← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16521–16560 · переход к 16526.

стр. 16521

- وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((موطنان لا أذكر فيهما: عند العطاس، وعند الذبح)) . وروينا عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: "جردوا التسمية عند الذبح ". ولو قال ذلك لا تحرم الذبيحة، لأنه ما ذكر اسم غير الله عز شأنه على سبيل الإشراك، لكنه يكره لتركه التجريد من حيث الصورة. - فإن قيل: أليس أنه ((روي أن رسول الله ﷺ ، ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته)) . فالجواب: أنه ليس فيه أنه ذكر مع اسم الله تعالى جل شأنه نفسه ﵊، أو أمته، فيحتمل أن ضحى بأحدهما وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عنه، وضحى بالآخر وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عن أمته، وهذا لا يوجب الكراهة. ويكره له بعد الذبح قبل أن تبرد أن ينخعها أيضا، وهو أن ينحرها حتى تبلغ النخاع. قاله صاحب الهداية. ويكره له: أن يسلخها قبل أن تبرد، لأن فيه زيادة إيلام لاحاجة إليها. فإن نخع أو سلخ قبل أن تبرد فلا بأس بأكلها لوجود الذبح بشرائطه. ويكره: جرها برجلها إلى المذبح، لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في الذكاة.

стр. 16522

وروي عن ابن سيرين عن سيدنا عمر ﵄، أنه رأى رجلا يسوق له شاة ليذبحها سوقا عنيفا، فضربه بالدرة ثم قال له: سقها إلى الموت سوقا جميلا، لا أم لك. ويكره: أن يضجعها ثم يحد شفرته بين يديها، لما روي أن رسول الله ﷺ رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته وهي تلاحظه فقال ﵊: ((أوددت أن تميتها موتات؟ ألا حددت الشفرة قبل أن تضجعها)) (١) . قوله ﷺ : "أن تميتها موتات " أي مرات عديدة. فإن قلت: كيف يكون ذلك ولا يعلم الحيوان بذبحه، لأنه لا عقل له؟ قلت: هذا سؤال ساقط, وفيه سوء أدب؟ لأنه الوهم في ذلك كاف وهو موجود فيه, والعقل يحتاج إليه لمعرفة الكليات, وما نحن فيه فليس منها. وأجاب السرخسي في المبسوط: بأن الحيوان يعرف ما يراد منه كما جاء في الخبر: أبهمت البهائم إلا عن الأربعة خالقها ورازقها وضعفها وشقائها. فإذا كانت تعرف ذلك وهو يحد الشفرة عندها كان فيه زيادة ألم غير محتاجة إليه، ولهذا قيل: يكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليها، وروي عن سيدنا عمر ﵁، أنه رأى رجلا قد أضجع شاة ووضع رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة، فضربه بالدرة فهرب الرجل وشردت الشاة. ولأن البهيمة تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك فتتحرز عنها، فإذا حد الشفرة وقد أضجعها يزداد ألمها. وهذا كله لا تحرم به الذبيحة؛ لأن النهي عن ذلك ليس لمعنى في المنهي، بل لما يلحق الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليه، فكان النهي عنه لمعنى في غير المنهي عنه، وأنه لا يوجب الفساد كالذبح بسكين مغصوب، والاصطياد بقوس معضوب (٢) . والحاصل أن ما فيه زيادة إيلام لا يحتاج إليه في الذكاة: مكروه.

стр. 16523

الحكمة من تحريم الميتة ولئن قيل: ما هو الفقه في تحريم ما مات حتف أنفه؟ وهو المتبادر من لفظ الميتة عند الإطلاق، وما هو في معناه كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع منها إذا لم تذك، أي يجهز عليها بقصد الأكل. - وما هو الفرق بين الصيد يأتي به الكلب المعلم ميتا فيكون حلالا، وبين ما أكل السبع منه فمات ولم تدرك ذكاته؟ وما ضرب الإنسان بعصا أو حجر فمات كذلك ولم يذك القصد؟ وما الحكمة في جعل القصد محللا؟ الجواب عن ذلك: فيما يظهر لنا بعد اعتبار تعظيم شأن القصد في الأمور كلها ليكون الإنسان معتمدا على كسبه وسعيه، وهو الحكمة الأولى في ذلك، وهو أن الميت حتف نفسه يغلب أن يكون قد مات في مرض أو أكل نبات سام، وبذلك يكون لحمه ضارا كلحم الخنزير، فإن هذا قد حرم لضرره فهذه حكمة ثانية. والحكمة الثالثة:- غير اعتبار القصد وخوف الضرر- وهي أن الطباع السليمة تستقذر الميت حتف أنفه ولا تعده من الطيبات، والدين يربي الإنسان على شرف النفس، ولذلك أحل له الطيبات، وحرم عليه الخبائث. وأما ما هو في معنى الميتة حتف أنفها من المنخنقة والموقوذة فيظهر في علة تحريمه كل ما ذكر إلا حكمة توقع الضرر في الجسم، فيظهر فيه بدلها تنفير الناس عن تعريض البهيمة إلى الموت بإحدى هذه الميتات القبيحة في حال من الأحوال، وأن يعرفوا أن الشرع يأمر بالمحافظة على حياة الحيوان، وينهى عن تعذيبه، أو تعريضه للتعذيب، ويعاقب من تهاون في ذلك بتحريم أكل الحيوان عليه، إذا تهاون في حفظ حياته.

стр. 16524

الحكم في مشروعية التسمية في الذبح والإرسال وقال ولي الله الدهلوي: واعلم أن ههنا أمور مهمة تحتاج إلى ضبط الحدود، وتمييز المشكل: منها أن المشركين كانوا يذبحون لطواغيتهم ويتقربون به إليها، وهذا نوع من الإشراك، فاقتضت الحكمة الإلهية أن ينهى عن هذا الإشراك، ثم يؤكد التحريم بالنهي عن تناول ما ذبح لها ليكون كابحًا عن ذلك الفعل, وأيضا فإن قبح الذبح يسري في المذبوح، ثم المذبوح للطواغيت أمر مبهم ضبط بما أهل لغير الله به، وبما ذبح على النصب، وبما ذبحه غير المتدين بتحريم الذبح بغير اسم الله، وهم المسلمون وأهل الكتاب، وجر ذلك أن يوجب ذكر اسم الله عند الذبح، لأنه لا يتحقق الفرقان بين الحلال والحرام بادي الرأي إلا عند ذلك. وأيضا فإن الحكمة الإلهية لما أباحت لهم الحيوانات - التي هي مثلهم في الحياة وجعل لهم الطولى عليها- أوجبت أن لا يغفلوا عن هذه النعمة عند إزهاق أرواحهم، وذلك أن يذكروا اسم الله عليها، وهو قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] . ومنها: أن الميتة حرام في جميع الملل والنحل. أما الملل فاتفقت عليها لما تلقّى من حظيرة القدس أنها من الخبائث. وأما النحل فلما أدركوا أن كثيرا منها يكون بمنزلة السم؛ من أجل انتشار أخلاط سمية تنافي المزاج الإنساني عند النزع، ثم لا بد من تمييز الميتة عن غيرها، فضبط بما قصد إزهاق روحه بالأكل، فجر ذلك إلى تحريم المتردية والنطيحة وما أكل السبع ... فإنها كلها خبائث مؤذية. ومنها: أن العرب واليهود كانوا يذبحون وينحرون، وكان المجوس يخنقون ويبعجون (يشقون البطون) ، والذبح والنحر سنة الأنبياء، ﵈، توارثوهما، وفيهما مصالح (١)

стр. 16525

الخاتمة وبعد: فقد تحصل لدينا أن التذكية أمر تعبدي، لا كما ذهب إليه صاحب المنار، ومن تأثر برأيه من بعض الفضلاء المعاصرين- وأن التسمية على الذبح والإرسال مطلوبة شرعا بصريح النص من الكتاب والسنة، والمسلم يذبح بدينه وكذلك الكتابي، والإسلام شرع الرفق بالحيوان قبل الذبح وبعده بما لا يوجد في ملة سواه، ولا في قانون وضعي، كما سن آداباً على جانب من الأهمية، يحسن أن تلحظ في التوصيات التي يصدرها المؤتمر نتيجة المناقشات. - والتذكية في المذابح الآلية الحديثة أقرب إلى الذبح الاضطراري منه إلى الذبح الاختياري، نتيجة ضرب الحيوان أو صعقه بالكهرباء قبل الذبح، بحيث يوصف بالموقوذة والمتردية والنطيحة. ولا بد من بقاء الروح في الحيوان المذكى على هذا الوجه بما يوصف (فوق حياة المذبوح) وألا كان ميتة يحرم تناولها ... آملين أن تتوصل دول العالم الإسلامي إلى الاستغناء عن مثل هذه الذبائح، خروجاً من الخلاف، واستبراء لدين المسلمين، وتجنبا لمواطن الشبه. والله من وراء القصد الشيخ خليل محيي الدين الميس

стр. 16526

قائمة بأهم المصادر والمراجع ا- أحكام القرآن، ابن العربي ٢- أحكام القران، الجصاص ٣- بدائع الصنائع، الكاساني ٤- معالم السنن، الخطابي ٥- المبسوط، السرخسي ٦- الجامع لأحكام القران، القرطبي ٧- صحيح البخاري ٨- صحيح مسلم ٩- الموطأ، الإمام مالك ١٠- سنن البيهقي ١١- سنن ابن ماجه ١٢- المستدرك، الحاكم ١٣- مصنف عبد الرزاق ١٤- مختصر المزني ١٥- الفتاوى الهندية ١٦- حجة الله البالغة، الدهلوي ١٧- المنار ١٨- الحاوي الكبير، الماوردي ١٩- الاستذكار، ابن عبد البر ٢٠- المنتقى، الباجي ٢١- البناية على الهداية، العيني. ٢٢- أوجز المسالك، الكاندهلوي.

стр. 16527

الذبائح العرض- التعقيب- المناقشة العرض الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. في هذه الجلسة الصباحية المباركة- إن شاء الله- نستعرض موضوع الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة، والآن الشيخ محمد تقي الدين العثماني يعطي عرضًا عن بحثه، ونرجو أن يكون في حدود عشرين دقيقة: الشيخ محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فموضوع الذبائح والطرق الشرعية لإنجاز الذكاة ليس موضوعا جديدا، وإنما هو مبسوط في كتب الفقه الإسلامي كل البسط، ومن البدهي أنه ليس المقصود من عرض هذا الموضوع على المجمع الكريم استقصاء جميع الأحكام المتعلقة بالذبائح، وإنما المقصود التعرض للأحكام التي تتعلق بالقضايا المستجدة والطرق الجديدة لإنجاز الذكاة والذبح. ومن هنا فإني قد فصلت بحثي على أقسام، وقد استحسنت أن أشرع في هذا البحث بالرد على قول شاذ خطير قد صدر من الشيخ المفتي محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا؛ من أن الذبح ليس من الأمور التعبدية وإنما هو من الأمور العادية، ويجوز للإنسان أن يتصرف فيه كيف ما شاء. فهذا قول قد استغله بعض الناس للانخلاع عن ربقة التكليف بأسرها، فأردت أن أرد على هذا القول، والذي يكفي في الرد عليه هو قول رسول الله ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله)) .

стр. 16528

وأصرح من ذلك رواية النسائي جاء فيها أن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها)) . فهذا الحديث يدل على أن الذبح من الشعائر الدينية التي يمتاز بها المسلم عن غيره, ولولا أن ذبح الحيوان له أحكام خاصة تعبدية لجاز كل حيوان قتله وثني أو مجوسي أو دهري، ولا ما اقتصر الحل على ذبيحة مسلم أو كتابي. ومن هنا أصبحت أحكام الصيد والذبائح من أهم أبواب الفقه الإسلامي، وقد بسط الفقهاء هذه الأحكام، وهي مستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة. وبعد هذا التمهيد، فإن التذكية الشرعية لها شروط، والشروط التي تهمنا في يومنا هذا هي ثلاثة: الشرط الأول: هو طريق إزهاق الروح. الشرط الثاني: ذكر اسم الله تعالى عند الذبح. الشرط الثالث: كون الذابح مسلما أو كتابيا. فأما طريق إزهاق الروح، فقد اتفق الفقهاء على أن في الذكاة الاختيارية يجب أن يقع إزهاق الروح عن طريق محدد، وبما يفري الأوداج أو يقطع العروق، والعروق هي أربعة وهي: الحلقوم، والمريء، والودجان. وربما يتوسع بعض الفقهاء في استعمال كلمة الأوداج لجميع هذه الأربعة. ثم قد اختلف الفقهاء فيما إذا قطع بعض هذه العروق ولم يقطع بعضها؛ على أقوال معروفة فيما بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يجب أن يقطع الحلقوم والمريء، ومنهم من قال: إنه يجب أن يقطع أكثرها، ومنهم من قال: إن الودجين لابد من قطعهما؛ اختلافات. فإنه يتبين أن جميع الفقهاء مطبقون على أن فري الأوداج أو قطع العروق هو لازم لإنجاز الذكاة الاختيارية الشرعية, وقد ثبت ذلك بعدة أحاديث ذكرتها في البحث، وهي معروفة عن أهل العلم.

стр. 16529

أما إذا وقع إزهاق الروح بغير قطع الأوداج فلا تحصل به الذكاة الشرعية في الحيوان المقدور عليه، لأنه داخل إما في المنخنقة أو الموقوذة أو في النطيحة، لأن الله- حين قال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن النطيحة من الحيوانات التي ينطحها حيون آخر فيسيل الدم، وربما يسيل الدم من مذابحها، ولكن صرح القرآن الكريم بحرمتها؛ فظهر بذلك أن الحيوان لا يحل بمجرد سيلان الدم ولو من مذابحه، إنما يجب أن يسيل الدم بطريق شرعه الله- للتذكية. هذا ما يتعلق بطريق إزهاق الروح. والمسألة المهمة هي شرط التسمية عند الذبح, والمعروف أن جمهور الفقهاء يشترطون لحل الذبيحة أن يسمي الذابح عليها اسم الله تعالى، فلا تحل ذبيحة من ترك التسمية عامدا عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وجمهور الفقهاء, أما إذا نسيها فالذكاة معتبرة عند الحنفية والمالكية ولا فرق عندهم في هذا بين الذبيحة والصيد، أما عند الحنابلة فالنسيان معفو عنه في الذكاة الاختيارية فقط، أما في الصيد فلا تعتبر الذكاة إذا لم يذكر الصائد اسم الله عند إرسال السهم أو الكلب، سواء أتركها عمدا أم نسيانا. وقد اشتهر عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى- أنه يقول بجواز متروك التسمية عامدا, ولكن الذي يظهر من مراجعة كتاب (الأم) للإمام الشافعي- ﵀ أنه لم يصرح بحل متروك التسمية عمدا، وإنما صرح بحل ما نسي الذابح ذكر الله عليه، وعبارته مايلي: "وإذا أرسل الرجل المسلم كلبه أو طائره المعلمين أحببت له أن يسمي، فإن لم يسم ناسيا فقتل أكل، لأنهما إذا كان قتلهما كالذكاة، فهو لو نسي التسمية في الذبيحة أكل، لأن المسلم يذبح على اسم الله وإن نسي ". فهنا ذكر الإمام الشافعي- ﵀ حالة النسيان، ولم يذكر حالة التعمد.

стр. 16530

ثم إن الإمام الشافعي- ﵀ صرح فيما بعد بأن من يترك التسمية عند الذبح استخفافا لا يحل أكل الذبيحة، فقد ذكر ﵀ في معرض ما هو مسلم عنده: "إن المسلم إن نسي اسم الله تعالى أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافا لم تؤكل ذبيحته ". وقد صرح بعض العلماء بأن الفقهاء أجمعوا على ذلك، فقد جاء في التفسير المظهري نقلا عن شرح المقدمة المالكية: "وكل هذا في غير المتهاون، وأما المتهاون فلا خلاف أنها لا تؤكل ذبيحته تحريما، قاله ابن الحارث والبشير، والمتهاون هو الذي يتكرر منه ذلك كثيرا. والله أعلم ". وهذه العبارات تدل على أن مذهب الإمام الشافعي- ﵀ ليس على إطلاق الحل فيما تعمد ترك التسمية عليه، وإنما تحرم الذبيحة عنده إذا ترك عليها التسمية تهاونا واستخفافا، وجعله الرجل عادة له. ومفاد ذلك أن حكم الحل مقتصر عنده على من ترك التسمية مرة أو مرتين اتفاقا، لا تهاونا واستخفافا، وفي تلك الصورة أيضا لا يخلو ذلك من كراهة، لأنه قال:"أحببت له أن يسمي "، وقد صرح فقهاء الشافعية بأن ترك التسمية عمدا مكروه، وأنه يأثم به التارك.

стр. 16531

وبهذا ظهر أن متروك التسمية عمدا حرام عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وحرام عند الشافعي- ﵀ أيضا إذا كان ذلك استخفافا وتهاونا، وصار كالعادة للذابح وما وقع اتفاقا، فإنه لا يحكم بحرمته عنده، ولكنه لا يخلو من كراهة. وهذه الرخصة أيضا لا تساندها نصوص القرآن والسنة، حيث تظافرت الآيات والأحاديث على اعتبار التسمية ركنا من أركان الذكاة الشرعية. قال الله ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وهذه الآية من أصرح ما يكون في الموضوع, ولم يقع هذا التحريم مرة واحدة في القرآن، وإنما تتابعت الآيات في جعل اسم الله تعالى ركنا من أركان الذبح الإسلامي، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]

стр. 16532

وهذه الآيات كلها تدل بأساليب مختلفة أن ذكر اسم الله تعالى من أهم العناصر التي تحل للمسلم أكل لحم الحيوان، ولم يكتف القرآن ببيان ذلك في آية أو آيتين، وإنما ذكر هذا الركن في كل من الذبيحة، والصيد، والأضحية بصفة مستقلة، وأنكرعلى من يتركه إنكارا بليغا، فجعله افتراء على الله، وأنكر أيضا على من لا يستحل الذبيحة التي ذكر اسم الله عليها، مما يدل على أنه من أعظم الشروط للذكاة الشرعية. وكذلك تكاثرت الأحاديث على اعتبار التسمية شرطا وركنا من أركان الذبيحة الشرعية، وقد سردت هذه الأحاديث في بحثي، وهي تسعة أحاديث وهي معروفة لديكم. وإن هذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على مدى التأكيد والتركيز على ذكر اسم الله تعالى عند الذبح، وإن النص الواحد من هذه النصوص كان كافيا لبيان أن التسمية ركن من أركان الذبح، ولكن الشارع لم يكتف ببيان هذا الحكم مرة واحدة، وإنما جاء به مرارا وتكرارا في عدة مناسبات وبأساليب مختلفة، وما ذلك إلا لأهميته البالغة ولكونه شرطا قطعيا لحصول الذكاة الشرعية في الحيوان.

стр. 16533

أما حالة النسيان فقد استثنيت بالأدلة العامة وببعض الأحاديث التي استثني فيها حالة النسيان في موضوع الذبح بنفسه، وجئت بهذه الأحاديث وتكلمت على إسنادها، وهي موجودة في بحثي. وإزاء هذه الآيات والأحاديث المتكاثرة، من يستدل بحل ترك التسمية عمدا ربما يستدل بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، قائلا إن الله أطلق التذكية ولم يقيدها بالتسمية, لكن هذا الاستدلال ضعيف بالمرة، لأن الله- استعمل كلمة (الذكاة) ، والذكاة بمعناها الشرعي يشمل شرط التسمية، والحديث الذي يستدل به من يحل متروك التسمية هو حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها- أن قوما قالوا للنبي ﷺ : ((إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه)) ، وقالت: كانوا حديثي عهد بالكفر. وهذا لفظ البخاري. ولكن هذا الحديث لا يتم به الاستدلال على حقة على ما علم فيه باليقين أن ذابحه ترك التسمية عمدا، لأن غاية هذا الحديث حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، ومفاده أن المسلم إن قدم لحما أو طعاما فالظاهر أنه حلال مذبوح بطريقة شرعية، فيحمل على الظاهر، ونحن مأمورون بإحسان الظن بكل مسلم، فلا يجب البحث عن طريقة ذبحه ما لم يتبين أنه ذبحه بطريقة غير مشروعة. وإن هؤلاء القوم الذين وقع السؤال منهم كانوا مسلمين وإن كانوا حديثي عهد بالكفر، كما صرحت به عائشة ﵂ فأمر رسول الله ﷺ بحمل فعلهم على الظاهر، وهو أنهم ذكرو اسم الله عليه، ولا يلزم منه حل الذبيحة إذا تيقن الرجل أن ذابحها ترك التسمية متعمدا. فالحديث في حكم هذه الحالة، وأين ذلك من الحالة التي نعلم فيها بيقين أن الذابح ترك التسمية عن قصد وعمد وكيف تقاس الحالة الثانية على الأولى؟

стр. 16534

ثم الشرط الثالث لحل الذبيحة هو أن يكون الذابح إما مسلما أو كتابيا، وقد شذ بعض المعاصرين فقالوا: إن الحرمة مقتصرة على ذبيحة الوثنيين من أهل العرب، وأباح ذبيحة سائر الكفار غيرهم- سواء أكانوا وثنيين أم ملحدين أم دهريين أم عبدة النار، وهذا قول خاطئ لا عهد به في الكتاب والسنة ولا في أقوال السلف رحمهم الله تعالى , وقد رددت على هذا القول بشيء من التفصيل. أما ذبائح أهل الكتاب فقد صرح القرآن الكريم بحل ذبيحتهم، وهو كلمة الإجماع فيما بين الفقهاء من أجل هذا النص، ولكن المسألة في ذبائح أهل الكتاب هي هل يشترط في ذبح أهل الكتاب ما يشترط في ذبح المسلمين من فري الأوداج ومن الآلة المحددة ومن ذكر اسم الله تعالى؛ هذه المسألة تحتاج إلى دراسة بالنظر إلى ما ادعى بعض المعاصرين من حل ذبيحتهم بقطع النظر عن الطريق الذي اختاروه لذلك. وهذه المسألة قد قسمتها إلى شقين: الشق الأولى: هل يجب لحل ذبيحة أهل الكتاب أن يذبحوا الحيوان بطريقة مشروعة للذبح من فري الأوداج بآلة محددة؟ الشق الثاني: هل يجب أن يذكروا اسم الله تعالى عند الذبح؟

стр. 16535

فالشق الأول فالجمهور من الفقهاء على أن ذبيحة الكتابي إنما تحل إذا ذكاها بقطع العروق اللازمة بآلة محددة، وهو الحق الثابت بالأدلة الناطقة التي ذكرتها في هذا البحث، والحمد لله، ولكن زعم بعض المعاصرين أن ذبيحة الكتابي حلال بأي طريق قتلها ذلك الكتابي، لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وتمسكوا في ذلك بقول القاضي ابن العربي ﵀ حيث قال في أحكام القرآن: "ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل يؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه؛ وهي المسألة الثامنة. فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا، إلا ما كذبهم الله ".

стр. 16536

ولكن هذا القول الغريب من ابن العربي ﵀ متعارض تمام التعارض مع الأصل الذي ذكره هو نفسه في نفس الكتاب قبل نحو صفحة من هذه العبارة، وعبارته هناك ما يلي: "فإن قيل: فما أكلوه (أي أهل الكتاب) على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب أن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذه مثله، والله أعلم ". وهذا تعارض صريح في عبارتي ابن العربي، ومتى وقع التعارض بين عبارتين، فالأجدر بالقول ما هو ثابت بالنصوص، ومؤيد بتعامل الأمة، وهذا القول رددت عليه بعدة دلائل: ا- إن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فحرم المنخنقة والموقوذة على الإطلاق, فيشمل كل ما مات بالخنق والوقذ، بالرغم من ديانة خانقه أو واقذه، فمن يستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] على كون مخنوقة الكتابي أو موقوذته حلالا، يلزمه أن يقول بحل الخنزير الذي ذبحه كتابي، لأنه من جملة (طعام أهل الكتاب) ، فإن تمسك بالآية المذكورة في حرمة لحم الخنزير، فإن نفس الآية تحرم المنخنقة والموقوذة، ولا سبيل إلى التفريق بينهما.

стр. 16537

٢- وقد تقرر في أصول الفقه أنه متى ورد حكم على اسم مشتق، فمادة اشتقاقه هي العلة لذلك الحكم, مثلا إذا قلنا: "أكرموا العلماء"، فإن حكم الإكرام ورد على "العلماء" الذي هو اسم مشتق، فمادة اشتقاقه، وهي العلم، علة للإكرام، وهذا واضح مسلم, فإذا ورد حكم الحرمة في آية المائدة على "المنخنقة" و"الموقوذة" فإن الخنق والوقذ علة لهذا الحكم. وإن ذلك يدل على أنه متى وجد الخنق والوقذ، ثبت حكم الحرمة، ولا تأثير في ذلك لديانة الخانق أوالواقذ. ٣- غاية ما يثبت من قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أنهم في أمر الذبائح في حكم المسلمين سواء بسواء، لا أنهم يفوقون المسلمين حتى يحل منهم ما يحرم من المسلمين، ونتيجة قول ابن العربي أن تكون للكفار مزية على المسلمين من حيث إن ما يقتلونه بأي طريق حلال طيب, وما يقتله المسلم بنفس الطريقة حرام , وهذه النتيجة باطلة بالبداهة. ٤- من المسلم في الأمة الإسلامية أن الكفار كلهم ملة واحدة، وكان هذا الأصل يقتضي أن يكون أهل الكتاب مثل الكفار الآخرين في تحريم ذبيحتهم، ولكن الشريعة الإسلامية ميزت أهل الكتاب من بين سائر الكفار في أمر الذبيحة والمناكحة، لأن أحكام الذبح والنكاح عندهم كانت مماثلة لأحكام الإسلام في كلا الأمرين, فكانوا يراعون في الذبح نفس الشروط التي فرضها الإسلام على المسلمين, وهذه الأحكام موجودة حتى الآن في كتبهم المقدسة، بالرغم من التحريفات الكثيرة التي وقعت فيها. وإليكم بعض النصوص من كتابهم المقدس: جاء في سفر اللاويين- الذي قد يسمى سفر الأحبار-: "وأما شحم الميتة وشحم المفتَرَسة، فيستعمل لكل عمل لكن أكلا لا تأكلوه ".

стр. 16538

وجاء في سفر الاستثناء: "وأما ذبائحكم فيسفك دمها على مذبح الرب إلهك واللحم تأكله، احفظ واسمع جميع هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إلى الأبد إذا عملت الصالح والحق في عيني الرب إلهك ". وهذان الكتابان يعترف بهما كل من اليهود والنصارى. أما كتب النصارى فقط، فقد جاء في سفر أعمال الرسل- المنسوب إلى لوقا-:"لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر، غير هذه الأشياء الواجبة، أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزنا". وجاء مثل ذلك في كتب أخرى. وإن بولوس- الذي هو رسول في زعم النصارى، وهو المقتدى عندهم- يكتب في رسالته الأولى إلى أهل كورنيوس: "بل إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله، فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشياطين، لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب , كأس الشياطين، لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين ". ويجدر بالذكر أن بولوس هو الشخص الذي حكم- بالرغم من نصوص سيدنا عيسى ﵇ بنسخ جميع أحكام التوراة في حق النصارى، ومع ذلك فإنه أبقى الأحكام المتعلقة بالذبح محكمة غير منسوخة، فحرم الحيوان المخنوق، وأوجب أن يكون الذبح لله تعالى.

стр. 16539

وبهذا يتبين أن أحكام الذبح في أصل دين النصارى كانت باقية على نحو ما كانت عند اليهود, وكذلك كتب اليهود مملوءة بالأحكام التفصيلية للذبح, وجاء في كتاب مشنا، وهو المرجع الأساسي للأحكام المشروعة عند اليهود: "إن ذبح المرء بشفرة يدوية أو بزجاج حاد أو بقصب، فإن ما يذبحه حلال, كل أحد يستطيع أن يذبح وفي أي وقت وبأية أداة، إلا بالمحصدة أو بالمنشار أو بالسن، أو بظفر الأصابع لأنها تخنق ". وقد ذكرت بعض العبارات من كتب اليهود في بحثي، أنهم يوجبون مثل هذه الشروط وهذا يدل. أولا: على أن المنخقة والموقوذة حرام في شريعتهم كما هو حرام في شريعتنا. ثانيا: الظاهر أنهم يوجبون أن يكون الذبح لله، وبعبارة أخرى يذكر اسم الله، كما يظهر من رسالة بولوس إلى كورنثيوس والتي ذكرتها قبل قليل. ثالثا: إن ابن العربي ﵀ حينما أفتى بحل الدجاجة التي فتل نصراني عنقها في العبارة المنقولة من أحكام القرآن- إن صحت نسبتها إليه- فإنما أفتى على زعم منه أن المخنوقة حلال عند النصارى، لأنه علل هذه المسألة بقوله: "وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا"، وقد تبين من النصوص النصرانية أن زعمه هذا خاطئ، فإن كتبهم المقدسة تصرح بكون المخنوق حراما، كما حكينا في سفر أعمال الرسل. رابعا: يتبين من هذه العبارات ما قاله الحافظ ابن كثير ﵀ حيث قال: "وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه ". خامسا: نظرًا إلى ما سردنا من النصوص النصرانية يتحصل من حلة المخنوقة والموقوذة بيد نصراني أنه لو كان الخانق أو الواقذ مسلما، فإن الحيوان حرام، ولو خنقه نصراني فإن الحيوان حرام في دين النصارى أيضا، ولكن لو أخذنا بقول ابن العربي يتحصل منه أن يكون حلالا للمسلمين، وإن كان حراما للنصارى. فكأن كون الخانق من الكفار مزية تبرز أفعاله التي هي محظورة في شريعتنا وفي شريعتهم جميعًا, وإن هذه النتائج الباطلة بالبداهة إنما تحصل إذا قلنا: إن ما قتله أحد من أهل الكتاب حلال للمسلمين، ولو قتله بطريق غير مشروع, وما يؤدي إلى مثل هذه النتائج الباطلة باطل. سادسا: إن ما يتميز به اليهود والنصارى بين سائر الكفار أمران: الأول: حل ذبيحتهم. والثاني: حل مناكحة نسائهم.

стр. 16540

ولئن وقع النكاح بامرأة من أهل الكتاب على غير طريق المسلمين، مثل نكاح إحدى المحرمات، أو النكاح بغير شهود، أو بغير الإيجاب والقبول المشروعين، لا يقول بحله أحد، فتبين أن حلة نساء أهل الكتاب مشروطة بأن يقع العقد بطريق مشروع عند المسلمين، ولو وقع العقد بطريق غير مشروع فلا يصح الاستدلال على حلته بقول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُم﴾ [المائدة: ٥] ، فكيف لا تكون حقة ذبائحهم مشروطة بأن يقع الذبح بطريق مشروع؟ ولئن وقع ذبحهم بطريق غير مشروع مثل الخنق والوقذ، فكيف يصح الاستدلال على حلته بقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] مع أن كلا الحكمين مقترنان في نسق واحد. سابعا: أن حرمة الميتة والمنخنقة والموقوذة ثابتة بالنص القطعي المطلق، فإن فقهاء الأمة أطبقوا على حرمتها، ولو كان الخانق أو الواقذ من أهل الكتاب. ولم يقل أحد بحل المخنوقة أو الموقوذة بيد كتابي- فيما نعلم- إلا ابن العربي في عبارته المذكورة في نفس الكتاب، أفتترك نصوص الكتاب والسنة والأدلة القوية التي ذكرناها؛ بمجرد فتوى شاذة لابن العربي، في حين أنها متناقضة، وفي حين أنها مبنية على زعم المخنوقة حلال في دين النصارى، وقد تبين خطؤه بنصوص كتبهم المقدسة. ثم تعرضت للمسألة الثانية، وهي أنها هل يشترط للكتابي أن يسمي الله تعالى؟ وهل تحل ذبيحته إذا لم يسم؟ فهناك أقوال للفقهاء ذكرتها، والجمهور على أنه يشترط في الكتابي أيضا أن يسمي الله تعالى عند الذبح، ولكن ذهب المالكية إلى أنه إنما تشترط التسمية في حق المسلم، ولا تشترط في حق الكتابي، فإذا ذبح الكتابي ولم يسم الله تعالى فإن الذبيحة حلال عند المالكية. وقد ذكرت أن الراجح المؤيد بالنصوص، هو أنه يشترط التسمية للكتابي كما أنه يشترط للمسلم، ولكن قضية ترك التسمية أخف بالنسبة إلى مسألة الخنق والوقذ، من جهة أن حرمة متروك التسمية من ذبائح أهل الكتاب مسألة مجتهد فيها، أما مسألة الخنق والوقذ فهي مسألة إجماعية ليست محل اختلاف.

стр. 16541

ثم تعرضت إلى أن الذين يسمون أنفسهم نصارى بعضهم دهريون وماديون لا يؤمنون بالله فهؤلاء لا يدخلون في مفهوم أهل الكتاب إذا تبين في أحد بعينه أنه لا يؤمن بالله تعالى وهو متسم باسم نصراني فقط، أما إذا وجدنا رجلا أنه يتسمى باسم النصرانية ويعلن بكونه نصرانيا، فنحمله على ظاهره، ولا نقول بأن ذبيحته حرام ما لم يتبين أنه قد ترك دين النصرانية وكفر بالله . ثم تعرضت لحكم ما جهل ذابحه، وأترك هذا الموضوع لضيق الوقت ولأنه موجود في كتب الفقه. وأخيرا تعرضت لمسألة الذبح الآلي: وهذه هي قضية العصر. والطرق الآلية المستخدمة للذبح هي تتنوع في ذبح الدجاج وفي ذبح الأغنام والبقر وغيرهما.

стр. 16542

أما الطريق الذي يستخدم في ذبح الدجاج- وقد شاهدته في عدة أماكن- أن الجهاز الواحد، وهو كبير جدا، يتكفل جميع مراحل الذبح والإنتاج، بحيث يدخل فيها الدجاج من طرف واحد، ويخرج لحمه الصافي معلبا من الطرف الآخر, وجميع المراحل ما بين ذلك؛ من ذبحه، ونتف ريشه، وإخراج أمعائه، وتنظيف لحمه، وتقطيعه وتعليبه؛ تتم بواسطة الجهاز الكهربائي, وإن هذا الجهاز يحتوي على قضيب حديدي طويل ينصب في عرض القاعة ما بين الجدارين، وإن هذا القضيب في أسفله علاقات كثيرة تتجه عراها إلى الأرض, فيؤتى بمئات من الدجاج في شواحن كبيرة، ثم يعلق كل دجاج برجليه، بحيث تعلق رجلاه في عروة العلاقة، وسائر جسمه معلق معكوسا، بمعنى أن حلقومه ومنقاره متجهان إلى الأرض. وإن هذه العلاقات تسير على العمود مع الدجاج المعلق، حتى تأتي إلى منطقة ينصب فيها الماء البارد من فوق في صورة شلالة صغيرة، فتمر بهذا الدجاج من خلالى الماء البارد, والمقصود بغمسها في الماء تنظيفها من الأدران، وفي بعض الحالات يحتوي هذا الماء على تيار كهربائي يخذر الدجاج,. ثم تأتي هذه العلاقات إلى منطقة وضع في أسفلها سكين دوار يدور بسرعة شديدة، وإن هذا السكين الدوار منصوب في مكان تصل إليه أعناق الدجاج المعلقة معكوسة، فحينما تأتي العلاقة في هذه المنطقة فإنها تدور حول هذا السكين الدوار بشكل هلالي، فتصل أعناق الدجاج إلى طرف هذا السكين الدوار دفعة واحدة وتمر عليه، فيقطع السكين حلقوم كل واحد منها تلقائيا. ثم تتقدم العلاقات إلى الأمام، وقد فرغ الجهاز من قطع حلقوم الدجاجات المعلقة فيها, وبعد قليل تمر على منطقة ينصب فيها الماء من فوق مرة أخرى، ولكن هذا الماء حار، ومقصود المرور عليه نتف ريش الدجاج, ثم هناك مراحل أخرى من إخراج أمعائه وتصفيته وتقطيعه في نفس الجهاز، ولكن نترك ذكرها لكونها خارجة عن عملية الذبح المقصودة بالبحث هنا, والجدير بالذكر أن هذا الجهاز الكهربائي لايزال يسير طوال النهار، وأحيانا على مدار الساعة، لا يقف إلا في حالات استثنائية.

стр. 16543

وإن ما يحتاج إلى البحث في هذه الطريقة من الناحية الشرعية: أمور أربعة: الأول: المرور على الماء البارد الذي فيه تيار كهربائي. الثاني: قطع الحلقوم بالسكين الدوار. الثالث: المرور على الماء الحار. الرابع: كيف يتأدى واجب التسمية في هذا الطريق الميكانيكي؟ أما المرور على الماء البارد قبل قطع حلقوم الدجاج، فلا يستخدم هذا الطريق في جميع المسالخ، بل يستغنى عنه في كثير منها، وإن كان الماء البارد بدون أثر كهربائي فهذا لايؤثر في قضية الذبح، فإن كان في الماء أثر من الكهرباء، فإن ذلك لا يسبب موت الحيوان عادة، وإنما يخدر دماغه، والتخدير وإن كان يسبب انكماشا في القلب، فلا يخرج منه الدم عادة بذلك المقدار الذي يخرج من المذبوح بدون التخدير، ولكن مجرد ذلك لا يجعل الحيوان ميتة. ولكن إذا تحقق في حيوان بعينه أن هذه العملية سببت موته فلا يجوز أكله. وأما الذبح بالسكين الدوار، فإن هذا السكين يشبه الرحى وأطرافه حادة، وإن هذا الرحى لايزال يدور بسرعة، وتميز على أطرافه أعناق الدجاج من جانب الحلقوم فتقطع تلقائيا، والظاهر أنه يقطع عروق الدجاج، ولكن قد يحدث أن تتحرك الدجاجة في العلاقة لسبب من الأسباب، فلا ينطبق عنق الدجاج على طرف السكين الدوار، فإما أن لا يقطع عنقه بتاتا، أو يقطع جزء قليل منه بحيث يقع الشك في قطع العروق، وفي كل من الحالتين لا تحصل به الذكاة الشرعية.

стр. 16544

أما قضية التسمية، فإنها صعبة جدا في استخدام هذا الطريق، فالمشكلة الأولى في تعيين الذابح، لأن التسمية إنما تجب على الذابح، حتى لو سمي رجل وذبح غيره لا يجوز، فالسؤال إذن، من هو الذابح في هذا الجهاز الميكانيكي؟ فيحتمل أن نقول: إن من شغل هذا الجهاز لأول مرة يعتبر ذابحا، لأن عمليات الأجهزة الكهربائية إنما تنسب إلى من شغلها، لأن الآلة ليست من ذوي العقول حتى ينسب إليها الفعل، فينسب الفعل إلى من استعملها، فيصير هو الفاعل بواسطة الآلة, ولكن المشكلة هنا: أن من يشغل هذا الجهاز في أول النهار مثلا، إنما يشغله مرة واحدة، ثم لايزال يسير الجهاز طول أوقات العمل، وفي بعض الأحيان على مدار الساعة، فيقطع أعناق آلاف من الدجاج, فإذا سمى من شغله في أول النهار مرة واحدة، فهل تكفي هذه التسمية الواحدة للآلاف من الدجاج التي تذبح بهذا التشغيل في سائر النهار؟ والظاهر من النص القرآني ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أن كل حيوان يحتاج إلى تسمية مستقلة يذبح بعدها على الفور، وعلى هذا الأساس استنبط الفقهاء أحكاما تدل على أنه يجب أن تكون التسمية على كل حيوان أو على كل فعل. وذكرت هذه العبارات في بحثي , واستنتجت منها أن الجمهور من الأئمة الذين يشترطون التسمية عند الذبح يشترطون أن تقع التسمية على حيوان بعينه، وأن تكون عند الذبح، وألا يفصل بين التسمية وبين الذبح فاصل يعتد به، وهذه الشروط مفقودة في الطريق المذكور في الجهاز الميكانيكي، فإنه لو سمي من شغله لأول مرة لم يسم على حيوان بعينه، وقد وقع بين تسميته وبين ذبحه آلاف الدجاج فاصل كبير ربما يمتد إلى نهار كامل أو يومين، فالظاهر أن هذه التسمية لا تكفي لذكاة هذه الحيوانات بأجمعها.

стр. 16545

ثم رأيت في بعض المذابح من مذابح كندا أنهم أوقفوا رجلا عند السكين الدوار وهو لايزال يسمي (بسم الله الله أكبر) ، تحدثت عن هذه الآلة، وقلت: إن في كون تسميته معتبرة شرعا إشكالات آتية: الأول: أن التسمية ينبغي أن تصدر من الذابح، وهذا الرجل الواقف أمام السكين الدوار لا علاقة له بعملية الذبح، فإنه لم يشغل الجهاز، ولا أدار السكين، ولا قرب الدجاجة إليه، وإنما هو رجل منفصل عن عملية الذبح تمام الانفصال، فتسميته ليست من الذابح. الثاني: أن السكين الدوار تأتي إليه عدة دجاجات بفصل ثوان، ولا يمكن لهذا الرجل الواقف أن يسمي على كل واحد من هذه الدجاجات من غير فصل. الثالث: أن هذا الرجل الواقف إنسان، وليس جهازا أوتوماتيكيا، فلا يستطيع أن لا ينشغل بأي عمل آخر دون التسمية، فربما تعرض له حاجات تشغله عن التسمية، وفي هذه الأثناء تمر عشرات من الدجاج على السكين الدوار.

стр. 16546

وهناك ملحظ آخر في موضوع التسمية على الجهاز الأوتوماتيكي، وهو أن نقيس تشغيل الجهاز الأوتوماتيكي على إرسال كلب الصيد، حيث لا تجب التسمية عند هلاك الصيد، وإنما تجب عن إرسال الكلب، وقد يكون بين الإرسال وبين هلاك الصيد فاصل كبير، وقد يهلك كلب الصيد عدة حيوانات في إرسال واحد، والظاهر أن التسمية الواحدة تكفي لحل جميعها. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإن سمي الصائد على صيد فأصاب غيره حل، وإن سمى على سهم ثم ألقاه وأخذ غيره فرمى به لم يبح ما صاده به ". وهذا، وإن كان متعلقا بالذكاة الاضطرارية، ومسألتنا تتعلق بالذكاة الاختيارية، ولا تقاس حالة الاختيار على حالة الاضطرار، ولكن إذا نظرنا إلى حاجة إكثار الإنتاج في أسرع وقت، وذلك لازدياد العمران، وتكاثر عدد المستهلكين، وقلة الذابحين، وإلى أن الشريعة إنما أسقطت اعتبار تعيين الصيد لمشقته، كما يقول ابن قدامة ﵀، والمعهود من الشريعة في مثله دفع الحرج، فإن ذلك قد يبدو مبررا لقياس حالة الاختيار على حالة الاضطرار في موضوع التسمية فقط، دفعا للحرض وتيسيرا على الناس, ولست أجزم بمدى قوة هذا الملحظ، ولكن أردت أن أطرحه للبحث أمام العلماء للبت في هذا الموضوع, ولم أفت بذلك حتى الان، وخاصة في حين أن عندنا بديلا مناسبا للسكين الدوار، وهو يلبي جميع حاجات الإنتاج في نفس الوقت، وذلك أن يزال السكين الدوار عن موضعه في الجهاز، ويقوم في محله أربعة أشخاص مسلمين يتناوبون في قطع حلقوم الدجاج مع ذكر اسم الله تعالى، كلما تمر عليهم العلاقات بالدجاج.

стр. 16547

وهذا أمر اقترحته على مذبح كبير في جزيرة ري يونين، فعملوا بذلك، وقد دلت التجربة على أن ذلك لم ينقص من كمية الإنتاج شيئا، وذلك لأن هؤلاء الأشخاص يقطعون حلقوم الدجاج في نفس الوقت الذي كان السكين الدوار يقطعه، وإن هذا الجهاز لا يغني عن استعمال الطاقة البشرية بالكلية، فقد شاهدنا أنهم اضطروا إلى تعيين رجال يقومون في بعض المناطق التي تمر عليها هذه العلاقات، وأنهم يستعملون أيديهم أو آلات يدوية لإخراج الأمعاء وغيرها من بطن الدجاج؛ ولم أعرف مذبحا يستغني عن مثل هذا العمل البشري بتاتا. فإن كانوا يقيمون أشخاصا لهذا الغرض، فإنهم يستطيعون أن يقيموا أربعة أشخاص عند مرحلة الذبح أيضا، فيقع الذبح بالطريقة المشروعة بأيدي ذابحين مسلمين يسمون الله تعالى عند الذبح، والأمور الباقية يتكفلها الجهاز.

стр. 16548

أما مرور الدجاج على الماء الحار، فهو ليس ماء مغليا حتى يؤدي إلى نجاسة اللحم. أما في الأنعام من البقر والغنم؛ فالطرق الآلية فهي لا تذبح الحيوان وإنما تتكلف بقيده في الآلة. والموضوع المهم في تلك الأنعام هو أن الطرق المستخدمة هل تقطع الأوداج؟ لأن المعمول به في تلك المذابح هو أنهم يقطعون جانبا من العتق، أو بقطع الرقبة، فلا نجزم بأنها هل قطعت الأوداج أم لا؟ ثم إنهم يستعملون طرقا للتدويخ قبل الذبح، وهذه الطرق تحتاج إلى نظر، لأن للتدويخ طرقا كثيرة يستخدمونها؛ ففي بعض الحالات وقد شاهدت أنهم يطلقون على جبهته المسدس ويحصل به وخز عنيف، ورأيت أن قضيبا مثل الأصبع قد دخل في جبهة الحيوان، وخرج منه الدم وانهار الحيوان على الأرض فورا، وانقطعت حركة أعضائه بالكلية كأنه ميت، ولَكَم يذكرون أن هذا مجرد تخدير ولا يسبب الموت، ولكن لقيت مشرفا حكوميا- في كندا - الذي يشرف على هذه العمليات، فقال: إن التخدير بهذه الصورة فيه مجال لاحتمالين: إما أن يموت به الحيوان بعد دقائق، أو يعود إلى شعوره بعد دقائق. وقد أكد هذا المشرف بأن تخدير عدة حيوانات يقع على التعاقب، وكذلك عملية الذبح تقع على التعاقب، فلا يبعد عند تخدير الحيوانات أن يموت أحد منها قبل أن تقع عملية الذبح. فمثلا إذا خدروا خمسة حيوانات، وبعد ذلك جاء هذا الذابح بالحيوان الأول فذبحه، ثم انتقل إلى الثاني والثالث ثم الرابع، فليس ببعيد أن يكون الرابع قد مات قبل أن يصل إليه الذابح، ثم قال لي: إنه ليس عندنا طريق للتأكد من كون الحيوان حياً عند عملية الذبح. وهذا الموضوع يحتاج إلى دراسة فنية عميقة من المتخصصين المسلمين الغيورين على دينهم، وبما أن الموضوع خارج عن اختصاصي، فلا يسع لي أن أبت فيه بشيء، وأقترح على المجمع أن يكون لجنة من الخبراء المسلمين؛ ليقدموا تقريرا بعد دراستهم للموضوع.

стр. 16549

ولا شك أن هذه الطرق للتدويخ لو كانت مسببة للموت أو يخشى منها الموت؛ فلا يجوز استعمالها ولا القول بحلة الحيوان المذبوح بعد التدويخ، وما دامت هذه الطرق مشكوكة فالأسلم أن يبتعدوا عنها. ومن المعروف أن اليهود لا يقبلون أي طرق للتدويخ، والمسلمون أولى منهم بالابتعاد عن الشبهات, وهيئة كبار العلماء في (المملكة العربية السعودية) أرسلت مندوبين إلى هذه المجازر، وقد ضمنت بحثي جميع التقارير التي جاءت من هؤلاء المندوبين، وتشهد بأن هذه الشهادات غير موثوق بها أصلا، ولا ينبغي أن يثق بها المسلمون، وقد وجد في كراتين السمك أنها مذبوحة بالطريقة الإسلامية. وبهذا أكتفي، والله أعلم.

стр. 16550

الشيخ محمد سليمان الأشقر: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. إن الكلام في الذبائح وطرق الذبح مما يهم كل مسلم التعرف عليه وعلى الطرق الشرعية فيه، حيث إنه من الوسائل التي يتحقق بها للمسلم طيب المطعم وحله، والله تعالى أرسل رسوله يحل لنا الطيبات، ويحرم علينا الخبائث، فما حرمه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ فلا شك عند المسلم أنه خبيث، وإن لم ير فيه ضررا ظاهرا، وما أحله فهو الطيب. وطبعًا الآيات الواردة في هذا واضحة- والحمد لله- ولا تخفى على أحد، وأشير إلى الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه النبي ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو مسلم)) . فقرن النبي ﷺ التزام الإنسان بأحكام الشريعة في الذبائح بالصلاة واستقبال القبلة في تحديد هوية المسلم, هذا ولأن هذه الأمور الثلاثة كما هو ملاحظ في بعض المجتمعات الغربية تجمع المسلمين على أمور ظاهرة، فيعتني بها المسلم فيعرف أنه مسلم, فالذبح الشرعي شعيرة من شعائر الدين يجب أن تقام ويعتنى بها كل الاعتناء، وليس مقصودي بأنه شعيرة أن الذبح في حد ذاته قربة، لكن يكون قربة إذا قصد القربة، بأن قصد أن يضحي أو يقدم هديا، أما الذبح العادي للطعام فليس هو بقربة، ولكن الذكر عليه، والالتزام بالذكر هو من شعائر الدين.

стр. 16551

تكلمت في مشروعية التذكية وبينت أن المراد بها إخراج ما في بدن الحيوان من الدم، وأن الدم في شريعة الإسلام حرم نصا بنفس آية تحريم الميتة ولحم الخنزير، لأن الدم يحتوي على الميكروبات الضارة، وكذلك يحتوي على البول- وذلك قبل تصفيته في الكلى يكون البول موجودا في الدم- والبول يحتوي على فضلات. وأيضا الذبح هو أيسر الوسائل المتاحة للإنسان عادة لإخراج الدم الخبيث من الحيوان الذي يعد لحمه للأكل، فهو أيسر ما يمكن للحيوان وأقل لتألمه؛ لسرعة خروج الدم من الودجين، وإنهاره بقوة شديدة، وهذا يؤدي إلى إزهاق نفسه وتخليص لحمه من دمائه في مدة قليلة جدا. ثم تطرقت بعد ذلك في بحثي إلى أن هناك أربعة أمور هي التي سنتطرق إليها، وهي: ١- في شروط الذكاة. ٢- في الطرق التي تتبع في المسالخ العصرية لازهاق أرواح الحيوانات. ٣- في العمل في حالة الجهل بتحقق شروط الذكاة في اللحم المقدم للطعام. ٤- في مشكلات اللحوم المستوردة. ففي الأول في شروط التذكية تكلم الشيخ تقي العثماني على جزء كبير منها، وأنا أحاول أن أتجنب ما تكلم فيه. مسألة ذبح غير المسلم والكتابي والوثني وغيره وخاصة في البلاد الشرقية والبلاد الشيوعية والبلاد التي في شرق آسيا، فهذه البلدان لا تدين لا بالنصرانية ولا بالإسلام، فلا شك أن هذا أمر مجمع على تحريم استيراد الذبائح منهم، والحمد لله التوجه العام في البلاد الإسلامية ألا تستورد اللحوم من تلك البلدان، ولم أر شيئا من اللحوم استورد من الصين مثلا أو من البلاد الشرقية هذه إلا مرات قليلة جدًّا، فقد جاء إلى الكويت بعض اللحوم وكرهها الناس.

стр. 16552

الشروط في آلة الذبح: طبعًا الأدلة الشرعية والحديث الصحيح نهى النبي ﷺ عن الذبح بالسن والظفر، فقال ﵊، ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر)) . وأحسن التأويلات في قول النبي ﷺ : ((ليس السن والظفر)) أنه السن القائم والظفر القائم الذي في اليد، أي أن ينهش الذبيحة بأظافره أو بأسنانه أي بفمه كما تفعل الوحوش، فهذا نهي في الحقيقة، وتكريم للإنسان عن أن يفعل مثل ما تفعل الوحوش، وإذا فعل ذلك فقد حرمه النبي ﷺ بقوله: ((ليس السن والظفر)) . شروط التسمية: وفَّى الكلام فيه الشيخ تقي العثماني، وأنا أشكره على ذلك، وتعرض لمسألة مهمة في أن ما ينسب إلى الإمام الشافعي بأنه يرى جواز أكل ما تعمد الذابح ترك التسمية عليه، هذا ينسب للإمام الشافعي، وأنا رجعت إلى (كتاب الأم) حتى أتأكد من هذا الموضوع، فوجدته يقول ما يلي بالضبط: "إذا أرسل المسلم كلبه المعلم أحببت له أن يسمي، وإن لم يسم ناسيا فقتل أكل، لأنه إذا كان قتله كالذكاة، فهو لو نسي في الذبيحة أكل، لأن المسلم يذبح على اسم الله وإن نسي ". فهذا النص من الشافعي- ﵀ يحتمل معنيين لأن قوله: "أحببت له " قد يوحي بالاستحباب، وآخره يدل على أنه لا بد من التسمية عنده، والتحليل الذي ذكره الشيخ تقي تحليل مقبول وجيد وجزاه الله خيرا.

стр. 16553

شرط آخر وهو أن لا يذكر عند التسمية غير الله تعالى، وأن لا يقصد الذبح لغير الله، وهذا دلت عليه النصوص الصريحة مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ، وقول النبي ﷺ : ((لعن الله من ذبح لغير الله)) . ولذلك اهتم العلماء المسلمون بهذا، وأوجبوا تجريد التسمية على الذبيحة- تسمية الله تعالى- ولا يذكر معه غيره، حتى النبي ﷺ , عند الإمام مالك لا يصلي على النبي ﷺ ، ولو قال: للنبي ﷺ ، فهذا لا شك عند الجميع. فإذا قال: ((بسم الله، والله أكبر، اللهم صل على محمد)) فبعض العلماء يرى أنه يحرم الذبيحة. هناك مسألة يقع فيها الكثير من المسلمين وهو أنه يذبح للولي, أهل العلم يعرفون أنه يذبح للولي لا بمعنى أنه يقصد التقرب إلى الولي لينفعه أو ليقربه إلى الله زلفى فهذا محرم، وبعض العامة يذبحون للولي تقربا إليه لكي يعطيه مالا أو ولدا، وقد سمعنا بآذاننا من يقول: يا رسول الله أعطني ولدا أو أعطني مالا. فإذا قصد العامي هذا فلا شك أنه نوع من الشرك في العمل, ولذلك ينبغي أن يتجنب أهل العلم أن يذبح للولي بقصد نفع الولي؛ لأن العامي لا يفرق بين الحالتين. بالنسبة أيضا لذبائح أهل الكتاب، هل يترخص في ذبائحهم من ناحية التسمية أم لا؟ أيضا هذه المسألة استعرضها فضيلة الشيخ، وأنا أقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قوى القول إنه ينبغي أن يلتزم في ذبائح أهل الكتاب ما التزم في ذبائح المسلمين.

стр. 16554

الذبح على النصب مذكور في القران مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] بمعنى أنه ذكر الأمران (وما أهل لغير الله به) ومعناه ما رفع الصوت به بذكر اسم المذبوح له، فإذا أهل به لله فهو حلال، وإذا أهل به لغير الله فهو حرام، ثم قال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ، وهو ما كان يفعله أهل الجاهلية من نصب حجر أو نصب صنم أو نصب تراب يعبده ويقرب إليه؛ فهذا ينبغي أن يتجنب أيضا، ويكون ما ذبح له يكون محرماً. بالنسبة لموضع ما يقطع من الحيوان بالذبح, هنا في الحقيقة النبي ﷺ نبه إلى أن الذكاة بين اللبة وبين اللحيين، اللبة هي الوهدة التي في أسفل العنق، واللحيان معروفان، فالذبح لا يكون إلا هنالك، فلو ذبح في الفخذ أو في الظهر أو في أعلى الرقبة؛ فإن كل ذلك لا يحل به المذبوح، ولا بد أن يكون الذبح في هذا المكان. ووجد الخلاف فيما يجب قطعه من الذبيحة من هذه العروق الأربعة في الرقبة، وهي عرقا الدم وهما الودجان، والمريء وهو مجرى الطعام، والحلقوم وهو مجرى الهواء (القصبة الهوائية) ، هذه الأربعة، العلماء يختلفون فيما يجب قطعه منها، ويبدو لي أن الذي خالف وأجاز أو أوجب قطع المريء والقصبة الهوائية كان يتصور تصورا غير صحيح، وهو أنهم كانوا يتصورون أن الإنسان إذا قطع حلقومه (مجرى الهواء) ، فإنه يموت فورا، وإذا قطع المريء فإنه يموت فورا، ولذلك أوجب بعضهم قطع الحلقوم أو قطع المريء أو كليهما، وتساهلوا في قطع الأوداج.

стр. 16555

ينسب للإمام الشافعي - رحمة الله عليه- أنه كان يرى أن قطع الحلقوم وقطع المريء هذا هو الذي تتحقق به الذكاة، وأنه لو قطع الودجين وحدهما فلا تتحقق به الذكاة، هذا نص كلامهم، قال الشافعي: "ولا يشترط قطع الودجين؛ لأنهما قد يسلان من الإنسان وغيره ويعيش، والمريء والحلقوم إذا قطعا لم يعش طرفة عين ". هذا تصور غير سليم، بحسب ما كان عندهم من المعلومات كانوا يتصورون هذا, فالآن التصور الطبي، وأعتقد لا يخفى على أحد من الأطباء، وأنا قد راجعت بعضهم ومنهم الأخ محمد البار، فأكد لي ما أخبرني به بعض الأطباء في الأردن وهو أنه يمكن للحيوان والإنسان أن يعيش إذا قطع حلقومه ومريئه ولا يموت في الحال، قد يبقى أياما وأسابيع وشهورا وهو يتنفس من مقطع الحلقوم، ويأكل من فتحة المريء أو يأكل بأن يفتح له في جدار المعدة خرق ويصب فيه الطعام السائل. فإذن أنا أرى أنه ينبغي أن ينتهي الخلاف في هذه المسألة، وأن الذبح هو في حقيقته هو قطع الودجين فقط، ولا دخل للمريء ولا للحلقوم. ولكن في واقع الأمر تركيبة الأنابيب الأربعة هذه جعلها الله- بشكل معين بحيث تكون القصبة في الوسط (مقدمة) والمريء في الوسط (متأخر) والودجان على الجانبين، فلو أراد إنسان أن يقطع الودجين هو بطبيعة الحال يقطع.. يعني الجزار العادي ما ينتبه إلا لو كلفنا طبيبا حاذقا بأن يقطع الودجين ويترك المريء والحلقوم، وهذا أمر غير معقول وهو في العادة لا يصير، لكن تحقيق المناط في الذبح هو بقطع الودجين، والحديث أيضا يؤيد هذا صراحة، الحديث النبوي: ((أفر الأوداج بما شئت)) والأوداج في اللغة هي مجرى الدم، وليسر الحلقوا ودجا ولا المريء ودجا، إنما قالوا هذا من باب التغليب، والتغليب يصار إليه مع وجود الحقيقة، هذا أمر في الحقيقة غير مقبول.

стр. 16556

أنتقل إلى مسائل متقدمة ومنها التوقف في الذبح عند حد العظم, هذا في الحقيقة ينبغي أن يعتنى به، لأن بعض الآلات الآن تقطع وكذلك بعض الذابحين في بلاد أوروبا أنه يضرب بالبلطة، بحيث يضع رأس الدجاجة على قطعة الخشب، ويضرب الرأس بالبلطة فيقطع العظم, الحقيقة قطع العظم ينقطع به النخاع، وإذا انقطع النخاع توقف القلب فورا، لأنه لا تأتيه إشارات من الدماغ فيقل خروج الدم، لأنه إذا توقف القلب يتوقف خروج الدم، ولذلك لا تخرج إلا كمية ضئيلة من الدم، فلا يكون هذا الذبح على الوجه الأمثل، وإن كان تحل به الذبيحة على ما هو معروف عند العلماء. بالنسبة للفصل الثاني من بحثي والمتعلق بالطرق التي تتبع في المسالخ العصرية لإزهاق أرواح الحيوانات، فذكرت المسالخ ومميزاتها في المحافظة على نظافة المجتمعات المتحضرة، وخاصة التجمعات السكانية الكبيرة، ولو ترك المجال لكل إنسان يذبح في بيته أو في مكانه لأدى ذلك إلى وجود أمراض, فالمسالخ هي تقدم عصري جيد جدا ومقبول ويشكر أصحابه عليه، ولكن مسالخنا الكثير منها للأسف استورد المسلخ بما فيه بدون أن يرجعوا إلى أهل العلم ليضبطوا المسألة كما ينبغي.

стр. 16557

فطريقة الصعق الكهربائي إذا وقف عندها، وكما أشار الشيخ محمد رشيد رضا- رحمة الله عليه وغفر له- أن الصعق الكهربائي يكون تذكية, هذا أمر غيرمقبول لأنه من باب المنخنقة التي لا يخرج منها دم بالمرة. لكن إذا ذبح بعد ذلك، وهو الذي نسمعه الآن من بعض الإخوة الأطباء- والذين يعرفون ما يجري- أن هناك بعض المسالخ تذبح بعد الصعق, فنحن إذا كنا نتحقق من أن الصعق لم يقتل هذا الحيوان وإنما شله وخدره؛ فهذا الصحيح أن نقول: إنه يجوز أكله، ولكن ليكون متبعا في المسالخ في البلاد الإسلامية، فلا بد من التحقق من خمسة أمور: ١- التحقق من أن هذه الطريقة ليست قاتلة ولو للبعض، لو ١ % من الحيوانات التي تصعق تموت يجب ترك هذه الطريقة. ٢- التحقق من أنها لا تصحبها آلام للحيوان, يعني الصعق الكهربائي إذا لامست سلك الكهرباء تجد ألما فظيعا جدا إذا لم يكن قاتلا، يعني حتى في حالة عدم القتل فهل الحيوان عندما يصعق بالكهرباء هل يتألم أو لا يتألم؟ في النشرة التي وزعت علينا بالأمس أنه إلى الآن لم يستطع أن يجزم أهل الخبرة في هذا الموضوع بأن الحيوان يتألم بالصعقة أو لا يتألم، بمعنى هل هو يتألم أولًا ثم يتخدر أو يتخذر بدون أن يتألم؟ لأن النشرة التي وزعت علينا وعليها اسم منظمة الصحة العالمية تقول: إنه إلى الآن لم يمكن التحقق من أن الحيوان لا يتألم بالصعق. ٣- يجب التحقق من أن الصعق لا يحول دون تدفق الدم عند إجراء الذبح بعده، ولا ينقصه عما يحصل إن ذبح الحيوان دون صعق، وهذا يحتاج إلى اختبارات, من ذهب إلى التحقق من هذا الموضوع يجب أن يجري هذه الاختبارات حتى يعرف الأمر, يعني يمكن يذبح دجاجات ويعرف من كل منها كم يخرج من الدم، ويذبح دجاجات بعد الصعق ويزن الدم ويعرف هل ينقص أم لا ينقص؟ ٤- التحقق من أن الذبح يحصل فورا بعد الصعق وبالحيوان حياة مستقرة. ٥- يجب أن يتحقق من عدم تأثير هذه الطريقة بحصول فساد في اللحم نقصان لطيبه. وهنا أذكر ما أورده الأخ الدكتور فتحي الدريني في بحثه في الذبائح، أن أهل الدانمارك رفعوا إلى حكومتهم يطلبون إيقاف العمل بالصعق الكهربائي، لأن اللحم يفسد بسرعة.

стр. 16558

طريقة المسدس أو الشاكوش والبلطة والمطرقة هذه التي يشلون بها الحيوان، هذه في الحقيقة باقية عند الغربيين أثرا لما كان عليه الأمر قديما من أنهم كانوا لا يبالون بأي طريقة قتلوا الحيوان، سواء بالساطور على رأسه أم بالوقذ كما رأيناه في بعض التلفزيونات؛ حيث يضرب الحيوان بالعصي ويهجمون عليه ويقتلونه ثم يأكلونه بعد ذلك، فهذه بقاياه لكن إذا هذبوها بطريقة ما، أنا أستبعد أن يدخل مسمار من الحديد طوله طول الأصبع في رأس الحيوان ثم لا يكون قاتلا، أستبعد هذا جدا إلا أن يكون حيوانا ضخما جدا، فلا يصل إلى الدماغ، أما إذا اخترق الدماغ كيف لا يكون قاتلا؟! أنا أستبعد هذا. أيضا النبي ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) . الخنق إذا كان قاتلا فلا شك أنه من المنخنقة، وهي محرمة وإن كان مجرد مسكن لحركة الحيوان ومخدر له, وهذا ما رأيته في كتابة الدكتور الهواري إذا كان مجرد إفقاده للوعي ولا ينقص خروج الدم، فيبدو أنه لا بأس بذلك إن شاء الله, لكن أذكر أولًا الطريقة الإنجليزية في قتل الحيوان للأكل؛ وهي إدخال المنفاخ الذي ننفخ به إطارات السيارات، ويتم إدخاله بين الأضلاع ويبدأ ينفخ فيه حتى لا تستطيع الرئتان أن تجذب الهواء، فإن مات بذلك فلا شك أنه منخنقة، لأنه مات بسبب عدم وصول الهواء إلى رئتيه.

стр. 16559

أما طريقة التخدير فلا أدري، كل الأبحاث التي اطلعت عليها لم تعتن بطريقة التخدير, طريقة التخدير أعتقد هناك كما يجري البنج على الذي نجري له عملية ويخدر، ويبقى في غرفة العمليات ساعات؛ المباضع تشتغل في قلبه وجسده وصدره، وهو لا يحس بشيء من ذلك، ثم يعود إلى الإفاقة, لماذا لا تستعمل هذه الطريقة في مسالخ المسلمين؟ هذه طريقة سهلة ومريحة، وأعتقد ربما يكون المانع هو التكلفة المادية، لكن نحن نعرف أن الصيادين يصيدون الطيور البرية بأن يلقوا لها حبوبا فيها مخدرات ويمسكون بها وتفيق بعد ذلك في الأقفاص, فلو درست هذه الطريقة وهي عندي طريقة مثالية إذا لم تكن تكلفتها الاقتصادية عالية جدا. الذبح بالآلات السريعة، ووصف الشيخ تقي العثماني كان وصفا ممتعا للجهاز الذي ذكره، ولكن مسألة التسمية أنا أذكر أن هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف أفتت- وكنت حاضرا في تلك الفتوى- أنه عند ذبح مجموعة كبيرة من الدواجن تكفي التسمية عليها مرة واحدة عند أولها إن جرى الذبح بصورة متتابعة دون توقف، فإن جرى توقف لسبب ما فعلى الذابح أن يسمي على المجموعة الباقية من جديد، وأما تكليف الذابح الذي يذبح له عشرة آلاف طير في اليوم أو نحو ذلك بأن يسمي على كل مرة؛ لا شك أن هذا حرج لا يمكن أن تأتي به الشريعة, لا بد من عمل طريقة، والطريقة التي ذكرها الشيخ تقي العثماني طريقة سليمة وجيدة, إذا كان أربعة من الذابحين يقومون مقام أحسن جهاز موجود لهذا الموضوع فممكن أن يمشي الأمر.

стр. 16560

الجهل بتحقيق شروط الذبح: أنواع الجهالة ذكرتها وهي خمسة أنواع، والنبي ﷺ نبهنا على نوع منها وهو جهل أنهم هل سموا عليه أو لم يسموا؟ ونبه على أن الأمر في ذلك سهل، وأنه يكفي المؤمن أن يسمي عليه, فإذا كان الذابح مسلما لن تكلف بالبحث عن أن هذا اللحم الذي قدمه لك صديقك أو قدمه لك أهلك أو اشتريته من السوق أو من أي مكان، فإنه لم تكلف أن تسأل هل ذبح على الطريقة الشرعية؟ وهل هو بالسن أو بالظفر؟ وهل هو بكذا وكذا ... ؟ أنت تأكل مادام هذا مسلما قد قدمه لك وأنت مستريح القلب ودون أي حرج، والجهل في هذه المسألة نعمة كبيرة، وأنا أتذكر أن الإمام ابن تيمية ﵀ نبه إلى أن هذا نعمة, الجهل قد يكون نعمة في هذه المسألة بالذات. لكن لا أتذكر وقد بحثت هذا الموضوع في مظان ذهني من قديم، ويمكن الاستدلال على ذلك بالآية القرآنية: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أو بُيُوتِ آبَائِكُمْ أو بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أو بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أو بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أو بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أو بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أو بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أو بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أو مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أو صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ، ولم يشترط السؤال. ولكن إذا رأيت مخايل لوجود أشياء تدل على أن الذبح قد وقع بطريقة غير صحيحة, افرض أنك دخلت بيت صديقك ووجدت عنده علبا مكتوبا عليها لحم خنزير وملقاة خارج باب المنزل مثلا، هذه قرينة على أن طعامه ليس بسليم, ففي هذه الحالة ربما تسأل، وربما تترك الطعام.
следующие страницы →