← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16416–16455 · переход к 16421.

стр. 16416

(٧) المتردية (١) : وهو الحيوان الذي يسقط من مكان عال أو يقع في حفرة أو نحوهما فيموت. (٨) النطيحة (٢) : وهي الحيوان الذي يموت بسبب النطح. (٩) ما أكل السبع (٣) : وهي الحيوان الذي افترسه سبع أو طير جارح (غير الصيد) .

стр. 16417

(١٠) ما ذبح على النصب (١) : أو تقرب به لغير الله . (١١) ذبائح المشركين واللادينيين والعلمانيين والملحدين والمجوس والمرتدين وسائر الكفار من غير الكتابيين (٢) (١٢) ما تحقق فيه الضرر لآكله (٣) وتحريم أكل اللحم في كل ما تقدم يشمل أجزاء الحيوان ومشتقاته، بما في ذلك الدهن والشحم والعظم.

стр. 16418

ب- ما ذهب الجمهور إلى تحريمه: (١) البغال والحمر الأهلية (١) (٢) الحيوانات المفترسة، وهي كل ذي ناب من السباع (٢) كالأسد والنمر والذئب والثعلب والفهد والدب والكلب والهر: محرمة عند الجمهور وأكلها مكروه عند الإمام مالك (٣) (٣) الطيور الجارحة وهي كل ذي مخلب من الطير (٤) كالصقر والبازي والنسر والعقاب والباشق والشاهين وأمثالها: محرمة عند الجمهور وأباحها الإمام مالك (٥) (٤) الهوام كالفأر والخنافس (٦) : محرمة عند الجمهور، وكرهها الإمام مالك والإمام الأوزاعي (٧) (٥) الفيل: محرم عند الجمهور وأباحه بعض الفقهاء.

стр. 16419

٢- الحيوانات التي يحل أكلها: أ- ما لا خلاف في إباحته: (١) الشاء (الغنم والماعز) والجمال والبقر والجاموس (١) ،وسائر الحيوانات البرية غير المفترسة، سواء كانت مدجنة كالغزلان والبقر الوحشي، أم غير مدجنة كالقنفذ والخلد، والدواجن من الطيور كالحمام والدجاج والديك الرومي والبط، وسائر الطيور غير الجارحة كالعصافير ... إذا ذكيت ذكاة شرعية بذبح أو نحر أو عقر ,أو صيدت. (٢) السمك والجراد (٢) (٣) ما ذكي من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدرك وفيه حياة فذبح قبل موته (٣) (٤) ما اضطر المسلم إلى أكله خشية الموت جوعا، فيأكل بقدر الضرورة (٤) (٥) جميع ما في الذبيحة يحل أكله, ويجوز أكل الجنين إذا تبين أنه لحم (٥) ، أما إذا خرج حيا فيجب أن يذكى. (٦) ذبائح الكتابيين أي اليهود والنصارى (٦) ، ما لم تكن محرمة لعينها (كالخنزير) أو وصفها (كالميتة) أو لقصور في تذكيتها الشرعية (لأنها في حكم الميتة) .

стр. 16420

ب- ما ذهب الجمهور إلى إباحته: (١) جميع حيوانات الماء (١) : أباحه الجمهور، وحرم الحنفية ما سوى السمك والسمك الطافي، وحرم الحنابلة كلب البحر وخنزير البحر. (٢) الضب (٢) . (٣) الخيل: أباحها الجمهور، وكره ذلك الإمام أبو حنيفة وبعض المالكية (٣) . (٤) الأرنب: أباحها الجمهور (٤) ، وكرهها الحنفية. (٥) الضبع (٥) (٦) الحيوانات البرمائية كالتمساح والضفدع والسلحفاة وكلب البحر والسرطان والقندس وأمثالها ,بعضهم حرمها وبعضهم أباحها. والمسلم مخير في أتباعه أيا من العلماء، وخاصة إذا أخذ الحكم بدليله. ٦- الشرط السادس: توجيه الذبيحة للقبلة: يرى الإباضية وجوب توجيه الذبيحة للقبلة، ويراه الجمهور سنة مستحبة وليست واجبة، ولذلك لم تشترط، وإنما تستحب إذا أمكن ذلك، وكره الحنابلة توجيه الذبيحة إلى غير القبلة (٦) .

стр. 16421

٣- طرائق الذبح (كيفية الذبح) : ١- التذكية الشرعية: موضوع الذبائح من الأمور التعبدية في الشريعة الإسلامية، وهي مما يتقرب به الإنسان المسلم إلى الله تعالى كما هو الحال بإراقة الدماء في الأضحية والهدي، ويُنال الثواب بإطعام الفقراء والجيران والأهل من ذبيحته. والأصل في الذبح عند المسلمين أن يكون بدون تدويخ للحيوان؛ لأن المسلمين يرون أن طريقة الذبح الإسلامية هي الأمثل رحمة بالحيوان وإحسانا لذِبحته وتقليلا من معاناته. وقد أشرنا فيما سبق إلى رأي المذاهب الإسلامية في الأساليب والشروط التي يجب توافرها في تحقيق هذه التذكية (١) ٢- ذبح الحيوان بعد التدويخ: تقضي القوانين الغربية بأن إزهاق روح الحيوان يمكن أن يتم بأية طريقة إرادية، تؤدي إلى موت الحيوان الأهلي أو الزراعي بغية الاستهلاك الغذائي, وتشترط هذه القوانين أن لا يلجأ إلى ذبح أي من الحيوانات الفقارية إلا من قبل شخص مؤهل تتحقق فيه الخبرة الكافية بأصول الذبح حسب الطريقة المستعملة، والتي من شأنها أن تقلل ما أمكن من ألم الحيوان. وبصورة عامة لا تجيز القوانين الغربية ذبح الحيوانات إلا بعد تخديرها أو تدويخها بطريقة يقبلها القانون، ووفقا لظروف الذبح ونوع الحيوان, ويستثني كثير من التشريعات الغربية الحالات الاضطرارية القصوى التي تجيز الذبح بدون تدويخ، وخاصة بالنسبة لبعض الطوائف الدينية كاليهود بصورة عامة، والمسلمين في عدد محدود جدا من البلدان الغربية، أو حالات الذبح التي يتطلبها تصدير اللحوم إلى بعض الدول الإسلامية.

стр. 16422

وقد أجاز بعض الدول الغربية التي اعترفت بالإسلام أن يذبح المسلمون على طريقتهم الشرعية في المجازر المرخصة، وبدون تدويخ مسبق، وتحت إشراف الرقابة الصحية اللازمة. لا تجيز القوانين الغربية تسويق لحوم الحيوانات الميتة، ولكنها لا تشترط بوضوح في طرق التدويخ أن لا تؤدي إلى موت الحيوان قبل الذبح. وسنستعرض فيما يلي أشهر الطرق الحديثة المتبعة في تثبيت الحيوانات المختلفة وتدويخها وذبحها أو (قتلها) : أولا) تثببت الحيوان أثناء التدويخ والذبح: يستعمل لحجز الماشية نموذجان مشهوران من الصناديق الخاصة هما: (١) الصندوق الدوار من نموذج واينبرغ Weinberg: وهو يتكون من جدار أمامي ينتصب إلى حوالي نصف ارتفاع الحيوان، ويشتمل على حاصرة تحجز رأس الحيوان وتشده نحو الأمام والأعلى، ومن باب خلفي يدفع الحيوان نحو الأمام، ومن جدارين جانبيين يقومان بحصر الحيوان من خاصرتيه. ويرتبط بالصندوق سكتان معدنيتان دائريتان تسمحان بدوران الصندوق (١٨٠) درجة وفقا لمحور أفقي لتسهيل عملية الذبح. (٢) الصندوق الثابت من نموذج سينسيناتي Cincinatti: يتكون الصندوق من جدار أمامي يصل إلى نصف ارتفاع الحيوان, ومن حاصرة للرأس، ومن باب خلفي يدفع الحيوان نحو الأمام، ومن جدارين جانبيين أحدهما ثابت والثاني متحرك، ومن لوح بطني يسند الحيوان ويحميه من السقوط. أما الحيوانات الصغيرة كالخراف والماعز فيتم تدويخها مباشرة دون حاجة إلى تثبيتها.

стр. 16423

ثانيا) التدويخ: هناك (٥) طرق رئيسية مستعملة: (١) تخريب المادة البصلية النخاعية Bulbomedullaire وذلك بإحداث ثقب في جوف الجمجمة بواسطة مسدس واقذ مزود بساق مصادمة تنتهي برأس إبري أو برأس نصف كروي. (٢) التدويخ بالصدمة الكهربائية: Electronarcose. (٣) التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون co٢. (٤) التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة. (٥) الخنق بالطريقة الإنكليزية.

стр. 16424

(١) التدويخ بالمسدس ذي الواقذة الإبرية: يتألف المسدس من كتلة معدنية تسمح بوضع متفجر ناري يدفع ساقا تصادمية مرتدة تنتهي برأس إبرية، وتؤدي الطلقة إلى أن تقوم الساق بإحداث ثقب نافذ إلى دماغ الحيوان، يؤدي إلى فقدان الوعي بشكل فوري نتيجة لتخريب جزء من البنية الحية من الدماغ، كما يؤدي إلى زيادة عنيفة مفاجئة في الضغط. ويختلف مكان وضع المسدس باختلاف الحيوان وعمره: أ) ففي الماشية يغرز الساق في وسط الجزء الجبهي، ويكون بوضع أخفض في العجول، لأن القسم العلوي من الدماغ فيها قليل النمو. هذا وإن توجيه رأس المسدس في العجول نحو الرقبة (القذال) يؤدي إلى شلل فوري، إلا أن فقدان الوعي لا يحدث إلا بعد مرور (٢٠) ثانية من تحرير الطلقة. ب) وفي صغار المجترات يتم تصويب الطلقة في القسم العلوي من الرأس باتجاه زاوية الفك. ج) وفي ذوات القرون من الخراف والماعز، يوضع المسدس مباشرة خلف الخط الواصل بين القرنين وتصوب الطلقة باتجاه الفم. د) أما في الخيل فيتم إحداث الصدمة فوق نقطة تقاطع الخطوط الواصلة بين العين من طرف، والأذن في الطرف الآخر.

стр. 16425

(٢) التدويخ بالمسدس ذي الواقذة الكروية: نموذج شيرمر (Schermer) يشبه هذا المسدس الشكل السابق، ويختلف عنه بأن رأسه التصادمية تتكون من ساق منتهية بكتلة نصف كروية أو تشبه الفطر, لا يؤدي استخدام هذا المسدس إلى ثقب جمجمة الحيوان، بل يحدث انهداما في العظم الجبهي يفضي إلى فقدان الوعي. (٣) التدويخ بالصدمة الكهربائية: تستخدم هذه الطريقة لتدويخ صغار العجول والشاء (الخراف والماعز) والأرانب والدواجن, ولهذه الغاية تستخدم آلة تشبه الملقط متصلة بمأخذ كهربائي, يثبت طرفا الملقط على صدغي الحيوان، ويمرر تيار كهربائي ذي شدة معينة وفولطاج محدد ولمدة ثابتة، وتختلف جميعها باختلاف الحيوان. يحدث فقدان الوعي مباشرة نتيجة إلى اللاتقاطب الكبير في العصبونات Neurons الدماغية, وهو يسبق عادة حدوث طور من التقلص العضلي المزمن chronique الذي يلاحظ قبل المرحلة النهائية من الارتخاء Relaxation. أ) هذا والأمثل في الحيوانات الكبيرة أن تطبق المساري الكهربائية على جانبي رأس الحيوانات بين الحجاج Orbite وقاعدة الأذن، وذلك باستخدام تجهيزات خاصة تسمح بتعديل شدة التيار الكهربائي وكمونه الذي قد يصل إلى (١٠٠٠) فولط. ب) وفي حالة الخرفان لا يكون التدويخ كافيا إذا كان جلد الحيوان مغطى بالصوف في موضع التماس مع المساري الكهربائية، ولتجنب ذلك تستخدم مساري كهربائية ذات نهاية إبرية تسمح باختراق الصوف نحو الجلد مباشرة.

стр. 16426

ج) ومنذ نهاية الثمانينيات تستخدم المجازر النيوزلندية الصدمة الكهربائية لتدويخ الماشية، وذلك باستعمال تيار كهربائي شدته (٢.٥) أمبير يؤدي إلى توقف القلب، وقد أدى هذا إلى مشاهدة مظاهر حبرية Petichial وكسور عظمية في جسم الذبيحة؛ مما يقلل من قيمة نوعية اللحم. هذا وإذا لم يحدث توقف القلب، فيمكن للحيوانات أن تستعيد وعيها خلال بضعة عشر ثانية؛ وحينئذ لا تضمن هذه الطريقة الشروط المطلوبة لإراحة الحيوان عند الذبح. د) ويتم تدويخ الدجاج آليا بالصدمة الكهربائية، بحيث يعلق الدجاج من رجليه على سلكين معدنيين ويغطس الرأس المدلى في مجرى مائي يتصل بمسرى كهربائي. يمر التيار في جسم الحيوان من الرأس إلى القدمين، ونظرا لسماكة الجلد في القدمين المتقرنين، يلجأ إلى إنقاص المقاومة الكهربائية برش الكلاليب التي تعلق بها الأقدام بالماء. يطبق مرور التيار لمدة لا تقل عن (٤) ثوان. وتؤدي شدة التيار المستعمل إلى توقف القلب في (٩٠ %) من الحالات دون أن يؤثر ذلك بشكل ملحوظ على نزيف الدم بعد الذبح بقطع الرأس بسكين دوارة، بيد أنه لوحظ أن زمن النزف أطول من الوقت المعتاد بدون تدويخ.

стр. 16427

إن استعمال تيار كهربائي شدته (٧.٥) ميلي أمبير يعتبر كافيا لإحداث التدويخ، بيد أن هناك محذورا فعليا قد يؤدي إلى عودة الوعي إلى الحيوانات قبل أو أثناء الذبح. ويتردد الخبراء المهنيون كثيرا في استعمال تيار كهربائي عالي الشدة لما يلاحظونه من زيادة كبيرة في النزف العضلي والكسور العظمية المرافقة نتيجة لتقلص العضلات التشنجي بسبب التيار الكهربائي، وهذا ما يؤدي إلى تعارض المصلحة بين إراحة الحيوان ونوعية اللحم الناتج. أما الدواجن كبيرة الحجم كالأوز والبط والديك الرومي وما شابه ذلك، فيتم ذبحها عادة يدويا وبدون تدويخ، نظرا لضآلة الإنتاج بالمقارنة مع الدجاج، ولثقل وزنها ولعدم تلاؤم وزنها وحجمها مع التقنية الآلية المتبعة في ذبح الدجاج.

стр. 16428

(٤) التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة: طريقة بدائية قديمة تتبع لتدويخ الحيوانات الكبيرة كالماشية والخيول، وذلك بضرب العظم الجبهي للحيوان بمطرقة ضخمة تحدث ألما شديدا للحيوان وتفقده الوعي وينهار الحيوان مباشرة، ثم يتم ذبحه باليد, وقد تخلت المجازر الحديثة عن هذه الطريقة البدائية، واستبدلت بها طريقة التدويخ بالمسدس الواقذ, في حين لا يزال يلجأ بعض الأفراد في القرى أو في المزارع إلى التدويخ بالمطرقة، وذلك لاستهلاك اللحم محليا. (٥) التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون: أكثر ما تستخدم هذه الطريقة في تدويخ الخنازير، وقد يلجأ إليها أحيانا لتدويخ الشاء والماشية. يحبس الحيوان في بيئة هوائية تحتوي على (٧٠ %) من غاز ثاني أكسيد الكربون، ويبقى الحيوان محتفظا بوعيه خلال (٢٠) ثانية ثم يحدث فقدان الوعي مباشرة، ويتبعه منعكسات حركية تستمر لمدة (١٠) ثوان. ولا يعتبر الخبراء ذلك نتيجة لمحاولة الحيوان في الفرار؛ نظرا لأن هذه الظاهرة تشاهد في المخطط الكهربائي الدماغي للحيوان بعد تخدير عميق.

стр. 16429

تعقب المنعكسات الحركية حالة ارتخاء عضلي حينما يصبح الحيوان في حالة تخدير عميق تستمر عادة من (٢- ٣) دقائق، ولا يؤدي هذا إلى توقف القلب إلا في حالات نادرة. هذا وإن زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء تؤدي إلى تسريع عملية التدويخ، وهو ما يرغبه المهنيون. ويظن بعض العلماء البيطريين استنادا إلى قياس تركيز (الكاتشولامين catecholamine) في البلاسما، ولسلوك الحيوان الظاهري، بأنه لا يشعر بالألم ولا بالضيق أثناء عملية التخدير بالغاز, بيد أن هذا لا يتفق مع رأي كثير من العلماء الآخرين الذين يعتقدون بأن الحيوان يتعرض لحالة ضيق تنفسي شديد أثناء التخدير, وقد تأيد ذلك من خلال تجارب أجريت على متطوعين من البشر كانوا قد شعروا بالضيق التنفسي عندما تجاوزت نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء (٤٠ %) . ويرى بعض الخبراء أن التخدير بالغاز يضمن إراحة الحيوان إذا كانت الطريقة سليمة الأداء، وإلا فالطريقة تؤدي إلى محاذير كبيرة إذا لم تتم حسب الأصول. هناك دراسات حديثة تجري لمحاولة تطبيق هذه الطريقة على الدواجن، حيث يتم تدويخها في الأقفاص عند استقدامها إلى المجزرة، ويرون في هذه الطريقة أنها تجنب حالات التوتر التي تصيب الحيوانات عند إخراجها من الأقفاص وتعليقها في الكلاليب وطرح رأسها إلى الأسفل. ويبدو أن النتائج كانت مشجعة من حيث إراحة الحيوان ونوعية اللحم.

стр. 16430

٦- الخنق بالطريقة الإنكليزية: تعتمد على خرق جدار الصدر بين الضلعين الرابع والخامس، ومن خلال هذا الخرق ينفخ بمنفاخ (أو كير) فيختنق الحيوان نتيجة لضغط هواء المنفاخ على رئتي الحيوان، وهذا الاختناق يحول دون نزيف الدم وإنهاره. ولا نرى حاجة لبيان الحكم الشرعي لهذه الطريقة التي تؤدي لموت الحيوان بالاختناق، والمنخنقة محرم أكلها بالنص القرآني. ثالثا) الذبح: يتم الذبح بأنهار الدم؛ حيث ينزف منه حوالي (٥٠ %) , وفي حالات توقف القلب تنقص كمية الدم النازف كثيرا، خاصة في الخراف والماشية، وينحبس الدم المتبقي عادة في الأحشاء. يجري الذبح عادة في المجازر الأوروبية بقطع الجانب البطني من العنق بجرح ينفذ حتى الفقرات. وقد نشاهد أسلوبا آخر يتم بإحداث قطع في جانب العنق بحيث تفري السكين الأوعية الدموية والعمود الفقاري والرغامى والمريء. وهناك أسلوب ثالث يجري بقطع الرقبة وخلع الموصل الفَقْهِي القذالي Jonction atlanto- Occipal. (القذال: مؤخر الرأس والفقهة: فقرة العنق الأولى) .

стр. 16431

معاملة الحيوانات قبل الذبح وبعد الذبح: حرص الإسلام على الرحمة والرفق بالحيوان، ودعا إلى الإحسان في الذبح ومعاملة الحيوان معاملة إنسانية بعيدة عن القسوة والألم والتعذيب امتثالا لأمر النبي ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) (١) وذلك بإتباع ما يلي (٢) : (١) إحسان الذبح في البهائم والترفق بها، ولذلك ينهى الإسلام عن إخافتها وذلك بعدم حدِّ الشفرة أمامها، أو ذبحها أمام بعضها البعض، وقد قال النبي ﷺ لمن حد الشفرة أمام الشاة: ((أتريد أن تميتها ميتتين؟!! هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها)) . وقال علي بن أبي طالب ﵁: "لا تذبح الشاة عند الشاة، ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه ". (٣) (٢) عدم القسوة في معاملتها؛ كجرها من موضع إلى آخر برفق، روى ابن سيرين عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى رجلا يسوق شاة ليذبحها سوقا عنيفا، فضربه بالدرة ثم قال له: "سقها إلى الموت سوقا جميلا لا أم لك " (٤) (٣) عدم القسوة في الضغط عليها وإيلامها، فقد روي عن عمررضي الله عنه أنه رأى رجلا أضجع شاة ووضع رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة، فضربه بالدرة فهرب الرجل، وشردت الشاة (٥) . (٤) عدم قطع أي جزء منها قبل موتها، فالقطع تعذيب وحرام،ولا يجوز أكل ما يقطع منها قبل ذبحها، كما لا يجوزقطع أي شيء منها قبل أن تستقر- أي يتأكد من موتها- امتثالا لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] ، فلم يبح الله أكل شيء منها قبل وجوب الجنب، وهو الموت (٦) . ويدخل في باب التعذيب جمع الأغنام معا وذبحها بالدَوْر وهي تشاهد الذبح. (٥) ومعاملة الحيوان بعد ذبحه ينبغي أن تكون برفق، فلا يكسر عنقه، ولا يقوم بسلخه أو قطع أي عضو منه حتى يبرد، فإذا فعل ذلك أساء وأكلت الذبيحة (٧) . ويرى ابن حزم عدم حل أكل ما قطع من البهيمة قبل أن تموت وتبرد، لقول عمر بن الخطاب، ﵁: "أقروا الأنفس حتى تزهق ". ويرى الإباضية عدم جواز أكل الذبيحة إذا سلخت قبل أن تبرد (٨) .

стр. 16432

دراسات عملية حول إراحة الحيوان (١) : " يمكن أن ننظر إلى إراحة الحيوان بصورة موضوعية من خلال (٣) علامات رئيسية هي: الألم Souffrance والكرب stress والوعي Conscience. ولا شك أن هذه العلامات متشابكة جدا ووثيقة الارتباط ببعضها البعض, فالألم يسبب الكرب ويتطلب الإحساس به، والكرب قد يحدث نتيجة لأسباب عديدة أحدها الإحساس بالألم، ومع فقدان الوعي يزول الكرب والإحساس بالألم. (١) الألم: Souffrance غياب الألم هو العنصر الرئيسي في إراحة الحيوان, ولذا كان من الضروري إنقاص الإحساس بالألم إلى حده الأدنى عند الذبح, ويعتبر هذا من الناحية العلمية من أصعب الأمور التي يمكن ملاحظتها عيانا. ولهذا ليس بالإمكان الاعتماد إلا على بعض المعايير الذاتية (الشخصية Subjectif) لمعرفة ما إذا كان الحيوان يتألم أم لا؟ وعلاوة على ذلك لا يمكن قياس درجة الإحساس بالألم بصورة كمية, وفي الواقع تختلف التفاعلات المشاهدة من فرد إلى آخر، كما أنها قد تختلف في الفرد نفسه بتأثير منبه معين من يوم إلى آخر, ومن الصعب أيضا التفريق بين مظاهر الألم ومظاهر الكرب؛ فالحيوان قد يصرخ وقد يتخبط بتأثير الخوف فقط, أجريت بعض الدراسات العملية لمراقبة إحساس الحيوان بالألم عند الذبح، ولهذا الغرض وضعت أبقار بهدوء في قفص (سينسيناتي) وتم إحكام الحاصرة بصورة تسمح للحيوان أن يسحب رأسه كيفما شاء, وجرى ذبح الحيوان بدون تدويخ مسبق، وبإمرار السكين بحركة واحدة مستمرة. ولم يلاحظ أن أحدا من الحيوانات المذبوحة قد حاول أن يسحب رأسه، وشوهدت فقط علامات ارتجاف خفيفة لدي تماس السكين مع جلد الحيوان. وإذا لمسنا أو صدمنا أطراف الجرح بالسكين، أو انغلق الجرح على السكين، يلاحظ أن الحيوان يبدأ بالتخبط. وإذا كان رأس الحيوان مشدودا تماما، وتم الذبح بحركة واحدة وسريعة، فإن أغلب الحيوانات ينهار مباشرة، وبقية الحيوانات تنظر فيما حولها وكأن شيئا لم يحدث أبدا، وهذا يدعو إلى الظن بأنها لم تستوعب ما حدث.

стр. 16433

(٢) الكرب: Stress من الواضح أن الحيوانات تصاب بالكرب الشديد في المجازر، وقبل القيام بأي نوع من التدويخ أو الذبح, وقد يتولد هذا أثناء عمليات نقل الحيوانات التي تجد نفسها مع حيوانات غريبة عنها وفي بيئة لا تعرفها مسبقا. وللتقليل من خوف الحيوان هناك بعضر المبادئ السلوكية التي يحسن مراعاتها, وتأخذ جدارة العاملين أهمية كبيرة في هذه المرحلة, وعلى العامل أن يبقى بعيدا عن منطقة حركة الحيوانات لتجنب حالات الهلع ومحاولة الهروب. وتؤثر تسلية الحيوانات كثيرا على تهيجها وإثارتها؛ فالظل ووضع العاملين في مقدمة الحيوانات وعدم توجيه النور الساطع إلى العيون مباشرة، وتخفيف الضجيج، وإخماد أصوات المحركات وصفير الهواء وقرقعة الصفائح المعدنية والصراخ، والتهوية المناسبة التي لا تحمل معها رائحة الحيوانات المذبوحة، كل ذلك يؤثر إيجابيا على راحة الحيوان وعدم إصابته بالكرب. وللدم أثر ملحوظ على الحيوانات, فإذا كان مصدر الدم من حيوان هادئ، فالملاحظ أنه لا يسبب أي خوف، بل قد يقوم بعض الحيوانات بلعق هذا النوع من الدم. وبالعكس، إذا كانت هناك آثار من دم حيوان مكروب يتخبط، فالملاحظ أن الحيوانات الأخرى ترفض الدخول إلى صندوق التثبيت. ولقد تأكدت هذه الظاهرة أيضا بالنسبة لتأثير لعاب الحيوان الذبيح على الحيوانات الأخرى. وتدخل الحيوانات بسهولة إذا ما تم غسل الصندوق بعناية، مما يشير إلى أن هناك مادة ذات رائحة خاصة تسبب هلع الحيوان. ولقد أعيدت هذه التجارب على الجرذ، وتأكدت جميع المشاهدات السابقة.

стр. 16434

ويعتقد بعض الباحثين أن هذه المادة التي توجد في اللعاب والدم هي الكورتيزول Cortisol أو مادة أخرى يتم إفرازها مع الكورتيزول, ولا شك أن عملية إفراز الكورتيزول في البدن تتطلب بعض الوقت، ولهذا إذا قمنا بتهييج الكرب في حيوان بتأثير بيل كهربائي شديد النور في غرفة محصورة، فالحيوان التالي مباشرة يدخل الغرفة بسهولة ويبقى هادئا، ولكن إذا بقي الحيوان الأول محصورا فترة من الزمن في الغرفة، فالحيوانات الأخرى ترفض الدخول إلى المكان خلال عدة ساعات. وللكرب أهمية كبرى عندما يحصر الحيوان في الصندوق, فلقد أجرى الباحث C.S. Dunn دراسة قارن فيها كرب الماشية المذبوحة بالطريقة الإسلامية باستخدام صندوق سينسيناتي وصندوق واينبرغ الدوار، واعتمد في ملاحظاته على المظاهر السلوكية والفيزيولوجية للحيوان، وقام بمعايرة كل من الكورتيزول والهيماتوكريت Hematocrite في نماذج من الدم المأخوذ أثناء الذبح. لاحظ Dunn أن الوقت الذي يقضيه الحيوان في صندوق واينبرغ وسطيا هو أطول بـ (١٠) مرات من الوقت الذي يقضيه في صندوق سينسيناتي قبل إمرار السكين على رقبة الحيوان. ولوحظ أن كثيرا من الحيوانات يتخبط طويلا، وتبدأ حركات التخبط مع بدء دوران الصندوق. ومقدار الهيماتوكريت الذي يعكس حالة الجملة العصبية الودية يكون مرتفعا في الأبقار المحصورة في صندوق واينبرغ، كما لوحظ أنه أكثر ارتفاعا في الأبقار المدوخة بالمسدس الواقذ الإبري (الذي يثقب الجمجمة) ، منه في الأبقار المدوخة في صندوق سينسيناتي.

стр. 16435

وتأكد أن التدويخ بالمسدس الواقذ الإبري أو بالتيار الكهربائي يؤدي إلى إفراغ كمية هائلة من الأدرنالين Adrenaline، ومع ذلك فإن التدويخ بجميع هذه الأساليب يؤدي إلى فقدان الوعي مباشرة، وليس هناك وقت كاف يسمح للحيوان بأن يصاب بالكرب, ولقد لوحظ أيضا بأن عيار الكورتيزول في الحيوانات المحصورة في صندوق واينبرغ أعلى منه في الحيوانات المحصورة في صندوق سينسيناتي, كما شوهدت مظاهر لهاث شديدة في كل من الحيوانات المحصورة في صندوق واينبرغ أو سينسيناتي على حد سواء, وفي الحالتين يتم ضغط أحشاء الحيوان (من جراء الدوران في صندوق واينبرغ، ومن جراء ضغط اللوح البطني في صندوق سينسيناتي) ، مما يؤدي إلى زيادة الضغط في داخل الصدر Pression intrathoracique. ويبدو من كل هذا بأن حالات الكرب باستعمال الصندوق الدوار هي أكثر شدة نظرًا للدوران الكلي غير الفيزيولوجي للحيوان ولطول فترة المكث التي يقضيها الحيوان في الصندوق.

стр. 16436

(٣) الوعي: Conscience إن فقدان الوعي هو العلامة المهمة جدا في إراحة الحيوان أثناء الذبح، لأنه يضمن عدم الإحساس بالألم وإزالة مظاهر الكرب، ولهذا يجب الوصول إلى هذه المرحلة في أسرع وأقصر وقت ممكن. إن استخدام المسدس الواقذ الإبري (الثاقب) يؤدي إلى فقدان الوعي آنيًا وبصورة غير معكوسة Irreversible. أما المسدس الواقذ الكروي والصدمة الكهربائية فهما يسببان فقدان الوعي بصورة وقتية محدودة ومعكوسة, ويستدعي هذا أن يتم ذبح الحيوان بسرعة بعد التدويخ حتى لا تتحول حالة اللاشعور الناتجة عن عوز الأوكسجين Anoxie إلى طريق استعادة الوعي والإحساس بالألم. هذا ولقد اعتمد في الدراسات المختلفة في مراقبة الوعي على قياسات الاستجابات البصرية وعلى قياس مخططات قشرة الدماغ: ا) قياس الاستجابات البصرية الإيحائية: Reponses visuelles evoquees يقاس النشاط الكهربائي لسطوح الدماغ البصرية بغرز مساري كهربائية في القشرة, ويتم التحريض بواسطة ومضة ضوئية flash موجهة إلى عيني الحيوان. إن غياب الاستجابة الإيحائية في الدماغ يعتبر دليلًا قاطعًا على انعدام الوعي في الحيوان، ومع ذلك لا يعتبر وجود الاستجابات الإيحائية شاهدا جيدا للإدراك الشعوري، لأننا قد نشاهدها أيضا في الحيوان المخدر.

стр. 16437

٢) التخطيط الكهربائي لقشرة الدماغ Electrocorticogramm. عندما نغرس المساري الكهربائية في جمجمة الحيوان وفي مستوى قشرة الدماغ، نستطيع أن نقيس النشاط العفوي للدماغ. يتميز المخطط الطبيعي للحيوان المستيقظ بظهور موجة ذات سعة ضعيفة وتوتر مرتفع, بينما تشاهد السعة المرتفعة والتوتر المنخفض في الحيوانات النائمة أو المخدرة, أما المخطط الكهرساوي (المتساوي التكهرب Isoelectrique) فيدل على موت الدماغ. في الخراف المذبوحة بدون تدويخ مسبق (الطريقة الإسلامية) يلاحظ انعدام الاستجابات الإيحائية بعد (٢- ٧) ثوان من القطع، ويصبح المخطط كهرساويا بعد (١٠- ٢٥) ثانية، ولا يتوقف القلب إلا بعد (١٥) دقائق من الذبح. وإذا تم جرح الحيوان في جانب واحد من الرقبة (الطريقة اليهودية) فيتأخر انعدام الاستجابات الإيحائية إلى (٢٩) ثانية. وفي الماشية المذبوحة بدون تدويخ مسبق (الطريقة الإسلامية) تنعدم الاستجابات الإيحائية بعد (٨٥) ثانية، ولا يصبح مخطط قشرة الدماغ كهرساويا إلا بعد مرور (١٣٢-٣٣٦) ثانية من الذبح. وقبل أن يحدث موت الدماغ هذا تلاحظ تدفقات دورية للاستجابات الإيحائية تستمر من (١٢٣- ٣٢٣) ثانية. ومن الصعب جدا الحكم بأن هذه الاستجابات الملاحظة تدل على عودة الشعور.

стр. 16438

ويمكننا أن نفسر الفرق الملاحظ بين الخراف والماشية بالبنية التشريحية الخاصة لكل منهما, فالشريان الفقري في الماشية يصب مباشرة في مضلع ويليس Polygone de Willis ويقوم بتغذية الدماغ بالأوكسجين, أما في الخراف فيصب الشريان الفقري في الشريان الوداجي، ولا يستطيع أبدا أن يزود الدماغ بعد قطع الوداج، وهذا يفسر الاختلاف ما بين طريقة الذبح والنحر. ومن الواضح أن قصر الزمن اللازم لحدوث فقدان الوعي في الضأن Ovins هو دليل مؤيد لطريقة الذبح الإسلامية التي لا ترى مبررا للتدويخ قبل الذبح. وإضافة إلى ذلك فإن النتائج السابقة لا تبرر استعمال التدويخ المسبق قبل الذبح إلا إذا أدت إلى حالة فقدان الوعي بصورة آنية؛ أي باستعمال المسدس الواقذ الإبري أو المسدس الواقذ الكروي؛ أو الصدمة الكهربائية, وفي الحالتين الأخيرتين يجب أن يشرع بالذبح في خلال الثواني القليلة التي تلي عملية التدويخ لتجنب الانعكاس في عودة الوعي إلى الحيوان. هذا وتسمح طريقة قياس الاستجابات الإيحائية ومخطط قشرة الدماغ بتقدير الأوضاع النسبية للملاحظات السلوكية الحيوانية, فالحيوان الذي يبدي مخططا مسطحا قد تظهر عليه حركات غير مترابطة؛ وهو مع ذلك فاقد الوعي، ولا يمكن اعتبار هذه الحركات دليلا على الإحساس بالألم أو الخوف.

стр. 16439

وهكذا نستطيع أن نحدد العلامات الدالة على التدويخ الصحيح باستعمال آلة ميكانيكية: - فالحيوان ينهار مباشرة ولا يحاول الوقوف. - ويصبح جسم الحيوان وعضلاته متوترة مباشرة بعد انهمار الدم؛ وقد يترافق ذلك مع حركات غير مترابطة تستمر لعدة دقائق. - يتوقف النظم التنفسي الطبيعي، وقد تلاحظ منعكسات لهاثية (ناتجة عن نقص الأوكسجين في الدماغ Hypoxie) . - تبقى حدقة العين مركزة وثابتة ولا تضطرب، وينعدم المنعكس البصري، هذا ولقد سمح الذبح الصناعي الآلي بالاستجابة إلى متطلبات الاستهلاك الهائلة، إضافة إلى استبانة الأجزاء غير القابلة للأكل وتحسين إراحة الحيوان ومراقبة هذه الحالة بشكل مناسب, ولا شك أن المجازر أصبحت مجهزة بآلات مناسبة لا يمتلكها الأفراد غير المهيئين وغير المتلائمين مع طرائق الذبح الحديثة, ويلعب الطبيب البيطري دوراً مهما في المسلخ؛ فهو إلى جانب وظيفته الرئيسية في مراقبة جودة اللحم، يعتبر الشخص الوحيد القادر على توجيه العاملين ولفت نظرهم إلى حسن معاملة الحيوان والرفق به وتخفيف آلامه, ولديه كافة الحقوق التي تخوله رفض أي حيوان ارتكبت بحقه أية مخالفة ينص عليها قانون حماية الحيوان. ومن الجدير بالذكر أن جمعيات الرفق بالحيوان في عصرنا هذا، استطاعت إثارة الرأي العام نحو كل ما يؤدي إلى تألم الحيوان، وتأثرت بذلك التشريعات القانونية، وبذلت جهود كبيرة لحماية الحيوان لدرجة نستطيع أن نقول معها بأن طرائق الذبح الحديثة تجري إلى حد كبير بصورة مطابقة للقواعد السلوكية السليمة.

стр. 16440

ومما لا شك فيه أن الأوروبيين يعتبرون أن طرائق الذبح الشرعي معضلة خاصة, إلا أننا نستطيع أن نقول بأن معظم الهيئات الإسلامية في الغرب- على خلاف الطوائف اليهودية- قبلت أو أذعنت إلى الأمر بتدويخ الحيوان بشرط أن لا يؤثر ذلك على حياته، وأن يتم ذبحه مباشرة بعد التدويخ, ويتحقق ذلك باستعمال المسدس الواقذ الكروي أو باستعمال الصدمة الكهربائية, ويضيف المدافعون عن هاتين الطريقتين بأن هذه الأساليب هي أكثر أمنا، وخاصة بعد ظهور مشكلة التهاب الدماغ اسفنجي الشكل في البقر (جنون البقر) Encephalite spongiformr Bovine. أما الهيئات اليهودية فلا تزال ترفض بشدة أي تدويخ مسبق للحيوان, وحسب طريقتهم المتبعة في الذبح، يبقى الضأن في حالة وعي خلال (٣٠) ثانية تقريبا، ويعتبر هذا الزمن قصيرا نسبيا, أما في الماشية، فقد لوحظ عودة الإحساس خلال (٥) دقائق، إلا أن الحيوان لا تبدو عليه مظاهر الألم.

стр. 16441

رابعا- آداب التذكية ومستحباتها لا تعتبر آداب التذكية شروطا تتوقف عليها صحة التذكية إنما هي أمور يطلب مراعاتها من باب كمالية الذكاة، لا من باب الإجزاء والصحة فيها وهي (١) : ا- أن تكون التذكية بالنهار. ٢- أن تكون الآلة حادة، كالسكين القاطعة. ٣- أن يدقق في قطع الأوداج. ٤- أن تكون الذكاة ذبحا في البقر والشاة أو نحوها، ونحرا في الإبل. ٥- أن تقطع الأوداج كلها. ٦- الاكتفاء بقطع الأوداج دون بلوغ النخاع. ٧- عدم إبانة الرأس. ٨- أن يكون الذابح مستقبلا القبلة. ٩- أن توجه الذبيحة إلى القبلة. ومن المستحب (٢) : ١٠- أن يكون المذكي بالغا لأنه أقدر على الذبح، فإن ذبح صبي جاز. ١١- أن يكون مبصرا وعاقلا، وليس بسكران. ١٢- أن يكون المذكي رجلا، لأنه أقوى على الذبح من المرأة، فإن كانت امرأة جاز.

стр. 16442

خامسا- مكروهات التذكية ا- يكره أن يقول عند الذبح: "اللهم تقبل من فلان " ولا مانع منه قبل أو بعده. (١) ٢- يكره له بعد الذبح أن ينخعها أو أن يسلخها قبل أن تبرد. ٣- يكره جرها إلى المذبح برجلها أو أن يسوقها سوقا عنيفا. ٤- يكره أن يحد الشفرة أمامها. ٥- يكره أن يكون الذبح بآلة كالة. ٦- يكره أن يكسر عنق الحيوان أو أن يسلخه قبل زهوق روحه. سادسا- ذبائح أهل الكتاب الأصل في الكتابي أن يكون نصرانيا أو يهوديا، وهم الذين يعرفون الكتاب أي: أتباع الإنجيل والتوراة (٢) ويدخل فيهم كل من يعتقد بكتاب كالصابئة والسامرة؛ فالصابئة لكونهم يدينون بما ورد على عيسى، ﵇، والسامرة لكونهم يدينون بما ورد على إبراهيم، ﵇, وسواء كان الكتابي ذميا (هو الذي التزم الجزية ويعيش في ظل البلاد الإسلامية) أو حربيا (وهو الذي لا يعيش في ظل بلاد إسلامية، ويعيش في دار الحرب) .

стр. 16443

وقد اختلف الفقهاء في تعريف الكتابي وهل يجب أن يكون من أبوين كتابيين، وهل يعتبر كتابيا من دخل في اليهودية أو النصرانية بعد الإسلام؟ (١) . - قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: "بل الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه لا بِنَسَبه، وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك، والمنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف. وهذا القول هو الثابت عن الصحابة، ﵃، ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعا، وذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم، واحتج بذلك في هذه المسألة على من لا يقر الرجل في دينهم بعد النسخ والتبديل، كمن هو في زماننا إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب، فإنه تؤكل ذبيحته، وتنكح نساؤه. وهذا يبين خطأ من يناقض منهم ". (٢) ٢- وجاء في التفسير الكبير: "ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة اليهود والنصارى في هذا الزمان، ولا يحرم ذبحهم للمسلمين، ومن أنكر ذلك فهو جاهل مخطئ مخالف لإجماع المسلمين, فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين علماء المسلمين، ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة، لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد، فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء, كيف والقول بتحريم ذلك في هذا الزمان وقبله قول ضعيف جدا، مخالف لما علم من سنة رسول الله ﷺ ، ولما علم من حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان ". (٣)

стр. 16444

٣- بسط الشيخ محمد رشيد رضا هذه القضية في الجزء السادس من تفسير المنار، واستعرض آراء المذاهب المختلفة حول ذبائح أهل الكتاب، وننقل من رأيه ما يلي: جاء في تفسير المنار: " وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبى حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، قال: ذبائحهم، وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد، وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي. وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا، وأكل النبي ﷺ من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية، ووضعت له السم في ذراعها, وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف إلا في بني تغلب، وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصرانية ولم يعرفوا من دينهم شيئا، فنقل عن علي ﵁ أنه لم يجز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصرانية إلا شرب الخمر، يعني أنهم على شركهم لم يصيروا أهل كتاب، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية. روى ابن جرير عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب فقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ [المائدة: ٥١] . وفي رواية عنه أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم، فإن الله تعالى قال: وقرأ الآية، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم، أي يكفي كونهم منهم: نصرهم لهم وتوليهم إياهم في الحرب ".

стр. 16445

واستنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهي: هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب (كالتوراة والإنجيل) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أو العبرة بإتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل وبأهله الأصليين كالإسرائيليين من اليهود؟ يقول السيد رشيد رضا: "المتبادر من نص القران الكريم ومن السنة وعمل الصحابة أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل، فالله تعالى قد أحل أكل طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن، وكان أهل الكتاب من شعوب شتى، وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم ونسوا حظا مما ذكروا به في هذه السورة نفسها، كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أن سبب نزولها محاولة بعض الأنصار إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا على الرجوع إلى الإسلام، فلما نزلت أمرهم النبي ﷺ بتخييرهم، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص، ولم يفرق النبي ﷺ ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الأحكام ". (١)

стр. 16446

٤- وقدم الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس دراسة في كتابه: (حكم اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين) استعرض فيها آراء وفتاوى عديد من العلماء السابقين والمعاصرين، وخلص من ذلك إلى النتيجة التالية: الرأي المختار: ويمكننا بعد أن عرضنا وجهات النظر المتباينة أن نفتي الناس ونحن مطمئنون بما يلي: "أن الأصل في ذبائح أهل الكتاب من يهود ونصارى- سواء كانوا من رعايا الدولة الإسلامية أم من أعدائها المحاربين لها- ولحومهم المثلجة والمجففة والمطبوخة حلال إلا أن يثبت للمسلم أنها ذبحت مخالفة للطريقة الشرعية". ثم يقول: "هذا والمسلم ليس مكلفا بالبحث عما غاب عنه، فلا يجب عليه أن يسأل عن طريقة الذبح، وهل ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر؟ وهل ذكر اسم غير الله تعالى؟ كل هذا ليس مطلوبا منه، ولا مأمورا به, فقد روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بإسناده عن عائشة ﵂: أن قوما قالوا للنبي ﷺ : ((إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر)) (١) .ولكن المسلم لو علم علم اليقين أنه تحدث مخالفة شرعية في الذبح, كالخنق والإهلال لغير الله وجب عليه الامتناع من أكل هذه الذبائح " (٢)

стр. 16447

وفي فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يقول فيها: "وأجمعوا على ذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلفوا في ذبيحة المجوس عباد النار". ثم يقول فيما بعد: "إذا علم هذا فاللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية، إن علم أنها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين إذا لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي ". وانظر أيضا الفتوى بنفس المعنى للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد- رئيس هيئة التمييز- وفتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١) وانظر رأي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الخياط في تقريره عن: (حكم الأطعمة والذبائح في الإسلام) (٢)

стр. 16448

الفصل الثاني حكم ما جهل ذابحه مما حل أكله ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الأصل في اللحوم والأبضاع الحرمة، حتى تباح اللحوم بالذكاة الشرعية، والأبضاع بعقد الزواج, والذكاة الشرعية لابد من توافر شروط فيها، ومن بين هذه الشروط أن يكون الذابح مسلما أو كتابياً (١) واتفق أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم وأهل الظاهر وفقهاء الرأي والحديث على أن ذبيحة غير المسلم وغير الكتابي محرمة على المسلم (٢) . قال في العدة شرح العمدة: " أما غير الكتابي فلا تحل ذبيحته ولا طعامه " (٣) . وقال في بدائع الصنائع: "ولا تؤكل ذبيحة أهل الشرك والمجوسي والوثني والمرتد" (٤) وقال في المجموع: "فإن ذبح مشرك نظرت , فإن كان مرتدا أو وثنيا أو مجوسيا لم يحل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهؤلاء ليسوا أهل الكتاب ". (٥) ولقد أجمع الصحابة والتابعون، ﵃، على تحريم ذبائح غير المسلمين وغير أهل الكتاب، ولم ينقل عن واحد منهم أنه قال بإباحة ذبائح المشركين (٦) .

стр. 16449

وقد ذهب بعض العلماء المحدثين إلى إباحة طعام الكفار- أي ذبائحهم - وقد قيد بعضهم ذلك بشروط عديدة، والبعض الآخر لم يقيد الإباحة بتلك الشروط: ا- فتوى الشيخ محمد رشيد رضا: يرى الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أن القرآن لم يحرم طعام الوثنيين، ولا طعام مشركي العرب مطلقا كما حرم نكاح نسائهم، بل حرم ما أهل به لغير الله من ذبائحهم، كما حرم ما كان يأكل بعضهم من الميتة والدم المسفوح، وحرم لحم الخنزير. (١) ٢- فتوى الشيخ فيصل مولوي: "إن تحريم الذبائح لا يتعلق بشخص الذابح وأنه مسلم أو كتابي أو مشرك، وإنما يتعلق بالغاية من الذبح، عندما يكون تقربا إلى الأصنام والأوثان والآلهة المدعاة، أو يتعلق بكيفية الموت، وهل هو ذكاة شرعية أو لا وبناء على ذلك فإن ذبائح المشركين إذا قطعت أوداجها والحلقوم والمريء، ولم يُهَلَّ بها إلى غير الله فإنها حلال " (٢) .

стр. 16450

٣- وجاء في رأي للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ما خلاصته: (١) "وحصر المحرمات في القرآن، وخاصة في آية المائدة التي هي من آخر القرآن نزولا، وفيها تحريم الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وتحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وتحريم ما ذبح على النصب، ولم يذكر تحريم ما ذبحه الكافر والمشرك، وما كان ربك نسيا". (٢) "وحيث لم يثبت تحريم ذبائح الكفار لا في الكتاب، ولا في السنة، فإننا نقتصر على تحريم ذبائح المشركين والوثنيين تمشيا مع الصحابة، ولا نعديه إلى غيرهم من تحريم ذبائح سائر الكافرين، لعدم ما يدل على ذلك. وما يقال في بلدان الصين من وقوع الاختلاط فيه بين سائر الأمم والأديان، فكذا يقال مثله في بلدان الروس والألمان واليابان وأمثالهم، فلم نجد لتحريم ذبائحهم نصا يجب المصير إليه، لا في القرآن، ولا في السنة" (١)

стр. 16451

(٣) ويقول في مقال آخر: " وكل ذبيحة من حيوان أو دجاج تجلب إلى الناس وهي مجهولة، لا يعلم من ذبحها، ولا كيف ذبحها، فإنها تندرج في عموم الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة: أنهم قالوا: ((يا رسول الله، إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا أنتم وكلوا")) فكأنه ﷺ بهذا يقرر أن التسمية على الذبح واجبة على المسلمين لا على غيرهم ". (١) ٤- وقد ناقش الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس هذه الآراء السابقة في كتابه: (حكم اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين) فقال: "إن القاعدة العامة في هذا الدين والأصل المعتبر في لحوم المشركين وذبائحهم أنها محرمة، لا يحل للمسلمين أكلها، وهذه الذبائح محرمة سواء كانت في بلادهم، أم صدروها إلى بلاد المسلمين، إلا أن يثبت للآكل أن الذبائح التي ذبحت، قد ذبحت وروعي في ذبحها الشروط الشرعية من حيث الذابح والذبح والحيوان المذبوح.

стр. 16452

ويدخل ضمن هذا ذبائح الشيوعيين والملحدين عربا كانوا أو عجما. ذلك لأنه قد أصبح من المألوف والمعروف أن الأصل الشرعي الثابت عموما هو نجاسة كل ميت، وهذا يقين كلي له حكم الأسبقية والشمول ... ثم إن الشارع الحكيم- استئناء من هذا الأصل- قد حكم بطهارة أنواع معينة من الحيوانات إذا أزهقت حياتها بطريقة معينة وقيود معروفة". (١) ٥- وجاء في فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز ما نصه: "قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥] هذه الآية أوضحت لنا أن طعام أهل الكتاب مباح لنا، وهم اليهود والنصارى، إلا إذا علمنا أنهم ذبحوا الحيوان المباح على غير الوجه الشرعي، كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس ونحو ذلك، فإنه بذلك يكون منخنقا أو موقوذا , فيحرم علينا كما تحرم علينا المنخنقة والموقوذة التي ذبحها مسلم على هذا الوجه، أما إذا لم نعلم الواقع فذبيحتهم حل لنا عملًا بالآية الكريمة" (٢) .

стр. 16453

٦- ولما سئل ابن تيمية ﵀ عن "الذبيحة" التي يتيقن أنه ما سمي عليها: هل يجوز أكلها؟ فأجاب: "الحمد لله, التسمية عليها واجبة بالكتاب والسنة، وهو قول جمهور العلماء، لكن إذا لم يعلم الإنسان هل سمي الذابح أم لم يسم أكل منها، وإن تيقن أنه لم يسم لم يأكل، وكذلك الأضحية". (١) ٧- وجاء في فتوى للشيخ عبد الله بن محمد بن حميد (رئيس المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية عن سؤال حول اللحوم المستوردة من الخارج: "أما إذا جهل الأمر في تلك اللحوم ولم يعلم عن حالة أهل البلد التي وردت منها تلك اللحوم؟ هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها، ولم يعلم حالة المذكين وجهل الأمر، فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهول أمر عادتهم في الذبح تغليبا لجانب الحظر، وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيُغَلَّب جانب الحظر، سواء كان في الذبائح أو الصيد" (٢) ٨- وجاء في مقال للشيخ عبد العزيز الناصر- رئيس هيئة التمييز -حول اللحوم المستوردة يقول فيه بعد أن قسم اللحوم المستوردة إلى (٣) أقسام: أولها ذبائح أهل الكتاب فهي حلال، وثانيها ذبائح غير أهل الكتاب فهي حرام، وثالثها أن لا يعلم هل هي من ذبائح أهل الكتاب أو غيرهم، فالقواعد الشرعية تقضي بالتحريم، فإن القاعدة الشرعية أنه إذا اشتبه مباح بمحرم، حرم أحدهما بالأصالة والآخر بالاشتباه. والقاعدة الأخرى، إذا اجتمع مبيح وحاظر، قدم الحاظر، لأنه أحوط وأبعد عن الشبهة (٣)

стр. 16454

٩- ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في جواب عن سؤال ورده بشأن اللحوم المستوردة: "أن لا نعلم هل ذابحه من تحل ذبيحته أو لا - وهذا هو الغالب على اللحم الوارد من الخارج- فالأصل هنا التحريم، فلا يحل الأكل منه، لأننا لا نعلم صدور هذا الذبح من أهله ". (١) ١٠- وبناء على ما سبق يمكننا أن نخلص بشأن ما جهل ذابحه مما حل أكل لحمه إلى ما يلي: (١) إذا كان اللحم موجودا في بلاد المسلمين، أو في بلاد أغلبية سكانها من أهل الكتاب ... فالأصل إجراء ما ذبحه من تحل ذبيحته على أصل الحل. قال في المنتهى وشرحه: "ويحل حيوان مذبوح منبوذ بمحل يحل ذبح أكثر أهله؛ بأن كان أكثرهم مسلمين أو كتابيين، ولو جهلت تسمية ذابح " (٢) (٢) وإن كان اللحم موجودا في بلاد أغلبية سكانها من غير المسلمين أو من غير الكتابيين، فالأصل إجراء الحكم على التحريم لوقوع الذبح من غير أهله، وتغليبا لجانب الحظر. وهذا استنادا لما قرره أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ ابن رجب وغيرهم من الحنابلة، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام النووي وغيرهم كثير، مستدلين بما في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال له: ((إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل, فإن وجدت معه كلبا آخر فلا تأكل)) فالحديث يدل على أنه إذا وجد مع كلبه المعلم كلباً آخر أنه لا يأكله تغليبا لجانب الحظر, فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم إليه، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر، لذا منع الرسول ﷺ من أكله. وقال أيضًا ﷺ : ((إذا أصبته بسهمك فوقع في الماء فلا تأكل)) (٣) ، وفي رواية عند الترمذي: ((إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل)) وقال: حسن صحيح عن عدي بن حاتم. قال ابن حجر في الصيد: "إن الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد". وقال أيضا عند قوله ﷺ : "وإن وقع في الماء فلا تأكل " "لأنه حينئذ يقع التردد؛ وهل قتله السهم أو الغرق في الماء. فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله ". قال النووي في شرح مسلم: "إذا وجد الصيد في الماء غريقا حرم بالاتفاق " (٤)

стр. 16455

الفصل الثالث حكم اللحوم المستوردة لم يبحث فقهاؤنا القدامى هذا الموضوع أصلًا، لأنه لم يكن واقعا في عصرهم، فكان لا بد من الاجتهاد بالرأي على ضوء ما تقرر في هذا التشريع الإلهي من مبادئ وأحكام، وخاصة بعد تطور وسائل ذبح الحيوان وإماتته بغية تحصيل لحمه للطعام، وهي وسائل فنية متطورة ذات قدرة فائقة على الإنتاج الكبير للحم، وتصنيعه وتعليبه أو تجميده أو تجفيفه في المصانع الحديثة, ومما يؤسف له أن العالم الإسلامي في معظم أقطاره أصبح يعتمد في تأمين غذائه على ما يستورده من الخارج، وفي طليعة ذلك اللحوم والحبوب. وقبل الوصول إلى الحكم في اللحوم المستوردة، لا بد لي من الإشارة إلى الحقائق التالية: ا- إن الغاية من إنشاء المجازر الصناعية الحديثة التي تستورد منها اللحوم هي إزهاق روح الحيوان بغية تحصيل لحمه للطعام، وليس هناك غاية أخرى كالذبح للكنيسة أو للأنصاب أو لفلان من الناس، ولا محل في الواقع الحالي لهذا الأمر. ٢- لا تسمح القوانين السائدة التي تحكم المجازر الحديثة بأكل لحم الميتة ولا بتسويقها. ٣- تتمتع جمعيات الرفق بالحيوان بنفوذ كبير جدا، ولها تأثير على التشريعات الخاصة بالحيوان، وهي تدعو دائما إلى الرفق بالحيوان وعدم استعمال أي أسلوب يؤدي لتعذيبه وإيلامه عند الذبح، وتصل في ذلك إلى حد المبالغة.
следующие страницы →