(٣) ويقول في مقال آخر: " وكل ذبيحة من حيوان أو دجاج تجلب إلى الناس وهي مجهولة، لا يعلم من ذبحها، ولا كيف ذبحها، فإنها تندرج في عموم الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة: أنهم قالوا: ((يا رسول الله، إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا أنتم وكلوا")) فكأنه ﷺ بهذا يقرر أن التسمية على الذبح واجبة على المسلمين لا على غيرهم ". (١)
٤- وقد ناقش الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس هذه الآراء السابقة في كتابه: (حكم اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين) فقال:
"إن القاعدة العامة في هذا الدين والأصل المعتبر في لحوم المشركين وذبائحهم أنها محرمة، لا يحل للمسلمين أكلها، وهذه الذبائح محرمة سواء كانت في بلادهم، أم صدروها إلى بلاد المسلمين، إلا أن يثبت للآكل أن الذبائح التي ذبحت، قد ذبحت وروعي في ذبحها الشروط الشرعية من حيث الذابح والذبح والحيوان المذبوح.
стр. 16452
ويدخل ضمن هذا ذبائح الشيوعيين والملحدين عربا كانوا أو عجما.
ذلك لأنه قد أصبح من المألوف والمعروف أن الأصل الشرعي الثابت عموما هو نجاسة كل ميت، وهذا يقين كلي له حكم الأسبقية والشمول ... ثم إن الشارع الحكيم- استئناء من هذا الأصل- قد حكم بطهارة أنواع معينة من الحيوانات إذا أزهقت حياتها بطريقة معينة وقيود معروفة". (١)
٥- وجاء في فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز ما نصه: "قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥] هذه الآية أوضحت لنا أن طعام أهل الكتاب مباح لنا، وهم اليهود والنصارى، إلا إذا علمنا أنهم ذبحوا الحيوان المباح على غير الوجه الشرعي، كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس ونحو ذلك، فإنه بذلك يكون منخنقا أو موقوذا , فيحرم علينا كما تحرم علينا المنخنقة والموقوذة التي ذبحها مسلم على هذا الوجه، أما إذا لم نعلم الواقع فذبيحتهم حل لنا عملًا بالآية الكريمة" (٢) .
стр. 16453
٦- ولما سئل ابن تيمية ﵀ عن "الذبيحة" التي يتيقن أنه ما سمي عليها: هل يجوز أكلها؟ فأجاب: "الحمد لله, التسمية عليها واجبة بالكتاب والسنة، وهو قول جمهور العلماء، لكن إذا لم يعلم الإنسان هل سمي الذابح أم لم يسم أكل منها، وإن تيقن أنه لم يسم لم يأكل، وكذلك الأضحية". (١)
٧- وجاء في فتوى للشيخ عبد الله بن محمد بن حميد (رئيس المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية عن سؤال حول اللحوم المستوردة من الخارج: "أما إذا جهل الأمر في تلك اللحوم ولم يعلم عن حالة أهل البلد التي وردت منها تلك اللحوم؟ هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها، ولم يعلم حالة المذكين وجهل الأمر، فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهول أمر عادتهم في الذبح تغليبا لجانب الحظر، وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيُغَلَّب جانب الحظر، سواء كان في الذبائح أو الصيد" (٢)
٨- وجاء في مقال للشيخ عبد العزيز الناصر- رئيس هيئة التمييز -حول اللحوم المستوردة يقول فيه بعد أن قسم اللحوم المستوردة إلى (٣) أقسام: أولها ذبائح أهل الكتاب فهي حلال، وثانيها ذبائح غير أهل الكتاب فهي حرام، وثالثها أن لا يعلم هل هي من ذبائح أهل الكتاب أو غيرهم، فالقواعد الشرعية تقضي بالتحريم، فإن القاعدة الشرعية أنه إذا اشتبه مباح بمحرم، حرم أحدهما بالأصالة والآخر بالاشتباه.
والقاعدة الأخرى، إذا اجتمع مبيح وحاظر، قدم الحاظر، لأنه أحوط وأبعد عن الشبهة (٣)
стр. 16454
٩- ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في جواب عن سؤال ورده بشأن اللحوم المستوردة: "أن لا نعلم هل ذابحه من تحل ذبيحته أو لا
- وهذا هو الغالب على اللحم الوارد من الخارج- فالأصل هنا التحريم، فلا يحل الأكل منه، لأننا لا نعلم صدور هذا الذبح من أهله ". (١)
١٠- وبناء على ما سبق يمكننا أن نخلص بشأن ما جهل ذابحه مما حل أكل لحمه إلى ما يلي:
(١) إذا كان اللحم موجودا في بلاد المسلمين، أو في بلاد أغلبية سكانها من أهل الكتاب ... فالأصل إجراء ما ذبحه من تحل ذبيحته على أصل الحل.
قال في المنتهى وشرحه: "ويحل حيوان مذبوح منبوذ بمحل يحل ذبح أكثر أهله؛ بأن كان أكثرهم مسلمين أو كتابيين، ولو جهلت تسمية ذابح " (٢)(٢) وإن كان اللحم موجودا في بلاد أغلبية سكانها من غير المسلمين أو من غير الكتابيين، فالأصل إجراء الحكم على التحريم لوقوع الذبح من غير أهله، وتغليبا لجانب الحظر.
وهذا استنادا لما قرره أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ ابن رجب وغيرهم من الحنابلة، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام النووي وغيرهم كثير، مستدلين بما في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال له: ((إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل, فإن وجدت معه كلبا آخر فلا تأكل)) فالحديث يدل على أنه إذا وجد مع كلبه المعلم كلباً آخر أنه لا يأكله تغليبا لجانب الحظر, فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم إليه، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر، لذا منع الرسول ﷺ من أكله. وقال أيضًا ﷺ : ((إذا أصبته بسهمك فوقع في الماء فلا تأكل)) (٣) ، وفي رواية عند الترمذي: ((إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل)) وقال: حسن صحيح عن عدي بن حاتم.
قال ابن حجر في الصيد: "إن الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد". وقال أيضا عند قوله ﷺ : "وإن وقع في الماء فلا تأكل " "لأنه حينئذ يقع التردد؛ وهل قتله السهم أو الغرق في الماء. فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله ". قال النووي في شرح مسلم: "إذا وجد الصيد في الماء غريقا حرم بالاتفاق " (٤)
стр. 16455
الفصل الثالث
حكم اللحوم المستوردة
لم يبحث فقهاؤنا القدامى هذا الموضوع أصلًا، لأنه لم يكن واقعا في عصرهم، فكان لا بد من الاجتهاد بالرأي على ضوء ما تقرر في هذا التشريع الإلهي من مبادئ وأحكام، وخاصة بعد تطور وسائل ذبح الحيوان وإماتته بغية تحصيل لحمه للطعام، وهي وسائل فنية متطورة ذات قدرة فائقة على الإنتاج الكبير للحم، وتصنيعه وتعليبه أو تجميده أو تجفيفه في المصانع الحديثة, ومما يؤسف له أن العالم الإسلامي في معظم أقطاره أصبح يعتمد في تأمين غذائه على ما يستورده من الخارج، وفي طليعة ذلك اللحوم والحبوب.
وقبل الوصول إلى الحكم في اللحوم المستوردة، لا بد لي من الإشارة إلى الحقائق التالية:
ا- إن الغاية من إنشاء المجازر الصناعية الحديثة التي تستورد منها اللحوم هي إزهاق روح الحيوان بغية تحصيل لحمه للطعام، وليس هناك غاية أخرى كالذبح للكنيسة أو للأنصاب أو لفلان من الناس، ولا محل في الواقع الحالي لهذا الأمر.
٢- لا تسمح القوانين السائدة التي تحكم المجازر الحديثة بأكل لحم الميتة ولا بتسويقها.
٣- تتمتع جمعيات الرفق بالحيوان بنفوذ كبير جدا، ولها تأثير على التشريعات الخاصة بالحيوان، وهي تدعو دائما إلى الرفق بالحيوان وعدم استعمال أي أسلوب يؤدي لتعذيبه وإيلامه عند الذبح، وتصل في ذلك إلى حد المبالغة.
стр. 16456
٤- فهم بعض العلماء من الطرق التي تتبع قبل ذبح الحيوان أنها تستعمل لقتل الحيوان، ومن غير بينة ووضوح أفتوا بحرمة التدويخ أو الصعق الكهربائي والصرع بالمسدس، وأرادوا تحريم أية ذبيحة يستعمل فيها المسدس للصرع، أو الكهرباء للتدويخ, ونحن معهم في أن ما يموت بالصرع أو بالصعق من غير ذبح حرام، ولا يجوز أكله أبدا، ولكن الواقع يخالف ذلك، فإن طريقة الصرع أو التدويخ لا تقتل الحيوان، ولكنها تؤدي إلى فقدان وعيه ووقوعه، ثم يذبح بعد ذلك ذبحاً يتوافق مع متطلبات التذكية الشرعية.
وقد كنت عضوا في لجنة مكونة من أطباء بيطريين يمثلون بلدان السوق الأوروبية المشتركة، وأجرينا تجارب في مدينة جامبلو Gembloux ببلجيكا على عجول جرى تدويخها بالمسدس الواقذ., وثبت لنا أن قلب الحيوان استمر في النبض لأكثر من (١٥) دقائق، ثم جرى ذبحه فانهمر الدم منه بشدة.
стр. 16457
٥- وفي مناسبة أخرى، تمت دراسة تجريبية على خروفين، أحدهما بالغ بوزن (٣٥) كغ، والآخر فطيم يزن (١٨) كغ، وأخضع الحيوانان الشروط متماثلة من التدويخ باستعمال تيار كهربائي يبلغ كمونه (٣٠٠) فولط وشدته (١.٢٥) أمبير لمدة (٣) ثوان، وذلك بتطبيق المسارين على الصدغين.
وظهرت على الحيوانين المظاهر الوصفية التوترية والرمعية (الارتجافية) للصرع قبل أن يتماثلا للشفاء التام.
وقد دلت هذه التجربة على الطبيعة المعكوسة للتدويخ الكهربائي ضمن الشروط الموصوفة، أي عودة الحيوان بعد التدويخ إلى وضعه الطبيعي الذي كان عليه، كما لم تظهر أي آثار إضافية متعلقة بعمر أو حجم الحيوان الفتي (١) .
стр. 16458
٦- طريقة التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون Co٢ على الرغم من عدم انتشارها في تدويخ الماشية والشاء حتى الآن، إلا أنها لا تهيج الحيوان، وتنشط التنفس والدورة الدموية مما يسهل معه نزف دم الحيوان، ولا تعطي لحوما ذات نقط نزفية، ولا تحدث تغيرات في درجة حموضة اللحم PH
٧- تقضي القاعدة العامة في الإنتاج الصناعي أن يذبح الحيوان فورا بعد التدويخ، لأن التماهل في ذلك يؤدي إلى خفض الإنتاج، وهذا يتعارض مع المبدأ الاقتصادي الصناعي.
٨- يقتصر حديثنا على اللحوم المستوردة مما يحل أكله، ولا محل للحديث عن الحيوانات التي حرمت الشريعة أكل لحومها كالخنزير وما شابه ذلك.
٩- اختلف الفقهاء المعاصرون في رأيهم حول اللحوم المستوردة، فمنهم من أباحها بإطلاق، ومنهم من أباحها بشرط أن تكون قد تمت تذكيتها الشرعية، ومنهم من حرمها لتغليب الظن بعدم تذكيتها التذكية الشرعية المطلوبة.
стр. 16459
وقد قسم الدكتور عبد الله الفوزان اللحوم المستوردة إلى (٣) أقسام (١) :
القسم الأول: ما علم أنه ذكي على الطريقة الشرعية، فهذا حلال بالإجماع.
القسم الثاني: ما علم أنه ذكي على غير الطريقة الشرعية.
القسم الثالث: ما جهل حاله، فلا يدري على أي صفة حصلت تذكيته.
فالقسم الأول: حلال بالإجماع , كما سبق.
والقسم الثاني: قد أفتى بحله بعض العلماء محتجًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ . قال القاضي ابن العربي في كتابه أحكام القرآن (٢) في تفسير هذه الآية ما نصه: "هذا دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله، وهو الحلال المطلق ... وإنما كرره الله سبحانه ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات، ويخرج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل يؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه؟ ... فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا, ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا، إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه ".
стр. 16460
وقد استند إلى هذه الفتوى الشيخ محمد عبده فأباح هذا النوع في فتواه الترانسفالية حيث قال ما نصه: "وأما الذبائح؟ فالذي أراه أن يأخذ المسلمون في تلك الأطراف بنص كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وأن يعولوا على ما قال الإمام الجليل أبو بكر بن العربي المالكي من أن المدار على أن يكون ما يذبح مأكول أهل الكتاب قسيسيهم وعامتهم ويعد طعاما لهم كافة".
وقد أحدثت هذه الفتوى ضجة كبرى بين العلماء في ذلك الوقت ما بين مستنكر لها ومؤيد لها ... وممن أيدها وتحمس لها تلميذه محمد رشيد رضا وأطال الكلام في تأييدها والدفاع عنها (١) في مجلة المنار (٢) وقد ذهب علماء آخرون إلى غير ما ذهب إليه القاضي ابن العربي والشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا، واشترطوا صحة الذكاة فيما يذبحه الكتابي.
وبالرجوع إلى كثير من الفتاوى التي صدرت بشأن اللحوم المستوردة يتبين لنا أن الأحكام علقت التحريم والتحليل تبعا لوصف الذبح الذي يتم به إزهاق روح الحيوان. وقد تصور البعض أن هذا الذبح يتم بالخنق أو بضرب الرأس أو بالصعق الكهربائي.
حتى إن بعض العلماء الأجلاء لم يتضح له المقصود من عبارات وردت في أسئلة بعض المستفتين كذبح الخرفان بالصرع الكهربائي وذبح الدجاج بقصف الرقبة، ولدي سؤاله لمن سماهم بأهل الخبرة أجابوا بأن الصرع هو إزهاق الروح بواسطة الكهرباء من غير ذبح شرعي، وأما القصف فهو قطع الرقبة مرة واحدة، فكانت الإجابة بناء على ذلك بأنه "إن كان هذا هو المراد من الصرع والقصف فالذبيحة بالصرع ميتة، لكونها لم تذبح الذبح الشرعي الذي يتضمن قطع الحلقوم والمريء وإسالة الدم ... " (٣)
стр. 16461
والواقع هو غير ما تم وصفه، فالصرع الكهربائي المذكور إنما هو عملية تهدف إلى تدويخ الحيوان وإزالة وعيه، وليس إلى قتله، ثم يجري فيما بعد ذبح الحيوان في المجازر الحديثة والحيوان لا يزال حيا وقلبه ينبض بشدة ... وهذه مشاهدات رأيناها في كثير من المجازر التي عايناها، وأيدتها تجارب الطب البيطري بدون أدنى شك, ولم نعد نجد في المجازر الحديثة أي صورة من الطرق القديمة الموصوفة في قتل الحيوان قبل أن يتم ذبحه.
والذي نطمئن إليه في هذا الصدد يتلخص فيما يلي:
(١) اللحوم المستوردة من البلدان التي غالبية سكانها من أهل الكتاب وتذبح حيواناتهم المأكولة في المجازر الحديثة: هي لحوم حلال، ولا حرج في أكلها لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ .
(٢) اللحوم المستوردة من بلاد غالبية سكانها من غير أهل الكتاب هي: لحوم حرام، ولا يجوز تناولها لوقوع التذكية من غير أهلها.
(٣) نظرا لانتشار المسلمين- بحمد الله- في كثير من البلاد المصدرة للحوم، فلا حرج في أكل لحوم الحيوانات المباحة إذا تمت تذكيتها تحت إشراف هيئة إسلامية معتمدة، وكان الذابح مسلما أو كتابيا.
(٤) نوصي المجمع الفقهي بإعداد لائحة بأسماء الهيئات الإسلامية المنتشرة في كثير من بلاد العالم، والتي يمكن اعتمادها للإشراف على الذبح الشرعي، وأن تقبل شهادات المراقبة التي تصدر عنها بعد اعتمادها من سفارات الدول الإسلامية.
(٥) نوصي مجمع الفقه الإسلامي بأن يضع لائحة بالشروط التي يجب توافرها في المراقبة على الذبح الشرعي، والتي يجب أن تراعيها الهيئات الإسلامية في المراقبة وإصدار شهاداتها المعتمدة.
стр. 16462
خلاصة البحث
ا- عرف أهل اللغة التذكية بأنها الذبح والشق والنحر وإتمام الفعل والتطييب والتطهير بالذبح.
بينما عرفها الفقهاء بأنها السبب الموصل إلى حل أكل الحيوان البري اختيارًا وأنواعها أربعة: ذبح ونحر وعقر , وفعل يزيل الحياة بأية وسيلة , مقرونا بالقصد لله.
واتفق الفقهاء على أصل القطع للودجين والحلقوم والمريء، واختلفوا فيما يكتفى به من القطع، أي الحد الأدنى.
ومعنى الذبح: قطع الحلقوم والمريء والودجين- والحلقوم: مجرى الهواء، والمريء: مجرى الطعام والشراب، والودجان:عرقان غليظان في جانبي ثغرة النحر- ويغلب استعماله في الغنم والبقر والطيور، ويجوز في غيرها.
أما النحر: فهو الطعن في الحلق واللبة (المنحر) إلى مبدأ الصدر. ويغلب استعماله في الإبل وأمثالها، ويجوز في البقر.
والعقر: هو جرح الحيوان غير المقدور عليه، سواء الوحشي المباح صيده، أم المتوحش من الحيوانات المستأنسة.
٢- ومن شروط الذكاة أنها تفتقر إلى خمسة أشياء هي: الذِكْر والذابح، ومحل الذبح، وآلة الذبح، والحيوان المذبوح، وأضاف بعضهم توجيه الذبيحة إلى القبلة.
стр. 16463
٣- ذهب الأئمة بالنسبة للتسمية (الذكر) مذهبين:
(١) أولهما يقول بوجوب التسمية وأن حل المذكاة متوقف عليها حال الذكر، وأنه معفو عنها عند النسيان، ويرى المالكية بأنها ليست واجبة في حق الكتابي.
(٢) وثانيهما يقول بأنها ليست شرطا في صحة الذكاة، وإنما هي مستحبة.
وتجوز التسمية بأية صيغة فيها ذكر الله تعالى، أو بأي اسم من أسمائه الحسنى، ووقتها عند الذبح أو النحر أو عند الرمي أو الإرسال.
وفي جميع الأحوال لا تصح التذكية إذا ذبح الحيوان وذكر عليه اسم غير اسم الله ﵎ كأسماء الأصنام والطواغيت.
٤- ومن المتفق عليه أن من أهلية المذكي أن يكون مسلما أو كتابيا. وأن يكون مميزا، ولا تحل مذكاة من لا كتاب له ولا يؤمن بنبي مرسل. واتفق على ذكاة المرأة سواء كانت طاهرة أم لا، واختلف في ذكاة الصبي الذي لم يعقل والمجنون والسكران.
وأباح الظاهرية ذبائح المجوس، ومنع الإثنا عشرية ذبيحة غير المسلم حتى ولو كان كتابيا.
стр. 16464
٥- وفيما يتعلق بموضع الذكاة، فقد قسم الفقهاء الذكاة إلى اضطرارية واختيارية:
(١) فالأولى خاصة بالحيوان غير المقدور عليه، وذكاته بالعقر أو بالرمي في أي موضع سبب في إزهاق روحه.
(٢) والثانية خاصة بالمقدور عليه، وذكاة الحيوان إما أن تكون بالذبح، كما في البقر والغنم والطير ونحوها، ويكون في حلق البهيمة، وإما أن تكون بالنحر كما في الإبل والنعام والأوز، وموضعه في اللبة. واختلف في قطع رقبة الحيوان من القفا؛ فإن ذبحت البهيمة من قفاها وبقيت حية حتى قطع العروق، حل وهو مذهب الأحناف والشافعية والحنابلة والظاهرية، وهو قول الجمهور.
ويرى المالكية أنه ما دام الذبح قد وقع على مقتل من المقاتل النافذة، الآيلة إلى الموت، فلا تكون الذبيحة حلالا.
والذبح بضربة واحدة في العنق، سواء من القفا أو من الأمام وقطع الرأس يجزئ الذبح، على أن تكون الآلة سريعة إذا كان الذبح من القفا.
ولا يجيز الإمامية الذبح من القفا حتى ولو كان سريعا.
وذهب الجمهور إلى أن الفورية (الإسراع في الذبح أو التذفيف) شرط في الحليّة، ويرى الشافعية والأحناف بأنها مستحبة.
стр. 16465
٦- وأداة التذكية إما أن تكون سلاحا أو أن تكون جارحة حيوانية:
(١) فالسلاح كل ما كان حادا يقطع ويفري بحده لا بثقله، كالسيف والسكين والشفرة وما شابهه، إلا ما كان سنا أو ظفرا.
وفي حالة الذكاة الاضطرارية، فحلها متوقف على إصابتها بالآلة، ولا تصح الذكاة إذا أزهقت روح الحيوان بالثقل أو بالدق أو الصدم أو الجثم أو الوقذ ... إلخ.
(٢) أما الجارحة الحيوانية فهي مثل الكلاب والصقور وكل ما قبل التعليم من سباع الطير والبهائم.
٧- وليس كل حيوان يذكى الذكاة المطلوبة يجوز أكله، بل من الحيوانات أصناف كثيرة لا تحللها الذكاة، وإن حللها وجوزها الاضطرار. وفي البحث تفصيل عما لا خلاف في تحريمه، وما لا خلاف في إباحته، وما ذهب الجمهور إلى إباحته أو تحريمه.
٨- وليس بين الفقهاء اتفاق على أن توجيه الذبيحة إلى القبلة شرط في صحة التذكية، بل يرى الجمهور على أنه سنة مستحبة، ويرى الإباضية على أنها واجبة، وكره الحنابلة توجيه الذبيحة إلى غير القبلة.
٩- وأدخلت الوسائل الحديثة في إزهاق روح الحيوان أمورا مستحدثة أهمها وجوب تدويخ الحيوان قبل الذبح. ولقد تعددت طرق التدويخ وكان من أهمها:
(١) تخريب المادة البصلية النخاعية Bulbomedullaire وذلك بإحداث ثقب في جوف الجمجمة أو انهدام في العظم الجبهي، بواسطة مسدس واقذ، مزود بساق مصادمة تنتهي برأس إبري أو برأس نصف كروي.
(٢) التدويخ بالصدمة الكهربائية: Electronarcose.
(٣) التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون Co٢.
(٤) التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة.
(٥) الخنق بالطريقة الإنكليزية.
стр. 16466
١٠- التدويخ بالمسدس الواقذ يؤدي إلى فقدان الوعي في الحيوان بشكل فوري، ويبقى القلب ينبض لمدة تزيد عن (١٠) دقائق، ولا يؤثر ذلك على نزيف الدم بعد الذبح.
١١- لقد ثبت أن التدويخ بالصدمة الكهربائية يفقد وعي الحيوان بشكل معكوس، ولا يؤدي إلى موت الحيوان ضمن الشروط المطلوبة في التدويخ. وأكثر ما تصلح هذه الطريقة في تدويخ الشاء وصغار العجول، بينما لا تزال تطبيقاتها في تدويخ الحيوانات كبيرة الحجم والوزن محدودة حتى الآن.
١٢- وتدويخ الدجاج بالصدمة الكهربائية وفقا للطريقة المتبعة حاليا، يؤدي إلى توقف القلب في (٩٠ %) من الحالات، وقد يؤدي إلى موت نسبة من الدجاج لا تقل عن (١٠ %) قبل الذبح, إضافة إلى ذلك فقد شوهدت حالات من النزف العضلي والكسور العظمية، مما يؤثر على نوعية اللحم.
١٣- وخلافا لما هو شائع فإن طريقة تدويخ الحيوان باستعمال ثاني أكسيد الكربون لا تؤدي إلى موت الحيوان، بل تنشط الدورة التنفسية مما يسهل معه نزف الدم، ولا تعطي لحوما ذات بقع نزفية، ولا تحدث تغيرات في درجة حموضة اللحم.
١٤- أما التدويخ بضرب الرأس بالمطرقة أو البلطة فطريقة بدائية مرفوضة، وقد تخلت عنها المجازر الحديثة.
١٥- والخنق بالطريقة الإنكليزية طريقة مرفوضة، لأنها تؤدي إلى موت الحيوان قبل الذبح.
١٦- إن طرق التدويخ التي لا تؤدي إلى موت الحيوان والتي تهدف إلى فقدان وعيه وتخفيف آلامه، لا تؤثر على صحة ذكاة الحيوان المأكول إذا كان الذابح مسلما أو كتابيا.
стр. 16467
١٧- وذبائح أهل الكتاب من يهود أو نصارى سواء كانوا من رعايا الدولة الإسلامية أم من أعدائها المحاربين؛ حلال، إلا أن يثبت للمسلم أنها ذبحت مخالفة للطريقة الشرعية.
١٨- وبالنسبة لما جهل ذابحه مما حل أكل لحمه نرى:
(١) أن اللحم إذا كان موجودا في بلاد المسلمين أو في بلاد أغلبية سكانها من أهل الكتاب ... فالأصل إجراء ما ذبحه مَنْ تَحِلُّ ذبيحته على أصلِ الحِلِّ.
(٢) وإن كان اللحم موجودا في بلاد أغلبية سكانها من غير المسلمين أو من غير الكتابيين، فالأصل إجراء الحكم على التحريم، لوقوع الذبح من غير أهله وتغليبًا لجانب الحظر.
١٩- وبالنسبة للحوم المستوردة:
(١) إذا كانت مستوردة في بلاد غالبية سكانها من أهل الكتاب، وتذبح حيواناتهم في المجازر الحديثة، هي لحوم حلال ولا حرج في أكلها لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
(٢) واللحوم المستوردة من بلاد غالبية سكانها من غير أهل الكتاب، حرام ولا يجوز تناولها لوقوع التذكية من غير أهلها.
(٣) اللحوم المستوردة من البلاد المذكورة في الفقرة (٢) والتي تمت تذكيتها تحت إشراف هيئة إسلامة معتمدة، وكان الذابح مسلماً أو كتابياً، هي حلال ولا حرج في أكلها.
٢٠- نوصي المجمع الفقهي بإعداد لائحة بأسماء الهيئات الإسلامية التي يمكن اعتمادها للإشراف على التذكية الشرعية، وأن تقبل شهادات المراقبة الصادرة عنها بعد اعتمادها من سفارات الدول الإسلامية.
٢١- نوصي المجمع الفقهي بأن يضع لائحة بالشروط التي يجب توافرها في المراقبة على التذكية الشرعية، والتي يجب أن تراعيها الهيئات الإسلامية في المراقبة وإصدار الشهادات اللازمة.
د. محمد الهواري
стр. 16468
_________
стр. 16469
الذبائح
والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة
إعداد
الشيخ خليل محيي الدين الميس
مفتي زحلة والبقاع، مدير أزهر لبنان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
فإن موضوع: (الذبائح والطرق الشرعية للذكاة) ... قد أتى الأخوة الباحثون فيه على جملة من الأبواب والفصول ... ولكن هنالك موضوع يبدو أنه لم يلق كثير عناية واهتمام ألا وهو: (الوجه التعبدي في الذبائح والصيد) ... ومما يلفت الانتباه أن صاحب (المنار) قد نفى سمة التعبد في هذه المسألة ... وكأنه قد استلها من مقتضى مذهب الإمام الشافعي القائل بحل الذبيحة متروكة التسمية سهوا أو عمدا، لذلك كان لا بد من تحرير القول وبيان الراجح من الأقوال.
ومن الملاحظ أن تذكية آلاف الذبائح من البقر والغنم وغيرهما، وذبح عشرات الآلاف من الدجاج في وقت واحد يقترب من الذكاة الاضطرارية ... لذلك كان لا بد من استقصاء القول في بيان الحكم في الذكاة الاضطرارية، وهل الصعق الكهربائي وضرب رؤوس ما يراد تذكيته قبل الذبح يأخذ حكم الموقوذة والنطيحة من حيث بقاء مشروعية الحياة فوق حياة المذبوح؟ مما تتجلى عظمة الإسلام في معاملة الحيوانات التي تقدم للذبح.
وأشرت إلى بيان حكمة مشروعية التسمية في الذبح والإرسال وصولًا إلى بيان الحكمة من تحريم الميتة ... سائلا المولى تعالى أن نكون قد وفقنا في إصابة الحق، إنه من يهدي السبيل.
стр. 16470
مسألة طعام أهل الكتاب
قال صاحب المنار:
إن المسألة ليست من المسائل التعبدية، وإنه لا شيء من فروعها وجزئياتها يتعلق بروح الدين وجوهره، إلا تحريم الإهلال في الذبيحة لغير الله تعالى، لأن هذا من عبادة الوثنيين وشعائر المشركين، فحرم أن نشايعهم أو نشاركهم فيه.
ولما كان أهل الكتاب قد ابتدعوا وسرت إليهم عادات كثيرة من الوثنيين الذين دخلوا في دينهم- لا سيما النصرانية- وأراد الله أن نجاملهم ولا نعاملهم معاملة المشركين- استثنى طعامهم فأباحه لنا بلا شرط ولا قيد كما أباح لنا التزوج منهم، مع علمه بما هم عليه من نزعات الشرك التي صرح فيها بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
على أنه حرم علينا التزوج بالمشركات بالنص الصريح، ولم يحرم علينا طعام المشركين بالنص الصريح، بل حرم ما أُهِلَّ به لغير الله.
فأمر الزواج أهم من أمر الطعام نفسه، والنص فيه عام قطعي في المشركين، وهو لم يمنع من التزوج بالكتابية، ولأجل كون حل طعام أهل الكتاب ورد مورد الاستثناء من المحرمات المذكورة بالتفصيل في سورة المائدة ... صرح بعض أئمة السلف: بأن النصراني إذا ذبح لكنيسته فإن ذبيحته تؤكل، مع الإجماع على أن المسلم إذا ذبح وذكر اسم النبي ﷺ أو الكعبة فإن ذبيحته لا تؤكل ... " إلى أن قال:"فهذه هي الحكمة في حل طعامهم ... لا كونهم يذبحون على وجه الخصوص ". (١)
قلت: إن ما انتهى إليه صاحب المنار ربما استفاده من مقتضى مذهب الإمام الشافعي، قال الماوردي: " إن التسمية عند الذبح في الضحايا واللحم، وعند إرسال الجوارح على الصيد سنة وليست بواجبة، فإن تركها ذاكرًا أو ناسيًا حلت الذبائح وصيد الجوارح ". (٢)
стр. 16471
هل الذكاة عبادة؟
قال ابن عبد البر: (٤٦٣ هـ) الفقيه المالكي:
"التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام " (١) .
ثم زاد هذه الفكرة وضوحا وتأصيلا بقوله: "التسمية على الذبيحة سنة مسنونة لا فريضة، ولو كانت فريضة ما سقطت بالنسيان، لأن النسيان لا يسقط ما وجب عمله من الفرائض, إلا أنها عندي من مؤكدات السنن، وهي أكد من التسمية على الوضوء وعلى الأكل " (٢) .
وكأني بابن العربي قد تلقف هذا المبدأ وعمل على تأصيل هذه الحكمة، بمناسبة تفسيره قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فقال: "لا سيما والذكاة عبادة كلفها الله عباده للحكمة التي يأتي بيانها في سورة الأنعام.
إن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية، قال تعالى: ﴿ ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ "﴾ [الحج: ٣٧] وقال: "إن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب " (٣)
إن الضابط العام الذي يجمع أنواع التذكية هو أن يكون إزهاق روح الحيوان بقصد أكله، ويشترط في ذلك شرط ديني واحد وهو: أن لا يكون فسقًا أهل لغير الله به من مسلم أو وثني مشرك بالله، كالذي كانوا يذبحون على النصب- وهي حجارة تنصب ويذبح عليها للأصنام- ويمكن الاستدلال على سنية التسمية في الذبح بحديث هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ((سئل رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان، ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا؟.
فقال رسول الله ﷺ : سموا عليها ثم كلوها)) .
قال مالك: "وذلك في أول الإسلام, وفيه من الفقه: أن التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام ". (٤)
قال الباجي: "يحتمل أن يريد به الأمر بالتسمية عند الأكل، لأن ذلك مما بقي عليهم من التكليف، وأما التسمية على الذبح تولاه غيرهم من غير علمهم، فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على الصحة حتى يتبين خلافها". (٥)
ويحتمل، أن يريد به: أن سموا الله أنتم الآن، فتستبيحون به أكل ما لم تعرفوا ذكر اسم الله عليه أم لا، إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته.
وقال الزرقاني: "ليس المراد أن تسميتهم على الأكل قائمة مقام التسمية على الذبح، بل طلب الإتيان بالتسمية على الأكل.
قال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب، إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال.
وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت التسمية عن الذبيحة دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن الفرض ". (٦)
стр. 16472
ما جاء في التسمية على الذبيحة (١)
مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: سئل رسول الله ﷺ ،فقيل له: يا رسول الله، إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان, ولا ندر هل سموا الله عليها أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((سموا الله عليها ثم كلوها)) (٢)
стр. 16473
قال جمهور الفقهاء غير الشافعية: تشترط التسمية عند التذكية وعند الإرسال في العقر، فلا تحل الذبيحة، سواءً كانت أضحية أو غيرها، في حال ترك التسمية عمدا، وكانت ميتة، فلو تركها سهوا أو كان الذابح المسلم أخرس أو مستكرها، تؤكل لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وأضاف الحنابلة: من ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا، لم يؤكل، وعلى هذا فتحقيق المذهب عندهم أن التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو، وعلى الصيد لا تسقط.
وقال الشافعية: تسن التسمية ولا تجب وتركها مكروه، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] فلو ترك التسمية عمدا أو سهوا، حل الأكل، ولأن الله تعالى في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أباح المذكى ولم يذكر التسمية، وأباح الله تعالى ذبائح أهل الكتاب، وهم لا يسمون غالبا، فدل على أنها غير واجبة.
قال مالك: وذلك في أول الإسلام.
قال أبو عمر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد أسنده جماعة ثقات رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وأخرجه البخاري وغيره مسندا,
ورواه مرسلا (١) - كما رواه مالك - ابن عيينة ويحيى القطان، وسعيد بن عبد الرحمن، وعمرو بن الحارث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، لم يتجاوزوه.
وفيه من الفقه: أن التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام.
وفيه دليل على أن هذا الحديث لم يكن إلا بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] لقوله فيه: لا ندري هل سموا الله عليه أم لا؟
وهذا الحديث كان بالمدينة وأهل باديتها كانوا الذين يأتون إليهم باللحمان.
стр. 16474
والأمر بالتسمية في سورة الأنعام، وهي مكية.
وأما قوله: ((سموا الله عليها، ثم كلوها)) فإن العلماء مجمعون على أن التسمية على الأكل مندوب إليها، لما في ذلك من البركة، وليس ذلك من شروط الذكاة، لأن الميتة والأطعمة لا تحتاج إلى التذكية، وإنما قال لهم رسول الله ﷺ ذلك ليعلمهم أن المسلم لا يظن به ترك التسمية على ذبيحته، ولا يظن به إلا الخير، وأمره محمول على ذلك ما خفي أمره، حتى يستبين فيه غيره.
وفيما وصفنا دليل على أن التسمية على الذبيحة سنة مسنونة،لا فريضة، ولو كانت فرضا ما سقطت بالنسيان، لأن النسيان لا يسقط ما وجب عمله من الفرائض، إلا أنها عندي من مؤكدات السنن، وهي آكد من التسمية على الوضوء وعلى الأكل.
وقد أمر رسول الله ﷺ عمر بن أبي سلمة، فقال: ((سم الله وكل))
стр. 16475
(١)
مالك عن يحيى بن سعيد، أن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي (٢) أمر غلاما له أن يذبح ذبيحة، فلما أراد أن يذبحها قال له: سم الله، فقال له الغلام: قد سميت.
فقال له: سم الله، ويحك، قال له: قد سميت الله، فقال له عبد الله بن عياش: والله لا أطعمها أبدا (٣) قال أبو عمر: هذا حديث واضح في أن من ترك التسمية على الذبيحة عمدا، لم تؤكل ذبيحته تلك.
ألا ترى أن في خبره هذا: أراد أن يذبحها، فقال له: سم الله، فأمره بذلك من قبل أن يذبحها، وراجعه بما لم يصدقه، لأنه كان بموضع لا يخفى عنه ذلك، لقربه وعلم معاندته، لأنه كان يجيبه بقوله: قد سميت، ولا يسمي، ولو قال في موضع: قد سميت باسم الله؛ اكتفي بذلك منه، فاعتقد أنه عمدا ترك التسمية عليها، فلم يستحل أكلها.
стр. 16476
وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم فيمن ترك التسمية على الصيد، أو الذبيحة عامدًا.
ومما يدل على أن ترك التسمية عامدا يفسد الذكاة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ومعلوم أن ذلك أمر يقتضي الإيجاب، وأنه غير واجب على الأكل، فدل على أنه أراد به حال الاصطياد، والسائلون قد كانوا مسلمين فلم يبح لهم الأكل إلا لشريطة التسمية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] يعني في حال النحر، لأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] والفاء للتعقيب.
ويدل عليه من جهة السنة حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي ﷺ ،عن صيد الكلب فقال: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل إذا أمسك عليك، وإن وجدت معه كلبا آخر وقد قتله فلا تأكله، فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره)) وقد كان عدي بن حاتم مسلما فأمره بالتسمية على إرسال الكلب، ومنعه الأكل عند عدم التسمية بقوله: فلا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على كلبك.
ويدل على تأكيد النهي عن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وهو راجع إلى الأمرين: من ترك التسمية ومن الأكل.
ويدل أيضا على أن المراد حال ترك التسمية عامدا إذا كان الناسي لا يجوز أن تلحقه سمة الفسق.
ومما يدل على أن ترك التسمية عامدا يفسد الذكاة ولا يحل الأكل:
ما روى عبد العزيز الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ((أن الناس قالوا: يا رسول الله إن الأعراب يأتون باللحم، فبتنا عندهم وهم حديثو عهد بكفر، لا ندري ذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا عليه الله وكلوا ".))
وجه الاستدلال: لو لم تكن التسمية من شروط الذكاة لقال: وما عليكم من ترك التسمية؟ ولكنه قال: كلوا، لأن الأصل أن أمور المسلمين محمولة على الجواز والصحة، فلا تحمل على الفساد وما لا يجوز إلا بدلالة.
стр. 16477
اعتراض والرد عليه:
فإن قيل: لو كان المراد ترك المسلم التسمية لوجب أن يكون من استباح أكله فاسقا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فلما اتفق الجميع على أن المسلم التارك للتسمية عامدا غير مستحق بسمة الفسق دل على أن المراد الميتة أو ذبائح المشركين.
الجواب: قيل له: ظاهر قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] عائد على الجميع من المسلمين وغيرهم، وقيام الدلالة على خصوص بعضهما غير مانع بقاء حكم الآية في إيجاب التسمية على المسلم في الذبيحة.
وأيضا فإنا نقول: من ترك التسمية عامدا مع اعتقاده لوجوبها هو فاسق، وكذلك من أكل ما هذا سبيله مع الاعتقاد، لأن ذلك من شرطها فقد لحقته سمة الفسق.
وأما من اعتقد أن ذلك في الميتة أو ذبائح أهل الشرك دون المسلمين فإنه لا يكون فاسقا لزواله عند حكم الآية بالتأويل.
اعتراض آخر: فإن قال قائل: لما كانت التسمية ذكرا ليس بواجب في استدامته ولا في انتهائه، وجب أن لا يكون واجبا في ابتدائه، ولو كان واجبا لاستوى فيه العامد والناسي.
الجواب: قيل له: أما القياس الذي ذكره فهو دعوى محض لم يَرُدَّه على أصل فلا يستحق الجواب، على أنه منتقض بالإيمان والشهادتين، وكذلك في التلبية والاستئذان وما شاكل هذا، لأن هذه وإن كانت ليست بواجبة في استدامتها وانتهائها ومع ذلك فهي واجبة في الابتداء.
وإنما قلنا: إن ترك التسمية ناسيًا لا يمنع صحة الذكاة من قبل أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] خطاب للعامد دون الناسي- ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وليس ذلك صفة للناسي، ولأن الناسي في حال النسيان غير مكلف بالتسمية.
стр. 16478
وروى الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) .
وإذا لم يكن مكلفا للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك التسمية، وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى؛ لفوات ذلك منه. وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة أو نسيان الطهارة ونحوها، لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض آخر، ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها (١)
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١]
قال ابن العربي: مطلق سبب الآية: الميتة، وهي التي قالوا هم فيها: ولا نأكل مما قتل الله.
فقال الله لهم: لا تأكلوا منها، فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها.
وقال: قد آن أن نكشف لكم نكتة أصولية وقعت تفاريق في أقوال العلماء.
إنا نقول: مهما قلنا: إن اللفظ الوارد على مسبب، هل يقصر عليه أو لا؟
فإنا لا نخرج السبب عنه بل نقره فيه، ونعطف به عليه، ولا نمتنع أن يضاف غيره إليه إذا احتمله اللفظ أو قام عليه الدليل.
فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] ظاهر في متناول الميتة بعموم لفظه، وكونها سببا لوروده ... ويدخل فيه ما ذكر اسم غير الله عليه من الآلهة المبطَلة (٢)
стр. 16479
قال القرطبي (١) : وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية ليست بواجبة، لقوله ﵇ لأناس سألوه قالوا: يا رسول الله، إن أقواماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((سموا الله عليه وكلوا)) أخرجه الدارقطني عن عائشة، ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه، لم يختلف عليه في إرساله، وتأوله بأن قال في آخره: (وذلك في أول الإسلام) يريد قبل أن ينزل عليه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] .
قال أبو عمر: وهذا ضعيف، وفي الحديث نفسه ما يرده، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه. ومما يدل على صحة ما قلناه: أن هذا الحديث كان بالمدينة، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] نزل في سورة الأنعام بمكة.
ومعنى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي لمعصية، عن ابن عباس، والفسق: والخروج.
واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة، ﵂، أن قوما قالوا للنبي ﷺ : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ((سموا عليه أنتم وكلوه)) .
قالت: "كانوا حديثي عهد بكفر". (٢) قال: "لو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها".
وهذا هو المتبادر من سياق الحديث، حيث وضع الجواب فيه (سموا أنتم) كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا، وهذا من الأسلوب الحكيم، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فأباح الأكل من ذبائحهم، مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا.
стр. 16480
ترك التسمية على الذبيحة.
وأما اختلاف العلماء فيمن ترك التسمية على الذبيحة، أو على الإرسال على الصيد عامدا أو ناسيا:
فقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والحسن بن يحيى:إن تركها عمدا لم تؤكل الذبيحة، ولا الصيد، وإن نسي التسمية في ذلك أكلت.
وبه قال إسحاق بن راهويه، ورواية عن أحمد بن حنبل.
وقال بعض هؤلاء: من تعضد ترك التسمية مع علمه بما أمره الله به فيها، فقد استباح بغير ما أذن الله له فيه، فصار في معنى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فلم تؤكل ذبيحته.
وهذا ليس بشيء، لأن هذا إنما قيل في ذبيحة من ذبح لغير الله ممن لا يؤمن بالله.
وقال الشافعي وأصحابه: تؤكل الذبيحة والصيد في الوجهين جميعا تعمد في ذلك أو نسيه.
وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وسعيد بن المسيب، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، وعطاء، وأبي رافع، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقتادة (١)
ولا أعلم أحدا روي عنه أنه لا يؤكل ممن نسي التسمية على الصيدأو الذبيحة إلا ابن عمر (٢) والشعبي، وابن سيرين.
стр. 16481
وذهب قوم إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما- عمدا تركت التسمية أو نسيانا- واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ﴾ [المائدة: ٤]
كما استدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديث عدي بن حاتم: ((إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل ... )) (١) وحديث أبي ثعلبة قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني، ﵁، يقول: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله, إنا بأرض قوم أهل كتاب نأكل من آنيتهم. فقال: ((أما ما ذكرت أنك بأرض صيد فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله عليه ثم كل, وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك الذي ليس معلَّم فأدركت ذكاته فكل)) . (٢)
وحديث رافع بن خديج: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوه)) في الصحيحين (٣)
وقالوا: ففي هذه الأحاديث إيقاف الإذن في الأكل على التسمية , والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف.
وأجاب من حمل الآية على الوجه الأول بأن الأمر في حديث عدي وأبي ثعلبة محمول على التزين، وقال ابن التين: يحتمل أن يراد التسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي.
وأما الذبح على تسمية ما تولاه غيرهم فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين خلافها.
وقال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية ليست فرضا، فلما نابت تسميتهم عن التسمية على الذبح دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن فرض (٤)
стр. 16482
وقت التسمية
وأما وقت التسمية: فوقتها في الذكاة الاختيارية وقت الذبح، لا يجوز تقديمها عليه إلا بزمان قليل لا يمكن التحرز عنه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] والذبح مضمر فيه، معناه: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من الذبائح.
ولا يتحقق ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا وقت الذبح، وكذا قيل في تأويل الآيتين الأخريين أن الذبح مضمر فيهما أي (فكلوا ما ذبح بذكر اسم الله عليه) و (ما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله تعالى عليه) فكان وقت التسمية الاختيارية وقت الذبح.
وأما الذكاة الاضطرارية: فوقتهما وقت الرمي والإرسال لا وقت الإصابة، لقول النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ حين سأله عن صيد المعراض والكلب: ((إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل)) . وقوله: "عليه "، أي: على المعراض والكلب، ولا تقع التسمية على السهم والكلب إلا عند الرمي والإرسال، وكان وقت التسمية فيها وهو الرمي والإرسال.
والمعنى هكذا يقتضي وهو: أن التسمية شرط، والشرائط يعتبر وجودها حال وجود الركن، لأن عند وجودها يكون الركن علة، كما في سائر الأركان مع شرائطها، هو المذهب الصحيح على ما عرف في أصول الفقه.
والركن في الذكاة الاختيارية هو الذبح، وفي الاضطرارية هو الجرح، وذلك مضاف إلى الرامي والمرسل، وإنما السهم والكلب آلة الجرح، والفعل يضاف إلى مستعمل الآلة لا إلى الآلة، لذلك اعتبر وجود التسمية وقت الذبح، والجرح هو وقت الرمي والإرسال.
ولا يعتبر وقت الإصابة في الذكاة الاضطرارية، لأن الإصابة ليست من صنع العبد لا مباشرة ولا سببا , بل محض صنع الله تعالى- يعني به مصنوعة- وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهي المسألة المعروفة بالمتولدات، وهذا لأن فعل العبد لابد وأن يكون مقدور العبد، ومقدور العبد ما يقوم بمحل قدرته هو نفسه، وذلك الرمي السابق والإرسال السابق، فتغير التسمية عندهما، على أن الإصابة قد تكون وقد لا تكون فلا يمكن إيقاع التسمية عليها، وعلى هذا الأصل يخرج مسائل:
- ما روى بشر عن أبي يوسف، رحمهما الله تعالى، أنه قال: لو أن رجلا أضجع شاة ليذبحها وسمى، ثم بدا له فأرسلها وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجزه ذلك، ولا تؤكل لعدم التسمية على الذبيحة عند الذبح.
- ولو رمى صيدا فسمى فأخطأ وأصاب آخر فقتله لا بأس بأكله ...
- ومنها: لو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها، ثم ألقى السكين وأخذ سكيناً آخر فذبح به يؤكل، لأن التسمية في الذكاة الاختيارية تقع على المذبوح لا على الآلة، والمذبوح واحد فلا يعتبر اختلاف الآلة بخلاف ما إذا سمي على سهم ثم رمى بغيره فإنه لا يؤكل.
ولأن التسمية في الذكاة الاضطرارية تقع على السهم لا على المرمي إليه , وقد اختلف السهم، فالتسمية على أحدهما لا تكون تسمية على الآخر.
- ولو سمي ثم انقلبت الشاة وقامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها فقد انقطعت التسمية (١)
стр. 16483
حكم متروك التسمية على الصيد والذبيحة
قال ابن العربي: اختلف العلماء في متروك التسمية على ستة أقوال (١) الأول: إن تركها سهوا أكلت، وإن تركها عمدا لم تؤكل قاله في الكتاب: مالك وابن القاسم، وأبو حنيفة وعيسى، وأصبغ (٢)
الثاني: إن تركها عامدا أو ناسيا تؤكل، قاله الحسن والشافعي: وذكر مثله عن الأوزاعي (٣)
الثالث: أنه إن تركها عامدا أو ناسيا حرم أكلها، قاله ابن سيرين وأحمد.
الرابع: إن تركها متعمدا كره أكلها ولم تحرم، قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من أصحابنا، وهو ظاهر قول الشافعي.
الخامس: قال أحمد بن حنبل، التسمية شرط في إرسال الكلب، دون السهم في إحدى روايتيه.
السادس: قال القاضي أبو بكر، ﵁، (ابن العربي) : يجب أن تعلق هذه الأحكام بالقرآن والسنة والدلائل المعنوية التي أسسها الشريعة. فأما القران: فقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨] . وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
فبين الحالين، وأوضح الحكمين.
стр. 16484
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] نهيٌ محمول على التحريم، ولا يجوز حمله على الكراهة؛ لتناوله في بعض مقتضياته الحرام المحض، ولا يجوز أن يتبعض، هذا من نفيس علم الأصول.
وأما السنة: فقوله ﷺ في الصحاح: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل)) .
وقال أيضا: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل)) .
وقال أيضا ﷺ : ((وإن وجدت مع كلبك كلبا آخر فلا تأكل، فإنك سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر)) .
ثم قال: هذه أدلة ظاهرة عالية، وذلك من أظهر الأدلة؛ وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين يقول في معارضة هذا: وذكر الله إنما شرع في القرب، والذبح ليس بقربة. والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكر الله في الألسنة، واستمر ذلك في الشريعة.
حتى قيل لمالك: هل يسمي الله إذا توضأ؟
فقال: أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى أن محل التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة.
الرد على استدلال المخالف بالحديث: وأما الحديث الذي تعلقوا به في قوله:" اسم الله على قلب كل مؤمن " فحديث ضعيف, لا تلتفتوا إليه. وأما الناسي للتسمية على الذبيحة: فإنها لم تحرم عليه، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وليس الناسي فاسقا بإجماع، فلا تحرم عليه.
стр. 16485
فإن قيل: وكذلك المتعمد ليس بفاسق إن أكلها إجماعا، لأنها مسألة اجتهاد اختلف العلماء فيها.
قلنا: قد أجبنا على هذه النكتة في مسائل الخلاف، وصرحنا فيه بالحق من وجوه أظهرها:
أن تارك التسمية عمدا لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يترك التسمية إذا أضجع الذبيحة، لأنه يقول: قلبي مملوء من أسماء الله وتوحيده فلا أفتقر إليها، ونسب ابن العربي في الأحكام مقالة إلى إمام الحرمين مفادها: وذكر الله إنما شرع في القرب، والذبح ليس بقربة. ثم سارع إلى الرد عليه حيث قال:
قلنا: هذا فاسد من ثلاثة وجوه:
أحدها: أنه يعارضه القرآن والسنة كما قلنا، وفي بعض النسخ كما بينا.
الثاني: أن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة، حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته في الوجوب والاستحباب.
الثالث: أن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية- عندنا وعندك- وقد قال الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] .
فإن قيل: المراد بذكر اسم الله في القلب؛ لأن الذكر أيضا كالنسيان، ومحل النسيان القلب.
стр. 16486
وقد روى البراء بن عازب وغيره، عن النبي ﷺ ، ((سم الله على قلب كل مؤمن يسمي أو لم يسم)) ولهذا تجزيه الذبيحة إذا نسي التسمية تعويلا على ما في قلبه من اسم الله سبحانه.
قلت: الذكر يكون باللسان، ويكون بالقلب، إن ذكر ذلك بلسانه، فذلك يجزيه، لأنه قد ذكر الله وعظمه.
وإن قال: ليس هذا موضع التسمية صريحة- فإنها ليست بقربة- فهذا يجزيه لكونه على مذهب يصح اعتقاده اجتهادا للمجتهد فيه، وتقليدا لمن قلد.
وإن قال: لا أسمي، وأي قدر للتسمية؟
فهذا متهاون كافر فاسق لا تؤكل ذبيحته، فإنما يتصور الخلاف في المسألة على الصورتين الأوليين، فأما على الصورة الثالثة فلا تشخيص لها.
ثم انتهى إلى القول: والذي نعتمد عليه في صورة الناسي أن الخطاب لا يتوجه إليه لاستحالة خطاب الناسي، فالشرط ليس بواجب عليه. أهـ.
قال الجصاص (١) :
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فيه نهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وقد اختلف في ذلك.
فقال أصحابنا- فقهاء الحنفية- ومالك والحسن بن صالح: إن ترك المسلم التسمية عمدا لم يؤكل، وإن تركها ناسيا أكل.
стр. 16487
وقال الشافعي: يؤكل في الوجهين. وذكر مثله عن الأوزاعي.
وقد اختلف أيضا في تارك التسمية ناسيا:
فروي عن علي وابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وابن شهاب وطاوس قالا: لا بأس بأكل ما ذبح ونسي التسمية عليه.
وقال علي: إنما هي على الملة.
وقال ابن عباس: المسلم ذِكْر الله في قلبه.
وقال ابن عباس: كما لا ينفع الاسم في الشرك، ولا يضر النسيان في الملة.
وقال عطاء: المسلم تسمية الله تعالى، المسلم. وهو اسم من أسماء الله تعالى والمؤمن هو اسم من أسمائه، والمؤمن تسمية للذابح.
أجمع العلماءُ في ذبيحة الكتابي أنها تؤكل، وإن لم يسم الله عليها، إذا لم يسم عليها غير الله، وأجمعوا أن المجوسي والوثني لو سمي الله لم تؤكل ذبيحته.
وروى أبو خالد عن ابن عجلان عن نافع: أن غلاما لابن عمر قال له:
يا عبد الله قل باسم الله، قال: قد قلت.
قال: قل بسم الله، قال (الغلام) : قد قلت.
قال: قل بسم الله، قال (الغلام) : قد قلت.
قال: فذبح فلم يأكل منه. أهـ.
стр. 16488
ترك التسمية عامدا
وإذا ترك التسمية عامدا حرم به الصيد والمذبوح عندنا, ولم يحرم عند الشافعي ﵀، والمسلم والكتابي في ذلك سواء، وقال الخطابي: " قال الشافعي: التسمية استحباب وليس بواجب وسواء تركها عامدا أو ساهيا ... وهو قول مالك وأحمد , وإن ترك ناسيا لم يحرم عندنا ". (١)
وقال مالك رحمه الله تعالى وأصحاب الظاهر: يحرم. وهو قول ابن عمر ﵄، وقال ابن سيرين: إن ترك التسمية ناسيا لم يؤكل، وروي أن غلام ابن عمر قام عند قصاب ذبح شاة ونسي أن يذكر اسم الله عليها، فأمره ابن عمر أن يقوم عنده، فإذا جاء إنسان يشتري قال ابن عمر يقول: إن هذه لم يذكها فلا تشتري. اهـ (٢)
وكان علي وابن عباس ﵄ يفصلان بين العامد والناسي كما هو مذهبنا- الحنفية- وقد كانوا مجمعين على الحرمة إذا ترك التسمية عامدا وإنما يختلفون إذا تركها ناسيا، وكفى بإجماعهم حجة.
ولهذا قال أبو يوسف، ﵀: متروك التسمية عامدا لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز البيع فيه لا يجوز قضاؤه، لأنه مخالف للإجماع.
وقال أبو ثور وداود: كل من ترك التسمية عامدا أو ساهيا فذبحته لا تحل، ومثله عن ابن سيرين والشعبي. اهـ
стр. 16489
دليل الشافعي:
استدل الشافعي رحمه الله تعالى بحديث البراء بن عازب وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((المسلم يذبح على اسم الله، سمي أو لم يسم)) ؛ وفي رواية قال: ((ذكر اسم الله تعالى في قلب كل مسلم)) . وجه الاستدلال من الحديثين: كون الذكر في قلبه في حالة العمد أظهر منه في حالة النسيان.
ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهماعن متروك التسمية قال: يحل تسمية ملته. وفي إقامة الملة مقام التسمية لا فرق بين النسيان والعمد.
وسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ ، قالت: إن الأعراب يأتوننا بلحوم فلا ندري أسموا أم لم يسموا، فقال ﵊: ((سموا أنتم وكلوا)) .
وجه الاستدلال: لو كانت التسمية من شرائط الحل لما أمرها بالأكل عند وقوع الشك فيها, ولأن التسمية لو كانت من شرائط الحل كانت مأمورا بها، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان والعمد كقطع الحلقوم والأوداج, وكالتكبير والقراءة في الصلاة.
إنما يقع الفرق في المزجورات كالأكل والشرب في الصوم، لأن موجب النهي عنه الانتهاء، والناسي اعتقادًا.
فأما موجب الأمر الائتمار، والتارك ناسيا أو متعمدا لا يكون مؤتمَرا، ولأنه استصلاح الأكل فكانت التسمية فيه ندبا لا حتما. كالطبخ والخبز، ثم فيما هو المقصود- وهو الأكل- التسمية فيه ندب وليس بحتم، فهذا هو طريق إليه أولى، والدليل عليه: أنه تحل ذبائح اليهود والنصارى، ولو كانت التسمية شرطاً لما حلت ذبائحهم، لأنهم وإن ذكروا الله تعالى فإنهم يريدون غير الله، وهو ما يتخذونه معبودا لهم، لأن النصارى يقولون: "المسيح ابن الله " تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ونحن نتبرأ من إله له ولد.
стр. 16490
دليل فقهاء الحنفية:
واستدل فقهاء الحنفية لمذهبهم بالنقل والعقل.
أما النقل: فقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فمطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف (مما) لأنه في موضع النهي للمبالغة فيقتضي حرمة كل جزء منه.
والهاء في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] إن كان كناية عن الأكل فالفسق أكل الحرام ,
وإن كان كناية عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقا في الشرع يكون حراما، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥] وفي الآية بيان الحرمة لعدم ذكر الله تعالى، لأن التحريم بوصفٍ دليل على ذلك الوصف هو الموجب للحرمة كالميتة والموقوذة.
وبهذا تبين فساد حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين، فإن الحرمة هناك ليست لعدم ذكر الله تعالى، حتى إنه وإن ذكر اسم الله تعالى لم يحل، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ يعني عند النحر، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] ، أي: سقطت، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير الآية: ذكر اسم الله تعالى أن يقول عند الطعن: بسم الله، والله أكبر.
قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ، والمراد التسمية عند الإرسال, فثبت بهذين النصين أن التسمية مأمور بها، ومطلق الأمر يفيد الوجوب، وهي من شرائط الحل، ثبت بقول رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى عليه فكل)) . والمعطوف على الشرط شرط, وأكد ذلك بقوله: ((وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك)) .