبله.
مراحل الإصابة بالإيدز
مرحلة العدوى:
عندما يدخل فيروس الإيدز إلى جسم إنسان ما (بواسطة اتصال جنسي أو نقل دم أو محتويات دم ملوث أو حقنة ملوثة) لا تظهر على معظم المصابين أي أعراض على الإطلاق. بينما هناك فئة محدودة من الناس تظهر عليهم آثار حمى وخمود واعتلال في الصحة، وتضخم في الغدد اللمفاوية Lymphadenopathy وآلام عضلية وصداع وبخاصة في محجر العين ... ويظهر لدى بعضهم طفح جلدي بقعي حطاطي hGlvhqaculopapular rash موزع على جذع المصاب، يصحبه ألم في الحلق مع كحة (سعال) ... وتبقى هذه الأعراض والعلامات لمدة أسبوعين ثم تختفي تمامًا. ومن النادر حدوث التهاب في الدماغ.
وفي هذه الفترة تكون الفحوصات المتعلقة بالأجسام المضادة للفيروس الإيدز سلبية. ولا تكون إيجابية إلا بعد مرور ستة إلى أثنى عشر أسبوعًا منذ حدوث العدوى ... وهذا الفحص يعرف باسم فحص أليزا Eliza وهو يعتمد على وجود مضادات في جسم المصاب لفيروس الإيدز. وقد يترافق التحول المصلي (من سلبي إلى إيجابي) بظواهر جلدية وطفح، وفي بعض الأحيان النادرة نسبيًا يحدث اعتلال دماغي حاد neute enccphalopathy وفيه تحدث حمى شديدة وهذيان وفقدان للوعي. وقد تحدث نوبات من التشنج.
стр. 15892
مرحلة الكمون:
وفي غالب الحالات يمر المصاب بالفيروس بفترة كمون. أي لا تكون لديه أي أعرضا أو شكوى بينما هو ينقل المرض لغيره (بواسطة الاتصال الجنسي أو الدم) . وتستمر فترة الكمون مدة تتراوح ما بين عدة أشهر وعدة سنوات قد تصل إلى اثني عشر عامًا ... وفي خلال هذه الفترة يتكاثر الفيروس ولكن الخلايا اللمفاوية وخاصة من نوع CD٤ (T٤) تبقى في الحدود الطبيعية.
مرحلة مرض الغدد اللمفاوية المنتشر والمستمر
(Persistent Generalised Lymphad enopathy)
بعد مرور فترة الكمون يظهر على ما يقارب من ٣٠ % من المصابين بفيروس الإيدز تضخم في الغدد اللمفاوية في موضعين أو أكثر (خارج المنطقة الأربية، لأن هذه المنطقة كثيرًا ما تتضخم فيها الغدد اللمفاوية لأسباب أخرى) ويستمر تضخم الغدد لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر. وقد لا يصحب ظهور الغدد اللمفاوية أي شكاوى أخرى (ثلث الحالات تقريبًا) بينما يشكو الآخرون من اعتلال في الصحة، وحمى وعرق.
المرحلة المتلازمة المرتبطة بالإيدز (AIDS Related Complex)
تتحول معظم الحالات السابقة إلى هذه المتلازمة التي يظهر فيها نقصان في الوزن (أكثر من ١٠ % من وزن الشخص) ، نقص الصفائح الدموية Thrombcytopenia، ومجموعة من الأمراض الجلدية مثل الحماق النطاقي ودهنية الجلد من عدوى فيروسية مثل الهربس (الحلأ) في الفم والشفة وأعضاء التناسل، والمليساء المعدية molluscum contagiosum؛ كما تظهر فطريات كانديدا (المبيضة) في الفم بالإضافة إلى وجود ابيضاض وشعيرات على اللسان والفم تعرف باسم الطلوان الأشعر بالفم oral hairy leukoplakia. ويصاب بعض المرضى بالإسهال بالإضافة إلى الحمى والعرق وخاصة العرق الليلي.
عند ظهور هذه الأعراض المصاحبة تكون الخلايا اللمفاوية المناعية من نوع (CD٤) T٤ وقد وصلت إلى ٤٠٠ خلية في كل مليلتر من الدم.
стр. 15893
مرحلة الإيدز:
تزداد الأعراض السابقة شراسة وتتكاثر الميكروبات الانتهازية كما تحدث أورام عدة نتيجة الخل المناعي وأهم هذه الأورام لا ريب هو ورم (غرن) كابوسي. وأهم الميكروبات الانتهازية هي:
أ- الطفيلي المتحوصل في الرئتين pneumocystis Carini: وتسبب الإسهال المتكرر الشديد المستمر وهي أكثر ظهورًا في حالات الإيدز في إفريقيا. ويسبب لذلك هزالًا شديدًا مما جعل المرض يعرف: المرض الرشيق Slim Disease.
ب- طفيليات البوغيات المختفية cryptosporodium:وتسبب الإسهال المتكرر الشديد المستمر وهي أكثر ظهورا في حالات الإيدز في إفريقيا.ويسبب ذلك هزالا شديدا مما جعل المرض يعرف بإسم:المرض الرشيق shim diseae
ج- السل الرئوي: ويكون أكثر انتشارًا في الجسم ... وقد تكون الميكروبات المسببة للسل من النوع البقري أو الطيري Bovine. avian لا الإنساني. ويظهر تدرن دخني T.B.miliary في الرئتين وأعضاء أخرى.
د- مقوسة جوندي Oxoplasmosis: وتظهر كأورام في الدماغ.
هـ – فطريات كانديدًا بالفم والمريء Candida albicans
و هربس (حلأ) نطاقي متكرر Herpes Zoster
ز- فطر المستخفية المتجددة croypto coccus neoformans: وتسبب عادة التهابًا في السحايا.
وهناك عدة فطريات وميكروبات أخرى انتهازية تصيب مريض الإيدز وما ذكرناها أهمها. هذا بالإضافة إلى الأعراض والعلامات الناتجة عن فيروس الإيدز نفسه الذي يصيب خلايا الدماغ فيسبب خرفًا (نوعان من الجنون) Dementia واعتلالًا في الدماغ، والتهاب السحايا الحاد والمزن، والاعتلال العصبي المحيطي، والتهاب العضلات المتعدد polymyositis.
وهناك ورم كابوسي الذي يظهر أول الأمر كبقع جلدية داكنة ثم تنتشر في الجلد وفي الفم وفي الأحشاء الداخلية لتقضي على المريض خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين.
تشخيص الإيدز
يعتمد تشخيص الإيدز على فهم الطبيب لقصة تطور الإيدز ومراحله وكيفية استخدام الوسائل المخبرية المتاحة. ولابد للطبيب لكي يشخص المرض أن يكون عارفًا بمراحله المختلفة وتاريخ المرض واستقصاء المعلومات عن الشخص (المصاب) وهل هو من الشاذين جنسيًا، أوله علاقات جنسية (زنا) مع البغايا أو غيرهن. كما ينبغي معرفة إن كان المريض قد تلقى دمًا أو مشتقات الدم في خلال السنوات الخمس الماضية. إلى آخر قائمة الأسئلةالتي ينبغي للطبيب أن يعرف الإجابة عنها.
تقوم بنوك الدم وفي حالات نقل الأعضاء بفحص الدم روتينيًا من أجل التأكد من خلوه من فيروس الإيدز , الفحص الشائع المستخدم هو فحص اليزا (ELIZA) Assay Enzyma linked lmmuno sorbent وهو يعتمد على وجود مضادات الأجسام لفيروس الإيدز في الدم (المصل) وهذا الفحص أصبح متوفرًا في كل بنوك الدم في العالم (ما عدا بعض المستشفيات الريفية في العالم الثالث) .
ويعتبر فحص اليزا حساسًا ولكن لابد من تأكيده بفحص آخر مثل اختبار البقعة المناعية (الغربية) blot (Immunodot) Western وهو يعتمد على وجود مستضدات الفيروس نفسه antigen. ويعتمد الفحص على الرحلان الكهربائي للأنتيجن (المستضاد) وبالذات رقم ٢٤ أو المستضاد gp٤١.
ورغم أن هذه الطرق حساسة (أكثر من ٩٩ %) ونوعية specific حوالي ١٠٠ % إلى أنها لا تخلو في حالات نادرة من التفاعلات الكاذبة.
وليس من السهل تشخيص العدوى بفيروس الإيدز في المواليد أو الأجنة لأمهات مصابات بالعدوى نظرًا لأن مضادات الأجسام antibodies تنتقل إلى الجنين من الأم بصرف النظر عما إذا كانت العدوى قد انتقلت إليه أم لا.. وأخيرًا تمكن العلماء من فحص لا يتطرق إليه الشك ويتعرف على الفيروس نفسه وليس مستضادات الأجسام وهو اختبار تفاعل سلسلة البولميراز (polymerase chain reaction) PCR واختبار إنتاج الأضداد في الزجاج IVAP، ولكن هذه الحصوات لا تزال معقدة وباهظة الثمن ولا تجري إلا في المختبرات المتقدمة، وهي غير متوفرة على الإطلاق في معظم دول العالم الثالث، ولا يتوقع توفرها في القريب العاجل.
стр. 15894
هناك أيضًا فحوصات مخبرية لمعرفة خلايا الدم اللمفاوية من نوع (T٤) CD٤ وهو فحص مهم جدًا لمعرفة مرحلة المرض.
فإن كان العدد ألفًا لكل مليلتر من الدم فالمريض لا يعاني من مرحلة الإيدز وهو لا يزال في المرحلة الأولية فإذا ما وصل عددها إلى ٤٠٠ فقد بدأ في مرحلة الإيدز وتبدأ الانتانات الانتهازية في الظهور، وكذلك ورم كابوسي. فإذا ما انحدرت إلى ٢٠٠ خلية فقط في مليلتر من الدم، فإن الأورام والانتان الانتهازية تستشري .... والمريض يكون قد وصل فعلًا إلى مرحلة الخطر ونادرًا ما يعيش مثلا هذا الشخص أكثر من ستة أشهر.
وفي المراحل الأولى تقل خلايا الدم البيضاء اللمفاوية من نوع (T٤) CD٤ بمعدل ٥٠ إلى ١٠٠ خلية كل عام فتهبط من ١٠٠٠ إلى ٩٠٠ في العام الأول حتى إذا وصلت إلى ٥٠٠ فإن المريض يكون قد وصل إلى المرحلة المتلازمة المرتبطة بالإيدز، فإذا انحدرت الخلايا إلى ٤٠٠ فإنه يكون قد بدأ في العد التنازلي ووصل إلى مرحلة الإيدز ذاتها. فإذا وصل إلى ٢٠٠ خلية أو أقل فإن حالته تنذر بالخطر المحدق وقرب النهاية.
ويتم تشخيص ورم كابوسي إكلينيكيًا (المظهر السريري) وبالفحص الباثوليجي. كما يتم معرفة مختلف أنواع الميكروبات والفطريات والطفيليات الانتهازية بالفحوصات المخبرية المتعددة التي لا داعي هنا للخوض في تفاصيلها.
وتحتاج كل مرحلة من هذه المراحل إلى علاج خاص نوضحه فيما يلي:
معالجة مرضى الإيدز:
وتنقسم إلى المحاور التالية:
أ- الأدوية المضادة للفيروس HIV:
لا تزال العقاقير المضادة لفيروس الإيدز في حقل التجارب ما عدا عقار AZT (زيد وفيودين) .... وهو عقار مكلف باهظ الثمن وله مضاعفات (اختلاطات كثيرة) . ولكنه يعتبر أفضل العقاقير الموجودة حتى الآن. ويستخدم معه في بعض الأحيان عقار ثنائي ديوكسي سيتدين ddc وثنائي ديوكسي انوزين ddI وإذا ثبتت فعاليتهما فإنها أقل كلفة من عقار زيدوفيودين (AZT) ... وهناك عقاقير كثرة جدًا وكلها لا تزال في حقل التجارب.
стр. 15895
ب- الأدوية التي تحسن الوظائف المناعية للمصاب Immuno modulators:
تشمل منشطات المناعة مثل انترليوكين ٢ وانتر فيرون جاما، وهرمونات الغدة السعترية (thymic homones) . وقد قام الدكتور أحمد القاضي وزملاؤه في الولايات المتحدة بتجربة الحبة السوداء وبعض الأعشاب الأخرى (التي تحسن المناعة) في بعض حالات الإيدز ... ولا تزال جميع هذه المواد في طور التجارب وتحتاج إلى دراسات موسعة ومعرفة مدى التحسن.
ج- إعطاء مضادات الأجسام وحيدة النسيلة antibodies monoclonal:
وهي لا تزال قيد الدراسة والبحث.
د- أدوية لمعالجة الأمراض (الانتهازية) والأورام المرتبطة بالإيدز:
معالجة المتكيسات الرئوية (الطفيلي المتوصل في الرئتين carini pneumocystitis) بعقار الكوتريميكسارول (المعروف تجاريًا باسم سيبترن أو باكتريم) وحقن البنتاميدين ... وتعالج البوغيات المختفية (كريبتوسبوريديوم) بعقار السيبترين Septrin السابق ذكره وبوساطة عقار سيبرامايسين spiramycin.. وتعالج مقوسة جوندي toxoplamosis بواسطة السبترين والسيبرامايسين والدارابريم (عقار من عقاقير الملاريا) .
وتعطي مضادات الدرن بصورة مكثفة (من ثلاثة إلى خمسة عقاقير مجتمعة وهي الريفامبيسين والريمفون والايثامبيتول والاستربتومايسين والسيكلوسيرين) .
وتتم معالجة كل نوع من أنواع الميكروبات الانتهازية والفطريات بما يناسبه من العقاقير الكثيرة المتوفرة.