← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16486–16525 · переход к 16491.

стр. 16486

وقد روى البراء بن عازب وغيره، عن النبي ﷺ ، ((سم الله على قلب كل مؤمن يسمي أو لم يسم)) ولهذا تجزيه الذبيحة إذا نسي التسمية تعويلا على ما في قلبه من اسم الله سبحانه. قلت: الذكر يكون باللسان، ويكون بالقلب، إن ذكر ذلك بلسانه، فذلك يجزيه، لأنه قد ذكر الله وعظمه. وإن قال: ليس هذا موضع التسمية صريحة- فإنها ليست بقربة- فهذا يجزيه لكونه على مذهب يصح اعتقاده اجتهادا للمجتهد فيه، وتقليدا لمن قلد. وإن قال: لا أسمي، وأي قدر للتسمية؟ فهذا متهاون كافر فاسق لا تؤكل ذبيحته، فإنما يتصور الخلاف في المسألة على الصورتين الأوليين، فأما على الصورة الثالثة فلا تشخيص لها. ثم انتهى إلى القول: والذي نعتمد عليه في صورة الناسي أن الخطاب لا يتوجه إليه لاستحالة خطاب الناسي، فالشرط ليس بواجب عليه. أهـ. قال الجصاص (١) : قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فيه نهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وقد اختلف في ذلك. فقال أصحابنا- فقهاء الحنفية- ومالك والحسن بن صالح: إن ترك المسلم التسمية عمدا لم يؤكل، وإن تركها ناسيا أكل.

стр. 16487

وقال الشافعي: يؤكل في الوجهين. وذكر مثله عن الأوزاعي. وقد اختلف أيضا في تارك التسمية ناسيا: فروي عن علي وابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وابن شهاب وطاوس قالا: لا بأس بأكل ما ذبح ونسي التسمية عليه. وقال علي: إنما هي على الملة. وقال ابن عباس: المسلم ذِكْر الله في قلبه. وقال ابن عباس: كما لا ينفع الاسم في الشرك، ولا يضر النسيان في الملة. وقال عطاء: المسلم تسمية الله تعالى، المسلم. وهو اسم من أسماء الله تعالى والمؤمن هو اسم من أسمائه، والمؤمن تسمية للذابح. أجمع العلماءُ في ذبيحة الكتابي أنها تؤكل، وإن لم يسم الله عليها، إذا لم يسم عليها غير الله، وأجمعوا أن المجوسي والوثني لو سمي الله لم تؤكل ذبيحته. وروى أبو خالد عن ابن عجلان عن نافع: أن غلاما لابن عمر قال له: يا عبد الله قل باسم الله، قال: قد قلت. قال: قل بسم الله، قال (الغلام) : قد قلت. قال: قل بسم الله، قال (الغلام) : قد قلت. قال: فذبح فلم يأكل منه. أهـ.

стр. 16488

ترك التسمية عامدا وإذا ترك التسمية عامدا حرم به الصيد والمذبوح عندنا, ولم يحرم عند الشافعي ﵀، والمسلم والكتابي في ذلك سواء، وقال الخطابي: " قال الشافعي: التسمية استحباب وليس بواجب وسواء تركها عامدا أو ساهيا ... وهو قول مالك وأحمد , وإن ترك ناسيا لم يحرم عندنا ". (١) وقال مالك رحمه الله تعالى وأصحاب الظاهر: يحرم. وهو قول ابن عمر ﵄، وقال ابن سيرين: إن ترك التسمية ناسيا لم يؤكل، وروي أن غلام ابن عمر قام عند قصاب ذبح شاة ونسي أن يذكر اسم الله عليها، فأمره ابن عمر أن يقوم عنده، فإذا جاء إنسان يشتري قال ابن عمر يقول: إن هذه لم يذكها فلا تشتري. اهـ (٢) وكان علي وابن عباس ﵄ يفصلان بين العامد والناسي كما هو مذهبنا- الحنفية- وقد كانوا مجمعين على الحرمة إذا ترك التسمية عامدا وإنما يختلفون إذا تركها ناسيا، وكفى بإجماعهم حجة. ولهذا قال أبو يوسف، ﵀: متروك التسمية عامدا لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز البيع فيه لا يجوز قضاؤه، لأنه مخالف للإجماع. وقال أبو ثور وداود: كل من ترك التسمية عامدا أو ساهيا فذبحته لا تحل، ومثله عن ابن سيرين والشعبي. اهـ

стр. 16489

دليل الشافعي: استدل الشافعي رحمه الله تعالى بحديث البراء بن عازب وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((المسلم يذبح على اسم الله، سمي أو لم يسم)) ؛ وفي رواية قال: ((ذكر اسم الله تعالى في قلب كل مسلم)) . وجه الاستدلال من الحديثين: كون الذكر في قلبه في حالة العمد أظهر منه في حالة النسيان. ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهماعن متروك التسمية قال: يحل تسمية ملته. وفي إقامة الملة مقام التسمية لا فرق بين النسيان والعمد. وسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ ، قالت: إن الأعراب يأتوننا بلحوم فلا ندري أسموا أم لم يسموا، فقال ﵊: ((سموا أنتم وكلوا)) . وجه الاستدلال: لو كانت التسمية من شرائط الحل لما أمرها بالأكل عند وقوع الشك فيها, ولأن التسمية لو كانت من شرائط الحل كانت مأمورا بها، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان والعمد كقطع الحلقوم والأوداج, وكالتكبير والقراءة في الصلاة. إنما يقع الفرق في المزجورات كالأكل والشرب في الصوم، لأن موجب النهي عنه الانتهاء، والناسي اعتقادًا. فأما موجب الأمر الائتمار، والتارك ناسيا أو متعمدا لا يكون مؤتمَرا، ولأنه استصلاح الأكل فكانت التسمية فيه ندبا لا حتما. كالطبخ والخبز، ثم فيما هو المقصود- وهو الأكل- التسمية فيه ندب وليس بحتم، فهذا هو طريق إليه أولى، والدليل عليه: أنه تحل ذبائح اليهود والنصارى، ولو كانت التسمية شرطاً لما حلت ذبائحهم، لأنهم وإن ذكروا الله تعالى فإنهم يريدون غير الله، وهو ما يتخذونه معبودا لهم، لأن النصارى يقولون: "المسيح ابن الله " تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ونحن نتبرأ من إله له ولد.

стр. 16490

دليل فقهاء الحنفية: واستدل فقهاء الحنفية لمذهبهم بالنقل والعقل. أما النقل: فقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فمطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف (مما) لأنه في موضع النهي للمبالغة فيقتضي حرمة كل جزء منه. والهاء في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] إن كان كناية عن الأكل فالفسق أكل الحرام , وإن كان كناية عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقا في الشرع يكون حراما، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥] وفي الآية بيان الحرمة لعدم ذكر الله تعالى، لأن التحريم بوصفٍ دليل على ذلك الوصف هو الموجب للحرمة كالميتة والموقوذة. وبهذا تبين فساد حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين، فإن الحرمة هناك ليست لعدم ذكر الله تعالى، حتى إنه وإن ذكر اسم الله تعالى لم يحل، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ يعني عند النحر، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] ، أي: سقطت، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير الآية: ذكر اسم الله تعالى أن يقول عند الطعن: بسم الله، والله أكبر. قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ، والمراد التسمية عند الإرسال, فثبت بهذين النصين أن التسمية مأمور بها، ومطلق الأمر يفيد الوجوب، وهي من شرائط الحل، ثبت بقول رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى عليه فكل)) . والمعطوف على الشرط شرط, وأكد ذلك بقوله: ((وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك)) .

стр. 16491

وجه الاستدلال من الحديث: أنه ﷺ علل للحرمة بأنه لم يسم على أكل غيره، فهو دليل الحرمة إذا لم يسم على نفسه، وشيء من المعنى يشهد له، فإن ذبيحة الكتابي تحل، وذبيحة المجوس لا تحل، وليس بينهما فرق يعقل معناه بالرأي، سوى من يدعي التوحيد يصح منه تسمية الله على الخلوص، ومن يدعي الاثنين لا يصح منه تسمية الله على الخلوص فيه يتبين أن التسمية من شرائط الحل. أو إنما أمرنا ببناء الحكم في حق أهل الكتاب على ما يظهرون دون ما يضمرون، ألا ترى أن تسمية غير الله تعالى على سبيل التعظيم موجبة للحرمة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ، فلو اعتبرنا ما يضمرون لم تحل ذبيحتهم, وكذلك يستحلفون في المظالم بالله، والاستحلاف بغير الله لا يحل، فعرفنا أنه ينبني على ما يظهرون. ثم إنا أمرنا بالتسمية عند الذبح مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح، ومخالفتهم واجبة علينا, فالتسمية عند الذبح تكون واجبة أيضا، بخلاف الطبخ والأكل، فإنهم ما كانوا يسمون آلهتهم عند ذلك، فالأمر بالتسمية عند ذلك ندب. وكذلك عند الوصف، فالأمر بالتسمية عند الوصف لم يكن لمخالفتهم فكان ندبا. ألا ترى أن في حالة النسيان تقام ملته مقام التسمية؟ قاله ابن عباس، ﵄، لمعنى التخفيف، وهذا التخفيف يستحقه الناسي دون العامد، ولأن العامد مُعْرِضٌ عن التسمية فلا يجوز أن يجعل مسميا حكما بخلاف الناسي فإنه غير معرض بل معذور. والفرق بين المعذور وغير المعذور أصل في الشرع في الذبح, ألا ترى أن اعتبار الذبح في المذبح يفصل بين المعذور وغيره؟ وفي الأكل في الصوم يفصل بين الناسي والعامد؟ ولا يعتبر بالمأمور والمزجور, فالأكل في الصلاة مزجور. ثم سوى فيه بين النسيان والعمد , والجماع في الإحرام كذلك, ولكن ما اقترن بحالة ما يذكره كهيئة المحرمين والمصلين لا يعذر بالنسيان. وهنا في الذبح لم تقترن بحالة ما يذكره ... وقد يذبح الإنسان الطير وقلبه منشغل بشغل آخر , فيترك التسمية ناسيا، وعليه يحمل الحديث على أنه ذبح على اسم الله تعالى إذا كان ناسيا غير معرض, بدليل أنه ذكر في بعض الروايات ((وإن تعمد لم يحل)) ، وحديث عائشة ﵂ ((إن الأعراب يأتوننا بلحم ... )) دليلنا؛ لأنها سألت عن الأكل عند وقع الشك في التسمية , فذلك دليله على أنه كان معروفا عندهم أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرها رسول الله ﷺ بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدا؛ لمن اشترى لحما من سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر، وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي (١) .

стр. 16492

الخطأ في الذبح وما يأخذ حكم الذبح ذكر ابن سماعة في نوادره، ﵀، عن أبي يوسف: لو أن رجلا قطع شاة نصفين، ثم إن رجلا فرى أوداجها والرأس يتحرك، أو شق بطنها فأخرج ما في جوفها، وفرى رجل آخر الأوداج فإن هذا لا يؤكل، لأن الأول قاتل. وذكر القدوري رحمه الله تعالى أن هذا على وجهين: إن كانت الضربة مما يلي العجز لم تؤكل الشاة، وإن كانت مما يلي الرأس أكلت، لأن العروق المشروطة في الذبح متصلة من القلب إلى الدماغ, فإذا كانت الضربة مما يلي الرأس فقد قطعها فحلت. وإن كانت مما يلي العجز فلم يقطعها فلم تحل. وأما خروج الدم بعد الذبح فيما لا يحل إلا بالذبح فهل هو من شرائط الحل فلا رواية فيه. لو ضرب صيدا بسيف فقطعه نصفين يؤكل النصفان عندنا جميعا، وهو قول إبراهيم النخعي. وجه هذا القول: لأنه وجد قطع الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح فيؤكل الكل. وإن قطع أقل من النصف فمات: فإن كان مما يلي العجز لا يؤكل المبان عندنا، وقال الشافعي: يؤكل. وجه قوله: إن الجرح في الصيد إذا اتصل به الموت فهو ذكاة اضطرارية، وأنها سبب الحل كالذبح. ولنا قول النبي ﷺ : ((ما أبين من الحي فهو ميت)) . والمقطوع مبان من الحي فيكون ميتاً. وأما قوله: إن الجرح الذي اتصل به الموت ذكاة في الصيد, فنعم ... لكن حال فوات الحياة عن المحل وعند الإبانة المحل كان حيا، فلم يقع الفعل ذكاة له، وعندما صار ذكاة كان الجزء منفصلا، وحكم الذكاة لا يلحق الجزء المنفصل. وإن كان مما يلي الرأس يؤكل الكل لوجود قطع الأوداج، فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقية فيحل به الكل.

стр. 16493

ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم- قيل: وهذا قد يكون في شاة اعتلفت بالعناب- واختلف المشايخ فيه: قال أبو القاسم الصفار ﵀: لا تؤكل، لقوله، ﵊: ((ما فرى الأوداج وأنهر الدم فكل)) يؤكل بشرط إنهار الدم ولم يوجد. ولأن الذبح لم يشرط لعينه بل لإخراج الدم المحرم وتطييب اللحم ولم يوجد، فلا يحل. وقال أبو بكر الأسكافي والفقيه أبو جعفر الهندواني رحمهما الله: يؤكل لوجود الذبح وهو فري الأوداج، وأنه سبب لخروج الدم عادة، لكنه امتنع لعارض بعد وجود السبب، فصار كالدم الذي احتبس في بعض العروق عن الخروج بعد الذبح، وذا لا يمنع الحل كذا هذا. وعلى هذا يخرج ما إذا قطع من إلية الشاة قطعة أو من فخذها أنه لا يحل المبان، وإن ذبحت الشاة بعد ذلك، لأن حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المبان وقت الإبانة لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت الإبانة، وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلا، وحكم الذكاة لا يظهر في الجزء المنفصل؛ لقوله ﵊: ((ما أبين من الحي فهو ميت)) والجزء المقطوع مبان من حي وبائن منه فيكون ميتا. وكذلك إذا قطع من صيد لم يؤكل المقطوع- وإن مات الصيد بعد ذلك- لما قلت. وقال الشافعي: يؤكل إذا مات الصيد من ذلك. وإن قطع فتعلق العضو بجلده لا يؤكل، لأن ذلك القدر من التعلق لا يعتبر فكان وجوده والعدم بمنزلة واحدة، وإن كان متعلقا باللحم يؤكل الكل؛ لأن العضو المتعلق باللحم من جملة الحيوان، وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به (١) .

стр. 16494

أهلية الذابح وقال الكاساني: ومن شرائط ركن الذكاة- اختيارية كانت أو اضطرارية- أن يكون المذكي عاقلا، فلا تؤكل ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل، والسكران الذي لا يعقل. وجاء في وجه هذا القول: إن القصد إلى التسمية عند الذبح شرط، ولا يتحقق القصد الصحيح ممن لا يعقل- فإن كان الصبي يعقل الذبح ويقدر عليه تؤكل ذبيحته، وكذا السكران. ومنها: أن يكون المذكي مسلما أو كتابيا- فلا تؤكل ذبيحة أهل الشرك والمجوسي والوثني وذبيحة المرتد. أما ذبيحة أهل الشرك فلقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ، والنصب هي الأصنام التي يعبدونها. وأما ذبيحة المجوسي: فلقوله ﷺ : ((سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم)) , ولأن ذكر الله تعالى على الذبيحة من شرائط الحل عند فقهاء الحنفية. وأما المرتد فلأنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه، فكان كالوثني الذي لا يقر على دينه. وأما ذبيحة الكتابي فتؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] والمراد منه ذبائحهم، لأن غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول، ولأن مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم، والذبائح مما يتطعم، فيدخل تحت اسم إطلاق اسم الطعام فيحل لنا أكلها. ومنها: التسمية حالة الذكر عندنا (فقهاء الحنفية) وعند الشافعي ليست بشرط أصلا. وقال مالك: إنها شرط حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ناسيا عندهم. والمسألة مختلفة بين الصحابة ﵃ (١) .

стр. 16495

ذبيحة الكتابي إنما تؤكل ذبيحة الكتابي إذا لم يُشهد ذبحه ولم يُسمع منه شيء، أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده. والوجه في ذلك: أنه إذا لم يسمع منه شيء يحمل على أنه قد سمي الله تعالى وجرد التسمية، تحسينا للظن به كما بالمسلم. - ولو سمع منه ذكر الله تعالى لكنه على بالله المسيح ﵇ قالوا: تؤكل لأنه أظهر تسمية هي تسمية المسلمين إلا إذا نص فقال: بسم الله الذي هو ثالث ثلاثة، فلا تحل. وقد روي عن سيدنا علي ﵁ أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم يقولون ما يقولون، فقال ﵁: قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. فأما إذا سمع منه أنه سمي المسيح ﵇ وحده، أو سمي الله تعالى وسمى المسيح لا تؤكل ذبيحته عندنا. كذا روي عن علي ﵁، ولم يرو عن غيره خلافه، فيكون إجماعا، ولقوله : ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣] وهذا أهل لغير الله فلا يؤكل. ومن أكلت ذبيحته ممن ذكرنا أكل صيده الذي صاد بالسهم أو بالجوارح, ومن لا فلا، لأن أهلية المذكي شرط في نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية جميعا. (١)

стр. 16496

وقال ابن عبد البر: وأخبرنا معمر، قال: سألت الزهري عن ذبائح نصارى العرب فقال: من انتحل دينا فهو من أهله، ولم ير بذبائحهم بأسا (١) وروى عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا نساءهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (٢) قال أبو عمر: على هذا أكثر العلماء، إلا أن يسمي النصراني من العرب المسيح على ذبيحته، فإن قال: بسم المسيح، أو ذبح لآلهته، أو لعيده، إنهم اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا، نذكره في هذا الباب إن شاء الله. وأما نصارى العرب: فمذهب علي بن أبي طالب ﵁ في نصارى العرب بني تغلب كغيرهم. وقد قيل: إنه خص بني تغلب بأن لا تؤكل ذبائحهم. روى معمّر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، أن عليا ﵁ كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب، ويقول: إنهم لا يتمسكون من النصرانية إلا بشرب الخمر (٣) وقالت بهذا طائفة منهم: عطاء، وسعيد بن جبير، وهو أحد قولي الشافعي.

стр. 16497

وأما اختلاف العلماء فيما ذبح النصارى لكنائسهم وأعيادهم أو ما سموا عليه المسيح: فقال مالك: ما ذبحوه لكنائسهم أكره أكله، وما سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل. والعرب عنده والعجم في ذلك سواء. وقال الثوري: إذا ذبح، وأهل به لغير الله كرهته. وهو قول إبراهيم (١) . قال سفيان: وبلغنا عن عطاء أنه قال: قد أحل الله ما أهلوا لغير الله، لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول، وقد أحل ذبائحهم. وروي عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، قالا: لا بأس بما ذبح النصارى لكنائسهم وموتاهم، قال أبو الدرداء: طعامهم كله لنا حل، وطعامنا لهم حل. وإلى هذا ذهب فقهاء الشاميين: مكحول، والقاسم بن مخيمرة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، والأوزاعي، وقالوا: سواء سمي النصراني المسيح على ذبيحته أو سمي جرجس، أو ذبح لعيده، أو لكنيسته، كل ذلك حلال؛ لأنه كتابي ذبح بدينه، وقد أحل الله ذبائحهم في كتابه. وقال المزني، عن الشافعي: لا تحل ذبيحة نصارى العرب (٢) وروي ذلك عن عمر بن الخطاب (٣) وعلي بن أبي طالب (٤) .

стр. 16498

وروى قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، قال: إذا سمعت النصراني يقول: باسم المسيح فلا تأكل، وإذا لم يسم (فكل) فقد أحل الله ذبائحهم (١) ،وعن عائشة قالت: لا تأكل ما ذبح لأعيادهم. وعن عمر مثله، وعن الحسن، وميمون بن مهران: إنهما كانا يكرهان ما ذبح النصارى لأعيادهم، وكنائسهم، وآلهتهم. وقد قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك يكرهه من غير أن يوجب فيه تحريما. وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عمر بن ميمون بن مهران أن عمر بن عبد العزيز كان يوكل بقوم من النصارى قوما من المسلمين إذا ذبحوا أن يسموا الله، ولا يتركوهم أن يهلوا لغير الله (٢) وجاء في البيان والتحصيل مسألة: وسئل عن ذبيحة الخصي فقال: أحب ألا يذبح، فإن ذبح أكلت، فقيل له: فذبيحته للعيد؟ قال: هو يؤم الناس في النافلة وفي السفر، فأما صلاة الجماعات في المساجد فلا، قيل: أرأيت إن أَمَّ خصي قوما أيعيدون الصلاة حين علموا قال: لا ...

стр. 16499

قال محمد بن رشد: كره ذبح الخصي ولم يكره ذبح العبد وكلاهما لا يكون إماما راتبا، ولا تجب الإعادة على من صلى خلفه. فالفرق بينهما: أن الخصاء أمر ثابت، فنحا به ناحية التأنيث, والعبودية ليست بثابتة، قد يعتق العبد. إلى أن قال: وإن كان الأولى في ذلك الذبح الكمال في الطهارة والدين، فقد كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة. وقال: فستة لا تجوز ذبائحهم, وستة تكره ذبائحهم , وستة يختلف في جواز ذبائحهم: فأما الذين لا تجوز ذبائحهم: فالصغير الذي لا يعقل، والمجنون في حالة جنونه، والسكران الذي لا يعقل، والمجوسي، والمرتد، والزنديق. وأما الذين تكره ذبائحهم: فالصغير الذي يعقل، والمرأة، والخنثى، والخصي، والأغلف، والفاسق. قال القرافي: ومنشأ الخلاف: هل النظر إلى أن ضعف طبع الثلاثة الأُول يمنع الذكاة على وجهها، ومشابهة الخصي بهم ونقص الآخرين من جهة الدين , أو أن القصد والفعل من الجميع ممكن فتصح. وأما الذين يختلف في جواز ذبائحهم: فتارك الصلاة، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والمبتدع الذي يختلف في تكفيره، والعربي النصراني، والنصراني يذبح للمسلم بأمره، والعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ، هذا كله مذهب مالك (١) . وقال: ولا ينبغي لمسلم أن يشتري اللحم من مجزرة يهودي وهو يجد من ذلك مندوحة، فقد كانوا يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة, فكيف باليهودي والنصراني والكتابي؟ وقال: في اختيار الذبائح. (٢)

стр. 16500

قال مالك: ولقد أخبرني شيخ من بني عبد الأشهل قال: أدركت الناس يختارون لذبائحهم. قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم - من كتاب الصيد والذبائح ساقها فيه- على أن الاختيار للمرأة إذا اضطرت إلى ذكاة ذبيحتها وعندها نصراني أن تذكيها ولا تكلها إلى النصراني ووجه اختيار أهل الفضل للذبائح صحيح؛ لأن الفاسق- وإن كانت تؤكل ذبيحته- لكن لاينبغي أن يؤتمن ابتداء على الذبح، مخافة أن يقصر فيما يلزمه فيه، فيكتم ذلك ولا يعلم به، وذلك مأمون من أهل الفضل (١) . وقال ابن القاسم: وما لا يستحلونه ولا يؤكل، كذي الظفر وهو الإبل والنعام والبط وما ليس مشقوق الأصابع، خلافا لابن حنبل لأنه ليس من طعامهم. جاء في معالم السنن للخطابي (٣٨٨ هـ) : ومن باب أكل ذبائح أهل الكتاب. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمر بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله!! فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]

стр. 16501

قال الشيخ (الخطابي) : في هذا دلالة على أن معنى ذكر اسم الله على الذبيحة في هذه الآية ليس باللسان, وإنما معناه تحريم ما ليس بالمذكى من الحيوان. فإذا كان الذابح ممن يعتقد الاسم ولكن لم يذكره بلسانه فقد سمي, وإلى هذا ذهب ابن عباس في تأويل الآية (١) وجاء في (باب أكل اللحم لا يدري أذكر اسم الله عليه أم لا) : قال أبو داود ... عن حماد ومالك وعائشة أنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : ((سموا الله وكلوا)) . قال الشيخ الخطابي: فيه دليل على أن التسمية غير واجبة عند الذبح، لأن البهيمة أصلها على التحريم حتى يتيقن وقوع الذكاة، فهي لا تستباح بالأمر المشكوك فيه، فلو كانت التسمية من شرط الذكاة لم يجز أن يحمل الأمر فيها على حسن الظن بهم فيستباح أكلها، كما لو عرض الشك في نفس الذبح , فلم يعلم هل وقعت الذكاة أم لا، يجوز أن تؤكل (٢)

стр. 16502

شرط الحل في الحيوان المذكى إن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وقال : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ولأن الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح، وأنه لا يحل إلا في الذبح، ولا يطيب إلا بخروج الدم المسفوح، وذلك بالذبح فيما يذبح من الشاة والبقر ونحوهما، والنحر فيما ينحر وهو الإبل عند القدرة على الذبح والنحر, ولهذا حرمت الميتة؛ لأن المحرم وهو الدم المسفوح قائم فيها، ولذا لا يطيب مع قيامه، ولذا يفسد في أدنى مدة ما يفسد في مثلها المذبوح، وكذا المنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة لما قلنا، ولأن المقصود من- الذبح والنحر- إخراج الدم المسفوح وتطيب اللحم (١) . وكذلك إذا قطع من إلية الشاة قطعة أنه لا يحل المبان وإن ذبحت الشاة بعد ذلك، لأن حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المبان وقت الإبانة، لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت الإبانة، وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلا، وحكم الذكاة لا يظهر في الجزء المنفصل. وروي أن أهل الجاهلية كانوا يقطعون قطعة من إلية الشاة ومن سنام البعير فيأكلونها، فلما بعث النبي المكرم ﵊ نهاهم عن ذلك، فقال ﵊: ((ما أبين من الحي فهو ميت)) والجزء المقطوع مبان من الحي وبائن منه فيكون ميتا.

стр. 16503

وهذا الحديث الشريف يعتبر أصلا وقاعدة في هذا الباب يفرع عليه مسائل كثيرة، منها: ١- إذا قطع جزء من الصيد لم يؤكل المقطوع وإن مات الصيد بعد ذلك. ٢- لو ضرب صيدا بسيف- ويصدق ذلك على المذبوح بالآلات- فقطعه نصفين، يؤكل النصفان عندنا جميعا، وهو قول إبراهيم النخعي , وجه هدا القول: وجد قطع الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح فيؤكل الكل، وإن قطع أقل من النصف فمات؛ كان مما يلي العجز لا يؤكل المبان عندنا. قال الشافعي: يؤكل. وجه قوله: إن الجرح في الصيد إذا اتصل به الموت فهو ذكاة اضطرارية وأنها سبب الحل كالذبح. واستدل فقهاء الحنفية بقول النبي ﷺ : ((ما أبين من الحي فهو ميت)) والمبان من الحي فيكون ميتا.

стр. 16504

الرد على وجه قول الشافعي: وأما قول الشافعي: إن الجرح الذي اتصل به الموت ذكاة في الصيد , فنعم، لكن حال فوات الحياة من المحل، وعند الإبانة: المحل كان حيا فلم يقع الفعل ذكاة له، وعندما صار ذكاة كان الجزء منفصلا، وحكم الذكاة لا يلحق الجزء المنفصل، وإن كان مما يلي الرأس ويؤكل الكل لوجود قطع الأوداج، فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقية فيحل به الكل. اهـ (١) . ومن شروط الحل في الحيوان المذكى: ا- قيام أصل الحياة في الحيوان وقت الذبح - قلت أو كثرت - في قول أبي حنيفة ﵀، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يكتفي بقيام أصل الحياة، بل تعتبر حياة مقدورة كالشاة المريضة، والوقيذة، وجريحة السبع، والنطيحة, إذا لم يبق فيها إلا حياة قليلة عرف ذلك بالصياح أو بتحريك الذنب أو طرف العين أو التنفس. وأما خروج الدم فلا يدل على الحياة إلا إذا كان يخرج كما يخرج من الحي المطلق. فإذا ذبحها وفيها قليل حياة على الوجه الذي ذكرنا تؤكل عند أبي حنيفة ﵁، وعن أبي يوسف روايتان: في ظاهر الرواية عنه أنه إن كان يعلم أنها لا تعيش مع ذلك فذبحها لا تؤكل، وإن كان يعلم أنها تعيش مع ذلك فذبحها تؤكل. وفي رواية قال: إن كان لها من الحياة مقدار لا تعيش به أكثر من نصف يوم فذبحها تؤكل، وإلا فلا.

стр. 16505

وقال محمد ﵀: إن كان لم يبق من حياتها إلا قدر حياة المذبوح بعد الذبح أو أقل فذبحها لا تؤكل، وإن كان أكثر من ذلك تؤكل. وذكر الطحاوي قول محمد مفسرا فقال: على قول محمد إن لم يبق معها إلا الاضطراب للموت فذبحها لا تحل.. وإن كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه حلت. وجه قولهما: إذا لم يكن لها حياة مستقرة على الوجه الذي ذكرنا كانت ميتة معنى , فلا تلحقها الذكاة كالميتة. ولأبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وجه الاستدلال: استثنى المذكى من الجملة المحرمة، والاستثناء من التحريم إباحة، وهذه مذكاة لوجود فري الأوداج مع قيام الحياة فدخلت تحت النص (١) .

стр. 16506

الذبح الاضطراري: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، استثنى المذكى من المحرم، والاستثناء من التحريم إباحة، هذا والحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح، وأنه لا يزول إلا بالذبح والنحر، ولأن الشرع ورد بإحلال الطيبات، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وقال : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ولا يطيب إلا بخروج المحرم وهو الدم المسفوح، وذلك بالذبح والنحر، ولهذا حرمت الميتة لأنه المحرم وهو الدم المسفوح فيها قائم، ولذا لا يطيب مع قيامه, وكذا المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة؛ لما قلنا. هذا والذكاة على ما عرف قسمان: اختيارية واضطرارية: والاختيارية: الذبح فيما يذبح، والنحر فيما ينحر. والاضطرارية: فركنها العقر، وهو الجرح في أي موضع كان وذلك في الصيد وما هو في معنى الصيد، وإنما كان كذلك لأن الذبح إذا لم يكن مقدورا ولا بد من إخراج الدم لإزالة المحرم وهو الدم المسفوح وتطيب اللحم، فيقام سبب الذبح مقامه وهو الجرح على الأصل المعهود من إقامة السبب مقام المسبب عند العذر والضرورة ... وكذلك ما ندَّ من الإبل والبقر والغنم بحيث لا يقدر عليها صاحبها، لأنه بمعنى الصيد وإن كان مستأنسا (١) .

стр. 16507

باب ما يجوز من الذكاة في حال الضرورة وقال ابن عبد البر، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رجلا من الأنصار، من بني حارثة، كان يرعى لقحة (١) له بأحد. فأصابها الموت (٢) فذكاها بشظاظ (٣) فسئل رسول الله ﷺ ، عن ذلك، فقال: ((ليس بها بأس, فكلوها)) (٤) . مالك عن نافع، عن رجل من الأنصار (٥) ، عن معاذ بن سعد أو سعد ابن معاذ: أن جارية كانت لكعب بن مالك كانت ترعى غنمها فأصيبت شاة منها، فأدركتها، فذكتها بحجر، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: ((لا بأس بها فكلوها)) (٦) .

стр. 16508

قال أبو عمر: أما حديثه الأول، عن زيد بن أسلم، فلم يختلف عنه في إرساله على ما في (الموطأ) ، وقد ذكره البزار مسندا فقال: حدثنا محمد بن معمر قال: حدثني حبان بن هلال، قال: حدثني جرير بن حازم، عن أيوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ . وذكره السراج محمد بن إسحاق، أبو العباس (١) ، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش، قال: حدثنا حيان بن هلال قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا أيوب، عن زيد بن أسلم؛ فلقيت زيد بن أسلم فحدثني عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: كانت لرجل من الأنصار ناقة ترعى في قبلي أحد، فنحرها يزيد، بوتد من حديد، أو خشب، قال: بلى من خشب، وأتى النبي عليه فسأله , فأمره بأكلها (٢) .

стр. 16509

قال أبو عمر: اللقحة: الناقة ذات اللبن، والشظاظ: العود الحديد الطرف. كذا قال أهل اللغة. وقد روى هذا الحديث يعقوب بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، فقال فيه: فأخذها الموت، فلم يجد شيئا ينحرها به، فأخذ وتدا، فوجأ في لبتها حتى أهرق دمها، ثم جاء إلى الرسول ﷺ ، فأخبره بذلك، فأمره بأكلها. وقال ابن عبد البر في (الاستذكار) عن مالك، عن يحيى بن سعيد،عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب؛ أنه سأل أبا هريرة: عن شاة ذبحت فتحرك بعضها, فأمره أن يأكلها, ثم سأل عن ذلك زيد بن ثابت فقال: إن الميتة لتتحرك, ونهاه عن ذلك (١) . وذكر ابن وهب هذا الخبر في موطئه عن مالك بإسناده، قال في آخره: سألت مالكا عن ذلك، فقال: إذا كان شيئا خفيفا، فقول زيد أحب إلي، وإن كان جرى الروح في الجسد، فلا بأس بأكلها. قال ابن وهب: وأخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: الذكاة في العين تطرف، والذنب يتحرك، والرجل تركض. قال: وأخبرني يونس، عن ربيعة، قال: ما أدركت مما أكل السبع حيا، فكله، يريد إذا أدركت ذكاته. وسئل مالك عن شاة تردت فتكسرت، فأدركها صاحبها فذبحها. فسال الدم منها ولم تتحرك. فقال مالك: إذا كان ذبحها ونفسها يجري، وهي تطرف فليأكلها. قال أبو عمر: على قول مالك هذا في الموطأ على أكثر العلماء. وهو قول علي، وأبي هريرة، وابن عباس، ومن ذكرنا معهم في الباب قبل هذا من الصحابة والتابعين، وأئمة الفتوى من الفقهاء.

стр. 16510

وقد اختلف في ذلك أصحاب مالك، واختلف فيه قول الشافعي , وذكر حماد بن سلمة، عن يوسف بن سعيد، عن يزيد مولى عقيل بن أبي طالب، قال: كانت لي عناق كريمة، فكرهت أن أذبحها، فلم ألبث أن تردت، فأمررت الشفرة على أوداجها، فركضت برجلها، فسألت زيد بن ثابت، فقال: إن الميت يتحرك بعد موته، فلا تأكلها. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من الصحابة قال بقول زيد هذا. وقد قال علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجماعة التابعين: إنه إذا ذبحت وفيها حياة، فإن ذلك منها، فإن تطرف بعينها، أو تحرك ذنبها، أو تضرب بيديها، أو رجلها، فهي ذكية جائز أكلها. وقال محمد بن سلمة: إذا قطع السبع حلقوم الشاة، أو قسم صلبها، أو شق بطنها، فأخرج معاها، أو قطع عنقها لم تذك إذا كان فيها حياة. وذكر ابن حبيب، عن أصحاب مالك - خلا ذلك في الذي شق بطنها-أنها تذكى.

стр. 16511

وقال إسحاق بن منصور: سمعت إسحاق بن راهويه يقول في الشاة يعدو عليها الذئب، فيبقر بطنها، ويخرج المصارين حتى يعلم أنها لا يعيش مثلها. قال: السنة في ذلك ما ذكر ابن عباس؛ لأنه وإن خرجت مصارينها، فإنها حية بعد، وموضع الذكاة منها سالم. وقال: وإنما ينظر عند الذبح أهي حية أو ميتة؟ ولا ينظر هل تعيش مثلها. وكذلك المريضة التي لا يشك أنه مرض موت؛ جائز ذكاتها إذا أدركت فيها حياة. قال: وما دامت فيها الحياة فله أن يذكيها. قال: ومن قال بخلاف هذا فقد خالف السنة من جمهور الصحابة، وعامة العلماء. قال أبو عمر: هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في أصل مذهبهم. وقد روى أصحاب (الإملاء) عن أبي يوسف أنه إذا بلغ التردي، أو النطح، أو الضرب من الشاة حالا لا تعيش من مثله لم تؤكل، وإن ذكيت قبل الموت. وكذلك قول الحسن بن حي.

стр. 16512

وذكر ابن سماعة (١) عن محمد (٢) : إن كان يعيش مثله اليوم، أو دونه، وإن كانت لا تبقي إلا كتف المذبوح لم تؤكل.

стр. 16513

واحتج بأن عمر بن الخطاب ﵁ كانت جراحته متلفة، وصحت أوامره، ونفذت عهوده، ولو قتله قاتل في ذلك الوقت كان عليه القود. وقال الأوزاعي: إذا كان فيها الحياة وذبحت، أكلت. قال: والمصبورة إذا ذبحت لم تؤكل. وقال الليث: إذا كانت حية وأخرج السبع جوفها، أكلت إلا ما بان منها. هذا قول ابن عباس (١) . حدثني أحمد بن عبد الله قال: حدثني إسماعيل بن محمد، قال: حدثني عبد الملك بن بحر الجلاب، قال: حدثني محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثني سنيد بن داود، قال: حدثني جرير بن حازم، قال: عن الركين بن الربيع بن عميلة، عن أبي طلحة الأسدي، قال: سأل رجل ابن عباس، قال: كنت في غنمي فعدا الذئب فبقر شاة منها، فوقع قصبها بالأرض، فأخذت ظررًا من الأرض، فضربت بعضها ببعض، فصار لي منه كهيئة السكين، فذبحتها به، فقطعت العروق، وأهرقت الدم. قال: انظر ما أصاب الأرض منه فاقطعه، وارم به، فإنه قد مات، وكل سائرها.

стр. 16514

وقال الشافعي: إذا شق بطن الشاة، واستوقن أنها تموت إن لم تذك، فذكيت، فلا بأس بأكلها (١) . قال المزني: وأحفظ له: أنها لا تؤكل إذا بلغ ذلك منها (٢) لا بقاء لحياتها إلا كبقاء المذبوح (٣) . وقال البويطي: إذا انخنقت الشاة، أو تردت، أو وقذت، أو نطحت، أو أكلها السبع، فبلغ ذلك منها مبلغا ليس لها معه حياة، إلا مدة قصيرة، والروح قائم فيها؛ ذكيت وأكلت، رجيت حياتها أو لم ترج، وهي كالمريضة ترجى حياتها. قال أبو عمر: "أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعلم ذلك منها بما ذكروا من حركة يدها أو رجلها أو ذنبها ونحو ذلك، وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع ولم تحرك يدا ولا رجلا أنه لا ذكاة فيها. فكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكم المتردية وما ذكر معها في الآية ". اهـ

стр. 16515

وقد اختلف الفقهاء في ذكاة ما نزل به الموت من الأنعام، والمتردية، والنطيحة، والموقوذة، وأكيلة السبع، والمنخنقة, فقال أبو قرة موسى بن طارق (١) : سألت مالكا عن المتردية والمفروسة تدرك ذكاتها وهي تتحرك فقال: لا بأس بها إذا لم يكن قطع رأسها، أو نثر بطنها. قال: وسمعت مالكا يقول: إذا غير ما بين المنحر إلى المذبح لم تؤكل. وفي المستخرجة لمالك وابن القاسم أن ما فيه الحياة- وإن كان لا يعيش، ولا يرجى له بالعيش- يذكى ويؤكل في ذلك. وقال الليث بن سعد: إذا كانت حية، وأخرج السبع بطنها أكلنا إلا ما بان منها. وهو قول ابن وهب، وهو الأشهر من مذهب الشافعية، وبه قال إسحاق ابن راهويه. قال المزني: وأحفظ للشافعي قولا اخر أنها لا تؤكل إذا بلغ منها السبع أوالتردي إلى ما لا حياة معه (٢) , قال المزني: وهو قول المدنيين (٣) .

стр. 16516

وقال أبو حنيفة: في كل ما تدركه ذكاته، وفيه حياة -ما كانت الحياة - بأنه إذا ذكي قبل أن يموت. وروى الشعبي، عن الحارث، عن علي- ﵁ قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة، أو المتردية، أو النطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها (١) . وكان الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وطاوس، والحسن، وقتادة، كل هؤلاء يقولون في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] : إذا أطرفت بعينيها، أو مضغت بذنبها- يعني حركته وضربت به- أو ركضت برجلها؛ فذكيتها، فقد أحل الله لك ذلك. وذكره عن أصحابه، وهو قول أبي هريرة وابن عباس (٢) . وإليه ذهب ابن حبيب، وذكره عن أصحاب مالك. وروى ابن عيينة، وشريك، وجرير، عن الركين بن الربيع، عن أبي طلحة الأسدي، قال: سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة، فشن بطنها حتى انتثر، فسقط منه شيء إلى الأرض؟ فقال: كل وما انتثر من بطنها فلا تأكل (٣) .

стр. 16517

التحرك بعد الذبح ذكر في بعض الفتاوى أنه لا بد من أحد شيئين: إما التحرك، وإما خروج الدم، فإن لم يوجد لا يحل، كأنه جعل أحدهما بعد الذبح علامة الحياة وقت الذبح، فإن لم يوجد لم تعلم حياته وقت الذبح فلا يحل. وقال بعضهم: إن علم حياته وقت الذبح بغير التحرك يحل، وإن لم يتحرك بعد الذبح ولا خرج منه الدم , والله أعلم (١) . مسائل تخرج عن حكم التسمية على الذبيحة - لو أضجع شاة وأخذ السكين وسمي، ثم تركها وذبح شاة أخرى وترك التسمية عامدا عليها: لا تحل. كذا في الخلاصة. - وإن أخذ سهما وسمى، ثم وضع ذلك السهم، وأخذ آخر ورمى: لم يحل بتلك التسمية. كذا في جواهر الألخلاطي. - وإذا أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها، ثم كلم إنسانا أو شرب ماء أو حد سكينا، أو أكل لقمة، أو ما أشبه ذلك من عمل لم يكثر؛ حلت بتلك التسمية. - وإن طال الحديث وكثر العمل كره أكلها، وليس في ذلك تقدير، بل ينظر فيه إلى العادة (٢) : إن استكثره الناس في العادة يكون كثيرا، وإن كان يعد قليلا فهو قليل، ثم ذكر في هذا الفصل لفظة الكراهة.

стр. 16518

- وقد اختلف المشايخ، رحمهم الله تعالى، في أضاحي الزعفراني، إذا حد الشفرة تنقطع تلك التسمية من غير فصل بينما إذا قل أو كثر. كذا في المحيط. - ولو سمي ثم انفلتت الشاة وقامت من مضجعها، ثم أعادها إلى مضجعها فقد انقطعت التسمية. كذا في البدائع. - ولو أن رجلا نظر إلى غنمه فقال: بسم الله، ثم أخذ واحدة فأضجعها وذبحها وترك التسمية عامدا، وظن أن تلك التسمية تجزئه لا تؤكل. كذا في البدائع. - ولو أضجع إحدى الشاتين على الأخرى تكفي تسمية واحدة إذا ذبحهما بإمرار واحد، ولو جمع العصافير في يده فذبح وسمي، وذبح آخر على إثره ولم يسم: لم يحل الثاني. ولو أمر السكين على الكل جاز بتسمية واحدة. كذا في خزانة المفتين, والله أعلم (١) ومن شرائطها: أن تكون التسمية من الذابح، حتى لو سمي غيره والذابح ساكت وهو ذاكر غير ناس لا يحل، لأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي لم يذكر اسم الله عليه من الذابح، فكانت مشروطة فيه. ومنها: أن يريد بها التسمية على الذبيحة، فإن أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا يحل، لأن الله أمر بذكر اسم الله تعالى عليه في الآيات الكريمة، ولا يكون ذكر الله عليه إلا وأن يراد بها التسمية على الذبيحة. وعلى هذا إذا قال: (الحمد لله) على سبيل الشكر لا يحل، كذا لو سبح أو هلل أو كبر، ولم يرد به التسمية على الذبيحة، وإنما أراد به وصفه بالوحدانية والتنزه عن صفات الحدوث لا غير: لا يحل، لما قلنا. ومنها: أن يقصد بذكر الله تعالى تعظيمه على الخلوص، ولا يشوبه معنى الدعاء، حتى لو قال: اللهم اغفر لي، لم يكن ذلك تسمية لأنه دعاء، والدعاء لا يقصد به التعظيم المحض فلا يكون تسمية، كما لا يكون تكبيرا (٢) .

стр. 16519

ما يستحب من الذكاة وما يكره منها قال الكاساني في البدائع: إن المستحب أن يكون الذبح بالنهار ويكره بالليل, والأصل فيه: ما روي عن رسول الله ﷺ ، ((أنه نهى عن الأضحى ليلا، وعن الحصاد ليلا)) ، وهو كراهة تنزيه، ومعنى الكراهة يحتمل أن يكون لوجوه: أحدها: أنه دليل وقت أمن وسكون وراحة، فإيصال الألم في وقت الراحة يكون أشد. الثاني: لا يأمن أن يخطئ فيقطع يده، ولهذا كره الحصاد بالليل. الثالث: أن العروق المشروطة في الذبح لا تتبين في الليل، فربما لا يستوفي قطعها، ولكن هذا لا يمنع الجواز (١) . ومنها: أنه يستحب في الذبح- حالة الاختيار- أن يكون بآلة حادة من الحديد كالسكين والسيف ونحو ذلك، ويكره بغير الحديد، وبالقليل من الحديد، لأن السنة في ذبح الحيوان ما كان أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته. والأصل فيه: ما روينا عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: ((إن الله عز شأنه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) (٢)

стр. 16520

وفي بعض الروايات: ((وليشد قوائمه وليلقه على شقه الأيسر، وليوجهه نحو القبلة، وليسم الله تعالى عليه)) والذبح بما قلنا أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته. ومنها: التدفيف (الإسراع) في قطع الأوداج، ويكره الإبطاء فيه لما روينا عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((وليرح ذبيحته)) والإسراع نوع راحة له. ومنها: الذبح في الشاة والبقر، والنحر في الإبل، ويكره القلب في ذلك لما ذكرنا فيما تقدم، والله عز شأنه أعلم (١) . ومنها: أن يكون ذلك من قبل الحلقوم، ويكره قبل القفا لما مر (٢) . ومنها: قطع الأوداج كلها، ويكره قطع البعض، دون البعض لما فيه من إبطاء فوات حياته. ومنها: الاكتفاء بقطع الأوداج ولا يبلغ به النخاع، وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة، ولا يبان الرأس، ولو فعل ذلك يكره لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليها، وفي الحديث: ((ألا لا تنخعوا الذبيحة)) والنخع القتل الشديد حتى يبلغ النخاع. ومنها: أن يكون الذابح مستقبلا القبلة، والذبيحة موتجهة إلى القبلة، لما روينا، ولما روي أن الصحابة، ﵃، كانوا إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، فإنه روي عن الشعبي أنه قال: كانوا يستحبون أن يستقبلوا القبلة، وقوله: "كانوا" كناية عن الصحابة ﵃، ومثله لا يكذب، ولأن المشركين كانوا يستقبلون بذبائحهم إلى الأوثان فتستحب مخالفتهم في ذلك باستقبال القبلة التي هي جهة الرغبة إلى طاعة الله عز شأنه، وذلك مندوب إليه في غير الصلاة، فلهذا كان تركه موجبا للكراهة غير مفسد للذبحة (٣) ويكره: أن يقول عند الذبح: اللهم تقبل من فلان، وإنما يقول ذلك بعد الفراغ من الذبح، أو قبل الاشتغال بالذبح ... هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵀، عن حماد عن إبراهيم، وكذلك قال أبو يوسف: ادع بالتقبل قبل الذبح إن شئت أو بعده.

стр. 16521

- وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((موطنان لا أذكر فيهما: عند العطاس، وعند الذبح)) . وروينا عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: "جردوا التسمية عند الذبح ". ولو قال ذلك لا تحرم الذبيحة، لأنه ما ذكر اسم غير الله عز شأنه على سبيل الإشراك، لكنه يكره لتركه التجريد من حيث الصورة. - فإن قيل: أليس أنه ((روي أن رسول الله ﷺ ، ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته)) . فالجواب: أنه ليس فيه أنه ذكر مع اسم الله تعالى جل شأنه نفسه ﵊، أو أمته، فيحتمل أن ضحى بأحدهما وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عنه، وضحى بالآخر وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عن أمته، وهذا لا يوجب الكراهة. ويكره له بعد الذبح قبل أن تبرد أن ينخعها أيضا، وهو أن ينحرها حتى تبلغ النخاع. قاله صاحب الهداية. ويكره له: أن يسلخها قبل أن تبرد، لأن فيه زيادة إيلام لاحاجة إليها. فإن نخع أو سلخ قبل أن تبرد فلا بأس بأكلها لوجود الذبح بشرائطه. ويكره: جرها برجلها إلى المذبح، لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في الذكاة.

стр. 16522

وروي عن ابن سيرين عن سيدنا عمر ﵄، أنه رأى رجلا يسوق له شاة ليذبحها سوقا عنيفا، فضربه بالدرة ثم قال له: سقها إلى الموت سوقا جميلا، لا أم لك. ويكره: أن يضجعها ثم يحد شفرته بين يديها، لما روي أن رسول الله ﷺ رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته وهي تلاحظه فقال ﵊: ((أوددت أن تميتها موتات؟ ألا حددت الشفرة قبل أن تضجعها)) (١) . قوله ﷺ : "أن تميتها موتات " أي مرات عديدة. فإن قلت: كيف يكون ذلك ولا يعلم الحيوان بذبحه، لأنه لا عقل له؟ قلت: هذا سؤال ساقط, وفيه سوء أدب؟ لأنه الوهم في ذلك كاف وهو موجود فيه, والعقل يحتاج إليه لمعرفة الكليات, وما نحن فيه فليس منها. وأجاب السرخسي في المبسوط: بأن الحيوان يعرف ما يراد منه كما جاء في الخبر: أبهمت البهائم إلا عن الأربعة خالقها ورازقها وضعفها وشقائها. فإذا كانت تعرف ذلك وهو يحد الشفرة عندها كان فيه زيادة ألم غير محتاجة إليه، ولهذا قيل: يكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليها، وروي عن سيدنا عمر ﵁، أنه رأى رجلا قد أضجع شاة ووضع رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة، فضربه بالدرة فهرب الرجل وشردت الشاة. ولأن البهيمة تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك فتتحرز عنها، فإذا حد الشفرة وقد أضجعها يزداد ألمها. وهذا كله لا تحرم به الذبيحة؛ لأن النهي عن ذلك ليس لمعنى في المنهي، بل لما يلحق الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليه، فكان النهي عنه لمعنى في غير المنهي عنه، وأنه لا يوجب الفساد كالذبح بسكين مغصوب، والاصطياد بقوس معضوب (٢) . والحاصل أن ما فيه زيادة إيلام لا يحتاج إليه في الذكاة: مكروه.

стр. 16523

الحكمة من تحريم الميتة ولئن قيل: ما هو الفقه في تحريم ما مات حتف أنفه؟ وهو المتبادر من لفظ الميتة عند الإطلاق، وما هو في معناه كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع منها إذا لم تذك، أي يجهز عليها بقصد الأكل. - وما هو الفرق بين الصيد يأتي به الكلب المعلم ميتا فيكون حلالا، وبين ما أكل السبع منه فمات ولم تدرك ذكاته؟ وما ضرب الإنسان بعصا أو حجر فمات كذلك ولم يذك القصد؟ وما الحكمة في جعل القصد محللا؟ الجواب عن ذلك: فيما يظهر لنا بعد اعتبار تعظيم شأن القصد في الأمور كلها ليكون الإنسان معتمدا على كسبه وسعيه، وهو الحكمة الأولى في ذلك، وهو أن الميت حتف نفسه يغلب أن يكون قد مات في مرض أو أكل نبات سام، وبذلك يكون لحمه ضارا كلحم الخنزير، فإن هذا قد حرم لضرره فهذه حكمة ثانية. والحكمة الثالثة:- غير اعتبار القصد وخوف الضرر- وهي أن الطباع السليمة تستقذر الميت حتف أنفه ولا تعده من الطيبات، والدين يربي الإنسان على شرف النفس، ولذلك أحل له الطيبات، وحرم عليه الخبائث. وأما ما هو في معنى الميتة حتف أنفها من المنخنقة والموقوذة فيظهر في علة تحريمه كل ما ذكر إلا حكمة توقع الضرر في الجسم، فيظهر فيه بدلها تنفير الناس عن تعريض البهيمة إلى الموت بإحدى هذه الميتات القبيحة في حال من الأحوال، وأن يعرفوا أن الشرع يأمر بالمحافظة على حياة الحيوان، وينهى عن تعذيبه، أو تعريضه للتعذيب، ويعاقب من تهاون في ذلك بتحريم أكل الحيوان عليه، إذا تهاون في حفظ حياته.

стр. 16524

الحكم في مشروعية التسمية في الذبح والإرسال وقال ولي الله الدهلوي: واعلم أن ههنا أمور مهمة تحتاج إلى ضبط الحدود، وتمييز المشكل: منها أن المشركين كانوا يذبحون لطواغيتهم ويتقربون به إليها، وهذا نوع من الإشراك، فاقتضت الحكمة الإلهية أن ينهى عن هذا الإشراك، ثم يؤكد التحريم بالنهي عن تناول ما ذبح لها ليكون كابحًا عن ذلك الفعل, وأيضا فإن قبح الذبح يسري في المذبوح، ثم المذبوح للطواغيت أمر مبهم ضبط بما أهل لغير الله به، وبما ذبح على النصب، وبما ذبحه غير المتدين بتحريم الذبح بغير اسم الله، وهم المسلمون وأهل الكتاب، وجر ذلك أن يوجب ذكر اسم الله عند الذبح، لأنه لا يتحقق الفرقان بين الحلال والحرام بادي الرأي إلا عند ذلك. وأيضا فإن الحكمة الإلهية لما أباحت لهم الحيوانات - التي هي مثلهم في الحياة وجعل لهم الطولى عليها- أوجبت أن لا يغفلوا عن هذه النعمة عند إزهاق أرواحهم، وذلك أن يذكروا اسم الله عليها، وهو قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] . ومنها: أن الميتة حرام في جميع الملل والنحل. أما الملل فاتفقت عليها لما تلقّى من حظيرة القدس أنها من الخبائث. وأما النحل فلما أدركوا أن كثيرا منها يكون بمنزلة السم؛ من أجل انتشار أخلاط سمية تنافي المزاج الإنساني عند النزع، ثم لا بد من تمييز الميتة عن غيرها، فضبط بما قصد إزهاق روحه بالأكل، فجر ذلك إلى تحريم المتردية والنطيحة وما أكل السبع ... فإنها كلها خبائث مؤذية. ومنها: أن العرب واليهود كانوا يذبحون وينحرون، وكان المجوس يخنقون ويبعجون (يشقون البطون) ، والذبح والنحر سنة الأنبياء، ﵈، توارثوهما، وفيهما مصالح (١)

стр. 16525

الخاتمة وبعد: فقد تحصل لدينا أن التذكية أمر تعبدي، لا كما ذهب إليه صاحب المنار، ومن تأثر برأيه من بعض الفضلاء المعاصرين- وأن التسمية على الذبح والإرسال مطلوبة شرعا بصريح النص من الكتاب والسنة، والمسلم يذبح بدينه وكذلك الكتابي، والإسلام شرع الرفق بالحيوان قبل الذبح وبعده بما لا يوجد في ملة سواه، ولا في قانون وضعي، كما سن آداباً على جانب من الأهمية، يحسن أن تلحظ في التوصيات التي يصدرها المؤتمر نتيجة المناقشات. - والتذكية في المذابح الآلية الحديثة أقرب إلى الذبح الاضطراري منه إلى الذبح الاختياري، نتيجة ضرب الحيوان أو صعقه بالكهرباء قبل الذبح، بحيث يوصف بالموقوذة والمتردية والنطيحة. ولا بد من بقاء الروح في الحيوان المذكى على هذا الوجه بما يوصف (فوق حياة المذبوح) وألا كان ميتة يحرم تناولها ... آملين أن تتوصل دول العالم الإسلامي إلى الاستغناء عن مثل هذه الذبائح، خروجاً من الخلاف، واستبراء لدين المسلمين، وتجنبا لمواطن الشبه. والله من وراء القصد الشيخ خليل محيي الدين الميس
следующие страницы →