قال الأستاذ عبد الله علي حسين (١) في كتابه (اللحوم- أبحاث مختلفة في الذبائح والصيد واللحوم المحفوظة) :
" وأما اللحوم المحفوظة في العلب مثل (بولي بيف) ، ومرقة الثور وهي المسماة (كيف اكسو) ، وشوربة الفراخ بالشعرية ... وهكذا من اللحوم المحفوظة في علب صفيح وما يشتق منها، أيًّا كان نوعها الذي يصدر إلى مصر من أوروبا وأستراليا وأمريكا، وحكمها أن يحرم استعمالها قطعا، لأنها لحم حيوان موقوذ مضروب حتى مات، فإن طريقة الذبح في جميع هذه البلاد تكاد تكون واحدة؛ وهي ضرب الحيوان في مخه فيخر صريعا بلا حركة لأنها تصيب المخ، ومتى وقع حمل إلى التقطيع بعد السلخ، فيعمل من هذا الحيوان كافة أنواع اللحوم المحفوظة وما يخرج عنها، وقد أردت أن أعرف طريقة ذبحهم بطريقة رسمية لا تقبل الجدل أو الشك في تطبيق الأحكام الشرعية، فكتبت كتابا دوريا أرسلته لقناصل ١٤ دولة: ا- إنجلترا، ٢- فرنسا، ٣- أسبانيا، ٤- هولندا، ٥- إيطاليا، ٦- تركيا، ٧- جنوب إفريقيا، ٨- الولايات المتحدة، ٩- البرازيل، ١٠- أستراليا، ١١- روسيا، ١٢- الدانمارك، ١٣- سويسرا، ١٤- رومانيا. ويتضمن هذا الكتاب ثلاثة أسئلة:
стр. 16172
أولا: ما هي طريقة الذبح في بلادكم -أو قتل الحيوان عندكم-؟
ثانيا: ما هو المكان الأول الذي يضرب فيه الحيوان من جسمه، لقتله في بلادكم؟
ثالثا: ما هي الصناعات المختلفة من اللحوم المحفوظة التي تصنع وتصدر من بلادكم؟
ثم ذكر أن التي أجابت من تلك الدول هي تركيا واليونان وهولندا وإسبانيا والدانمارك، والذي يبدو واضحا في المخالفة للطريقة الشرعية ما جاء في إجابة هولندا والدانمارك، فلذلك نسوقها فيما يلي:
ا- طريقة هولندا كما في إجابتها:
"تقتل البهائم بعد تدويخها بأسرع ما يمكن بإسالة دمها، وتحصل عملية التدويخ بواسطة آلات تغيب في المخ، فتفقد البهيمة وعيها في الحال -وقطع الرأس أو الرقبة ممنوع وكذلك الذبح بسكين بموجب مرسوم ملكي- إذن تقتل البهائم بواسطة خوذة بها مثقاب، وهذه الآلة معمرة بالبارود الذي يشعل فيدفع مثقابًا مجوفا إلى داخل المخ، وهذا المثقاب المجوف يعود إلى مكانه قبل أن تسقط الرأس ".
٢- طريقة الدانمارك كما جاء في نص إجابتها:
الخيول والثيران والعجول الكبيرة تذبح بطريقة صعقها بإطلاق الرصاصة على رأسها في موضع المخ بالمسدس، برصاص خاص لهذه العملية، أو بمسدس يقذف مسماراً نافذا، والعجول الصغيرة والأغنام تذبح بطريقة الصعق؟ إما بالرصاص أو بالضرب الشديد على جبهتها الأمامية بمطرقة، أما الدواجن فيشترط لذبحها أن يكون ذلك بطريقة الصعق السريع بالضرب الشديد بالمطرقة على رأسها، أو بقتلها قتلا سريعا بفصل رأسها، وعند ذبح الخيول والثيران والعجول الكبيرة بالطريقة المذكورة تصفى دماؤها بإدخال سكين في أسفل رقبتها في الشريان الكبير الواقع في مدخل الصدر من أعلى، وتستعمل لهذا الغرض السكين العادية، أما العجول الصغيرة والأغنام؟ فتصفى دماؤها بتشريطها من الجانب الأسفل من رقبتها في الشريان الكبير الواقع خلف الرأس حول الرقبة، فتفصل شرايينها. "اهـ.
стр. 16173
ثم علق المؤلف بقوله: " وكل هذه أدلة رسمية قاطعة في صدق ما ندعيه من أن ذبائحهم موقوذة مقتولة (فطيس) نجسة محرمة لا يصح لمسلم أن يتعاطاها أو يحملها أو يبيعها، وقد كنت أكتفي بما أعلمه شخصيا وأنا طالب بأوروبا خمس سنوات من أن طريقة ذبح الحيوانات عندهم في المجازر هي القتل بضربها على رأسها على المخ من مقدم الرأس بين القرنين في الجبهة، وهي ضربة واحدة بآله خصصت لذلك، فيخر الحيوان صريعاً لوقته، ولكن خشية ادعاء ما لا أعرف أقمت الدليل الكتابي من حكوماتهم أنفسهم، وها هو ننشره ليعلمه الناس وكفى..".
ثم قال: "وقد أرسلت لحضرة الدكتور العلامة الأستاذ عبد الحميد مصطفى فرغلي المتخصص في وظائف أعضاء الحيوان بأمريكا - الولايات المتحدة - جامعة جونس هوبكنز بمدينة بلتمور، أسأله عن كيفية قتل حيوانات الأكل عندهم في أمريكا، فورد منه جواب في ١٥/ ٧/ ١٩٤٧م يقول: سألت عن طريقة الذبح؛ الطريقة: أن يضربوا الحيوان بمطرقة مدببة في مخه فيموت، وبعد ذلك يقطعون رقبته، ولكنهم لا يذبحون كما يفعل المسلمون أو اليهود، وهذا الإجراء يشمل جميع الحيوانات ".
стр. 16174
قرار هيئة كبار العلماء بشأن اللحوم المستوردة:
"رابعا: تطبيق القواعد الشرعية على الذبائح المستوردة على ضوء ما عرف عنها من المشاهدات ونحوها:
إن مجرد البيان لطريقة الذبح الشرعية دون الحكم بها على واقع اللحوم المستوردة إلى المملكة العربية السعودية من دول أوروبا وأمريكا وغيرها؛ لا يفيد من يتحرى الحلال فيما يأكل، ويجتهد في اجتناب ما حرم الله عليه من ذلك، إلا إذا عرف أحوال التذكية وأحوال المذكين في تلك الشركات الغربية وغيرها التي تستورد منها اللحوم إلى المملكة، وأنى له ذلك، فإن السفر إلى تلك البلاد فيه كلفة، لبعد الشقة، فلا يتيسر إلا للنزر اليسير، وأكثر من يسافر إليها يكون سفره لضرورة من علاج ونحوه، أو لإشباع رغبة وحب استطلاع ولا يعنى بهذا الأمر، ولا يكلف نفسه البحث عنه والوقوف على حقيقته,
ولذا كتبت الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد إلى المسؤولين عن استيراد اللحوم وغيرها من المأكولات تستفسر منها عن الواقع، وتوصيها بالعناية بما تستورده من ذلك من الجهة الشرعية، محافظة على الدين، وعلى سلامة الرعية من تناول ما حرم الله عليهم من الأطعمة، وتوفير ما تحتاج إليه الأمة مما أحل الله.
стр. 16175
وجاء منهم إجابة مجملة لا تكفي لإزالة الشك وطمأنينة النفس، فكتبت إلى دعاتها في أوروبا وأمريكا ليطلعوا على كيفية الذبح وديانة الذابحين هناك، فأجاب منهم جماعة إجابة في بعضها إجمال، وكتب جماعة من أهل الغيرة في المجلات عن صفة الذبح والذابحين، جزى الله الجميع خيرا، ولكن كل ذلك لم يستوعب الشركات التي يستورد منها المسؤولون عن ذلك في المملكة، مع ما في بعضها من الإجمال، ومع ذلك فاللجنة تعرض خلاصة ما جاءها من التقارب، وما اطلعت عليه في المجلات على ما تقدم؛ من طريقة الذبح الشرعية، وما صدر في الموضوع من فتاوى كلية، ليتبين الحكم على اللحوم المستوردة من تلك البلاد، وعلى هذا يمكن أن يقال:
أولا: بناء على ما جاء في كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء من أنه قد وردت إلى معاليه تقارير تفيد أن بعض الشركات الأسترالية التي تصدر اللحوم للأقطار الإسلامية وخاصة شركة: (الحلال الصادق) ، والتي يملكها القادياني "حلال الصادق " لا تتبع الطريقة الإسلامية في ذبح الأبقار والأغنام والطيور، ويحرم الأكل من ذبائح هذه الشركات، وتجب مراعاة ما قررته الرابطة وأوصت به في كتابها (١)
стр. 16176
ثانيا: بناء على ما جاء في تقرير الأستاذ أحمد بن صالح محايري في طريقة الذبح في شركة (برنسيسا) من أن الذابح لا يدرى عنه هل هو مسلم أو كتابي أو وثني أو ملحد، ومن الشك في قطع الوريدين أو أحدهما، ومن أن شهادة المصدق على الشحنة لم تُبنَ على معاينته بنفسه أو بنائبه للذبح ولا على معرفته بالذابح؛ لا يجوز الأكل من هذه الذبائح، ويؤكد كون التذكية غير شرعية موافقة مدير الشركة على تعديل طريقة الذبح لتكون شرعية بشرط بيان الكمية اللازمة للجهة المستوردة أولا (١)
ثالثا: وبناء على ما جاء عنه أيضا في طريقة ذبح الدجاج والبقر في شركة (ساديا أويسته) من أن الذابح مشكوك في ديانته هل هو كتابي أو وثني، ومن أن الأبقار تصعق بكهرباء، فإذا سقطت رفعت من أرجلها بآلة ثم شق جلد رقبتها بسكين، ثم قطع الوريد بسكين آخر، فينزل الدم بغزارة، لا يجوز الأكل من هذه الذبائح (٢)
رابعا: بناء على ما جاء في تقرير الشيخ عبد الله الغضية عن الذبح في لندن من أن الذابحين من الشباب المنحرف الوثني أو الدهري، ومن أن الدجاجة تخرج من الجهاز ميتة منتوفة، ورأسها لم يقطع بل لم يظهر في رقبتها أثر الذبح، وإقرار إنجليزيٍّ من أهل المذبح بذلك، ومن خداع القائمين على المذبح لمن أراد الاطلاع على طريقة الذبح في المذبح الأوتوماتيكي الذي يذبح فيه للتصدير، واطلاعهم على مذبح يذبح فيه قلة من المسلمين للمسلمين بالداخل، وذلك مما يبعث في النفس ريبة في كيفية الذبح وديانة الذابح، لذلك لا يجوز الأكل من هذه الذبائح (٣)
стр. 16177
خامسا: بناء على ما جاء في تقرير الأستاذ حافظ عن طريقة الذبح في بعض الأمكنة المشهورة في اليونان من أن ذبح الحيوان الكبير يكون بعد سقوطه من ضرب رأسه بمسدس، ومن الشك في كون الذبح حصل بعد موته من المسدس أو قبل موته؛ لا يجوز الأكل منه، وهناك طريقة أخرى قال فيها صاحب التقرير: إن الذبح فيها على الطريقة الإسلامية، ولم يبين كيفية الذبح ولا ديانة الذابح, كما أنه لم يبين أماكن الذبح ولا شركاته في اليونان (١)
سادسا: بناء على ما جاء في تقرير الشيخ عبد القادر الأرناؤوط عن طريقة الذبح في يوغوسلافيا من أن الذبح في القرى وفي (سيراجيفو) على الطريقة الشرعية، والذابح مسلم؛ يجوز الأكل مما ذبح فيها، وبناء على ما جاء فيه عن الذبح في غيرها من مدن يوغوسلافيا من أن الذابح قد يكون غير مسلم، كتابيا أو شيوعيا ظاهرا، لا في حقيقة الأمر، لا يجوز الأكل من ذبائح هذه المدن للشك في أهلية الذابح.
سابعا: بناء على ما جاء في تقرير الدكتور الطباع عن طريقة الذبح في ألمانيا الغربية من أن الأبقار تضرب بمسدس في رؤوسها أولا، ثم لا تذبح إلا بعد أن تصير ميتة، لا تؤكل هذه الذبائح (٢)
стр. 16178
ثامنا: بناء على ما جاء في المقال الذي نشرته مجلة (المجتمع) (١) عن طريقة الذبح بالدانمارك من أن الذابح إلى الشيوعيين والوثنيين أقرب منه إلى النصارى، ومن أن الشركة هناك ليست عندها معلومات عن طريقة الذبح الإسلامي - إلا من جهة الإشاعات- حتى يتأتى لها أن تراعي في ذبحها الطريقة الإسلامية وأن تكتب على الطرود (ذبح على الطريقة الإسلامية) ، وإنما تكتب هذه الصيغة الجهة المستوردة ليصدق عليها هناك من لا يؤمن، مع امتناعهم من تمكين من يريد معرفة كيفية الذبح في الشركة المصدرة من الإطلاع على ذلك (٢)
وبناء على ما جاء أيضا عن الأستاذ أحمد صالح محايري عن محمد الأبيض المغربي الذي يعمل في تعليب اللحوم بالدانمارك من أنهم يكتبون عليه: (ذبحت على الطريقة الإسلامية) وهذا غير صحيح، لأن قتل الحيوان يتم كهربائيا على كل حال، وبناء على هذا وذاك لا يجوز الأكل من تلك الذبائح.
تاسعا: ما ذكر عن ابن العربي من إباحة الأكل مما ذكاه أهل الكتاب من الأنعام والطيور ونحوها مطلقا، وإن لم توافق تذكيتهم التذكية عندنا، وأن كل ما يرونه حلالا في دينهم فإنه حلال لنا، إلا ما كذبهم الله فيه؛ مردود بما تقدم في بيان طريقة الذبح وفي الفتاوى.
عاشرا: مما تقدم في بيان كيفية الذبح وديانة الذابحين يتبين أن ما ذكر في كتب (٣) وزارة التجارة والصناعة إلى الرئاسة، لا يقوى على بعث الاطمئنان في النفس إلى أن الذبائح المستوردة يحل الأكل منها، بل يبقى الشك على الأقل يساور النفوس في موافقة ذبحها للطريقة الإسلامية، والأصل المنع، وعلى هذا لابد من البحث عن طريق لحل المشكلة.
стр. 16179
خامسا: حل مشكلة اللحوم المستوردة":
يتلخص ذلك فيما يأتي:
ا- الإكثار من تربية الحيوانات، والعناية بتنميتها، واستيراد ما يحتاج إليه منها إلى المملكة حيا، وتيسير أنواع العلف لها، وتهيئة المكان المناسب لتربيتها وتذكيتها بالمملكة، وبذل المعونة لمن يعنى بذلك من الأهالي شركات أو أفرادا تشجيعا له، وتسهيل طرق توزيعها في المملكة.
وكذا الحال بالنسبة لإنشاء مصانع الجبن وتعليب اللحوم والزيوت والسمن وسائر الأدهان.
٢- إنشاء مجازر خاصة بالمسلمين في البلاد التي يراد استيراد اللحوم منها إلى البلاد الإسلامية أو المملكة العربية السعودية، ويراعى في تذكية الحيوانات بها الطريقة الشرعية.
٣- اختيار عمال مسلمين أمناء عارفين بطريقة التذكية الشرعية ليقوموا بتذكية الحيوانات تذكية شرعية في تلك الشركات بقدر ما تحتاج المملكة إلى استيراده منها.
٤- اختيار من يحصل به الكفاية من المسلمين الأمناء الخبيرين بأحكام التذكية الشرعية وأنواع الأطعمة، ليشرف على تذكية الحيوانات وعلى مصانع الجبن وتعليب اللحوم ونحوها في الشركات التي تصدر ذلك إلى المملكة العربية السعودية.
وإذا كان اليهود حريصين على أن يكون الذبح متفقا مع عقيدتهم ومبادئهم، فخصصوا لذلك مجازر لهم وعمالا يذبحون لهم كما يريدون، فالمسلمون أحق بذلك منهم وأولى أن يستجاب لهم، لكثرة ما يستهلكون من اللحوم ومنتجات المصانع الغربية، وشدة حاجة أولئك إلى تصريف ما لديهم من لحوم ومنتجات أخرى. والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء العضو: عبد الله بن قعود العضو: عبد الله بن غديان
النائب لرئيس اللجنة: عبد الرزاق عفيفي الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
وإن ما نقلناه من تقارير المندوبين لهيئة كبار العلماء وتوصيات اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء يكفي لإثبات أن معظم الشهادات المكتوبة على علب اللحوم المستوردة من كونها مذكاة بالطريقة الشرعية لا يوثق بها إطلاقاً, وعلى هذا فلا يجوز أكلها ما لم يثبت بطريق موثوق أنه مذبوح بالطريقة الشرعية.
وإليكم الآن خلاصة ما توصلنا إليه في هذا البحث.
стр. 16180
خلاصة البحث
١- إن قضية الذبح ليست من القضايا العادية التي لا تتقيد بأحكام، مثل طرق الطبخ، وإنما هو من الأمور التعبدية التي تخضع لأحكام مشروعة في الكتاب والسنة، بل هو من شعائر الدين وعلاماته التي تميز المسلم من غيره، حيث قال النبي ﷺ : ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله)) .
٢- لا يحل حيوان، ولو كان مأكول اللحم، إلا بالتذكية الشرعية التي يشترط لها الأمور الآتية:
(أ) أن يقع إزهاق الروح في الحيوانات المقدور عليها عن طريق قطع العروق في الحلق، على اختلاف الفقهاء في تعيين القدر الأقل منها.
(ب) أن يكون الذابح، على كونه عاقلا مميزا من المسلمين أو من اليهود والنصارى.
(ج) أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح, فلو تركت التسمية عمدا فالذبيحة في حكم الميتة على قول جماهير الفقهاء، وهو القول المنصور بالنظر إلى النصوص القطعية ثبوتا والواضحة دلالة, وأما من ترك التسمية ناسيا، فإنه معذور تحل ذبيحته, وإن الإمام الشافعي الذي ينسب إليه القول بجواز متروك التسمية عامدا لا يوجد له نص صريح في ذلك، بل تدل عباراته في كتاب "الأم " على أنه إنما يقول بالجواز في حالة النسيان, وقد صرح بالحرمة عند ترك التسمية استخفافا.
стр. 16181
٣- ذبائح أهل الكتاب إنما أجيزت لأنهم كانوا يتقيدون بالقيود الشرعية عند ذبحهم، فكانوا يحرمون الميتة والمخنوقة والموقوذة والفريسة، كما هو مذكور في كتبهم المقدسة التي سردت نصوصها في متن البحث, وكانوا لا يذكرون عند الذبح إلا اسم الله تعالى، ومن هذه الجهة اعتبرت ذبائحهم بمثابة ذبائح أهل الإسلام، وأحلت لهم.
٤- وكذلك أحلت للمسلمين نساء أهل الكتاب من جهة أنهم كانوا يلتزمون في أمر المناكحات أحكاما تشابه الأحكام المشروعة في الإسلام، ولذلك يجب لجواز هذا النكاح شرعا أن يقع النكاح حسب الأحكام الشرعية في الإسلام.
فكما أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ مقيد إجماعا بأن يلتزم الزوجان بالأحكام الشرعية, فكذلك قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مقيد بأن يقع الذبح بالتزام الأحكام الشرعية، فإن كلا الحكمين مقرون في نسق واحد.
٥- إن قول ابن العربي في حل ما خنقه أحد من أهل الكتاب قول يتعارض مع ما ذكره هو بنفسه من أن أهل الكتاب إنما تحل ذبائحهم إذا التزموا بالأحكام الشرعية, فيؤخذ من قوليه المتعارضين ما هو موافق للنصوص الصريحة ولإجماع أهل العلم. ثم إن القول بالحل مبني على كون المخنوقة حلالا في دين النصارى، والثابت من كتبهم خلافه، فلا يعتد بهذا القول الشاذ.
٦- الراجح أن التسمية شرط في حل ذبائح أهل الكتاب، كما هو شرط في ذبائح المسلمين، فإن قول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، يعم المسلمين وأهل الكتاب، وخاصة بالنظر إلى صيغة المجهول في قول الله تعالى: ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ .
стр. 16182
٧- المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى الذين يؤمنون بعقائدهم الأساسية، وإن كانوا يؤمنون بالعقائد الباطلة من التثليث والكفارة وغيرهما, أما من لا يؤمن بالله ولا برسول ولا بالكتب السماوية فهو من الماديين، وليس له حكم أهل الكتاب، وإن كان اسمه مسجلا كنصراني أو يهودي.
٨- اللحم الذي جهل ذابحه في بلاد المسلمين، يحمل على كونه ذكي بالطريقة الشرعية، ويحل أكله، إلا إذا ثبت أن ذابحه لم يذبحه بالطريقة الشرعية, والدليل على ذلك حديث عائشة ﵂ في ذبائح الأعراب.
٩- وما يوجد في أسواق أهل الكتاب يعتبر من ذبائح أهل الكتاب، إلا إذا ثبت كون الذابح من غيرهم.
١٠- إن النصارى اليوم خلعوا ربقة التكليف في قضية الذبح، وتركوا أحكام دينهم، فلا يلتزمون بالطرق المشروعة، فلا تحل ذبائحهم اليوم إلا إذا ثبت في لحم بعينه أنه ذكاه نصراني بالطريق المشروع, فلا يحل اللحم الذي يباع في أسواقهم ولا يعرف ذابحه.
١١- إن الطرق الآلية للذبح في الدجاج عليها عدة مأخذ من الناحية الشرعية:
(أ) غمس الدجاج قبل ذبحه في الماء البارد الذي فيه تيار من الكهرباء، فإنه لا يؤمن منه أن يموت الدجاج بالكهرباء.
(ب) تعذر التسمية على ما يذبح عن طريق السكين الدوار.
(ج) الشبهة في قطع العروق في بعض الحالات.
стр. 16183
١٢- يمكن أن نختار الطريق الآلي للذبح الشرعي بالطرق الآتية:
(أ) أن يستغنى عن طريق استعمال التيار الكهربائي للتخدير، أو يقع التأكد من خفة قوته بحيث لا يسبب موته قبل الذبح.
(ب) أن يستعاض السكين الدوار بأشخاص يقومون ويذبحون بالتسمية عند الذبح.
(جـ) أن يكون الماء الذي تمر منه الدجاج بعد الذبح لا يبلغ إلى حد الغليان.
١٣- الطريق الآلي لذبح البقر والغنم عليه مؤاخذتان: الأولى: أن الطرق التي تستخدم للتخدير من إطلاق المسدس، واستخدام الغاز من ثاني أكسيد الكربون، والصدمة الكهربائية لا يؤمن معها من موت الحيوان قبل الذبح، فيجب تعديل هذه الطرق إلى ما يقع التأكد من أنها ليست مؤلمة للحيوان، ومن أنها لا تسبب موته. والمؤاخذة الثانية أن الذبح قد لا يقع عن طريق قطع العروق.
فإذا وجدت الطمأنينة بإبعاد هذين الاحتمالين جاز استخدام الطريق الآلي للذبح.
١٤- أن ما يستورد من اللحوم من البلاد غير المسلمة لا يجوز أكلها، وإن كان يوجد عليها التصريح بأنها مذبوحة على الطريقة الإسلامية، فإنه قد ثبت أن هذه الشهادات لا يوثق بها، والأصل في أمر اللحوم المنع.
стр. 16184
توصيات:
ا- أن تعنى البلاد الإسلامية بالإكثار من إنتاج الثروة الحيوانية، بحيث لا تحتاج إلى استيراد اللحوم من البلاد غير المسلمة.
٢- ولئن احتاجت دولة إلى استيراد اللحوم فلتحاول أن يقتصر الاستيراد من البلاد المسلمة.
٣- وإلى أن تصل البلاد الإسلامية في إنتاجها إلى هذا المستوى، فلتفرض الحكومة على شركات الاستيراد أن تبعث وفودا من علماء الشريعة والخبراء إلى الشركات المصدرة، لتطلب منها التعديل في طريق الذبح بما يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، وتعين في بلدها رجالا من ذوي الغيرة من المسلمين يراقبون طريق ذبحهم بصفة دائمة بطريق يوثق به، ولا يصدرون شهادتهم على التذكية الشرعية إلا بعد الطمأنينة الكاملة على حصولها، ولا يصدرون شهادتهم بصفة إجمالية من أن هذا اللحم حلال، أو أنه مذبوح بالطريقة الإسلامية، بل تكون شهادتهم على التصريح بجميع العناصر اللازمة للتذكية الشرعية؛ من أن الحيوان ذبح بيد مسلم أو كتابي سمى عند الذبح، وقطع العروق اللازمة لحلة الحيوان.
٤- أن تمنع الحكومات الإسلامية الشركات المستوردة من استيراد اللحوم من بلاد غير إسلامية، ومن استخدام العبارات المجملة من كون اللحم حلالا، إلا بعد إنجاز ما سبق في الفقرة السابقة من الشروط.
٥- أن يعقد مجمع الفقه الإسلامي ندوة يدعى إليها المسؤولون من الشركات المستوردة للحوم وممثليهم من شتى مناطق الوطن الإسلامي بقدر الإمكان، لتشرح لهم أهمية القضية، وطريق التعامل المشروع، والتقييد بتوصيات المجمع في هذا الصدد.
القاضي محمد تقي العثماني
стр. 16185
الذبائح
والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة
إعداد
سماحة الشيخ أحمد بن أحمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أحل لعباده الطيبات وحرم عليهم الخبائث ووضع عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم منة منه وتكريما، فأحل لهم بهيمة الأنعام وكل ما كان نافعاً غير ضار من جنس الحيوان، وكرم الإنسان فلم يجعله كالسباع الكاسرة يعدو على البهيمة افتراسا ويقضم لحمها التهاما، بل شرع له الذكاة تطييبا للحم وإتماما للنعمة. والصلاة والسلام على رسوله الذي بعثه للعالمين رحمة وللثقلين هداية، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فإن الله سبحانه اختص الجنس البشري بالتكريم والتفضيل منة منه سبحانه وابتلاء لهذا المخلوق أيشكر أم يكفر؟ ومن مظاهر هذا التكريم البالغ ما نشهده من تسخير ما في الأرض من أجل منفعته، بل تسخير ما في الوجود بأسره ليتحقق به استخلافه في الأرض، وليصل به إلى القيام بما نيط به من تكاليف وواجبات، وشرائع وأحكام تجعله فريدا بين أجناس الموجودات في الأرض في أهليته للاضطلاع بهذه الأمانة الملقاة على عاتقه والواجب الذي شهد على حيزومه، والقرآن الكريم يعلن ذلك كله في قول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] ، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقوله سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] .
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]
стр. 16186
ومن تسخيره تعالى ما في الأرض لمصلحة الإنسان تمكينه له من الحيوانات المختلفة التي تشاركه الوجود على ظهر هذا الكوكب المظلم، سواء ما كان منها على أديم اليابسة أو ما كان في أعماق البحار والمحيطات، أو ما كان يسبح في الفضاء طيراناً، وسواء ما كان منها صغير الحجم أو ضعيف القوة، وما كان عظيم الجسم قوي البنية مهيب السطوة، فإن سيطرة الإنسان عليها جميعا سيطرة غالبة وذلك بما منحه الله من ملكات العقل ووسائل التدبير.
وقد جعل الله تعالى منافعها متفاوتة بحسب حاجة الإنسان إليها، وكيفية استغلاله لها، ومن بينها منفعة الغذاء الذي جعله الله قواما للأبدان، وهنا تتجلى وسطية الإسلام بين الإفراط والتفريط اللذين لا ينفك عنهما غيره من الأديان والأفكار والنظم، فهو يباين الديانة البرهمية التي تحرم على أتباعها أكل ذوات الأرواح جميعا، كما يباين المذهب الإباحي الذي لا يتقيد في ذلك بقيد ولا يقف عند حد، إذ الإسلام إنما يبيح الطيب دون الخبيث والنافع دون الضار، فلذلك أحل منها ما أحل وحرم منها ما حرم بحسب ما تقتضيه الحكمة الربانية من تحقيق منفعة العباد وتجنيبهم كل ما هو ضار.
على أن ما أباحه الإسلام من أجناس الحيوانات لم يكل إلى الإنسان إزهاق روحه بأي كيفية كانت، وإنما شرع لذلك أحكاما وحد حدودا تتلاءم مع الفطرة وتتواءم مع دواعي الرحمة التي تتدفق بها مشاعر الإنسان السليم، وبهذا ارتفع الإنسان عن دركات السبع الفتاك الذي يعدو على البهيمة فيفري أديمها ويمزع أشلاءها ويلتهم لحمها ولو لم تفارق الحياة جسمها، ويظهر ذلك جليا فيما أتى به الإسلام من أحكام الذكاة الشرعية التي فيها الرفق بالحيوان والسمو بالإنسان، كما تتحقق بها المصلحة وتندرئ بها المفسدة, وبما أن كثيرا من الأحكام المتعلقة بالذكاة اختلفت فيها أفهام أهل العلم فصارت موضع أخذ وردٍّ بين فقهاء الأمة رأى مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر الإسلامي ممثلا في شخص أمينة العام صاحب الفضيلة معالي الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة- حفظه الله- بحث بعض الموضوعات المتعلقة بذلك، وقد تكرم فضيلته فوجه إلي دعوة للمشاركة ببحث في ذلك بعنوان: (الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة) . وهو ينقسم حسب توجيه فضيلته إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول: التذكية الشرعية شروطها وأحكام مخالفتها مما وقع إزهاق الروح فيه بالطرق الحديثة.
المحور الثاني: حكم ما جهل إسلام ذابحه مما حل أكل لحمه.
المحور الثالث: حكم اللحوم المستوردة.
стр. 16187
المحور الأول
وهو ينقسم إلى مقدمة وأربعة مباحث.
المقدمة (في تعريف الذكاة لغة واصطلاحا) :
أصل الذكاة لغة بمعنى التمام، كما نص عليه ابن منظور (١) في اللسان، إذ قال: وأصل الذكاة في اللغة كلها إتمام الشيء، فمن ذلك الذكاء في السن والفهم، وهو تمام السن، قال: وقال الخليل: الذكاء في السن أن يأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استتمام القوة. قال زهير:
يفضله إذا اجتهدوا عليه
تمام السن منه والذكاء
وبمثله قال من المفسرين الفخر الرازي (٢) وابن العربي (٣) والقرطبي (٤) والسيد محمد رشيد رضا (٥) , وعليه حمل القرطبي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، أي أدركتم ذكاته على التمام. وهو يتفق مع ما نقله تقي الدين الحصني في كفاية الأخيار عن الإمام النووي، وقال: " معنى ذكاة الشاة ذبحها التام المبيح"، ومنه: فلان ذكي أي تام الفهم (٦)
غير أن القرطبي ذكر وجهاً آخر، وهو أن أصل التذكية التطييب، من قولهم رائحة ذكية، والحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب، لأنه يتسارع إليه التجفيف، وهذا الذي صدر به تقي الدين الحصني في كفاية الأخيار, وتابعه عليه كل من الدكتور عبد الله عبد الله العبادي في كتابه الذبائح في الشريعة الإسلامية (٧) والدكتور محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه أحكام الذبائح في الإسلام (٨) وقد يتبادر أن ذلك صحيح، نظرا إلى شيوعه في استعمال الناس، ولكن عندما نعود إلى معاجم اللغة من أجل فهم المراد من ذكاء الرائحة نجد أنه بمعنى الشدة، سواء كانت من طيب أو نتن، كما نص عليه ابن منظور في اللسان، والزبيدي في تاج العروس (٩)
стр. 16188
أما الذكاة الشرعية فقد عرفها ابن العربي (١) والقرطبي (٢) بأنها عبارة عن أنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور عليه؛ مقرونا ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله تعالى عليه. وعرف ضياء الدين الثميني (٣) الذكاة بأنها قطع الحلقوم والمريء والودجين (٤) ويتبادر إلى أنه خاص بنوع من التذكية، وهو الذبح دون النحر والصيد.
المبحث الأولى: في كيفية الذكاة الشرعية:
لا يخلو الحيوان المراد تذكيته إما أن يكون مقدورا عليه أو غير مقدور عليه، فالمقدور عليه وهو الإنسي وما وقع في قبضة اليد من الوحشي فتذكيته لا تكون إلا بنحر أو ذبح، وفيما يأتي بيان ذلك:
ا- النحر: وهو طعن بآلة ذات نصل حاد في اللبة تحت العنق وفوق الترقوة، مع استحسان أن يكون الحيوان المنحور قائما على ثلاث، وقد عقلت إحدى يديه لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]
стр. 16189
قال أبو غانم (١) في مدونته: قلت لأبي المؤرج (٢) أخبرني قول الله ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، قال: حدثني أبو عبيدة (٣) عن جابر بن زيد (٤)
عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: إن قول الله: ﴿صَوَافَّ﴾ يعني بذلك قيام المعقولات (٥) وقد أخرج ذلك عن ابن عباس ﵄ ابن جرير الطبري من طريق أبي ظبيان ومجاهد وغيرهما (٦) وأمر الله نبيه ﷺ به في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعيته في الإبل، وألحق بها كل ما كان مثلها في طول العنق كالزرافة، ووردت به السنة في الخيل كما في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄: ((نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلناه)) (٧) ووردت به السنة أيضا في البقر كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
стр. 16190
٢- الذبح: وهو حز الرقبة من مقدمتها بسكين أو نحوها مما يفري وينهر الدم، ولا خلاف بين أهل العلم أن تمامه بقطع الحلقوم والمريء والودجين- كما سبق نقله عن صاحب النيل في تعريف الذكاة- وهي الكيفية المجمع على إجزائها في تذكية ما يذبح، واختلف فيما دونها على أقوال: الأول: أنه يكتفي بقطع الحلقوم والمريء، وعليه الشافعية والحنابلة، قال الإمام النووي نقلا عن الرافعي: "الذبح الذي يباح به الحيوان المقدور عليه إنسيا كان أو وحشيا، أضحية كان أو غيرها هو التدقيق بقطع جميع الحلقوم والمريء من حيوان فيه حياة مستقرة بآلة ليست عظما ولا ظفرا" (١)
وقال ابن قدامة في المغني: "وأما الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء" (٢) وهو قول لبعض علمائنا الإباضية (٣) كالإمام أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر (٤)
стр. 16191
الثاني: أنه يجزي قطع ثلاثة منها بدون تعيين وهو قول الإمام أبي حنيفة، ففي (الاختيار لتعليل المختار) : "فإن قطعها حل الأكل " لوجود الذكاة "وكذلك إذا قطع ثلاثة منها" أي ثلاثة كانت (١) وذكر العلامة ابن نجيم أنه قول أبي يوسف أولا (٢)
الثالث: أنه لا يجزي إلا أن يقطع من كل واحد منها أكثره، وهو قول محمد بن حسن (٣)
الرابع: أنه لا يجزي إلا قطع الحلقوم والودجين وهو قول مالك بن أنس، ففي المدونة: "قلت: أرأيت إن ذبح فقطع الحلقوم، ولم يقطع الأوداج أو فرى الأوداج ولم يقطع الحلقوم أيأكله؟ قال: قال مالك: لا يأكله إلا باجتماع منهما جميعاً، لا يأكل إن قطع الحلقوم ولم يفر الأوداج، وإن فرى الأوداج ولم يقطع الحلقوم فلا يأكله أيضا، ولا يأكله حتى يقطع جميع ذلك؛ الحلقوم والأوداج، قلت: أرأيت المريء هل يعرفه مالك؟ قال: لم أسمع مالكاً يذكر المريء " (٤)
الخامس: أنه لا يجزئ إلا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهو قول أبي يوسف (٥) وهو يتفق مع ما في المصنف من كتب أصحابنا (٦)
стр. 16192
السادس: أنه يجزئ قطع الحلقوم أو المريء وحده، لأن الحياة لا تبقى بعده، ذكره النووي وجها لأبي سعيد الاصطخري من الشافعية، وتعقبه بقوله: "قال الأصحاب: هذا خلاف نص الشافعي وخلاف مقصود الذكاة، وهو الإزهاق بما يوحي ولا يعذب " (١)
السابع: أنه لابد من قطع الأربعة جميعا، وهو قول أكثر أصحابنا الإباضية كما سبق نقله عن صاحب النيل، وذكره في المغني رواية عن أحمد وعزاه (٢) إلى مالك وأبي يوسف، وعزاه إلى مالك أيضا ابن رشد (٣) وذكر القرطبي أنه حكاه عنه البغداديون، ونسبه أيضا إلى أبي ثور (٤) وفي شرح النيل: "والمشهور أنه لابد من قطع الأوداج والحلق والحلقوم " (٥) ومراده بالحلق المريء.
الثامن: أنه يجزئ قطع الودجين وحدهما، ذكره ابن رشد قولا لمالك (٦) والأصل في هذا ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة وابن عباس ﵃ ((أن النبي ﷺ نهى عن شريطة الشيطان)) (٧) وفسرت بأنها الذبيحة يقطع منها الجلد ولا تفرى الأوداج وتترك حتى تموت، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((اذبحوا بكل شيء فرى الأوداج ما خلا السن والظفر)) (٨)
стр. 16193
ولفظة الأوداج تطلق تغليبا على الودجين والحلقوم والمريء، قال الإمام النووي: "أما الحلقوم فهو مجرى النفس خروجا ودخولا، والمريء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم، ووراءهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم، وقيل يحيطان المريء يقال لهما الودجان، ويقال للحلقوم والمريء معهما الأوداج " (١) وفي كنز الدقائق وشرحه البحر الرائق: "والمذبح المريء والحلقوم والودجان، لما روي عنه ﵊ أنه قال: "أفر الأوداج بما شئت ". وهي عروق الحلق في المذبح، والمريء مجرى الطعام والشراب، والحلقوم مجرى النفس، والمراد بالأوداج كلها، وأطلق عليه تغليبا، وإنما قلنا ذلك لأن المقصود يحصل بقطعهن، وهو إزهاق الروح وإخراج الدم، لأنه بقطع المريء والحلقوم يحصل الإزهاق، وبقطع الودجين يحصل إنهار الدم، ولو قطع الأوداج وهي العروق من غير قطع المريء والحلقوم لا يموت فضلا عن التوجه، فلابد من قطعهما ليحصل التوجه، ولا بد من قطع الودجين أو أحدهما ليحصل إنهار الدم" (٢)
وبما أن مشروعية التذكية من أجل تطييب اللحم مع مراعاة راحة الحيوان المذكى؛ يتبين رجحان القول السابع الذي يشترط في الذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين جميعا، فإن ذلك- لا ريب- أبلغ في إراحة المذبوح من شدة معاناة آلام الموت، وأكثر تطييبا للحم بإنهار دمه من كلا ودجيه، وهى الكيفية التي انعقد الإجماع على إجزائها في الذبح، وذلك أحوط في العمل بما دلت عليه السنة من فري الأوداج؛ لصدق مفهوم الأوداج على هذه الأربعة كلها.
стр. 16194
وهذا لا ينافي كون هذه الأقوال كلها لها وجه من النظر، ونجد في شرح النيل توجيها منصفا لغالب هذه الأقوال عندما قال الشارح: "فإن قلت كيف القول بإجزاء قطع أحدهما- أي الودجين- مع الحلق والحلقوم؟ قلت: لعله ساغ لهم الخلاف مع أن ذلك مأمور به في الحديث من حيث حمل الحديث على الإرشاد إلى المصلحة، والرفق بالدابة فإنه يسهل موتها بجميع ذلك ويسرع، ولم يحملوه كله على الوجوب، فمن أوجب قطع الحلق والحلقوم فقط اعتبر قطع النفس والأكل والشرب، وهن مادة الحياة فلا تصح الحياة مع عدمهن، ومن أوجب قطع الودجين فقط اعتبر أن تلك المجاري الثلاثة تنسد بقطعهما، ومن أوجب قطع الحلق والحلقوم وأحد الودجين جمع بين ذلك، ومن أوجب الكل راعى ظاهر الحديث، وهو الراجح, وقد يوجه أيضا القول باغتفار بقاء ودج واحد مع قطع الحلق والحلقوم والودج الآخر باعتبارها الأكثر وإلغاء الأقل واعتبار أنه لا حكم للأقل ". (١)
هذا وقد شرع الذبح فيما لا ينحر كالغنم والطيور والأرانب، وما كان مقدورا عليه من أشباهها في الحيوانات الوحشية، واختلف فيما هو الأفضل في البقر، فرجحت طائفة الذبح لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وهو وإن كان خطابا موجها إلى من قبلنا إلا أنه محكي لنا على أن مشروعية التذكية في كل أمة من الأمم المخاطبة بشرع تتفق مع طبيعة المذكى، فلا ينبغي أن يكون في ذلك فرق بين أمة وأخرى. ورجحت طائفة أخرى النحر؛ لحديث جابر ﵁ أنه قال: ((نحرنا مع رسول الله ﷺ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة))
стр. 16195
(١) وهو يدل على أن كلا من الإبل والبقر ينحر، ورد بأن ذلك جرى مجرى المألوف في كلام العرب عندما يعطفون خبرا على خبر مع تفاوت المعطوف والمعطوف عليه، بحيث يتعذر أو يبعد أن يكونا على وتيرة واحدة، وذلك أنهم يقدرون قبل المعطوف ما يتلاءم معه كما في قول الشاعر:
ولقيت زوجك في الوغى متقلدا سيفاً ورمحاً
فإنهم قدروا ومعتقلا رمحا، لأن الرمح لا يتقلد، وقول الآخر:
علفتها تبنا وماء باردًا.
فإنهم قدروا وسقيتها ماء، لأن الماء لا يعلف وإنما يسقى، فكذلك يقدر في حديث جابر: وذبحنا البقر. ونسب ذلك الكاساني إلى عامة العلماء (٢) إلا أن قفي رواية للدارمي فعن أبي الزبير عن جابر جاءت بلفظ: "نحرنا مع رسول الله ﷺ البقرة عن سبعة". وهي لا يتأتى معها ذلك التأويل (٣)
والذبح أنسب بطبيعة البقر لقصر أعناقها بخلاف الإبل، وقد أوضح حكمة هذا التفاوت العلامة القرافي فقال: "وأصل ذلك أن المقصود بالذكاة الفصل بين الحرام الذي هو الفضلات المستقذرة وبين اللحم الحلال بأسهل الطرق على الحيوان، فما طالت عنقه كالإبل فنحره أسهل لزهوق روحه لقربه من الجسد وبُعد الذبح منه، والذبح في الغنم أسهل عليها لقربه من الجسد والرأس معا، ولما توسطت البقر بين النوعين جاز الأمران، وأشكل على هذه القاعدة النعامة، ففي الجواهر أنها تذبح -ولم يحك خلافًا - مع طول عنقها، ولعل الفرق بينها وبين الإبل أن نحرها ممكن من جوفها، فنحرها شق لجوفها (٤)
والظاهر أن عدم الخلاف في ذلك إنما هو في المذهب المالكي، وإلا فقد صرح الحنفية بنحر ما كان طويل الرقبة من الطيور كالوز والنعام (٥)
стр. 16196
٣- هل يجزئ الذبح فيما ينحر والنحر فيما يذبح؟
هذا مما اختلف فيه أهل العلم، فأكثرهم جوزوه وعزاه ابن قدامة في المغني إلى عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وإنما حكي عن داود الظاهري أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح (١) وهو كما ترى يعزو إلى مالك رأي الجمهور القائلين بالجواز، مع أن المشهور من مذهبه خلاف ذلك كما نص عليه في المدونة، إذ جاء فيها: "قلت: هل ينحر ما يذبح، أو يذبح ما ينحر في قول مالك؟ قال مالك: لا ينحر ما يذبح، ولا يذبح ما ينحر، قلت: قال ابن القاسم: فالبقر إن نحرت أترى أن تؤكل؟ قال: نعم هي خلاف الإبل إذا ذبحت، قال: قال مالك: قال: والذبح فيها أحب إلي، لأن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ، قال: فالذبح أحب إلي، فإن نحرت أكلت، قال: والبعير إذا ذبح لا يؤكل إذا كان من غير ضرورة، لأن سنته النحر، قلت: وكذلك الغنم إن نحرت لم تؤكل في قول مالك؟ قال: نعم إذا كان ذلك من غير ضرورة، قلت: وكذلك الطير ما نحر منه لم يؤكل في قوله؟ قال: لم أسأله عن الطير، وكذلك هو عندي لا يؤكل ". (٢)
وما في المدونة هو الذي نصت عليه كتب المالكية كالذخيرة وبداية المجتهد (٣) وهو يتنافى مع هذا الذي نقله عنه ابن قدامة، إلا أنه قال من بعد: "وحكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر، لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه، قال ابن المنذور: إنما كرهه ولم يحرمه " (٤) وحمل المنع على الكراهة دودن التحريم بعيد؛ لما ذكرناه من كلامه في المدونة، وإنما هو قول حكاه ابن رشد عن أشهب من أصحابه (٥) وحكي عن ابن بكير أنه فرق بين الغنم والإبل، فقال: يؤكل البعير بالذبح، ولا تؤكل الشاة بالنحر (٦)
стр. 16197
هذا وأما ما حكاه ابن قدامة عن داود أنه لا يبيح نحر ما يذبح ولا العكس؛ فإن ابن حزم ذكر عن بعض أصحابه موافقة رأي الجمهور في الجواز، ولم يشر إلى داود إلا أنه أطال في رد قول مالك منتصرا لرأي المجيزين حتى ادعى أنه لا سلف لمالك في المنع (١) والخلاف في هذه المسألة جاء في كتب مذهبنا الإباضي، ففي النيل: "وهل يؤكل إن نحر ما يذبح كعكسه - وهو المختار- أو لا؟ قولان، قال شارحه: ثالثهما الإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل، والبقر والغنم تذبح، فإن نحرت لم تؤكل، ورابعها جواز أكل الإبل إن ذبحت دون غيرها إن نحر، وكره بعضهم نحر الشاة قائمة بلا تحريمها" (٢)
ومع النظر يتبين أن القول الثالث هو عين القول الثاني، ويشكل ذكره فيه البقر مع الغنم أنها لا تؤكل إن نحرت، مع الاتفاق على جواز النحر في البقر، وإن رجح الأكثر فيها الذبح.
ثم قال مصنف النيل: "وجاز الكل للضرورة إجماعا، قال الشارح: وفي هذا دليل على جواز ذلك أيضا، في غير الضرورة، وأنه لا تحرم به الدابة، ولو كان لا يجوز في غير الضرورة وأنه في غير الضرورة لا تحل به الدابة لم يجز في الضرورة إلا إن اضطر إلى ميتة، ولما حلت بذلك بدون أن يضطر إلى ميتة علم أن ذكر النحر في الإبل إنما هو على سبيل الترجيح، لأنه أسرع في موتها لا على سبيل الوجوب، ولما كانت البقر بين الإبل والغنم ورد فيها الذبح والنحر على حد سواء، ولما سهل أمر الشاة ورد ذبحها ولم يمتنع نحرها" (٣)
стр. 16198
ورد ابن رشد (١) هذا الاختلاف إلى معارضة الفعل للعموم، فأما العموم فقوله ﵊: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا". وأما الفعل فإنه ثبت ((أن رسول الله ﷺ نحر الإبل والبقر وذبح الغنم)) ، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ وعلى ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]
ولا ريب أن العموم مجمل هنا فهو بحاجة إلى البيان، وخير ما بينه فعل الرسول ﷺ فلا ينبغي العدول عنه.
٤- حصر التذكية في اللبة والحلق وحكمة ذلك:
استقر العمل في الإسلام على تذكية المقدور عليه من الحيوان في الحلق واللبة، وثبت ذلك بالسنة والإجماع، فقد أخرج الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ((بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال)) . (٢) وروى سعيد والأثرم بإسنادهما عن الفرافصة قال: كنا عند عمر فنادى: إن النحر في اللبة والحلق لمن قدر (٣) . قال العلامة ابن قدامة في المغني: "وأما المحل فالحلق واللبة وهي الوحدة التي بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع - إلى أن قال: وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لأنه مجمع العروق، فتنسفح بالذبح فيه الدماء السيالة ويسرع زهوق النفس، فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان ". (٤)
стр. 16199
وهذا يعني أن العدول عن هذه التذكية الشرعية إلى أي طريقة أخرى في إزهاق روح الحيوان تجعله ميتة غير حلال الأكل، وأما ما رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي العشراء عن أبيه أن النبي ﷺ سئل: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: ((لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)) . فهي رواية متروكة لا عمل بها عند الأمة، وناهيكم أن الإجماع انعقد على خلافها، كما نص على ذلك كلام ابن قدامة السالف وغيره من الفقهاء، وأبو العشراء هذا مجهول يروي عن جهول، قال أحمد: أبو العشراء هذا ليس بمعروف (١) ،وقال الخطابي: " وضعفوا هذا الحديث لأنه رواية مجهول " (٢) وقال الحافظ في التلخيص: "قد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه على الصحيح ولا يعرف حاله " (٣)
ولا يشك عاقل أن الخير في الاتباع لا في الابتداع، وأن خير العباد فيما أمرهم به الله ورسوله ﷺ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ولا مساغ للاجتهاد مع النص أو الإجماع، وقد تبين لنا باستقراء الأدلة الشرعية أن التذكية من أمور العبادات التي لا يسوغ فيها العدول عما شرع فيها، ولا تجاوز حدودها التي رسمت.
غير أنا رأينا العلامة السيد محمد رشيد رضا يجنح في تفسيره المنار إلى أن الذكاة ليست من العبادات، ويومئ إلى أنه يسوغ للناس أن يعدلوا فيها إلى الوسائل المستجدة في إزهاق الروح، لأنها أسهل مما هو معهود من قبل، وهذا نص كلامه:
стр. 16200
"ولما كانت التذكية المعتادة في الغالب لصغار الحيوانات المقدور عليها هي الذبح، كثر التعبير به فجعله الفقهاء هو الأصل وظنوا أنه مقصود بالذات لمعنى فيه، فعلل بعضهم مشروعية الذبح بأنه يخرج الدم من البدن الذي يضر بقاؤه فيه لما فيه من الرطوبات والفضلات، ولهذا اشترطوا فيه قطع الحلقوم والودجين والمريء على اختلاف بينهم في تلك الشروط، وإن هذا لتحكم في الطب والشرع بغير بينة، ولو كان الأمر كما قالوا لما أحل الصيد الذي يأتي به الجارح ميتا وصيد السهم والمعراض إذا خزق؛ لأن هذا الخزق لا يخرج الدم الكثير كما يخرجه الذبح، والصواب أن الذبح كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس، فلذلك اختاروه وأقرهم الشرع عليه أنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك، وإني لأعتقد أن النبي ﷺ لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتذكية الكهربائية - إن صح هذا الوصف فيها- لفضلها على الذبح، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو لغيرهم من الأحياء، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ ونحوه، وأمور العادات في الأكل واللباس ليست مما يتعبد الله الناس تعبدا بإقرارهم عليه، وإنما تكون أحكام العبادة بنصوص من الشارع تدل عليها، ولا يعرف مراد الشارع وحكمته في مسألة من المسائل إلا بفهم كل ما ورد فيها بجملته، ولو كان إقرار الناس على شيء من العادات أو استئناف الشارع لها حجة على التعبد بها لوجب على المسلمين اتباع النبي ﷺ في كيفية أكله وشربه ونومه، بل هنالك ما هو أجدر بالوجود كالتزام صفة مسجده وحينئذ يحرم فرشه ووضع السرج والمصابيح فيه.
стр. 16201
وقد تأملنا مجموع ما ورد في التذكية ففقهنا أن غرض الشارع منها اتقاء تعذيب الحيوان بقدر الاستطاعة، فأجاز ما أنهر الدم وما مَرَّاه أو أمرَّاه أو أمرَّه، وهو دون معنى (أنهره) في معنى إخراجه أو إسالته، وأمر بأن تحد الشفار وأن لايقطع شيء من بدن الحيوان قبل أن تزهق روحه، وأجاز النحر والذبح حتى بالضرار أي بالحجارة المحددة، وبالمرو أي الحجر الأبيض، وقيل الذي تقدح منه النار، وبشق العصا وهذا دون السكين غير المحدد بالشحذ، ولكل وقت وحال ما يناسبهما، فإذا تيسر الذبح بسكين حاد لا يعدل إلى ما دونه، وإذا تيسر في الذبح إنهار الدم يكون أسهل للحيوان وأقل إيلاماً له فلا يعدل عنه إلى مثل طعن المتردية في ظهرها أو فخذها أوخزق المعراض وخدشه لأي عضو من البدن، والرمي بالسهم للحيوان الكبير ذي الدم الغزير" (١)
وقد نحا هذا النحو من أهل زماننا العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، إذ قال في رسالته (فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب) : "ليس عندنا ما يدل على قصر التذكية وحصرها في قطع الحلقوم والمريء حسبما شرطه الفقهاء، إلا أنها جرت العادة بذلك في الإسلام وزمن الجاهلية، ولأن هذه الكيفية أسرع وأسهل لإزهاق روح الحيوان، لكون الحلقوم والمريء هما مجرى النفس والطعام والشراب، ولأن هذه الكيفية هي أبقى وأسلم للجلد الذي له قيمة في زمانهم، حتى كانوا يسلخون جلود الميتة وينتفعون بها". (٢)
стр. 16202
وأرى أن العالمين الجليلين قد اشتطا كثيرا وأبعدا النجعة في هذه المسألة، وكفى بانعقاد الإجماع قبلهما على خلاف ما ذهبا إليه حجة ودليلا على شططهما، وقد علمنا من خلال استقرائنا لأدلة الشرع من نصوص الكتاب والسنة أن التذكية من الأمور التعبدية، وليست من الأمور العادية التي توكل إلى تجارب الناس وأذواقهم، فلا مقارنة بينها وبين اللباس وسائر الأمور الشكلية الموكولة إلى العادات، وكفى دليلا على ذلك أن الله تعالى قرن بين النحر والصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، وكذلك قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] فإن النسك: الذبيحة في قولي أكثر المفسرين، وأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه في قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ، ونهى عن أكل ما لما يذكر اسمه عليه إذ قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وأمر بذكره عند نحر البدن إذ قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، وحذر من أكل ما أهل به لغيره، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]
فإن قيل؛ ليس مطلق التذكية عبادة وإنما ينحصر ذلك فيما كان قربانا إلى الله كالهدي والأضاحي والنذور ونحوها.
стр. 16203
قلنا: هذا الحصر لا دليل عليه، بل الأدلة قائمة على خلافه، إذ لو أريد بالذبح مجرد زهوق الروح لما كان معنى لحصر الإباحة في ذبائح المسلمين وأهل الكتاب وحدهم دون المشركين، على أن المشرك قد يحسن الذبح كما يحسنه المسلم، ولم يحجر الدين على المسلم الانتفاع بما يعمله المشركون من الصناعات، فله أن يلبس مما ينسجون وأن يستعمل كل آلة مما يصنعون، كركوب السيارات والقطارات والطائرات، ولو كان ذلك في أسفار العبادات كالحج والعمرة والجهاد, ولا يمنع من الصلاة بالثوب الذي نسجه المشرك والإحرام فيه، ومع هذا كله يمنع منعا باتا من أكل ما يذبحونه، ولو استوفى ذبحهم جميع الشروط الشرعية الواجب توافرها في ذبيحة المسلم، ولو كان ذلك تحت إشراف المسلم نفسه.
وقد جاء النص القطعي بتحريم الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما أدركت ذكاته، مع أن كل ذلك حيوانات زهقت أرواحها لأسباب وقعت عليها، ولم تمت حتف أنفها، غير أنها شرعًا الحقت بما مات حتف أنفه في التحريم، فما الداعي لتحريمها لولا أنها لم يكن زهوق روحها بطريقة تعبدية خاطب الله بها العباد وألزمهم إياها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ؛ وليت شعري أي فارق بين أكيلة السبع التي حرمت بالنص وبين ما صادته الجوارح فمات في أثناء الصيد لولا اعتبارالجانب العبادي في الصيد وهو النية والتسمية؛ ومثلها النطيحة في ذلك.
стр. 16204
ولئن قيل بأن الموقوذة إنما حرمت من أجل ما حل بها من التعذيب المنافي لما يأمر به الإسلام من الرفق بالحيوان. فالجواب: أن هذه الحرمة كانت جديرة بأن تكون خاصة بالواقذ دون غيره، على أن الوقذ قد يكون من متعد غير مالك للحيوان، فيَحرُم به على مالكه إن لم يدرك تذكيته، ولو كانت الحرمة من أجل التعذيب وحده لما كان معنى لإباحة الموقوذة إن ادركت ذكاتها، كما دل عليه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، على أن هذه الحرمة لم تنحصر فيما وقع عليه الأثر بفعل فاعل مكلف، إذ حرمت كذلك المنخنقة والمتردية، وقد يكون الانخناق بفعل الدابة نفسها، بحيث تلتوي بحبلها على عنقها إلى أن تختنق أنفاسها، وقد تتردى نفسها من شاهق من غير أن يدفعها أحد، على أنها لو تردت فوقعت على آلة حادة أصابت مذبحها أو منحرها، فقطعت منها ما يقطعه الذابح أو الناحر لما حلت بذلك، ولما خرجت عن حكم الميتة، فما هو الفارق بين هذه الصورة وبين التذكية إلا فقدان عنصر العبادة فيها؟
стр. 16205
وقد تظافرت الروايات الدالة على هذا المعنى، منها حديث: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة" وقد تقدم، ومنها أحاديث اشتراط ذكر اسم الله على الذبح والنحر وإرسال السهم والجارحة، وسوف نذكر- إن شاء الله- ما تيسر ذكره منها في موضعه، كما يدل على ذلك أيضاً ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي الدرداء وغيره ﵁ ((أن النبي ﷺ نهى عن أكل المجثمة)) . (١) وأخرج النسائي والدارمي أن النبي ﷺ قال: ((لا تحل المجثمة)) (٢) والمراد بها التي تصبر للنبل، ولم تحصر حرمتها على صابرها أو راميها فحسب.
ويدل على ذلك أيضا حديث عدي بن حاتم عند الشيخين أنه سأل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض، فقال له ﷺ : ((إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ)) . (٣)
ومثله ما أخرجه الشيخان عنه أن النبي ﷺ قال: ((إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب يوما ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله)) . (٤)
стр. 16206
قال الإمام النووي في شرحه: "فيه بيان قاعدة مهمة وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه " (١)
ومن أصرح الأدلة على كون التذكية عبادة ما ثبت عن علي كرم الله وجهه أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لعن الله من ذبح لغير الله)) . (٢)
هذا وقد ثبت طبياً أن الذكاة الشرعية هي أسلم طريقة وأبعدها عن التأثر بالمضار، فما قاله الفقهاء في تعليل التذكية ومشروعيتها في موضعها لم يكن تحكما في الطب، وسنبين ذلك- إن شاء الله- في موضعه.
وأما ما ذكره العلامة ابن محمود أن قصر التذكية وحصرها في قطع الحلقوم والمريء أمر جرت به العادة في الإسلام وزمن الجاهلية، وأن من جملة أسبابه أن هذه الكيفية هي أبقى وأسلم للجلد الذي له قيمة في زمانهم، فقد تقدم فيما ذكرناه أنفا ما يدل على خلافه، ورد هذا التعليل الذي ذكره الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد بأنه منتقض بذبحهم لما لا ينتفع بجلده كالدجاج والطيور ونحوها، فإنهم يذبحونها في حلوقها وليس لها جلد ينتفع به (٣)
هذا وهناك مسائل تتعلق بكيفية الذبح وقع الخلاف فيها بين أهل العلم نرى ضرورة إيرادها هنا:
стр. 16207
ا- عدم قطع الغلصمة: إن لم تقطع الغلصمة في منتصفها وخرجت إلى جهة البدن، فقد حكى ابن رشد عن مالك وابن القاسم أنها لا تؤكل، وعن أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب جواز أكلها (١) وقال الإمام الثميني في النيل: "وكرهت إن ذبحت ورجعت حنجرتها لما يلي المنحر لا بفساد، لجواز قطع الحلق والحلقوم من أصلهما أو وسطهما"، وأقره شارحه ونقل عنه- أي مصنف النيل- أنه قال في التاج: "كل الرقبة مذبح من الرأس إلى استفراغها من الأسفل "، ثم قال الشارح بعد كلام: "وظاهر كلام التاج أنه إن فصل الحلق كله إلى الرأس أو إلى الجسد ولم يقطع بعضه لم تحرم على قول، والصحيح الفساد" (٢) وفي (بيان الشرع) نقلا عن كتاب الرقاع أنه لا حرمة بشيء من ذلك (٣) ونقل الدكتور العبادي جواز الأكل في هذه الحالة عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد لحصول المقصود بذلك (٤) ورد ابن رشد هذا الخلاف إلى اختلافهم في اشتراط قطع الحلقوم، فمن اشترطه منع أكلها، ومن لم يشترطه أجازه (٥) وذكر القرافي أن المنع مبني على مراعاة دلالة الحديث على قطعها التزاما والإباحة مبنية على أن انقطاع النفس حاصل بذلك، وهو كاف في زهوق الروح (٦)
стр. 16208
٢- قطع جميع الرأس والنخاع: وقد اختلف فيه، ففي مدونة الإمام مالك: "قلت: أرأيت إن سبقت يده في ذبيحته فقطع رأسها، أيأكلها أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: يأكلها إذا لم يتعمد ذلك " (١) ومفهومه أنه إن تعمده لم يأكلها، وإن قال ابن القاسم: بأنه لم يحفظ في ذلك شيئا عنه، ونقل القرافي من المالكية عن ابن القاسم جواز أكلها وإن تعمده، وهو المنصوص عنه في المدونة، وعن اللخمي أنها لا تؤكل مع العمد (٢) وهو الذي نسبه النووي إلى مالك، وقال: "وهي رواية عن عطاء " (٣)
ولا خلاف في المذهب عندنا أنه يعذر المخطئ في ذلك، وإنما الاختلاف في العامد، وقد جاء في (بيان الشرع) ما نصه: "ومن تعمد لقطع رأس الذبيحة فقطعت فقيل إنها لا تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك فسبقته الشفرة فلا بأس بأكلها". (٤) ونصت كتب الحنفية على كراهة ذلك من غير تحريم (٥) وعللت الكراهة في البحر الرائق وفي بدائع الصنائع بأن في ذلك زيادة تعذيب للحيوان، ونص النووي على أن مذهب الشافعي جواز أكل ما فعل به ذلك عمدًا، ونقل عن ابن المنذر أنه حكاه عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعمران بن الحصين، وعطاء والحسن البصري والشعبي والنخعي والزهري، وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد، وحكى كراهتها عن ابن سيرين ونافع (٦)
стр. 16209
وأرى أن المتشددين في هذه المسألة نظروا إلى أن قطع جميع الرأس يفضي قطعا إلى قطع النخاع، وهو يؤدي إلى الإسراع في الموت فيكون موت الدابة بعامل آخر غير تذكيتها، والخلاف واقع بين أهل العلم في نفس قطع النخاع هل يؤدي إلى حرمة المذبوح أو لا إن تعمده؛ فمالك كره ذلك إذا تمادى في القطع ولم ينو قطع النخاع من أول الأمر، قال ابن رشد: "لأنه نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة ". (١) ومفهومه أنه إن نواه تجاوز حكم الكراهة إلى ما هو أشد منها، وقال مطرف وابن ماجشون: "لا تؤكل إن قطعها متعمدا دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهيا أو جاهلًا ". (٢) وفي الكنز وشرحه البحر من كتب الحنفية كراهة ذلك (٣) وهكذا في المجموع، ونقل عن ابن المنذر أنه حكي عن ابن عمر عدم جواز أكلها، وبه قال نافع، وكرهه إسحاق، قال: وكرهت طائفة الفعل وأباحت الأكل، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور، قال ابن المنذر: بقول هؤلاء أقول، قال: ولا حجة لمن منع أكله بعد الذكاة. (٤) وأرى أن حجتهم ما ذكرته في قطع جميع الرأس، ثم وجدته منصوصا عليه في شرح النيل (٥) على أنه جاء في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: "سمعت ناسا من الصحابة يروون عن النبي ((أنه نهى في الذبائح عن أربعة أوجه: الخزل والوغز والنخع والترداد)) ، وفسر الربيع النخع بكسر الرقبة، وذكر شارحه الإمام السالمي (٦) أن غير الربيع فسره أنه المجاوزة بالسكين منتهى الذبح إلى النخاع، وهو خيط أبيض داخل عظم الرقبة يمتد إلى الصلب يكون في جوف الفقار (٧) ومن المعلوم أن الأصوليين مختلفون في النهي هل هو يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟ فلا يستبعد أن يكون ذلك منشأ الخلاف المذكور.
стр. 16210
٣- الذبح من القفا: اختلف فيه إن وصل الذابح إلى ما يجب قطعه في الذبح، فعن أحمد أنها لا تؤكل، وهو مفهوم كلام الخرقي، وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك وإسحاق، قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة (القفينة) ، وقال القاضي: إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت وإلا فلا، ويعتبر ذلك بالحركة القوية، وهذا مذهب الشافعي (١) وصحح هذا الرأي صاحب المغني معللًا إياه أن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة، وأنه لو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك حسبما نص عليه أحمد، إذ قال: لو أن رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة كان له أن يأكله، وقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: تلك ذكاة وَحْيَة.
وأفتى بأكلها عمران بن الحصين، وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري، ونقل أبو بكر عن الإمام أحمد قولين فيها، وصحح أنها مباحة لأنه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح، وعضد ذلك بما روي عمن ذكر من الصحابة من غير مخالف، وفرع عنه صاحب المغني ما لو ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أولا؟ أنه ينظر فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القتل فالأولى إباحته، لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن كانت الآلة كالة وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح، لأنه مشكوك في وجود ما يحله، كما لو أرسل كلبه على الصيد فوجد معه كلباً آخر لا يعرفه (٢)