← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وبما نقلنا عن ابن عابدين من أن الإمام الشافعي يوافق الأئمة الثلاثة فيما إذا ثبتت الرؤية عند حاكم يرى أن لا عبرة لاختلاف المطالع، فأمر به وأبلغه إلى أهل المطالع الأخرى كما حكاه عنه ابن حجر وارتضاه، يتقرر إجماع الأئمة الأربعة على أن اختلاف مطالع القمر لا يعتبر شرعًا إذا نقل حكم الحاكم الشرعي ببدء الشهر ووجوب الصيام والإفطار والحج والأعياد، ومن الخير أن ننقل هنا بعض ما كتب الأستاذ الشيخ محمد أبو العلا البنا، مدرس الفلك بكلية الشريعة بجامعة الأزهر، بصدد بيان أن العلوم الفلكية تؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية. قال: إن جميع الحكومات الإسلامية تقع ما بين شاطئ آسيا الشرقي وشاطئ إفريقيا الغربي أعني من خط ١٢٠ شرق جرينتش إلى خط ١٥ غرب جرينتش مقدار ٩ ساعات من٢٤ تتم دورة اليوم بقسميه الليل والنهار حول الأرض من الشرق إلى الغرب. إذا علمنا ذلك تأكدنا أن بدء الدورة اليومية الإسلامية من هذا الخط يكون طبيعيًا بالنسبة لبدء حكومات الإسلام من جهة الشرق، فتجتمع كلها في يوم واحد دون تفرقة، إذ يبدأ اليوم الأسبوعي والتاريخ للعالم الإسلامي كله من أبعد البلاد الإسلامية شرقًا وهي الفلبين وأندونيسيا والملايو قبل جرينتش بـ ٨ ساعات وقبل العراق والباكستان بـ ٥ ساعات، وقبل مصر والسودان بـ ٦ ساعات، وقبل تونس بـ ٧ ساعات، وقبل مراكش التي هي أبعد البلاد الإسلامية غربًا بـ ٩ ساعات.

стр. 1647

ومعلوم أن تأخير إعلان وجوب الصيام أو الإفطار بقدر هذه الأجزاء من اليوم لا يقدح في مشاركة جميع الحكومات في نفس اليوم والتاريخ بمعنى أنه لو فرض أن الهلال لم يتكامل ليصلح للرؤية إلا في مراكش آخر الحكومات الإسلامية جهة الغرب وفيها رئي وشهدت الشهود وأثبت قاضيها الشهر وأبرقت حكومتها بذلك إلى جميع الحكومات شرقًا وهي الفلبين وأندونيسيا والملايو بعد المغرب فيها بنحو ٩ ساعات بمعنى إن إذاعة الرؤية وبثبوت الشهر من مراكش عقب مغربها إنما تسمع في أندونسيا بعد مغربها هي بتسع ساعات أي قبل شروق الشمس فيها بثلاث ساعات، ضرورة أن ليلها دائمًا ١٢ ساعة، لوجودها على خط الاستواء تقريبًا أي قبل الفجر عندهم بنحو ساعة ونصف ساعة ومعلوم أن هذه المدة كافية لما يلزمهم من سحور وعقد النية على صيام هذا اليوم مع مراكش، وأما غير أندونيسيا من كل حكومة شرق مراكش كالعراق ومصر والجزائر فمن باب أولى. وأما وحدة هذا اليوم في باقي بلاد الدورة من سطح الأرض كأمريكا فأمرها ظاهر، إذ أنهم وقت هذه الإذاعة من مراكش كانوا في عصر اليوم السابق أو في ظهره أو في شروقه مثلًا، وحينئذ يستقبلون هذا اليوم الجديد من أوله دون تغيير في اسمه أو في تاريخه. وأما أهل البلاد القطبية التي تنعدم فيها علامات أوقات الصلوات اليومية لدوام النهار أو الليل أكثر من ٢٤ ساعة في بعض السنة، فيدقون بدء الشهر عندهم بزمن مبدئه في العواصم المشهورة على خطوط أطوالهم كخط طول القاهرة مثلًا، فالبلاد القطبية التي عليه تجعل مبدأ الشهر عندها كأهل القاهرة، إما من ساعة المغرب في أقرب البلاد المعتدلة إليهم، وإما من ساعة المغرب لخط الاستواء، أعني رجوعهم إلى أعدل الأيام.

стр. 1648

الفصل الثالث طرق إثبات الشهر بالحساب الفلكي من المفيد قبل أن ننقل آراء أئمة الفقه الإسلامي في صحة الاعتماد على الحساب الفلكي وبيان الراجح منها، أن نبين أنواع الحساب الفلكي حتى نحرر محل النزاع، ونبين الحساب الذي هو مراد لمن قال بجواز الاعتماد على الحساب، ومما لا شك فيه أن الأشهر القمرية هي أجزاء السنة العربية القمرية التي تنقسم إليها دورة القمر باعتبار انتقالاته في منازله واجتماعه مع الشمس تارة ومفارقته لها تارة أخرى، فباعتبار انتقالاته في منازله تتغير أحواله ويختلف نوره زيادة ونقصًا ويجتمع مع الشمس ويفارقها اثنتي عشرة مرة، ليتكون منها اثنا عشر شهرًا قال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ويتم انتقال القمر في منازله ويقطع دورته في فلكه اثنتي عشرة مرة في السنة، فإذا اكتمل له اثنتا عشرة دورة اجتمع مع الشمس اثنتي عشرة مرة وتكونت السنة القمرية التي اعتبرها الشارع، وجعلها مدار الآجال الشرعية كتأجيل العنين وسن اليأس للنساء وغير ذلك، كما قال تعالى ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ولما كانت السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا وخمس يوم وسدس يوم، وعدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، فقد انقسم الفلكيون في تقدير الشهر إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: تجعل الأشهر من الوضع الاجتماعي للشمس والقمر إلى مثله، فإن القمر: يجتمع كما قلنا مع الشمس في كل شهر مرة فإذا فارقها فهو أول الشهر عندهم إلى أن ينتهي إلى مثل تلك الحالة، وقد يكون أثناء النهار، وقد يكون في أثناء الليل والشهر عند هؤلاء دائمًا تسع وعشرون وكسر نتيجة لقسمة عدد أيام السنة على ١٢، وهذا الطريق ألغاه الإسلام حيث قال الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ . ولقوله ﷺ : ((الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) وعقد الإبهام في الثالثة، هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين، يعني أن الشهر تارة يكون ٢٩ يومًا وتارة يكون ٣٠ يومًا لا يخرج عن هذين الأمرين ((فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) فاعتبر الرؤية فقط، بدليل قوله في أول هذا الحديث ((إنا أمة لا نكتب ولا نحسب)) فناط الحكم الشرعي بأمر مشاهد يتفق فيه الخاصة والعامة وجعل ما بعد مفارقته الشمس إلى تمام تسع وعشرين إن رئي الهلال، أو إلى تمام ثلاثين إن لم ير من الشهر الأول، وسواء رأيناه ليلة الثلاثين أو أكملنا ثلاثين فأول الشهر غروب الشمس من إحدى ليلتين، قال السبكي: واستفيد ذلك من إشارته ﷺ وقول الراوي عنه عشرًا وعشرًا وتسعًا، فإنه يقتضي دخول الليالي في حكم الأيام لأن حذف التاء يدخل على اعتبار الليالي وهي الأصل في التاريخ.

стр. 1649

الطريقة الثانية: أن يجبروا كسر اليوم كلما زاد على نصف يوم فيصير المحرم ٣٠ يومًا وصفر ٢٩ وربيع الأول ٣٠ وكذا على التوالي، ويسمى بالسير الوسطي الاصطلاحي، ومن هؤلاء من يبني تقويمه على جداول قديمة ويجعل المحرم وربيع الأول ورجب ورمضان وذا القعدة ثلاثين يومًا باستمرار، ويجعل باقي الأشهر تسعة وعشرين يومًا أبدًا إلا في السنة الكبيسة فيجعل ذا الحجة ثلاثين يومًا قال السبكي: وعلم الحساب يقتضي لأجل الكسر الذي ذكرناه في عدة أيام السنة القمرية وتكميله تارة أن تكون الأشهر الكاملة في السنة ستة والناقصة مثلها، وتارة أن تكون الكاملة سبعة والناقصة خمسة، فلا تكون الناقصة أكثر من ستة ولا الكاملة أكثر من سبعة، هذا أمر مقطوع به في علم الهيئة وليس في الشعر ما يرده، ومن المقرر عند الفلكيين أن الشهر بالوضع الاجتماعي الحقيقي يتقدم الشهر بالوضع الهلالي (من الرؤية إلى الرؤية) بيوم على الأقل وبيومين على الأكثر. وبعض علماء الفلك يبني تقويمه على حسابات الرصد، ولكنه يضم إلى ساعة الاجتماع ساعات يمكن أن يرى فيها الهلال اختلفوا في تقديرها، قال الشيخ طنطاوي جوهري: كذلك الحاسبون وإن اتفقوا تقريبا في زمن الاجتماع فهم يختلفون في تقدير الساعات التي تمر من حين الاجتماع إلى الرؤية من ٤ درجات إلى ١٢ درجة، وهي التي يقطعها القمر مبتعدًا عن الشمس صوب المشرق في نحو ٢٠ ساعة ونقل الشيخ محمد أبو العلا البنا عن الشيخ محمد بن جابر البناني أن القدماء -يعني اليونانيين قبل الإسلام- ما تكلموا في رؤية الهلال إلا بالقول المطلق، وهو أنه لا يمكن رؤيته لأقل من يوم وليلة، وعلق عليه بقوله: ومعلوم أن سبق القمر للشمس في ساعة يساوي نصف درجة تقريبًا وعليه فقول القدماء أن بين الاجتماع والهلال ٢٤ ساعة أو يومًا وليلة يساوي قول من قال بعدهم ١٢ ساعة، ثم نقل عن ابن سينا أن القمر لا يرى ألبته حتى يكون بينه وبين الشمس ١٢ درجة، وما كان دون ذلك لا يرى أو هو تحت شعاع الشمس فلا تلحقه الأبصار. والخلاصة: أن الوضع الهلالي لا يسبق الوضع الاجتماعي بل إن الوضع الاجتماعي يتقدم على الهلالي بيوم أو بيومين إذ إن القمر بعد مفارقته الوضع الاجتماعي لا بد أن يسبق الشمس بمسافة يتحول فيها نوره إلى جهة الأرض، فيرى حرف منه بعد غروب الشمس وهو الهلال، وهذا السبق يقدر بنحو ١٢ درجة تقريبًا تحتاج إلى مضي نحو ٢٤ ساعة. وأما العرب فكان بعضهم يعرفه برؤية الهلال نفسه، أو بمراقبة النجوم دون أن يعرف له أي حساب، وبعضهم كان يعرفه بالحساب الوسطي دون جبر الكسر فيكون الشهر ٢٩ يومًا وكسرًا دائمًا وبعضهم كان يجبر الكسر كما قدمنا، كما كانت هذه المعرفة تقريبية لا تحديدية عندهم جميعًا.

стр. 1650

قال ابن السبكي في رسالته العلم المنشور: وقالوا (علماء الفلك والهيئة) إذا كان قوس الرؤية ست درجات وقوس النور تسعًا وقوس المكث تسعًا استحالت الرؤية عادة، وإذا زادت كل واحدة من الثلاثة درجة أمكنت بعسر، وكلما حصلت الزيادة قوي الإمكان، وقال الشيخ طنطاوي جوهري في رسالته (الهلال) وهو بصدد الإجابة عن السؤال الثاني وهو (القمر بعد الاجتماع في كم ساعة يرى هلالًا) : ولما قابلت الشيخ أحمد موسى الزرقاوي وكلمته في هذا الأمر قال: بعض الفلكيين الذين وقعت كتبهم في أيدينا كابن الشاطر قالوا: لا يمكن أن يرى الهلال إذا مكث بعد غروب الشمس نحو ٥٠ دقيقة ويكون درج الشمس بنحو ١٢ درجة، قال: ومن المعلوم أن القمر يقطع الدرجة الواحدة في ساعة واحدة و ٤٩ دقيقة، فيكون ابن الشاطر لا يعتمد رؤية الهلال إلا بعد الاجتماع بـ ٤٨ ق ٢١ س، وخالفه ابن يونس المصري والسلطان ألفي بك السمرقندي والجمهور، فقالوا: إنه يرى بعد مبارحة الشمس بست درجات ومكث الهلال نحو ٢٥ دقيقة ثم قال لي: وعندي أنه متى فارق الشمس به نحو ٤ درجات ومكث نحو ١٦ دقيقة أمكنت الرؤية. أقول: وقد جاءني من مرصد حلوان أنه تمكن رؤيته بـ ١٢ درجة فلكية، ولا يقل الزمن عن عشرين ساعة فتكون أقوال علماء الفلك هكذا: ق س المرصد الفلكي بحلوان.. ٢٠ ابن الشاطر ٤٩ ٤١ السلطان ألفي بك ٥٤ ١٠ الزرقاوي المصري ١٦ ٠٧ الفلكيون الروسيون ٣٢ ١٤

стр. 1651

ثم قال: وقد ظهر أن الاعتبار في هذا مختلف من ٤ إلى ١٢ درجة، والحق أنه يختلف باختلاف البقاع والزمان من صيف وشتاء وربيع وخريف، ولنرجح قول ابن الشاطر والمرصد الفلكي المصري، وقد نحا نحوها القلقشندي لأن صاحب الشرع أمر بالاحتياط في هذا المقام. وقد أطلنا بذكر اختلاف علماء الفلك والحساب أصحاب التقاويم القديمة والحديثة ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ويتبين الحق من الباطل، ولتعلم أن الخير فيما ارتضاه الشارع الحكيم: أن الشهر من الرؤية إلى الرؤية، وأن العبرة بالوضع الهلالي لا بالاجتماع الحقيقي الذي يتقدم به الشهر يومًا أو يومين، ولا بالاجتماع الوسطي الذي يجعل الأشهر الأولى ٣٠ يومًا والثانية ٢٩ لأن ذلك حساب تقريبي فقد ثبت بالرصد أنه قد تتوالى أربعة أشهر ثلاثين، وثلاثة أشهر ٢٩ ولا يتوالى أكثر من ذلك بحساب الرصد. وقال الشيخ أبو العلا في جواب السؤال الآتي: ما نوع الحساب المتبع في النتائج المصرية؟ إن حساب الشهور القمرية العربية المتبع نشرها في نتيجة الحكومة المصرية التي تحررها مصلحة المساحة، وغيرها كنتيجة الحلبي والزغبي والجنايني وغيرهم، مبني على (الوضع الاجتماعي) بمعنى أن يجعل فيه أول الشهر الليلة التي تلي الاجتماع مباشرة، وإن لم يمكث القمر فيها على الأفق بعد غروب الشمس غير دقيقة واحدة، وهذا الحساب الفلكي الاجتماعي كان هو المتبع لمعرفة أوائل الشهور القمرية في الأديان المتقدمة على الإسلام، كما كان معروفًا عند الأولين منهم بطريق تقريبية كطريق الأوساط عند المنجمين منهم، والمنازل عند العرب، وكانوا لا يبالون بأن هذه الطرق التقريبية تقدم الشهر يومًا أو تؤخره عن الاجتماع الحقيقي، وهي وإن أحكمت قواعدها بعد حتى صارت تنتج الاجتماع الحقيقي بالضبط إلا أن هذه الأحكام لم يخرجها عن دائرة النسخ الذي طرأ عليها في الإسلام باعتماد (الوضع الهلالي) بدل (الوضع الاجتماعي) بقوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) وليس أدل على أن المساحة تلتزم في حسابها لنتيجة الحكومة بدء الشهر بالوضع الاجتماعي من اعترافها نفسها في مبدأ هذه النتيجة بقولها: ويبدأ الشهر العربي من ليلة الاستهلال: وينتهي باستهلال الشهر التالي ويتعين الاستهلال شرعًا برؤية الهلال، ولما كانت رؤيته تتوقف على أمور متغيرة كعرض القمر، وحالة الجو، ودقة الهلال، ومقدار نوره، وغير ذلك، والحساب لا بد من أن يكون مبنيًا على أساس ثابت لذا اعتمد الحاسبون في تعيين أول الشهر على اجتماع الشمس والقمر، فإذا ما وقع الاجتماع كانت أول ليلة يغرب فيها القمر بعد غروب الشمس هي أول الشهر، وما قبلها يكون من الشهر الماضي، وهذا هو المتبع في حساب الشهور العربية في هذه النتيجة، وقد تتفق الرؤية مع الحساب، وقد يتقدم الحساب على الرؤية بيوم في الأكثر وبيومين في الأقل، ولا يمكن أن تتقدم الرؤية على الحساب.

стр. 1652

وقد حصر فقهاء الشريعة الإسلامية صفات القمر ليلة الثلاثين من الشهر الهلالي في ثلاث حالات بالاتفاق مع الفلكيين الشرعيين علماء الرصد والهيئة: أولها: تقطع فيها بوجود القمر فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس عقب الاجتماع مع القطع بامتناع رؤيته، وهنا يرد القاضي شهادة الرؤية، قال السبكي: وأجمع المسلمون فيما أظن على أنه لا حكم لما يقوله الحاسب من مقارنة القمر للشمس إذا كان غير ممكن الرؤية لقربه منها، سواء أكان ذلك وقت غروب الشمس أم قبله أم بعده. ثانيها: يقطع فيها بوجود القمر كذلك مع جواز رؤيته، وهنا يقبل القاضي شهادة الرؤية. ثالثها: يقطع فيها بوجوده كذلك ورؤيته معًا، بأن يبين الحساب الموثوق به أن الهلال واضح وضَّاء، وهنا محل خلاف العلماء في اعتماد الحساب مناطًا لإثبات الشهر عند الإغمام. ومما لا شك فيه أن الفلكيين الشرعيين في النهضة العلمية الإسلامية استعملوا قواعد حسابية مبرهنة، لمعرفة كل حالة من هذه الحالات للهلال في أول كل شهر، حتى مقادير نوره ونسبتها إلى البدر، وفتحة قوسه نحو الشمال أو الجنوب أو الأعلى، ومقدار مكثه وارتفاعه عن الأفق، وغير ذلك مما يحدد كل حالة من هذه الحالات الثلاث، ما يصحح الاعتماد على حساب الوضع الهلالي الحقيقي في إثبات كل من الحالات الثلاث بشروط: الأول: أن يكون من النوع الهندسي التحديدي المبرهن. الثاني: أن ينتج إحدى حالات الرؤية الثلاثة - الاستحالة والإمكان والوجوب- بحدودها وشروطها. الثالث: أن يتفق على استخراج هذه النتيجة عدد من الحاسبين يؤمن تواطؤهم على الخطأ بحيث يثق القضاء بها ولو ظنًا، ليتمكن من تطبيق حكمه عليها من رد الشهادة أو قبولها أو اجتهاده بثبوت الشهر. وبعد أن نقلنا إليك طرفًا من أقوال المنجمين والحسابين وأصحاب التقاويم قديمًا وحديثًا في تحديد أوائل الشهور العربية نسمعك آراء أئمة الفقه في صحة الاعتماد على الحساب الفلكي لنخلص بعد ذلك إلى ما هو أقرب إلى الحق وأشبه بالصواب في هذا الباب.

стр. 1653

الفصل الرابع في بيان آراء العلماء في الاعتماد على الحساب مذهب الحنفية: قال الشرنبلالي في مراقي الفلاح: واتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر على أنه لا اعتماد على قول المنجمين في هذا، وجاء في الفتاوى الهندية: هل يرجع إلى قول أهل الخبرة والعدول ممن يعرف علم النجوم؟ الصحيح أنه لا يقبل ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وقد حكى صاحب القنية في هذا الشأن أقوالًا ثلاثة، فنقل أولًا عن القاضي عبد الجبار وصاحب جمع العلوم أنه لا باس بالاعتماد على قولهم، ونقل ثانيًا عن ابن مقاتل: أنه كان يسألهم ويعتمد على قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم، ونقل ثالثًا عن شرح السرخسي: أنه بعيد. مذهب الشافعية: قال الباجوري في حشيته على ابن القاسم الغزي: ولا يجب الصوم بقول المنجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني، لكن له بل عليه أن يعمل بقوله وكذلك من صدقه، ومثل المنجم الحاسب وهو من يعتمد منازل القمر في تقدير سيره، وقال شمس الدين الرملي: للحاسب أن يعمل بحسابه ويجزيه عن فرضه على المعتمد، وإن وقع في المجموع عدم إجزائه عنه، قال: وقياس قولهم: إن الظن يوجب العلم أنه يجب عليه الصوم وعلى من أخبره وغلب على ظنه صدقه، ولا ينافي هذا ما تقدم من عدم وجوب الصوم بقول المنجم، لأن الكلام فيه بالنسبة للعموم والمنجم في معنى الحاسب، وإنما أناط الشارع وجوب الصوم برؤية الهلال ولم يعتبر قول الحاسب والمنجم للعموم رحمة بالمكلفين وتيسيرًا عليهم؛ لأن رؤية الهلال أمر ظاهر يعرفه كل أحد ولا يغلط فيه، بخلاف الحساب فإنه لا يعرفه إلا القليل من الناس، فاقتضت الحكمة الآلهية التخفيف على العبد وربط الأحكام بما هو متيسر على الناس من الرؤية أو إكمال الشهر السابق ثلاثين، وقال العلامة ابن السبكي في بيان معنى الحديث ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) إلخ ومعناه والله أعلم أن الشهر تارة يكون ثلاثين، وتارة يكون تسعًا وعشرين، وليس كما يقول أهل الحساب والنجوم، فإنه دائمًا عندهم تسعًا وعشرين وكسرًا، وقوله (إنا) يعني العرب، لأن الغالب عليها ذلك، وأن كان قد يعلم بعضهم الكتابة والحساب، وجعل ذلك علمًا في الشريعة على الشهر ليكون ضبطًا بأمر ظاهر يعرفه كل أحد ولا يغلط فيه، بخلاف الحساب فإنه لا يعرفه إلا القليل من الناس ويقع الغلط فيه كثيرًا، للتقصير في علمه، ولبعد مقدماته، وربما كن بعضها ظنيًا، فاقتضت الحكمة الإلهية التخفيف علن العباد وربط الأحكام بما هو متيسر على الناس من الرؤية أو إكمال العدد ثلاثين، ليس معنى الحديث النهي عن الكتابة والحساب، ولا ذمهما وتنقيصهما بل هما فضيلة فينا، وليس في الحديث أيضًا إبطال قول الحاسب في قوله: إن القمر يجتمع مع الشمس أو يفارقها، أو تمكن رؤيته أو لا تمكن رؤيته والحكم بكذبه في ذلك، وإنما في الحديث عدم إناطة الحكم الشرعي وتسمية الشهرية، وأجمع المسلمون فيما أظن على أنه لا حكم لما يقوله الحاسب من مفارقة الشمس إذا كان غير ممكن الرؤية لقربه منها سواء كان ذلك وقت غروب الشمس أم قبله أم بعده، وما اقتضاه إطلاق الماوردي والروياني والرافعي من خلاف في ذلك ليس بصحيح، وإنما اختلفوا فيما إذا بعد عنها بحيث تمكن رؤيته وعلم ذلك بالحساب وكان هناك غيم يحول بيننا وبينه، فذهب ابن سريج والقفال والقاضي أبو الطيب من أصحابنا وجماعة من غير أصحابنا إلى جواز الصوم بذلك لمن عرفه، وبعضهم لمن عرفه ولمن قلده، وبعضهم إلى جواب الصوم بذلك على من عرفه وبعضهم على من عرفه ومن قلده، وذهب الجمهور من أصحابنا وغيرهم إلى أنه لا يعتمد ذلك أصلًا لا في الوجوب ولا في الجواز، ولا في حق نفسه ولا في حق غيره، واستدل الأولون بالقياس على أوقات الصلاة، فإنه يعمل بالحساب فيها لا نعرف في ذلك خلافًا إلا وجهًا أشار إليه صاحب الفروع وأجاب الآخرون بوجهين: أحدهما أن الشارع أناط الحكم في الأوقات بوجودها قال ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ .

стр. 1654

وقال ﷺ : ((وقت الظهر إذا زالت الشمس)) وأناط في الهلال برؤيته فلم يعتبر وجوده في نفس الأمر، والثاني أن مقدمات الهلال أخفى ويكثر الغلط فيها بخلاف الأوقاف، ولا محذور في أن الهلال يعلم بالحساب وجوده وإن كان رؤيته ولا يكلفنا الشرع بحكمه، ولو عمل في الأوقات كذلك كان الحكم كذلك لكنه أناط بوجودها فاتبعنا في كل باب ما قرره الشرع فيه، والمسألة محتملة يحتمل أن يقال: إذا قوي اعتقاد بعده من الشمس وإمكان رؤيته جليًا وهناك غيم يغلب على الظن أنه هو الحائل المانع من الرؤية يقوى هنا جواز الصوم والقول بعدم الجواز في مثل هذه الحالة بعيد، نعم الوجوب يبعد. فأنا اختار في ذلك قول ابن سريج ومن وافقه في الجواز خاصة لا في الوجوب وشرط اختياري للجواز حيث ينكشف من علم الحساب انكشافًا جليًا مكانه، ولا يحصل ذلك إلا لما هو في الصنعة والعلم. مذهب المالكية: المشهور في المذهب أنه لا اعتبار بقول المنجم والحساب لسير الكواكب في ثبوت الهلال في حق نفسه ولا في حق غيره، ولو وقع في القلب صدقه، قال ابن عرفه: لا أعرفه (أي اعتبار قول المنجم) لمالك، وما روي عن مالك أنه يجيز العمل بقول المنجم في الصوم فهو رواية شاذة، وإن ركن إليها بعض البغداديين، بل نقل عن ابن نافع عن مالك في الإمام الذي يعتمد الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع، وحكى سند شارح المدونة الإجماع على ذلك، قال السبكي في رسالته العلم المنشور: "فصل" قال عدد من المالكية: لو كان الإمام يرى الحساب في الهلال فأثبت به لم يتبع الإجماع السلف على خلافه، واعترض السروجي بأنه يمكن أن السلف لم يعلموا به واكتفوا بالرؤية ولم يجمعوا على منع العلم به، وهذا الاعتراض جيد، ومن قال من أصحابنا وغيرهم بجواز الصوم أو وجوبه على من قلد الحاسب كيف يسلم ذلك؟ اهـ كلام ابن السبكي. وذكر القرافي أن الله لم ينصب خروج الأهلة من شعاع الشمس سببًا للصوم، بل نصب رؤية الهلال خارجًا عن شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي. وقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف عن مسائل الخلاف: ولا يعتبر بقول المنجمين في دخول وقت الصوم لقوله ﷺ : ((ومن صدق كاهنًا أو منجمًا فقد كفر لما أنزل على محمد)) وأقل ما في هذا التغليظ منع الرجوع إلى قولهم في الشرع.

стр. 1655

مذهب الحنابلة: قال صاحب المغني: وإن من بنى على قول المنجمين وأهل المعرفة بالحساب فوافق الصواب لم يصح صومه، وإن كثرت إصابتهم لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه، قال النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) وفي رواية: ((لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)) . مذهب الشيعة: ذهب ابن طاوس من الإمامية وحكي عن جماعة منهم أن علم الحساب وسير الكواكب من علوم الأنبياء، وأن من علمت إصابته وعدم خطئه أفاد قوله غلبة الظن فيعمل به، وذكر ابن طاووس أن مذهب السيد المرتضى وجماعة من الإمامية العمل بسير النجوم في الشرعيات ولم يعتمده جمهورهم ورموا السيد المرتضى بالتشديد، وأنه هو الذي لم يعمل بخبر الآحاد الصحيح، وأنه ابتلي بشيء من الجدل وهو في ذلك مخالف لشيخه المفيد. ومن ذلك تعلم مبلغ اختلاف أئمة الفقه الإسلامي سواء في ذلك الأئمة الأربعة وغيرهم في شأن الاعتماد على أقوال الحاسبين من علماء الفلك في تحديد أوائل الشهور، ووجهة كل منهم ومناقشتهم لوجهة نظر المخالفين. هذا وقد عني المرحوم الشيخ بخيت بنقل كثير من أقوال المختلفين في هذا الموضوع وناقشها وانتهى إلى اختيار القول بالعمل بالحساب الصحيح، وأيده في قوة بيان ونصوع حجة وسطوع برهان، ونسوق لك عبارته بتصرف بعد أن نقدم لك ما علق به قول ابن السبكي: "فاقتضت الحكمة الإلهية والتخفيف عن العباد وربط الأحكام بما هو متيسر على الناس من الرؤية أو إكمال العدد ثلاثين" قال ﵀: وليس الاعتماد على الحساب لبطلانه وعدم صحة مقدماته في الواقع ونفس الأمر وتزييفه وتكذيب قائله، بل لأن الشارع ألغاه في الحكم لما ذكرنا، والإلغاء شيء والإبطال شيء آخر، فإن الشارع ألغى أمورًا في موضع من غير أن يبطلها فقد ألغى إصابة القبلة إذا صلى بلا تحر واجتهاد، واعتبر الخطأ فيها إذا صلى بتحرٍّ واجتهاد عند اشتباهها عليه، وألغى العلم القطعي الذي يحصل للإمام أو القاضي من المشاهدة في إقامة الحدود والقتل، واعتبر الظن الذي يحصل له من شهادة الشهود، فمنعه من إقامتها في الأول وأوجب عليه إقامتها في الثاني، مع أن الأول من قبيل الحسن وهو يفيد العلم القطعي، والثاني من قبيل خبر الآحاد وهو لا يفيد إلا الظن، ثم قال: وقد قدَّمنا لك ما قاله صاحب الهداية في مختارات النوازل من أن علم النجوم في نفسه حسن غير مذموم إذ هو قسمان: حسابي وأنه حق وقد نطق به الكتاب قال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي سيرهما بحسبان والاستدلال بسير النجوم وحركة الأفلاك على الحوادث وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض الخ..

стр. 1656

ثم نقل ما قاله القشيري: وإذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلًا فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم، فإن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العد أو الاجتهاد أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه. قال ﵀ وأقول: مما يؤيد القول بالعمل بالحساب الصحيح أن أهل الشرع من الفقهاء وغيرهم يرجعون في كل حادثة إلى أهل الخبرة وذوي البصيرة فيها، فإنهم يأخذون بقول أهل اللغة في معاني ألفاظ القرآن والحديث وبقول الطبيب في إفطار شهر رمضان وغير ذلك كثير فما الذي يمنع من بناء إكمال شعبان ورمضان وغيرهما من الأشهر على الحساب والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة العارفين به إذا أشكل علينا الأمر في ذلك مع كون مقدماته قطعية وموافقة لما نطقت به آيات القرآن المتقدمة؟ ألا ترى أن الحاسب إذا قال بناء على حسابه إن الخسوف أو الكسوف يقع ساعة كذا من يوم كذا وقع كما قال قطعًا ولا يتخلف؟ خصوصًا وأن مبنى الحساب على الأمور المحسوسة والمشاهدة بواسطة الأرصاد وغيرها وقد يبلغ المخبرون بوجود الهلال وإمكان رؤيته عدد التواتر فيفيد خبرهم القاطع بوجود الهلال، وإمكان رؤيته لولا المانع، أو لا يبلغ المخبرون عدد التواتر، ولكنهم يكثرون إلى أن يفيد خبرهم غلبة الظن التي تقرب من اليقين فيطمئن القلب إلى صدق الخبر، ويبقى احتمال غيره كالعدم، ومما يؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وشهود الشهر إما بمعنى الحضور فيه وعدم السفر، وإما بمعنى العلم بوجوده، وهذا الثاني هو الظاهر من الآية فإن الشهود بمعنى العلم هو سبب وجود الصوم، وقوله تعالى ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ جاء مرتبًا عليه بإلغاء خبر لـ (مَنْ) أو وجوبًا للشرط، فيكون الظاهر من الآية أن كل من علم منكم بوجود الشهر المعهود وهو شهر رمضان وجب عليه صومه، ووجود الشهر شرعًا كما هو مقتضى الأحاديث بوجود هلاله بعد غروب الشمس بحيث يرى الناظر، فمن علم بوجود هلال الشهر بعد الغروب بأي طريق من طرق العلم الشاملة لغلبة الظن، سواء كان ذلك العلم برؤيته نفسه، أو بإخبار من يثق به برؤيته، أو بأمر القاضي بذلك وعلمه بأمره، أو بحساب فلكي دل على وجوده وإمكان رؤيته بلا عسر لولا المانع، وجب عليه الصوم فالذي يقتضيه النظر هو ما قاله القشيري كما تقدم من أنه دال الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا المانع كالغيم مثلًا، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية شرطًا في اللزوم.

стр. 1657

ثم قال: وتعليق الصوم والإفطار بالرؤية لا ينافي ذلك، لأن المقصود برؤيته ظهوره، حيث يرى كما قال القشيري، وليست حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم كما هو مقتضى الآية المتقدمة، فإن الأعمى والمحبوس ومن في حكمهم مكلفون بالصيام مع عدم تحقق حقيقة الرؤية في حقهم، فلا اعتبار بتعصب عدة من المتأخرين على القائلين بذلك كالسبكي وأمثاله، كما لا اعتبار بقول من قال بوجوب الصوم أو جوازه عند عدم إمكان رؤيته بعد غروب الشمس لأن ذلك مخالف لما اتفقت عليه كلمة المتقدمين من أنه لا يثبت الصوم لمجرد وجوده، إذا لم تتمكن رؤيته أو تعسرت، لاتفاقهم على أن الشارع قد أناط الحكم بالرؤية بعد الغروب، وإنما الخلاف بينهم في أنه تكفي رؤيته لولا المانع بأن دل الحساب على ذلك، أو لابد من رؤيته بالفعل ولم يكن السبكي مخترعًا القول بالاعتماد على الحساب بل ذلك قول فريق من العلماء منهم ابن سريج، ومطرِّف وابن قتيبة وابن مقاتل الرازي وهو من أصحاب محمد بن الحسن، وهو قول بعض كبار التابعين وكفى بأولئك قدوة، ثم قال: وماذا يصنع الذين لا يعتمدون الحساب في البلاد التي يستمر فيها طلوع الشمس وظهوره شهرين أو أكثر إلى ستة أشهر، ويستمر اختفاؤها كذلك؟ فهل يمكن لأهل تلك البلاد أن يصوموا برؤية الهلال بالفعل بعد الغروب، أو يمكن أن يقول أحد منهم أنهم غير مكلفين بالصوم إذا وافق رمضان شهرًا من الأشهر التي تظهر فيها الشمس أو تختفي فيها، مع أن القمر يجتمع مع الشمس كل شهر مرة ويفارقها؟ فإذا فارقها فهو أول الشهر القمري وذلك لا يختلف في جميع جهات الكرة الأرضية، وإنما الاختلاف في مدة ظهور الشمس ومدة اختفائها، ففي بعض الجهات يكون ظهور الشمس شهرين أو ثلاثة إلى أن يكون في بعضها ستة اشهر، تظهر فيها الشمس وتختفي في ستة أشهر، فالأشهر القمرية متحققة في كل جهة، والسنة القمرية كذلك، وبالجملة فالدورة اليومية والشهرية السنوية بجميع أقسامها لا تختلف في جميع أنحاء الكرة الأرضية، فكما أنه في كل دورة يومية تجب الصلوات الخمس وتقدر أوقاتها بالساعات الفلكية بحسب أقرب البلاد المعتدلة إلى أولئك، مع أنه لا زوال، ولا علامة من علامات أوقات الصلاة، فجميع علامات أوقات الصلاة مفقودة في الدورة اليومية في البلاد التي يستمر فيها ظهور الشمس أو اختفاؤها أكثر من أربعة وعشرين ساعة إلى ستة اشهر، كذلك الدورة الشهرية شمسية أو قمرية.

стр. 1658

والدورة السنوية شمسية أو قمرية موجودتان في جميع أنحاء الكرة، وقد ثبتت فرضية الصلوات على جميع سكان المعمورة بالكتاب والسنة والإجماع وأصبح ذلك معلومًا من الدين بالضرورة من غير اختصاص بأهل قطر دون قطر، بدون حصرها في أهل عصر دون عصر والآيات والأحاديث ظاهرة في تعلق الصلوات الخمس بأوقاتها وأن لكل صلاة وقتًا محددًا وعلى ذلك انعقد الإجماع، والزمان مقدار متجدد غير ثابت لا يدخل في حقيقته شيء من الألوان من الحمرة والصفرة والبيان والظلمة ولا الطلوع ولا الزوال والعشي والغروب ولا يتوقف على وجودها، وإنما هي أعلام معرفات لمضي الزمان وانقضاء المقدار المعين من الأوقات يتعرف بها حضور الأوقات التي جعلت بحكم الشرع مدارًا لأداء الصلوات ووجوبها قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ والمعنى والله أعلم أن الأهلة وما ماثلها من العلامات مواقيت للحج وما ماثله من العبادات، وأن هذا هو الذي يلزم المكلف السؤال عنه ومعرفته، لا ما سألوا عنه ولكن لا ينتفي شيء من ذلك بانتفائها، لأنها أعلام ومعرفات فقط، مثلها في ذلك العلامات التي توضع لبيان مقادير المسافات في الطرق، فمقادير المسافات على حالها بقيت تلك العلامات أو زالت، فالصلوات الخمس على هذا المنوال أديرت على أوقاتها ليتمكن العامة والخاصة من العلم بحضور الأوقات المعينة للصلوات ولم يجعل الشارع مدار العلم على الآلات الرصدية والعلوم الحسابية والساعات الفلكية، فإنها وإن كانت معرفة أيضًا لانقضاء الزمان وحضور الأوقات إلا أنها لا تتيسر لكل مكلف في كل موضع، ومما لا شبهة فيه أن الشارع أدار الحكم على تلك الأوقات باعتبار الغالب ولم يرد أن الصلوات تسقط إذا لم توجد تلك العلامات كما في بلاد القطبين، فتعين حينئذ أن نصير إلى معرف الآخر، لأن الشارع وإن لم يجعل مدار العلم بتلك الأوقات على علم الحساب لم يمنع من الاستدلال به على تلك الأوقات لمن يعرفها، لأنه معرف أيضًا، فعند عدم وجود تلك العلامات نقدرها بالساعات بحسب البلاد المعتدلة القريبة من البلاد التي لا توجد فيها تلك العلامات، وكذلك تكون خطابات الشارع الواردة في الصوم (التي جعلت الرؤية علامة للصيام والإفطار فيه والتي حددت وقت الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس) مبنية على الغالب، وإلا فهل يمكن لعاقل أن يقول بوجود الصوم من وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس في اليوم الذي تمكث الشمس فيه ظاهرة مقدار شهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر، عملًا بقوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أو يقول إنه يأكل ويشرب إلى طلوع الفجر إذا اختلفت الشمس شهرًا أو شهرين أو أكثر ووافق ذلك شهر رمضان.

стр. 1659

أم يتعين أن يقال: أن مثل هذا الخطاب مبني على الغالب، وكأنه قال: وأما الذين يستمر عندهم ظهور الشمس أو اختفاؤها أكثر من أربع وعشرين ساعة فيقدرون وقت الصوم ووقت الإفطار بالساعات بحسب أقرب الجهات المعتدلة إليهم، وذلك إنما يكون بالحساب بلا شبهة، فإن الشارع بنى أحكامه في بيان أوقات الصلاة والصيام على الغالب ولكن لم يهمل بيان حكم غير الغالب فقد أخرج مسلم في صحيحه من رواية يونس بن سمعان من حديث الدجال وفيه: ((قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكيفنا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له)) وكذلك عدة أحاديث غيره جاءت في هذا المعنى، فهل يمكن أن يقال إن معنى ((اقدروا له)) أتموه وكملوه كله بل يتعين أن يكون المراد: انظروا فيه وتدبروه حتى تعرفوا الأوقات وذلك يختلف باختلاف الناس ولا يلزم أن يكون كل الناس عارفين بالعلامات التي تدل على حضور الأوقات بل يكفي أن يعرف ذلك البعض ومن لم يعرف ممن يعرف، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . ألا ترى أن لو كان أهل البلد عميانًا ما عدا أفرادًا قلائل فإن هؤلاء المبصرين يعرفون علامات الأوقات ويخبرون الباقين فكذلك الخواص يعرفون العلامات بالحساب ويخبرون من لا يعرفون ومتى كانوا عدولًا وجب قبول خبرهم، ولاشك أن حديث الدجال، وإن كان مسوقًا لبيان حكم الصلاة في أيامه، ولكن علم أن مدار العبادات على الدورة اليومية والدورة الشهرية والدورة السنوية وبيان حكم الصلاة في أيامه مبين لحكمها فيما يماثل أيامه، والظاهر أن الشارع أشار إلى أن الأيام تختلف في الطول والقصر وأنها لا تتساوى في كل الأقطار بل يكون اليوم في بعضها كأسبوع وبعضها كشهر وبعضها كسنة، وأن حكم العبادات لا يختلف بسبب ذلك الاختلاف، ومما يرشد إلى ذلك اقتصاره في غاية الطول على سنة ولا يكون اليوم في الواقع ونفس الأمر أكثر من ذلك فإن غاية ما يكون ظهور الشمس ستة أشهر واختفاؤها كذلك فلا يتجاوز بنهاره وليله سنة أي دورة كاملة، وقد يتفاوت الليل والنهار طولًا وقصرًا في جهات الكرة الأرضية، ولكن لا يتجاوز هذا المقدار فإن الدورة لا تكون أكثر من سنة، فهذا كله يدل على أن الشارع لم يأمر بالصلاة لدلوك الشمس مثلًا ولا بالصوم لرؤية هلال رمضان، وغير ذلك من الأوقات التي جعلها علامات لأوقات العبادات إلا بناء على الغالب، ولتكون العلامات التي يُتعرف بها أوقات العبادات ظاهرة للخواص والعوام في غلب المعمورة، لا لأن العبادات تسقط إذا لم توجد تلك العلامات؛ لأن سقوطها لا يوجب سقوط نفس الأوقات فلا تسقط العبادات.

стр. 1660

ولا لأن الشارع يمنع الاعتماد على العلامة الأخرى التي تدل على تلك الأوقات أيضًا من آلات الرصد والحساب والساعات على أن الفقهاء كثيرًا ما اعتمدوا على الحساب في تقدير السنة القمرية التي قدروا بها مدة التأجيل في العنين وسن اليأس وغير ذلك، فقالوا: إن السنة القمرية المعتبرة في ذلك ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يومًا وخمس يوم وسدسه، وبعضهم قال ٣٥٤ يومًا تقريبًا وأن السنة الشمسية تزيد عنه عشر أيام وكسرًا وهذا لا يمكن الوقوف عليه إلا بالحساب وسير الشمس والقمر، فاعرف ذلك فإنك لا تجده في غير هذه العجالة. ولعلك بعد هذا البيان الواضح لا تجد في صدرك حرجًا من صحة الاعتماد على الحساب الموثوق بصحته والمبني على قواعد هندسية مبرهنة ولا سيما إذا قام به من يؤمن تواطؤهم على الكذب واتفقوا عليه، وأن ذلك الحساب يفيد علمًا لا يفيده خبر واحد يجوز أن يكون مخطئًا أو كاذبًا لحاجة في نفسه، وأن بناء الأمور الدينية على المتيقن الموثوق به خير من بنائها على ما هو دون ذلك بكثير مما يعتريه الوهم والغلط، لا سيما وأن الاعتماد على الحساب المستوفي للشروط التي تنتج صحته والوثوق به يجمع المسلمين على كلمة سواء ويوحد صفوفهم، ويؤلف بين قلوبهم ويجنبهم مغبة التنازع والاختلاف. ومما تقدم يتبين لنا جليًا أنه لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ما يدل على ذم الحساب وتنقيصه ونبذ العمل به كيف وقال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وقال ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ، وقال ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فأنت ترى أن الله قد حثنا على تعلم الحساب والعمل به، وقد سمعت مقالة صاحب الهداية: أن علم النجوم الحسابي حق موافق لما نطق به الكتاب وقول ابن طاووس: إن علم النجوم من علوم الأنبياء، وأما ما تعلق به البعض من مثل قوله ﷺ ((من أتى كاهنًا أو منجمًا فقد كفر بما أنزل على محمد)) فلا يصح الاستناد إليه؛ لأن ذلك المنهي عنه هو التخرصات والتكهنات التي يدعيها بعض محترفي علم النجوم مما يسمونه طوالع ويتكسبون به، ويوهمون به السذج وعباد الخرافات، ويزعمون أن هذا ما دلت عليه النجوم، وهو ما يسمى بعلم النجوم الاستدلالية أي يستدلون بمطالع النجوم على الحوادث المغيبة المستقبلة.

стр. 1661

ويقولون: سيموت فلان أو يتولى منصبًا خطيرًا أو ستكون السنة القادمة مجدبة، أو يعم الرخاء فيها، أو تغلو الأسعار أو ترخص مما تفنن فيه أصحاب التقاويم عندنا، وجعلوا ينظمون في ذلك أشعارًا مملوءة بالرموز والأحاجي والألغاز حتى تروج بضاعتهم ولا ينكشف أمرهم، فهذا هو الذي عناه الحديث بلفظ الناس عن التعلق بالأوهام والخرافات ويرتفع بمستواهم عن تصديق هؤلاء فيما اختص بالله به نفسه من علم الغيوب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . قال الغزالي: علم النجوم إذا أريد به موت فلان وحياة فلان وبطلوع نجم كذا يظهر موت فلان أو هلاك أمة أو ذهاب دولة فليس يقينيًا ولا ظنيًا، وقد دحضه الفارابي في كتاب الفصوص، وفرق بين القضايا الحسابية والحوادث الأرضية، وقال: من العجيب أن قال: إن مرور نجم كذا يوجب أن يحصل عنه حوادث لاتفاق اتفق فيجعل قاعدة عامة، فهذا القسم لا يقول به الشرع، فأما علم النجوم الذي يعرف به سير الكواكب والشمس والقمر وكذلك علم الهيئة فلن يكذبه الشرع بل يهتدي به إلى معرفة السنين والشهور وأوقات الصيام والحج ومواقيت الصلاة فإنكار هذا قصور وجهل، ولعل الذي حمل بعض العلماء على عدم التعويل على ما يقوله الحاسبون والمنجمون ما قدمنا من اختلاف طرائقهم مما جعله يرجع هذا الاختلاف إلى أن مقدماتهم ظنية غير يقينية وأنهم يخطئون ويغلطون كثيرًا وهذا ما صرح به كثير منهم في تعليل رده لأقوالهم كما قدمنا. وهذا إن صح بالنسبة للمنجمين والحاسبين فيكون فيما قبل عصر النهضة في الدولة العباسية أما في هذا العصر وما تلاه من الأعصر التي ظهرت فيها الاكتشافات العلمية الحديثة وأنشئت المراصد المجهزة بأحدث أجهزة الكشف في العواصم الإسلامية وغيرها فقد تقدم علم الفلك وعلم الهيئة تقدمًا ملحوظًا وتمكن العلماء من وضع قوانين هندسية مبرهنة لإنتاج مقادير الحركات الظاهرة للشمس والقمر وسائر الكواكب بالتحديد، مضربين عن القواعد الفلكية الحسابية القديمة لابتنائها على الأوساط التقريبية، قال الشيخ أبو العلاء البناء: إن مقدمات الحساب الفلكي لإثبات الشهر قبل الإسلام وإلى حياة النبي ﷺ عند جميع العالم كانت ظنية كلها غير يقينية الإنتاج كما قدمنا ودلت التواريخ ونصوص الفلكيين على ذلك، وهذا بعينه هو الذي حمل السبكي على أن يقول في رسالته العلم المنشور: وجعل الرؤية أو الإكمال علمًا على الشهر في الشريعة ليكون ضبطًا بأمر ظاهر يعرفه كل أحد ولا يغلط فيه، بخلاف (الحساب) فإنه لا يعرفه إلا القليل من الناس ويقع الغلط فيه كثيرًا للتقصير في علمه ولبعد مقدماته وربما كان بعضها ظنيًا فاقتضت الحكمة الإلهية والشريعة الحنفية السمحة التخفيف عن العباد وربط الأحكام بما هو متيسر على الناس منا لرؤية أو إكمال العدد ثلاثين.

стр. 1662

وقد أدركت الأمة من قديم أن الشهادة برؤية الهلال كثيرًا ما يعتريها الشكوك وتمازجها الأوهام فهذا أنس بن مالك يرى شعرة بيضاء ساقطة من حاجبيه فظنها الهلال، فلما رفعها إياس بيده قال: لا أنظره، ومن الشهود من يعتمد الكذب ليشتهر أو لإثبات عدالته أو للتقرب إلى الله جهلًا، ومنهم المخطئون لضعف الحاسة أو الوهم أو غير ذلك، فاستحسنوا الأخذ بالأسباب ليتبينوا أما إذا كانت الرؤية ممكنة أو غير ممكنة ليكون ذلك حصنًا يقي من غلط الحس أو تعمد الكذب ومن التنطع بالشهادة تقربًا إلى الله ونغير ذلك ولذا قال السبكي كما تقدم: وليس معنى الحديث ((إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب)) النهي عن الكتابة والحساب ولا ذمهما وتنقيصهما بل هما فضيلة فينا، وليس في الحديث أيضًا إبطال قول الحاسب إن القمر يجتمع مع الشمس أو يفارقها أو تمكن رؤيته أو لا تمكن والحكم بكذبه في ذلك، وإنما في الحديث عدم إناطة الحكم الشرعي بثبوت الشهر به. وإذًا فلا مناص لنا بعد الذي تقدم من الاعتماد على الحساب الفلكي إن لم يكن لإثبات الشهر به بادئ ذي بدء فلإثبات أن رؤية الهلال ممكنة أو غير ممكنة فتقبل الشهادة برؤيته ممن يشهد بذلك أن قرر علماء الفلك والحساب أنها ممكنة مع عدم المانع من غيم ونحوه، ولنردد هذه الشهادة أن قرروا أن الهلال يغرب قبل غروب الشمس أو بعدها بقليل بحيث تتعذر رؤيته، ولو بالنظارات المكبرة أو بآلات الرصد في أبعد البلاد نحو الراغب وهي مراكش كما يقولون. حقًا إن تقدم علم الفلك وبراعة علمائه وحسابهم الدقيق الذي يضبطون به أحوال القمر ومنازله، ويحددون به وقت ميلاده ومقدار ارتفاعه وغاية مكثه فوق الأفق، ويعرفون به بعد ما بينه وبين نقطة مغيب الشمس يمينًا أو شمالًا، مضافًا إلى ذلك ما أتيح لنا في هذا العصر من المخترعات الحديثة التي يسهل بها كشف الهلال في ليلته الأولى ومهما كان صغيرًا ودقيقا كل ذلك مما يساعد على إثبات الأهلة في ضبط ويسر وسهولة. وإذا كانت الشريعة السمحة لم تكلف الناس إلا بما يطيقون ولم تفرض عليهم في تحري الهلال أكثر من التماسه بالعين المجردة ولم تحتم عليهم أن يتكلفوا البحث عنه بوسائل أخرى رحمة بهم وتخفيفًا عليهم فإن ذلك لا يمنع أن تستخدم تلك الوسائل التي تسهل رؤيته والتثبت منه ما دامت موفورة ميسرة بل إني أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إنه يجب على الحكومات الإسلامية وجوبًا كفائيًا أيضًا - بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين- أن تلتمس الهلال بعد غروب يوم ٢٩ من كل شهر بحساب الرؤية مستخدمين كل الوسائل التي يسر الله بها أمر الرؤية في هذا الزمان فإنهم إن قاموا بهذا الواجب الديني مسترشدين بآراء الفلكيين السديدة الموثوق بها لا يمكن أن تفوتهم جميعًا رؤية الهلال متى كان نظام دورته يسمح برؤيته، وبهذا يقضى على عوام الاضطراب في إثباته وتتوحد كلمة المسلمين في جميع أنحاء المعمورة بشأن إثبات الشهور العربية وتحديد أوائلها ونهاياتها وتنحل تلك المشكلة المزمنة وتزول أسباب التفرق والاختلاف.

стр. 1663

الخاتمة في خلاصة البحث وبيان أيسر السبل لإثبات الأهلة تبين من كل ما تقدم في هذا البحث أن الراجح ما يأتي: أولًا: أن إثبات الشهور في حد ذاته من غير نظر إلى ما يتعلق به من حقوق العباد من باب الإخبار لا من باب الشهادة، وأنه لا يدخل تحت الحكم والقضاء، فلا تلزم فيه شروط الشهادة، ويستوي في المخبر أن يكون ذكرًا أو أنثى حرًا أو عبدًا، ولا يشترط مجلس الحكم ولا تقدم الدعوى، ولا قضاء قاض ولا لفظ: أشهد، ويكفي بأن يكون المخبر مستورًا غير ظاهر الفسق. ثانيًا: أن الشهور جميعًا سواء في حالة الصحو أو الغيم يكفي في إثباتها خبر الواحد متى غلب على الظن صدقه ولم يكذبه الحساب الموثوق به القاضي باستحالة الرؤية وأنه لا تشترط الاستفاضة ولا العدد الجم إلا عند مظنة الغلط أو الخطأ أو رجحان تهمة الكذب. ثالثًا: أنه لا عبرة لاختلاف المطالع، فإذا ثبت الشهر في أية حكومة إسلامية ونقل هذا الثبوت إلى سائر البلاد الإسلامية بطريق موثوق به فإنه يعم حكمه الجميع ما داموا مشتركين مع بلد الرؤية في جزء ولو يسير من ليلة الرؤية. رابعًا: أنه لا يصح التعويل في إثبات الشهور على قواعد الفلكيين القدماء فيما قبل عصر النهضة الإسلامية في العصر العباسي لأنها قواعد تقريبية غير متيقنة ولا منضبطة كما لا يصح التعويل على الجداول الفلكية التي تجعل بعض الشهور ثلاثين يومًا أبدًا وبعضها ٢٩ يومًا أبدًا فقد تبين خطؤها وأنه قد تتوالى أشهر كلها ثلاثون وأشهر كلها تسعة وعشرون. كما ثبت أن الحساب الفلكي المعمول به الآن في التقاويم الرسمية وغيرها لا يتفق مع الحساب الشرعي الذي يعتمد على القطع بالرؤية أو إمكانها على الأقل، لأن التقاويم الحالية تعتمد في تعيين أوائل الشهور على اجتماع الشمس والقمر فيجعلون أول ليلة يغرب يلفها القمر بعد غروب الشمس هي أول الشهر ولو استحالت الرؤية، ومن المقرر أنه قد يتفق الحسابان وذلك فيما إذا غرب القمر بعد الاجتماع قبل الشمس أو معها يكون أول الشهر الليلة التالية لليلة الواقعة بعد الاجتماع، وقد يتقدم أول الشهر بالحساب الفلكي والاجتماعي على أوله بالحساب الفلكي الشرعي المبني على إمكان رؤية الهلال بيوم في الأكثر أو بيومين في الأقل. ويلزم على الأخذ بهذه التقاويم تغيير أوقات العبادات عما حدده لها الشارع وبالتالي يلزم إحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فقد حرم الله صوم أيام العيدين وأيام التشريف وأحل الفطر في شعبان كما يلزم عليه أن يكون الوقوف بعرفة في غير التاسع وأن تذبح الأضاحي قبل وقتها.

стр. 1664

ويلزم على الأخذ بهذه التقاويم تغيير أوقات العبادات عما حدده لها الشارع وبالتالي يلزم إحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فقد حرم الله صوم أيام العيدين وأيام التشريق وأحل الفطر في شعبان كما يلزم عليه أن يكون الوقوف بعرفة في غير التاسع وأن تذبح الأضاحي قبل وقتها. خامسًا: أن الحساب الفلكي الشرعي المبني على الوضع الهلالي وإمكان رؤيته بعد غروب يوم ٢٩ من الشهر السابق بحساب الرؤية يصلح مناطًا مستقلًا لإثبات الشهر، كما اختاره طائفة من العلماء الأثبات ممن ذكرنا كالسبكي وابن سريج وابن مقاتل وغيرهم، ورجحه الشيخ بخيت المطيعي، وأن ذلك لا يتنافى مع أحاديث إثبات الشهور بالرؤية أو الإكمال بناء على أن المراد العلم بالرؤية حقيقتها، بدليل وجوب الصوم على الأعمى والمحبوس في المطمورة وسكان القطبين والبلاد التي في حكمها، وهم محرومون من الرؤية حتمًا ويدل على ذلك أيضًا ما جاء في بعض روايات الحديث من قوله ﷺ ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) فقد فسر من يرى من العلماء الأخذ بالحساب القطعي قوله ﷺ ((فاقدروا له)) بمعنى فانظروه وتدبروا فيه من قولهم: قدرت الأمر نظرت فيه، وتدبرته وذلك بالحساب عند من خصهم الله بهذا العلم، قال السبكي: والبحث في هذا الحديث في موضعين، أحدهما قوله ((فاقدروا له)) قال بعض من يقول باعتماد الحساب: معناه احسبوا له، ويكون معناه قدروه بالحساب والمنازل كما قال تعالى ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ قاله مطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين وابن سريج من الشافعية وابن مقاتل من أصحاب محمد بن الحسن وطائفة من المتأخرين قالوا: ولا يلزمنا مقال المازري من أن الناس لو كلفوا بالحساب ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد قلائل، لأنه إنما يلزم ذلك لو كلف عامة الناس بالحساب، ولم يقل بذلك أحد، بل الذي قلناه: إن قوله ﷺ ((فاقدروا له)) بالمعنى الذي اخترناه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقوله ((فأكملوا العدة ثلاثين يومًا)) كما في الرواية الأخرى خطاب للعامة.

стр. 1665

فالذين خصهم الله بهذا العلم يكون نظرهم بالطريق المقدور لهم، وهو طريق الحساب ويكون نظر العامة الذين لا يعرفون الحساب أو لا يقلدون من يعرفه بالطريق المتيسر لهم وهو الرؤية أو إكمال العدة، فلا تنافي بين الروايتين بل نحن ننزلهما على حالين مختلفين فنكون عاملين بهما. سادسًا: يجب وجوبًا كفائيًا كما قلنا أن يكون في كل حكومة إسلامية هيئة شرعية من مهمتها إثبات الشهور العربية بوجوه الإثبات المعتبرة شرعًا مع مراعاة الاتصال بالمراصد والفلكيين العدول الموثوق بهم في دينهم وعلمهم ليتحققوا من جواز الرؤية أو استحالتها حتى لا يقعوا في الخطأ ويثبتوا الشهر قبل موعده كما حصل في بعض السنين من قاضي الرؤية المنفرد بهذا الإثبات وترتب عليه صيام المسلمين يومًا من شعبان وفطرهم يومين من رمضان. سابعًا: ليتحقق الأمل المنشود وهو توحيد أوائل الشهور العربية في جميع البلاد الإسلامية يجب أن ينبه ناشرو التقاويم الرسمية وغيرها إلى أنه يلزمهم أن يبنوا تحديد أوائل الشهور القمرية على الوضع الهلالي الحقيقي فيكون أول الشهر هو أول ليلة يمكن أن يُرى فيها الهلال بعد الاجتماع وأن يراعوا خط عرض مراكش وهو ١٥ درجة (غرب جرينتش) لتكون تقاويمهم هلالية شرعية عالمية مساندة ومنظمة لعملية الرؤية في جميع الحكومات الإسلامية، والله الموفق للصواب.

стр. 1666

المناقشة توحيد بدايات الشهور القمرية ١٠ صفر ١٤٠٧ هـ / ١٣ أكتوبر ١٩٨٦ م استئناف الجلسة المسائية (بعد صلاة المغرب) الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين لدينا في هذه الجلسة المسائية إن شاء الله تعالى موضوعان: أحدهما أجهزة الإنعاش وسيؤخر إلى بعد ساعة ونصف تقريبًا حتى حضور الطبيب الذي سيكون بمعيتكم لإلقاء الأضواء الطبية على هذا الموضوع، وأما الآن فهو في مسألة "توحيد بدايات الشهور القمرية ومدى إثباتها بالحساب الفلكي" وأرجو أن نستمع إلى تلخيص من فضيلة الشيخ مصطفى كمال التارزي. وشكرًا. الشيخ مصطفى التارزي: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. سيدي الرئيس.. حضرات السادة الأكارم، إنكم على علم من أن موضوع توحيد بدايات الشهور القمرية درس في السنة الماضية من طرف مجمعكم الكريم، وألقيت فيه عدة دراسات علمية قيمة وزيادة في التحري فإن المجمع لم يأخذ قرارًا في هذا الموضوع بل أجل النظر فيه إلى الدورة الثالثة، وقد طلب مني أن أقدم عرضًا لجوانب هذا الموضوع حتى يكون هذا العرض منطلقًا للحوار وأخذ القرار الحاسم في الموضوع، وقد قسمت هذا العرض إلى خمسة عناوين: أولًا: المؤتمرات الإسلامية ومحاولتها التوحيد. ثانيًا: المنكرون للعمل بالحساب وحججهم على ذلك. ثالثًا: الحساب الفلكي هو غير التنجيم. رابعًا: القائلون باعتماد الحساب وحججهم. خامسًا: نتائج واقتراحات. حسبما أعلم فإن أول محاولة جدية في التوحيد كانت من الجامعة العربية التي أوصت في سنة ١٣٧٦ بالدعوة لعقد اجتماع بين المختصين من علماء المسلمين لبحث اقتراح توحيد أيام الصيام والأعياد في البلاد الإسلامية بطلب من الدولة الهاشمية الأردنية ومن الصدف الغريبة أن يجتمع مجمعكم هذا في عمان بعد واحد وثلاثين سنة ليأخذ قرارًا في هذا الموضوع ويستجيب لرغبة ملحة إسلامية تقدمت بها المملكة الأردنية الهاشمية.

стр. 1667

وفي سنة ١٣٨٢ أرسلت نفس الجامعة مذكرة أرفقت بها قرارات اللجنة الشرعية الفلكية التي كونها الأزهر الشريف لنظر في أمر توحيد مبدأ الشهور القمرية ومواقيت الصلاة، كما عقدت في تونس ندوة حضرها ثلة من رجال الاختصاص في الدين والفلك من أقطار العالم الإسلامي وذلك في سنة ١٣٨٤ بإشراف الشيخ محمد الفاضل بن عاشور مفتي الديار التونسية في ذلك الوقت. وأبرز القرارات الصادرة في هذا الموضوع هي قرارات مؤتمر معهد البحوث الإسلامية بالأزهر المنعقدة في سنة ١٣٨٦، وقرارات المؤتمر الإسلامي العالمي المنعقدة بكوالمبور بدولة ماليزيا في سنة ١٣٩٠، وقرارات مؤتمر وزراء الشئون الدينية والإسلامية والأوقاف المنعقدة بالكويت في محرم سنة ١٣٩٣، وقرارات مؤتمر اسطنبول المنعقدة في سنة ١٣٩٨، وآخر هذه القرارات هي قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة في شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١. أما مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر فقد قرر أن الرؤية هي الأساس لكن لا يعتمد عليها إذا تمكن فيها التهم تمكنًا قويًا، ومن هذه الأسباب مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به، فكانت الفقرة الثانية من التوصيات على الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات دخول الشهر إذا لم تتحقق الرؤية ولم يتيسر الوصول إلى تمام الشهر ثلاثين يومًا. ومؤتمر ماليزيا ورد في توصياته أنه إذا تعذرت الرؤية لسبب من الأسباب وكان الحساب الفلكي يثبت إمكان رؤية الهلال يجوز الاعتماد على الحساب الفلكي بها. ومؤتمر وزراء الشئون الدينية والأوقاف المنعقد بالكويت ينص قراره الرابع على وجوب وضع تقويم قمري بمعرفة لجنة معتمدة من فقهاء الشريعة الإسلامية وعلماء الفلك تلتزم به الحكومات الإسلامية في صومها وفطرها وفي تحديد مواسمها الدينية وفي تاريخها، ولكن هذه اللجنة لم تجتمع. أما مؤتمر اسطنبول فقد احتضن تقريبًا مقررات مؤتمر الكويت وأخذ خطوة إيجابية جيدة وهي بعث لجنة من دول إسلامية عشرة معتمدة من فقهاء الشريعة الإسلامية وعلماء الدين لضبط التقويم الهجري الموحد سنة فسنة، وقد اجتمعت بالفعل هذه اللجنة وكنت أحد أفرادها في عدد من العواصم الإسلامية اسطنبول ثم تونس ثم الجزائر ثم أنقرة وأخيرًا الاجتماع الأخير الذي كان بمكة المكرمة في محرم سنة ١٤٠٥ وقد أصدرت هذه اللجنة تقاويم موحدة بداية من مؤتمر اسطنبول سنة فسنة إلى هذه السنة واحتضنت أعمال هذه اللجنة منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة وأذاعت كل تقاويمها وقراراتها على جميع الدول الإسلامية. أما قرار المجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة فإنه واضح باعتماد الرؤية البصرية خاصة دون الحساب بأي شكل من الأشكال.

стр. 1668

العنوان الثاني: إنكار المتقدمين للعمل بالحساب وحججهم: فالمتمسكون بظاهرة الرؤية البصرية في إثبات أوائل الشهور لا يعتمدون الحساب لأنهم يعتقدون أن الحساب الفلكي ليس وسيلة قطعية بل هو لم يصل عندهم حتى إلى مرتبة الظن فهو حدس وتخمين، وقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، ولهذا حذر الرسول ﷺ عن الأخذ بأحكام المنجم فقال فيه فيما رواه أبو داود وابن ماجه ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر)) ولأجل هذا نجد كثيرًا من المتقدمين في علم الفقه ينصون صراحة على عدم اعتماد حساب المنجمين. أولًا: لأن التفرقة عندهم لم تكن واضحة بين التنجيم الذي هو ليس بعلم إذ هو تطلع إلى الغيب وبين علم الفلك الذي هو من العلوم الصحيحة التي لا يختلف في قواعدها العامة لا سيما وأن عالم الفلك في القديم كان في الغالب المنجم المتطلع إلى معرفة الغيب، ومن هذا الخلط شك الفقهاء في الحساب الفلكي الذي كان في الغالب صادرا عن المنجمين. ثانيًا: لأن علم الفلك لم يصل في القرون الإسلامية الأولى إلى درجة النضج ولم تتضح معالمه عند الناس حتى يمكن الاعتماد عليه في هذه القضايا الدينية. ففي الفتاوى الهندية: "وهل يرجع إلى قول أهل الخبرة العدل من يعرف علم النجوم؟ الصحيح أنه لا يقبل، ويقول في كتاب معراج الدراية: "ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه" وقال ابن عرفة: "لا أعلم أن مالكًا اعتبر قول المنجم" وقال القاضي عبد الوهاب في كتابه الأشراف: "لا عبرة بقول المنجمين في دخول وقت الصوم". وفي الجزء الثاني من الدر المختار شرح تنوير الأبصار في باب الصوم قال الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي: "لا عبرة بقول الموقتين ولو كانوا عدولًا على المذهب". وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار في شرح قوله: ولا عبرة بقول الموقتين: "أي في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج لا يعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه" وفي النهر: فلا يلزم بقول الموقتين أنه - أي الهلال - يكون في المساء ليلة كذا وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في الإيضاح، ثم قال: ووجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقول: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا)) ولهذا حصر الشيخ شمس الدين بن فرج المقدسي في شرحه الكبير على المغني ثبوت رمضان بواحد من ثلاثة أشياء فقط وكلها ترجع إلى الرؤية البصرية فجعل أولها رؤية الهلال، والثاني: إكمال شعبان ثلاثين يومًا، والثالث: أن يحول دون منظر الليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر.

стр. 1669

ويقول ابن قدامة في كتابه المغني "من بنى على قول المنجمين والحساب لم يصح صومه وإن كثرت إصابتهم لأنه ليس بدليل شرعي إنما الدليل قوله ﵊ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) وفي رواية ((لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)) فأناط وجوب الصوم برؤية الهلال. وقد نقل الباجي في المنتقى والقرطبي في الأحكام رواية عن مالك، روى ابن نافع عن مالك "عن الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته إنما يصوم ويفطر على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع" وجاء في شرح مسلم للنووي نقلًا عن المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ ((فاقدروا له)) على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسر في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد والشرع إنما يعرف بما يعرفه جماهيرهم. وحجة المتمسكين بإثبات الشهور القمرية بخصوص الرؤية البصرية جملة نصوص من السنة، واعتبروا الرؤية أمرًا تعبديًا لا يمكن العدول عنها إلى الحساب بحال من الأحوال، لأن الشريعة الإسلامية ربطت ميلاد الأهلة في كل هذه النصوص بالرؤية البصرية، وهذا يؤدي إلى حتمية الرؤية وعدم جواز العلم بالحساب، واستشهدوا بقوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)) وفي رواية ((فاقدروا له ثلاثين)) وفي رواية ((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وإن غم عليكم فاقدروا له)) وفي رواية ((إن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) وفي لفظ البخاري: ((الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) فلم يذكر ﷺ علم الحساب ولا أقوال المنجمين والنصوص صريحة في اعتماد الرؤية. والقدر أو التقدير عندما تتعذر الرؤية البصرية لعارض من العوارض كضباب وغيره إنما هو إكمال الشهر ثلاثين يومًا، كما اعتبروا أن قضية الصوم والإفطار قضية دينية بحتة يجب الرجوع فيها إلى النصوص لا إلى مقتضيات العقول لأنها ليست من مجال الاجتهاد الذي يفضي إلى استعماله في حالة فقدان النصوص والمعروف أن حكمها مقرر في السنة النبوية واتفاق المسلمين في الطبقة الأولى منهم وأغلبهم فيما بعد ذلك وإلى اليوم لم يؤولوها لأن عباراتها صريحة لا تحتمل التأويل وخصوصًا لا يوجد دليل من النصوص يعارضها.

стр. 1670

وعلى هذا الاتجاه سار العلامة ابن حجر في شرحه لحديث ((إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب)) فقال: ((لا تكتب ولا تحسب)) تفسير لكونهم كذلك، وقيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، وقال في المكان نفسه: فإن تعليق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية دون الحساب يستمر ولو حدث فيما بعدهم من يعرف الحساب، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) ولم يقل فاسألوا أهل الحساب والحكمة في ذلك أن يستوي الناس فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. كما ذكر العلامة ابن حجر في نفس المكان تعليق ابن بطال الذي قال في حديث ((إنا أمة أمية)) رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل وإنما لمعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف، ولاشك أن في المراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته الطويلة حول الهلال في استدلاله على عدم جواز الاعتماد على الحساب "أن الله لم يجعل لمطلع الهلال حسابًا مستقيمًا بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته طريق مطرد إلا الرؤية وقد سلكوا طرقًا كما سلك الأولون منهم لم يضبطوا سيره إلى التعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد وإنما هو تقريبي". وقال في فقرة أخرى من نفس الرسالة: "فالذي جاءت به شريعتنا هو أكمل الأمور لأن ضبط وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام تدركه الأبصار، فلا يضل أحد عن دينه ولا يشغله مراعاته عن شيء مخصص له ولا يدخل بسببه فهما لا يعنيه ولا يكون طريقًا إلى التلبيس في دين الله كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم وقال في نفس الرسالة "ما ذكرنا من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لا ريب فيه لكن الطريقة إلى معرفة طلوع الهلال والرؤية لا غيرها" وقال: "والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين فإنه مخطئ في العقل وعلم الحساب فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر الحساب".

стр. 1671

والذي يظهر لي من كل هذه الحجج والتعاليل التي اعتمدها المانعون للعمل بالحساب لا تكون دليلًا على أن الرؤية البصرية هي أمر تعبدي وذلك لأمرين اثنين. أولًا: لأن الرؤية هي الوسيلة الممكنة في زمن البعثة لمعرفة بداية الشهور ونهايتها، والكتابة كانت قليلة نادرة كما صرحوا بذلك مرات في احتجاجاتهم، وأن الرصد الفلكي لم يصل إلى درجة من الوضوح والدقة حتى يصبح وسيلة لإثبات الحكم وكثيرًا ما وصفوا حساب المنجمين بأنه حدس وتخمين وكثير من العلماء اعتمدوا هذا التعليل لعدم العلم بالحساب. ثانيًا: وأن الأمية التي وصف بها الرسول المسلمين هي وصف عارض لهم زمن البعثة لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة ونادرة كما قال ابن حجر: "وجاء الإسلام ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإسلام والمعرفة ويزيل وصف الأمية عنهم". ومعنى هذا أن الحساب إذا وصل إلى درجة من الوضوح والدقة، وأصبح علمًا من العلوم الصحيحة، وأصبحت الكتابة منتشرة في أغلب أنحاء العالم الإسلامي، فإنه يجوز الاعتماد على الرؤية، وإذا جاز أن يكون ضعف علم الحساب والهيئة في الماضي حجة لهم على عدم الاعتداء به فلا يجوز أن يكون حجة في العهد الحاضر على عدم اعتباره. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يعتبر الأمية صفة للأمة الإسلامية قارة كالوسطية لا تنفك عنها بحال، فقال في نفس رسالة الصيام: "هذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور: أحدها: فإن قوله: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) هو خبر تضمن نهيًا فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمية لا تكتب ولا تحسب ومن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة" (الصفحة ١٦٢ طبعة المغرب الجزء ٢٥) .

стр. 1672

العنوان الثالث: الحساب الفلكي هو غير التنجيم: فقد اعتقد علماء الفلك والهيئة من المسلمين من جانبهم أنهم مخاطبون شرعًا للعمل في هذا الميدان لا سيما والقرآن نفسه رغب الناس في علم الهيئة لمعرفة حساب الشهور والسنين من منازل القمر بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وبما ورد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال ((فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له)) وأنه يتعين أن يكون المراد من ((اقدروا)) انظرا فيه وتدبروه حتى تعرفوا الأوقات، وذاك يختلف باختلاف الناس ولا يلزم أن يكون الناس عارفين بالعلامات التي تدل على الأوقات، بل يكفي أن يعرف ذاك البعض وسبيل من لم يعرف أن يسأل من يعرف والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ كما حفزهم على بذل الجهد في هذا الميدان بالحديث المروي عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا)) واتنكبوا انكبابًا كليًا لمعرفة كل العلوم للخروج بالأمة الإسلامية من الأمية إلى نور العلم والمعرفة محبة في الرفعة والله تعالى يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . وهكذا انطلق علماء الفلك المسلمون على رصد سير الشمس والقمر منزلة منزلة حتى تمكنوا من التقدم في هذه العلوم تقدمًا واسعًا كما تمكنوا من معرفة الأحوال التي يرى فيها الهلال إذا تعذرت رؤيته حتى كانت نتائجهم لا تخالف الرؤية البصرية بل كانت الرؤية تؤيد حسابهم وأرصادهم مما جعل علم الهيئة يتبوأ الصدارة من العلوم، وهذا ما تفطن إليه كثير من الفقهاء في مختلف المذاهب الإسلامية وجعلهم يقتنعون بجدوى الاكتشافات العلمية الصحيحة ويعطون الحساب ما يستحقه من اعتبار في التشريع إذ أصبح وسيلة من وسائل إثبات الصوم عندهم لا تقل قيمة عن الرؤية البصرية.

стр. 1673

ولا أظن أن هذا الشك الذي كان يحوم حول قدرة المنجمين على حساب الأهلة ينصب اليوم على أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا مثل معهد الأرصاد بحلوان بمصر، ومعهد قانديلي باسطنبول، والمعهد الفلكي بأبو زريعة بالجزائر، والمرصد الفلكي بجاكرتا بأندونيسيا وغيرها التي تمحضت لدراسة علم الفلك وأصبحت عنوان التقدم العلمي في العصر الحاضر، مع العلم أن هذه المعاهد اليوم تستطيع أن تحدد لحظة ميلاد القمر وفترة مكثه بعد غروب الشمس في البلاد الإسلامية المختلفة بدقة متناهية، واحتمال الخطأ مع انضباط الحسابات في المراصد الفلكية الحديثة المختلفة أصبح من الأمور المستبعدة، وأصبحت الدراسات التي تقدم من الفلكيين في هذا الموضوع تصور بوضوح كل الأشكال التي تمر بها عملية ظهور الهلال. وقد تقدم المرصد الفلكي قاندلي باسطنبول بخرائط جغرافية واضحة تدل بكل دقة بداية رؤية الهلال لك لشهر من شهور السنة كما تبين البلدان التي يرى فيها ظهور الهلال فوق سطح الأرض بالساعة والدقيقة والثانية، ثم كيف تستمر عملية الرؤية طبقًا لحركات القمر حول الأرض؟ وقد صرح كثير من الفلكيين بأنه يمكن الاستعانة بالأقمار الصناعية لتصبح عملية الرؤية تشاهد على شاشة التليفزيون من طرف كل الناس. هذا وأن البحث الذي تقدم به علماء الفلك بجامعة الملك عبد العزيز بجدة إلى مجمعكم هذا ليعد نموذجًا صادقًا ودراسة علمية عميقة لمحاولة التوفيق بين النصوص الشرعية وعلم الحساب الذي أصبح من العلوم الصحيحة في هذا العصر. العنوان الرابع: المجيزون العمل بالحساب وحجبهم: إن القول بجواز الاعتماد على الحساب ابتدأ من عهد التابعين من أمثال: مطرف بن عبد الله وابن قتيبة من المحدثين والقاضي عبد الجبار وابن مقاتل الرازي من أصحاب الإمام محمد بن الحسن وأبي العباس ابن سريج والقفال والقاضي أبي الطيب من الشافعية كما نص على ذلك القرطبي في تفسيره، وقال: "وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين وابن قتيبة من اللغويين، فقالا: " يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان حتى إنه لو كان صحوًا لرئي لقوله ﵇: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) أي استدلوا عليه بمنازله وقدروا تمام الشهر بحسابه.

стр. 1674

وصرح صاحب الهداية الحنفي المرغيناني في كتابه مختارات النوازل "إن علم النجوم قسمان: أحدهما الحسابي معلنًا أنه حق وقد نطق به الكتاب فقال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي سيرهما بحساب، واستدلاله بحركة الأفلاك وسير النجوم هو جائز كاستدلال الطبيب على الصحة والمرض. أما العلامة ابن دقيق العيد فقد قال في شرح عمدة الأحكام: "والذي أقول به إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه بمفارقة القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو بيومين، فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلًا فهذا يقتضي الوجوب لوجود الحساب الشرعي وليس حقيقة الرؤية بمشروطة في اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بالحساب بإكمال العدد بالاجتهاد بالأمارات وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه. أما الإمام ابن السبكي فقد ذهب إلى اعتماد الحساب في إثبات الأهلة ومواقيت الصلاة بناء على أن الحساب قطعي الثبوت نظرًا إلى ما وصل إليه علم الحساب والفلك من الدقة والوثوق في نتائجها وقرر الإمام ابن السبكي أنه لو شهدت بينة رؤية الهلال ليلة الثلاثين من الشهر وقال الحساب بعدم إمكان الرؤية تلك الليلة عمل بقول أهل الحساب لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية، وابن السبكي يرى جواز الاعتماد على الحساب الفلكي لا وجوبه، وقال في تعليقه على حديث ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) في كتابه العلم المنثور: والبحث في الحديث في موضعين: أحدهما قوله ((فاقدروا له)) قال بعض من يقول باعتماد الحساب معناه احسبوا له ويكون معناه قدروه بالحساب والمنازل كما قال تعالى ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ قاله مطرف بن عبد الله وابن قتيبة من المحدثين وابن سريج من الشافعية وابن مقاتل من أصحاب محمد، إلى أن قال: إنما يلزم ذلك لو كلف عامة النسا بالحساب ولم يقل بذلك أحد بل الذي قلناه أن الحديث في المعنى الذي اخترناه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وقول في الرواية الأخرى ((فأكملوا عدة ثلاثين)) خطاب للعامة، فلا تنافي بين الروايتين بل هما في حالين مختلفين يعمل بكل منهما في حال. ومن هذا ما ذكره الإمام العلامة الشيخ محمد رشيد رضا في الجزء الأول المجلد ٢٨ من المنار صفحة ٦٣.

стр. 1675

ثم نمر إلى أن نصل إلى ما قاله العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في بحث له بعنوان "يسألونك عن الأهلة" يقول: "ولمعرفتنا وجود الهلال عقب المحاق في علم الله طرق: أولها: رؤيته بالبصر رؤية لا يريبة تتطرقها، وهذا الطريق حسي ضروري ولا خلاف في العمل به. ثانيها: مرور ثلاثين ليلة من وقت استهلاك الهلال الذي سبقه، وهذا الطريق قطعي تجريبي ولا خلاف فيه بين الأئمة. ثالثها: دلالة الحساب الذي يضبطه المنجمون أعني العاملين بسير النجوم علمًا لا يتطرق قواعده شك، وحسابًا تحققت سلامته من الغلط وهو ما يسمى بالتقويم. وبعد ذلك تعرضنا إلى ما قاله الأستاذ علال الفاسي وكثير من الإخوان الذين تعرضوا إلى هذا الموضوع، وبهذا ندرك أن النصوص التي استشهد بها على حصر الرؤية بالبصر لا يمكن أن تكون دليلًا على منع إثبات الشهر بغير الرؤية البصرية لأن هذه النصوص وإن أفردت رؤية بالذكر فإنها لم تقصر إثبات الشهر على البصر بل اقتصرت على ذكر وسيلة من وسائل إثبات الرؤية. العنوان الخامس: نتائج واقتراحات: يبدو أننا لم نظفر إلى الآن بنتائج إيجابية للتقريب بين الذين يجيزون العمل بالحساب وبين الذين يقصرون ثبوت الشهر على الرؤية البصيرة وحدها، فالفريق الأول يقو بالعمل بالحساب بشرط أن يكون الحاسبون جماعة من المسلمين موثوق في دينهم وعلمهم وأن يكون حسابهم متماشيًا مع الضوابط الشرعية مؤيدًا بحسابات المراصد الفلكية العالمية. وعندما تتوفر هذه الشروط فلا مانع من اعتبار الحساب وسيلة ثانية من وسائل الإثبات، فتكون عند المسلمين وسيلتان لا وسيلة واحدة الرؤية والحساب، لا سيما وأن علم الهيئة أصبح من العلوم الصحيحة أقرته الأمة الإسلامية وقررت تدريسه في جامعاتها، وإذا تمكن المؤتمرات والندوات الإسلامية التي انعقدت لهذه الغاية أن تقيد عمل الحاسبين وأن تضبط الرؤية المرادة شرعًا وأن تقيدها بقيود اتفق عليها علماء الشريعة والفلك وبرزت بصيغة قرارات كانت جميعها متكاملة روعي فيها جانب النص كما روعي فيها جانب المصلحة وكانت غايتها جمع المسلمين وتوحيد أعيادهم ومواسمهم، فإن هذه المؤتمرات لم تتمكن من جانب آخر من إقناع القائلين بانفراد الرؤية البصرية على القول بالحساب في إثبات الشهور لان الرؤية عندهم أمر تعبدي لا يمكن أن يطرأ عليه أي تغير، فالأحكام أبدية والأسباب والشروط والموانع هي كذلك أبدية لأنها من وضع إلهي فما أثبت واجبًا يبقى كذلك، وقد ثبت أن الرؤية سبب شرعي للصوم والإفطار فلتبق كذلك منظورًا إليها نظر الأصول الثابتة.

стр. 1676

ولم يقتنعوا بأن بعض النصوص التي اعتمدوها والتي وردت معللة من الرسول ﷺ نفسه والقاعدة عند الفقهاء أن النص إذا ورد معللًا بعلة فإن للعلة تأثيرها في فهم النص، وأن الحكم يرتبط بها وجودًا وعدمًا لا فرق في ذلك بين العبادات وغيرها، كما لم يقتنعوا بأن الضرورة قد يكون لها دخل في تغير الحكم وقد جاءت النصوص بصوم الثلاثين يومًا عند الغيم ضرورة لأننا كنا لا نستطيع معرفة دخول أول الشهر إلا عن طريق الرؤية البصرية وقد تعذرت فعملنا بما أمكن فإذا تمكنا من تعرف حقيقة دخول أول رمضان أو أول شوال بواسطة أهل الذكر وهم أهل الحساب فلا جائز أن نعتمد على الضرورة والله تعالى يقول ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وبذلك يتبين أن أصحاب هذا الاتجاه لم يقتنعوا بأي دليل أو برهان من الأدلة والبراهين التي قدمها المجيزون لإثبات الشهر بالحساب واعتباره وسيلة ثانية مع الرؤية على الأقل كما أن كل المعطيات الجديدة التي حفت بموضوع إثبات أوائل الشهور والتطور العلمي المدهش لم يعملوا به، وإذا كان من المفروض عند علماء الحساب ومن يجيزون العمل به أنه لا يمكن أن تختلف نتيجة الحساب عن نتيجة الرؤية الصادقة بحال من الأحوال فإن اختلاف المسلمين في بداية الشهور القمرية يدل على خلل إما في الحساب وإما في الرؤية لأنه ليس من المعقول أن تختلف بداية الشهر القمري بين بلد وآخر لمدة وصلت في السنة الماضية إلى ثلاثة أيام. وبإعادة النظر في تقديم هذين الوسيلتين بعد كل هذه الجهود التي بذلت ولا سيما في السنوات الأخيرة فإننا نجد ضبطًا مدققًا في التقاويم القمرية التي صدرت عن اللجنة الدولية المنبثقة عن مؤتمر اسطنبول إذ هي التزمت بكل الضوابط التي فرضت عليها من طرف اللجنة الشرعية فكان الاتفاق كاملًا بين المراصد الفلكية في كامل العالم الإسلامي كما كان التطابق تامًا في النتائج المقدمة كل سنة من طرف المرصد، الأمر الذي دفعنا إلى الاطمئنان إلى نتائج الحساب أما الرؤية البصرية فإنها لم تضبط في نظرنا الضبط المدقق الذي يضمن لها الصحة ويحقق لها النتائج الصحيحة التي لا ينبغي أن تتخلف عن الحساب الصحيح عادة.

стр. 1677

ويرجع هذا في نظري إلى تمسك بعض الفقهاء بأحد قولي الإمام أحمد ابن حنبل الذي يجيز في إثبات هلال رمضان قبول شاهد واحد وهو مشهور المذهب الحنبلي المستند إلى حديث ابن عباس الذي قال: ((جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: نعم، فقال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدًا)) مع أن المشهور في المذهب الحنفي أنه لا يقبل في هلال رمضان عند الصحو إلا الاستفاضة وقدرت بخمسين رجلًا على الأقل، وقد علل المغني اشتراط أبي حنيفة الاستفاضة بأنه لا يجوز أن ينظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم واحدة والموانع منتفية فيراه واحد فقط. وقال ابن عابدين في تعليقه على قول الحصكفي: "جمع عظيم يقع به العلم الشرعي وهو غلبة الظن" لأنه العلم الموجب للعمل لا العلم بمعنى اليقين، ولذلك فلا يقبل خبر الواحد لأن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه مع فرض عدم المانع وسلامة الأبصار وإن تفاوتت في الحدة ظاهر في غلطه (بحر) فإذا امتنع أبو حنيفة من قبول خبر الواحد في عصر التابعين وعد شهادته بانفراده برؤية الهلال غلطًا مع علمه بالنص اعتمده من أجاز قبول خبر الواحد فكيف يكون الحال في هذا الزمان الذي اشتهر بكثرة الكاذبين المدعين للرؤية الهلال؟ وكتب الفقيه مليئة بالحوادث التي صام فيها المسلمون وأفطروا تبعًا لشهادات كاذبة أو غالطة، وكم من مرة وفي هذه السنوات الأخيرة أعلن عن الصيام والإفطار بشهادة رؤية الهلال ثم لم ير الناس الهلال في الليلة الثانية وهذا يؤكد بطلان شهادتهم، هنا يجب أن نقف لنتساءل: لماذا نتمسك بآراء معينة أصبحت لا تحقق المصلحة المرجوة منها مع أننا سمعنا بحوادث كثيرة توقف فيها الفقهاء وأعادوا فيها النظر دفعًا لمفسدة وأصدروا أحكامهم الجديدة معللين ذلك فساد الزمان؟ والرسول ﷺ نفسه أشار إلى ضياع الأمانة وفقدان الأخلاق بقدر ابتعاد الناس عن القرون الأولى في الحديث الذي رواه الصحيحان أن النبي ﷺ قال: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يشهدون فلا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون فلا يوفون ويظهر فيهم السمن)) .

стр. 1678

فأي مانع يمنعنا في هذا الزمان الذي كثر فيه الغش وفقدت فيه الأمانة وظهرت شهادة الزور في كل ما كان من اشترط شروطًا من شأنها أن تحفظ سلامة هذه الشهادة التي يصوم عليها مليار من المسلمين في جميع بقاع الأرض ويحتفلون بموجبها في أعيادهم ومواسمهم فإذا اكتفى الرسول ﷺ في زمن البعثة بتزكية الشاهد بالنطق بالشهادتين بين يديه ثم اشترطت العدالة، وقال مالك لا بد من شهادة عدلين فإن مثل هذه التزكية لا تكفي في هذا الزمان الذي كثر فيه من ينطق بالشهادتين ثم يخون ويغدر. واعتقادي أن التمسك بمذهب أبي حنيفة وحده في هذه المسالة ربما لا يكفي في هذا الزمان بل لا مانع من تنظيم كيفية إثبات الرؤية بطريقة نضمن بها صحة هذه الشهادة، ولماذا لا تتعدد هيئات الرؤية في جهات متعددة من العالم الإسلامي حتى في القطر الواحد؟ ولماذا لا ننتخب أفراد الهيئة التي يعهد إليها أمر الرؤية ما دام احتمال الكذب واحتمال خداع النظر واحتمال قلة المعرفة بأمكنة طلوع الهلال قائمًا، واعتقادي أنا ما دام احتمال الكذب واحتمال خداع النظر واحتمال قلة المعرفة بأمكنة طلوع الهلال قائمًا؟ واعتقادي أننا لا نخرج بهذه القيود الجديدة عن تبديل الأحكام التي تمثل الوسائل والتي تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال، والأمثلة في ذلك كثيرة في الفقه الإسلامي فقد أمر الخليفة عثمان بن عفان ببيع الإبل الملتقطة بعد أن كان حكمها أن تترك لحالها حتى يلقاها ربها كما جاء في السنة، وعلل ذلك بأن المجتمع على وشك الفساد بخاف منه على سرقة هذه الإبل وكثير من العلماء من يعتمد الرؤية البصرية يعتبرون مخالفة الرؤية البصيرة لما تعارفه الناس من قواعد علم الهيئة التي لا تختلف أوجب تكذيب الشهود، ويعتبر من قوادح الشهادة. أولًا: من ذلك إذا ثبت علميًا أن الهلال لم يولد فلا يجب أن يقال إنه شوهد لأنه لا بد من ميلاد الهلال قبل غروب الشمس ومكثه بعد الغروب لمدة تكفي لمشاهدته واعتبروا هذا النوع من الشهادة باطلًا لأنه خداع بصري أو سراب كاذب.

стр. 1679

ثانيًا: إذا راقب الناس الهلال في آخر الشهر من جهة الشروق بعد طلوع الفجر وقل طلوع الشمس فرأوه رؤية فإذا شهد شهود برؤيتهم الهلال مساء ذلك اليوم فيكذبون لأن رؤيته صباحًا دليل على أنه ما زال لم يجتمع مع الشمس وما زال يدخل تحت شعاعها إذ من المعلوم أن القمر لا بد أن يختفي في آخر الشهر تحت شعاع الشمس يومين على الأقل. ثالثًا: إذا راقب الناس الهلال في كل يوم فلم يروه مع الصحو التام ثم يدعي رؤيته واحد أو أفراد قلائل من الناس فيكذبون أيضًا لأنه لو كان موجودًا لرآه جمهور الناس. رابعًا: إذا ادعى رؤية الهلال وانخسفت الشمس بعد ذلك بيوم أو يومين فإن هذا دليل على كذب الرؤية لأن الشمس لا يخسف بها في سنة الله إلا في اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين كما دقق ذلك العلماء الفلك وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه في رسالته في الجزء ٢٥ صحيفة ١٨٤ – ١٨٥ من الفتاوى. وهكذا تكذب كل شهادة في رؤية الهلال إذا كانت في وقت مستحيلة رؤيته فيه، والغريب أنه لم يقع اعتبار كل هذه الضوابط التي يقرها العقل السليم ولم تعتبر من القوادح في الشهادة بل اكتفي في هذا الزمان بشهادة الشهود وقبلت ولو من واحد عند الإعلان عن الشهر القمري في بلدان العلام الإسلامي في هذه السنوات الأخيرة، وفي نظري كان هذا الإجراء من الأسباب التي زادت في تباين المسلمين في بداية الشهور والأعياد، فالرؤية البصرية في نظري لا يمكن أن تكون أكثر من وسيلة من وسائل العلم، والله عندما قال ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فإنما أراد العلم بوجوده، فكل من علم منكم بوجود الشهر وجب عليه صومه ووجود الشهر شرعًا يكون بوجود هلاله بعد غروب الشمس بأي طريق من طرق العلم وإنما نص الشارع على الرؤية باعتبارها إحدى وسائل العلم بوجود الهلال. ولعل ما قدمه علماء الدين والفلك في هذا المجمع المبارك من البحوث القيمة يمكن أن يمثل البداية للخروج من الخلاف، وقد أصبحت مسألة توحيد بداية الشهور القمرية بعد كل هذه الجهود واضحة تتطلب أخذ قرار حازم من مجمعكم يأخذ كل هذه الملاحظات بعين الاعتبار حتى يبعد الأمة الإسلامية عن البلبلة التي وقعت فيها منذ سنوات ويوضح لها معالم الطريق حتى تسير في السبيل السوي، والله الهادي إلى سواء السبيل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1680

الرئيس: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكرًا: في الواقع يا شيخ قبل أن أدخل في الموضوع مع عدم المؤاخذة في وسط البحث الخامس كلام فيه شيء من الشدة في تجريح الأمة وهو في شهادته وما جرى مجرى ذلك وأنتم تعلمون أن هذه الأمة لا تنفك الوسطية عنها ولله الحمد، والخير في النبي ﷺ في أمته، وما زال العدول قائمين وموجودين، وأنت تعرف فضيلتكم أنه عدد من المواضيع التي تنظر في هذا المجمع وآخرها في صباح هذا اليوم في شأن توظيف الزكاة قال الإخوان: على أن يتولاه أناس ثقات أمناء. هذا موجود فمعناه وجود الثقات الأمناء فيوجدون هنا ولا يوجدون في الذين يتراءون الهلال، الحقيقة أنا أحببت أن ألفت النظر للتأمل في العبارة، والموضح خاص بيني وبينكم لتأملها فقط والأمر يعود لكم. في الواقع يا أصحاب الفضيلة إن هذا الموضوع تعلمون أنه كان من المواضيع المطروحة في الدورة الثانية والموضوع ذو شقين: الأول: في مسألة اختلاف المطالع اعتبارها من عدمه. والثاني: في مدة إثبات الرؤية بالحساب. وهذان الموضوعان كذلك قد درسا في مجمع الفقه الإسلامي بمكة وصدر فيهما قراران أو ثلاثة، أما بالنسبة لتوحيد أوائل الشهور العربية فإنهم قرروا أن مذاهب أهل العلم بما فيهم المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم على اعتبار اختلاف المطالع، وساقوا حديث كريب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم قرروا أن هذا الأمر ينبغي أن يترك للمفتين في كل دولة إسلامية لأنهم يتبعون أهل العلم فيها، وهذا فيه حل وسط، وقالوا في تقريرهم أن المسألة التي بين الأمة الإسلامية ليست التفريق في مسألة توحيد الرؤية أو عدم توحيدها وإنما هو فيما هو أعلم من ذلك وهو في العودة الصحيحة إلى الكتاب والسنة، إلى تحكيم شريعة الله في إلى أحكام الشريعة الله الظاهرة والباطنة. أما مسألة إثباتها بالحساب فقد صار تناول هذه المسألة بعض الشيء في الدورة الماضية إلا أن فضيلة الشيخ الضرير رأى أن يكون بحث المسألتين: اختلاف المطالع ومدى إثباتها بالحساب الفلكي ويستخلص منهما ما يتوصل إليه المجمع بإذن الله تعالى إلى قرار في هاتين المسألتين نظرًا لترابطهما في إثبات أول الشهور العربية.

стр. 1681

ومن جهة الخلاف حيث إن البحوث يكمل بعضها بعضًا، أما من جهة الخلاف الذي أشرتم إليه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه ومحمد بن مقاتل الرازي وغيرهما فإن الخلاف نفسه فيه بحث في مدى ثبوته وقد أتى ابن عبد البر رحمه الله تعالى على ذلك في كتابه التمهيد، وأتى علماء الشافعية على ذلك في كتبهم في الفروع بأن نسبة الإثبات لأوائل الشهور بالحساب المنسوبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لا تثبت عنه ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ من أهل مذهب الإمام الشافعي فهذا هو من ينسب إلى الإمام الشافعي والذي ينسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هو جواز صيام الحاسب بالحساب لا على صفة العموم. وقال بهذا ابن سريج من الشافعية المتوفى في السنة السادسة بعد الثلاثمائة من الهجرة، فيتحرر أن حكاية هذا القول عن الشافعي قد نفى هذا أئمة المذهب من الشافعية، وأن ابن سريج لا يحكى عنه القول على الإطلاق وإنما هو على التقييد حيث إنه قال: للحاسب خاصة، وأما ما عدا ذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: إنني لا أعلم أنه قال ذلك على الإطلاق مسلم، وأما مطرف بن عبد الله بن الشخير فإن ابن عبد البر قال: إن الإسناد عنه لا يثب ومحمد بن مقاتل الرازي من متقدمي الحنفية، قد تتبعت ذلك في كتب الحنفية المنتشرة فلم أر التوثيق لهذا لا نقل على أن محمد بن مقاتل الرازي قال الذهبي في الميزان: ضعفوه وفي نسخة: تركوه والشأن في الرأي ثم إن هذا الرأي هو في خصوص الحاسب من في جواز الأخذ بالحساب في خصوص الحاسب توسع فيما بعد لأنه حصل غلط في حكايته عن بعض هؤلاء الذين قيل عنهم غلطًا على سبيل الثبوت فإن إجمال ما يمكن أن يستدلوا به بنصين وقياسين. أما النص الأول فهو أحد الروايات الثابتة عن النبي ﷺ في قوله: ((فاقدروا له)) لكن قد ثبت عن الصحابي نفسه وعن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النبي ﷺ أنه قال ((فاقدروا له ثلاثين)) إضافة إلى الروايات المتعددة الصحيحة الصريحة المتكاثرة في قوله ﵊ ((أكملوا العدة)) ((فاكملوا ثلاثين)) ((فأكملوا شعبان ثلاثين)) ((فأحصوا العدة ثلاثين)) إلى آخر ذلك من الروايات المشهورة المعلومة لدى الجميع.

стр. 1682

أما الحديث الثاني فهو قوله ﷺ ((إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا..)) الحديث، فهذا الحديث قد أجاب عنه المحققون من أهل العلم وبينوا معناه، وهو على سبيل الإخبار من النبي ﷺ عن حال الأمة، وممن قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وابن بطال وغيرهم من أهل العلم، ومعلوم أن بساط الحال ولسان المقال قد يحدد المعنى والغرض المراد من المقول الذي يقول كقوله ﷺ وأنتم قريبوا العهد بما ذكره الشيخ مصطفى من كلام الحافظ ابن حجر ومن كلام ابن بطال، أما القياسان فأحدهما: القياس على المحبوس في المطمورة، والثاني: القياس على إثبات أوقات الصلوات الخمس بالحساب، وفي الواقع أن كل واحد من هذين القياسين لا يثبت إذا ما طبق على أركان القياس وشرائطه، لأن من شرط صحة القياس أن يكون المقيس عليه ثابتًا بنص أو متفقًا عليه وكل واحد من هذين الفرعين المقيس عليهما لم ثبت بنص وليس محل اتفاق بين أهل العلم. ولهذا فإنه قد تتابعت كلمة العلماء المتقدمين في حكاية إجماع أهل العلم بل إن بعضهم حكى إجماع الصحابة وقال البعض: إنه لا خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وممن حكى الإجماع ابن منذر في الإشراف وسند من المالكية والباجي وابن رشد القرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر والسبكي والعيني وابن عابدين والشوكاني وغيرهم. هذا فيما يتعلق في مسألة الحساب إضافة إلى أن هناك أصولًا وهو أن الشرع جعل علامة أول الشهر هو الهلال لا غير، وأن ليس لأول الشهر حد عام ظاهر سواء كما جعل أن أقل الشهر حصره في تسعة وعشرين يومًا وأكثره في ثلاثين يومًا، وأن الشهر لا يعتبر إلا بيقين، وحدد الشارع ﵊ ذلك اليقين بالرؤية أو الإكمال، فالشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديرًا عن طريق الرؤية أو الإكمال، وهذا هو على طريق الحصر كما تفيد النصوص ((لا تصوموا حتى تروا الهلال)) ، ((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له)) . لهذا فإن مسألة الحساب فيها إجماع قديم محكي عن أهل العلم وأن الرواية التي اتكأ عليها عدد من المتأخرين هي قوله ((فاقدروا له)) ثبت عن الراوي نفسه –هذا بيت القصيد- أنه قال: ((فاقدروا له ثلاثين)) في لفظ آخر، ولهذا فإن الروايات معروف من جادة أهل العلم بالسنة النبوية أنه يفسر بعضها بعضًا وأن لا بد من جمع الروايات ولم شتاتها لأنه بهذا تعلم سنة النبي ﷺ وهذا عرض نظرًا لأنه سبق بحثه في هذا المجمع ولأنني أعددت بحثًا موجزًا في هذا الموضوع بجزئيتيه مطروح للمناقشة على أصحاب الفضيلة.

стр. 1683

الشيخ وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم. أصلي وأسلم على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. مما لا شك فيه أن التكليف الشرعي منوط بالنصوص الآمرة المحددة لبدء التكليف ونهايته، وبناء على هذه القاعدة فإن الشرع الشريف لم يكلفنا بالنسبة للصيام بدءًا وانتهاء إلا بالاعتماد على الرؤية، فقال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا رؤيته)) فالتكليف مرتبط بالرؤية ولا يعني ذلك عدم أو إهدار ما تقدمه لنا النتائج العلمية أو علم الحساب أو غير ذلك حتى لا نتهم بأننا نقل من أهمية العلوم وخصوصًا أنها أصبحت قطعية في عصرنا الحاضر، فلذلك أرجو أن نلاحظ هذا المعنى وهو ربط الحكم الشرعي بالتكليف الذي ورد عن النبي ﷺ وهذا واضح في النص القرآني ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ . فهذه عموميات لا يعارضها النص الخاص في موضوع التكليف بالصيام مرتبطًا بالرؤية التي حددها النبي ﷺ فإن لم تحصل الرؤية فهناك أيضًا روايات يقول فيها النبي ﷺ ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) وليس فقط ((فاقدروا له ثلاثين)) ، ((فاكملوا عدة شعبان ثلاثين)) وهذا دليل على أن الشرع لم يكلفنا بأمور يصعب التحكم فيها أو الاطلاع عليها، ولا يعني ذلك أننا نهدر القيم العلمية النتائج التي تتوصل ليها الأرصدة سواء في الماضي وفي الحاضر ولذلك نجد الاتجاه السائد فقهًا وهو ما عبرتم عنه بشبه الإجماع أو الإجماع في أن الحكم في هذا الموضوع مرتبط بالرؤية لا بالحساب. لكن المشكلة بعد هذا الاتجاه السائد لدى فقهائنا المشكلة في غير هذا وهي أننا أيضًا نسلم باختلاف المطالع فهذا أمر ثابت في الواقع وأهل الشام قد يرون الهلال وأهل المغرب لا يرونه وهذا استقراء ثابت في الواقع ونحن لا ننكره، والعلماء بحثوا هذه القضية واتفقوا جميعًا أيضًا اتفاقًا مضمونًا إلى التكليف بالرؤية اتفقوا على أن مبدأ اختلاف المطالع أمر مسلم به ولكن المشكلة التي نريد أن نصل إليها الآن وهي عندنا اتجاهان للفقهاء: هل إذا رئي الهلال في بلد مع التسليم باختلاف المطالع وخصوصًا أن البلاد العربية كلها يجمعها ليل واحد اثنتا عشرة ساعة ما بين المشرق والمغرب فالتي تكون على خط عرضي واحد وأما التي يجمعها ليل واحد إذا رئي فيها الهلال في بلد من البلدان فهل يجب على أهل الأقطار الأخرى أن يصوموا بناء على ثبوت الهلال مثلًا في السعودية أم لا يجب؟

стр. 1684

عندنا اتجاهان للفقهاء في هذا الموضوع: مذهب الإمام الشافعي أنه إذا ثبت الهلال في قطر فلا يجب على أهل قطر آخر أن يروه حتى أنه بالغ الشافعية وحددوا المسافة بين القطرين بمسافة القصر يعني ٩٠ كلم، وهذا فيه شيء من المبالغة، يعني ولا يمكن أن تخلو بلدة من البلدان في إقليم أو قطر الآن من الأقطار إلا وبينها وبين البلدة الأخرى أكثر من هذه المسافة، فهذه مبالغة في الحقيقة نجدها واضحة في مذهب الشافعية. لكن جمهور الفقهاء وهذا الذي أريد أن أعتمد عليه، وما دام هناك اتجاه جماعي لأغلب الفقهاء وهو القول بأنه إذا رئي الهلال في البلد يجب على أهل كل تلك الأقطار ما دامت على خط عرض واحد أن تصوم وأن تفطر وفي هذا ما دام عندنا مجال واتساع لكي نأخذ بهذا الرأي الأغلبي لدى الفقهاء ونوحد بداية الشهور ونهايتها، فما المانع من أن نقول بتوحيد بدايات الشهور العربية بناء على هذا الاتجاه الفقهي السائد، وأن نجنب الأمة الوقوع في الخلافات والنقد اللاذع. وما أشار إليه فضيلة الأستاذ مصطفى فعلًا كان في السنوات الأخيرة، قد يكون الفرق ثلاثة أيام، فهذا لا يمكن قبوله بحال وصمنا في بعض الأقطار في الإمارات صمنا ثمانية وعشرين يومًا ثم قضينا يومًا آخر منذ سنتين وهكذا وقعنا في إشكالات كثيرة، أما الخطأ فمرجعه إلى أن القضاء الشرعي الذي يعتمد على رؤية واحد أو اثنين هو الذي يكون قد قصر في التعرف على عدالة الشهود، فهو المؤاخذ في هذه القضية وعندئذ التقصير يكون من قبله ولا ينبغي أن نجرح الناس إنما نقول يجب عليه أن يتثبت تثبيتًا دقيقًا واعيًا لأن هذه عبادة وأن آلاف وملايين المسلمين تنتظر القول الفصل من قاض شرعي واحد، والغالب أن الدول أحيانًا تقلد بعضها بعضًا إذا ثبت في مصر فكان يثبت في المشرق وهكذا.

стр. 1685

وبالعكس فنحن نريد الوصول إلى توحيد بدايات الشهور القمرية وعندنا المجال متسع والرأي الفقهي واضح، فما أدري لماذا نصر على القول باختلاف المطالع ونكرس التفرق ونبقي هذه الظاهرة بهذا الشكل التي لا يمكن تفسيرها في تقديري إلا للعصبية المذهبية، وإلى التحجر على الآراء، ومع الأسف الشديد تدخلت السياسة أخيرًا فكانت تعاند وتعارض في أن مثلًا بلدًا من البلدان صام كان البلد الآخر يتدخل بشكل أو بآخر فلا يصوم، فهذه آفة، تدخلت السياسة وأفسدت حتى قضايا ديننا الحنيف فنحن يجب أن نكون واعين لمثل هذه الأمور وأن نقطع تدخل أولئك الذين لا يحسنون أن يكون لهم قرار في قضايا ديننا الحنيف والمجال أمامنا متسع، والله أسأله أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والسداد، وشكرًا. الأستاذ فخر الدين الكراي: (أخصائي في علم الفلك بأمريكا) : بسم الله الرحمن الرحيم.. وبعد، فإني أبلغ لكم سلام بعض الجاليات المسلمة الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تنتظر منكم الكثير في مجمعكم الموقر هذا لإمكانية توحيد بداية الأشهر القمرية انطلاقًا من هذه الدورة إن شاء الله، وإنه لمن المؤلم حقًا أن ترى في هذه الجاليات الأمريكية كلا يتبع بلاده فترى المجموعة ذات الخمسين أو الستين مسلمًا تحدهم يصومون على ثلاثة، يبدءون صيامهم على ثلاثة أو يومين، وهذا يؤلم وجعل الأمريكيين والأجانب يتساءلون عن مصداقية بداية الشهور وجعلونا محل استهزاء في بعض الأحيان وهذا يؤسف له. قمت في الدراسة التي قدمتها في توحيد بداية الشهور القمرية بوصف بعض الأشياء التقنية التي طلبها مني بعض الإخوان، وهي عبارة عن التحركات الظاهرة للقمر، حالات القمر ومنازله، الكسوف والخسوف وهي من الظواهر التي تبين وتؤكد على أن هناك حسابات فلكية يمكن الاعتماد عليها للاستعانة في تعيين بداية الأشهر القمرية بداية شرعية أعني الرؤية بالعين المجردة والرؤية الصحيحة وأثبت على الرؤية الصحيحة لأنه ثبتت في العديد من السنوات الماضية أنه في عدد من دول العالم الكثيرة يعلنون عن بداية الشهور القمرية برؤى غالطة سواء في أي مناطق من دول العالم.
следующие страницы →