Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17221–17260 · переход к 17226.
стр. 17221
د. رفيق يونس المصري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحقيقة أنني لم أكن أعلم أنني معقب إلا قبل يومين من انعقاد دورتكم الموقرة، ولم أعلم أيضًا بالتغيير الذي طرأ في الليلة الماضية إلا هذا الصباح، وبمحض المصادفة بالاقتصار على بطاقة الائتمان، وقد استأذنت شيخي بكر أبو زيد في أن أقدم خمس دقائق حول موضوع ضوابط العقود المستجدة، ثم أعود إلى ما تيسر لي من بعض الانطباعات عن بطاقة الائتمان.
موضوع العقود المستجدة يبدو أنه قد تأجل إلى دورة لاحقة، وأنا أود أن أضع في دقائق معدودات مسألة في غاية الأهمية لم تركز عليها الأوراق التي قدمت إلينا حول موضوع العقود المستجدة، وهي مسألة الوعد وإدخاله في المعاوضات. لن أكرر عليكم ما قلته سابقًا ولا ما قاله الآخرون، سأضع هذه الكلمات القليلة تحت أنظاركم، وشكرًا لكم.
المسألة قسمان:
القسم الأول:
أولًا: المذهب في الوعد، أحسن مذهب في الوعد في نظري هو التفصيل، فقد يكون الوعد حرامًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًا.
ثانيًا: ولكن لا يكون الوعد واجبًا أو ملزمًا إلا أن يكون قد صار بمعنى العهد.
ثالثًا: لو كان الوعد ملزمًا لكان عقدًا، ولصار الوعد كالعقد، وعندئذ يكون مرادفًا له فلا لزوم له.
رابعًا: يجوز إخلاف الوعد لعذر ولا يكون المُخْلِفُ آثمًا ولا منافقًا ولا كاذبًا.
خامسًا: الإنسان عندما يعد ولا يعقد فإنه يتوقع أن تكون هناك أسباب في المستقبل قد تضطره لإخلاف وعده، ولذلك يريد عن طريق الوعد أن يجعل لنفسه الخيار في الإمضاء أو في الرجوع، إن الله سبحانه عالم قادر، فإذا وعد فإنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، بخلاف البشر.
سادسًا: لا يجوز أن يعد وفي نيته الإخلاف؛ قال ﷺ : ((إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيءَ عليه)) . حديث رواه أبو داود. فإذا فعل يعني: إذا وعد وعند الوعد كان في نيته الإخلاف، فإذا فعل كان كاذبًا منافقًا متحايلًا.
стр. 17222
سابعًا: يجب عند الوعد أن تكون نيته الوفاء أو إمكان الوفاء على الأقل، وإلا كان متحايلًا منافقًا كاذبًا.
ثامنًا: القول بلزوم الوعد مطلقًا غير معقول كما بدا من الكلمات السابقة.
تاسعًا: القول باستحباب الوفاء أيضًا غير مسلم في جميع الحالات
كما ترون.
عاشرًا: مذهب المالكية في الوعد مذهب السبب أو الورطة تلخيصًا لقوله هو مذهب غير قوي، فلو وعدني رجل بأنني إذا تزوجت أعطاني مئة ألف ريال فإنني لا أمضي إذا عرفت أن وعده غير ملزم، وقد أمضي إذا عرفت أن وعده ملزم وهو ملتزم فعلًا وسلوكًا بمذهبه.
حادي عشر: قد يكون مناسبًا أن نجرب إلزام القائلين بلزوم الوعد بمذهبهم، لو فعلنا ذلك لرأينا أن هذا المذهب لا يعدو أن يكون من باب المزايدات اللسانية.
ثاني عشر: التمييز في الأحكام بين الوعد والعدة والمواعدة تمييز لم أفهم له وجهًا، وهذا هو رأي الدكتور محمد رضا عبد الجبار العاني أيضًا في بحثه الذي نشره المجمع الموقر.
ثالث عشر: من ذهب من العلماء إلى أن الوعد في المعاوضات الوفاء به أولى وأوجب من التبرعات فمذهبه عجيب جدًّا، فإنه يقلب الفقه والأصول وأحكام الوعد والغرر رأسًا على عقب وبجرأة عجيبة.
رابع عشر: الوعد في الاستصناع، لم يختلف الحنفية في الاستصناع هل هو وعد ملزِم أو غير ملزم كما صور لنا شيخنا القرضاوي، إنما اختلفوا هل عقد أو وعد؟ ولوكان الوعد عندهم ملزمًا كالعقد ما كان لخلافهم معنى.
خامس عشر: في المبدع شرح المقنع الجزء التاسع آخر صفحة منه ثلاثمائة وخمسة وأربعون: ((العِدة عطية)) قال: إسناده حسن، ((والعِدة دين)) إسناده ضعيف.
стр. 17223
القسم الثاني:
في الوعد، تصوير مسألة الوعد في المرابحة.
أولًا: سلهم: لماذا عدلوا عن العقد إلى الوعد؟
ثانيًا: لقد عدلوا عن العقد إلى الوعد؛ لأن العقد لا يجوز.
ثالثًا: فكيف يجعلون الوعد ملزمًا، ألا يصير الوعد الملزم عندئذ
حيلة محرمة؟
رابعًا: خلاف العلماء في الوعد يصلح مقدمة فقط، ولكن لا يجري هنا أبدًا في المرابحة وأمثالها، بدليل أن العلماء جميعًا منعوا الإلزام في الوعد في الصرف وفي المرابحة وأمثالها من المعاوضات، فالذين يسحبون خلاف العلماء في الوعد إلى المرابحة إنما هم غالطون أو مغالطون.
خامسًا: المذهب في المرابحة أنه لا جناح على من أخلف وعده، ولا أقول هنا بمذهب الجمهور في الاستحباب.
سادسًا: من كان مذهبه في الوعد هو الإلزام أو حتى الندب (الاستحباب) ، فلا يجوز له إدخال الوعد في المرابحة بحال إلا أن يختار العدول عن مذهبه إلى مذهب الخيار؛ فلو عمل بمذهبه لأدى الوعد إلى حرام في معنى أن يهرب من عقد حرام، فيلجأ إلى الوعد فيجعله ملزمًا فيعود إلى ما كان هرب منه.
سابعًا: الوعد الملزم، أيها السادة العلماء، أكبر كارثة فقهية في هذا العصر، فإذا كنتم ترون أن استحلالي ربا الإنتاج كارثة والتأمين التجاري كارثة، فالوعد الملزم أعظم، إذ به يستحلون بالتدريج ما شاؤوا من محرمات.
أعود إلى بطاقة الائتمان، الأستاذ أبو سليمان لا شك أنه شيخي، وملاحظاتي التي سأبديها هنا إنما هي ملاحظات وانطباعات تلميذ على شيخه.
стр. 17224
إن دراسته التي قدّمها لنا دراسة واسعة رجع فيها إلى مراجع أجنبية، لأجل الزينة كما يفعل البعض، والمكتبة العربية لا تزال فقيرة في هذا الباب، وإنما معرفته بالإنجليزية والعربية والفقه قد ساعدته على إخراج مثل هذا البحث، وهذا الأمر قلما يجتمع في باحث واحد.
أنا كنت أود في الحقيقة لو أن أستاذنا أبو سليمان قد لخص هذه الدراسة غير هذا التلخيص الذي سمعناه في هذا الصباح، وركَّز على القضايا المؤثِّرة في الحكم الشرعي، ولكن مع ذلك أقول: إن مكتبتنا العربية بحاجة إلى المزيد من مثل هذه الدراسات، ليس فقط في بطاقة الائتمان أو بطاقة المعاملات المالية بل في كثير من المعاملات التي مصدرها الغرب.
الحمد لله أنه كانت نتيجة الدراسة هو ما تمَّ الوصول إليه في دراسات سابقة، ومنها دراسة للعبد الفقير مختصرة بجواز البطاقة المدينة Debit Card. اعتراضه على اسم بطاقات الائتمان له وجه وليس له وجه؛ له وجه على سبيل الحقيقة على سبيل الدقة، فقوله: بطاقات المعاملات المالية هو قول في غاية الدقة، لكن ليس له وجه من جانب آخر، فإن شيخنا أبو سليمان قد نسي باب المجاز في اللغة، وباب المجاز واسع فيها، فقولنا بطاقة الائتمان له فائدتان: الفائدة الأولى أن بطاقة الائتمان هو الاسم الشائع الدارج بين الناس، فلو استخدمنا من أول الأمر هذا الاسم بطاقات المعاملات المالية لربما لم يفهم الناس ماذا نريد، فإذا قلنا: بطاقة الائتمان Credit Card نكون قد لفتنا أسماعهم وأنظارهم، فإذن بطاقة الائتمان اسم له وجه من ناحية المجاز.
стр. 17225
الحقيقة أنا سأذكر بعض الملاحظات السريعة غير المرتبة لضيق الوقت الذي كان قد أتيح لي:
إن أطراف عقد هذا النوع من البطاقات يسمى مقرض Creditor يسمى مُقْرِضًا ومقترضًا. . أي نعم. . هناك أشياء قد تمر معنا وتكون ذات أهمية أكبر، نفس الصفحة الثالثة عشرة استخدم بطاقة السحب المباشر من الرصيد، أنا لا أدري ما معنى كلمة المباشر هنا، والمسألة الأخرى - وقد تكون أهم - في الصفحة الرابعة عشرة وجدت هذا التعريف، طبعًا هذا قد يكون مرده إلى ضيق الترجمة، في السطر الثالث قال: منح دائن لمدين مهلة من الوقت يلتزم المدين بانتهائها دفع قيمة الدين، ما أدري ربما لو حذف (دائن لمدين) لكان أفضل: (منح مهلة من الوقت يلتزم المدين بانتهائها دفع قيمة الدين) . ولكنها الترجمة.
ثم بعد ذلك ورد في القاموس القانوني تحت تعريف القرض، أنا كنت أتمنى كما قال أخونا (د. أبو غدة) أن يستخدم لفظ الدين بدل القرض، فالدين أعم فقهيًّا من القرض.
وأيضًا في المتن استخدم هذه البطاقة، رابعًا: بطاقة دين ذي طرفين دائن مدين، هل هناك دين، يعني ما أدري، ما بين طرفين Two parties Cards Agreement يعني أظن الترجمة هنا ليست دقيقة، اتفاقية، يعني دين مداينة لا أدري ما هو دين ذي طرفين؟
أعود إلى نقطة مهمة، أنا رأيي في المسألة هنا دون أن أعود إلى ما فعله (د. عبد الستار أبو غدة) قد أعاد علينا بحثه السابق، أنا أود أن أقول باختصار: إن البطاقة المدينة Debit Card هي جائزة في نظري، والله أعلم، مع تسامح قليل سأبيِّنه لكم فقط، التسامح هو التالي: أنا ذكرت في بحثي السابق الذي نشر في مجلة المركز، قلت هذا الكلام:
(الجهة المصدرة لا تعتبر كفيلًا للعميل حامل البطاقة حيال المنشأة التجارية، فلو اعتبرت هذه كفالة لكانت بأجر لأنها مقابلة بالاشتراك السنوي، فهي إذن غير جائزة، لأن الكفالة في الإسلام هي كالقرض من أعمال الإرفاق، أي الإحسان إنما تعتبر هذه العملية حوالة، والحوالة في الإسلام جائزة. . .) إلى آخر الكلام. علقت بعد أن كتبت هذا الكلام، قلت: هنا الحِوالة أو الحُوالة أيضًا من عقود الإرفاق، فهنا تجتمع عقود إرفاق وعقود معاوضة، أنا أتسامح بهذه النقطة، وأقول اختصارًا: إن البطاقة المدينة جائزة، والله أعلم.
وأخيرًا فإن لي كلمة أخيرة بدقيقة واحدة، إن لي عتب على المجمع الموقر في أنني سمعت أو قرأت الكلمة الافتتاحية لمعالي الشيخ بلخوجة فوجدت أن الهيئات التي ذكرها هي بنوك ولم يذكر أبدًا دور الجامعات، يعني ركز على الأموال ونسي الأعمال، الأعمال الذهنية، هناك جامعات سعودية أيضًا هنا وتجمعنا أرض واحدة ومدينة واحدة كجامعة الملك عبد العزيز، ومركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، وجامعة أم القرى، وجامعة الإمام محمد، وهناك أيضًا جامعة الأزهر والجامعات الأردنية، لا يُنْكَرُ فضلها أبدًا في قضايا المعاملات المالية، لكن ما أدري ما السبب، يعني إذا ما فيش فلوس ما فيش مرحبًا؟ والسلام عليكم.
стр. 17226
المناقشة
الرئيس:
شكرًا: الراغبون في المناقشة.
المشايخ والأساتذة: الجناحي، سامي، عجيل، الغويل، حمداتي، المنيع، محيي الدين، شوقي، السالوس، ناجي، يوسف جيري، الصديق، سعود، منذر قحف، خليفة الحاج حسن، الفرفور، التسخيري، محمد سالم، نبيل، الأشقر، تقي، عبد الله إبراهيم.
تفضل أستاذ عبد اللطيف.
الرئيس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لحظة، سلمك الله، تعليق للشيخ الحبيب.
الشيخ الحبيب ابن الخوجة:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
نحن في مثل هذا الاجتماع نتناقش ونتحاور في الموضوعات العلمية المطروحة، ولكن تفضل الأستاذ الدكتور رفيق المصري بذكر معاتبة للمجمع عن تقصيره في شكر بعض الهيئات، وأنا أقول بأن الكلام يكون مرددًا حين نتحدث عن شيء واحد في عشرة اجتماعات أو ثماني اجتماعات وبكل مناسبة، نحن في الاجتماع في هذه الدورة في المكتب تحدثنا عن الجامعات كلها سواء التي في بلد المقر أو خارج بلد المقر، والدليل على هذا، وينبغي أن يتفطن له، أن دعوته شخصيًّا تعتبر شكرًا للمركز، ووجود الشيخ د. محمد علي القري هو شكر للمركز؛ لأننا نتعاون مع مركز الاقتصاد الإسلامي كما نتعاون مع بقية الجامعات، وهذه الجامعات كلها ممثلة في جميع الشُّعَب التي تكونت منها البحوث والدراسات في المجمع، فالشعب الفقهية الاقتصادية مثلًا أكثرها من رجال الاقتصاد الموجودين في الجامعات أو في المراكز أو في البلاد، بلد المقر أو خارج بلد المقر، لأننا نستكتب هؤلاء وعندئذ فلا معنى للتكرار، ولا للتحذلق عندما نريد أن نتحدث، وشكرًا.
الرئيس: شكرًا، الأستاذ عبد اللطيف.
الأستاذ عبد اللطيف:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.
لا شك أننا أمام بحث قيم كافي ووافي، صور الباحث الموضوع تصويرًا علميًّا وبأمانة تامة، فلذلك نقدم له شكرنا الجزيل على هذا الجهد الذي بذله.
أخوي الكريمين، د. القري ود. عبد الستار - الحقيقة - كفياني وسبقاني في الملاحظات التي كنت أود أن أثيرها، ولكن أود التأكيد على بعض النقاط: أولًا: قضية التسمية، هنا مصطلح الائتمان عبارة عن ثقة تطرحها جهة مالية في شخص، وتترجم هذه الثقة إلى كم من المال: مائة ألف، أو مائتي ألف، فهو مصطلح موجود ومتداول، وخروجنا عنه قد يحدث نوعًا من اللبس.
العلاقة من الأطراف، في الحقيقة هناك خمس علاقات وسبعة عقود، فلذلك يمكن إذا أردنا أن نجمل هذه العلاقات: عميل البنك، حامل البطاقة، المفوض بإصدار البطاقة، مرخص البطاقة، أي هناك مفوض ومرخص، المرخص بإصدار البطاقة الجهة الراعية للبطاقة أو ما يسمى المرخص الأول، القابلين لها من تجار ومتعاملين آخرين.
стр. 17227
بين هؤلاء تقع سبعة عقود فيما بينهم، وكيف نستطيع أن ننظر إلى هذه العقود، لا بد إذن من وضع ضوابط عامة لهذه العقود، ويجب أن نشيع بين المتعاقدين في المصارف الإسلامية ما هي هذه الضوابط، ولنشر إلى بعض هذه الضوابط الرئيسية: هناك ضوابط عامة؛ عدم مخالفة نص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وهنا يوجه لنا في بعض الأحيان نقد أنكم تقفون عند النص ونحن نقول لا، نحن نضع العقل في خدمة النص، ولكن إدراك الإنسان نسبي، فلذلك نضبط العقل بالنص مرة أخرى، فالعقل في خدمة النقل، والنقل يضبط العقل.
ثم الأصل في العقود الحِلُّ إلا عقد يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، وهناك ثوابت يجب أن تنتشر بين العاملين في المصارف الإسلامية وهي خطوط حمراء يجب ألا يتعدوها في العقد، من هذه الثوابت الربا، الغرر، الجعالة، الغبن، بيع ما لا يملكه الإنسان، أيضًا اعتبارات عامة يجب أن تؤخذ عند النظر في العقد؛ دفع المضرة مقدم على جلب المنفعة، لا ضرر ولا ضرار، تحمل الضرر الأدنى في سبيل دفع الضرر الأعلى، ارتكاب أخف الضررين، النفع العام مقدم على النفع الخاص، رعاية المصالح ودرء المفاسد، سد الذرائع المفضية إلى المفاسد؛ إذن نضع هذه الضوابط أمام العقود السبعة حتى لا تخرج عن إطارها.
بطاقة الائتمان بطاقة لها مستقبل باهر، بحلول سنة ٢٠١٠ م، يتوقع البعض أن الإنسان لن يحمل نقدًا في جيبه، إنما فقط بطاقة تحملها، وهذه البطاقة ذكية بحيث تحمل عنوانك وتحمل فصيلة الدم وبيانات كثيرة عنك في وريقة صغيرة أو بطاقة بلاستيكية صغيرة، وحتى أن هناك فكرة مطروحة الآن لو ارتكبت مخالفة في الشارع مخالفة مرورية مثلًا فإن شرطي المرور لديه آلة يأخذ بطاقتك ويسحبها في هذه الآلة ويسجل عليك في البنك مثلًا مائة ريال، ويسجل لصالح الشرطة مائة ريال، فإذن لا مندوحة لنا من استخدام هذه البطاقة، التي يتوقع أن تحدث ثورة كبيرة بحلول عام ٢٠١٠ م.
стр. 17228
بقي أن ننبه عند الصياغة أو التوصيات، بضرورة صياغة العقود بين الأطراف المعنية جميعًا صياغة يراعى فيها الناحية الشرعية، والتأكيد على التزام العميل باستخدام البطاقة بعيدًا عما حرمه الله، لأن في الحقيقة لا ضوابط لنا على استخدام البطاقة، فقد يستخدمها العميل فيما شاء، لذلك لا بد أن ينبه المتعامل مع البنك الإسلامي على أن هذه البطاقة يجب أن تستخدم في ضمن ما أحله الله ، وفي حالة كشف حساب العميل لسبب ما، وباعتبارنا نتعامل بالإقراض كبنوك إسلامية، فإننا يجب أن نؤكد على ألا تحسب فوائد أو غرامات، لأنه في بعض الأوقات تؤخذ الغرامات محل الفوائد.
الالتزام بالضوابط الشرعية للعقود كما جاء في النصوص الشرعية، بقيت مسألة أننا نستطيع إذا فكرنا أن نروج، أو أن نطرح موضوع البيع الآجل بالبطاقة، وهذا ينص عليه في العقد، ويذكر في استمارة معينة مع التاجر، يعني العميل عندما يتجه إلى التاجر هل يريد أن يشتري البضاعة نقدًا أم يشتري البضاعة آجلًا؟ وإذا كان يريد أن يشتري البضاعة آجلًا فكيف سيدفع هذه الأقساط؟ أنا فقط أثير هذا الموضع حتى ينال الانتباه، ونستطيع كبنوك إسلامية أن ننافس البنوك التقليدية؛ لأنهم يعطون، يقدمون قرضًا، وهم يقدمون قرضًا بفائدة، ولكن ما الأمر لو أننا وضعنا مثل هذه الشروط والالتزامات والاستمارات أمام التاجر؛ فيملأ هذا الذي يريد أن يدفع نقدًا يملأ البطاقة النقدية استمارة البطاقة النقدية، وهذا الذي يريد أن يدفع آجلًا يملأ استمارة معينة، وكأنه طلب بالمرابحة مقدم للبنك يذكر فيه كيف يدفع هذا المبلغ، فنحن ندفع للتاجر نقدًا ونقسطه عليه، والتاجر هنا نعطيه تعليمات بأن البيع الآجل سعر البضاعة كذا يضاف عليه نسبة معينة، والسعر النقدي كذا، وأطرح هذا فقط لينال اهتمام أصحاب الفضيلة.
стр. 17229
الأستاذ سامي حمود:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا الموضوع تكرَّر التعرض إليه، وأرجو أن يكون في هذا البحث ختام المناقشة وأن نصل فيه إلى رأي، ولقد أجاد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في العرض التفصيلي، والعنوان الذي اختاره في الواقع بطاقات المعاملات المالية هو عنوان شامل يشمل جميع أنواع البطاقات، فنحن لا نذهب إلى أن هناك تناقضًا أو لبسًا، أودُّ أن أفسر مقدار ما أعلم في هذا المجال، حيث إنني أتعامل بهذه البطاقات في حدود ما هو مسموح به شرعًا.
فهناك بطاقة الخصم التجاري تصدرها شركة أو محل تجاري من يحمل هذه البطاقة له الحق في أن يحصل على خصم من أثمان البضاعة التي يشتريها، فهذه بطاقة خاصة بالمحلات التجارية ولا علاقة لها بالائتمان ولا بالقيد على الحساب، ولا علاقة لها بالبنوك والتعامل المصرفي، فهي علاقة مباشرة، يدفع نقدًا ولكنه يحصل على خصم تمييزي باعتباره من العملاء الذين يأخذون باستمرار من هذا المحل التجاري.
النوع الثاني: بطاقات القيد على الحساب وهي Debit Card هذه يصدرها مصرف ولا بد أن يكون لحامل البطاقة حساب لدى المصرف، وأنه بدل استعمال الشيك في الأداء في المدفوعات يستعمل حامل البطاقة هذه البطاقة، والتاجر الذي يبيع بناء على هذه البطاقة، إما أن يعتمد على المطالبة بأنه يجمع جميع مبيعاته والفواتير التي تسدد بهذه البطاقة ليقدمها إلى البنك ويحصل على قيد لحسابه، ويخصمها البنك من حساب العميل، وإما أنه دخل الآن في التطور الحديث بفضل نظام الكمبيوتر وسهولة الاتصالات المباشرة مع البنوك بأنه يستطيع فعلًا (كما ذكر مثال الشرطي) أن يضع المحل التجاري الكبير هذه البطاقة في هذه الآلة فيتم القيد مباشرة في نفس اللحظة على حساب العميل ولصالح الجهة التجارية التي قامت بالبيع، فهنا العملية عملية دفع أو أداة، فسواء دفع بشيك أو ببطاقة فالعلاقة بين حامل البطاقة والبنك علاقة مباشرة وإنه يحصل على خدمة، هذه الخدمة إن لم تكن مرتبطة بالاقتراض والاستدانة فهي خدمة فيها منفعة معتبرة، والأجر الذي يأخذه البنك لقاء تقديم هذه الخدمة له مقابل طالما أنه ليس فيه عنصر الإقراض، إذا دخل عنصر الإقراض هنا يأتي دور البنوك الإسلامية بأن ليس لها حق في أن تأخذ فائدة، وهذا ما تفعله فعلًا هذه البنوك، وأنها تعتبر هذا العميل إما أن تقدم له هذا التسهيل باعتبار أنه في أيام الرخاء كان دائنًا فأصبح في بعض الحالات مدينًا، فهذا يقابل هذا، وتعتبر هذا تسهيلًا من جملة التسهيلات التي تجذب بها العملاء.
стр. 17230
النقطة الهامة في القضية أن البنك عندما يدفع للتاجر هذه القيمة فهناك للدفع وسيلتان: إما أن يدفع القيمة مباشرة كما هي بقيمتها الأساسية، وإما أن يحصل على خصم مشابه لما تحصل عليه الجهات التي تقدم بطاقات الائتمان، فيكون قد باع الفاتورة بمائة ريال مثلًا، فيدفع له خمسة وتسعون ريالًا، ويخصم خمسة لقاء هذه الخدمة.
هنا طالما أن العملية عملية حوالة في الدفع، أن عميل البنك حامل البطاقة قد أحال التاجر ليقبض من البنك ما كان مفروضًا أن يدفعه هو، فالحوالة تكون بقيمتها الأساسية، فإذا حصل البنك الإسلامي على خصم فإن هذا الخصم يجب أن يعود لحامل البطاقة، ولا يكون يستفيد من وراء ذلك بأن يبيع، لأنه دَين يشتري دين المائة بثمانية وتسعين أو بخمسة وتسعين. هذه نقطة هامة جديرة بالملاحظة في موضوع بطاقات القيد على الحساب.
النوع الثالث: بطاقات ضمان الأداء وهي Credit بمعنى أنه ائتمنه ليؤدي بعد مدة، فهي نوع من ضمان الأداء، وهذا الضمان ليس فيه حقيقةً مفهوم الكفالة، لأننا إذا أخذنا بطاقة American Express التي هي أشهر بطاقات Credit Cards فإننا نجد أنني عندما أشتري السلعة من التاجر يتم هناك اتصال بأن حامل هذه البطاقة يرغب في أن يشتري بعشرة آلاف ريال فهل تسمحون؟ فإذا حصلت الموافقة تمت العملية، وإذا لم تحصل الموافقة فلا تحصل العملية إلا في بعض الحالات، كالشراء من الطائرات مثلًا في حدود معينة، فإنه لا يتم الاتصال لتعذر الاتصال من الطائرة فتقبل على أنها ضمان مقبول، لكن هناك حدود لا تتعدى على ما أظن ثلاثمائة دولار.
هذه البطاقة التي فيها إقراض، فالعملية والعلاقة بين الشخص حامل البطاقة والجهة التي تؤدي عنه، هناك ترتيب إذا تم الدفع خلال شهر فلا يوجد عليه فائدة، إذا تجاوز الشهر فإنه يتحمل الفائدة، فإذا تصورنا أن البنك الإسلامي يريد أن يصدر بطاقات Credit Card فالأمر يبقى على حاله؛ لأنه لا فائدة في شهر وما بعد شهر، ويقيد ذلك بالأداء بأن العميل الذي تجاوز يكون عقابه ألا يصدر له مثل هذه البطاقة.
стр. 17231
وهناك موضوع الخصم لأنه من جملة شروط العملية أن مؤدي القيمة بالبطاقة يجب أن يخصم، وإلا ما قام بهذه الخدمة، فهذه علاقة خارجة عن علاقة العميل نفسه بالبائع، ولكن إذا كان المتعامل في هذه هو بنك إسلامي فيدخل موضوع شراء الدين بالنقد، وفيه أيضًا مصارفة إجبارية وهذه نقطة يجب أن تكون ملحوظة عند اتخاذ القرار، بمعنى أني إذا اشتريت ببطاقة American Express بالريالات، فإنهم يدفعون القيمة للتاجر بالريال، وأني أنا لأسدد القيمة فتصدر لي الفاتورة بالدولار، فلو جئت لأسدد American Express بدولارات أقدمها شيكًا أو نقدًا، فإنهم يرفضون الاستيفاء ويجبرونني على أن أقدم لهم ريالات لأن العملية فيها مكسب ضمني، بمعنى أنني لو دفعت لهم بالدولار فالألف دولار تسدد بألف دولار فلا يكون هناك مكسب، أما إذا سددت لهم بالريال فإنهم يشترون مني بسعر شراء الريال، ومعلوم أن في الصرف هناك سعر للشراء وسعر للبيع فيكسبون عن طريق سعر الشراء التي هي القيمة الأقل، بأنني أدفع ريالات أكثر حتى أسدد القيمة المطلوبة مني في هذا النوع من البطاقة، فهذا الإجبار على الصرف بحاجة إلى ملاحظة عند اتخاذ القرار والتوصية.
النقطة الأخيرة التي أثارها الأخ الفاضل الأستاذ عبد اللطيف جناحي خلال القول في موضوع المرابحة عن طريق البطاقة، أخشى أننا نعمل مرابحة بلا بيع؛ لأن عملية المرابحة - باعتباري مبتكرها أو مكتشفها - يجب أن تتم فيها عملية البيع بدخول السلعة والثمن في ذمة المشتري ثم أبيعها، فإذا مرت العملية مباشرة دون مرور السلعة وضمانها بذمة المشتري الوسيط، فإننا نكون قد قلنا له: استدن من هذا المحل بكذا ونحن نأخذ منك لقاء هذا الدين بمائة وعشرين باسم المرابحة، فأرجو أن نفكر في ذلك مليًّا وكثيرًا. وشكرًا لكم على حسن الاستماع.
стр. 17232
الرئيس:
شكرًا، يا أستاذ سامي، كأنا نريد الآن خلال بعض الكلمات توصيف البطاقة التي تصدرها المصارف الإسلامية كذا.
الأستاذ سامي: نعم أن نفرق بين أنواع البطاقات.
الرئيس:
مهلًا، دعني أكمل. . أنه يراد توصيف للبطاقة التي ينبغي أن تصدرها المصارف الإسلامية، والواقع ليس هذا هو الموضوع الرئيسي، الموضوع هذه البطاقة التي تصدرها البنوك التجارية الربوية التي ليس لها غطاء، ومندوبو البنوك بحقائبهم للشركات والمؤسسات وبإعلاناتهم في الصحف وفي الإعلان للمسارعة إلى المشاركة في هذه البطاقات التي ليس لها غطاء، ما هو موقف الشريعة الإسلامية، وما هي كلمة الفقهاء في حكم هذه البطاقة التي ملأت جيوب الناس، وبسببها بدل المديونية العالمية والمديونية الدولية صارت المديونية الشخصية على الأفراد وصارت السجون الآن تعاني منهم، هذه أهم نقطة لأن قضية بيان الحكم الشرعي في هذه البطاقة التي ليس لها غطاء يأتي المُعدَم إلى بنك من البنوك ويعطى بطاقة بسقف معين ويصرف ثم بعد تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين أو أكثر أي مدة محددة لا يجد وفاء ثم تتراكم عليه هذه المديونية. هذا هو الذي أرجو أن يتفضل أصحاب الفضيلة والإخوان الأساتذة الاقتصاديين بأن يولوه شيئًا من الاهتمام.
الشيخ عجيل:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أعتقد أن هذا الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية، ونتمنى أن ينتهي المجمع إلى البت فيه، لأنه من الواقعات المختلف فيها. ومن خلال النظر في الأبحاث السابقة والنظر في البحث المقدم من د. عبد الوهاب أبو سليمان وهو أوسع البحوث التي قدمت وأوضح من جلا وحرر الوصف أو التكييف الفقهي لبطاقات الائتمان، فجازاه الله خيرًا.
الموضوع أصبح واضحًا، ويلزم المجمع أن ينبه على ربوية بطاقات الائتمان من النوع الثاني والثالث كما ذكرها
د. عبد الوهاب أبو سليمان.
هذه البطاقات التي تصدرها البنوك الربوية لا بد من الإشارة الواضحة لها في مقررات المجمع، إشارة إلى حرمتها لأن أغلب المسلمين يستعملونها، ولو نبهوا لانتبهوا وأقلعوا عن الحرام إن شاء الله، وأعتقد أن المجمع مسؤول بعلمائه عن هذا التنبيه.
стр. 17233
ودليل ربوية هذه البطاقات واضح من المصالح التي تعود على أطرافها، وخاصة مصدر البطاقة، حيث يأخذ مصدر البطاقة إضافة إلى رسوم الإصدار نسبة يقتطعها من كل فاتورة شراء يقدمها له التاجر، وفوائد الصرف إذا استخدمها حامل البطاقة - أي العميل - خارج بلاده هذه أيضًا فائدة، بالإضافة إلى استفادة البنوك الربوية من السيولة الضخمة التي تتوفر لديهم.
ولا شك أن النسبة التي يقتطعها هي منفعة جرها إقراض البنك لحامل البطاقة، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا، كذلك فوائد التأخير مقطوع بحرمتها، ولا يشفع للقول بجواز هذا العقد اضطرار العميل حامل البطاقة إلى حفظ أمواله من المخاطر ووجود سهولة التعامل - خاصة خارج بلاده - في البيع والشراء، فهذه مصالح ملغاة ومنافع ملغاة، ربما أخف هذه الأطراف هو التاجر وإن كان شريكًا في إثم هذا التعامل، وإنما تعتبر هذه المصالح ملغاة لاعتبارين:
أولًا: لأنها مبنية على قرض بفائدة وهو ربا، فيه ربا واضح.
الثاني: ما يترتب على استعمال البطاقة الربوية من الأضرار التي تلحق العامة وتلحق المجتمع، وهذه أضرار المديونيات التي تلحق العامة، وتوسيع دائرة المدينين، هذه مشكلة تعانيها الآن الدول الأوروبية، وبعض هذه الدول وصلت المديونية فيها إلى ٥٠ % من أفراد الشعب.
حين يصدر المجمع رأيه في هذا أرى أنه لا بد وأن يقدم البديل للبطاقة التي لا يجوز استعمالها، وليس هذا بالأمر المعقد ولا هو بالصعب تنفيذه بالنسبة للمصارف أو البنوك الإسلامية، وكثير من البنوك الإسلامية تطبقه حاليًا، لكن دون فتوى مجمعية تضبط مسار هذا التطبيق. التكييف أو الوصف الشرعي الذي نراه في هذا اعتبار العلاقة بين حامل البطاقة والتاجر علاقة حوالة، حيث يحيل حامل البطاقة التاجر فيما ثبت في ذمته من قيمة المشتريات أو غيرها من الخدمات التي تجيزها وتخولها البطاقة على مصدر البطاقة وهو المحال عليه، ولا يشترط في الحوالة أن يكون للمحال دين على المحال عليه.
أنتقل إلى قضية عمولات البنوك، وهذا أذكره هنا بناء على ورقة قدمت لنا ضمن الأبحاث.
نقول إنه لا بأس أن يأخذ البنك الإسلامي عمولة مقابل إصدار البطاقة وعمولة على استخدام البطاقة، ويشمل ذلك بطاقة السحب النقدي أو غيرها من البطاقات، وينبغي أن تكون العمولة مقطوعة.
стр. 17234
والذي تجري عليه البنوك الإسلامية حسبما أعلم أنها تأخذ عمولة عبارة عن نسبة مئوية من المبلغ، وهذا لا أراه صحيحًا لأنه فيه استغلال للعميل، وأخذ للمال دونما يقابله من عمل، فإن الجهد والتكلفة الفعلية لاستخدام العميل للبطاقة لا يختلف من المبلغ القليل أو الكثير، نسبة ١ % مثلًا على مائة دينار غيرها لمبلغ ألف دينار، بينما الجهد واحد والتكلفة واحدة ولا يجوز للبنك الإسلامي أن ينهج نهج شروط الإذعان التي تتضمن حيفًا وظلمًا وإن رضي بها العميل.
وإذا كانت هذه نسبة غير جائزة في تقديري بالنسبة لبطاقة السحب النقدي التي لا شبهة في جوازها كما تجريها البنوك الإسلامية، هذه النسبة تكون أكثر إشكالًا في حال المديونية لمن يقع فيها، إذا وقع العميل في هذه المديونية فتكون العمولة منسوبة إلى مقدار الدين، وهذا من الربا الواضح في تقديري.
وهذه هي النقطة الثانية تنص في لوائحها أو تجيز لوائحها اشتراط غرامة مقطوعة أو نسبة محددة على المبلغ حال تأخر حامل البطاقة عن السداد دون عذر مشروع، وهذا ما تنص عليه بعض المصارف الإسلامية على أساس صرف هذه الغرامة بعد ذلك في وجوه البر، ولا يتملكها مستحق المبلغ، هذا الشرط في تقديري باطل ولا يجوز تضمينه لوائح البنوك الإسلامية؛ لأنه لا يجوز شرعًا الدخول على عقد يتضمن شرطًا ربويًّا، ولو كان قصده عدم الدخول تحت طائلته أو الالتزام به، ولا يصح قياسه - كما قاس البعض - على جواز اشتراط غرامة على التأخير، قياس جواز اشتراط غرامة على التأخير على التعزير بالمال، لأن هذا قياس مع الفارق، طبعًا معلوم أن التعزير بالمال قال به الأقل، جمهور الفقهاء منعه، التعزير بالمال ليس فيه دخول بشرط أو على شرط ربوي باطل، بينما هذا العقد واضح فيه أنه دخول على شرط ربوي باطل والله أعلم، وشكرًا.
стр. 17235
الشيخ إبراهيم الغويل:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أولًا بما أنني آخذ الكلمة لأول مرة فلا بد أن أحيي رئيسنا الشيخ أو الشيخ الرئيس والحبيب الأمين العام لهذا المؤتمر على جهدهم المتواصل لوضعنا دائمًا في مستجدات الأمور والبحث عن تأصيلها في فقهنا وفي شريعتنا.
أود أن أتحدث في الموضوع محل البحث وكلمة Credit في الحقيقة هي أقرب إلى كلمة (الدائنة) باللغة الإنجليزية، ولكن هذا البحث العظيم في الحقيقة والموصل أعجبني كثيرًا وقرأته أكثر من مرة من حين وصوله إلي في البلاد هناك وهنا، وأتمنى دائمًا أن تكون محاولة تكوين التصور عن الأمور التي نريد أن ننزل عليها حكم الشرع دائمًا موضَّحة ومؤصَّلة، بل إنني وددت لو أن شيخنا أبو سليمان قد توسع فيما بدأ به في الصفحة السادسة حينما قال: (نشأ نظام البطاقات وتطورت أنظمته ولوائحه في البلاد الغربية على أساس الاقتصاد الرأسمالي بفلسفته وأساليبه، وبلغ من الإحكام بحيث لم يترك منفذًا إلا سلكه أو طريقًا للربح - والأولى للاستغلال - من حامل البطاقة إلا قننه ونفذ إليه) . ولو أنه توقف عند هذه الفقرة وتوسع فيها فتحدث عن النشأة والتطور وبلوغ درجة الإحكام لكشف ما أوجزه شيخنا الرئيس بكلمة رائعة في حديثه الآن حينما قال: إنه نظام جاء ليضيف كارثة المديونية الشخصية إلى كارثة المديونية العالمية للدول الإسلامية والمستضعفة.
النظام الرأسمالي أصلًا الذي نشأ فيه هذا النظام وتطور من خلاله واكتمل عنده يقوم على فكرة المديونية أو الدائنية أصلًا، ومن هنا كلمة الائتمان، لأن النظام يقوم على فكرة إيهام العاملين الطالبين للمنتجات أن في يدهم أكثر مما هو في الحقيقة، ومن هنا جاءت فكرة الدائنية التي تقدمها الدول الغربية إلى العالم الثالث، وجاءت فكرة بطاقات الائتمان لإيهام صاحب المال أن لديه أكثر مما في يده، لأن النظام يقوم أصلًا على الفكرة التالية: إن كان بائع المواد الأولية مثلناه في (أ) مثلًا وباع بما يساوي ٥٠٠ وحدة سواء ملايين أو بلايين أو ما شئنا من الأرقام، العاملون جميعًا مثلناهم بمجموعة واحدة (ب) مثلًا فهو يعطيهم مثلًا ٥٠٠ وحدة من الملايين أو البلايين , مجموع المنتجات ستكون مساوية لكمية النقد، لأن الأصل في النظرية الاقتصادية أن مجموع المنتجات يساوي عرض النقود، فسيكون عرض النقود هو مئة ألف من الوحدات التي اتفقنا عليها من الملايين أو البلايين أو التراليين، في هذه الحالة الرأسمالي لكي يكسب لا بد أن يوهم الذين عندهم ألف وحدة أنهم يملكون أكثر من ذلك.
стр. 17236
هذا الوهم هو الذي يأتي بفكرة الإقراض بالفائدة وبفكرة Credit Card وبفكرة إقراض العالم الثالث، وهذا النظام في حقيقته هو نوع من إيهام الأفراد أنهم يملكون في حساباتهم وفي جيوبهم أكثر مما يملكون في الحقيقة، ولذلك فهو نظام يقوم على فكرة إيهام، والحصول على سعر فائدة من وراء ذلك، واستنزاف حامل البطاقة إلى أقصى مليم يستطيع أن يستنزفه البنك وكيل الرأسماليين في ذلك، فإنه لم يترك منفذًا إلا سلكه أو طريقًا للربح أو للاستغلال من حامل البطاقة إلا قننه ونفذ إليه.
ولذلك حينما نريد أن نتحدث عن هذه البطاقات ثم نريد أن نلزمها بحدود الشريعة تفقد معناها بالنسبة للمصارف، وتفقد معناها بالنسبة للرأسمالية، لأن الشريعة لا تسمح له بذلك، والفقه الإسلامي سيوقفه عن ذلك ويمنعه، وبالتالي نصبح كأننا نقدم نظامًا بديلًا عن هذه البطاقات الائتمانية، لأن المقصود من Credit Cards هو ما يؤدي إلى مديونية الأشخاص واستنزافهم إلى آخر مليم بإيهامهم أنهم يملكون أكثر، ثم مطالبتهم ثم محاصرتهم، ثم كل ما يترتب على ذلك مما ترتب على الدول الإسلامية ودول العالم الثالث حينما قدمت لها القروض ثم رتبت عليها الفوائد، ثم لم تعرف أن ترد لا الفوائد ولا القروض وأصبحت في الوضع الذي هي فيه، وشكرًا.
الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين.
الحقيقة أن الكلمات التي سأتقدم بها لا تعد ملاحظات ولا استدراكًا، ولكنها تتميم لبعض ما ورد في البحث القيم الذي تمسك صاحبه بروح الإسلام العالية، فلقد كان أخونا الدكتور أبو سليمان موفقًا في تعريفه بتلك البطاقة وشرحه لمختلف الإجراءات التي تتكون منها، والتشريعات البنكية التي تنظمها، ثم كان بارعًا أيضًا كما هي عادته عند استخلاص النقط التي جعلها أساسًا للتطبيق على تلك الأوراق.
стр. 17237
فالحقيقة أنه مجهود يستحق التقدير والتنويه للبحث عن أوجه الدليل وحسن استخدامه بطرق أضفى عليها سحر البيان كثيرًا من الأهمية، وعند حكمه بأن تلك الورقة تشتمل على معايير تجعلها ترتبط بعدة عقود مثل القرض والسلم والضمان والوكالة اتضح بتبريراته أن تلك العقود ترتبط بها تلك البطاقات شكلًا ولا أقول جوهرًا، فترتبط بتلك العقود التي قارنها الدكتور الجليل، ولكن فيما يرجع إلى تنزيلها منزلة القرض في الصفحة ٦٧ ففيه مفارقات حسب نظري، فالهدف من القرض في الشريعة الإسلامية هو ثواب الآخرة، وإلى ذلك أشار الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : ((ما من مسلم يقرض مسلمًا مرتين إلا كان كصدقة)) ، وهذا عكس ما تهدف إليه البنوك من وراء إصدار البطائق، إذ هدفها هو الربح عن طريق الفائدة، وإن التعريف الذي أعطاه الدكتور العالم أبو سليمان للقرض وضّح بكل تفصيل هذه المقارنة.
إذن فما دام القرض عملًا من أعمال البر، لا يرجو من قدمه لمن احتاجه سوى ثواب الآخرة فكيف تنزل تلك الأوراق على عموم صورها منزلته؟ فهي يشترط فيها استرجاع المبالغ التي أخذت بواسطتها بفائدة وحسب شروط إذعانية ليس لحاملها بد من قبولها، ثم إن الطرق التي تمت بها جميع الإجراءات التي أعدت بها تخالف صور القرض التي نظمتها أحكام الفقه الإسلامي، فهي أعدت أساسًا لجني الربح بواسطة الفائدة، بينما القرض سن التعامل به لنفع المحتاج بطرق تضمن لرب المال ماله بدون زيادة.
إن تلك البطائق تصدرها المؤسسات البنكية بهدف الربح من الفائدة التي تجعلها على الحسابات المؤداة بتلك البطائق، وخصوصًا على الذين لا يتوفرون على ودائع، فهي تضم صورًا من البيع وأخرى من القرض وبعضًا من تطبيقات السلم، فإن ما تضمنته من صور القرض يجر في الغالب نفعًا للمقرض، وعلى تلك الصور نص المغني على حرمتها، فقال: " والبيع مع السلف أن يبيع منه شيئًا ليقرضه أو ليؤجله بالثمن ليعطيه في ذلك ربحًا ".
стр. 17238
فهذه البطائق تضم بيعًا وشرطًا وسلفًا جر منفعة مشروطة، وذلك نهى عنه الحديث الشريف الذي سيأتي قريبًا، ثم إنها أعدت من أجل تسهيل قرض تترتب عليه فائدة محددة تحديدًا ملزمًا للمذعن الذي هو حامل البطاقة، ولذلك تختلف مع عقد القرض الذي هو في الشريعة الإسلامية الحصول على ثواب الآخرة بقضاء حاجة المقترض بطريقة تستبعد اشتراط المقرض لأي منفعة من قرضه.
ولذا نرى أنه يصعب تنزيل هذه البطائق منزلة عقد القرض الإسلامي بسبب الزيادة التي يجنيها الممول، وخصوصًا إذا كان حامل البطاقة لا يتوفر على ودائع في البنك، بل إن مصدر البطاقة يأمل أن يسترجع حساباته من المداخيل الجارية التي تمر إلى حامل البطاقة عن طريق البنك كأجور الموظفين وأكرية عقارات المُلَّاك وصفقات التجار، ففي هذه الحالة المستهلك حامل البطاقة يتسلمها بشروط لا مجال للمناقشة فيها، ومن أبرزها نسبة الفائدة التي ستضرب على ما سحب بتلك البطاقة، ولا مجال لقبول زيادة مشروطة عند إبرام عقد القرض في الإسلام.
قال السرخسي: " ولهذا قلنا: إن المنفعة إذا كانت مشروطة في الإقراض فهو قرض جر منفعة، وهو حرام، وإن لم تكن مشروطة فلا بأس به، حتى ولو رد المستقرض أجود مما قبضه فإن كان ذلك عن شرط لم يحل ".
أما عن اشتمال تلك البطائق على أوصاف عدة عقود فيمكن النظر إليه من خلال قصة أسيد بن عتاب لما بعثه النبي ﷺ إلى أهل مكة فقال ﵊: ((انههم عن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع مالم يُقْبَض)) .
стр. 17239
أما الحوالة بدون فائدة إذا كان المقترض سيرد أحسن مما أخذ وهو ما أشير إليه في الفارق بين الصرف والحوالة، فقال السرخسي: " إن ابن الزبير ﵁ كان يأخذ بمكة وَرِقًا من عند التجار، فيكتب إلى أصحابه في الكوفة فيعطونهم وَرِقًا أجود منه، فسألت ابن عباس - يقول عطاء - عن أخذهم لورق أجود من ورقهم فقال: لا بأس به إذا لم يكن مشروطًا، وإن كتب له سفتجة بذلك ولم تكن الجودة مشروطة جاز ".
قال في جواهر الإكليل مؤيدًا لما جاء فيما قاله السرخسي على جواز أخذ الزائد أو الأحسن عند استرجاع القرض، إذا لم يكن ذلك مشروطًا عند تكوين القرض، وذلك عند قول المختصر: " وكَعَيْنٍِ ترهن أقامتها إلا أن يقوم دليل على أن القصد نفع المقترض فقط ".
هذه العبارة تأتي دليلًا واضحًا على أن مقصد الشارع من القرض هو نفع الضعيف وذوي الحاجة.
وسوَّى بعض الفقهاء بين القرض والسلم، ومنهم من ألحقه به، فردَّ صاحب التجريد على ذلك بقوله: " إن ذلك مجرد تسمية ولا يقتضي أنهما نوع واحد لتغاير مفهوميهما، إذ السلم بيع موصوف في الذمة، والقرض تمليك شيء على أن يرد بدله، فكيف يكون نوعًا واحدًا مع تغاير مفهوميهما؟ " ومن هنا أمكن تكرار ما قاله كثير من العلماء ورجال الفكر، وهو أن الشريعة الإسلامية نظام قائم بنفسه، ولا يمكن أن يرغم على قبول جميع الإجراءات المستحدثة خارج نظمه ما لم تستبعد منها جميع الإجراءات المخالفة لأقوال فقهاء شريعته السمحة.
أما عن تطبيق أحكام الضمان على تلك البطائق، فواضح أنه يصح شكلًا، ولكن لا يصح جوهرًا، وأقرب قول فقهي يطبق على ذلك قول مختصر خليل بن إسحاق عندما قال: " الضمان شغل ذمة أخرى بالحق وصَحَّ من أهل التبرع ".
стр. 17240
الحقيقة أن ذمة البنك مصدر البطاقة انضمت إلى ذمة الحامل وحلَّت محلها في الالتزام بأداء المبلغ الذي سُحِبَ بواسطة البطاقة على أن يردَّه بفائدة حسب مسطرة التعامل مع البنك، وهي شروط فاسدة حسب الحديث الشريف: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له ولو اشترط مائة شرط، كتاب الله أحق وشرطه أوثق)) رواه الصحيحان بألفاظ مختلفة، فإذا صح ضمان من حين حلول ذمةٍ محل أخرى، فإن اشتراط نسبة الفائدة باطل، وإن ارتبط العقد به فهو باطل.
وتخضع مسألة الضمان في هذه الورقة لما يمكن أن يطبق عليه ما قاله السرخسي في الواقعة التالية: " وإذا أمر رجل خليطًا له أن يؤدي عنه ألف درهم فضمنها، والآمر مقرٌّ بأن الألف عليه، فأدى الكفيل المال رجع به عليه الآمر استحسانًا، لأن الخلطة بينهما تقوم مقام تصريحه بالأمر بالكفالة عنه. فإن الخلطة بينهم مقصودة لهذا، وهو أن يؤدي ما عليه ليرجع به عليه فنزل ذلك منزلة الضمان. . . إلى أن قال: والخليط عندنا هو الذي يأخذ منه ويعطيه ويداينه ويضع المال عنده ".
هذه الإجراءات تقترب جدًّا من العلاقات الرابطة بين مصدر البطاقة وحاملها، وبين البنك المصدر والمورد والذي سحب منه العميل حامل الور قة.
مع فارق في الهدف، فالشريعة الإسلامية تريد نفع المحتاج والبنك يريد الربح، فاتحدت الصورة واختلف الهدف، لذلك فشكل علاقة هذه البطاقة في الإطار العام لتلك التصورات يبدو واردًا جدًّا، ولكن في نظري يمكن أن يبيح منها الفقه الإسلامي حالة واحدة هي أن يكون حامل البطاقة له ودائع لدى المصرف، واشترط الرجوع عليه بها بما سحب دون فائدة.
стр. 17241
إن هذا التحليل القيم الذي اشتمل على مختلف الصيغ الإجرائية التي تتم عليها تلك البطاقة حسب ما أورده أخونا أبو سليمان يسوق إلى القول بأن صاحب البطاقة إذا كانت لديه أموال في البنك المسحوبة عليه فاتورات الشراء عن طريق تلك البطاقة، بحيث لم يسجل عليه البنك فائدة، وإنما دخل تسديده بالثمن في إجراءات السحب العادية، فإن هذا في نظري لا بأس به؛ لأنه لم يدخل في سلف جَرِّ منفعة ولما يتم فيه قرضًا بفائدة على ما دفع البنك عن صاحب البطاقة.
أما الحالة الثانية فهي أن يكون صاحب البطاقة ليست له ودائع في البنك، وإنما ربط مع اتفاق مسبق على التسديد والرجوع عليه بما سدد عنه مع الفائدة، قليلة كانت أم كثيرة فإن هذه تكون في نظري حالة من حالات الربا وهي حرام بالإجماع، ويجب النظر إليها ضمن الموقف الإسلامي منه، وما ينبغي أن ينظر فيه هو تحديد المعاملات الربوية لأنها حرام بالإجماع، وتمييز جميع صوره أصبحت الحاجة تعود إليه، وما لم يكن منه ينبغي أن يوضح للرأي العام الإسلامي.
وختامًا أشكر الأستاذ أبو سليمان على بحثه الذي شدنا جميعًا إلى قراءته عدة مرات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
في الواقع أنني أكرر ولا أقول أثنِّي أو أثلِّث، وإنما أكرر ما تفضل به إخوتي من الثناء على بحث أخينا وزميلنا الدكتور عبد الوهاب وعلى المجهود الذي بذله، وهو في الواقع ليس بحثًا وإنما هو مؤلف نرجو أن يوفقه الله إلى استكمال ما يمكن أو ما ظهر أنه ملاحظة عليه في هذا اللقاء المبارك.
أولًا قبل دخولي أعتب عليه في أنه عبَّر عن اللغة الإنجليزية بأنها اللغة الأم، هي ليست لغة أُمٍّ وليست لغة، وإنما هي لغة يصدق عليها بأنها شرٌّ لا بد منه، هذه واحدة.
стр. 17242
أما اللغة الأم فهي اللغة العربية، لغة كتاب الله ولغة سنة رسول الله ﷺ ولغة أهل الجنة، فهذه هي اللغة الأم، أبى من يكابرنا في ذلك أم استجاب.
الحاصل، هي شر لا بد منه بالنسبة للبطاقة وغيرها، في الواقع إن بطاقات الائتمان خدمت وتخدم المجتمع الإنساني على وجه العموم، ومن ذلك المجتمع الإسلامي، ولكننا - ونحن مطالبون بالتقيد بالأمور الشرعية - يجب علينا أن يكون لدينا مراقبة، وأن يكون لدينا قيود، وأن يكون لدينا نظر فيما يَصِحُّ وفيما لا يصحُّ؛ فما كان صحيحًا فالحمد لله نأخذ به سواء جاءنا من الشرق أو من الغرب، والحكمة ضالة المؤمن، وإذا كان فيه ما فيه فيجب أن يطرح ولو كان جاءنا من أكبر أئمة الإسلام، فالإمام الشافعي ﵀ يقول: " إذا جاء حديث رسول الله فاضربوا بقولي عُرض الحائط ". فيجب أن يكون لدينا مبدأ من هذا المنطلق.
الله خصَّنا بهذا الدين الحنيف، وما حرّم شيئًا إلا وأباح لنا ما هو أفضل منه وأتم وأسلم، الزنا حرمه، أباح النكاح وما فيه من الفضائل، حرم الربا أباح البيع وما فيه من المكاسب الطيبة، حرم علينا ما حرم، مشارب مآكل، لكنه أباح لنا مشارب أطيب منها ومطاعم أطيب منها، فنحن، والحمد لله، نعتز بهذا الدين الذي هو تشريع من حكيم حميد، خلقنا وهو العالم بأحوالنا.
ما يتعلق بهذا الموضوع، الواقع أن بطاقات الائتمان وإن تنوعت وكثرت وقيل إن فيها البطاقة الفضية والذهبية والماسية وفيها بطاقة الائتمان للقرض والاستخدام ولكذا وكذا. . إلخ، أرى أنها في الواقع تتفق في جوهر لا تختلف جميع أقسامها عنه، هذا الجوهر هو أنها في الواقع منقسمة أو قائمة على ثلاثة عقود حسبما درسناها، ويكاد إجماع الباحثين عن هذه البطاقة ينعقد على أنها مشتملة على هذه العقود الثلاثة.
стр. 17243
العقد الأول: هو عقد بين المنظمة الدولية المشرفة على بطاقات الائتمان الصادرة عن مصدريها من مصارف وغير مصارف، وهذه العلاقة أو هذا العقد يقضي بأن يكون لهذه المنظمة الإشراف وحق المتابعة في أي مخالفة تكون، وكذلك حق الضمان لاستمرارية خدمات هذه البطاقة، ولها - أعني هذه المنظمة - جزء مما يكتسبه مصدر البطاقة من هذه البطاقات التي يصدرها.
العقد الثاني: عقد بين مصدر البطاقة وبين العميل الحامل لها، وهذا العقد في الواقع سمعنا بأن هناك من يقول بأنه عقد ضمان، أو عقد وكالة، والحقيقة أن الأمر غير صحيح، فليس عقد ضمان وليس عقد وكالة، لأنه لو كان عقد وكالة لكانت ذمة العميل منشغلة لدى التاجر الذي أخذ منه البضاعة أو الخدمة، لكانت منشغلة مع البنك إن كان كفيلًا ولا تنشغل معه إن كان وكيلًا، وليس الأمر كذلك فإن ذمة البنك قد استقلت - أعني مصدر البطاقة - قد استقلت بالحق المترتب على هذه البطاقة من قبل التاجر، وليس للعميل حامل البطاقة علاقة مطلقة بهذا الحق الذي للتاجر، بمجرد تقديم هذه البطاقة وقبول التاجر هذه البطاقة وأخذه بضاعته برئت ذمته براءة تامة، ولو أفلس مصدر البطاقة لما كان في حكم أنظمة هذه البطاقات لما كان للتاجر أن يرجع على العميل، وإنما رجوعه على البنك.
هل هذه من خصائص الوكالة؟ هل هذه من خصائص الضمان؟ الواقع أنها حوالة وحوالة كاملة، والحوالة هي نقل حق من ذمة إلى ذمة، وهذا الحق قد انتقل من ذمة العميل الذي اشترى هذه البضاعة أو أخذ هذه الخدمة إلى ذمة مصدر البطاقة، فإذن كيف نقول بأن هذه حوالة؟ أو نقول بأنها ضمان؟
لا يخفى أن الضمان ضم ذمة إلى ذمة، وللدائن أن يطالب مَنْ أراد منهما؛ الدائن أو الكفيل له.
الآن بموجب أنظمة البطاقات ليس للتاجر أية علاقة، وليس له حق قبل العميل حامل البطاقة، فكيف نقول بأنها وكالة؟ أو نقول بأنها ضمان؟
هناك حفظكم الله كذلك عقد بين التاجر وبين مصدر البطاقة، هذا العقد يعني أنه يتحمل أو يتقبل جميع الحوالات المتعلقة ببطاقات الائتمان من حامليها الذين يشترون بضائع أو يأخذون خدمات، سواء كانت خدمات فندقية أو خدمات تذاكر طيران أو أية خدمة من الخدمات المعروضة للبيع.
стр. 17244
فإذن التاجر في الواقع الآن تحول حقه من ذمة العميل إلى ذمة مصدر البطاقة تحولًا كاملًا وبرئت ذمة العميل، بعد هذا، نستطيع أن نقول إن العلاقة بينهما علاقة حوالة، ولا يأتينا أو يرد علينا بأن الحوالة يشترط أن تكون على دين مستقر، نعم قال بذلك مجموعة أهل العلم، ولكن هناك مجموعة من أهل العلم آخرون قالوا بأنه لا بأس أن تكون الحوالة على دين مستقر، أو على غير دين، إذا قبلها المحال عليه.
في الواقع، أنا أجد، بأن هذه العلاقة بين التاجر وبين مصدر البطاقة فيها تجاوز وفيها جرثومة، لا بد أن نفطن لها، ما هي هذه الجرثومة أو هذا الشيء؟ هو في الواقع أن الحق حينما يتحول، من التاجر إلى ذمة مصدر البطاقة، مصدر البطاقة لا يعطيه كامل المبلغ، قيمة البضاعة التي أخذها حامل البطاقة مائة ألف، يقول: أنا لا أعطيك إلا سبعة وتسعين ألفًا، ثلاثة آلاف أين ذهبت؟ هي في الواقع إذا أردنا أن نكيفها كيفناها؛ لأن الدين الآن استقر في ذمة مصدر البطاقة، فكيف إذن نكيف هذا المبلغ الذي أخذه مصدر البطاقة الذي هو ثلاثة آلاف ويريد أن يتقاسمه بينه وبين المنظمة العالمية، هذا في الواقع لا نستطيع أن نجد له أكثر من تكييف أو أكثر من تخريج وهو أنه مصارفة، فقد تمَّت المصارفة بين التاجر وبين مصدر البطاقة على أن تكون المصارفة المائة بسبعة وتسعين، ولا يخفى أن هذه المصارفة باطلة؛ لأن المصارفة من شأنها ومن شروطها أن تكون مِثْلًا بِمِثْل في حال اتحاد الجنس، وقد اتحد الجنس ولم يكن الأمر بالنسبة لذلك مِثْلًا بمثل، فإذن كيف نقول بأن هذه مباحة؟ هل المبلغ الذي أخذه في أثناء هذه العملية مصارفة أو عملية باطل بإجماع أهل العلم؟
لا شك ولا أعرف أن أحدًا من أهل العلم أجاز المصارفة إذا كانت من جنس واحد بتفاضل، وإنما الأمر في ذلك كما قال ﷺ : ((الذهب بالذهب. . .)) إلخ، وقال ﷺ : ((مثلًا بمثل، يدًا بيد، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي فيه سواء)) ، هذه في الواقع تعتبر من الأمور التي يجب علينا أن تكون في اعتبارنا، وأن نستبعد ما يقال بأن لدينا وكالة، لدينا ضمان، ليس لدينا في العلاقة بين العميل وبين التاجر، وبين التاجر ومصدر البطاقة: ليس لدينا غير حوالة، وحوالة أبرأت ذمة العميل. هذه واحدة، أرى - حفظكم الله - عندي بديل، نحن في الواقع نتحدث ونفخر بأننا - والحمد لله - مسلمون، وأن إسلامنا لا يَسُدُّ بابًا إلا ويفتح بابًا أطيب منه وأوسع، ونحن لا نقول بناء على وجود هذا الشيء فنقول بأن البطاقات باطلة، ولا يجوز التعامل بها، ونقول هذه النقطة نستطيع أن نعالجها معالجة من شأنها أن يبتعد فيها عنصر البطلان وأن تتفق مع المعطيات الشرعية.
стр. 17245
ما هي هذه المعالجة؟ هذه المعالجة في الواقع أرى أنه لو حصل اتفاق كما هو الحاصل بين مصدري البطاقة والتجار أنفسهم، لو عُدِّل الاتفاق بأن يقول مصدر البطاقة: حقك عندي كاملًا، لكني أنا أشترط عليك ألا أسدده إلا بعد زمن خمسة أشهر، ستة أشهر، سبعة أشهر، مدة معينة، يعني يكون دينًا مؤجلًا عليه، ثم بعد ذلك بعد أن يستقر الدين في ذمته وهو مؤجل، يخيره بعد ذلك، يقول: هل تريد أن أعجل لك دينك؟ فضع وتعجل. هل تريد أن تستمر حتى تنتهي المدة؟ فأنا مستعد أن أعطيك كامل حقك من غير نقص.
في الواقع إن التاجر أو مصدر البطاقة لا يتضرر من هذا الإجراء؛ لأنه إن رضي التاجر بأن ينتظر فهذا يعني أن مصدر البطاقة سينتفع أو في الواقع سيستغل هذا الدين هذه المدة، وسيكون له من استغلاله هذا الدين قدر المبلغ الذي يأخذه مصارفة وهو مبلغ باطل.
إن رغب أن يعجل فيقول له: ضع وتعجل، يقول: ضع مما تريد وأعطيك مبلغك، ويصير منتفعًا بذلك.
هذا في الواقع ما يتعلق بهذا الشيء، وهناك حفظكم الله نقطة وهي ما يتعلق بالرسوم المتعلقة بإصدار البطاقة، ورسوم العضوية، ورسوم إصدار بطاقة تلف، هذه الرسوم المتعلقة بالخدمات الدفترية أو الخدمات الاختصاصية لهذه البطاقة، هي في الواقع محل نظر ويمكن التيسير في أمرها. هناك حفظكم الله أمر يتعلق بالبطاقات التي يترتب عليها فوائد ربوية، وهذه لا شك بإجماع الحاضرين، إن شاء الله، لا تجوز، وينبغي أن توضع القيود المترتبة على منع مثل ذلك.
هناك حفظكم الله أمر وهو أن من البطاقات الائتمانية ما يسمى ببطاقات التخفيض، أو بطاقات السحب، بطاقات التخفيض لا أجد فيها شيئًا يدعونا إلى التوقف في قبولها، لماذا؟ لأنها في الواقع بطاقات اختصاص، أنا أعطيك بطاقة وأقول هذه البطاقة تجعل لك الحق في الدخول على هذا السوق وأن تشتري منه حينما تعرض هذه البطاقة بأسعار منخفضة وتدفع الثمن نقدًا، ما فيها شيء إلا أنها تيسر لديك أمر تخفيض السلع، هذه ما يظهر فيها شيء، كذلك بطاقات السحب على الصراف، كذلك حينما تسحب من نقودك ويؤخذ أجرة لهذا الجهاز، كذلك هذا يمكن إن شاءالله ما يكون به بأس.
هذا في الواقع أهم ما لدي، حفظكم الله.
الرئيس: بطاقات التخفيض يا شيخ عبد الله غير داخلة في البحث.
стр. 17246
الشيخ محي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وعلى من والاه.
نقدم شكرنا مرة أخرى للإدارة ثم للباحث الكريم على بحثه القيم الذي استفدت منه كثيرًا، وكذلك للإخوة الكرام الذين سبقوه بالبحوث، وهناك ملاحظات بسيطة، منها شكلية ومنها من ناحية الأسهم، الإخوة الكرام سبقوني، ولكن من الناحية اللغوية Credit في القاموس حتى في قانون اللغة ذكر أن ضمن معانيه الائتمان، الأستاذ الدكتور نفسه ذكر أن ضمن معاني Credit الائتمان، فلذلك هذا التركيز الشديد والعناية الشديدة بقضية أن هذا المصطلح غلط: الائتمان، أعتقد أنه جازاه الله على حرصه، لكن لم يكن هناك دواعي كثيرة لهذا الإجهاد الذي بذله في سبيل تحقيق ذلك، إضافة إلى أن فضيلته قال: إن هذا العنوان هو بطاقات المعاملات المالية مرجوح لديه في بحثه وقال: " الأحسن والأفضل هو بطاقات الإقراض وبطاقات السحب المباشر من الرصيد "، ومع ذلك لم يختر ما هو رجحه واختار المرجوح، فما أدري إذا كان هو يرجح المرجوح لماذا لم يرجح المرجوح الشائع، والناس يقولون: الغلط الشائع أفضل من الصحيح غير الشائع، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وذكر أن الحنفية والحنابلة إذ يرون بالنص صحة العقد مع اشتراط الفائدة - الربا - ومشى على هذه المسألة وأسند هذه القضية إلى الحنفية، وثنَّى عليه الدكتور أبو غدة، هنا، وكذلك ذكر في بحثه الذي قدمه في السابق، وأصل ذلك واعتمد على حديث بريرة، وهذه المسألة في اعتقادي تختلف عن مسألة العتق في عدة جوانب ليس الآن مجال البحث فيها، والذي أريد أن أوكده أن إسناد هذا الرأي للحنابلة والحنفية ليس دقيقًا إن لم يكن - لا أقول: - صحيحًا؛ لأنه غير الصحيح ولكن أقول غير دقيق، وذلك بالرجوع إلى مصادرهم من ناحية، وما ذكره فضيلته عن الحنابلة ليس نصًّا في الموضوع، والحنابلة يرون بطلان الشرط والعقد في هذه المسألة كما نصَّ عليه في أكثر كتبهم، والنص الذي ذكره عن الحنابلة لا ينص على ما ذكره، بل نجد نصوصًا صريحة في (منتهى الإرادات) ينص على أن اشتراط الفائدة يجعل العقد باطلًا، كذلك عموم قواعدهم ينص على ذلك، وهم أشد الناس في هذا المجال في مسألة النهي، هل النهي يقتضي الفساد؟ هم أوسع الناس في أن النهي يقتضي الفساد، حتى ولو كان لوصف غير لازم.
стр. 17247
أما بالنسبة للحنفية أيضًا فهم لا يقولون بأن العقد صحيح، وإنما يقولون بأن العقد فاسد، والعقد الفاسد محرم عندهم، ولكنه يترتب عليه عند القبض بعض الآثار الفقهية، نعم، يشترط في كل العقود شرطًا، فيها شرط إذا لم تدفع تقبل بهذا الشرط، إذا لم تدفع المال حتى مع وجود الغطاء أو إذا كان الغطاء ينتهي أو إذا أنت سحبت فلوسك؛ المهم الإنسان بهذا الشرط ينص عليه بأنه فيه فائدة ربوية بنسبة كذا مع وجود الغطاء أو عدم وجود الغطاء، فالقبول بهذا الشرط الفاسد محرم في اعتقادي.
إضافة إلى أن التعاون في البلاد التي يوجد فيها البنوك الإسلامية مع البنوك الربوية، وإجازة التعامل في هذا المجال، أيضًا يفتح المجال في التعاون على الإثم والعدوان، أما في حالات الضرورة في الدول غير الإسلامية والتي يحتاج الإنسان فيها إلى هذه البطاقة ربما يكون الأمر يختلف بعض الشيء.
كذلك أودُّ أن أقول: إن مسألة الوعد التي أطال فيها النفس أخونا الحبيب والأستاذ الفاضل، ليس لها بهذه المسألة علاقة بموضوع البطاقات، وبالنسبة من الناحية التطبيقية في البنك الدولي الإسلامي نحن حقيقة الهيئة أجازت بطاقة الائتمان، ولكن ليس فيها السحب، فلذلك إسناد القول إلى الحنفية والحنابلة بأن العقد صحيح مع بطلان الشرط يحتاج إلى إعادة النظر.
العلاقات التي ذكرها فضيلته كلها تحتاج - لا أدخل في تفاصيل - إلى إعادة نظر، وقد أشار إلى ذلك فضيلة الأستاذ د. القري، وكذلك الدكتور أبو غدة.
هذا بخصوص ملاحظاتي البسيطة على البحث، أما موضوع البطاقات الحالية التي يجب كما أشار إلى ذلك فضيلة الشيخ الرئيس أن يكون الجهد منصبًّا عليها، فإن البطاقات الحالية التي تصدرها البنوك الربوية بوضعها الحالي، أنا في اعتقادي بجميع صورها التي نبحثها البطاقات الائتمانية حرام، سواء كان لها غطاء أو ليس لها غطاء، أما الذي ليس لها غطاء فهو قرض بفائدة؛ لأنه من النصوص التي فيها أنه إذا لم يكن هناك أداء مباشر أو غطاء مباشر فسوف تؤخذ الفائدة مباشرة، فحينئذ تؤخذ الفائدة مباشرة فتكون فائدة وربًا، ولا يجوز الربا بإجماع المجامع الثلاثة، كذلك إذا كان لها غطاء لا يجوز، لوجود هذا الشرط الذي يجعل العقد فاسدًا، ونحن لسنا مع الذين يقولون بصحة العقد تمامًا، وأن الشرط باطل وأن المسألة مثل عتق بريرة ﵂.
стр. 17248
النقدي، لما أن في السحب النقدي بعض الإشكاليات التي قد تصل إلى كأنها فوائد على هذا السحب , في اعتقادي، في كل الاعتبارات، وقد أشار إلى ذلك فضيلة الأستاذ أبو سليمان إلى أن القرض هنا إن اعتبرناه قرضًا فهو ليس قرضًا عاديًّا، وإنما هو ما يسمى بالقرض الاستجراري أو استدانة الاستجرار التي ذكرها الحنفية وذكرها كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهناك فضيلة الشيخ ابن منيع - الله يحفظه ويبارك فيه - استفدنا من ملاحظاته، هناك علاقة رابعة لم يذكرها وهي العلاقة بين التاجر وحامل البطاقة، حيث يتعاقد أيضًا مع هذا التعاقد لا بد من بيان التاجر وحامل البطاقة إضافة إلى العلاقات الثلاث.
مسألة أنه جمع بين الحوالة والوكالة لا مانع منها أبدًا؛ لأن حتى الحوالة والوكالة والكفالة لأنها باعتبارات مختلفة، وقضية النهي عن الصفقتين، لي بحث في هذا الموضوع وصلت فيه إلى أن النهي في هذه المسألة مخصص فيما إذا جمع بين القرض السلف وبين التبرعات أو نحو ذلك، فالجمع بين الحوالة والوكالة والضمان ليس فيها إشكالية في اعتقادي.
أما العلاقة بين التاجر والمصدر، فيمكن اعتبار هذه العلاقة مصارفة؛ تحتاج في الحقيقة إلى تحقيق، وما صرح به شيخنا الفاضل الشيخ المنيع حقيقة وحتى البديل الذي أتى به يؤدي إلى أن يتضرر التاجر أكثر من السابق؛ لأنه يتضرر بالتأخير ثم في نفس الوقت يدفع نفس النسبة للشخص، ولماذا لا يكون العقد أو الدين يستقر بمجرد دفعه وبمجرد ضمان البنك له؟ فوجود الزمن لمدة ستة أشهر أو أكثر من ذلك يعني هل يحتاج إلى هذا الوقت إلى أن يستقر، والاستقرار بالنسبة للقرض يتم بالنسبة للمذاهب الثلاثة بالقبض وبالنسبة للإمام مالك بمجرد العقد، فالمسألة أنه تأخير شهرين أو ثلاثة أشهر ويتضرر به التاجر ثم بعد ذلك المصدر يأخذ نفس النسبة، أعتقد يحتاج في اعتقادي إلى إعادة النظر. وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17249
الدكتور شوقي دنيا:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله.
أود أن أطرح أمام حضراتكم بعض النقاط، ولن أطيل، وآمل ألا أكرر ما سبق أن قيل.
النقطة الأولى، سبق أن طرح موضوع بطاقات الائتمان في الدورة السابعة للمجمع، قدمت فيه بعض الأوراق الجيدة من فقهاء واقتصاديين، ودارت حوله مناقشات موسعة، ونظرًا لما بدر من خلاف واسع حول التكييف الفقهي لبطاقة الائتمان وما تنطوي عليه من علاقات واتفاقيات، وما نجم عنه من خلاف أوسع حول الحكم الشرعي لما يحدث عنها من تصرفات مالية، نظرًا لذلك كله رأى المجلس الموقر أن يُرْجِئَ البَتَّ في هذا الموضوع، طالبًا المزيد من الدراسة حوله.
هنا يجيء البحث القيم للأخ الكريم د. عبد الوهاب، وقد اهتم فيه من وجهة نظره اهتمامًا بالغًا بجانبين مهمين أغفلتهما الدراسات السابقة. الجانب الأول: تحرير القول في موضوع التسمية، هو يرى أن التسمية الشائعة عليها ملاحظات، وأنا أؤيد في هذا تأييدًا كبيرًا، والملاحظات التي أبداها عليها ليست فقط ملاحظات لغوية، وإنما هي بالدرجة الأولى ملاحظات شرعية أو فقهية، أنا لست فقيهًا، ولكنني أقرأ جيدًا الفقه والحمد لله، نحن نعلم أن هناك عقود أمانة في الفقه الإسلامي، وليس من بين هذه العقود عقود الأمانة أو الاستئمان أو الائتمان، كلها مادة واحدة، أم إن هذه العقود لا يدخل تحتها عقد القرض، فإذن إذا ما سلَّمنا بأن بطاقة الائتمان تنصرف بشكل أو بأخر إلى أن تكون عقد قرض فلا يصح شرعًا أن يطلق عليها عقد ائتمان، لأن مسؤولية المؤتمن أو المؤتمن في الفقه الإسلامي غير مسؤولية المقترض.
القضية الأخرى فيما يتعلق بالتسمية، نحن المهتمين بالاقتصاد الإسلامي نعاني أشد المعاناة من الأسماء التي فرضت علينا فرضًا، واعتبرت مصطلحات اقتصادية عالمية وشائعة، رغم أن فيها ما فيها من بعض المخالفات الشرعية أو الفقهية، فإذا طلبنا بأن تُعَدَّلَ هذه المصطلحات، وتؤصل إسلاميًّا وتستبدل بمصطلحات إسلامية تنسجم مع تراثنا ومع عقيدتنا ومع شريعتنا يقال: إنّ هذا اصطلاح شائع، وإن هذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذا كذا، وهذا شيء أنا أقره وأعترف به هو اصطلاح شائع، لكن إلى متى سنظل أسرى لهذه المصطلحات الشائعة إذا كان فيها بعض المخالفات الشرعية.
стр. 17250
بالتأكيد كلمة Credit أوسع من كلمة القرض، والبحث ذكر هذا وإن كان لم يركز عليه كثيرًا، وأنا أتفق مع بعض الإخوة بأن هذه الكلمة الإنجليزية أوسع من كلمة دين، والدين نحن نعلم جميعًا أنه أوسع من كلمة قرض، لكن هل استخدام هذا المصطلح والإبقاء عليه ألا يحقق مفاسد؟ الفرد الذي يتعامل ببطاقة اسمها بطاقة ائتمان، هو أبعد ما يكون ذهنيًّا عن محاذير شرعية، أما إذا تعامل ببطاقة اسمها بطاقة إقراض أو بطاقة مداينة، أو بطاقة دين، في تلك الحالة سوف يتوقف بعض الشيء ليدرس هل هذا الدين دَين شرعي أو دين غير شرعي، وبالتالي ممكن أن نحد من هذه القضية. ولذلك أنا بقدر ما، أنا أرى أن لا بد من النظر في التسميات والمصطلحات القائمة وإن كان فيها ما فيها شيوع ومن هيمنة ومن سيادة، وإن كان سيترتب عليها بعض القلاقل المفاهيمية مؤقتًا إلى أن تستقر المفاهيم السليمة.
القضية الثانية التي التفتَ إليها بذكائه وببراعته أخونا د. عبد الوهاب، وأغفلتها البحوث السابقة، هي التحليل القانوني الجيد من مصادره الأصلية وبلغته الأم، ويقصد بالأم اللغة التي استخدمت فيها هذه الأدوات، وهذه القضية وهذه الصياغة وليس أي شيء آخر.
قدم تحليلًا قانونيًّا رائعًا ابتعدت عنه الدراسات السابقة، وأرى أنه يعني في المناقشات التي أثيرت حاليًا، يبدو أنها لم تطلع على الورقة بشكل جيد؛ لأن ما زال الخلاف قائمًا بين الفقهاء هل هي حوالة؟ هل هي كذا؟ هل هي كذا؟
يقول لنا البحث طبقًا لمصادره ولبلاده وللقائمين على تنفيذه هم كَيَّفوه بأنه كذا وكذا وكذا، ثم نعرض عن هذا كله ونقول: ربما كان كذا وربما كان كذا، إذن ما قيمة هذا البحث والدراسة الجيدة التي استغرقت الوقت الطويل؟
الأخ الدكتور عبد الوهاب ذهب بحق إلى أن التكييف الفقهي الدقيق في مثل هذه الجوانب يتوقف على جناحين، الجناح القانوني الوضعي والجناح الاقتصادي، وهو من الجناح القانوني توفية جيدة طيبة يشكر عليها، لكن الجانب الاقتصادي رغم أهميته القصوى في مثل هذه المسائل لم أر له وجودًا إلا نادرًا، منفعة التاجر، يعني كلام طبعًا أن أفهم ما وراء ذلك، هو بحكم الاختصاص أو بحكم التخصص هو فقيه ورجل قانوني ولا يدعي أنه رجل اقتصادي، لكن من حسن الحظ أن هناك بحثًا سابقًا قدم من أخ اقتصادي فاضل وهو (د. القري) أشار إلى بعض الجوانب الاقتصادية.
стр. 17251
أنا أهيب بالمجلس في مثل هذه القضايا العصرية الكبرى الاقتصادية
أن يولي الجانب الاقتصادي ما يستحقه من عناية فيها، ولا أقصد الجانب الاقتصادي فقط مجرد تصوير المسألة تصويرًا اقتصاديًّا، يعني هي كذا وكذا لا، أنا أرى أن يمتد البحث فيها إلى بيان مآلاتها، آثارها الاقتصادية.
الأخ الكريم السيد الرئيس أشار إشارة جيدة، وهي بفرض أن هناك منافع جزئية في بطاقة الائتمان للحامل وللمصدر وللتاجر، لنفترض هذا ولنفترض أنها ليس فيها مديونية بفائدة، لكن ماذا عن آثارها الاقتصادية على المستوى الكلي على المستوى القومي، ماذا عن آثارها على المديونية؟ وقد طرحت، هي تتجاوز هذا، ليس فقط المديونية ومشكلاتها الفردية والدولية والقومية التي نعيشها جميعًا، هي أكثر من هذا، ماذا عن آثارها على مشكلة التضخم؟ مشكلة التضخم، شراء بكثرة، مديونية، مديونية وشراء بكثرة، سوف تولد لي مشكلة تضخم، سوف تولد لي أو تؤثر تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا في مشكلة الاحتكار، وتزيد من الاحتكار سيطرة بعض المراكز التجارية وسيطرة بعض البنوك، ماذا عن سيطرة بعض المصارف على التمويل بكل صنوفه حتى التمويل التجاري وليس التمويل المالي، ماذا عن تزايد الاستهلاك وتناقص المدخرات، يعني أن يولي المجمع الموقر وقد انصرف إلى دراسة هذه القضايا الكبرى، آمل أن يولي دراسة الجانب الاقتصادي الكلي أو القويّ في مثل هذه القضايا اهتماماته؛ لأن ما قد يجوز بالجزء قد لا يجوز بالكلي كما قال الإمام الشاطبي ﵀.
هناك نقطة ثالثة مسألة الضمان والأجر عليه، بغض النظر عما في البطاقة، وهل فيها ضمان والأجر عليها أو عدم الأجر عليها في البطاقة، هذه مسألة لا تقف عند حدود بطاقة الائتمان، في الحياة الاقتصادية الكفالة أو الضمان أصبحت شائعة، وأصبحت أساسية وأصبحت مهمة جدًّا، فهل أخذ الأجر عليها يظل محرمًا في ظل هذا الواقع القائم، بحكم أنها من أعمال البر والرفق، أم أن هناك محظورًا شرعيًّا أقوى من هذا؟ وخاصة أن بعض كتب الفقه الشافعي أشارت إلى ما فيه شبهة ربا، يعني آمل أن تراعى مثل هذه القضية في نظر المجمع الموقر.
стр. 17252
مسألة الإذعان في البطاقة، يعني أنا أختلف مع الأخ د. عبد الوهاب في أن البطاقة فيها إذعان، والإذعان مبطل للعقد، أي إذعان هذا؟ البنك طرح شروطًا وطرح اتفاقات، من يرغب يتقدم ومن لا يرغب لا يتقدم، هل التسعير هل بيع المرابحة بصيغته الأصلية الموجودة في الفقه أشياء محددة من طرف دون الطرف الآخر هل تبطل العقود، المرافق تحتاج إلى بحث وإلى نظر فقهي جيد.
نقطة أخيرة أثارها د. عبد الوهاب وهي نقطة فقهية جيدة، لكن صداها العملي في حياتنا الاقتصادية غير واضح، هي قضية الشروط في العقود، وهل تبطل العقد أو لا تبطل العقد، هل شرط فاسد ينصرف أثره إلى العقد فيفسد أو يبطل، أو يبقى العقد صحيحًا ويفسد الشرط؟ كلام فقهي جميل، ولكن ما هو الصدى العملي لهذا الكلام عند رجال الأعمال وعند التجار، ما معنى أن يقال لرجل أعمال: الشرط باطل والعقد صحيح، هل هناك أثر عملي يترتب على هذا؟
آمل ألا أطيل في هذه القضايا، وأعود وأكرر شكري للإدارة وللأخ الدكتور على هذا البحث الجيد الذي عايشته طويلًا. وشكر الله لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ ناجي عجم:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين.
أولًا: بالنسبة إليَّ، هذا أوسع بحث شرعي اطلعت عليه، فصنع
الباحث إلي معروفًا وأنا أشكره على هذا المعروف.
ثانيًا: أشكره أيضًا على تغيير هذا الاسم إلى بطاقة المعاملات المالية، فإن هذا اسم بطاقة الائتمان كما تفضل الدكتور شوقي ليس من عقود الأمانات هذه، عقود الأمانات: المرابحة، التولية، الوضيعة، وهذه العقود غير داخلة في هذه البطاقة أبدًا فهذا الاسم (بطاقة المعاملات المالية) من حيث اللغة ومن حيث المضمون هو ألصق بواقع العمل بهذه البطاقة.
стр. 17253
الأمر الآخر بطاقة السحب النقدي أو بطاقة القيد على الحساب، ما أرى في ذلك بأسًا لكن على ألا يكون في بطاقة السحب النقدي قرض، فإذا سحب صاحب البطاقة مبلغًا من غير صندوق البنك المصدر للبطاقة يسجل عليه قرض ثم يترتب على ذلك فوائد، وكذلك في بطاقة القيد على الحساب ينبغي أن لا تشمل هذه البطاقة شرط أنه إذا انكشف حسابه، فإنه ملزم بدفع ما يترتب عليه من غرامات التأخير، فهذا هو الربا بعينه. ينبغي أن يحذف هذا الشرط حتى يصح عقد بطاقة القيد على الحساب مع ما تفضل به بعض الإخوة أن لا تستعمل هذه البطاقة في المحرمات، وإنها إذا استعملت في المحرمات فينبغي أن يعاقب على الأقل بسحب هذه البطاقة.
أما البطاقات التي ليس لها غطاء، أو البطاقات المدينة، هذه الربا فيها واضح، الذي أجمعت الشرائع السماوية كلها على تحريمها، أما تكييفها بأنها حوالة، ليست هي حوالة، هذا قرض، ثم هناك ملاحظة فاتني أن أقولها في بطاقة السحب على الحساب أو بطاقة السحب النقدي، أسمع بطاقة ذهبية وبطاقة فضية وبطاقة ماسية ولكل بطاقة رسم إصدار، ثم يكون لكل بطاقة ميزات، مثلًا في البطاقة الذهبية أنها إذا استعملها في شراء بطاقة للطائرة أو أنه إذا أكثر الشراء بها، فسوف يكون له تأمين تجاري إذا فاته مثلًا الحجز في الطائرة أو تأخرت الطائرة فيعطون حق التأمين التجاري بغطاء ١٥٠.٠٠٠دولار، والمجمع الكريم أفتى بحرمة التأمين التجاري، فكون يكون هناك رسومًا متفاوتة للبطاقة ويسمونها خدمات أو رسوم خدمات فالخدمة واحدة سواء في إصدار بطاقة ذهبية أو فضية، فما أرى أن يكون هناك تفاوت في رسوم إصدار هذه البطاقة ولا يكون تمايز في هذه البطاقات. أكتفي بهذا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 17254
الشيخ سعود الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد:
فالشكر موصول لأستاذنا الجليل د. عبد الوهاب أبو سليمان، حفظه الله، على تقديم هذا البحث القيم الذي أفدنا منه جميعًا، وبين ووضح فيه كثيرًا من الأمور الغامضة قبله.
وإن كان لي بعض المداخلات، سوف أقتصرها وأضيف أو أثني على بعض ما سبقني به أصحاب الفضيلة وخصوصًا الكلمة التعليقية الوافية الضاهية من شيخنا ابن المنيع، حفظه الله.
والذي تلخَّص لي من العرض ومن المداخلات على هذا العرض، أن بطاقات الائتمان كما يسميها أهلها تنقسم إلى أقسام منها: بطاقة السحب وهي التي تسمح للعميل بالشراء على الحساب، ولكن يتم الدفع بالكامل خلال فترة من شهر إلى شهرين، ولا بد أن يكون حساب العميل فيه رصيد لا يقل عن المبلغ المتاح للشراء بهذه البطاقة.
الموضوع الثاني: بطاقة الائتمان أو المدفوعات، وتؤدي هذه وظيفة بطاقة السحب، كما يمكن بواسطتها أن يقوم البنك بالدفع عن العميل، ولو لم يتوفر في حسابه شيء، حسب المدة التي يرغبها العميل، واحتساب فوائد ربوية عليه نظير عملية الإقراض هذه، أو عدم احتسابها إذا كان البنك إسلاميًّا.
في الواقع أن التكييف الشرعي لبطاقة الائتمان يختلف حسب طبيعتها والشروط المقترنة بها واستخدامها. فإذا تم استخدام البطاقة في الاقتراض من البنك المصدر لها حيث يقوم بالتسديد نيابة عن العميل لعدم وجود رصيد في حسابه وتحتسب عليه فوائد ربوية، فهذه لا شك في حرمتها؛ لأنها قرض بفائدة، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا.
стр. 17255
وهذا هو الغالب في تعامل البنوك غير الإسلامية مع عملائها. وإن سدد البنك عنه ولم يحتسب عليه فائدة فهذا قرض حسن، وحينئذٍ لا تمنع البطاقة لعدم الربا فيها، وهذا قلما يكون.
ويبقى النظر حينئذ في الجوانب والشروط الأخرى للبطاقة ومدى مشروعيتها، فإذا تضمنت شروط البطاقة بين البنك المصدر لها والعميل شرطًا يلتزم فيه العميل بالتسديد من رصيده، وفي حال خلوه أو نقصه يقوم البنك بإقراضه واحتساب فائدة عليه، ثم لم يحصل ذلك بمعنى أن العميل جعل رصيده أكثر مما يستحق عليه نتيجة الشراء بالبطاقة، فإن هذا الشرط يجعل العملية محرمة، لما فيه من التزام الربا والرضا به والتوقيع عليه، وهذا لا يجوز، وإن ذهب البعض إلى جواز ذلك. إذا اتخذ العميل من الاحتياطات ما يكفل عدم تطبيق الشرط المحرم؛ لأن هذا الشرط في معرض الإلغاء كما يقولون شرعًا، وهو مستنكر له وعامل على استبعاد مفعوله، وسواء في هذا الأمر كان السحب من البنك أو من الأجهزة الآلية، لا فرق في ذلك.
الرسم الذي يأخذه البنك المصدر للبطاقة من العميل، وهو ما يسمى برسم الإصدار، ذهب بعض الباحثين إلى تحريم أخذ البنك لهذا الرسم من العميل على اعتبار أن ذلك غرر وجهالة، لأن العميل يدفع رسمًا ولا يستخدم البطاقة، وقد يستخدمها مرات معدودة، لا تساوي هذا الرسم المدفوع عليها، والظاهر أن حجج هذا الرأي غير مقنعة، لأن الرسم يمكن تكييفه على أنه قيمة لتلك البطاقة وأجر على الخدمات والمنافع التي تقدمها أو يمكن تقديمها لتلك البطاقة للعميل. والغرر والجهالة غير موجودين؛ لأن العميل يمكن أن يستخدمها بعدد مرات الأخذ لها، فإذا لم يستخدمها فهذا حقه لم يستخدمه وليس ملزمًا بممارسته وعدم استيفائه. وهذا الأمر لا يجعل عند البطاقة غررًا أو جهالة.
الرسوم المأخوذة من أصحاب المحال التجارية مقابل الجهاز الخاص الذي تمرر فيه البطاقة وكذلك مقابل خدمات السمسرة بين العملاء وأصحاب المحلات التجارية الذي تم عن طريق البنوك، حسم نسبة مئوية من قيمة فاتورة السلع والخدمات المشتراة التي تحصل عليها شركة البطاقة حيث لا يحصل أصحاب المحلات التجارية على كامل قيمة الفاتورة. فهل هذه كما يسميها البعض عمولة وأجر على تحصيل الثمن من العميل حامل البطاقة يجوز أخذها على تحصيل الدين؛ لأنها إجارة على تحصيل منفعة مباحة وهي جائزة شرعًا، أم أنها خصم في حالة مصارفة كما أشار إلى هذا الأمر صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله؟
стр. 17256
في الواقع أني أثني على ما ذهب إليه الشيخ عبد الله بن منيع في اعتبار أن جانب الحوالة لم يعط الأهمية الكافية والوافية في هذا البحث، وما ذهب إليه أستاذنا الجليل د. عبد الوهاب أبو سليمان من أنه وكالة أو ضمان، فهذا بعيد كل البعد عن واقع بطاقة الائتمان، حيث إن الساحب من حسابه أو الآخذ إن أخذ من حسابه فنحن كيفنا الحسابات الجارية فيما تقدم في هذا المجمع الموقر على أنها قرض، والقرض دين، والسحب من الحساب سواء كان عن طريق الآلة أو عن طريق الأوراق أو غيرها فهو استيفاء من الدين، والدين إذا لم يكن له أجل فهو حال، فيجوز لصاحبه أن يستوفي منه في أي وقت من الأوقات.
وأما إذا كان حامل البطاقة قد اشترى من التاجر فقد أصبح مدينًا، هذا المدين له دين على مصدر البطاقة وحينئذ يصبح الأمر بين المدين الذي هو حامل البطاقة وبين التاجر أمر حوالة؛ لأن ذمة حامل البطاقة مشغولة بدين، وذمة مصدر البطاقة مشغولة بدين، ونقل الدين من ذمة إلى ذمة أخرى هو الحوالة بعينها، ولا اعتبار بتكييف من كيف هذا الأمر بأنه وكالة أو كما برره الشيخ (د. شوقي) بأن هذا تكييف من إصدار البطاقة فلا اعتبار بتكييفاتهم إن كانت.
فإذا كان للعميل دين، أو حسابه مغطى في البنك فهذه حوالة وليس إلا، وإن لم يكن له دين أو لم يكن حسابه مغطى فهذه العملية يتنازعها أمران: الأمر الأول أنها حوالة على مذهب الحنفية، والحنفية قد ذهبوا إلى جواز الحوالة على من لا دين له للمحيل، وهذا يتماشى مع مذهب الحنفية، والذي أراه أن هذا من باب الضمان، وإن كان واقع بطاقة الائتمان العملي الآن لا ينطبق على هذا، فنرجو أن يدخل على بطاقة الائتمان التي يرغب التعامل بها في الدول الإسلامية شرط أن تبقى ذمة المدين مشغولة، وذمة العميل مشغولة، حيث كما عرفنا أن العميل تبرأ ذمته والدائن لا يطالبه بحال من الأحوال، علمًا بأن الذمة إذا شُغلت بدين لا تبرأ منه إلا بأدائه، فهذا أمر ينبغي التركيز عليه في حالة ما إذا كان حساب العميل مكشوفًا.
стр. 17257
مسألة أشار إليها شيخنا الفاضل ابن منيع حفظه الله، بأن المبلغ الذي يقتطعه مصدر البطاقة من البائع أو من أصحاب الخدمات أننا نعتبره من مسألة (ضع وتعجل) ، والواقع أن مسألة (ضع وتعجل) لا تكون إلا في دين، والعلاقة بين العميل وبين المصدر للبطاقة وبين البائع ليست بدين، وإنما هي آجل فلا تنطبق في الواقع مسألة (ضع وتعجل) في هذا المجال، وإن أرادت البنوك أو الجهات المصدرة الاحتيال على هذا، فتجعلها مؤجلة إلى وقت ثم تخصم منها، وهذا من صور الاحتيال المرفوضة.
وأشكركم على إتاحة الفرصة والاستماع، وشكرًا.
الرئيس:
شكرًا.
بهذا ترفع الجلسة، إن شاء الله تعالى، ونعود في الساعة الرابعة والنصف.
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نستأنف هذه الجلسة المسائية بعون الله وتوفيقه لاستكمال المناقشات حول موضوع بطاقات المعاملات المالية.
الشيخ علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله خير البشر، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. أحب أولًا أن أقدم الشكر والتقدير لهذا البحث القيم، وإن ما وجه إليه لا يقلل من قيمته، فهو من أفضل الأبحاث التي قدمت إن لم يكن أفضلها.
بعد هذا نأتي إلى الموضوع، ولا أريد أن أعقب على البحث بشيء؛ لأن المهم هنا أن نخرج بقرارات، لا أن نتحدث عن تعليق أو نقد لبحث، في تصوري أن المطلوب من المجمع الموقر هو ما يأتي:
أولًا: بيان تحريم البطاقات العالمية التي تصدرها البنوك الربوية، وبيان جوانب التحريم.
стр. 17258
جوانب التحريم موجودة في الشرط الربوي، سواء أكانت البطاقة لها غطاء أم ليس لها غطاء، ثم في وقوع الربا فعلًا، وبالنسبة للشرط الربوي المناقشة التي دارت بأن العقد باطل والشرط باطل، أم العقد صحيح والشرط باطل - حديث بريرة - لا شك أن قرارات المجمع تنظر إلى الواقع العملي - حديث بريرة - الشرط ألغي، حتى لو فرضنا أن هذا الشرط مثل شرط حديث بريرة هو ليس مثل شرط حديث بريرة، إنما لو فرضنا هذا الشرط ألغي، لكن هنا حامل البطاقة أيملك إلغاء الشرط أو إبطال العقد؟ إنه بمجرد أن يوقع يصبح ملتزمًا قانونًا بكل الشروط التي وقع عليها، سواء أكانت هذه الشروط باطلة أم غير باطلة، لذلك الحكم الشرعي هنا يأتي بالنسبة للواقع العملي، هذا شرط لا بد منه، هذا عقد أصبح ملزمًا إذن فما الحكم الشرعي؟
إنما إذا جئنا إلى الجانب الفقهي النظري بأن هذا العقد صحيح أم باطل والشرط صحيح أم باطل، هذا أعتقد لا أثر له في الواقع العملي، فلا بد أن ننظر إلى مخالف، لأنه شرط ربوي، إذن غير جائز شرعًا، هذا العقد المشتمل على هذا الشرط غير جائز شرعًا، وكون المسلم يقدم على هذا يعلم أنه يقدم على شيء غير جائز.
عندما يقال هنا الضرورة، لا يفتى بالضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، قلت بأن هذا جائز لأن هناك ضرورة، فكل مسلم هو الذي يقدر ضرورة نفسه ويقدرها بقدرها، لذلك إذا بين المجمع الموقر بأن هذا غير جائز، فالمسلم عندئذ لا يقدم إلا إذا كان عنده ضرورة، وما لم يكن هناك ضرورة فلا يقدم على هذا.
لازلت أذكر منذ سنوات عندما سئلت في إحدى الدول الأوروبية عن حكم البطاقة وبينت هذا الجانب، وجدت كثيرًا من الحاضرين ألغوا بطاقتهم إذا لم يوجد ضرورة، وعندما تحدثت في مدينة أخرى قالوا: إخوانكم هناك مزقوا بطاقاتهم، إذن هنا مسألة الضرورة لا تجعلنا نقول هذا جائز لأنه ضرورة، وإنما نقول: هذا غير جائز، والمسلم هو الذي يُقدِّر أعنده ضرورة أم ليس عنده ضرورة.
أمر آخر أرى أيضًا أنه مطلوب من مجمعنا الموقر، وهو ما أشار إليه بعض الإخوة الكرام، بيان المفاسد المترتبة على استخدام هذه البطاقات، مفاسد بالنسبة للجانب الاقتصادي، فعلًا هذه البطاقات لها مفاسد كثيرة إن كانت لها بعض المحاسن عند الضرورات أو ما استخدمته المصارف الإسلامية إنما أتحدث عن هذا النوع بالذات، الذي يغري بالديون الربوية والمفاسد التي ترتبت على هذا، وأذكر هنا على سبيل المثال بأن مجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي عندما بين تحريم فوائد البنوك لم يكتف ببيان التحريم، وإنما تحدث عن المساوئ المترتبة على تفشي المصارف الربوية، لذلك أرجو من مجمعنا الموقر أن يتوسع في هذا الجانب، والإخوة الذين كتبوا؛ الأخ الكريم دكتور عبد الوهاب والإخوة الذين كتبوا من قبل والإخوة الاقتصاديون الموجودون معنا، كل هؤلاء، إن شاء الله، يمكن أن يستفاد من علمهم.
стр. 17259
النقطة الثالثة التي أرى أن المجمع الموقر مطالب بها هي: بيان البديل الإسلامي لهذه البطاقة، والبديل الإسلامي لم يعد مسألة نظرية، وإنما خرج إلى التطبيق العملي، وفي البحث الذي بين أيدينا عقدان وهناك مصارف إسلامية أخرى كثيرة أخرجت هذا البديل، لذلك على المجمع الموقر مطلوب منه إن شاء الله أن يضع الضوابط الشرعية لهذا البديل الإسلامي. فالمصارف الإسلامية التي أصدرت البطاقات تنظر في هذه الضوابط، ويكون وضع الضوابط هذا إقرارًا لعملها، أو تعديلًا لبعض ما جاء في هذه البطاقات، أو إلغاء لبعض شروط هذه البطاقات، يعني إذن هنا تكون المصارف الإسلامية مطمئنة إلى أن عملها يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وعلى الأخص أن هناك مصارف إسلامية تلتزم بقرارات المجامع الفقهية، هذا يجعل مسؤولية المجمع هنا، أن هناك المصارف التي تلتزم بهذه القرارات، نعم هناك مصارف إسلامية لا تلتزم، لكن المجمع ما دام فيه مصارف إسلامية (وهي غالب المصارف الإسلامية) ، هذه المصارف تلتزم بقرارات المجمع إذن هي بحاجة إلى هذه القرارات.
يلزم إذن أن ننظر في عمل البطاقات الإسلامية، الإجراءات التي تتم، العلاقة والمبالغ التي تؤخذ لنرى: ألها وجهة شرعية أم فيها مخالفة؟
أول شيء إصدار البطاقة وأخذ أجر مقابل إصدار البطاقة، لعل هذا من الأمور الجائزة، لأنها مقابل عمل يقوم به، ثم بعد ذلك شروط العقد، ما علاقة المصرف المصدر للبطاقة بحاملها المستفيد؟ وما علاقة المصرف المصدر للبطاقة بالتاجر؟ وما علاقة المصرف المصدر للبطاقة بالشركة العالمية؟ وما علاقة حامل البطاقة بالتاجر؟ ثم بعد بيان هذه العلاقات ما يؤخذ تبعًا لهذه العلاقات أهو جائز أم غير جائز؟ الاتجاه إلى أن حامل البطاقة عندما يشتري يصبح مُحيلًا والتاجر محالًا، والمصرف المُصدِر محالًا عليه، هذا التخريج جائز، لكن ليس حوالة فقط، هنا عقدان لأنه من شروط الحوالة التساوي في القدر والزمن، شروط الحوالة معروفة، فهنا لا يوجد التساوي لأن المصارف المصدرة تأخذ نسبة مئوية من المبالغ التي يأخذها التاجر ثم هي قد تأخذ بعملة أخرى، فإذن لا يوجد التساوي ولا اتحاد العملة، إذن لا بد أن ينظر هنا إلى عقدين معًا أهما جائزان معًا أم لا؟ الحوالة مع أخذ هذا المبلغ، المبلغ هذا يمكن أن يكون أجرًا مقابل وكالة - كما قال بعض الإخوة - أم يمكن أن يكون سمسرة؟ لأن التاجر قبل أن يؤخذ منه هذه النسبة لأن البطاقة تسهل له البيع فأشبه هنا بالسمسار، فأرجو أن تبحث هذه النقطة، هل يمكن التخريج على هذا الأساس؛ أنها حوالة وفي الوقت نفسه سمسرة أو حوالة مع وكالة بأجر؟ أم لا؟
стр. 17260
ثم ما قيل هنا بالتخريج على المرابحة، هذه الحقيقة يعني أن المرابحة سيكون لها دور غير البيع، لأن المصرف ليس بائعًا، المصرف يقوم بأداء الثمن الذي أصبح دينًا في ذمة حامل البطاقة المستفيد، وأحيل هذا الدين إلى المصرف المصدر للبطاقة، فأين البيع هنا؟ وأيضًا ليس دائنًا أو مدينًا أصليًّا , إنما هو مدين بعد أن تمت الحوالة فهو محال عليه، لذلك مسألة المرابحة أو (ضع وتعجل) هذا أمر أرى أنه بعيد عن موضوعنا.
المصرف المصدر للبطاقة يأخذ مبلغًا آخر من المستفيد من البطاقة، والمستفيد من البطاقة له رصيد في المصرف الإسلامي، وقد يحدث أن يكون رصيده لا يكفي، فالمصارف الإسلامية بحمد الله تعالى لا تأخذ زيادة، في حالة السحب النقدي يأخذ من حامل البطاقة وليس من التاجر، فتخريج هذا بعض البنوك الإسلامية رأت إلغاء السحب النقدي، قالت هنا: إن الزيادة ستكون زيادة مقابل دين فهي ربا، مصارف إسلامية أخرى رأت أن السحب النقدي قد يكون ضرورة من الضرورات في بعض الحالات، فوجهت العملاء إلى عدم السحب النقدي إلا عند الضرورة.
لكن ثم السحب النقدي ما تأخذه المصارف الإسلامية تبعًا لهذا السحب النقدي، أيجوز أم لا يجوز؟ إذا أخذت نسبة من المبلغ فكما بين بعض الإخوة الزملاء، هذه النسبة إذن ترتبط بالمبلغ فعندئذ لا تكون مقابل عمل.
لكن أذكر هنا أن القائمين على المصرف الإسلامي، عندما عرضوا الموضوع على هيئة الرقابة الشرعية، بينوا الإجراءات التي يقومون بها، عند السحب النقدي يحدث كذا وكذا، إجراءات معينة يقوم بها المصرف، وطالبوا بأجر مقابل هذا العمل، فأجازت لهم هيئة الرقابة الشرعية أن يأخذوا أجرًا مقطوعًا، ثم حدد هذا الأجر، يعني لم يجعل الأجر المقطوع للمصرف يحدده كيفما شاء، وإنما قالوا كذا وكذا، فهو: نريد هنا الأجر أن يكون مبلغ كذا.
فإذن هنا في هذه الحالة المصرف الإسلامي كان يقوم بإجراءات ويتكلف تكاليف، وموظفون يعملون في هذا السحب النقدي وما يترتب على السحب النقدي، إذا أخذ مبلغًا مقطوعًا أيجوز أم لا يجوز؟ إذا كانت هيئة الرقابة الشرعية قد أجازته , الآن نريد أن نعرف رأي المجمع لنرى هل هذا جائز فعلًا أم أنه غير جائز؟
следующие страницы →