إن القضاء على الإيدز أو إيقاف دوره المدمر لا يمكن أن يتم بدون محاربة الزنا واللواط والبغاء وكل الطرق الملتوية المؤدية إليها مثل السياحة والفن الداعر ..... الخ.
٢٠ –يمثل تعاطي المخدرات بواسطة الحقن مصدرًا آخر لنشر الإيدز وخاصة في الدول الغربية وفي شرق آسي حيث يمثل ما بين ١٥ – ٢٥ بالمئة من مجموع حالات الإيدز في تلك البلاد ... ولذا فإن محاربة المخدرات والتصدي لمشكلتها سيقلل إلى حد كبير من فرص الإصابة بالإيدز.
٢١- يصاب كل يوم ٥٠٠٠ شخص بفيروس الإيدز، ما يقارب ٧٠ % منهم شباب أقل من ٢٥ سنة وتذكر منظمة الصحة العالمية أن إصابة الفتيات من سن ١٥ إلى سن ٢٥ سنة هي أكثر من إصابة الفتيان ... ذلك لبلوغ الفتاة قبل الفتى وممارستها للنشاط الجنسي قبله.
مراحل الإصابة بالإيدز
مرحلة العدوى:
عندما يدخل فيروس الإيدز إلى جسم إنسان ما (بواسطة اتصال جنسي أو نقل دم أو محتويات دم ملوث أو حقنة ملوثة) لا تظهر على معظم المصابين أي أعراض على الإطلاق. بينما هناك فئة محدودة من الناس تظهر عليهم آثار حمى وخمود واعتلال في الصحة، وتضخم في الغدد اللمفاوية Lymphadenopathy وآلام عضلية وصداع وبخاصة في محجر العين ... ويظهر لدى بعضهم طفح جلدي بقعي حطاطي hGlvhqaculopapular rash موزع على جذع المصاب، يصحبه ألم في الحلق مع كحة (سعال) ... وتبقى هذه الأعراض والعلامات لمدة أسبوعين ثم تختفي تمامًا. ومن النادر حدوث التهاب في الدماغ.
وفي هذه الفترة تكون الفحوصات المتعلقة بالأجسام المضادة للفيروس الإيدز سلبية. ولا تكون إيجابية إلا بعد مرور ستة إلى أثنى عشر أسبوعًا منذ حدوث العدوى ... وهذا الفحص يعرف باسم فحص أليزا Eliza وهو يعتمد على وجود مضادات في جسم المصاب لفيروس الإيدز. وقد يترافق التحول المصلي (من سلبي إلى إيجابي) بظواهر جلدية وطفح، وفي بعض الأحيان النادرة نسبيًا يحدث اعتلال دماغي حاد neute enccphalopathy وفيه تحدث حمى شديدة وهذيان وفقدان للوعي. وقد تحدث نوبات من التشنج.
стр. 15892
مرحلة الكمون:
وفي غالب الحالات يمر المصاب بالفيروس بفترة كمون. أي لا تكون لديه أي أعرضا أو شكوى بينما هو ينقل المرض لغيره (بواسطة الاتصال الجنسي أو الدم) . وتستمر فترة الكمون مدة تتراوح ما بين عدة أشهر وعدة سنوات قد تصل إلى اثني عشر عامًا ... وفي خلال هذه الفترة يتكاثر الفيروس ولكن الخلايا اللمفاوية وخاصة من نوع CD٤ (T٤) تبقى في الحدود الطبيعية.
مرحلة مرض الغدد اللمفاوية المنتشر والمستمر
(Persistent Generalised Lymphad enopathy)
بعد مرور فترة الكمون يظهر على ما يقارب من ٣٠ % من المصابين بفيروس الإيدز تضخم في الغدد اللمفاوية في موضعين أو أكثر (خارج المنطقة الأربية، لأن هذه المنطقة كثيرًا ما تتضخم فيها الغدد اللمفاوية لأسباب أخرى) ويستمر تضخم الغدد لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر. وقد لا يصحب ظهور الغدد اللمفاوية أي شكاوى أخرى (ثلث الحالات تقريبًا) بينما يشكو الآخرون من اعتلال في الصحة، وحمى وعرق.
المرحلة المتلازمة المرتبطة بالإيدز (AIDS Related Complex)
تتحول معظم الحالات السابقة إلى هذه المتلازمة التي يظهر فيها نقصان في الوزن (أكثر من ١٠ % من وزن الشخص) ، نقص الصفائح الدموية Thrombcytopenia، ومجموعة من الأمراض الجلدية مثل الحماق النطاقي ودهنية الجلد من عدوى فيروسية مثل الهربس (الحلأ) في الفم والشفة وأعضاء التناسل، والمليساء المعدية molluscum contagiosum؛ كما تظهر فطريات كانديدا (المبيضة) في الفم بالإضافة إلى وجود ابيضاض وشعيرات على اللسان والفم تعرف باسم الطلوان الأشعر بالفم oral hairy leukoplakia. ويصاب بعض المرضى بالإسهال بالإضافة إلى الحمى والعرق وخاصة العرق الليلي.
عند ظهور هذه الأعراض المصاحبة تكون الخلايا اللمفاوية المناعية من نوع (CD٤) T٤ وقد وصلت إلى ٤٠٠ خلية في كل مليلتر من الدم.
стр. 15893
مرحلة الإيدز:
تزداد الأعراض السابقة شراسة وتتكاثر الميكروبات الانتهازية كما تحدث أورام عدة نتيجة الخل المناعي وأهم هذه الأورام لا ريب هو ورم (غرن) كابوسي. وأهم الميكروبات الانتهازية هي:
أ- الطفيلي المتحوصل في الرئتين pneumocystis Carini: وتسبب الإسهال المتكرر الشديد المستمر وهي أكثر ظهورًا في حالات الإيدز في إفريقيا. ويسبب لذلك هزالًا شديدًا مما جعل المرض يعرف: المرض الرشيق Slim Disease.
ب- طفيليات البوغيات المختفية cryptosporodium:وتسبب الإسهال المتكرر الشديد المستمر وهي أكثر ظهورا في حالات الإيدز في إفريقيا.ويسبب ذلك هزالا شديدا مما جعل المرض يعرف بإسم:المرض الرشيق shim diseae
ج- السل الرئوي: ويكون أكثر انتشارًا في الجسم ... وقد تكون الميكروبات المسببة للسل من النوع البقري أو الطيري Bovine. avian لا الإنساني. ويظهر تدرن دخني T.B.miliary في الرئتين وأعضاء أخرى.
د- مقوسة جوندي Oxoplasmosis: وتظهر كأورام في الدماغ.
هـ – فطريات كانديدًا بالفم والمريء Candida albicans
و هربس (حلأ) نطاقي متكرر Herpes Zoster
ز- فطر المستخفية المتجددة croypto coccus neoformans: وتسبب عادة التهابًا في السحايا.
وهناك عدة فطريات وميكروبات أخرى انتهازية تصيب مريض الإيدز وما ذكرناها أهمها. هذا بالإضافة إلى الأعراض والعلامات الناتجة عن فيروس الإيدز نفسه الذي يصيب خلايا الدماغ فيسبب خرفًا (نوعان من الجنون) Dementia واعتلالًا في الدماغ، والتهاب السحايا الحاد والمزن، والاعتلال العصبي المحيطي، والتهاب العضلات المتعدد polymyositis.
وهناك ورم كابوسي الذي يظهر أول الأمر كبقع جلدية داكنة ثم تنتشر في الجلد وفي الفم وفي الأحشاء الداخلية لتقضي على المريض خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين.
تشخيص الإيدز
يعتمد تشخيص الإيدز على فهم الطبيب لقصة تطور الإيدز ومراحله وكيفية استخدام الوسائل المخبرية المتاحة. ولابد للطبيب لكي يشخص المرض أن يكون عارفًا بمراحله المختلفة وتاريخ المرض واستقصاء المعلومات عن الشخص (المصاب) وهل هو من الشاذين جنسيًا، أوله علاقات جنسية (زنا) مع البغايا أو غيرهن. كما ينبغي معرفة إن كان المريض قد تلقى دمًا أو مشتقات الدم في خلال السنوات الخمس الماضية. إلى آخر قائمة الأسئلةالتي ينبغي للطبيب أن يعرف الإجابة عنها.
تقوم بنوك الدم وفي حالات نقل الأعضاء بفحص الدم روتينيًا من أجل التأكد من خلوه من فيروس الإيدز , الفحص الشائع المستخدم هو فحص اليزا (ELIZA) Assay Enzyma linked lmmuno sorbent وهو يعتمد على وجود مضادات الأجسام لفيروس الإيدز في الدم (المصل) وهذا الفحص أصبح متوفرًا في كل بنوك الدم في العالم (ما عدا بعض المستشفيات الريفية في العالم الثالث) .
ويعتبر فحص اليزا حساسًا ولكن لابد من تأكيده بفحص آخر مثل اختبار البقعة المناعية (الغربية) blot (Immunodot) Western وهو يعتمد على وجود مستضدات الفيروس نفسه antigen. ويعتمد الفحص على الرحلان الكهربائي للأنتيجن (المستضاد) وبالذات رقم ٢٤ أو المستضاد gp٤١.
ورغم أن هذه الطرق حساسة (أكثر من ٩٩ %) ونوعية specific حوالي ١٠٠ % إلى أنها لا تخلو في حالات نادرة من التفاعلات الكاذبة.
وليس من السهل تشخيص العدوى بفيروس الإيدز في المواليد أو الأجنة لأمهات مصابات بالعدوى نظرًا لأن مضادات الأجسام antibodies تنتقل إلى الجنين من الأم بصرف النظر عما إذا كانت العدوى قد انتقلت إليه أم لا.. وأخيرًا تمكن العلماء من فحص لا يتطرق إليه الشك ويتعرف على الفيروس نفسه وليس مستضادات الأجسام وهو اختبار تفاعل سلسلة البولميراز (polymerase chain reaction) PCR واختبار إنتاج الأضداد في الزجاج IVAP، ولكن هذه الحصوات لا تزال معقدة وباهظة الثمن ولا تجري إلا في المختبرات المتقدمة، وهي غير متوفرة على الإطلاق في معظم دول العالم الثالث، ولا يتوقع توفرها في القريب العاجل.
стр. 15894
هناك أيضًا فحوصات مخبرية لمعرفة خلايا الدم اللمفاوية من نوع (T٤) CD٤ وهو فحص مهم جدًا لمعرفة مرحلة المرض.
فإن كان العدد ألفًا لكل مليلتر من الدم فالمريض لا يعاني من مرحلة الإيدز وهو لا يزال في المرحلة الأولية فإذا ما وصل عددها إلى ٤٠٠ فقد بدأ في مرحلة الإيدز وتبدأ الانتانات الانتهازية في الظهور، وكذلك ورم كابوسي. فإذا ما انحدرت إلى ٢٠٠ خلية فقط في مليلتر من الدم، فإن الأورام والانتان الانتهازية تستشري .... والمريض يكون قد وصل فعلًا إلى مرحلة الخطر ونادرًا ما يعيش مثلا هذا الشخص أكثر من ستة أشهر.
وفي المراحل الأولى تقل خلايا الدم البيضاء اللمفاوية من نوع (T٤) CD٤ بمعدل ٥٠ إلى ١٠٠ خلية كل عام فتهبط من ١٠٠٠ إلى ٩٠٠ في العام الأول حتى إذا وصلت إلى ٥٠٠ فإن المريض يكون قد وصل إلى المرحلة المتلازمة المرتبطة بالإيدز، فإذا انحدرت الخلايا إلى ٤٠٠ فإنه يكون قد بدأ في العد التنازلي ووصل إلى مرحلة الإيدز ذاتها. فإذا وصل إلى ٢٠٠ خلية أو أقل فإن حالته تنذر بالخطر المحدق وقرب النهاية.
ويتم تشخيص ورم كابوسي إكلينيكيًا (المظهر السريري) وبالفحص الباثوليجي. كما يتم معرفة مختلف أنواع الميكروبات والفطريات والطفيليات الانتهازية بالفحوصات المخبرية المتعددة التي لا داعي هنا للخوض في تفاصيلها.
وتحتاج كل مرحلة من هذه المراحل إلى علاج خاص نوضحه فيما يلي:
معالجة مرضى الإيدز:
وتنقسم إلى المحاور التالية:
أ- الأدوية المضادة للفيروس HIV:
لا تزال العقاقير المضادة لفيروس الإيدز في حقل التجارب ما عدا عقار AZT (زيد وفيودين) .... وهو عقار مكلف باهظ الثمن وله مضاعفات (اختلاطات كثيرة) . ولكنه يعتبر أفضل العقاقير الموجودة حتى الآن. ويستخدم معه في بعض الأحيان عقار ثنائي ديوكسي سيتدين ddc وثنائي ديوكسي انوزين ddI وإذا ثبتت فعاليتهما فإنها أقل كلفة من عقار زيدوفيودين (AZT) ... وهناك عقاقير كثرة جدًا وكلها لا تزال في حقل التجارب.
стр. 15895
ب- الأدوية التي تحسن الوظائف المناعية للمصاب Immuno modulators:
تشمل منشطات المناعة مثل انترليوكين ٢ وانتر فيرون جاما، وهرمونات الغدة السعترية (thymic homones) . وقد قام الدكتور أحمد القاضي وزملاؤه في الولايات المتحدة بتجربة الحبة السوداء وبعض الأعشاب الأخرى (التي تحسن المناعة) في بعض حالات الإيدز ... ولا تزال جميع هذه المواد في طور التجارب وتحتاج إلى دراسات موسعة ومعرفة مدى التحسن.
ج- إعطاء مضادات الأجسام وحيدة النسيلة antibodies monoclonal:
وهي لا تزال قيد الدراسة والبحث.
د- أدوية لمعالجة الأمراض (الانتهازية) والأورام المرتبطة بالإيدز:
معالجة المتكيسات الرئوية (الطفيلي المتوصل في الرئتين carini pneumocystitis) بعقار الكوتريميكسارول (المعروف تجاريًا باسم سيبترن أو باكتريم) وحقن البنتاميدين ... وتعالج البوغيات المختفية (كريبتوسبوريديوم) بعقار السيبترين Septrin السابق ذكره وبوساطة عقار سيبرامايسين spiramycin.. وتعالج مقوسة جوندي toxoplamosis بواسطة السبترين والسيبرامايسين والدارابريم (عقار من عقاقير الملاريا) .
وتعطي مضادات الدرن بصورة مكثفة (من ثلاثة إلى خمسة عقاقير مجتمعة وهي الريفامبيسين والريمفون والايثامبيتول والاستربتومايسين والسيكلوسيرين) .
وتتم معالجة كل نوع من أنواع الميكروبات الانتهازية والفطريات بما يناسبه من العقاقير الكثيرة المتوفرة.
стр. 15896
الوقاية من الإيدز
بما ان طرق العدوى بالإيدز أصبحت معروفة فإن اتخاذ التدابير الوقائية ممكنة، ولكن للأسف نجد أن الإيدز وانتشاره مرتبطان بالسلوك الإنساني المنحرف، وبما أن الغرب يصر على الاستمرار في غوايته وانحرافه. ونشر ذلك الانحراف والغواية في مختلف أرجاء العالم فإن الإيدز وكافة الأمراض الجنسية سيستمران في الانتشار مصداقًا لحديث رسول الله ﷺ : ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) . . . . (١) . وقوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله: ((إذا ظهر الربا والزنا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)) . (٢) . وقوله ﷺ : ((ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم زكاة إلا حبس عنهم القطر)) . (٣) وهذه الأحاديث الشريفة معجزة من معجزاته العديدة التي لا تكاد تحصى لكثرتها ... وقد وقع ما حذر منه البشير النذير ولابد إذن لاجتثاث آفة الإيدز والأمراض الجنسية الأخرى من محاربة الخنا والزنا والشذوذ الجنسي وغيره من الانحرافات والقاذورات التي انتشرت في مجتمعات العالم ... وكل ما يؤدي إلى الزنا ينبغي الوقاية منه ومحاربته. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] . ومنع سبحانه تعالى كل سبيل يؤدي إلى الزنا وانتشار الفاحشة. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) ﴾ [النور: ٣٠ –٣١] .
стр. 15897
وندد المولى بالذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا حيث قال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] .
والذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وفي المجتمعات الإسلامية كثيرون يتدثرون برداء التقدم والحضارة وعدم الانغلاق والتحجر، ورداء العلمانية (اللائكية) ، وعدم التعصب، ويستخدمون أجهزة الإعلام كلها المرئية والمسموعة والمقروءة ...ويتصرفون في كثير من أجهزة الحكومات في مناطق شتى من العالم الإسلامي ...ويشجعون على الفاحشة باسم الفن والأدب والقصة والتمثيلية والمسرح ..... إلخ ويدخل في ذلك قطعًا علب الليل وأماكن الدعارة الظاهرة والمستترة، وتجارة البغاء والمتدثرة بدثار السياحة والفندقة!!.
وكم تعاني البلاد الإسلامية عربًا وعجمًا من هذه السياحة الموبوءة ... حيث يقدم المصابون والمصابات بالإيدز وينشرونه في بلاد الإسلام ... وما تنشره الصحف عن هجمة الروسيات في دول الخليج ونشرهن للإيدز والأمراض الجنسية ليس ببعيد ...
ودور السياح من اليهود والأمريكان في نشر الإيدز في مصر معروف منشور في الصحف والمجلات ... والأمر ذاته يحدث في تركيا وفي تونس وفي غيرها من البلاد التي تعتمد على السياحة في مداخيلها ... كما أن بعض شباب الخليج الذين يذهبون إلى تايلند والفلبين والهند وغيرها يعودون بأمراض جنسية خطيرة، والإيدز ضمنها دون ريب. كما أن عددًا منهم يصبح مدمنًا للمخدرات وهو طريق آخر للهلاك والدمار.
ولابد لمواجهة مشكلة الإيدز من محاربة موجة الإباحية وإعادة دور الدين والفضيلة وتربية الناشئة على المناهج القويمة.
وإزالة الركام القذر من أجهزة الإعلام وتطهيرها من المفسدين ... وتوضيح مخاطر ما يسمى الفن (الداعر) ... ومنع الخمور والمخدرات ومحاربتها بكل الوسائل ... وتغيير القوانين الوضعية التي تبيح الزنا والربا واللواط، والتي تبيح المسكرات والخمور ... والعودة إلى حياة الطهر والعفاف، وتشجيع الزواج والحياة العائلية والنظيفة المستقيمة.
стр. 15898
وهذا لا شك يتطلب جهودًا مضنية لأن الأيدي القذرة الملوثة وأيدي يهود والصليبيين ستحارب بكل ما أوتيت من قوة عودة الأمة إلى إسلامها وطهرها وعفافها ... وسيحارب الداعين إلى الإسلام والاحتكام لشريعته وسيودعون السجون ...وسيلاقون القتل والتشريد والتعذيب والتنكيل والاستهزاء والقذف بأشنع التهم ... وهو أمر عانت منه أمة الإسلام على مدى قرن من الزمان تقريبًا منذ أن دخل الاستعمار بلاد الإسلام ... واتخذ طائفة من أبناء الأمة أقلامًا والسنة داعية لمبادئه وحضارته ... والهجمة لا تزال مستمرة منذ عهد كمال أتاتورك (من يهود الدومنة) الذي حطم الخلاقة الإسلامية وقضى عليها إلى يومنا هذا.
ومع هذا فالخير قادم لا ريب فيه والنصر للإسلام آت لا شك فيه. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] ، وليظهرن الله هذا الدين على الدين كله وعدا من أصدق القائلين.
ويرتبط الإيدز أيضًا بالمخدرات وتعاطيها زرقًا بالوريد ... ومشكلة المخدرات لن تحل إلا بإعادة شباب الأمة إلى محاضن الإيمان ومحاربة الوسائل الداعرة الفاجرة في وسائل الإعلام التي تحث وتدعو للإباحية.
ولابد من الاهتمام بدور المسجد والمدرسة والمنزل في مواجهة هذه التحديات. وهذه معركة خطير خطيرة تستهدف كيان الأمة الروحي والنفسي والجسدي ... وبوادر الصحوة بادية للعيان، وتحتاج إلى ترشيد واستخدام الحكمة لأن الأعداء متكالبون للقضاء على هذه النبتة الصالحة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] .
كذلك لابد من الاهتمام بموضوع نقل الدم ومشتقات الدم ... والدم في الإسلام نجس قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
стр. 15899
والرجس هو النجس ... وقد أجمعت الأمة على أن الدم المسفوح نجس لا يجوز التداوي به إلا عند الضرورة لأنقاذ حياة أو لحاجة شديدة تنزل منزلة الضرورة ... وقد أسرف الأطباء في استخدام الدم ومشتقاته في الأربعين عامًا الماضية، وظهرت اليوم دعوات قوية بين الأطباء ومن منظمة الصحة العالمية إلى الإقلال من استخدام الدم قدر الإمكان ... وإلى استخدام بدائله المصنعة كلما كان ذلك ممكنًا .... وفي العمليات غير المستعجلة يمكن أخذ الدم من المريض ذاته قبل العملية وإعطاؤه إياه في وقت العملية. كما أن استرجاع الدم أثناء العمليات بواسطة آلات حديثة يسرت إجراء كثير من العمليات دون الحاجة لنقل الدم.
ولابد من إجراء الفحوصات للدم من المتبرعين به ... واستبعاد أي متبرع مشبوه وأي شخص مصاب والعياذ بالله بالشذوذ أو الزنا أو استخدام المخدرات فإنه يمنع من التبرع بالدم أو الأعضاء (حيًا وميتًا) .
ويمكن استخدام مشتقات الدم مثل عامل ٨ لمرضى الناعور (الهيموفيليا) بعد تسخين هذه المشتقات بطرق فنية خاصة إلى درجة ٦٥ مئوية، وذلك يقضي على فيروس الإيدز. ورغم كل هذه الاحتياطات إلا أن الدم ومشتقاته لا يزال مصدرًا لحدوث الإيدز من حين لآخر كما حدث في فرنسا لمرضى الهيوفيليا، وفي ألمانيا عند التراخي في استخدام الفحوصات اللازمة لبنوك الدم ... والأمر أخطر من ذلك في الهند وفي أفريقيا، وفي دول العالم الثالث الفقير ذي الإمكانيات الهزيلة، والذي يمكن فيه بسهولة مخالفة النظم المقررة دون خوف من عقاب أو رادع من ضمير.
واستخدام الرفال (الحاجز الواقي) بين الزوجين عند إصابة أحدهما وسيلة من وسائل الحد من الإصابة، وإن كانت غير مضمونة، وذلك لإمكان انخرام الرفال (الكوندوم) أو سقوطه أثناء الوقاع ... وهو وسيلة من لا وسيلة أخرى له.
وللأسف فإن سياسة منظمة الصحة العالمية في محاربة الإيدز سياسة عقيمة لأنها لا تواجه المشكلة من أساسها، بل تحاول أن تخفف من آثارها بنشرها الدعوة لاستخدام الرفال واستخدام ما تسميه (الجنس الآمن) (safe sex) وتقصد به عدم الإيلاج في الفرج والشرج والفم، واستخدام ما عدا ذلك. وهو أمر غريب لأن من تبع هواه وشهوته لن يقف عند حد معين، بل سيتبع نفسه هواها ... وكذلك دعوتها لاستخدام الرفال (الكوندوم) دعوة داحضة لأن أصحاب الشهوات والزناة واللواطية لن يستخدموه، وإذا استخدموه تعرض الكوندوم للسقوط والتمزق أو الانخرام ... الخ.
وكذلك دعوة المنظمة للتحول من زرق المخدرات إلى بلعها أو تدخينها أو شمها ليس إلا دلالة على تفاهتها لأن المسطول لن يرعوي عن أي طريق.. ودعوتها لإعطائهم الحقن المعقمة تضحك الثكلى وتزيد الطين بلة!!.
ولا شك أن كل طريق منحرف يؤدي إلى الطرق المنحرفة الأخرى والفكر السقيم والآراء الضالة.
стр. 15900
ورغم أن الاتجاه العام لمنظمة الصحة العالمية في محاربة الإيدز هو ما ذكرناه إلا أن المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق البحر المتوسط (الإسكندرية) قد بذل جهودًا جبارة لتوضيح أهمية الدين والمحافظة على العفة والمبادرة بالزواج المبكر للشباب. وذلك يرجع إلى أن مدير هذا المكتب رجل فاضل ذو خلق ودين هو معالي الدكتور حسين الجزائري (وزير الصحة سابقًا في المملكة العربية السعودية) ويعينه ثلة من خيار الأطباء على رأسهم الأستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط الطبيب الداعية النابغة والدكتور محمد حلمي وهدان، مدير الوقاية من الأمراض ومكافحتها أجزل الله مثوبتهم وثبت مقولتهم. وقد نشر المكتب الإقليمي كتابًا بعنوان: (دور الدين والأخلاقيات في الوقاية من الإيدز ومكافحته) وهو كتاب قيم في هذا الصدد، ولكن منظمة الصحة العالمية ذكرت في أول صفحة من الكتاب أن: هذه الوثيقة ليست من المنشورات الرسمية لمنظمة الصحة العالمية ... وأن مسؤولية الآراء الواردة في الوثائق المقترنة بأسماء المؤلفين إنما تقع على عاتق أصحاب هذه الآراء حصرًا.
وكأنها تتبرأ مما جاء فيه رغم تلطفه في عرض المسائل.
وقد أصدر المكتب الإقليمي توصيات بشأن دور الدين والأخلاقيات في مجال الوقاية من الإيدز والأمراض المنقولة جنسيًا، ومكافحتها سننقلها بكاملها في الملاحق. وقد اشترك في هذه الندوة مجموعة من علماء الإسلام في العصر الحديث نذكر منهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ المختار السلامي (مفتي تونس) والشيخ محمد سيد طنطاوي (مفتي مصر) والشيخ أحمد عمر هاشم (نائب رئيس جامعة الأزهر) والشيخ صديق علامة (مدير الأوقاف في الإسكندرية) ، ومجموعة من القسس مثل القس ويصا القمص جرجس، والقس أثناسيوس ميخائيل كرم، بالإضافة إلى السادة الأطباء مدير المكتب الإقليمي الدكتور حسين الجزائري والمدير التنفيذي للبرامج، الدكتور محمد هيثم الخياط والدكتور محمد حليم وهدان، مدير الوقاية من الأمراض ومكافحتها، والدكتور عبد المنعم محمد علي مسؤول مركز تبادل المعلومات عن الإيدز والدكتور محمد الخطيب مسؤول التثقيف الصحي بمكتب المنظمة، والأستاذ عادل صلاح رئيس وحدة الإعلام بالمكتب الإقليمي.
стр. 15901
عزل مريض الإيدز والمصاب بفيروس الإيدز
بما أن الشخص المصاب بالإيدز يسبب الهلع والرعب لمن حوله نتيجة لما اعتور هذا المرض من حملات تخويف مرعبة، لذا فإن المصاب بالإيدز، في كثير من الأحيان، ينبذ ويعامل بقسوة. والمشكلة تختلف من بلد لآخر.
ولابد من إفراد مستشفيات أو أجزاء من مستشفيات لمداواة مرضى الإيدز واتخاذ الاحتياطات اللازمة، وخاصة عند أخذ التحاليل الطبية وإزالة إفرازات المريض، وكذلك عند غسل الميت المصاب بالإيدز للتوقي من إفرازاته التي تحمل فيروس الإيدز، وخاصة تلك المختلطة بدمه. والتي يمكن أن تدخل إلى جسم الإنسان عبر شقوق صغيرة أو سجحات في جلده.
وبما أن المريض بالإيدز قد تطول به الحياة لعدة سنوات، فإن من المتعذر إبقاءه طوال هذه المدة في المستشفى. ولذا ينبغي أن يعود إلى بيته في الحالات والأوقات التي لا تستدعي حالته دخول المستشفى، وأن يقدم لأهله وذويه المعلومات الكافية في كيفية رعايته دون أن يتعرضوا للعدوى.
وبما أن العدوى لا تحدث – في الغالب الأعم – إلا عن طريق الممارسة الجنسية (الجماع) أو الدم فإن تجنب الوقاع والدم أمر متيسر.. وغالبًا ما يكون المريض بالإيدز في حالة صحية لا تسمح له بطلب الوقاع.
وينبغي أن يعامل المجتمع مريض الإيدز بما يستحقه من الشفقة والرحمة، وخاصة أن كثيرًا ممن أصيبوا بهذا المرض الخبيث في بلادنا كان ناتجًا عن نقل الدم في الأساس، وبالتالي هو ضحية من الضحايا دون ذنب اقترفه.. وقد يكون مثل هذا الشخص المصاب اتصل بزوجته قبل أن يعلم بإصابته بفيروس الإيدز ونقل إليها المرض، وكذا الأطفال ...وهؤلاء كلهم أبرياء. ثم على فرض أن الشخص قد ألم بخطيئة ثم تاب، فإن في المرض كفارة للمسلم وواجب المجتمع المسلم أن يعامل هؤلاء المساكين الضعفاء بالشفقة والرحمة ... لا يستثنى من ذلك إلا المجاهرون بالمعصية، المستمرون في غوايتهم وضلالهم فهؤلاء ينبغي أن تطبق بحقهم أحكام الشريعة الإسلامية الغراء التي تدرأ الفاسد وتستأصله.
وواجب من أصيب بفيروس الإيدز من المسلمين عند معرفته ذلك أن يستسلم أولًا لقضاء الله وقدره، ويبادر بالتوبة ورد المظالم والحقوق وأن يصلح ما بينه وبين ربه. وأن يستعد لما لا بد منه، وهو ملاقاة ربه ... ولا يفعل مثل ما يفعل الكفرة الذين يبادرون إلى الانتحار والعياذ بالله فينهي بذلك حياته أسوأ نهاية، وينتقل من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة وبئس المصير.
стр. 15902
ثم إن واجبه بعد ذلك أن يعرف كيفية انتقال المرض إلى الآخرين، وأن يحرص كل الحرص على عدم إصابتهم، وعلى النصح لهم. وأن لا يغش أحدًا من إخوانه المسلمين، ومن فضل الله أن العدوى تكاد أن تكون محصورة في الوقاع (الاتصال الجنسي) وفي انتقال الدم. وإذا امتنع عن هذين الطريقين فقد امتنع عن إصابة الآخرين بالإيدز. وأما المرأة المصابة بالفيروس فإن عليها أن تمتنع عن الحمل أيضًا لسببين: أولهما: أن الإيدز يزداد شراسة بالحمل، وبالتالي سيزداد المرض لديها بذلك. وثانيهما: أن الإيدز قد ينتقل إلى جنينها في أثناء الحمل (غالبًا في الأشهر الأخيرة منه) ، أو أثناء الولادة، فإذا تجنبت الحمل حمت نفسها من شراسة المرض وزيادته، وحمت الجنين من الإصابة بالفيروس وسنزيد هذه النقطة بحثًا في موضعها.
وتقوم الدول الغنية بتوفير الرعاية الصحية لمرضى الإيدز، وذلك بتوفير ممرض أو ممرضة مدربة تدريبًا جيدًا لزيارة المصاب بالإيدز في منزله. كما أن المصاب يذهب إلى مستوصف خاص أو مستشفى لزيارة الطبيب وإجراء الفحوصات من حين لآخر ...وعند حصول مضاعفات المرض يتم إدخال المصاب إلى المستشفى ورعايته هناك.
وهكذا يتضح عدم الحاجة إلى عزل مريض الإيدز في مكان خاص بل يبقى المريض في بيته وتوفر له أسباب الرعاية قدر الإمكان ولا يتم إدخاله المستشفى إلا عند الحاجة، وذلك يوفر للدولة والمجتمع مبالغ طائلة، ويقلل أيضًا من احتمالات انتقال عدوى المرض.
أما الشخص السليم الذي يحمل فيروس الإيدز وليس به أي مرض ظاهر فإنه يستطيع أن يمارس العمل أو الدراسة دون أي خوف من الإصابة والعدوى، طالما يتم اجتناب الاتصال الجنسي والدم وهو أمر هين ميسر.
وينبغي الحذر من استخدام أدوات المريض الشخصية مثل فرشاة الأسنان أو موسى الحلاقة، كما ينبغي اتخاذ كافة الاحتياطات الضرورية عند فحص دمه أو إفرازاته، كما ينبغي لحامل الفيروس أن يتجنب الرياضيات العنيفة والمسابقات لاحتمال إصابته وخروج الدم منه، فإذا جاء المسعفون لإنقاذه تعرضوا للإصابة بالعدوى بسبب دمه. ويمنع حامل الفيروس من التبرع بالدم أو أي عضو من أعضائه حيًا أو ميتًا.
стр. 15903
ويجب على حامل الفيروس ومريض الإيدز أن يخبرا أطباءهما والمختبرات وأطباء الأسنان بالحقيقة إذا كانوا لا يعلمونها ليأخذوا حذرهم عند إجراء الفحوصات ولتعقيم الآلات، أو استخدام آلات ترمى بعد الاستعمال.
وقد جاء في قرار الندوة المشتركة بين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ومجمع الفقه الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية المنعقدة في الكويت (٢٣ – ٢٥ جمادى الآخرة ١٤١٤ هـ / ٦ – ٨ ديسمبر ١٩٩٣) ما يلي حول عزل المريض:
تؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حاليًا أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري (الإيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة، أو الملامسة، أو التنفس، أو الحشرات، أو الاشتراك في الأكل أو الشرب، أو المراحيض، أو حمامات السباحة، أو المقاعد، أو أدوات الطعام أو غير ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تنتقل العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:
١- الاتصال الجنسي بأي شكل كان (المقصود السوي والشاذ)
٢- نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
٣- استعمال المحاقن الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات.
٤- الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها (المقصود أثناء الحمل والولادة ونادرًا الرضاعة) .
بناء على ما تقدم فإن عزل المصابين من التلاميذ أو العاملين أو غيرهم عن زملائهم الأصحاء ليس له ما يسوغه.
عزل الطلبة المصابين بالإيدز:
وقد جاء في بيان منظمة الصحة العالمية بالاشتراك مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ومنظمة العمل الدولية واتحادات المهن التعليمية العالمية والاتحاد العالمي للمدرسين والنقابات التعليمية ما يلي:
إن نسبة كبيرة من الناس في جميع البلدان تبلغ أعمارها اليوم ما بين خمس وثماني عشرة سنة ومن بين هؤلاء أعداد كبيرة، إما أنها من طلاب المدارس أو أن لها صلة بهم.
стр. 15904
وللمعلومات والقيم والمهارات التي تقدم في المدارس تأثير هائل على حياة هؤلاء الشباب. وإذا أريد للمعرفة أن تتزايد وللسلوكيات المحفوفة بالخطر أن تتناقص بين الناشئة فلا غنى عن المشاركة الفعالة للمدرسين من خلال التنظيمات الممثلة لهم (وبالتعاون مع خبراء الصحة والاتصالات والعلوم الاجتماعية) في تخطيط وتنفيذ ولتقويم المنهاج المدرسية لتعزيز الصحة التي تعالج قضايا الإيدز وغيره من الأمراض المنقولة جنسيًا. وفضلًا عن ذلك فإن لمشاركتهم أهمية جوهرية في مبادرات مقاومة الجهل، ومقاومة التمييز ضد زملائهم وتلاميذهم المصابين بعدوى الفيروس.
ثم ذكر البيان أوجه العدوى بفيروس الإيدز ثم قال: من أجل ذلك ينبغي أن تكون مضامين العدوى بالفيروس والإصابة بالإيدز في البيئات المدرسية مفهومة بكل الوضوح لدى المدرسين والتلاميذ والوالدين. وينبغي أن يجري المدرسون مناقشات مستفيضة حول طرق انتقال الفيروس والسلوكيات التي من شأنها خفض خطر العدوى، وذلك ضمن البرامج الوطنية للوقاية من الإيدز ومكافحته في كل بلد.
ومن الأهمية بمكان أن يفهم كل من له صلة بالبيئات المدرسية، وأن يؤكد للآخرين أن الاتصال المعتاد فيما بين الطلبة، وفيما بين المدرسين، وفيما بين الطالب والمدرس لا ينطوي على أي خطر للإصابة بالعدوى أو نقلها للآخرين. إن السلوكيات الأساسية التي تؤدي للعدوى بين الطلاب في الأعمار التي تتراوح بين الخامسة والثامنة عشرة هي التي تسببها بين الكبار: الاتصال الجنسي، ووصول الأدوات الثاقبة للجلد والملوثة بالفيروس إلى مجرى الدم، وعمليات نقل الدم في البلاد التي لا تفحص الدم بصورة روتينية بحثًا عن أضداد الفيروس.
وتنادي الوثيقة بالسماح للمصابين بفيروس الإيدز من الطلبة والأساتذة بالاستمرار في التعلم والتعليم وممارسة نشاطهم المعتاد مع توضيح مخاطر السلوكيات المنحرفة التي قد تحدث بين الطلبة (اللواط، والزنا، واستخدام المخدرات) ومناقشة هذه المخاطر بصورة واضحة ومتكررة.
ولكن من الغريب حقًا إصرار الوثيقة على أن لا يبلغ المصاب بفيروس الإيدز إدارة المدرسة أو المكتب الطبي بأنه مصاب بفيروس الإيدز ... مع أن علمهم بذلك ييسر اتخاذ الاحتياطات اللازمة حتى لا ينقل العدوى.
стр. 15905
والأشد غرابة من ذلك هو أن تصر الوثيقة على حرية المصاب بفيروس الإيدز باتخاذ السلوكيات التي تناسبه مع توضيح مخاطر العدوى بصورة عامة له ولكافة أفراد المجتمع ... أي باختصار إذا كان شاذًا جنسيًا فلا لوم عليه إذا هو مارس شذوذه (لعنات الله عليه وعليهم أجمعين) ، ولكن يتعين عليه استخدام الغمد الواقي (الكبوت، الكوندوم، الرفال) .....
وهذا من تأثيرات اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة الذين ينشرون الفساد في الأرض. والتوراة المحرفة قد اتهمت لوطًا ﵇ بأنه قد زنى بابنتيه، وأن داود ﵇ قد زنى بحليلة جاره ثم أنجب منها سليمان، وأن يهوذا (ابن يعقوب ﵇ قد زنى وزوجة ابنه ثامار، وأن الزنا واللواط قد انتشر في إسرائيل حتى أن بيت الرب (بيت المقدس وفيه الهيكل المزعوم) كانت تتم فيه عمليات اللواط والزنا ويسكن فيه (لعائن الله المتتابعة عليهم) قد أمر يوشع بن نون ﵇ أن يتزوج راحاب الزانية، وأنه أمر النبي يوشع كذلك بأن يتزوج البغية جومر بنت دوبلايم ... وهؤلاء اليهود اليوم يتحكمون في أجهزة الإعلام وفي كافة المنظمات. وقد حضرت بنفسي مؤتمرًا في هولندا عقد لدراسة حقوق المصابين بالإيدز عام ١٩٩٠ وذهبت ممثلًا لمعالي الدكتور عبد الله نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي آنذاك. وفوجئت في المؤتمر بأن المنظمين له يهود، وذوا النفوذ فيه يهود ... وقد دخلت معارك كلامية ضدهم وهم يحاولون إصدار القرارات التي تدفع عن أصحاب الشذوذ والزناة باعتبار ذلك من حقوق الإنسان. ولذا نجد أن معظم قرارات منظمة الصحة العالمية والمنظمات العالمية الأخرى متأثرة جدًا بهذا الاتجاه (١) .
والواجب في مثل هذه الحالات أن يعاقب هؤلاء المجرمون الذين يتظاهرون ويعلنون أن هم شاذون جنسيا كما ينبغي معاقبة من يعلن أنه من الزناة ... وينبغي معاقبة ومنع كل وسيلة من وسائل إشاعة الفاحشة في المجتمعات. وذلك يستدعي أيضًا تطهير الإعلام وما يسمى الفن والمسرح والسينما والسياحة من هذه القاذورات، كما ينبغي إلغاء كل المواد الموجودة في القوانين الوضعية التي تبيح الزنا واللواط وهي مواد كثيرة موجودة في معظم قوانين البلاد الإسلامية (عربًا وعجمًا) فضلًا عن قوانين الدول الكافرة.
وما دامت هذه الدول تصر على إبقاء الزنا واللواط مباحين فإن العقوبات الإلهية لن تتوقف ... وسيستمر الإيدز وما هو شر من الإيدز.
وذلك مصداقًا لأحادث الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه حيث يقول: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. . . .)) (٢) . وحيث يقول: ((إذا ظهر الربا والزنا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)) . . . . (٣) . وفي قوله: ((ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت)) . . . . (٤)
стр. 15906
الإصابة بفيروس الإيدز والعمل
بما أن المصاب بفيروس الإيدز يبقى فترة طويلة قد تبلغ عشر سنوات قبل أن تظهر عليه أعراض المرض، وبما أن الفيروس لا يعدي إلا بواسطة الاتصال الجنسي ونقل الدم، وكلاهما مستبعد جدًا في مجال العمل فإن منع المصاب بفيروس الإيدز من العمل من عمله ليس له ما يبرره إلا إذا كان العمل في حد ذاته سيسبب خطرًا للآخرين. ولذا فإن العمل إذا لم يتضمن أعمالًا خطيرة قد ينزف منها الشخص وبالتالي ينقل العدوى لمن يسعفه، فإن هذا العمل لا يشكل أي خطر لنقل فيروس الإيدز إلى المجتمع.
ولا نعتبر البغاء والدعارة عملًا والدول التي تسمح بذلك تخالف الفطرة والعقل والشرع وتعرض شعوبها للإصابة بالأمراض الجنسية الخطيرة الخطيرة ... ولذا فإن أعمال الدعارة الظاهرة والخفية وعلب الليل وما شاكل ذلك كلها مكامن الخطر الحقيقية على الأمة ... من الغريب حقًا أن تسمح بها دول تدعي الإسلام، وما هي من الإسلام في شيء. وتعتبر ذلك من علامات الحضارة والتقدم ومن مصادر الدخل للأمة والدولة ... وأخبث بها من حضارة وأخسئ بها من مصدر للدخل!!. ولا يمكن لمن يدعي الإسلام أن يسمح بذلك ... وادعاؤه كذب وبهتان ومحاربة ومحادة لله ورسوله.. وللأسف فإن دولًا عديدة تسمى نفسها مسلمة تبيح الربا والزنا واللواط بنص القانون وتحميه الدولة بشرائعها الشاذة الغربية ... وتحارب كل من يدعو إلى قفل المواخير السرية والعلنية ... وإلى منع الربا والزنا واللواط وتتهمه بالرجعية والأصولية والتشدد! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... وإنا لله وإنا إليه راجعون!! وهذا حقًا هو المصاب الأليم الفاجع الذي أصيبت به أمة الإسلام ... ولذا كتب الله عليها الذلة والمهانة من أعدائها حتى تراجع دينها وتعود لشريعة ربها.
وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية بالاشتراك مع مكتب العمل الدولي وثيقة في ٢٧ – ٢٩ يونية (حزيران) بشأن الإيدز في محل العمل. وقد استهلت الوثيقة بأهمية المعركة ضد الإيدز وتوعية الجماهير بمخاطره وأنواع السلوك التي تؤدي إلى نشره، ثم ذكرت الوثيقة وسائل انتقال الإيدز التي أفضنا في ذكرها.
стр. 15907
وجاء في الوثيقة: (وفي الغالبية العظمى من المهن والمنشآت المهنية، لا ينطوي العمل على أي خطر للعدوى بالفيروس أو نقله بين العمال، أو من عامل إلى عميل أو العكس، وتتناول هذه الوثيقة أولئك العمال المستخدمين في هذه المهن. وسوف ينظم البرنامج العالمي للإيدز بمنظمة الصحة العالمية مشاورة أخرى تتناول المهن أو المنشآت المهنية الأخرى التي قد يوجد بها خطر ملحوظ لاكتساب العدوى أو نقلها كما في العاملين الصحيين)
وتتحدث الوثيقة بعد ذلك عن حقوق الإنسان وحماية الكرامة الإنسانية للمصابين بفيروس الإيدز وحقهم في العمل الشريف وحثت الدول على:
١- خلق روح من التفاهم للمصابين بعدوى فيروس الإيدز ومرضى الإيدز والعطف عليهم.
٢- حماية الحقوق الإنسانية والكرامة البشرية للمصابين بفيروس الإيدز وتجنب ممارسة التمييز ضدهم أو حرصهم عند تقديم الخدمات وفرص العمل والسفر (وهنا ملاحظة إصرار منظمة الصحة العالمية على الدفاع عن الشاذين جنسيًا وحقهم في سلوكهم الخاطئ الفاضح) .
٣- ضمان سرية اختبار فيروس العوز المناعي وتعزيز توافر الاستشارات الخصوصية وغيرها من خدمات الدعم.
وتصرُّ الوثيقة على عدم الحاجة لإجراء الفحوصات التي توضح وجود عدوى فيروس الإيدز من عدمها. كما تمنع السؤال عن السلوكيات المؤدية للإيدز باعتبار أن ذلك من حق الشخص الممارس وحده.. وهو موقف شاذ وغريب إذ لا شك أن من حق جهة العمل أن تعرف سلوكيات موظفها، وإذا ما كان سلوكه الظاهر خطرًا على الآخرين. وهي دعوة من منظمة الصحة العالمية ومكتب العمل الدولي، بصورة مستترة للدفاع عن الشذوذ الجنسي والدفاع عن الزنا ... وليس ذلك بغريب على هذه المنظمة التي ينخر فيها فساد اليهود وآراؤهم وفلسفاتهم. وتكرر المنظمة قولها: (المصابون بعدوى الإيدز ينبغي أن لا يتعرضوا للتمييز ضدهم) مهما كان سلوكهم الشخصي مقززًا ومصادمًا لأخلاقيات المجتمع.
стр. 15908
وبفضل الله إن المصابين بفيروس الإيدز نتيجة الشذوذ الجنسي في البلاد الإسلامية لا يكادون يوجدون وهم محدودون جدًا ومختفون ولا يعلنون قاذوراتهم ... وأكثرية المصابين بالفيروس هم ضحايا للدم ومشتقات الدم والإبر الملوثة ... ولهذا فإن من حقهم الاستمرار في العمل الشريف، والحصول على كل مزاياه.
وفي حالات الإسعاف الأولى في محيط العمل لا بد من اتخاذ كافة الاحتياطات لعدم التلوث بالدم من المصابين بصورة عامة، ولمن يحملون فيروس الإيدز بصورة خاصة. وهذا يستدعي أن تكون إدارة العمل مدركة لنتائج فحوصات الدم المتعلقة بفيروس الإيدز إذ إن ذلك يجعلها تتخذ الاحتياطات الكفيلة بمنع انتقال العدوى في مثل هذه الظروف.
ولا يبدو أن الدعوة للحفاظ على السرية التامة لفحوصات الإيدز وعدم إيصالها إلى جهة العمل أو أي جهة أخرى منطقية.
إذ إن ذلك يعيق اتخاذ الاحتياطات اللازمة، ولذا ينبغي أن تكون هذه المعلومات في نطاق محدود جدًا بإدارة العمل، أو بالجهة التعليمية المسؤولة أو الجهة الصحية في حالات إصابة الطلبة على سبيل المثال.
وتعاليم الإسلام تحث على إغاثة الملهوف وفك العاني ومداواة المصاب والمكلوم بالكلمة الطيبة الحانية ((وبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) ... فلا بد إذن من السماح للعامل بالعمل مادام يقدر على ذلك، فلو كان يحمل فيروس الإيدز. ولا بد كذلك من السماح للطالب بالدراسة مع اتخاذ كافة الاحتياطات ومنعه من الألعاب العنيفة والتعارك من زملائه حتى لا يكون مصدرًا للعدوى بهذا الفيروس المخيف المرعب.
وما عدا ذلك يجد حقه كاملًا في الرعاية والدراسة والعمل.
أما مريض الإيدز فإنه لا شك لا يستطيع العمل بسبب شراسة الإيدز وشدة فتكه، وخاصة في مراحله الأخيرة.
стр. 15909
وإعاشته تكون إما من ماله إن كان له مال، أو من معاشه إن كان له معاش أو من الضمان الاجتماعي، فإن على الدولة واجب كفالة مواطنيها عند حاجتهم وعوزهم. وتتكفل الدولة أيضًا برعايته ومداواته من الأمراض الانتهازية والأورام التي تحدث في المصابين بهذا المرض. ولا يعني ذلك أن يبقى طوال هذه المدة في المستشفى، بل يمكن أن تتم الرعاية في بيته ويزوره ممرض مدرب بانتظام، فإذا استدعت حالته دخول المستشفى تم إدخاله حسب الحاجة.
وهناك تأمين صحي في كثير من البلدان، وذلك يخفف العبء إلى حد كبير عن الدولة، حيث يشترك الشخص في أثناء صحته في هذا التأمين بحيث يضمن العلاج والتداوي عند مرضه.
وللأسرة دور هام في رعاية مريض الإيدز ... وإذا تم توضيح الحقائق العملية للأسرة مبسطة ميسرة، فإن الأسرة لن تتخلى عن فرد من أفرادها بسبب مرضه، وحين حاجته لرعايتها ... ولا خوف على الأسرة إذا اتخذت الاحتياطات الضرورية، وهي يسيرة معروفة سهلة التطبيق.
هل على المصاب بالإيدز عقوبة إذا تسبب في إصابة شخص آخر؟
إذا قام حامل الفيروس أو مريض الإيدز بنقل المرض إلى غيره عامدًا سواء أكان بالاتصال الجنسي (ولو كان بين الزوجين) ، أو بواسطة إبرة ملوثة بالدم فلا شك أن هذا الشخص ينبغي أن يعاقب.
وفي الوقت الحاضر تتم محاكمة مسؤولين كبار في وزارة الصحة الفرنسية لأنهم أهملوا إجراءات فحص الدم (بعد ظهور فحص أليزا) ، وسمحوا بإعطاء دماء ملوثة بفيروس الإيدز إلى مجموعة كبيرة من الأطفال في فرنسا مصابين بمرض الهيموفيليا (الناعور) ، وأدى ذلك إلى إصابة المئات من هؤلاء الأطفال بمرض الإيدز.
стр. 15910
وقد حكمت المحكمة على المسؤولين بالسجن، وتم تعويض أهالي المصابين بآلاف الملايين من الدولارات.. كما تمت محاكمة شركة لبيع الدم حيث باعت دمًا ملوثًا بالإيدز في ألمانيا.
وقد حكمت المحاكم أيضًا في الولايات المتحدة لكل طفل مصاب بالإيدز نتيجة نقل الدم الملوث أو محتويات الدم بمليون دولار رغم أن هذه الحالات قد أصيبت بها الأطفال قبل ظهور فحص الدم الخاص بمعرفة فيروس الإيدز (فحص أليزا) الذي لم يعرف ويعم إلا في عام ١٩٨٦.
والموقف في دول الخليج والسعودية مشابه لذلك، فهناك مئات الأشخاص الذين أصيبوا بمرض الإيدز نتيجة دم ملوث تم استيراده من نيويورك ولندن، وعليه فينبغي المطالبة بالتعويض من هذه الجهات التي باعت هذا الدم الملوث ... وللأسف رغم أنني قد طالبت بذلك مرارًا وكتبته في الصحف إلا أن أحدا لم يلتفت بعد لهذا الأمر.
وهناك إجراء آخر هام وهو أن تقوم الدولة بمراجعة الملفات في المستشفيات الحكومية والخاصة لمعرفة الأشخاص الذين تلقوا دماء مستوردة من الخارج حتى عام ١٩٨٦، وتقوم بالتالي بفحص دمائهم، ومعرفة من منهم يحمل فيروس الإيدز حتى يتم أخذ الاحتياطات اللازمة ... وإذا ثبت أن هذا الشخص يحمل فيروس الإيدز فينبغي آنذاك فحص زوجته وأطفاله إذ ربما يكون قد نقل لهم هذا المرض ... (الزوجة عن طريق الوقاع والأطفال عن طريق الأم إما بالحمل أو الولادة أو الرضاعة) .
وقد بحث العلماء الأجلاء موضوع تعمد نقل العدوى في الندوة الفقهية السادسة التي نظمتها (المنظمة الإسلامية) للعلوم الطبية بالكويت بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الكويتية في الفترة من ٢٣ – ٢٥ جمادى الآخرة ١٤١٤ هـ / ٦ – ٨ ديسمبر ١٩٩٣ م.
وجاء في قراراتها ما يلي:
تعمد نقل العدوى بمرض الإيدز إلى السليم منه بأي صورة من صور التعمد عمل محرم، ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية، وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.
стр. 15911
فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعًا من الحرابة والإفساد في الأرض (١) ، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] .
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وكانت طريقة الإعداء تصيب به غالبًا، وانتقلت العدوى وأدت إلى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصًا.
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه، وتمت العدوى ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيزية المناسبة. وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية.
وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه، ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية
ولم يذكر القرار المذكور حالة إصابة عدد من الناس بفيروس الإيدز نتيجة إهمال في فحص الدم – كما ينبغي بالطرق المعهودة – ولكن لم يكن هناك تعمد لإصابة أحد. وأنما حدث ذلك بسبب عدم أخذ الاحتياطات وإجراء الفحوصات اللازمة، كما حدث في المانيا حيث قامت شركة لبيع الدم بإجراء فحص (اليزا) المطلوب على عينات عشوائية من الدم المخزون لديها، ولم تفحص كل كيس من أكياس الدم على حدة وأدى ذلك إلى حدوث نتيجة سلبية لفحص اليزا (فحص للأجسام المضادة لفيروس الإيدز) ، وقامت الشركة بالتالي ببيع هذا الدم على اعتبار أنه دم نظيف بينما هو في الواقع يحمل فيروس الإيدز.
والمحاكمة للشركة لا تزال جارية وقد طلب المدعي العام توقيع عقوبة السجن (ما بين خمس وعشر سنوات) بتهمة الإهمال في إجراء الفحوصات بالإضافة إلى التعويض المالي لكل المتضررين والذين انتقل إليهم الفيروس.
ولا شك أن الشركة هذه أو الطبيب سيضمن في الفقه الإسلامي، لأن الخطأ قد وقع بسبب إهمال في مثل هذه الحالة ولم يتم إجراء جميع الفحوصات المطلوبة. والضمان على عاقلة الطبيب فيما زاد على ثلث الدية كما هو مقرر في كتب الفقه (٢) .
стр. 15912
ثم إن بيع الدم غير مقبول في الإسلام ومحرم لأنه نجس، وقد نصت على ذلك جميع الفتاوى الصادرة من المجامع الفقهية ودور الإفتاء والسادة الفقهاء الذين أفتوا بإباحة نقل الدم بشروط ... ومنها استخدام ذلك للضرورة لإنقاذ حياة، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة. ومنها أن لا يكون ذلك بعوض، لأن العوض في مثل هذه الحالة محرم.
أما إذا قام الطبيب بفحص المتبرع بالدم ووجد النتيجة سلبية لأن الفيروس لا يزال في الفترة الأولى (قد تكون النتيجة سلبية لمدة ثلاثة أشهر بعد الإصابة) ، ثم قام الطبيب بنقل هذا الدم، فإن الطبيب لا يضمن، لأنه قد قام بكل ما هو مطلوب من إجراء الفحوص والتأكد من عدم وجود الفيروس (حسب الفحوص المتوفرة حاليًا) ... ولذا فإن أحكام الشرع الحنيف تعفي مثل هذا الطبيب الذي عرف بالطب ولم تخطئ يده، وبذل الوسع في إجراء الفحوص لسلامة مريضه، فلا ضمان على مثل هذا الطبيب (١) . .
حكم إجهاض المرأة الحامل المصابة بفيروس الإيدز
ينصح الأطباء المرأة المصابة بفيروس الإيدز أن لا تحمل، كما ينصحون زوجها بأن يستخدم الرفال (الغمد الواقي، الكبوت، الكوندوم) وخاصة إذا لم يكن هو حاملًا للفيروس..
ولكن ما هو الموقف الشرعي إذا حملت مثل هذه المرأة؟ أو إنها لم تكتشف أنها تحمل فيروس الإيدز إلا بعد حملها؟
من المعلوم أن الحمل يزيد في شراسة مرض الإيدز ولذا فإن المرأة المصابة بهذا المرض، ولو في مراحله الأولى، تنصح بعدم الحمل.
كذلك من المعلوم أن ما يوازي ١٠ بالمائة من الأجنة يصابون بالفيروس عبر المشيمة من الأم أثناء الحمل في الأشهر الأخيرة منه. كما أن ما يقرب من ٣٠ بالمائة يصابون بالفيروس أثناء الولادة.. وللأسف فإن الولادة بالعملية القيصرية لا تقلل من هذا الخطر.
стр. 15913
ومن الصعب جدًا معرفة ما إذا كان الجنين مصابًا بفيروس الإيدز أم لا ذلك لأن مضادات الأجسام والتي يعتمد عليها فحص أليزا ينتقل من الأم إلى الجنين عبر المشيمة، ولذا فإن الفحص يمكن أن يكون إيجابيًا بدون وجود عدوى بالفيروس.
وأخيرًا تمكن العلماء من التأكد من وجود فيروس الإيدز من عدمه بواسطة فحص يعرف باسم تفاعل سلسلة البوليمراز (PCR,Polymerase chain reaction) وفي هذا الفحص يتم تنمية أي جزء يسير من الفيروس المسبب للإيدز (انتيجن) وبالتالي يمكن التعرف عليه. ولكن مشكلة هذا الفحص أنه معقد ومكلف ولا يجرى إلا في مراكز معدودة متقدمة. ومن المتوقع أن يتم تيسيره وتعميمه في المستقبل القريب، وذلك يشكل خطوة هامة لتشخيص فيروس الإيدز تشخيصًا مؤكدًا. وستبقى مع ذلك مشكلة أن الفحص لن يتم إلا في الأشهر الأخيرة من الحمل.
وفي هذه الحالة يحرم قولًا واحدًا إجهاضه لأنه قد نفخ فيه الروح وتجاوز ١٢٠ يومًا بيقين.
التوجه الصحيح في مثل هذه الحالات أن تنصح المرأة بعدم الحمل طالما أن فحص الإيدز لديها إيجابي، ولها أن تستعمل كافة وسائل منع الحمل المناسبة.
أما إذا حدث حمل فإن الإجهاض يصعب تبريره لأن الجنين لا يصاب إلا في الأشهر الأخيرة من الحمل (نسبة ١٠ % فقط من الأجنة) بينما يصاب ٣٠ % من الأجنة أثناء عملية الولادة سواء كانت ولادة طبيعية أو بعملية قيصرية (١) .
والمبرر الوحيد هو أن يكون الحمل سببًا في سوء حالة الحامل المصابة بالإيدز، ويشترط في ذلك أن يكون الإجهاض وسيلة مؤكدة لتحسن حالتها، وهذا أمر غير مؤكد وبالتالي فإن الإجهاض في هذه الحالة أيضًا غير مبرر.
стр. 15914
ولا يجوز الإجهاض بعد نفخ الروح قولًا واحدًا إلا إذا كان استمرار الحمل سيؤدي إلى قتل المرأة الحامل، وآنذاك تقدم حياتها على حياته لأنها أصله ... وهذا ما قرره الشيخ محمود شلتوت والشيخ يوسف القرضاوي والمجامع الفقهية في فتاواها المتعددة حول الإجهاض وآخرها فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في ١٥ – ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ / ١٠ – ١٧ فبراير ١٩٩٠ م والذي جاء فيه أن المجلس قرر بأكثرية الأصوات ما يلي:
١- إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهًا أم لا دفعًا لأعظم الضررين.
٢- قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مشوه توشيهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين.
والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر والله ولي التوفيق.
واعتبرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية عدم جواز الإجهاض إلا للضرورة القصوى ورأي بعض المشاركين في الندوة جواز الإجهاض قبل تمام الأربعين يومًا، وخاصة عند وجود الأعذار.
والخلاصة أن الإيدز لا يشكل مبررًا للإجهاض لأنه لا يحدث إلا في الأشهر الأخيرة من الحمل ونسبة حدوثه في حدود ١٠ % فقط. وأما النسبة الأكبر ٣٠ % فتحدث أثناء الولادة.
стр. 15915
حضانة الأم المصابة بفيروس الإيدز لوليدها السليم وإرضاعه
أظهرت الفحوصات المتعددة احتمالًا ضعيفًا لانتقال فيروس الإيدز من الأم المرضعة إلى وليدها أثناء الرضاعة، كما أثبتت أن الكمية الموجودة من الفيروس في لبن الثدي قليلة جدًا. ونظرًا لأهمية الرضاعة وخاصة في الدول النامية الفقيرة حيث يتوفى كثير من الأطفال بسبب عدم الرضاعة، فإن رأي منظمة الصحة العالمية هو أن تقوم الأم بإرضاع طفلها، ولو كانت هي مصابة بفيروس الإيدز، وذلك في المناطق التي يخشى فيها على حياة الطفل من عدم الإرضاع. وأما المناطق الأخرى التي تتوفر فيها النظافة والألبان البديلة فإن خطر الرضاعة وإن كان ضئيلا ًيجعل إعطاء الطفل الألبان البديلة أكثر أمنًا.
وإليك نص ما جاء في بيان منظمة الصحة العالمية بشأن العلاقة بين انتقال فيروس الإيدز وبين الرضاعة الطبيعية (أبريل ١٩٩٢) .
التوصيات:
١- ينبغي الاستمرار في حماية الرضاعة الطبيعية وتشجيعها وتعزيزها في كل المجتمعات بصرف النظر عن معدلات العدوى بفيروس العوز المناعي البشري.
٢- حيثما تكون الأسباب الرئيسية لوفيات الرضع هي الأمراض المعدية Infectious diseases وسوء التغذية، يكون الأطفال الذين لا يرضعون من أمهاتهم معرضين بدرجة مفرطة لخطر الموت بسبب هذه الحالات (١) . وفي هذه الظروف تكن مواصلة الرضاعة الطبيعية هي النصيحة النموذجية للنساء الحوامل، حتى المعروفات بأنهن مصابات بالعدوى (أي فيروس الإيدز) . وذلك لأن احتمالات عدوى الوليد عن طريق لبن الأم تكون على الأرجح أقل من احتمالات وفاته من أسباب أخرى في حالة حرمانه من الرضاعة الطبيعية.. وكلما ارتفع خطر وفاة المواليد خلال فترة الرضاعة، ارتفعت بالمثل درجة الحماية التي تحققه الرضاعة الطبيعية، وارتفعت كذلك أهمية نصح الأمهات بإرضاع أطفالهن ...
٣ – في المواقع التي لا تكون الأمراض المعدية فيها هي الأسباب الرئيسية لوفيات الرضع، ينبغي نصح السيدات الحوامل المعروفات بأنهن مصابات بالعدوى (لفيروس الإيدز) ، بأن لا يرضعن أطفالهن، بل يستعملن طريقة أخرى مأمونة لتغذيتهم ...
стр. 15916
٤- عندما يتقرر تغذية الوليد بطريقة صناعية، ينبغي أن لايتأثر اختيار طريقة التغذية البديلة والمستحضر الغذائي بأية ضغوط تجارية. وينتظر من الشركات أن تحترم هذا المبدأ تمشيًا مع القواعد الدولية لتسويق بدائل لبن الأم... وحين يتقرر استعمال لبن ممنوح (أي من امرأة أخرى متبرعة) فينبغي أولًا معاملته بالبسترة (وذلك يعني تسخينه وقتل فيروس الإيدز) ، مع اختبار السيدات المانحات بحثاُ عن أضداد الفيروس حيثما أمكن ذلك. وإذا كان البديل المختار هو استخدام مرضعة فينبغي العناية باختيار مرضعة معروفة بأنها سلبية للفيروس، (حيثما أمكن) .
ثم تحدثت الوثيقة عن أهمية توفير وسائل منع الحمل للمصابات بفيروس الإيدز وتجنب الإنجاب. وأهمية عدم الوقوع في العدوى للنساء والرجال وذلك بتجنب السلوكيات الخاطئة التي تؤدي إلى العدوى.
وقد أصدرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي ضمن قراراتها حول الإيدز (انظر الملاحق) وفيه أن الندوة ترى: (أنه لا مانع شرعًا من حضانة الأم المصابة بفيروس الإيدز لطفلها. ولكن بما أن احتمال العدوى أثناء الرضاعة وارد، وإن كان قليلًا، فإن الأحواط هو عدم إرضاع الأم لطفلها إذا أمكن أن توجد للرضيع ظئر سليمة ترضعه، أو أن تتوافر له بدائل أخرى للتغذية بصورة كافية من الألبان المجففة، فإذا تعذر ذلك فلابد من إرضاعه حماية له من الهلاك) .
стр. 15917
حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة وعدم المعاشرة الجنسية
لقد قررت الندوة المنعقدة حول الإيدز ومشاكله التي نظمتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الكويتية في الكويت (٢٣ – ٢٥ جمادى الآخر ١٤١٤ هـ / ٦ – ٨ ديسمبر ١٩٩٣م) أن لكل من الزوجين حق طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الإيدز باعتبار أن الإيدز مرض معد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.
(أما إذا قررا الاستمرار في حياتهما الزوجية فإن للزوج السليم أن يمتنع عن المعاشرة الجنسية، فإن رضي بالاتصال فإن الاحتياط يستوجب استعمال العازل الذكري الذي يقلل من احتمالات العدوى والحمل إذا أحسن استعماله ...) .
ولابد للشخص المصاب أن يعلم زوجه بحقيقة مرضه ولا يخفيه عنه، لأنه إن فعل ذلك نقل المرض إلى السليم فيكون آثمًا ويستحق العقوبة التي سبق ذكرها.
ولا شك أنه ينبغي الإعلام كذلك عند الزواج (عند الخطبة وقبل العقد) حتى لا يدلس على الخاطب. وقد روي أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها (١) بياضًا (٢) فانحاز عن الفراش ثم قال: ((خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئًا)) . . . . (٣) . وفي رواية البيهقي قال لأهلها: ((دلستم علي)) . . . . (٤) والتدليس هو إخفاء العيب وكتمه. وهو من الغش المنهي عنه.
وأخرجه عبد الرزاق (الصنعاني) في مصنفه عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب بعث رجلًا على السعاية فأتاه (وكان عقيمًا) فقال الرجل: تزوجت. فقال (عمر: أخبرتها أنك عقيم لا يولد لك؟ قال: لا، قال: فأخبرها وخيرها (٥) .
وقد قرر الفقهاء أن الشخص إذا تزوج امرأة ووجد بها عيبًا (مثل الجذام والبرص) ولم يخبروه به، كان له أن يردها وأن يأخذ مهره من وليها ولا شيء لها فإن كان قد دخل بها فإن لها صداقها بما استمتع به منها. ويأخذ مهره من وليها الذي دلس عليه إن كان العيب مما يعرفه الولي.
стр. 15918
وقد بحث هذا الموضوع ثلة من أفاضل الفقهاء في الندوة الفقهية الطبية السادسة التي نظمتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية في الكويت (٢٣ – ٢٥ جمادى الآخر ١٤١٤ هـ، ٦ – ٥ ديسمبر ١٩٩٣ م) . وقد جاء في بحث الشيخ الدكتور سعود الثبيتي (من جامعة أم القرى بمكة المكرمة) أن للفقهاء ثلاثة آراء في موضوع التفريق بين الزوجين كالآتي:
الرأي الأول: وهو عدم جواز التفريق مهما كانت الأسباب والدوافع، وهو رأي الظاهرية فإذا صح النكاح فلا يجوز فسخه مطلقًا سواء كان المريض موجودًا قبل العقد والدخول أم حدث بعد العقد والدخول. ولا فرق في ذلك بين وجود المرض في الرجل أو المرأة إذ لا يجوز للقاضي ولا لغيره أن يفرق بين زوجين صح عقد نكاحهما. جاء في المحلى لابن حزم: (لا يفسخ النكاح بعد صحته بجذام حادث ولا ببرص كذلك. ولا بجنون كذلك، ولا بأن يجد بها شيئًا من هذه العيوب ولا بأن تجده هي كذلك) (١) . واعتبر التفريق باطلًا لم يأت به كتاب ولا سنة ولا صح عن أحد من الصحابة ولا أوجبه قياس ولا معقول (٢) .
ويمكن للزوج أن يطلق زوجته ويمكن للزوجة أن تخالعه.
وقد أخذ برأي الظاهرية أيضًا الإمام الشوكاني حيث قال في نيل الأوطار: (من أمعن النظر لم يجد في الباب ما يصلح للاستدلال به على الفسخ بالمعنى المذكور عند الفقهاء) (٣) .
الرأي الثاني: يرى الحنفية أن الرجل بيده الطلاق، ويستطيع بالتالي أن يتخلص من هذا الزواج إن شاء، جاء في العناية: (وإذا كان بالزوجة عيب – أي عيب كان – فلا خيار للزوج في فسخ النكاح) (٤) وعللوا ذلك بأن الزوج يملك العصمة. أما المرأة فإنها لا تملك الطلاق، ولذا جعلوا لها حق طلب التفريق من القاضي. وجاء في فتح القدير: (وعند محمد لا خيار للزوج بعيب في المرأة، ولها الخيار بالعيب فيه من الثلاثة: الجنون والجذام والبرص) (٥) .
стр. 15919
وقد اختلف فقهاء الحنفية في حصر العيوب والأمراض التي يحق للمرأة طلب الفرقة لأجلها فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف في حصرها في عدد معين لا يتجاوزه إلى غيره، وذهب محمد بن الحسن إلى عدم الحصر. قال محمد: ترد المرأة إذا كان بالرجل عيب فاحش بحيث لا تطيق المقام معه لأنه تعذر عليها الوصول إلى حقها لمعنى فيه فصار كالجب والعنة (١) .
وذكر (أن الخيار في العيوب الخمسة إنما ثبت لدفع الضرر عن المرأة. وهذه العيوب في إلحاق الضرر بها فوق تلك لأنها من الأمراض المعدية عادة فلما ثبت الخيار بتلك فلأن يثبت الخيار بهذه أولى (. . . . (٢) .
وقد استدل الحنفية إلى ما ذهبوا إليه بحديث النبي ﷺ حيث قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) . . . . (٣) . وفي إمساكها مع خشية تعدي المرض إليها إضرار بها. وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وإمساكها مع خوفها من انتقال المرض إليها ليس فيه من الإحسان شيء. وبقاؤها معه على خوف من المرض يؤدي إلى فوات مقصد الإلفة والرحمة والإحصان، وهي أهم مقاصد الزواج.
الرأي الثالث: وهو رأي جمهور الفقهاء. ويقسمون العيوب والأمراض التي يفسخ النكاح بسببها إلى قسمين: إما أن تكون موجودة قبل العقد والدخول أو حادثة بعدهما. فالموجودة قبل العقد اتفق جمهور فقهاء الحنابلة والشافعية والمالكية والزيدية على الرد بها (واختلفوا في عدد هذه العيوب والأمراض، وبعضهم مثل ابن تيمية وابن القيم وبعض الشافعية جعلها في كل علة تسبب الضرر أو النفرة بين الزوجين) .
ولم يفرق الحنابلة والشافعية بين العيوب والأمراض الحادثة قبل العقد وتلك الحادثة بعده في جواز التفريق، بينما جعل المالكية والأمامية للمرأة حق طلب الفسخ في العيوب والأمراض الحادثة قبل العقد بالنسبة للرجل لأن بيده العصمة ويستطيع التطليق، وهي ليست كذلك.
стр. 15920
جاء في حاشية الدسوقي: (العيوب المشتركة إن كانت قبل العقد كان لكل من الزوجين رد صاحبه به، وإن وجدت بعد العقد كان للزوجة أن ترد به الزوج، دون الزوج فليس له أن يرد الزوجة، لأنه قادر على مفارقتها بالطلاق إن تضرر، لأن الطلاق بيده بخلاف المرأة، فلذا ثبت لها الخيار) (١) . وكذلك فعل الإمامية حيث يقول الحلي في كتابه شرائع الإسلام: (العيوب الحادثة للمرأة قبل العقد مبيحة للفسخ. وما يتجدد بعد العقد الوطء لا يفسخ به) (٢) .
وعن عمر ﵁ قال: أيما امرأة غُر بها رجل، بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها. وصداق الرجل على من غَرَّه. وفي لفظ: قضى عمر في البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق بينهما.. والصداق لها بمسيسه إياها، وهو له على وليها. (٣) .
وهناك روايات متعددة عن عمر ﵁ أنه قضى بالتفريق بينهما، ولها المهر بما مس منها. وللزوج المخدوع مهره وصداقه يدفعه الولي الذي غره.
والإشكال هو حين يتزوج الرجل المرأة وهي سليمة ثم يظهر عليها المرض المعدي أو العيب الذي يؤدي إلى الفسخ فالمهر الذي دفعه الزوج بما استحل من فرجها ولم يغره الولي حتى يطلبه منه. فأشبه ذلك الطلاق.. التفريق بينهما لا يستفيد منه الزوج إلا أن التفريق لا يحسب طلقة .... وفي التفريق لا يستطيع الزوج أن يراجعها إلا بمهر جديد وعقد جديد ... لذا كان رأي المالكية ومن نحا نحوهم في أن الرجل بيده الطلاق ولا حاجة له في التفريق إذا تبين حدوث العيب بعد العقد والدخول، رأيا معقولًا.
وقد قام الدكتور عمر الأشقر بدراسة هذا الموضوع من جوانبه المختلفة في بحثه المقدم للندوة حول الإيدز وعنوان بحثه: حكم فسخ نكاح من أصيب بالإيدز ووصل إلى ما سماه خلاصة القول في المذاهب المختلفة كما يلي (باختصار وتصرف ....) .
стр. 15921
خلاصة القول في مذهب الحنفية:
لا يجوز عند الحنفية لأي من الزوجين فسخ عقد النكاح إذا كان الزوج الآخر مريضًا بالإيدز وهذا القول هو العمدة في المذهب الحنفي وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله (لأن الأسباب التي تبيح الفسخ من الزوجة عندهما محددة) أما محمد بن الحسن الشيباني من أئمة الحنفية فإنه يعطي للزوجة حق الفسخ إذا كان زوجها مصابًا بهذا المرض (أي الإيدز) ، ولا يعطي هذا الحق للزوج إذا كانت الزوجة هي المصابة به (لأن بيده عقدة النكاح ويستطيع أن يطلق متى شاء) .
مذهب المالكية والشافعية والحنابلة:
من خلال البحث في العيوب التي يجوز أن يفسخ بها النكاح عند المذاهب الثلاثة يرجح الباحث أن مرض الإيدز من الأمراض التي يجوز لكل واحد من الزوجين أن يفسخ به النكاح في المذاهب الثلاثة والإصابة بالإيدز والهربز ونحوهما أشد ضررًا من الجذام والبرص والجنون والعذيطة (١) ، والناسور والقروح السيالة في الفرج والخصاء ... إلخ التي ذكرها الفقهاء وأباحوا بها الفسخ. ويمكن تقسيم العيوب التي يجوز بها الفسخ عند الفقهاء إلى قسمين:
القسم الأول: يضم العيوب الجنسية مثل المجبوب والمخصي والعنين بالنسبة للرجل وانسداد الفرج بالنسبة للمرأة وهو ما يعرف بالرتق، أو أن يوجد في الفرج عظم يمنع الوطء، ويسمى قرنًا، أو أن يوجد في الفرج لحم يمنع الوطء ويسمى عضلًا. وكلها عيوب تمنع الوطء. وألحقوا بها الفتق ويعرفونه بأنه انخرام ما بين السبيلين أو انخرام ما بين مخرج البول والمهبل، وهو ما يعرف في الطب اليوم باسم الناسور المهبلي الشرجي أو الناسور المهبلي المثاني أو الإحليلي Ano or Recto vaginal , vagino vesical or Uretheral fistula كما ألحقوا بها العذيطة.
стр. 15922
القسم الثاني: الجنون والجذام والبرص وأضاف بعضهم البخَر في الفم والفرج والقرع والكساح، وكل عيب مستحكم منفر، ومن هؤلاء الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. قال ابن القيم في زاد المعاد: (والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار) (١) . وقال: (يردُّ النكاح من كل داء عضال) .
وذكر ابن القيم أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أيما امرأة تزوجت وبها جنون أوجذام أو برص، فدخل بها، ثم اطلع على ذلك، فلها مهرها بمسيسه إياها، وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره. وذكر عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها، إن شاء أمسك وإن شاء طلق، وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها.
وذكر الدكتور عمر الأشقر الفروق بين الطلاق والفسخ فذكر تعريف الفقهاء للطلاق مثل قولهم: الطلاق حل عقدة النكاح بلفظ الطلاق ونحوها. وفي الطلاق للمرأة المهر والمتعة في العدة إذا تم ذلك بعد الدخول فإن طلقها قبل أن يمسها فلها نصف الصداق المسمى فإن لم يكن قد سمى الصداق وحدده فلها المتعة قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦ – ٢٣٧] .
وأما الفسخ بسبب عيب علم به الزوج قبل الدخول فلا يلزم الزوج شيء: لا نصف المهر ولا المتعة..وأما إذا علم به بعد الدخول بها فلها المهر بما مسها به ويعود به على من غره. أي أن الولي الذي غره (أو غيره) عليه أن يدفع للزوج ما دفعه من مهر. والمهر للزوجة بعد الدخول ثابت سواء كان العيب فيه أم فيها.
стр. 15923
ولكن إن كان العيب فيها ولم يعلم بذلك إلا بعد الدخول فإنه مُغرر به. ويقع الصداق (المهر) على من غرَّه. فإن كان الذي غرَّه الولي عاد به على الولي وإن كانت الزوجة هي التي غرته وبها عيب مما يخفى على الولي فهي التي تتحمل ذلك، وإن كان غيرهما تحمَّل الذي غرَّ الصداق.
وقد اكتفى المجمع الفقهي بالكلام المجمل دون أن يدخل في التفاصيل حيث قرر: (أن لكل من الزوجين حق طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الإيدز باعتبار أن الإيدز مرض معد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.) ويكون بذلك قد أخذ برأي جمهور الفقهاء وهم الشافعية والحنابلة والمالكية، ولم يدخل في التفاصيل الفقهية المتشعبة لهذه القضية وأجل ذلك إلى الدورة التاسعة للمجمع الفقهي التي ستعقد عام ١٤١٥ هـ.
اعتبار الإيدز مرض موت
هل يعتبر الإيدز مرض موت؟ وبالتالي تتحدد تصرفات الشخص بحيث لا يضر الورثة والدائنين. ولا تنفذ تلك التصرفات وتصبح باطلة؟
لقد بحث الفقهاء المجتمعون في الندوة الفقهية الطبية السادسة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي هذه النقطة، وكان قراراهم فيها كالتالي: (لا يعد الإيدز مرض موت شرعًا إلا إذا اكتملت أعراضه، وأقعد المريض من ممارسة الحياة العادية واتصل بالموت) .
وقد عرف الفقهاء مرض الموت بأنه: (المرض المخوف الذي يتصل بالموت، ولو لم يكن الموت بسببه وهو تعريف الإمام الشافعي) (١) وكما يقول الدكتور نزيه حماد في بحثه (أثر مرض الإيدز في تقييد التصرفات في الفقه الإسلامي) المقدم للندوة المذكورة أعلاه: (لا بد لتحقق وصف مرض الموت أن يتوافر فيه وصفان:
стр. 15924
أحدهما: أن يكون مخوفًا، أي يغلب الهلاك منه عادة أو يكثر. قال النووي: المرض المخوف هو الذي يخاف منه الموت لكثرة من يموت به) (١) . وقال ابن تيمية: ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت.. وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت فيضاف إليه ويجوز حدوثه عنده. وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه (٢) .
الثاني: أن يتصل المرض بالموت سواء وقع الموت بسببه أم بسبب آخر خارجي عن المرض كقتل أو غرق أو حريق أو تصادم أو غير ذلك (٣) والمريض ما دام حيًا لا يجوز لدائنيه أو لورثته الاعتراض على تصرفاته لجواز أن يشفى من مرضه، أما إذا انتهى المرض المخوف بالموت فتبين عندئذ أن التصرف قد وقع في مرض الموت وبالتالي يعود الورثة أو الدائنين بأثر رجعي لإبطال تلك التصرفات الضارة بهم) (٤) .
يقول الدكتور نزيه حماد: (وإنما اشترط الفقهاء لتحقق مرض الموت أن يجتمع فيه الوصفان المشار إليهما، واعتبروهما مناطًا للتعليل يدور معهما الحكم وجودًا وعدمًا لأن قيام هاتين العلامتين يدل على أن المريض في حالة نفسية ويستشعر فيها دنو أجله، واقتراب منيته، وأنه مشرف على الموت، مما قد يبعثه على إبرام تصرفات قد تضر بحقوق دائنيه وورثته. وذلك هو السبب في تقييد الشارع لتصرفاته التي تمس بحقوقهما، وجعل أحكاما خاصة لها بحسب نوع التصرف وما ينتج من آثار) .
وقد أدخل الفقهاء في حكم مرض الموت التحام القتال فتوقع الهلاك أشد من المرض المخوف، والأسير المحبوس إذا كان من العادة أن يقتل، وإذا ركب البحر وتموج واضطرب وهبت الريح العاصف وخيف الغرق فهو مخوف.. والمرأة الحامل عند الطلق (لأن الولادة كانت مخوفة ويهلك الكثير من النساء بسببها. أما اليوم فلم تعد كذلك إلا حالات نادرة محددة) .
стр. 15925
ومرض الموت لا ينافي الأهلية وذلك لعدم منافاة المرض المخوف لفهم الخطاب التشريعي، ولهذا صح نكاح المريض عند جمهور الفقهاء وطلاقه وإسلامه وعتقه. وتنعقد جميع التصرفات التي تنشئها. ولكن نظرًا لكون مرض الموت سببًا لتعلق حق الوارث والغريم (الدائن) بالمال كان من أسباب حجر المريض عن التبرعات: وهو في حق الوارث ما زاد عن الثلث (لأن من حق الشخص أن يوصي بثلث ماله) . وأما في حق الغريم الدائن فجميع المال إن كان الدين مستغرقًا لماله كله، وبما يفي الدين إن لم يكن مستغرقًا.
ولا يؤثر المرض في الحجر على المريض فيما لا يتعلق به حق الوارث والغريم كما يقول الدكتور نزيه حماد. وله أن يصرف ماله فيما يتعلق به حاجة أصلية للمريض كالنفقة وأجرة الطبيب وأجرة المسكن، والنكاح بمهر المثل على الراجح من أقوال الفقهاء.
ثم قال: (وما ذكرنا من أن المريض مرض الموت يعتبر محجورًا عليه حجرًا جزئيًا يمنع نفاذ تصرفاته الضارة بحقوق دائنيه أو ورثته هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، خلافًا لابن حزم الظاهري الذي اعتبر المريض كالصحيح في تصرفاته كلها دون أي فرق... على أن تعلق حقوق هؤلاء (أي الورثة والدائنين) بسبب المرض لا يمنع أن يكون للمريض حق في ماله. لذلك اعتبر حق المريض في حاجاته الأصلية ومصالحه الضرورية مقدمًا في ماله على حقوق غيره من دائنين وورثة، فله أن ينفق من ماله أثناء مرضه على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم بالمعروف من طعام وشراب وملبس ومسكن وأجرة طبيب وثمن دواء ونحو ذلك، لأن نفقة الإنسان حال حياته مقدمة في ماله على سداد ديونه دفعًا لهلاكه وحفظًا لكرامته. وأيضًا فإن من حقه أن يعقد العقود ويجرى التصرفات المالية، وتكون صحيحة ونافذة إن لم تمس بحقوق الدائنين والورثة. وليس لأحد منهم حق الاعتراض عليه أو منعه لأن من حق المريض تنمية ماله وتكثيره) .
وبما أن المصاب بفيروس الإيدز يمر بمراحل متعددة، ويكون في فترة الكمون وكأنه لا مرض به على الإطلاق. ثم عند بداية ظهور الأعراض الأولية، وحتى عند ظهور مرض الغدد اللمفاوية المنتشر، فإن حالة هذا الشخص تعتبر عادية ولا تدخل في حالة مرض الموت. فإذا ما وصل إلى ظهور الأمراض الانتهازية والأورام الخبيثة وانخفضت الخلايا اللمفاوية من نوع T٤ (CD٤) إلى ٤٠٠ فما دونها، فإنه يكون آنذاك قد دخل في مرحلة المرض المخوف المؤدي إلى الموت... ولم يسجل الطب أن شخصًا وصل إلى هذه المرحلة شفي منها قط. بل يسير حثيثًا إلى نهايته المحتومة.. ولذا فإن مرض الموت ينطبق عليه تمام الانطباق.
стр. 15926
الملاحق
محلق رقم (١) : قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الإيدز.
ملحق رقم (٢) : قرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الكويتية.
ملحق رقم (٣) : توصيات المشاورة الإقليمية لمكتب منظمة الصحة العالمية (شرق البحر الأبيض المتوسط) بشأن دور الدين والأخلاقيات في مجال الوقاية من الإيدز والأمراض المنقولة جنسيًا، ومكافحتها.
ملحق رقم (١)
قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الإيدز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٨٦ / ١٣ /د
بشأن: (مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز))
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ – ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)) .
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
١- بما أن ارتكاب فاحشتي الزنا واللواط أهم سبب للأمراض الجنسية التي أخطرها الإيدز (متلازمة العوز المناعي المكتسب) ، فإن محاربة الرذيلة وتوجيه الإعلام والسياحة وجهة صالحة تعتبر عوامل هامة في الوقاية منها. ولا شك أن الالتزام بتعاليم الإسلام الحنيف ومحاربة الرذيلة وإصلاح أجهزة الإعلام ومنع الأفلام والمسلسلات الخليعة ومراقبة السياحة تعتبر من العوامل الأساسية للوقاية من هذه الأمراض.
стр. 15927
ويوصي مجلس المجمع الجهات المختصة في الدول الإسلامية باتخاذ كافة التدابير للوقاية من الإيدز ومعاقبة من يقوم بنقل الإيدز إلى غيره متعمدا. كما يوصي حكومة المملكة العربية السعودية بمواصلة تكثيف الجهود لحماية ضيوف الرحمن واتخاذ ما تراه من إجراءات كفيلة بوقايتهم من احتمال الإصابة بمرض الإيدز.
٢- في حالة إصابة أحد الزوجين بهذا المرض، فإن عليه أن يخبر الآخر وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة.
ويوصي المجمع بتوفير الرعاية للمصابين بهذا المرض.
ويجب على المصاب أو حامل الفيروس أن يتجنب كل وسيلة يعدي بها غيره، كما ينبغي توفير التعليم للأطفال الذين يحملون فيروس الإيدز بالطرق المناسبة.
٣- يوصي مجلس المجمع الأمانة العامة باستكتاب الأطباء والفقهاء في الموضوعات التالية، لاستكمال البحث فيها وعرضها في دورات قادمة:
أ- عزل حامل فيروس الإيدز ومريضه.
ب- موقف جهات العمل من المصابين بالإيدز.
ج- إجهاض المرأة الحامل المصابة بفيروس الإيدز.
د- إعطاء حق الفسخ لامرأة المصاب بفيروس الإيدز.
هـ – هل تعتبر الإصابة بمرض الإيدز من قبيل مرض الموت من حيث تصرفات المصاب؟
و أثر إصابة الأم بالإيدز على حقها في الحضانة.
ز- ما الحكم الشرعي فيمن تعمد نقل مرض الإيدز إلى غيره؟
ح- تعويض المصابين بفيروس الإيدز عن طريق نقل الدم أو محتوياته أو نقل الأعضاء.
ط- إجراء الفحوصات الطبية قبل الزواج لتجنب مخاطر الأمراض المعدية وأهمها الإيدز.
والله أعلم.
стр. 15928
محلق رقم (٢)
قرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي
ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الكويتية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.
إن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لتحمد الله جلت قدرته على فضله ونعمته أن استأنفت نشاطها في مجالاتها المختلفة وأداء الرسالة الملقاة على عاتقها، والنهوض بما يستوجبه نظامها الأساسي وذلك إثر توقف قهري بسبب الاحتلال العراقي، وما لحق مقر المنظمة من تخريب وتدمير وإتلاف على يد قوات الاحتلال العراقي الغادر.
وإن المنظمة كانت لتواصل مسيرتها لولا عون من الله ثم الدعم المستمر والتأييد المتصل الذي تلقاه من لدن صاحب السمو أمير البلاد وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والحكومة الرشيدة ووزارة الصحة ممثلة بوزيرها والمسؤولين فيها.
وبحمد الله وحسن توفيقه بدأت المنظمة أولى خطواتها بعد التحرير حيث تم انعقاد (الندوة الفقهية الطبية السادسة) وموضوعها:
(رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز)
بالتعاون مع وزارة الصحة – مجمع الفقه الإسلامي بجدة – والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية في الفترة من ٢٣ – ٢٥ جمادي الآخر ١٤١٤ من الهجرة التي توافقها ٦ –٨ ديسمبر ١٩٩٣ للميلاد، وذلك تحت رعاية حضرة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير البلاد.
стр. 15929
وقد شارك في أعمال الندوة ما يربو على ١٣٠ شخصا من الفقهاء والأطباء والعلماء الذين قدموا من أكثر من ثلاث وعشرين دولة.
عقد حفل الافتتاح بقاعة الاجتماعات الكبرى بمقر المنظمة بمركز المرزوق للطب الإسلامي شهده عدد كبير من المسؤولين في الدولة والسفراء وجمع غفير من المهتمين بالأمور الفقهية والشؤون الطبية، وقد استهل الحفل بتلاوة من القرآن الكريم أعقبها كلمة مندوب صاحب السمو أمير البلاد راعي الحفل والتي ألقاها سعادة الدكتور وزير الصحة الدكتور عبد الوهاب سليمان الفوزان ثم كلمة للأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة تلتها كلمة منظمة الصحة العالمية ألقاها الدكتور محمد هيثم الخياط، وكان ختام الحفل كلمة رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية سعادة الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي.
وقد تشرف أعضاء مجلس أمناء المنظمة وعدد من المشاركين في الندوة بمقابلة صاحب السمو أمير البلاد ومقابلة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وقد ألقى عدد من المشاركين كلمات امام صاحب السمو أشادوا بانجازات المنظمة في السنوات السابقة وأشادوا بدعم سموه وسمو ولي العهد وتعاون وزارة الصحة في تعزيز أعمالها ثم استمعوا إلى توجيهات وإرشادات سمو الأمير وسمو ولي العهد.
ثم بعد ذلك واصلت الندوة أعمالها في فندق ميريديان، وكانت ذات شقين:
أولا: الجوانب الطبية لمرض الإيدز من حيث أسبابه وطرق انتقاله وخطورته.
ثانيا: الجوانب الفقهية وتشتمل على:
أ- حكم عزل مريض الإيدز.
ب- حكم تعمد نقل العدوى.
ج- حقوق الزوجة المصابة وواجباتها.
د- حق الزوجة غير المصابة في طلب الطلاق وحق الزوج المصاب في المعاشرة.
هـ- اعتبار مرض الإيدز مرض موت.
وعلى مدى ثلاثة أيام استغرقتها الندوة في الأبحاث والمناقشات انتهت في جلستها الختامية التي عقدتها في مركز الطب الإسلامي إلى الآراء والتوصيات التالية:
стр. 15930
أولا – عزل المريض:
تؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حاليا أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري (الإيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة أو التنفس أو الحشرات أو الاشتراك في الأكل أو الشرب أو المراحيض أو حمامات السباحة أو المقاعد أو أدوات الطعام أو غير ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تنتقل العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:
ا- الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
٢- نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
٣- استعمال المحاقن الملوثة، ولاسيما بين متعاطي المخدرات.
٤- الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها.
بناء على ما تقدم فإن عزل المصابين من التلاميذ أو العاملين أو غيرهم عن زملائهم الأصحاء ليس له ما يسوغه.
ثانيا – تعمد نقل العدوى:
تعمد نقل العدوى بمرض الإيدز إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامه الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.
فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذه المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعا من الحرابة والإفساد في الأرض ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] .
وإن كان قصده متعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وكانت طريقة الإعداء تصيب به غالبا وانتقلت العدوى وأدت إلى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصا.
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وتمت العدوى ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية.
وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.
ثالثا – إجهاض الأم المصابة بعدوى الإيدز:
كانت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية قد عقدت ندوة حول الإنجاب في ضوء الإسلام، وتوصلت في موضوع حكم الإجهاض إلى ما يلي:
- (أن الجنين حي من بداية الحمل، وأن حياته محترمة في كافة أدوارها، خاصة نفخ الروح، وأنه لا يجوز العدوان عليها بالإسقاط إلا للضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض المشاركين فرأى جوازه قبل تمام الأربعين يوما وخاصة عند وجود الأعذار) .