Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16556–16595 · переход к 16561.
стр. 16556
أنتقل إلى مسائل متقدمة ومنها التوقف في الذبح عند حد العظم, هذا في الحقيقة ينبغي أن يعتنى به، لأن بعض الآلات الآن تقطع وكذلك بعض الذابحين في بلاد أوروبا أنه يضرب بالبلطة، بحيث يضع رأس الدجاجة على قطعة الخشب، ويضرب الرأس بالبلطة فيقطع العظم, الحقيقة قطع العظم ينقطع به النخاع، وإذا انقطع النخاع توقف القلب فورا، لأنه لا تأتيه إشارات من الدماغ فيقل خروج الدم، لأنه إذا توقف القلب يتوقف خروج الدم، ولذلك لا تخرج إلا كمية ضئيلة من الدم، فلا يكون هذا الذبح على الوجه الأمثل، وإن كان تحل به الذبيحة على ما هو معروف عند العلماء.
بالنسبة للفصل الثاني من بحثي والمتعلق بالطرق التي تتبع في المسالخ العصرية لإزهاق أرواح الحيوانات، فذكرت المسالخ ومميزاتها في المحافظة على نظافة المجتمعات المتحضرة، وخاصة التجمعات السكانية الكبيرة، ولو ترك المجال لكل إنسان يذبح في بيته أو في مكانه لأدى ذلك إلى وجود أمراض, فالمسالخ هي تقدم عصري جيد جدا ومقبول ويشكر أصحابه عليه، ولكن مسالخنا الكثير منها للأسف استورد المسلخ بما فيه بدون أن يرجعوا إلى أهل العلم ليضبطوا المسألة كما ينبغي.
стр. 16557
فطريقة الصعق الكهربائي إذا وقف عندها، وكما أشار الشيخ محمد رشيد رضا- رحمة الله عليه وغفر له- أن الصعق الكهربائي يكون تذكية, هذا أمر غيرمقبول لأنه من باب المنخنقة التي لا يخرج منها دم بالمرة.
لكن إذا ذبح بعد ذلك، وهو الذي نسمعه الآن من بعض الإخوة الأطباء- والذين يعرفون ما يجري- أن هناك بعض المسالخ تذبح بعد الصعق, فنحن إذا كنا نتحقق من أن الصعق لم يقتل هذا الحيوان وإنما شله وخدره؛ فهذا الصحيح أن نقول: إنه يجوز أكله، ولكن ليكون متبعا في المسالخ في البلاد الإسلامية، فلا بد من التحقق من خمسة أمور:
١- التحقق من أن هذه الطريقة ليست قاتلة ولو للبعض، لو ١ % من الحيوانات التي تصعق تموت يجب ترك هذه الطريقة.
٢- التحقق من أنها لا تصحبها آلام للحيوان, يعني الصعق الكهربائي إذا لامست سلك الكهرباء تجد ألما فظيعا جدا إذا لم يكن قاتلا، يعني حتى في حالة عدم القتل فهل الحيوان عندما يصعق بالكهرباء هل يتألم أو لا يتألم؟ في النشرة التي وزعت علينا بالأمس أنه إلى الآن لم يستطع أن يجزم أهل الخبرة في هذا الموضوع بأن الحيوان يتألم بالصعقة أو لا يتألم، بمعنى هل هو يتألم أولًا ثم يتخدر أو يتخذر بدون أن يتألم؟ لأن النشرة التي وزعت علينا وعليها اسم منظمة الصحة العالمية تقول: إنه إلى الآن لم يمكن التحقق من أن الحيوان لا يتألم بالصعق.
٣- يجب التحقق من أن الصعق لا يحول دون تدفق الدم عند إجراء الذبح بعده، ولا ينقصه عما يحصل إن ذبح الحيوان دون صعق، وهذا يحتاج إلى اختبارات, من ذهب إلى التحقق من هذا الموضوع يجب أن يجري هذه الاختبارات حتى يعرف الأمر, يعني يمكن يذبح دجاجات ويعرف من كل منها كم يخرج من الدم، ويذبح دجاجات بعد الصعق ويزن الدم ويعرف هل ينقص أم لا ينقص؟
٤- التحقق من أن الذبح يحصل فورا بعد الصعق وبالحيوان حياة مستقرة.
٥- يجب أن يتحقق من عدم تأثير هذه الطريقة بحصول فساد في اللحم نقصان لطيبه. وهنا أذكر ما أورده الأخ الدكتور فتحي الدريني في بحثه في الذبائح، أن أهل الدانمارك رفعوا إلى حكومتهم يطلبون إيقاف العمل بالصعق الكهربائي، لأن اللحم يفسد بسرعة.
стр. 16558
طريقة المسدس أو الشاكوش والبلطة والمطرقة هذه التي يشلون بها الحيوان، هذه في الحقيقة باقية عند الغربيين أثرا لما كان عليه الأمر قديما من أنهم كانوا لا يبالون بأي طريقة قتلوا الحيوان، سواء بالساطور على رأسه أم بالوقذ كما رأيناه في بعض التلفزيونات؛ حيث يضرب الحيوان بالعصي ويهجمون عليه ويقتلونه ثم يأكلونه بعد ذلك، فهذه بقاياه لكن إذا هذبوها بطريقة ما، أنا أستبعد أن يدخل مسمار من الحديد طوله طول الأصبع في رأس الحيوان ثم لا يكون قاتلا، أستبعد هذا جدا إلا أن يكون حيوانا ضخما جدا، فلا يصل إلى الدماغ، أما إذا اخترق الدماغ كيف لا يكون قاتلا؟! أنا أستبعد هذا.
أيضا النبي ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) .
الخنق إذا كان قاتلا فلا شك أنه من المنخنقة، وهي محرمة وإن كان مجرد مسكن لحركة الحيوان ومخدر له, وهذا ما رأيته في كتابة الدكتور الهواري إذا كان مجرد إفقاده للوعي ولا ينقص خروج الدم، فيبدو أنه لا بأس بذلك إن شاء الله, لكن أذكر أولًا الطريقة الإنجليزية في قتل الحيوان للأكل؛ وهي إدخال المنفاخ الذي ننفخ به إطارات السيارات، ويتم إدخاله بين الأضلاع ويبدأ ينفخ فيه حتى لا تستطيع الرئتان أن تجذب الهواء، فإن مات بذلك فلا شك أنه منخنقة، لأنه مات بسبب عدم وصول الهواء إلى رئتيه.
стр. 16559
أما طريقة التخدير فلا أدري، كل الأبحاث التي اطلعت عليها لم تعتن بطريقة التخدير, طريقة التخدير أعتقد هناك كما يجري البنج على الذي نجري له عملية ويخدر، ويبقى في غرفة العمليات ساعات؛ المباضع تشتغل في قلبه وجسده وصدره، وهو لا يحس بشيء من ذلك، ثم يعود إلى الإفاقة, لماذا لا تستعمل هذه الطريقة في مسالخ المسلمين؟ هذه طريقة سهلة ومريحة، وأعتقد ربما يكون المانع هو التكلفة المادية، لكن نحن نعرف أن الصيادين يصيدون الطيور البرية بأن يلقوا لها حبوبا فيها مخدرات ويمسكون بها وتفيق بعد ذلك في الأقفاص, فلو درست هذه الطريقة وهي عندي طريقة مثالية إذا لم تكن تكلفتها الاقتصادية عالية جدا.
الذبح بالآلات السريعة، ووصف الشيخ تقي العثماني كان وصفا ممتعا للجهاز الذي ذكره، ولكن مسألة التسمية أنا أذكر أن هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف أفتت- وكنت حاضرا في تلك الفتوى- أنه عند ذبح مجموعة كبيرة من الدواجن تكفي التسمية عليها مرة واحدة عند أولها إن جرى الذبح بصورة متتابعة دون توقف، فإن جرى توقف لسبب ما فعلى الذابح أن يسمي على المجموعة الباقية من جديد، وأما تكليف الذابح الذي يذبح له عشرة آلاف طير في اليوم أو نحو ذلك بأن يسمي على كل مرة؛ لا شك أن هذا حرج لا يمكن أن تأتي به الشريعة, لا بد من عمل طريقة، والطريقة التي ذكرها الشيخ تقي العثماني طريقة سليمة وجيدة, إذا كان أربعة من الذابحين يقومون مقام أحسن جهاز موجود لهذا الموضوع فممكن أن يمشي الأمر.
стр. 16560
الجهل بتحقيق شروط الذبح:
أنواع الجهالة ذكرتها وهي خمسة أنواع، والنبي ﷺ نبهنا على نوع منها وهو جهل أنهم هل سموا عليه أو لم يسموا؟ ونبه على أن الأمر في ذلك سهل، وأنه يكفي المؤمن أن يسمي عليه, فإذا كان الذابح مسلما لن تكلف بالبحث عن أن هذا اللحم الذي قدمه لك صديقك أو قدمه لك أهلك أو اشتريته من السوق أو من أي مكان، فإنه لم تكلف أن تسأل هل ذبح على الطريقة الشرعية؟ وهل هو بالسن أو بالظفر؟ وهل هو بكذا وكذا ... ؟ أنت تأكل مادام هذا مسلما قد قدمه لك وأنت مستريح القلب ودون أي حرج، والجهل في هذه المسألة نعمة كبيرة، وأنا أتذكر أن الإمام ابن تيمية ﵀ نبه إلى أن هذا نعمة, الجهل قد يكون نعمة في هذه المسألة بالذات.
لكن لا أتذكر وقد بحثت هذا الموضوع في مظان ذهني من قديم، ويمكن الاستدلال على ذلك بالآية القرآنية: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أو بُيُوتِ آبَائِكُمْ أو بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أو بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أو بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أو بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أو بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أو بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أو بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أو مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أو صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ، ولم يشترط السؤال.
ولكن إذا رأيت مخايل لوجود أشياء تدل على أن الذبح قد وقع بطريقة غير صحيحة, افرض أنك دخلت بيت صديقك ووجدت عنده علبا مكتوبا عليها لحم خنزير وملقاة خارج باب المنزل مثلا، هذه قرينة على أن طعامه ليس بسليم, ففي هذه الحالة ربما تسأل، وربما تترك الطعام.
стр. 16561
اللحوم المستوردة هذه هي مشكلة العصر في الحقيقة، وأسبابها واضحة وهي:
- انحياز أكثر الأفراد في المجتمعات الإسلامية إلى العواصم والمدن الكبرى لما فيها من الثروة والتعليم والاقتصاد والمصانع وغير ذلك، وترك العمل في القرى والفلاحة, وإنشاء مشاريع زراعية كبيرة، ولكن مشاريع إنتاج الدواجن لم تكن على قدر المطلوب في البلاد الإسلامية ولا نقول في كل البلاد الإسلامية، فمثلا هنا الدواجن والحمد لله تنتج بكثرة وتصدر للخارج.
- تضخم الثروات في بعض البلاد الإسلامية، ففي هذه استطاعوا أن يأكلوا اللحم كثيرا، ولكن لم ينتجوا لحما بدله, وطريقة التجميد في البلاد البعيدة والتي وجدت في هذا العصر، والتي أمكن بها نقل الحيوانات من أماكن بعيدة بعد ذبحها وتخزينها بصورة سليمة وإرسالها إلى البلاد التي تحتاج إلى اللحوم، كل هذا يساعد على وجود هذا الأمر، والبلاد الإسلامية الآن أكثرها مستورد للحوم وغير منتج لها, ولذلك وجدت هذه المشكلة, أيضا مما يجعل المسلم في حرج في هذه الناحية- الناحية الاقتصادية- أن الذبح باليد فيه تكلفة زيادة، والذبح بالآلات يوفر هذا، وأيضا الحيوان إذا بقي دمه فيه فإنه يفيد المصدر اقتصاديا، وخاصة إذا أدخل في اللحوم المفرومة. فارق السعر هو الذي يدعونا إلى التشكك، لأنهم يسيرون حسب المنفعة الاقتصادية. أيضا لحوم الخنازير في بعض الجهات أرخص من لحوم الأغنام كما هو معروف ولكن قيل لنا: إن بعض البلاد لحوم الخنازير فيها أغلى، لكن إذا كان لحم الخنزير أرخص فهم سيحاولون إدخاله، وقد ذكر بعض الإخوان، وأنا رأيت بعيني علبا جاءت إلى الكويت مكتوبا عليها باللغة العربية لحم بقر وباللغة الإنجليزية يعني لحم طعام، وباللغة الألمانية مكتوبا عليها لحم خنزير، هذه أتت من ألمانيا أو من رومانيا، ونحن نقول: إنهم لا يكذبون ولكنهم أحيانا يكذبون إذا اقتضت المصلحة ذلك.
стр. 16562
تعليق الحكم بالبلد إن جهلت ديانة الذابح بالنسبة للحوم المستوردة, هذه الفتاوى في العصر الحاضر كثير منها ذهب إلى تعليق الأمر، لأننا لا يمكن أن نقول الذابح وحده إلا في المسائل الكبيرة جدا، ممكن ابتعاث ناس ينظرون، لكن بالنسبة للشخص الواحد ينظر إلى غالبية البلد، وهذه قرينة قوية جدا ويمكن الاكتفاء بها.
المشكلة الكبيرة هي ما جهلت كيفية ذبحه من اللحوم المستوردة من بلاد أهل الكتاب, الفتاوى مذكورة في بحثي، وهي أننا إذا كنا جاهلين طريقتهم للذبح، فأنا أميل إلى ما أفتى به شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز أنه إذا جهل ما يأتي من بلادهم وهم أهل كتاب فالأصل أنه يجوز الأكل، لكن هذا مع الشبهة.
نحن نريد البلاد الإسلامية أن تخرج المسلمين من الشبهة، نريد أن نعمل شيئا يبعد المسلمين عن الشبهة، وعندما يأكل المسلم طعامه فإنه مطمئن القلب إلى أن هذا حلال.
وذكرت الشهادات التي تأتي مع اللحوم، وأنا أيضا أكلت من هذا اللحم الذي جاء إلى الكويت، وهو أسماك مكتوب عليها (مذبوح على الطريقة الإسلامية) والشهادات التي وردت كثير منها عرف أنه كاذب، وللأسف هي صادرة عن جماعة من المسلمين، ولكنهم لم يحملوا الأمانة التي حملهم الله إياها.
стр. 16563
اقترحت مشروعا وهو مشروع يمكن أن يتصوره أي إنسان، وقلت:
واجب الدول الإسلامية تجاه استيراد اللحوم. أقول: إن الوضع الحاضر للحوم المستوردة إلى كافة البلاد الإسلامية من البلاد غير المسلمة وضع سقيم بلا شك ,وهو بحاجة إلى إصلاح وتنظيم ليكون ما يأكله المسلمون حلالا سائغا لا شبهة فيه ولا مخالفة لشريعة الله. ونرى أن ذلك يمكن أن يتم بما يلي:
أولا: أن توجد جهة إسلامية موحدة، تجمع بين المقدرة والأمانة، لتتولى إصلاح هذا الوضع وتنظيمه، وتضمن استمرارية التنفيذ.
وليس أولى من ذلك في نظري من (رابطة العالم الإسلامي) فإنها موضع ثقة المسلمين، ولديها إمكانيات علمية وإدارية كافية.
ثانيا: تشكل الجهة التي يوكل إليها هذا الأمر، تشكل إدارة أو مؤسسة تتولى العمل المباشر وتتفرغ له تفرغا كليا.
ثالثا: تضع تلك الإدارة، مع الاستعانة بآراء الخبراء الشرعيين والإداريين لائحتين: إحداهما شرعية تبين ما يجب مراعاته في شأن اللحوم المستوردة، والثانية إدارية تتضمن كيفية تسيير دفة العمل، بما يحكم الرقابة ويقضي على الفوضى.
رابعا: توضع على اللحوم التي يوافق على استيرادها، وهي التي حازت شروط القبول الشرعي، علامة تجارية مميزة، تسجل لدى جميع الدول في سجل العلامات التجارية، ويطلب من الدول المصدرة الاعتراف بها كعلامة خاصة مملوكة للجهة الإسلامية القائمة بالأمر، وإدخالها ضمن العلامات التجارية المحمية بالقانون، بحيث يمكن مقاضاة أي جهة تستعملها استعمالا غير مرخص به من جهة المؤسسة المالكة له.
خامسا: يمكن أن يوضع لاستعمال تلك العلامات رسوم مادية بحيث تكون موردا تمول منه العملية بكاملها.
والله الموفق للصواب والهادي إلى سبيل الرشاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16564
الشيخ أحمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سأحاول- إن شاء الله- أن أختصر، لأنه سبقني من سبقني من أصحاب الفضيلة، وقد أتوا على كثير مما أردت أن أقوله ولا أريد التكرار. البحث كما هو معلوم التذكية الشرعية شروطها وأحكام مخالفتها، مما وقع فيه إزهاق الروح بالطرق الحديثة, واشتمل على مقدمة في تعريف الذكاة لغة واصطلاحا ومباحث.
المبحث الأول: في كيفية الذكاة الشرعية. قسمت فيها أصناف الحيوانات إلى مقدور عليه وغير مقدور عليه, فالأول هو الإنسي وما وقع في قبضة اليد من الوحشي، فتذكيته لا تكون إلا بنحر أو ذبح. وتكلمت عن النحر والذبح، ثم ذكرت في الذبح أقوال العلماء كيف يتم الذبح، وهي ثمانية أقوال، واخترت من بينها القول الذي وقع الإجماع عليه، وهو أنه لا بد من قطع الودجين والحلقوم والمريء, وفي هذا حسب ما يبدو راحة للحيوان من أجل الإسراع في موته، ومن ناحية أخرى فإن الحديث الذي يدل على فري الأوداج كما قال بعض العلماء، ومن بينهم الإمام النووي في (المجموع) والإمام ابن نجيم في (البحر الرائق) : الأوداج تطلق تغليبا على المريء والحلقوم بجانب الودجين. وذكرت بأن الذبح مشروع في كل ما لا ينحر كالغنم والطيور والأرانب، وما كان مقدوراًَ عليه من الحيوانات الوحشية، بخلاف النحر فإنما هو في الحيوانات الطويلة العنق وفي مقدمتها الإبل، وجاءت به السنة في الخيل واختلف في البقر هل الأولى فيها النحر أو الذبح؟
стр. 16565
فقد رجحت طائفة الذبح لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وآخرون رجحوا النحر لحديث جابر ﵁ قال: ((نحرنا مع رسول الله ﷺ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)) . وذكرت ما أورد عليه وما يتجه إلى الإيراد من اعتراض, وذكرت أن الذبح أنسب بطبيعة البقر لقصر أعناقها بخلاف الإبل، وقد أوضح حكمة هذا التفاوت العلامة القرافي فقال: " وأصل ذلك أن المقصود بالذكاة الفصل بين الحرام الذي هو الفضلات المستقذرة وبين اللحم الحلال بأسهل الطرق على الحيوان، فما طالت عنقه كالأبل فنحره أسهل لزهوق روحه لقربه من الجسد وبعد الذبح منه، والذبح في الغنم أسهل عليها لقربه من الجسد والرأس معًا، ولما توسطت البقر بين النوعين جاز الأمران ".
стр. 16566
وذكرت خلاف العلماء في نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر، والأقوال
طبعًا موجودة في البحث. وخلصت من ذلك إلى أن الذكاة في المقدور عليه تنحصر في الحلق واللبة , وهو ثابت بالسنة والإجماع، فقد أخرج الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ قال: ((بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق ... )) إلى آخر الحديث. والعلامة ابن قدامة حكى الإجماع على ذلك وقال: "ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع " إلى أن قال: " وإنما نرى أن الذكاة قد اختصت بهذا المحل لأنه مجمع العروق فتنسفح بالذبح فيه الدماء السيالة ويسرع زهوق النفس، فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان ".
وهي يعني أن العدول عن هذه الطريقة إلى طريقة أخرى في أزهاق
روح الحيوان المقدور عليه تجعله ميتة غير حلال الأكل, وذكرت بعد ذلك حديث أبي العشراء عن أبيه أن ((النبي ﷺ سئل: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ")) وذكرت بأن الرواية هي متروكة لا عمل بها عند الأمة، لأن الإجماع منعقد على خلافها، كما نص على ذلك كلام ابن قدامة وغيره من الفقهاء، وأبو العشراء هذا مجهول يروي عن مجهول، إلى آخر ما ذكره أهل العلم عنه.
стр. 16567
وذكرت رأي العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار، ومتابعة العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود في رسالته (فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب) الذي جاء رأيا غريبا. وقد تحدث العلامة الشيخ تقي العثماني عن رأي السيد محمد رشيد رضا وذكركثيراًَ مما قلته في التعقيب على كلامه. ثم ذكرت أن جمهور أهل العلم بأن الناد من الحيوان الإنسي حكمه حكم الوحشي في أن الذكاة فيه إنما تكون برميه بالسهم أو بصيده بالجوارح, وعندها ذهبت طائفة إلى خلاف رأيهم، وهو مذهب مالك وأصحابه وربيع والليث بن سعد , وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج قال: كنا مع النبي عين في غزاة وقد أصاب القوم غنما وإبلا، فند منها بعير فرمي بسهم فحبسه الله به، فقال النبي ﷺ : ((إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا)) ، واستدلوا من جهة القياس أن الوحشي إذا تأنس يعامل معاملة الإنسي، فكذا الإنسي إذا توحش. وأجاب المالكية بأنه مقدور عليه في الغالب، فلا يراعى النادر من أحواله، وقالوا في حديث رافع: إن النبي سلط على حبسه لا على ذكاته بدليل قوله "فحبسه " ولم يقل إن السهم قتله.
واستأنست لتأييد رأي الجمهور بتشبيه النبي ﷺ الأوابد الأهلية بأوابد الوحش، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى إلحاقها بها في الحكم.
ثم ذكرت أن جمهور العلماء ألحقوا بالنادِّ من بهيمة الأنعام ما وقع في بئر أو نحوها، فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح.
стр. 16568
ثم انتقلت بعد ذلك إلى مبحث ثان في أهلية المذكي, وذكرت أنه لا خلاف بين الأمة في كون المسلم أولى من يقوم بالتذكية من أجل سلامة باطنه من الانحراف الفكري، وظاهره من الانحراف السلوكي، وهو أولى بأن يحافظ على الأمانة ويعطي التذكية حقها الشرعي، ولا خِلَاف أيضا بين الأمة في أن المشركين من عبدة الأوثان والملاحدة الذين لا دين لهم لا تحل ذبائحهم، لأنها في حكم الميتة إلا ما ذكره بعض المتأخرين، وهذا كما قال فضيلة الشيخ العثماني: لا يلتفت إليه.
كذلك ذكرت بأن لأهل الكتاب حكما خاصا مخالفا لأحكام المشركين في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وإنما وقع الخلاف في أمور وقفت عند بعضها لعدم اتساع البحث لاستيعابها كلها منها:
- هل يشترط أن يكون المذكي عاقلا أو أن يكون بالغًا؟
- حكم المرتد إلى النصرانية أو إلى اليهودية.
- وكذلك الأعجم.
عدة قضايا وقع فيها الخلاف ذكرت أقوال العلماء فيها.
ثم انتقلت بعد ذلك إلى مبحث ثالث فيما يذكى به, وقلت: ينبغي للإنسان أن يحرص على الرفق بالحيوان حسب وسعه في تذكيته، فيختار له الآلة الأنسب التي تؤدي إلى الغرض مع التخفيف عنه بقدر المستطاع، وذكرت الحديث عن النبي ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)) . وعلى هذا الأساس يكون اختيار آلة التذكية، وقد وسع الله تعالى لعباده المجال في ذلك ليختاروا بأنفسهم ما يرونه أنسب، كما يدل عليه حديث رافع بن خديج ﵁ عندما قال للنبي ﷺ : إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ فقال ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر وسأحدثكم عنه، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) فالحديث أطلق جواز التذكية بكل ما أنهر الدم إلا أنه استثنى شيئين دل تعليله استثناء أحدهما على استثناءٍ ثالث لهما، فهو دليل على عدم جواز الذكاة بالعظام كالأسنان والأظافر.
стр. 16569
ثم بعد ذلك انتقلت إلى المبحث الرابع في النية والتسمية, وذكرت
أنه قد سبق ذلك في البحث أن التذكية من القربات إلى الله ، والقربات لا بد لها من نية, وفي هذا بيني وبين زميلي وأخي الدكتور الأشقر شيء من الخلاف، ولكن لا أعده إلا خلافًا لفظيا، فهو لا يعتبر الذبح مطلقا من القربات، واعتبرته من القربات نظرًا إلى التقيد بالأحكام الشرعية، لأن التقيد بالأحكام الشرعية في الذبح قربة إلى الله ﵎، فلذلك لم يبح للإنسان أن يزهق الروح بأي وجه كان, ومن أجل ذلك اشترط جماعة من العلماء النيةَ في الذبح، وإن كان هنالك قول آخر بخلاف ذلك، ووجدنا الكثير من العلماء يشترطون النية، وأما ذكر اسم الله عند التذكية فلا خلاف بين الأمة في مشروعيته، وحكى الإجماع عليه كل من الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وإنما اختلف علماء الأمة في كونه شرطاًَ لصحة التذكية يترتب عليها حل لحم الحيوان وعدم حله، على أقوال ستة سردتها في البحث.
واخترت من بين هذه الآراء الرأي الذي يقول بأن ذكر اسم الله- ﵎ شرط في صحة التذكية على أي حال، سواء مع الذكر أو مع النسيان لأجل أن الله- ﵎ أطلق النهي عن أكل ما لا يذكر اسم الله تعالى عليه في قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وأمرنا أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه في قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ولا ريب أن الشرط كما قيل يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته, فإذا انعدم الشرط ينعدم المشروط, ومع هذا فإن هذا الرأي يعتضد أيضا بالكثير من أدلة القرآن التي قرنت بذكر اسم الله- ﵎ مع نحر الإبل ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ومع استعمال الجوارح، وكذلك ما جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ من اشتراط ذكر اسم الله تعالى على إرسال السهم.
стр. 16570
وعللت هذا الحكم حسب ما يبدو أو ذكرت حكمة هذا الحكم من الله تعالى حسب ما يبدو أن الحيوان هو كائن ذو روح يتألم كما يتألم الإنسان، ويحب الحياة لنفسه كما يحبها الإنسان، فتدخل الإنسان في أمر حياته بإزهاق روحه من أجل التنعم بأكله لو لم يكن بإذن الله ﵎ لكان ذلك عدوانا، والعدوان محرم، ولكن بما أن الله ﵎ الذي ملك هذا الحيوان هو الذي سلط الإنسان على هذا الفعل فإن الإنسان يقدم على هذا العمل باسم الله الذي هو مالك الإنسان ومالك الحيوان، وهو الذي أعطى هذا الحكم للإنسان.
وتناول أيضا البحث موضوع الفرق بين التذكية الشرعية والطرق الحديثة في إزهاق الروح!
إن المقارنة بين هذه التذكية المشروعة في الإسلام وبين ما يجري في بلاد الغرب أو الشرق من إزهاق روح الحيوان بالطرق القديمة أو الحديثة متعذرة لبعد ما بينهما، فإن الحق والباطل لا يلزان في قرن، وشتان بين ما كان تعبدا ربانيا وما كان عادة بشرية مستمدة من إيحاءات نفوس شيطانية وأفكار مأفونة وفطر منحرفة عن سواء السبيل، على أن تلك الطرق التي يتبعونها في ذلك لا تزال امتدادا للتقاليد الوثنية التي كانت متبعة في عهود الرومان قبل اعتناق الإمبراطور قسطنطين للنصرانية.
ولئن كانت تطورت شكليا بتطور وسائلها الحديثة فإن آثارها واحدة، فقد كانوا يستخدمون البلطة والمطرقة والمرزية لتهشيم رأس الحيوان قبل ذبحه، وكثيرا ما يؤدي بها ذلك إلى الموت من غير ذبح، كما كانوا يستخدمون المنفاخ الآلي بعد خرق حائط صدر الحيوان بين الضلعين الرابع والخامس إلى أن يختنق الحيوان بضغط الهواء على الرئتين، ولم يتركوا هذه الطرق إلا إلى مثيلاتها، كاستعمال مسدس الطلقة المسترجعة؟ وذلك بتوجيه طلقة إلى جمجمة الحيوان ونسيج مخه من أجل تدويخه، وهو مما قد يؤدي إلى موت الحيوان قبل الذبح، وقد لا يصلون بذلك إلى غرضهم من إفقاد الحيوان إحساسه، فيستعينون بإدخال سلك فولاذي عدة مرات في الثقب الدي أحدثه المسدس في الجمجمة، أو استخدام التدويخ الكهربائي الذي شاع في دول متعددة، ونص عليه القانون البريطاني في عام ١٩٥٨ م، أو التخدير بثاني أكسيد الكربون، وهي طريقة تعود أولى تجاربها إلى عام ١٩٠٤ م، إلا أن إدخالها في عالم صناعة اللحوم تمت في عام ١٩٥٠م في أحد مصانع اللحوم المحلية بأمريكا، ثم انتقلت إلى الدانمارك ثم شملت معظم الدول الأوروبية.
стр. 16571
وهذه الطرق كلها بعيدة عن الذكاة الشرعية وما فيها من خصائص الرحمة والرفق والشعور بالمسؤولية أمام الله، ولا حاجة بنا في هذه العجالة إلى بحث ما في استخدام الطرق القديمة من مضار، وإنما يكفينا أن نلم إلمامة خاطفة بالطرق المستخدمة الآن.
فأولاها: وهي طريقة استخدام مسدس الطلقة المسترجعة تنتج عنها حالة باللحم تسمى بالتبقع الدموي، وهي نقط نزيفية أو بقع أو خطوط في أجزاء مختلفة من أعضاء الذبيحة.
أما الطريقة الثانية: وهي التدويخ الكهربائي فإن عدم الدقة والإتقان في استخدامها يؤدي إلى نتيجة سلبية حتما، فعندما ينخفض التيار يشل الحيوان شللًا تاما مع بقاء وعيه، وتسمى هذه بالصدمة الضائعة، وعندما يزداد يصاب الحيوان بالسكتة القلبية القاتلة، وقد عدل استخدام هذه الطريقة في الطيور والدواجن منذ عام ١٩٧٠ م بأمرارها في حمام مائي مكهرب، ليجتمع لها الغرق والصعق، على أن التدويخ الكهربائي في جميع أحواله يؤدي إلى إسراع التعفن في اللحم.
стр. 16572
وأما الطريقة الثالثة: وهي التخدير بثاني أكسيد الكربون فمن أشهرعيوبها أنها تؤدي إلى سرعة فساد اللحم، كما قد تؤدي إلى اختناق الحيوان وموته لعدم التحكم في كمية الغاز.
هذا ومن المعلوم أن الذبح بالآلات الكهربائية يفتقد فيه عنصر التعبد اللازم كما تحدث الشيخ العثماني في هذا.
هذا، ويتميز الذبح في الإسلام بالعديد من المزايا:
ا- أنه طريقة لإدماء الحيوان , فهو أقل ألما وأشبه بإدماء المتبرع بالدم، بعكس غيره فإن الحيوان يدمى حتى الموت.
٢- أنه يؤدي إلى سرعة موت الحيوان ويعجل بإخراج روحه نتيجة النزيف الشديد الناتج عن فري الأوداج.
٣- أنه أشبه بالتخدير أي حالة إفقاد الشعور بالألم، بخلاف التدويخ (إفقاد الوعي بضربة أو صدمة) وهو الشكل البدائي الذي تخلى عنه الإنسان منذ سنين.
٤- أنه طريقة صحية إنسانية تمدنا بلحم خال من الدم، فهو صحي ولذيذ.
стр. 16573
ثم بعد هذا انتقلت إلى موضوع اللحوم المستوردة، وذكرت أن ما استورد من بلاد الإسلام لا حاجة إلى البحث فيه؛ لأن الأصل في ذبائح المسلمين أن تكون على الطريقة الشرعية وحديث عائشة ﵂ في ذبائح الأعراب الذين كانوا قريبي عهد بكفر دليل على ذلك، وإنما ذكرت ما إذا كان القطر الذي استورد منه اللحم يرفع شعار الانتساب إلى أهل الكتاب، وقلت: وكذلك إن كان من بلاد كتابية وعرف أن الذبح من قبل أهل الكتاب أنفسهم، مع محافظتهم على طرق الذكاة الشرعية، وكان من لحوم البهائم المحللة؛ فهو أيضا حلال لأنه داخل في طعام أهل الكتاب الذي أحله الله لنا.
أما إن كان القطر الذي استورد منه اللحم يرفع شعار الانتساب إلى أهل الكتاب من أجل مصلحة سياسية وأغراض دنيوية مع انغماسه في الإباحية والإلحاد بسبب تلاشي العقيدة الدينية في نفوس أبنائه كما هو الشأن في بلاد الغرب اليوم، فالواجب تمحيص مسألة اللحوم المستوردة منه والوقوف عندها طويلا من أجل استظهار الحق، ويزيد ذلك تأكيدا ما عرف عنهم من أنهم يتبعون في الذبح طرقًا غير مشروعة في الدين بل هي أقرب إلى أن تكون قتلًا للحيوان ثم ذكرت اتجاهات العلماء المعاصرين حول هذه المسألة، وهي:
الاتجاه الأول: منهم من أباح اللحوم على علاتها؛ نظرا لما في البلاد من كنائس، وأن أهلها ينتسبون ولو شكليا إلى ديانة كتابية.
الاتجاه الثاني: اتجاه من أباحها مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحل بها الذبيحة، منها أن يكون الذابح يهوديا أو نصرانيا، وأن يكون ذبحه إياها في رقبتها أو نحرا في لبتها حال كونها حية، وأن يذكر اسم الله عليها على رأي من يشترط التسمية في صحة الذكاة، وأن لا يذكر عليها غير اسمه تعالى، وأن لا تكون موقوذة بإطلاق مسدس عليها أو تسليط تيار كهربائي إلى أن تموت، وهو الذي نصت عليه الفتوى رقم (١٢١٦) الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الرياض بالمملكة العربية السعودية.
стр. 16574
الاتجاه الثالث: اتجاه من تشدد في هذه اللحوم وعدها في حكم الميتة المحرمة بالنص، وأفتى بحرمة الاتجار فيها كحرمة أكلها، وهو قول طائفة كبيرة من أهل العلم، ذكرتُ جماعة من هؤلاء في بحثي. وذكرت حجج أصحاب هذا القول منها:
أ) أن معظم شعوب هذه الدول قد تخلت في العصر الحديث عن الدين، ولم يبق له عندهم أي سلطان على حياة الناس العقدية والعملية، وإنما بقيت المحافظة على الكنائس في تلك الدول مظهرًا لا أثر له في الفكر ولا في السلوك، ولم تعد الكنائس قادرة على مواجهة التيار الإلحادي الهادر الذي يأتي على كل أثر من آثار التدين، وقد يكون استبقاء هذه الكنائس لأغراض سياسية، فإنها من وسائل نفوذهم في الشعوب التي يسعون إلى غزوها بأفكارهم وتخديرها بمكرهم، وهذا هو الذي سجله الكتاب الأوروبيون بأقلامهم، ودونكم شهادة شاهد من أنفسهم يقول الأستاذ جود الذي كان رئيس الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن:
" سألت عشرين طالبا وتلميذة كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم، كل منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة؟ فلم يجب بنعم إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم أنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبدا، أما العشرة الباقية فقد صرحوا أنهم معادون للمسيحية". ويضيف إلى ذلك الأستاذ جود قوله: "أنا أرى هذه النسبة بين من يؤمن بالمسيحية ويدين بها وبين من لا يؤمن في هذه البلاد ليست شاذة ولا غريبة، نعم إذا وُجِّه هذا السؤال إلى مثل هذه الجماعة قبل خمسين سنة أو عشرين كانت الأجوبة مختلفة".
стр. 16575
هذه شهادة من أحد أبناء جلدتهم، وهو غير خارج عن ملتهم ولا مفارق لهم , إنما في بيئتهم، وقد قرر في كلامه أن هذه الأجوبة من أولئك التلاميذ إنما كانت ناشئة من حال مجتمعهم ولم تكن مجرد تصرف صبياني، كيف وهو يقول بأن هذه النسبة في تلك البلاد ليست شاذة ولا غريبة.
وهاكم شهادة عادلة من رجل نشأ في هذه البيئة المتعفنة ثم هداه الله للإسلام وهو الأستاذ محمد أسد الألماني الذي يقول: "لا شك أنه لا يزال في الغرب أفراد يعيشون ويفكرون على أسلوب ديني، ويبذلون جهدهم في تطبيق عقائدهم بروح حضارتهم، ولكنهم شواذ, إن الرجل العادي في أوروبا ديمقراطيا كان أو فاشيا، رأسماليا كان أو اشتراكيا، عاملا باليد أو رجلا فكريا إنما يعرف دينا واحدا وهو عبادة الرقي المادي والاعتقاد بأنه لا غاية في الحياة غير أن يجعلها الإنسان أسهل وبالتعبير الدارج حرة مطلقة من قيود الطبيعة، أما كنائس هذا الدين فهي المصانع الضخمة ودور السينما والمختبرات الكيمائية ودور الرقص ومراكز توليد الكهرباء، وأما كهنتها فهم رؤساء الصيارف والمهندسون والممثلات وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة والطيارون، والمبرزون الذين يضربون رقما قياسيا".
وفي هذا يقول المفكر الإسلامي الكبير الشيخ أبو الحسن الندوي:
"وعلى كل حال فقد وقع المحذور وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها، وبكل ما تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر ونفسية وعقلية وأخلاق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم، وكان ذلك تدريجيا وكان أولًا ببطء وعلى مهل، ولكن بقوة وعزيمة، فقام علماء الفلسفة والعلوم الطبيعية ينظرون في الكون نظرا مؤسسًا على أنه لا خالق ولا مدبر ولا آمر وليس هناك قوة وراء الطبيعة والمادة تتصرف في هذا العالم وتحكم عليه وتدبر شؤونه، وصاروا يفسرون هذا العالم الطبيعي ويعللون ظواهره وآثاره بطريق ميكانيكي بحت، وسموا هذا نظر! علميا مجردًا, وسموا كل بحث وفكر يعتقد بوجود إله ويؤمن به طريقاًَ تقليديا لا يقوم عندهم على أساس العلم والحكمة، واستهزؤوا به واتخذوه سخريا، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروا وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة وأبوا الإيمان بكل ما يأتي تحت الحس والاختبار، ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة، فأصبح- بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم- الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم " إلخ.
стр. 16576
ب) أن ذبائح الغربيين اليوم لا تخرج عن كونها موقوذة أو منخنقة، وقد نص على تحريمها القرآن، وذلك أنه تواتر اليوم أن هذه الدول تقتل إما بواسطة الصعق الكهربائي أو المسدس أو بالبلطة أو بالغازات، وهذا ما نقله الثقات الذين زاروا مسالخ هذه الدول، ورأوا بأم عينهم ما تقشعر منه الجلود من ارتكاب المخالفات التي لا يقرها الدين في إزهاق روح الحيوان.
ج) أنه ثبت بالعيان تزوير الشهادات التي تلصق بغلف هذه اللحوم من أجل خداع الناس بأنها مذكاة على الطريقة الإسلامية، وذكرت عدة شواهد، ومن بين هذه الشواهد أنني بنفسي جاء إلي رجل اشترى دجاجة مكتوب على غلافها مذبوح على الطريقة الإسلامية، وإذا بها لا أثر لإدمائها قط، هي مخنوقة من غير إدماء.
د) أن الأغنام والأبقار تذبح في بلاد الغرب مع الخنازير، فتختلط بلحومها، والخلطة في مثل هذه الحالة تؤدي إلى الحرمة، لتعذر التمييز معها بين الحلال والحرام.
هـ) أنه ثبت في تعاملهم الغش، فقد نقل عدد من الناس أنهم رأوا أسماكًا معلبة مكتوبا عليها (ذبح على الطريقة الإسلامية) ، بل قيل لي إن لحوم الخنزير هي موردة لبلاد الإسلام من أجل النصارى وغيرهم ووجد عليها مكتوب (ذبح على الطريقة الإسلامية) ! على أن هذا الغش قد يكون حتى من المستوردين في بلاد الإسلام، فقد قال الدكتور عبد الله عزام في عمان: اكتشفت أمانة العاصمة قبل سنوات عند شركة ملصقات كثيرة مكتوبا عليها (مذبوح على الطريقة الإسلامية) حتى تلصقها على علب اللحوم فور وصولها، ولقد جاء إلى وزارة الأوقاف الأردنية وأنا فيها علبة لحم مكتوب عليها (مذبوح على الطريقة الإسلامية لحم بقر صاف ١٠٠ %) ، وفي الجهة المقابلة باللغة الألمانية أنها تحتوي على نسبة من شحم الخنزير.
стр. 16577
وبعد هذه الجولة بين منحنيات هذه الحقائق لا يبقى ريب لمرتاب أن القول الثالث- وهو القول بالتشديد- هو أقوم قيلا وأصح دليلا، على أن القول الثاني يعود إليه كما ذكر الأستاذ الشريف في رسالته، لانعدام تلك الضوابط التي وضعها أصحاب هذا القول في اللحوم المستوردة من بلاد الغرب، وعليه فالخلاف بين القولين لا يعدو أن يكون لفظيا، وإنما الخلاف بينهما وبين القول الأول الذي يبيح هذه اللحوم من غير مراعاة لشيء من تلك الضوابط، ويستند إلى عموم قوله تعا لى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهو استدلال في منتهى البعد، وذلك يتضح بالنظر إلى هذه الأمور:
أولها: أنه لا يكفي في إعطاء أحد حكم أهل الكتاب إلا إن كان على عقيدة تقوم على الإيمان بكتابه، وأنى ذلك في أمة فقد سوادها الأعظم هذا الإيمان , واستولى عليها الإلحاد , وتفشت فيها الاباحية كما تقدم , ولا يغني عنهم انتسابهم إلى أصول تؤمن بالكتاب شيئا، فإن الرجل الذي كان نفسه على الإسلام وولد من أبوين مسلمين مؤمنين قانتين إن ارتد عن إسلامه - والعياذ بالله- لم يغن عنه كل ذلك شيئا، ولم يعط أحكام المسلمين في إباحة أكل ذبيحته ولا غيرها، وما الفارق في ذلك بين المسلم والكتابي؟
ثانيها: أن قوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] جاء إثر تحريم طائفة من الحيوان، منها المنخنقة والموقوذة فكيف يمكن أن يكون دليلا على إباحة المخنوق والموقوذ إن كانا على يد كتابي مع أنهما حرام بالقطع إن كان الواقذ أو الخانق مسلما؟ وهو مما يترتب عليه كون الكتابي أكرم على الله من المسلم، لأنه أباح على يديه ما لم يبحه على يدي المسلم، ويأبى الله ذلك، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
стр. 16578
ثالثها: أنه يلزم هؤلاء أن يحلوا بهذا لحم الخنزير إن كان على مائدة
كتابي، لأنه من طعامهم الذي استحلوه بهوى أنفسهم كما استحلوا المنخنقة والموقوذة وغيرهما، ولا فرق بين الصورتين فإن تحريم المنخقة والموقوذة جاء في نسق واحد مع تحريم الخنزير ومع تحريم الميتة والدم.
رابعها: أن الآية الكريمة مصدرة بإباحة الطيبات، ولا يقول عاقل آتاه الله رشدا: إن المنخقة والموقوذة وغيرهما مما حرمه الله عليه تعد من جنس الطيبات، وهل يطيبها أن يكون الواقذ أو الخانق من جنس الكفار الذين رفضوا الاستجابة لدعوة كتابهم إلى الإيمان بخاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل؟ وهذه مغالطة للحقيقة ليس أبعد منها مغالطة، فكيف يكون الشيء الواحد خبيثا إن كان على يد المسلم، وطيبًا إن كان على يد غيره؟
стр. 16579
وقد استدل بعض أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، في ذبائح الأعراب، وهو استدلال منتقض من أساسه، فإن أولئك الأعراب ما كانوا على ملة غير الإسلام، ولا ثبت أنهم يرتكبون مخالفات للشريعة في ذبحهم، وإنما وقع في نفوس بعض الناس شك في تسميتهم على الذبح لحداثة عهدهم بالكفر، فأجابهم النبي ﷺ بما يفيدهم أن أعمال المسلم- وإن كان جديد عهد بالإسلام- محمولة على موافقة الحق ما لم يثبت خلافه له.
وأما ما استأنسوا به من كلام ابن العربي الذي يبيح أكل الدجاجة التي يفتل عنقها النصراني، فهو مدفوع بما نص عليه ابن العربي نفسه قبله بسطور معدودة وهو قوله: "فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس, فالجواب أن هذه ميتة , وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا".
فيا ترى هل نترك من كلامه ما وافق الدليل القرآني إلى ما خالفه؟ على أن أي أحد وإن بلغ ذرى المراتب في العلم والفضل لا يحتكم إلى كلامه مع قيام الدليل الشرعي، بل يحكم الشرع في كلامه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]
стр. 16580
أما محاولة الجمع بين الكلامين بأن يحمل المنع على غير ما يعتقدونه ذكاة عندهم، والإباحة على ما اعتقدوه تذكية فهي محاولة فاشلة، لأن الصورة واحدة وهم هم أنفسهم، على أنه يفيد كلامه أن ذلك يحرم علينا وإن كانوا هم في اعتقادهم له مستحلين، بدليل تمثيله بالخنزير وبقوله بأنه حلال لهم ومن طعام وهو حرام علينا.
على أننا لا نسلم أن الخنزير حلال لهم، فإنهم لم يأكلوه استنادا إلى نص كتاب على حله، ولكن بفتوى من أفتاهم بذلك من رهبانهم، ومثله الميتة- ومنها المنخنقة والموقوذة- إذ النصارى لم يبح لهم إلا ما أباحته التوراة إلا ما كان تحريمه في التوراة وقتيا عقوبة لليهود على سوء صنيعهم وشططهم في العناد ومكابرة الحق.
على أنه لو ادعى أحبارهم ورهبانهم حل ذلك لهم لم يصدقوا فيه كما قال الإمام الرهوني: "كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة النبوية ... " إلى أن قال: "على تسليم تصديقهم تسليما جدليا فلا وجه في تصديقهم أن المنخنقة والمسلولة العنق والموقوذة المضروبة في الرأس بشاطور مثلا حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فرق به- يعني أبا عبد الله الحفار المنتصر لرأي ابن العربي- من أن الله قد كذبهم في الميتة والخنزير دون المضروبة بشاطور مثلا، وما ذكر معه لا يصح؛ لأنه إن عنى أن الله كذبهم في إخبارهم بحليتها، فليس في القرآن ولا الأحاديث شيء من ذلك، وإن عنى أن الله كذبهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فهذه مصادرة، لأن الله قد كذبهم فيما زعم أنهم يصدقون فيه، لأنها إما منخنقة أو موقوذة، وقد ذكر الله حرمة كل واحدة منهما في الآية نفسها بقوله عز من قائل: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ الآية، وقد قال ابن العربي نفسه في الأحكام ما نصه: "وأما قوله والمنخنقة فهي التي تختنق بحبل بقصد، أو بغير قصد أو بغير حبل ".
стр. 16581
هذا وأما استدلال ابن العربي لحلية طعام الكتابي مطلقا بأنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكا في الصلح فيحل لنا وطؤهن فكيف لا تحل ذبائحهم والأكل دون الوطء في الحل والحرمة، فهو غير مسلم إن كان ذبحهم خنقا أو وقذا لمجيء النص القطعي بحرمة الموقوذة والمنخنقة، فهو قياس في مقابلة النص على أنه يترتب على قوله أن تباح بسبب ذلك ذبائح المشركين، فإن ما ذكروه من حكم الأولاد والنساء لا ينحصر في أهل الكتاب دونهم، وللعلامة الرهوني في رد احتجاج ابن العربي هذا بحث موسع اكتفينا عنه بما ذكرناه فليرجع إليه من يشاء الاطلاع والاستفادة.
ثم ذكرت بعد ذلك أنه نظرًا إلى أن كون اليهود أكثر التزاما من النصارى -أو من الذين يدعون النصرانية - في الذبح فإن جماعة من المشايخ أوصوا بأن يأكل المسلم عندما لا يجد ذبيحة المسلم في بلاد الغرب مثلا يأكل ذبيحة اليهودي، لأجل محافظته على الطريقة الشرعية في الذبح، لا على ذبيحة من يدعي النصرانية.
ذكرت بعد ذلك ملخصا لما جاء في البحث وهو بين أيديكم.
ونسأل الله تعالى التوفيق للخير، وأشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16582
الدكتور محمد الهواري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد أغناني الإخوة الذين تقدموني بالبحث عن تناول النواحي الفقهية والأمور المختلفة التي تعرضوا إليها، وسيكون تركيز بحثي- بإذن الله- على الطرق الحديثة التي يجري عليها الذبح الآن في المجازر الغربية في أوروبا. وقبل أن أبدأ الحديث، فلا بد لي من بعض الملاحظات في هذا الموضوع, لم يبحث فقهاؤنا القدامى هذا الموضوع أصلا، لأنه لم يكن واقعا في عصرهم، فكان لا بد من الاجتهاد - أي في موضوع الطرق الحديثة في الذبح- بالرأي على ضوء ما تقرر في هذا التشريع الإلهي من مبادئ وأحكام، وخاصة بعد تطور وسائل ذبح الحيوان وإماتته بغية تحصيل لحمه للطعام، وهي وسائل فنية متطورة ذات قدرة فائقة على الإنتاج الكبير للحم وتصنيعه وتعليبه أو تجميده أو تجفيفه في المصانع الحديثة.
ومما يؤسف له أن العالم الإسلامي في معظم أقطاره أصبح يعتمد في تأمين غذائه على ما يستورده من الخارج، وفي طليعة ذلك اللحوم والحبوب.
стр. 16583
وقبل الوصول إلى الحكم في اللحوم المستوردة وأمثالها لا بد لنا من الإشارة إلى الحقائق التالية:
١- إن الغاية من إنشاء المجازر الصناعية الحديثة التي تستورد منها اللحوم هي إزهاق روح الحيوان بغية تحصيل لحمه للطعام، وليس هناك غاية أخرى كالذبح للكنيسة أو أب أو لفلان من الناس، ولا محل في الواقع الحالي لهذا الأمر.
٢- لا تسمح القوانين السائدة التي تحكم المجازر الحديثة بأكل لحم الميتة ولا بتسويقها, هذا من حيث الأصل.
٣- تتمتع جمعيات الرفق بالحيوان بنفوذ كبير جدا، ولها تأثير على التشريعات الخاصة بالحيوان، وهي تدعو دائما إلى الرفق بالحيوان وعدم استعمال أي أسلوب يؤدي لتعذيبه وإيلامه عند الذبح، وتصل في ذلك إلى حد المبالغة.
٤- فهم بعض العلماء من الطرق التي تتبع قبل ذبح الحيوان أنها تستعمل لقتل الحيوان، ومن غير بينة ووضوح أفتوا بحرمة التدويخ أو الصعق الكهربائي والصرع بالمسدس، وأرادوا تحريم أية ذبيحة يستعمل فيها المسدس للصرع أو الكهرباء للتدويخ, ونحن معهم في أن ما يموت بالصرع أو بالصعق من غير ذبح حرام، ولا يجوز أكله أبدًا، ولكن الواقع يخالف ذلك. طريقة الصرع أو التدويخ لا تقتل الحيوان، ولكنها تؤدي إلى فقدان وعيه ووقوعه، ثم يذبح بعد ذلك ذبحا كثيرا ما يتوافق مع متطلبات التذكية الشرعية.
وقد كنت عضوًا في لجنة مكونة من أطباء بيطريين يمثلون بلدان السوق الأوروبية المشتركة، وأجرينا تجارب في مدينة جامبلو ببلجيكا على عجول جرى تدويخها بالمسدس الواقذ, وثبت لنا أن قلب الحيوان استمر في النبض لأكثر من (١٠) دقائق، ثم جرى ذبحه فأنهمر الدم منه بشدة.
٥- وفي مناسبة أخرى، تمت دراسة تجريبية على خروفين كنا في لجنة ومن ضمن أفرادها الشيخ ابن الخوجة وذلك عام ١٩٨٦ م، أحدهما بالغ بوزن (٣٥) كغ، والآخر فطيم يزن (١٨) كغ، وأخضع الحيوانان لشروط متماثلة من التدويخ باستعمال تيار كهربائي يبلغ كمونه (٣٠٠) فولط، وشدته (١.٢٥) أمبير، لمدة (٣) ثوان، وذلك بتطبيق المسريين على الصدغين.
وظهرت على الحيوانين المظاهر الوصفية التوترية والرمعية (الارتجافية) للصرع قبل أن يتماثلا للشفاء التام.
وقد دلت هذه التجربة على الطبيعة المعكوسة للتدويخ الكهربائي ضمن الشروط الموصوفة، أي عودة الحيوان بعد التدويخ إلى وضعه الطبيعي الذي كان عليه، كما لم تظهر أي آثار إضافية متعلقة بعمر أو حجم الحيوان الفتي.
٦- طريقة التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون co٢ على الرغم من عدم انتشارها في تدويخ الماشية والشياه حتى الآن، إلا أنها لا تهيج الحيوان، وتنشط التنفس والدورة الدموية، مما يسهل معه نزف دم الحيوان، ولا تعطي لحوما ذات نقط نزفية، ولا تحدث تغيرات في درجة حموضة اللحم.
٧- تقضي القاعدة العامة في الإنتاج الصناعي أن يذبح الحيوان فورا بعد التدويخ، لأن التماهل في ذلك يؤدي إلى خفض الإنتاج، وهذا يتعارض مع المبدأ الاقتصادي والصناعي.
стр. 16584
أما ما يتعلق بطرائق الذبح فسنتعرض لها الآن- إن شاء الله-:
١) التذكية الشرعية: موضوع الذبائح من الأمور التعبدية في الشريعة الإسلامية، وهي مما يتقرب به الإنسان المسلم إلى الله تعالى كما هو الحال بإراقة الدماء في الأضحية والهدي، وينال الثواب بإطعام الفقراء والجيران والأهل من ذبيحته. والأصل في الذبح عند المسلمين أن يكون بدون تدويخ للحيوان، لأن المسلمين يرون أن طريقة الذبح الإسلامية هي الأمثل؛ رحمة بالحيوان وإحسانا لذبحته وتقليلًا من معاناته، وقد تأكد لنا هذا بالتجربة العملية.
٢) ذبح الحيوان بعد التدويخ:
تقضي القوانين الغربية بأن إزهاق روح الحيوان يمكن أن يتم بأية طريقة إرادية تؤدي إلى موت الحيوان الأهلي أو الزراعي بغية الاستهلاك الغذائي.
وتشترط هذه القوانين أن لا يلجأ إلى ذبح أي من الحيوانات الفقارية إلا من قبل شخص مؤهل تتحقق فيه الخبرة الكافية بأصول الذبح، حسب الطريقة المستعملة والتي من شأنها أن تقلل ما أمكن من ألم الحيوان. وبصورة عامة لا تجيز القوانين الغربية ذبح الحيوانات إلا بعد تخديرها أو تدويخها بطريقه يقبلها القانون ووفقا لظروف الذبح ونوع الحيوان, ويستثني كثير من التشريعات الغربية الحالات الاضطرارية القصوى التي تجيز الذبح بدون تدويخ، وخاصة بالنسبة لبعض الطوائف الدينية كاليهود بصورة عامة، والمسلمين في عدد محدود جدا من البلدان الغربية، أو حالات الذبح التي يتطلبها تصدير اللحوم إلى بعض الدول الإسلامية, وقد أجاز بعض الدول الغربية التي اعترفت بالإسلام أن يذبح المسلمون على طريقتهم الشرعية في المجازر المرخصة، وبدون تدويخ مسبق، وتحت إشراف الرقابة الصحية اللازمة.
لا تجيز القوانين الغربية تسويق لحوم الحيوانات الميتة، ولكنها لا تشترط بوضوح في طرق التدويخ أن لا تؤدي إلى موت الحيوان قبل الذبح.
стр. 16585
وسنستعرض فيما يلي أشهر الطرق الحديثة المتبعة في تثبيت الحيوانات المختلفة وتدويخها وذبحها:
أولا- تثبيت الحيوان أثناء التدويخ والذبح:
يستعمل لحجز الماشية نموذجان مشهوران من الصناديق الخاصة هما:
١) الصندوق الدوار من نموذج واينبرغ weinberg:
وهو يتكون من جدار أمامي ينتصب إلى حوالي نصف ارتفاع الحيوان، ويشتمل على حاصرة تحجز رأس الحيوان وتشده نحو الأمام والأعلى، ومن باب خلفي يدفع الحيوان نحو الأمام، ومن جدارين جانبيين يقومان بحصر الحيوان من خاصرتيه, ويرتبط بالصندوق سكتان معدنيتان دائريتان تسمحان بدوران الصندوق (١٨٠) درجة، وفقا لمحور أفقي لتسهيل عملية الذبح.
٢) الصندوق الثابت من نموذج سينسيناتي Cincinatti.
يتكون الصندوق من جدار أمامي يصل إلى نصف ارتفاع الحيوان. ومن حاصرة للرأس، ومن باب خلفي يدفع الحيوان نحو الأمام، ومن جارين جانبيين أحدهما ثابت والثاني متحرك، ومن لوح بطني يسند الحيوان ويحميه من السقوط.
أما الحيوانات الصغيرة كالخراف والماعز فيتم تدويخها مباشرة دون حاجة إلى تثبيتها.
стр. 16586
ثانيا- التدويخ:
هناك (٥) طرق رئيسية مستعملة:
١) تخريب المادة البصلية النخاعية، وذلك بإحداث ثقب في جوف الجمجمة بواسطة مسدس واقذ مزود بساق مصادمة، تنتهي برأس إبري أو برأس نصف كروي.
٢) التدويخ بالصدمة الكهربائية.
٣) التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون.
٤) التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة.
٥) الخنق بالطريقة الإنكليزية.
١-التدويخ بالمسدس ذي الواقذة الإبرية:
يتألف المسدس من كتلة معدنية تسمح بوضع متفجر ناري يدفع ساقا تصادمية مرتدة تنتهي برأس إبرية، وتؤدي الطلقة إلى أن تقوم الساق بإحداث ثقب نافذ إلى دماغ الحيوان، يؤدي إلى فقدان الوعي بشكل فوري نتيجة لتخريب جزء من البنية الحية من الدماغ، كما يؤدي إلى زيادة عنيفة مفاجئة في الضغط , ويختلف مكان وضع المسدس باختلاف الحيوان وعمره.
أ) ففي الماشية يغرز الساق في وسط الجزء الجبهي، ويكون بوضع أخفض في العجول لأن القسم العلوي من الدماغ فيها قليل النمو.
هذا وإن توجيه رأس المسدس في العجول نحو الرقبة (القذال) يؤدي إلى شلل فوري، إلا أن فقدان الوعي لا يحدث إلا بعد مرور (٢٠) ثانية من تحرير الطلقة.
ب) وفي صغار المجترات يتم تصويب الطلقة في القسم العلوي من الرأس باتجاه زاوية الفك.
ج) وفي ذوات القرون من الخراف والماعز، يوضع المسدس مباشرة خلف الخط الواصل بين القرنين وتصوب الطلقة باتجاه الفم.
د) أما في الخيل فيتم إحداث الصدمة فوق نقطة تقاطع الخطوط الواصلة بين العين من طرف والأذن في الطرف الآخر.
стр. 16587
٣- التدويخ بالصدمة الكهربائية:
تستخدم هذه الطريقة لتدويخ صغار العجول والشياه (الخراف والماعز) والأرانب والدواجن. ولهذه الغاية تستخدم آلة تشبه الملقط متصلة بمأخذ كهربائي, يثبت طرفا المقلط على صدغي الحيوان، ويمرر تيار كهربائي ذي شدة معينة وفولطاج محدد ولمدة ثابت، في الغالب تكون ٣- ٦ ثوان، وتختلف جميعها باختلاف الحيوان.
يحدث فقدان الوعي مباشرة نتيجة إلى اللاتقاطب الكبير في العصبونات الدماغية, وهو يسبق عادة حدوث طور من التقلص العضلي المزمن الذي يلاحظ قبل المرحلة النهائية من الارتخاء.
أ) هذا والأمثل في الحيوانات الكبيرة أن تطبق المساري الكهربائية على جانبي رأس الحيوان بين الحجاج وقاعدة الأذن، وذلك باستخدام تجهيزات خاصة تسمح بتعديل شدة التيار الكهربائي وكمونه الذي قد يصل إلى (١٠٠٠) فولط.
ب) وفي حالة الخرفان لا يكون التدويخ كافيا إذا كان جلد الحيوان مغطى بالصوف في موضع التماس مع المساري الكهربائية، ولتجنب ذلك تستخدم مساري كهربائية ذات نهاية إبرية تسمح باختراق الصوف نحو الجلد مباشرة.
стр. 16588
ج) ومنذ نهاية الثمانينات تستخدم المجازر النيوزلندية الصدمة الكهربائية لتدويخ الماشية، وذلك باستعمال تيار كهربائي شدته (٢.٥) أمبير يؤدي إلى توقف القلب، وقد أدى هذا إلى مشاهدة مظاهر حبرية وكسور عظمية في جسم الذبيحة، مما يقلل من قيمة نوعية اللحم.
هذا وإذا لم يحدث توقف القلب، فيمكن للحيوانات أن تستعيد وعيها خلال بضعة عشر ثانية، وحينئذ لا تضمن هذه الطريقة الشروط المطلوبة لإراحة الحيوان عند الذبح.
د) ويتم تدويخ الدجاج آليا بالصدمة الكهربائية، بحيث يعلق الدجاج من رجليه على سلكين معدنيين ويغطس الرأس المدلى في مجرى مائي يتصل بمسرى كهربائي, يمر التيار في جسم الحيوان من الرأس إلى القدمين، ونظرًا لسماكة الجلد في القدمين المتقرنين يلجأ إلى إنقاص المقاومة الكهربائية برش الكلاليب التي تعلق بها الأقدام بالماء, يطبق مرور التيار لمدة لا تقل عن (٤) ثوان, وتؤدي شدة التيار المستعمل إلى توقف القلب في (٩٥ %) بالمئة من الحالات دون أن يؤثر ذلك بشكل ملحوظ على نزيف الدم بعد الذبح بقطع الرأس بسكين دوارة، بيد أنه لوحظ أن زمن النزف أطول من الوقت المعتاد بدون تدويخ, وكذلك لوحظ أن ١٠ % من الدجاج يموت أثناء هذه العملية، إن استعمال تيار كهربائي شدته (٧.٥) ميلي أمبير يعتبر كافيا لإحداث التدويخ، بيد أن هناك محذورا فعليا قد يؤدي إلى عودة الوعي إلى الحيوانات قبل أو أثناء الذبح.
ويتردد الخبراء المهنيون كثيرا في استعمال تيار كهربائي عالي الشدة لما يلاحظونه من زيادة كبيرة في النزف العضلي، والكسور العظمية المرافقة نتيجة لتقلص العضلات التشنجي بسبب التيار الكهربائي، وهذا ما يؤدي إلى تعارض المصلحة بين إراحة الحيوان ونوعية اللحم الناتج.
أما الدواجن كبيرة الحجم كالأوز والبط والديك الرومي وما شابه ذلك، فيتم ذبحها عادة يدويا وبدون تدويخ، نظرا لضآلة الإنتاج بالمقارنة مع الدجاج، ولثقل وزنها ولعدم تلاؤم وزنها وحجمها مع التقنية الآلية المتبعة في ذبح الدجاج.
стр. 16589
٤- التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة:
طريقة بدائية قديمة تتبع لتدويخ الحيوانات الكبيرة كالماشية والخيول وذلك بضرب العظم الجبهي للحيوان بمطرقة ضخمة تحدث ألما شديدا للحيوان وتفقده الوعي وينهار الحيوان مباشرة، ثم يتم ذبحه باليد.
وقد تخلت المجازر الحديثة عن هذه الطريقة البدائية، واستبدلت بها طريقة التدويخ بالمسدس الواقذ, في حين لا يزال يلجأ بعض الأفراد في القرى أو في المزارع إلى التدويخ بالمطرقة، وذلك لاستهلاك اللحم محليًّا.
٥- التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون:
أكثر ما تستخدم هذه الطريقة في تدويخ الخنازير، وقد يلجأ إليها أحيانا لتدويخ الشياه والماشية.
يحبس الحيوان في بيئة هوائية تحتوي على (٧٠ %) من غاز ثاني أكسيد الكربون، ويبقى الحيوان محتفظا بوعيه خلال (٢٠) ثانية ثم يحدث فقدان الوعي مباشرة، ويتبعه منعكسات حركية تستمر لمدة (١٠) ثوان, ولا يعتبر الخبراء ذلك نتيجة لمحاولة الحيوان في الفرار؛ نظرا لأن هذه الظاهرة تشاهد في المخطط الكهربائي الدماغي للحيوان بعد تخدير عميق.
تعقب المنعكسات الحركية حالة إرتخاء عضلي حينما يصبح الحيوان في حالة تخدير عميق، تستمر عادة من (٢- ٣) دقائق، ولا يؤدي هذا إلى توقف القلب إلا في حالات نادرة.
هذا وإن زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء تؤدي إلى تسريع عملية التدويخ، وهو ما يرغبه المهنيون.
стр. 16590
ويظن بعض العلماء البيطريين استنادا إلى قياس تركيز (الكاتشولامين Catecholamine) في البلاسما ولسلوك الحيوان الظاهري، بأنه لا يشعر بالألم ولا بالضيق أثناء عملية التخدير بالغاز, بيد أن هذا لا يتفق مع رأي كثير من العلماء الآخرين الذين يعتقدون بأن الحيوان يتعرض لحالة ضيق تنفسي شديد أثناء التخدير, وقد تأيد ذلك من خلال تجارب أجريت على متطوعين من البشر كانوا قد شعروا بالضيق التنفسي عندما تجاوزت نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء (٤٠ %) .
ويرى بعض الخبراء أن التخدير بالغاز يضمن إراحة الحيوان إذا كانت الطريقة سليمة الأداء، وألا فالطريقة تؤدي إلى محاذير كبيرة إذا لم تتم حسب الأصول.
هناك دراسات حديثة تجري لمحاولة تطبيق هذه الطريقة على الدواجن، حيث يتم تدويخها في الأقفاص عند استقدامها إلى المجزرة، ويرون في هذه الطريقة أنها تجنب حالات التوتر التي تصيب الحيوانات عند إخراجها من الأقفاص وتعليقها في الكلاليب وطرح رأسها إلى الأسفل, ويبدو أن النتائج كانت مشجعة من حيث إراحة الحيوان ونوعية اللحم.
стр. 16591
٦- الخنق بالطريقة الإنكليزية:
تعتمد على خرق جدار الصدر بين الضلعين الرابع والخامس، ومن خلال هذا الخرق ينفخ بمنفاخ (أو كير) فيختنق الحيوان نتيجة لضغط هواء المنفاخ على رئتي الحيوان، وهذا الاختناق يحول دون نزيف الدم وإنهاره, ولا نرى حاجة لبيان الحكم الشرعي لهذه الطريقة التي تؤدي لموت الحيوان بالاختناق، والمنخنقة محرم أكلها بالنص القرآني.
ثالثا- الذبح:
يتم الذبح بإنهار الدم: حيث ينزف منه حوالي (٥٠ %) , وفي حالات توقف القلب تنقص كمية الدم النازف كثيرا وخاصة في الخراف والماشية، وينحبس الدم المتبقي عادة في الأحشاء.
يجري الذبح عادة في المجازر الأوروبية بقطع الجانب البطني من العنق بجرح ينفذ حتى الفقرات.
وقد نشاهد أسلوبا آخر يتم بإحداث قطع في جانب العنق، بحيث تفري السكين الأوعية الدموية والعمود الفقاري والرغامى والمريء.
وهناك أسلوب ثالث يجري بقطع الرقبة وخلع الموصل الفقهي القذالي (القذال: مؤخر الرأس والفقهة: فقرة العنق الأولى) .
هناك بعض الدراسات التي أجريت حول عملية إراحة الحيوان قبل الذبح. يمكن أن ننظر إلى إراحة الحيوان بصورة موضوعية من خلال (٣) علامات رئيسية هي: الألم والكرب والوعي. ولا شك أن هذه العلامات متشابكة جدا ووثيقة الارتباط ببعضها البعض, فالألم يسبب الكرب ويتطلب الإحساس به، والكرب قد يحدث نتيجة لأسباب عديدة أحدها الإحساس بالألم، ومع فقدان الوعي يزول الكرب والإحساس بالألم.
стр. 16592
ا) الألم:
غياب الألم هو العنصر الرئيسي في إراحة الحيوان. ولذا كان من الضروري إنقاص الإحساس بالألم إلى حده الأدنى عند الذبح, ويعتبر هذا من الناحية العلمية من أصعب الأمور التي يمكن ملاحظتها عيانا, ولهذا ليس بالإمكان الاعتماد إلا على بعض المعايير الذاتية لمعرفة ما إذا كان الحيوان يتألم أو لا؟ وعلاوة على ذلك لا يمكن قياس درجة الإحساس بالألم بصورة كمية, وفي الواقع تختلف التفاعلات المشاهدة من فرد إلى آخر.
كما تعلمون جرى هنا في عام ١٩٨٥ م اجتماع مشترك ما بين رابطة العالم الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية وعدد من الخبراء المتخصصين في قضايا الذبح، وتشكل عن هذا المؤتمر نتائج هي التي ترونها في هذه النشرة، وتشكل عن ذلك عدة لجان تابعت عملها خلال سنين، من هذه اللجان اللجنة التي ذهبت إلى برلين عام ١٩٨٦، ودرست القضايا المتعلقة بالصعق الكهربائي، وكان من بين أعضاء اللجنة فضيلة الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة، ولجنة أخرى ذهبت إلى بريطانيا لدراسة الألم عند الحيوان والتخدير بالكهرباء، وكان في هذه اللجنة الأستاذ محمد عبد المنعم، وهو الذي قام بهذه الدراسات بشكل مباشر.
стр. 16593
الجدير بالذكر أن العلماء حتى الآن غير متفقين على معرفة أين يوجد مركز الألم؟ نحن نتألم في منطقة من الجلد أو في أي منطقة ما، لكن أين يوجد مركز الألم؟ هل هو في الدماغ؟ هل في جهة عصبية معينة؟ إلى الآن لم يتوصل العلم مع تقدم التجارب العلمية في هذا المجال إلى تحديد معرفة مركز الألم، هل هناك مركز للألم أم لا؟ الشيء المعروف على أن الألم يمكننا أن نتعرف عليه من خلال موضع شكة الدبوس مثلا، وهذه حالة ارتكاسات، أما الألم لا يمكن معرفته بشكل مباشر، كذلك لا يمكن قياسه بشكل كمي مثل أن نقول: عندنا (٥٠) وحدة ألم، لا توجد عندنا هذه الإمكانية لمعرفة هذا.
أجريت بعض الدراسات العملية لمراقبة إحساس الحيوان بالألم عند الذبح، ولهذا الغرض وضعت أبقار بهدوء في قفص (سينسيناتي) وتم إحكام الحاصرة بصورة تسمح للحيوان أن يسحب رأسه كيفما شاء. وجرى ذبح الحيوان بدون تدويخ- الطريقة الإسلامية- مسبق وبإمرار السكين بحركة واحدة مستمرة. ولم يلاحظ أن أحدا من الحيوانات المذبوحة قد حاول أن يسحب رأسه، وشوهدت فقط علامات ارتجاف خفيفة لدى تماس السكين مع جلد الحيوان.
وإذا لمسنا أو صدمنا أطراف الجرح بالسكين، وانغلق الجرح على السكين يلاحظ أن الحيوان يبدأ بالتخبط, وإذا كان رأس الحيوان مشدودا تماما، وتم الذبح بحركة واحدة وسريعة، فإن أغلب الحيوانات ينهار مباشرة، وبقية الحيوانات تنظر فيما حولها وكأن شيئا لم يحدث أبدا، وهذا يدعو إلى الظن بأنها لم تستوعب ما حدث.
стр. 16594
(٢) الكرب:
من الواضح أن الحيوانات تصاب بالكرب الشديد في المجازر وقبل القيام بأي نوع من التدويخ أو الذبح, وقد يتولد هذا أثناء عمليات نقل الحيوانات التي تجد نفسها مع حيوانات غريبة عنها وفي بيئة لا تعرفها مسبقا, وللتقليل من خوف الحيوان هناك بعض المبادئ السلوكية التي يحسن مراعاتها؛ وتأخذ جدارة العاملين أهمية كبيرة في هذه المرحلة, وعلى العامل أن يبقى بعيدا عن منطقة حركة الحيوانات، لتجنب حالات الهلع ومحاولة الهروب.
وتؤثر تسلية الحيوانات كثيرا على تهيجها وإثارتها؛ فالظل ووضع العاملين في مقدمة الحيوانات، وعدم توجيه النور الساطع إلى العيون مباشرة، وتخفيف الضجيج، وإخماد أصوات المحركات وصفير الهواء وقرقعة الصفائح المعدنية والصراخ، والتهوية المناسبة التي لا تحمل معها رائحة الحيوانات المذبوحة؛ كل ذلك يؤثر إيجابيا على راحة الحيوان وعدم إصابته بالكرب, وهذا يذكرنا بالأشياء المستحبة والمسنونة بسنة رسول الله ﷺ في معاملة الحيوان قبل الذبح والرأفة به.
وللدم أثر ملحوظ على الحيوانات، فإذا كان مصدر الدم من حيوان هادئ، فالملاحظ أنه لا يسبب أي خوف، بل قد يقوم بعض الحيوانات بلعق هذا النوع من الدم, وبالعكس إذا كانت هناك آثار من دم حيوان مكروب يتخبط، فالملاحظ أن الحيوانات الأخرى ترفض الدخول إلى صندوق التثبيت, ولقد تأكدت هذه الظاهرة بالنسبة لتأثير لعاب الحيوان الذبيح على الحيوانات الأخرى.
وتدخل الحيوانات بسهولة إذا ما تم غسل الصندوق بعناية، مما يشير إلى أن هناك مادة ذات رائحة خاصة تسبب هلع الحيوان.
ولقد أعيدت هذه التجارب على الجرذ، وتأكدت جميع المشاهدات السابقة.
ويعتقد بعض الباحثين أن هذه المادة التي توجد في اللعاب والدم هي الكورتيزول Cortisol أو مادة أخرى يتم إفرازها مع الكورتيزول, ولا شك أن عملية إفراز الكورتيزول في البدن تتطلب بعض الوقت، ولهذا إذا قمنا بتهييج الكرب في حيوان بتأثير بيل كهربائي شديد النور في غرفة محصورة، فالحيوان التالي مباشرة يدخل الغرفة بسهولة ويبقى هادئا، ولكن إذا بقي الحيوان الأول محصورا فترة من الزمن في الغرفة، فالحيوانات الأخرى ترفض الدخول إلى المكان خلال عدة ساعات.
стр. 16595
٣) الوعي:
إن فقدان الوعي هو العلامة المهمة جدا في إراحة الحيوان أثناء الذبح لأنه يضمن عدم الإحساس بالألم وإزالة مظاهر الكرب، ولهذا يجب الوصول إلى هذه المرحلة في أسرع وأقصر وقت ممكن.
إن استخدام المسدس الواقذ الإبري (الثاقب) يؤدي إلى فقدان الوعي آنيًا وبصورة غير معكوسة.
أما المسدس الواقذ الكروي والصدمة الكهربائية فهما يسببان فقدان الوعي بصورة وقتية محدودة ومعكوسة. واستدعى هذا أن يتم ذبح الحيوان بسرعة بعد التدويخ حتى لا تتحول حالة اللاشعور الناتجة عن عوز الأوكسجين إلى طريق استعادة الوعي والإحساس بالألم.
هذا، ولقد اعتمد في الدراسات المختلفة في مراقبة الوعي على قياسات الاستجابات البصرية وعلى قياس مخططات قشرة الدماغ.
следующие страницы →