رابعا: لا يجوز أن يكون من يتولى الذبح في المجازر التي يوافق على الاستيراد من ذبائحها جزارا غير مسلم، لأنه إن لم يكن مسلما ولا كتابيا فذبيحته محرمة، وإن كان نصرانيا فهو يستحل الميتة، ولا يبالي بأي طريقة كان الذبح، أما إن كان يهوديا فذبحه عموما جيد إن ذبح لليهود، لكنه يكره المسلمين ويكيد لهم، فلا يبالي كيف ذبح لهم، وقد نص المالكية على أنه يكره تمكين الكتابي من أن يكون جزارا في أسواق المسلمين أو بيوتهم، بخلاف ما لو ذبح لنفسه أو قومه فلا يكره أكله لأنه طعامهم، ومن هنا قال الإمام الشافعي: "أحب أن يكون المذكي بالغا مسلما فقيها". وقال القرافي في الذخيرة: "قد أمر عمر أن يقام الكتابيون من أسواقنا: الجزارون وغيرهم " (١) .
خامسا: توضع على اللحوم التي يوافق على استيرادها، وهي التي حازت شروط القبول الشرعي، علامة تجارية مميزة، تسجل لدى جميع الدول في سجل العلامات التجارية، ويطلب من الدول المصدرة الاعتراف بها كعلامة خاصة مملوكة للجهة الإسلامية القائمة بالأمر، وإدخالها ضمن العلامات التجارية المحمية بالقانون، بحيث يمكن مقاضاة أي جهة تستعملها استعمالا غير مرخص به من جهة المؤسسة المالكة لها.
سادسا: يمكن أن يوضع لاستعمال تلك العلامات رسوم مادية بحيث تكون موردا تمول منه العملية بكاملها. والله الموفق للصواب والهادي إلى سبيل الرشاد.
стр. 16382
خلاصة البحث
ا- حيوان البحر، وما لا دم له سائلا من حيوان البر، كالجراد، يحل أكله دون تذكية.
٢- التذكية بذبح الحيوان البري ذي الدم السائل، أو نحره، من أجل التغذية الإنسانية، أمر مطلوب شرعا على طريق الوجوب، ولا يحل الحيوان المقدور عليه إلا بذلك، وذلك لأن الشرع أمر باستخدام هذه الطريقة، ولأنها خير الطرق لاستنزاف دم الحيوان ليطيب لحمه.
٣- التذكية الاضطرارية بطعن الحيوان بجارح، يجوز استخدامها بالنسبة إلى الصيد غير المقدور عليه، وبالنسبة للحيوان الأهلي إن ندّ أو تردى بطريقة لا يقدر فيها على ذبحه أو نحره.
٤- من تولى الذبح وكان على ملة غير الإسلام ولا النصرانية ولا اليهودية، أو كان مرتدا أو شيوعيا أو ملحدا أو دهريا فذبيحته ميتة لا تحل للمسلم.
٥- لا تحل الذكاة في الحيوان النجس العين كالخنزير والكلب، وتعمل فيما عداه في الحيوانات غير المحرمة، وتعمل في الحيوانات المحرم أكل لحمها بتطهير أجزائه من جلد وغيره، لاستعمالها في غير الأكل.
٦- لا تعمل الذكاة في حيوان ميت، أو مشرف على الموت ما لم يكن فيه حياة مستقرة، بحيث يتحرك بسبب الذبح ويسيل الدم.
стр. 16383
٧- لا يجوز أن يذبح الإنسان الذبيحة بنهش مذبحها بأسنانه وأظفاره، بل لا بد من استعمال آلة محددة كالسكين ونحوها، سواء كانت من حديد أو غيره.
٨- على المسلم عند الذبح أن يذكر اسم الله تعالى، فإن تعمد أن يترك ذكر اسم الله تعالى لم تحل ذبيحته، وإن تركها نسيانا أو جهلا تؤكل.
٩- إن سمي على الذبيحة اسم غير الله تعالى استقلالا، أو مع ذكر اسمه تعالى حرمت، سواء كان الذابح مسلما أو غير مسلم.
١١- لا تكون التذكية الاختيارية إلا بذبح الحيوان بقطع الودجين في مقدم العنق، أو بنحره في اللبة، وهي الوهدة في أسفل العنق.
١١- يفضل الاقتصار على قطع الودجين، ولا ينبغي التجاوز بقطع الرقبة كلها، أو القطع من القفا.
١٢- يحسن بالمسلم إذا أراد الذبح التقيد بآداب الذبح المبينة في مكان آخر من هذا البحث، امتثالا لقول النبي ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )) الحديث.
١٣- لا بأس في المسالخ من استعمال طرق للسيطرة على الحيوان المراد ذبحه، بشرط أن لا يكون في الطريقة المستعملة تعذيب للحيوان يمكن الاستغناء عنه بطرق أخرى، وأن يؤمن من موت الحيوانات أو بعضها قبل أن تذبح.
١٤- لا يجوز استعمال الوقذ والمسدس والخنق بثاني أكسيد الكربون أو ضغط الهواء في جوف الحيوان حتى يموت، وكل ذلك حرام.
١٥- لا مانع من استخدام التخدير قبل الذبح إن ثبت أنه لا يضعف تدفق الدم.
١٦- يجوز الذبح للطيور ونحوها بالآلات السريعة، إن كانت متقنة بحيث يؤمن من أن تقطع في غير محل القطع.
стр. 16384
١٧- يجزئ في المجموعات الكبيرة من الطيور إن كثرت كثرة يشق على الذابح التسمية عليها واحدا واحدا، أن يكتفي بالتسمية مرة واحدة على كل مجموعة يتوالى الذبح فيها بسرعة، فإن توقف لسبب ما، وأراد أن يعود، فعليه أن يسمي مرة أخرى.
١٨- اللحم الذي يذبح في ديار المسلمين، أو الديار التي أغلب أهلها مسلمون، ويوجد في أسواقهم، يحل للمسلم أكله، ولو لم يعلم كيف تم ذبحه، ما لم تقم القرائن القوية على أنه ذبح بطريقة غير مشروعة.
١٩- اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين من بلاد غالب أهلها وثنيون أو شيوعيون لا يحل للمسلم تناولها ما لم يؤت بشهادة من جهة إسلامية موثوقة أنه ذبح على الطريقة الإسلامية وبأيد إسلامية.
٢٠- اللحوم المستوردة من بلاد نصرانية أو غالبية أهلها نصارى لما كانت تزهق أرواح الذبائح عندهم بطريقة غير مقبولة شرعا، كالصعق بالكهرباء، والضرب في الدماغ بالمسدس القاتل، والخنق بضغط الهواء في الصدرأو بثاني أوكسيد الكربون، وأصبح هذا عنهم معلوما علما ينفي الريب، فلا يحل المستورد من عندهم إلا إن علم عن جهة معينة عندهم أنها تذبح على طريقة مقبولة شرعا، أو تأتي الشهادة المعتبرة شرعا أن المجموعة المستوردة ذبحت بطريق مقبولة شرعا.
٢١- ينبغي للدولة الإسلامية- حرصا على دينها ومصلحة شعوبها ودينهم- التدخل في الأمر، لتحقيق الأحكام الشرعية فيما يستورد إليها من اللحوم من البلاد غير الإسلامية.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.
د. محمد سليمان الأشقر
стр. 16385
مراجع البحث
* ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تقي الدين، شيخ الإسلام، (٦٦١-٧٢٨ هـ) - اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، القاهرة، مكتبة السنة المحمدية، ١٣٦٩ هـ.
* ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، شهاب الدين (٧٧٣- ٨٥٢ هـ) - فتح الباري شرح صحيح البخاري، القاهرة، المكتبة السلفية، تمت طباعته سنة ١٣٩٠ هـ.
* ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد، النمري القرطبي (٤٦٣ هـ) - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، بتحقيق محمد أحمد أحيد أحيد ولد ماديك الموريتاني، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، ١٣٩٨ هـ.
*ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد، موفق الدين المقدسي الحنبلي (٥٤١- ٦٢٠هـ) - المغني شرح مختصر الخرقي، ط ثالثة، القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ.
* ابن كثير، إسماعيل بن عمر، أبو الفداء (٧٥١- ٧٧٤ هـ) - تفسير القرآن العظيم، بيروت.
* ابن مفلح، محمد بن مفلح، أبو عبد الله (٧٦٣ هـ) - الفروع في الفقه الحنبلي، راجعه عبد الستار فراج ط ٤، بيروت، عالم الكتب ١٤٠٥ هـ.
* ابن همام الدين، محمد بن عبد الواحد السيواسي الإسكندري الحنفي (٧٩٠- ٨٦١ هـ) - شرح فتح القدير على الهداية للمرغيناني، بيروت، المكتبة العلمية.
* أبو سريع محمد عبد الهادي- الأطعمة والذبائح في الفقه الإسلامي، مصر، دار الاعتصام، (د، ت) .
стр. 16386
* الخطابي، حمد بن محمد، أبو سليمان البستي (٣٨٨هـ) - معالم السنن: وهو شرح لسنن أبي داود، بيروت، المكتبة العلمية، مصور عن طبعة القاهرة ١٣٥٢ هـ.
* الدسوقي، محمد بن عرفة، شمس الدين (١٢٣٠ هـ) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، القاهرة، عيسى الحلبي، د. ت.
* السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (٩١١هـ) - تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، القاهرة، عبد الحميد الحنفي، ١٣٥٣ هـ. الشافعي، محمد بن إدريس، المطلبي الإمام (١٥٣- ٢٠٤ هـ) -الأم، بيروت، دار الفكر، د. ت.
*صالح بن فوزان الفوزان- الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح (رسالة دكتوارة) ، الرياض، مكتبة المعارف، ١٤٠٨ هـ.
* عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي- الاختيار لتعليل المختار، علق عليه الشيخ محمود أبو دقيقة، بيروت، دار المعرفة، (د. ت) القرافي، أحمد بن إدريس الصنهاجي (- ٦٨٤ هـ) - الذخيرة في الفقه المالكي، بتحقيق محمد أبو خبزة، بيروت دار الغرب الإسلامي ,١٩٩٤م.
* القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري (٦٧١هـ) -الجامع لأحكام القران، القاهرة دار الكاتب العربي، ١٣٨٧ هـ، مصورة عن طبعة دار الكتب.
* مالك بن أنس، الإمام (٩٥- ١٧٩) - الموطأ: انظر: السيوطي-تنوير الحوالك.
*المحلي، محمد بن أحمد، جلال الدين- شرح المنهاج، ومعه حاشيتا القليوبي وعميرة، القاهرة، عيسى الحلبي، ١٣٥٦ هـ.
* محمد عبد القادر أبو فارس- أحكام الذبائح في الإسلام: الذبح، الصيد، العقيقة، الأضحية، ط ٣، الزرقاء، مكتبة المنار للطباعة والنشر، ١٤١٤ هـ.
* محمد فتحي الدريني- بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٤ هـ.
*المودودي، أبو الأعلى - ذبائح أهل الكتاب، رسالة موجزة، تونس، دار بوسلامة للنشر، (د. ت)
стр. 16387
الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة
إعداد
الدكتور محمد الهواري
الأستاذ بجامعات ألمانيا
مخطط البحث
الفصل الأول: التذكية الشرعية
أولا) تعريف الذكاة:
١- الذكاة في اللغة
٢- الذكاة الشرعية عند الفقهاء
ثانيا) شروط التذكية:
١- التسمية
٢- أهلية المذكي
٣- موضع الذكاة من الحيوان (مكان الذبح)
٤- آلة التذكية
٥- الحيوان المذكى
ثالثا) طرائق الذبح (كيفية الذبح) :
ا- التذكية الشرعية بدون تدويخ الحيوان
٢- الذبح بعد التدويخ:
(١) تدويخ الحيوان بالصدمة الكهربائية
(٢) التدويخ بالمسدس ذي الواقذة
(٣) التدويخ باستعمال غاز ثاني أكسيد الكربون
(٤) التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة
(٥) الخنق بالطريقة الإنكليزية
(٦) ذبح الطيور والدواجن
٣- معاملة الحيوان قبل الذبح وبعد الذبح.
رابعا) آداب التذكية ومستحباتها.
خامسا) مكروهات التذكية.
سادسا) ذبائح أهل الكتاب.
الفصل الثاني: حكم ما جهل ذابحه مما حل أكله.
الفصل الثالث: حكم اللحوم المستوردة.
خلاصة البحث.
مراجع البحث.
стр. 16388
الفصل الأول
التذكية الشرعية
شروطها وأحكام مخالفتها مما وقع إزهاق الروح فيه بالطرق الحديثة
أولا- تعريف التذكية:
ا) التذكية في اللغة:
(١) التذكية: الذبح (١) والذكاء والذكاة: الذبح؛ عن ثعلب. وكل ذبح ذكاة.
والعرب تقول: ذكاة الجنين ذكاة أمه، أي إذا ذبحت الأم ذبح الجنين.
وفي الحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه ".
ابن الأثير: التذكية الذبح والنحر (٢) ؛ يقال: ذكيت الشاة تذكية، والاسم الذكاة، والمذبوح ذكي.
ذكى الشاة وغيرها: ذبحها وفرى أوداجها (٣)
وذكى الناقة: نحرها؛ والاسم الذكاة والذكاء؛ فالشاة ذَكِيٌّ (٤)
ويقول ابن حزم: "والذكاة في اللغة الشق، وهو أمر متفق على جملته إلا أن الناس اختلفوا في تقسيمه " (٥)
стр. 16389
(٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ قال أبو إسحاق:"معناه إلا ما أدركتم ذكاته من هذه التي وصفنا". (١)
ومعنى التذكية: أن تدركها وفيها بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدركت ذكاته، وأهل العلم يقولون: إن أخرج السبع الحشوة أو قطع الجوف قطعًا تخرج معه الحشوة" فلا ذكاة لذلك، وتأويله أن يصير في حالة ما لا يؤثر في حياته الذبح (٢) .
وقد روي عن علي، وابن عباس، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ذَنَبٌ يتحرك، فأكله حلال.
(٣) وأصل الذكاة في اللغة كلها إتمام الشيء (٣)
قال الأزهري: أصل الذكاء في اللغة كلها تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن والفهم وهو تمام السن.
(٤) وجاء في تاج العروس: "قال الراغب: حقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية، لكن خص في الشرع بإبطال الحياة على وجه دون وجه (٤) أي وهو قطع الحلقوم والمريء بمنهر للدم: من سكين وسيف وزجاج وحجر وقصب له حد يقطع كما يقطع السلاح المحدد, ما لم يكن سنا أو ظفرا".
стр. 16390
(٥) وقال القرطبي: "ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب؛ يقال: رائحة ذكية؛ فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب، لأنه يتسارع إليه التجفيف ".
ثم قال: " فالذكاة في الذبيحة تطهير لها وإباحة لأكلها ". (١) ومسك ذكي وذاك وذكية: ساطع ريحه، وأصل الذكاء في الريح شدتها من طيب أو نتن (٢) .
(٦) وقال الطبري: " ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا ". (٣)(٧) على أن لسان العرب قد انفرد بتفسير لمعنى (الذبح) لغة، إذ يقول: "هوقطع الحلقوم من باطن عند النصيل ". وهو ما لا يتفق مع المعنى الشرعي للذبح في أي من المذاهب الفقهية، بل لم يذهب إلى هذا المعنى أحد من الفقهاء.
(٨) ويبدو أن أهل اللغة، لا يفرقون بين الذبح والتذكية: فقد جاء في القاموس المحيط: "والتذكية:الذبح " (٤)
كما جاء في لسان العرب: "جدي ذكي، أي ذبيح ".
غير أن التذكية تحمل معان أخر، فكانت أعم.
стр. 16391
والإمام النووي يشير إلى معنى لغوي آخر "للذكاة" وهو "التتميم " أو"الإكمال "، وعلى هذا فإن "الذكاة" هي كمال الذبح وإتمامه (١)
فالتذكية هي إذن: الذبح والنحر والعقر في غير المقدور عليه، وإتمام الفعل والتطييب والتطهير بالذبح.
(٢) الذكاة الشرعية في المذاهب الفقهية:
ا- عرف بعض المالكية (الذكاة الشرعية) بأنها: "عبارة عن أنهار الدم، وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه، مقرونا بالقصد لله، وذكره عليه ". (٢) .
٢- وعرفها البعض الآخر من المالكية: بأنها السبب الموصل إلى حل أكل الحيوان البري اختيارا، وأنواعها أربعة: ذبح، ونحر، وعقر، وفعل يزيل الحياة بأية وسيلة (٣)
وهذا تعريف للذكاة الاختيارية بمعناها العام، ما عدا العقر في غير المقدور عليه، لأنها ذكاة اضطرارية، لمكان العجز عن الذبح أو النحر في المكان المخصوص.
٣- على أن ابن رشد المالكي، في كتابه "بداية المجتهد" يحرر مذهب المالكية في "صفة الذكاة" ويخصصها بالذبح، حيث يقول: "فإن المشهور عن مالك في ذلك، هو قطع الودجين، والحلقوم (على التعيين) وأنه لا يجزئ أقل من ذلك ". (٤)
стр. 16392
٤- أما الحنفية فقد عرفوا الذكاة الشرعية بأنها: " إتلاف الحيوان بإزهاق روحه للانتفاع بلحمه بعد ذلك ". (١)
وعرفوا " الذبح " بأنه: " فري (قطع) الأوداج " حتى إذا استوفى قطعها، فذلك" كمال التذكية" وإن فرى بعضها دون بعض، فإن قطع ثلاثة منها دون تعيين، وترك واحداً حل الذبيح عند أبي حنيفة، إعطاء للأكثر حكم الكل.
أما أبو يوسف، فيرى أنه لابد من قطع الحلقوم والمرئ، وأحد الودجين، على التعيين، وذهب محمد إلى أن حلية الذهب، لا تتم إلا بقطع الأربعة، ويكتفى من قطع كل واحد منها بأكثره (٢)
٥- أما الشافعية فقالوا:" الحيوان المأكول، إنما يصير مذكي بأحد طرقين: أحدهما: الذبح في الحلق واللبة؛ وذلك في الحيوان المقدور عليه، والثاني: العقر المزهق في أي موضع كان (٣)
وذهب الشافعية إلى وجوب قطع الحلقوم والمريء بشرط استيعاب قطعها، وأما قطع الودجين، فمستحب عندهم (٤) .
стр. 16393
٦- وذهب الحنابلة مذهب الشافعية: في وجوب قطع الحلقوم والمريء، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب (١) .
٧- وجاء في فقه السنة للسيد سابق ما يلي: الذكاة في الأصل معناها التطيب، ومنه: رائحة ذكية، أي طيبة، وسمي بهذا الذبح لأن الإباحة الشرعية جعلته طيباً.
وقيل: الذكاة معناها: التتميم، ومنه فلان ذكى، أي: تام الفهم.
والمقصود بها هنا: ذبح الحيوان أن نحره بقطع حلقومه (مجرى التنفس) أو مريئه (مجرى الطعام والشراب ومن الحلق) ، فإن الحيوان الذي يحل أكله لا يجوز أكل شيء منه إلا بالتذكية ما عدا السمك والجراد (٢) .
٨- وقالت الظاهرية: والتذكية قسمان: قسم في مقدور عليه متمكن منه، وقسم في غير مقدور عليه أو غير متمكن منه؛ وهذا معلوم بالمشاهدة، فتذكية المقدور عليه المتمكن منه ينقسم قسمين لا ثالث لهما: إما شق في الحلق وقطع يكون الموت في أثره، وإما نحر في الصدر يكون الموت في أثره؛ وسواء في ذلك كله ما قدر عليه من الصيد الشارد أو من غير الصيد، وهذا حكم ورد به النص بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] والذكاة في اللغة الشق، وهو أمر متفق على جملته إلا أن الناس اختلفوا في تقسميه.
стр. 16394
وإكمال الذبح هو أن يقطع الودجان والحلقوم والمرئ- وهذا ما لا خلاف فيه من أحد- فإن قطع البعض من هذه الآراب المذكورة فأسعر الموت كما يسرع من قطع جميعها فأكلها حلال، فإن لم يسرع الموت فليعد القطع ولا يضره ذلك شيئاً، وأكله حلال, وسواء ذبح من الحلق في أعلاه أو أسفله، رميت العقدة إلى فوق أو إلى أسفل، أو قطع كل ذلك من القفا، أبين الرأس أو لم يبن، كل ذلك حلال أكله، وهذا مكان اختلف الناس فيه. (١)
٩- وجاء في فقه الإمامية:"الذبح هو قطع الأوداج الأربعة جميعاً، دون استثناء أي منها، حتى إذا لم يقطع أي منها أو كلها دون استيفاء، لم تحل الذبيحة". (٢)
هذا ويقصد بالأوداج: الحلقوم، والمريء والودجان.
أما الحلقوم: فهو مجرى التنفس، والمريء: مجرى الطعام والشراب، والودجان، هما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم والمريء.
وإنما عبروا بالقطع احترازاً عن (الشق) لأن هذا غير كاف في حلية المذبوح عندهم، ذهاباً منهم إلى أن" كمال التذكية " لا يتم إلا بقطع الأربعة جميعًا إنهارًا للدم، وإزهاقاً للروح، وإراحة للذبيحة من التعذيب, وليس مجرد إزهاق الروح دون أنهار الدم بمجزئ في حلية الذبح (٣) .
محل النزاع: الاتفاق- كما يبدو- منعقد على أصل القطع للأربعة جميعًا في الذبح، ومحل النزاع" فيما يكتفي به من القطع"؛ أي الحد الأدنى منه.
стр. 16395
ويبدو أن تعريف المالكية للذكاة الشرعية من أفضل التعاريف؛ لضبطه وإيجازه، فهي برأيهم: " السبب الموصل إلى حل أكل الحيوان البري"، وهذا يشمل كل وسيلة تفضي إلى الحل شرعًا إذا توافرت شروطها. معنى هذا أن السبب الموصل إلى الحل هو الوسيلة أو الطريق الذي يؤدي إلى رفع حياة الحيوان البري المذكى حالة السعة والاختيار، (لا حالة الاضطرار) ، وذلك إنما يكون في الحيوان المستأنس الأليف المقدور على تذكيته الذكاة الشرعية، في محلها، وبشروطها، وواضح أن هذا يختلف باختلاف الحيوان:
أ) من كونه ذا دم سائل: فتكون تذكيته بفصل الدم الخبيث النجس المحرم، عن اللحم الطاهر الطيب الحلال، وبالذبح أو النحر، تبعا لكون الحيوان مما يذبح أو ينحر.
من سنة الضأن والمعز والبقر والدواجن: الذبح، ومن سنة الإبل: النحر.
ب) أو كونه لا دم له سائلا: من مثل الجراد والسمك، فإن السبب الموصل إلى حله- في فقه المالكية- هو الفعل المميت الذي يرفع الحياة الثابتة بأي وسيلة، بمعنى أن "ذكاته إماتته " لا فصل دمه، لأن الفرض أن لا دم له سائل يفصل، وهذا عند المالكية، خلافا للجمهور الذي يرى: أن الجراد يحل أكله ميتا، "دون فعل يميته ".
وأما السمك فيعتبر مجرد إخراجه من الماء حيا ذكاة له.
стр. 16396
والعقر: هو طعن أو جرح الوحشي غير المقدور عليه، في أي موضع من جسمه بمحدد، بحيث يسيل دمه ويموت من ذلك الجرح، وهذه تذكية شرعية اقتضتها الضرورة بالنسبة إلى هذا الحيوان الوحشي الممتنع النفور غير المقدور على ذبحه، في موضع الذبح، أو الحيوان المستأنس الذي طرأ عليه التوحش عند الجمهور، بأن شرد أو ندّ واستعصى في مكان ضيق، أو تردى في بئر أو كان صائلا، بحيث يتعسر- إن لم يتعذر- ذبحه في المحل المخصص له شرعا. (خلافا للإمام مالك الذي لا يعتبر طروء التوحش مبيحا للعقر، بل اقتصر في اعتبار العقر ذكاة على الحيوان الوحشي طبعا، وبأصل خلقته) .
والذبح: هو قسم من الذكاة الشرعية، وهو الوسيلة المتعينة للحل دون سواها، وبالنسبة للحيوان البري المأكول اللحم، إذا كان مستأنسا أهليا مقدورا عليه، كالضأن، والماعز، والبقر، والطيور الدواجن، بخلاف الإبل، فوسيلة تذكيتها النحر.
стр. 16397
ثانيا- شروط الذبح أو التذكية:
تفتقر الذكاة إلى خمسة أشياء هي: (الذكر) و (الذابح) و (محل الذبح) و (آلة الذبح) و (الحيوان المذبوح) ، وأضاف بعضهم: (توجيه الذبيحة للقبلة) .
ا- الشرط الأول: التسمية (الذكر) :
ذهب الجمهور ومنهم الإمامية إلى أن التسمية هي شرط وجوب لحلية الذبيح بالنسبة للمسلم.
قال مالك: كل ما ذبح ولم يذكر عليه اسم الله فهو حرام، سواء ترك ذلك الذكر عمدا أو نسيانا. وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين (١)
أما الشافعي وغيره, فقد رأوا: حل متروك التسمية عمدا، أو سهوا أو خطأ من باب أولى إذا كان الذابح أهلا للذبح (٢)
стр. 16398
وانقسم الجمهور نفسه إلى فريقين:
أ) فريق ذهب إلى أن التسمية واجبة مطلقا عند الذبح حال الذكر (التذكر) أو النسيان، على السواء، فالحل متوقف على هذا الشرط، أخذا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وقوله ,وقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وبهذا أخذ الظاهرية (١) وهو مروي عن الحسن وابن سيرين، وللشعبي، وغيرهم.
وعلى هذا فإن التسمية، بحسب رأي هذا الفريق، شرط وجوب عند الذبح ليحل الذبيح، مسلما كان الذابح أو كتابيا، إجراء للنص على إطلاقه (٢)
ب) ومذهب الحنفية والمالكية بأنها واجبة حال الذكر دون النسيان (٣) .
بل ذهب المالكية إلى أن "التسمية" ليست بواجبة أصلا على الكتابي، وإن كانت واجبة في حق المسلم، فقد جاء في المسوى شرح الموطأ: "تحل ذبيحة أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] هكذا بإطلاق دون قيد التسمية، ولا أبلغ في التعبير عن معنى الإباحة، من لفظ الحل " (٤)
стр. 16399
تنبيه: ينبغي أن يلاحظ أن الشافعية وإن قالوا بعدم وجوب التسمية، في حق المسلم ولا حق الكتابي، غير أنهم لا يجيزون ذكر اسم أحد الأصنام أو الأوثان ,أو اسم غير الله تعالى على الذبائح، بل يحرمون الذبيحة إن ذكر اسم غيره تعالى، يقول الإمام النووي: "ذبيحة أهل الكتاب حلال، سواء أذكروا اسم الله عليها أم لا، لظاهر القرآن: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي، وحماد (أستاذ أبي حنيفة) وأبي حنيفة " (١) وقال الإمام النووي في الروضة: "ولا يجوز أن يقول الذابح أو الصائد: باسم محمد، ولا: باسم الله واسم محمد، بل من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه، واليمين باسمه، والسجود له، ولا يشاركه في ذلك مخلوق ". ثم أورد عن نص الشافعي، ﵀: " أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله تعالى - كالمسيح- لم تحل " (٢)
إن تارك التسمية ناسيا مرتكبا لمحرم، والحديث يشهد بذلك:
"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان". (٣) واعتبر النسيان عذرا في أكثر من حكم في الشريعة, والحل هو قول عدد كبير من الصحابة والتابعين، بل هو بشيء من التسامح قول الجمهور, وهذا ما يتمشى ومصالح الناس في جلب المصلحة ودفع المفسدة، إذ لكثرة مشاكل الناس ومشاغلهم صار النسيان عندهم طبعا، فالقول بحرمة متروك التسمية نسيانا عسر ومشقة، والمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع (٤)
стр. 16400
التسمية ولغتها ووقتها:
إن المطلوب من الذكر أن يذكر الذابح أي اسم من أسماء الله تعالى، فيجزيه ذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وليس هناك فصل بين اسم من أسماء الله تعالى وبين آخرلقوله : ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أو ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
فإن قال: بسم الله أو بسم الله الرحمن الرحيم، أو بسم الرحمن، أو الرحيم، أو الكريم، أو قال: بسم الله والله أكبر، أو قال: الله أكبر، أو الله أجل، أو الله أعظم، أو الله أعز، فيجزيه ذلك الذكر, ويجزئه هذا اللفظ بأي لغة كانت، سواء كانت العربية أم الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، أو أية لغة من لغات العالم، والسبب في ذلك هو أن الشرط الذكر، وهو يحصل بأية لغة. والذكر هنا غير تكبيرة الافتتاح في الصلاة (١)
, والواجب في التسمية أن ينوي بها التسمية على الذبيحة، أما إذا أراد غير ذلك كأن عطس فقال: الحمد لله تنزيهاً للباري عما لا يليق به، فقالوا: لا تؤكل لأنها خلت عن الذكر (٢) .
أما وقت الذكر في الذكاة الاختيارية فيجب أن يكون عند الذبح أو النحر، ولا يجوز قبل ذلك ولا بعده، ولا يجوز التراخي فيها، لأن الله تعالى اشترط الذكرعلى الذبيحة، وهو لا يتحقق إلا وقت الذبح.
أما الذكاة الاضطرارية فوقت التسمية فيها وقت الرمي أو الإرسال، لا وقت الإصابة (٣)
стр. 16401
٢- الشرط الثاني: أهلية المذكي:
اشترطت الشريعة الإسلامية في حل الذبيحة أن يكون المذكي أهلا للذكاة، وهذه الأهلية المرتبطة، منها ما يعود إلى الخصائص العقائدية، ومنها ما يعود إلى الخصائص البدنية (١) .
(أ) ذهب الأحناف إلى اشتراط الإسلام في المذكي، ومن كان غير مسلم لا تصح تذكيته باستثناء الكتابي، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥]
ولا تحل مذكاة من لا كتاب له، ولا يؤمن بنبي مرسل، ودخل في ذلك أصحاب العقائد الباطنية مطلقاً- أي دون استثناء- وأهل الشرك والمجوس وعبدة الأوثان والمرتدون.
وعند التحقيق تحل ذكاة المعتزلي والجبري وغيرهما من المذاهب، الذين هم في نظر الفقهاء والمجتهدين غير كافرين، أو غير مرتدين، وإن كانوا عصاة فساقا، والعصاة والفساق من الأمة تحل ذبائحهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين عدم تكفيرهم (٢)
ويشترط في المذكي أيضًا أن يكون ذا عقل مميز، ليكون هناك قصد ونية، وخرج بذلك المجنون، ومن لا قصد له ولا نية.
стр. 16402
(ب) وذهب المالكية إلى اشتراط الإسلام، وممن لا يدينون بالإسلام كأهل الكتاب فقط، وحرموا مذكاة المرتد والصابئين والمجوس والمشركين، وكل من خرج عن القيد المذكور آنفا (مسلم أو كتابي) .
وكذلك فقد اشترطوا التمييز كحد أدنى، وسواء في ذلك الذكر والأنثى، وكذلك عندهم مذكاة الصغير المميز والفاسق مجزئة مع الكراهية. واختلف في تذكية من لا يصلي، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والمبتدع المختلف في كفره.
وعند الشك في ذكاة النصارى، من استحلالهم للميتة أو غير ذلك، من شروط تخل بحل المذكاة، لا يؤكل مما غاب عنا علمه، ولا ينبغي للإنسان أن يقصد الشراء من ذبائحهم (١) .
(جـ) وذهب الشافعية إلى اشتراط الإسلام في المذكي، وأنه من ليس مسلما لا تحل مذكاته، باستثناء الكتابي، نظرا للنصوص.
والكتابي هو اليهودي والنصراني من العجم، ومن العرب من دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل، وأما من دخل بعد ذلك، فلا تحل ذبيحته.
ولا تحل ذكاة المرتد والوثني والمجوسي والزنديق، وكل من لا كتاب له من الكفار. ولا يشترط في حل ذكاة المرأة أن تكون طاهرة، وكذلك الرجل.
ومن الأفضل أن يكون المذكي بالغا عاقلًًا، وليس هذا بشرط، ويستحب أن يكون بصيرا. والمجنون الذي ليس له أدنى تمييز لا تحل ذكاته، وكذلك السكران.
أما الصابئون والسامرة، فمذهب الشافعي: إن وافقت الصابئة النصارى، والسامرة اليهود في أصول العقائد، حلت ذبائحهم ومناكحتهم وإلا فلا (٢) .
стр. 16403
(د) وذهب الحنابلة إلى اشتراط كونه مسلما، وما استثني من غير المسلمين، وهو الكتابي، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . والأصل عدم قبول مذكاة سوى مذكاة المسلم، لولا ورود النص في إباحة مذكاة الكتابي, ولذا كانت مذكاته مباحة، بخلاف غيره من الصابئة والمجوس والوثنيين والمرتدين والزنادقة وأصحاب العقائد الباطنية (١) .
(هـ) وخالف الظاهرية في ذبائح المجوس، فقالوا: بإباحة تذكيتهم، وبإباحة الزواج من نسائهم معتبرنيهم ملحقين بأهل الكتاب (٢)
(و) ومنع الإثنا عشرية ذبيحة غير المسلم، حتى ولو كان كتابيا (٣)
стр. 16404
٣-الشرط الثالث: موضع الذكاة من الحيوان:
يقصد بالموضع مكان الذبح من جسم الحيوان.
(أ) ذهب الأحناف إلى تنويع الذكاة، تبعا لنوع الحيوان المراد تذكيته، فالذكاة متعددة: منها الذبح، ومنها النحر، ومنها العقر:
أما الذبح فهو خاص بالبقر والغنم والطير ونحوها، ويكون في (حلق) البهيمة، أي أسفل اللحيين, وكذلك في كل حيوان ذي عنق قصير.
وأما النحر، فهو خاص بالإبل والنعام ونحوها، وموضعه (اللبة) ، وكذلك في كل حيوان ذي عنق طويل, والأصح في الذبح والنحر ما رواه أبو هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء يصيح في حجاج منى: ((ألا إن الذكاة في الحلق واللبة)) (١)
وأما العقر، أي الجرح في (أي موضع) كان من الحيوان المذكى، فهو خاص بالحيوانات والطيور غير المقدور عليها- أي على بعضها وإمساكها- والأصل في العقر ما رواه رافع بن خديج قال:"كنا مع النبي ﷺ ، فند بعير، وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه لهم، قال النبي ﷺ ((إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا.)) (٢)
ويتبع ذلك في الحكم ما ند من الحيوانات الأليفة، وعلم صاحبه أنه لا يقدر على ضبطه، كند الثور أو البعير، فله أن يذكيه رميًا.
ولو تصرف عكسا، بأن ذبح ما ينبغي نحره، أو نحر ما ينبغي ذبحه جاز، لكنه مكروه تنزيها.
ولا يجوز العقر فيما كانت ذكاته ذبحا أو نحرا، ولو فعل ذلك فمات الحيوان حرم تناوله.
وحتى تصح الذكاة- ذبحا أو نحرا- فلابد من قطع المريء (مجرى الطعام والشراب) والحلقوم (مجرى التنفس) والودجين (مجرى الدم) .
стр. 16405
وفي الأجزاء اختلف أئمة المذهب:
فعند الإمام أبي حنيفة: يجزئ بقطع الثلاث منها, وهو أحد القولين لأبي يوسف، وفي قوله الآخر: لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
وعند الإمام محمد: لا بد في الإجزاء من قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة (١) .
(ب) وذهب المالكية إلى هذا التنويع، من صيد (عقر) وذبح ونحر.
أما الصيد فهو خاص بغير المقدور عليه.
وأما الذبح، فهو خاص بالطيور والحيوانات المضبوطة، كالغنم.
وأما النحر، فهو خاص بالإبل، وفي البقر التخيير بين الذبح والنحر.
وموضع الذبح في الحلق، وموضع النحر في اللبة.
وإن ذبح ما ينبغي نحره، أو نحر ما ينبغي ذبحه، فإن كان للضرورة أُكل، وإلا لم يخل من الاختلاف.
وما ينبغي قطعه عند الذبح أو النحر هو: الودجان والحلقوم والمريء, وإن قطع بعض الودجين والحلقوم، لا يجوز عند سحنون.
وقال ابن القاسم:"إن قطع النصف أو الثلثين جاز، وإن لم يقطع إلا اليسير لم يجز" (٢)
(ج) وذهب الشافعية إلى ما ذهب إليه كل من الأحناف والمالكية من أن الذكاة كامنة في الذبح والنحر والعقر.
стр. 16406
وأن السنة في الإبل ونحوها النحر، وفي البقر والغنم ونحوها الذبح، ولا يجزئ الذبح أو النحر إلا بقطع الحلقوم والمريء, ونص الشافعي على قطعهما ضرورة من حيوان فيه حياة مستقرة، وهو الصحيح في المذهب.
وأما قطع الودجين فهو مطلوب- لكن استحبابا لا إجزاء- لأن في قطع الودجين أَوْحَى في إزهاق الروح.
ولو ترك من الحلقوم والمريء شيء ومات الحيوان، فهو ميتة، وكذلك لو انتهى إلى حركة المذبوح فقطع بعد ذلك المتروك، فهو ميتة.
وحكى الماوردي وغيره وجها آخر، وهو أنه إذا بقي من الحلقوم أو المريء شيء يسير لا يضر، بل تحصل به الذكاة، واختاره الروياني في الحلية، والمذ هب الأول (١) .
ولو عمل العكس، بأن ذبح الإبل أو نحر البقر أجزأه، لكنه ترك للمستحب, ويستحب الاقتصار على قطع الأعضاء الثلاثة: الحلقوم والمريء والودجين، ويكره إبانة رأسها في الحال، أي قبل خروج الروح منها, كما أنه يكره كسر عظم أو عنق أو أي فصل زائد قبل خروج الروح منها (٢)
стр. 16407
(د) وذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من منطلق التنويع في الذكاة تبعا لنوع الحيوان:
فأما الذبح والنحر فهما طريقتان خاصتان في المقدور عليه كالطير الممسوك والأنعام مما يعيش في البر، سوى الجراد للنص. وكذلك ما كان مأواه البحر ويعيش في البر كالسلحفاة المائية مثلا، فلا يحل تناولها إلا بالذكاة، نظرا للتمكن من إمساكها وضبطها, والحيوانات من حيث التركيب الخلقي نوعان: منها ما هو طويل العنق كالإبل، فذكاته بالنحر، وموضع النحر اللبة، واللبة موضع بين العنق والصدر في أسفل العنق من جهة الصدر، وتسمى"الوهدة". ومنها ما هو قصير العنق كالغنم، فذكاته بالذبح، وموضع الذبح الحلق، والحلق أعلى العنق من جهة الرأس، وهي السنة في الذكاة، فإن عكس- أي ذبح ما ينبغي نحره، أو نحر ما ينبغي ذبحه- أجزأه، لكنه مخالف للسنة. وينبغي قطع الحلقوم والمريء والودجين, وإن اقتصر على الحلقوم والمريء أجزأه، لكنه خالف الأفضل والأكمل.
وأما العقر فهو ذكاة الحيوان غير المقدور عليه من قِبَل الآدمي، ويكون بالجرح في أي موضع من الجسم من الحيوان المطارد سَبَبٌ في إماتته.
ولو كان الحيوان مما هو مقدور عليه ففر عند التذكية، فطارده صاحبه فلم يقدر عليه فضربه بالآلة المحددة فقتله كان مجزئاً في الحل؛ لأنه انتقل مما هو مقدور عليه إلى غير مقدور عليه (١) .
стр. 16408
مسألة قطع رقبة الحيوان من القفا:
ذكر ابن رشد في مقدمته أن هذه المسألة مختلف فيها: فذهب المالكية إلى عدم جواز أكلها، لأن القطع لا يصل إلى الأوداج والحلقوم إلا بعد قطع النخاع، وهو مقتل من المقاتل، وهو مذهب سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهم. وأجاز أكلها بقية الأئمة من الأحناف والشافعية، وإسحاق وأبي ثور، وروي ذلك عن ابن عمر وعلي وعمران بن الحصين (١) .
ذكر النووي في روضة الطالبين: " ولو قطع من القفا حتى وصل الحلقوم والمريء عصى لزيادة الإيلام, ثم ينظر: إن وصل إلى الحلقوم والمريء وقد انتهى إلى حركة المذبوح، لم يحل بقطع الحلقوم والمريء بعد ذلك، وإن وصلهما وفيه حياة مستقرة فقطعهما حل، كما لو قطع يده ثم ذكاه (٢)
قال الإمام: "ولو كان فيه حياة مستقرة عند ابتداء قطع المريء، ولكن لما قطعه مع بعض الحلقوم انتهى إلى حركة المذبوح لما ناله بسبب قطع القفا فهو حلال، لأن أقصى ما وقع التعبد به أن يكون في حياة مستقرة عند ابتداء قطع المذبح, والقطع من صفحة العنق كالقطع من القفا ". (٣)
стр. 16409
وجاء في الهداية: (تكملة فتح القدير) :"فإن ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق حل، لتحقق الموت بما هو ذكاة، ويكره لأن فيه زيادة الألم من غير حاجة، فصار كما إذا جرحها ثم قطع الأوداج, وإن ماتت قبل قطع الأوداج لم تؤكل لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها ". (١)
وتعرض الحنابلة إلى الذبح في القفا من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: أن يذبحها من القفا اختيارًا، فقد ذكر ابن قدامة عن الإمام أحمد أنها لا تؤكل. وقيل: إنها إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت، وإلا فلا. قال ابن قدامة:"وهذا أصح، لأن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة, ولو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك، نص عليه أحمد فقال: لو أن رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة كان له أن يأكله". (٢) والإباحة هي المذهب على الوجه الصحيح (٣)
الجانب الثاني: "أن يقع الذبح من القفا على سبيل الخطأ، فيأتي الذبح على موضعه وهي في الحياةأكلت هذه الذبيحة، كأن تلتوي عليه فتأتي السكين على القفا، فيسقط اعتبار المحل، نظراً للعجزعن الذبح في الموضع ". (٤)
الجانب الثالث: إن ذبحها من قفاها، فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أو لا؟ نظرت؛ فإن كان الغالب بقاء ذلك، لحدة الآلة، وسرعة القتل، فالأولى إباحته؛ لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن كانت الآلة كالة، وأبطأ قطعه، وطال تعذيبه، لم يبح؛ لأنه مشكوك في وجود ما يحله، فيحرم، كما لو أرسل كلبه على الصيد فوجد معه كلبا آخر لا يعرفه". (٥)
стр. 16410
ومذهب المالكية، أنه لا بد من استقرار الحياة مع عدم إنفاذ المقاتل عند الذبح، فما أدرك بذكاة وهو مستقر الحياة، وكان قبل إنفاذ مقتله أكل، وألا فلا يؤكل، ولو ثبتت له حياة مستقرة. والمقاتل هي قطع النخاع ونثر الدماغ وفري الأوداج وثقب المصران ونثر الحشوة. (١)
ووافق الظاهرية الجمهور في حل هذه المسألة، من أن القطع من القفا غير مخل بالحل. (٢)
ولا يجيز الفقه الإسلامي الذبح من القفا مطلقا، حتى ولو أسرع في الذبح فقطع العروق قبل زهوق الروح، فهو مع المالكية سدا للذريعة، فالذبيحة إذا نخعت من القفا حرمت مطلقا، حتى ولو كان ذبحها بسبب الذبح، تأكيداً لاشتراط الذبح من الأمام، مراعاة للمعنى التعبدي في الذبح، ويؤكد هذا اشتراطهم قطع الأربعة جميعا، شرطا في الحل.
جاء في تحرير الوسيلة ما نصه:"يشترط أن يكون الذبح من القدام، فلو ذبح من القفا وأسرع إلى قطع ما يعتبر قطعه من الأوداج، قبل خروج الروح حرمت". (٣)
стр. 16411
مسألة الفورية:
ذهب الجمهور إلى أن الفورية-أو الإسراع في الذبح، وإزهاق الروح- شرط في الحلية، فإن رفع يده قبل تمام الذبح ثم أعادها فورا تؤكل الذبيحة، فإن تباعد ذلك، لم تؤكل، واستندوا في اجتهادهم هذا إلى أن"الذكاة" طرأت على"منفوذة المقاتل" أي التي"نفذ فيها أثر القتل قبل كمال الذبح فصارت ميئوسة"، أو مقطوعاً بموتها الطارئ قبل تمام الذبح، فلا تحل. (١)
وقال الحنفية والشافعية: يستحب الإسراع - وسموه" التذفيف" - في قطع الأوداج للحديث:" وليرح ذبيحته"، والإسراع نوع من أسباب إراحة الذبيحة (٢)
هذا وذهب الأمامية إلى أنه يجب الذبح في فور واحد، وبالتتابع، دون فصل يعتد به عرفاً، وذلك بقطع الأوداج الأربعة جميعا قبل زهوق الروح، مرة واحدة، فلو قطع بعضها وأرسل الذبيحة حتى انتهت إلى الموت، ثم قطع الباقي حرمت، لأنه ذبح في مرتين، ويعد في العرف عملين (٣) .
ويقول ابن رشد في بداية المجتهد:"هل من شرط الذكاة أن تكون في فور واحد؟ فإن المذهب لا يختلف أن ذلك من شرط الذكاة، وأنه إذا رفع يده قبل تمام الذبح ثم أعادها، وقد تباعد ذلك أن تلك الذكاة لا تجوز. واختلفوا إذا أعاد يده بفور ذلك وبالقرب، فقال ابن حبيب: إن أعاد يده بالفور أكلت؛ وقال سحنون: لا تؤكل؛ وقيل: إن رفعها لمكان الاختبار هل تمت الذكاة أم لا فأعادها على الفور، إن تبين له أنها لم تتم أكلت". (٤)
стр. 16412
٤-الشرط الرابع: أداة التذكية:
أداة التذكية إما أن تكون آلة جارحة محددة (السلاح) ، وإما أن تكون جارحة حيوانية؛ فالسلاح: كل ما كان حادا يقطع ويفري بحده لا بثقله، كالسيف والسكين والشفرة وما شابه ذلك، إلا ما كان سنا أو ظفرا. وأما الجارحة الحيوانية فهي مثل الكلاب والصقور وكل ما قَبِل التعليمَ من سباع الطير والبهائم.
وفي السلاح يقول النبي ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) (١)
وروى الإمام أحمد، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رميت فسميت فخزقت فكل، وإن لم تخزق فلا تأكل، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيته، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت)) (٢)
وفي الآلة الحيوانية، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] ويستدل من هذه النصوص أن الشرع قد افترض استعمال آلة تتحقق بها الذكاة.
стр. 16413
وقد فصلت المذاهب في الشروط التي يجب أن تتوافر في آلة التذكية:
١- فاشتراط المالكية أن تكون الآلة حادة مثل السيف والسهم، وكذا كل ما من طبعه القطع وما شابهه، سوى السن والظفر والعظم، ولا تجوز التذكية بالحجر والمعراض، وما شابه ذلك، إلا أن يكون له حد ويتقن إصابته (١)
٢- واشترط الأحناف أن يكون من طبع الآلة الجرح المؤثر في إراقة الدم، وأنه لا يحل ما قتل صدمًا أو جثمًا أو خنقًا، وذلك لفقدان الحرج. فالذبح جائز بكل ما من طبعه فري الأوداج وإنهار الدم، كالسكين والسيف، ما عدا السن القائمة والظفر، فإن كان منفصلاً جاز مع الكراهية (٢)
٣- واشترط الشافعية أن يكون في طبع الآلة القطع الحاد، سواء في ذلك المعادن كلها من حديد ونحاس أو ذهب أو فضة أو رصاص أو خشب أو قصب أو حجر أو زجاج، وسواء في ذلك الذكاة الاختيارية أو الاضطرارية، باستثناء السن والظفر والعظم، وأما إذا لم تكن الآلة حادة كالمُثَقَّلِ والمعراض والبندقة والسوط وما ماثلها، فما مات بها فهو ميتة، لا يحل أكلها (٣) .
٤- وذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة في صفات الآلة الجارحة، واستثنوا كذلك السن والظفر، وأن ما قتلته البندقة ذات طبع الوقذ حرام، وليس من طبعها القطع والخرق (٤)
٥- وقد جوز ابن حزم الذبح بكل ما يقطع كقطع السكين أو ما ينفذ نفاذ الرمح، سواء كان من العود المحدد، أو الحجر المحدد، أو القصب الحاد، وكل شيء، ولم يستثن إلا آلة أخذت بغير حق، والسن والظفر أو ما عمل منهما، وأما العظام فقد استثنى عظم الإنسان والخنزير والحمار الأهلي والسبع من الحيوانات والجوارح من الطيور، فإذا ذبح بشيء من ذلك لا يكون حلالا بل اعتبره ميتة حرام الأكل، أما سائر العظام فقد جوز الذبح بها حتى ولو كانت عظاما لميتة غير ما ذكر (٥)
стр. 16414
٥- الشرط الخامس: الحيوان المذكى (الذبيح) :
ليس كل حيوان يذكى الذكاة المطلوبة يجوز أكله، بل من الحيوانات أصناف كثيرة لا تحللها الذكاة، وإن حللها وجوزها الاضطرار, وفيما يلي خلاصة عما يجوز أكله من الحيوانات، وما يحرم منها (١)
ا- الحيوانات التي يحرم أكلها:
أ- ما لا خلاف في تحريمه:
(١) الخنزير (٢)(٢) الميتة (٣) وهو الحيوان الذي مات حتف أنفه من غير ذكاة, ويعتبر في حكم الميتة ما قطع من البهيمة قبل ذبحها، أو بعد ذبحها قبل أن تستقر (٤)
стр. 16415
(٣) الدم المسفوح (١) : وهو الدم المراق من الحيوان نتيجة ذبحه.
(٤) ما أهل لغير الله به (٢) : وهو الحيوان الذي ذبح وذكر عليه اسم غير اسم الله ﵎، كأسماء الأصنام والطواغيت.
(٥) المنخنقة (٣) : وهي البهيمة التي تموت بالخنق بفعلها أو بفعل غيرها.
(٦) الموقوذة (٤) :وهي البهيمة التي تموت نتيجة الضرب أو بحديدة أو رصاص أو حجر أو غير ذلك مما يقتل بثقله (ما عدا الصيد الذي يضرب بسهم أو رصاصة أو نحوهما بنية الصيد) .
стр. 16416
(٧) المتردية (١) : وهو الحيوان الذي يسقط من مكان عال أو يقع في حفرة أو نحوهما فيموت.
(٨) النطيحة (٢) : وهي الحيوان الذي يموت بسبب النطح.
(٩) ما أكل السبع (٣) : وهي الحيوان الذي افترسه سبع أو طير جارح (غير الصيد) .
стр. 16417
(١٠) ما ذبح على النصب (١) : أو تقرب به لغير الله .
(١١) ذبائح المشركين واللادينيين والعلمانيين والملحدين والمجوس والمرتدين وسائر الكفار من غير الكتابيين (٢)(١٢) ما تحقق فيه الضرر لآكله (٣)
وتحريم أكل اللحم في كل ما تقدم يشمل أجزاء الحيوان ومشتقاته،
بما في ذلك الدهن والشحم والعظم.
стр. 16418
ب- ما ذهب الجمهور إلى تحريمه:
(١) البغال والحمر الأهلية (١)(٢) الحيوانات المفترسة، وهي كل ذي ناب من السباع (٢) كالأسد والنمر والذئب والثعلب والفهد والدب والكلب والهر: محرمة عند الجمهور وأكلها مكروه عند الإمام مالك (٣)(٣) الطيور الجارحة وهي كل ذي مخلب من الطير (٤) كالصقر والبازي والنسر والعقاب والباشق والشاهين وأمثالها: محرمة عند الجمهور وأباحها الإمام مالك (٥)(٤) الهوام كالفأر والخنافس (٦) : محرمة عند الجمهور، وكرهها الإمام مالك والإمام الأوزاعي (٧)(٥) الفيل: محرم عند الجمهور وأباحه بعض الفقهاء.
стр. 16419
٢- الحيوانات التي يحل أكلها:
أ- ما لا خلاف في إباحته:
(١) الشاء (الغنم والماعز) والجمال والبقر والجاموس (١) ،وسائر الحيوانات البرية غير المفترسة، سواء كانت مدجنة كالغزلان والبقر الوحشي، أم غير مدجنة كالقنفذ والخلد، والدواجن من الطيور كالحمام والدجاج والديك الرومي والبط، وسائر الطيور غير الجارحة كالعصافير ... إذا ذكيت ذكاة شرعية بذبح أو نحر أو عقر ,أو صيدت.
(٢) السمك والجراد (٢)(٣) ما ذكي من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدرك وفيه حياة فذبح قبل موته (٣)(٤) ما اضطر المسلم إلى أكله خشية الموت جوعا، فيأكل بقدر الضرورة (٤)(٥) جميع ما في الذبيحة يحل أكله, ويجوز أكل الجنين إذا تبين أنه لحم (٥) ، أما إذا خرج حيا فيجب أن يذكى.
(٦) ذبائح الكتابيين أي اليهود والنصارى (٦) ، ما لم تكن محرمة لعينها (كالخنزير) أو وصفها (كالميتة) أو لقصور في تذكيتها الشرعية (لأنها في حكم الميتة) .
стр. 16420
ب- ما ذهب الجمهور إلى إباحته:
(١) جميع حيوانات الماء (١) : أباحه الجمهور، وحرم الحنفية ما سوى السمك والسمك الطافي، وحرم الحنابلة كلب البحر وخنزير البحر.
(٢) الضب (٢) .
(٣) الخيل: أباحها الجمهور، وكره ذلك الإمام أبو حنيفة وبعض المالكية (٣) .
(٤) الأرنب: أباحها الجمهور (٤) ، وكرهها الحنفية.
(٥) الضبع (٥)(٦) الحيوانات البرمائية كالتمساح والضفدع والسلحفاة وكلب البحر والسرطان والقندس وأمثالها ,بعضهم حرمها وبعضهم أباحها.
والمسلم مخير في أتباعه أيا من العلماء، وخاصة إذا أخذ الحكم بدليله.
٦- الشرط السادس: توجيه الذبيحة للقبلة:
يرى الإباضية وجوب توجيه الذبيحة للقبلة، ويراه الجمهور سنة مستحبة وليست واجبة، ولذلك لم تشترط، وإنما تستحب إذا أمكن ذلك، وكره الحنابلة توجيه الذبيحة إلى غير القبلة (٦) .