Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17396–17435 · переход к 17401.
стр. 17396
وسأقصر حديثي على الجانب الطبي، فكما سبق وذكرت في بداية حديثي. . فإن جميع من تحدثوا في هذا الجانب لم يختلف أي منهم عن الآخر في هذه التقنية، حيث الجانب النظري للموضوع بسيط جدًّا من الناحية النظرية ولكنه معقد كثيرًا من الناحية العملية، فنقل نواة خلية متخصصة- أي تحتوي على ٤٦ كروموزومًا - مكان نواة بييضة- أي تحتوي على ٢٣ كروموزومًا - إلا أن تطبيق ذلك عمليًّا أمر في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى تقنيات متقدمة ومعلومات كثيرة.
وفي البداية أتحدث عن أنواع التكاثر، فهناك التكاثر اللاتزاوجي، أي تكاثر لا جنسي، وهو موجود في الكائنات ذات الخلية الواحدة مثل الأميبا والبكتريا، حيث تنقسم النواة إلى العديد من الخلايا وينتج عن ذلك الملايين في وقت بسيط، وهناك التكاثر التزاوجي، وهو الجنسي الذي لا بد وأن يكون بين الحيوانات الثديية، أي أن يكون هناك ذكر وأنثى، ويتم ذلك عن طريق تلقيح حيوان منوي من الذكر لبييضة من الأنثى، وبعد تلقيح نواة الخلية تبدأ الخلية بالانقسام إلى اثنين ثم إلى أربعة، وهكذا، وهذه هي الحياة الباكرة للإنسان الكامل حيث تبدأ عملية تخصص الخلايا لإنتاج الأنسجة والأعضاء المختلفة التي يتكون منها الإنسان.
ماهو الاستنساخ؟
في الحقيقة أن في سورة يس الآية ٣٦ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أنبه فقط إلى هذه الآية إلى أنها ملفتة للنظر ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يجب أن نتوقف نحن أمام هذا الموضوع.
نأتي بعد ذلك إلى شيء بسيط جدًّا حتى نعرف ماذا يتم في هذا الموضوع؛ الخلية، الحيوان المنوي يحتوي على ٢٣ كروموزومًا، الحيوان المنوي يحتوي على جدار الخلية والنواة، وأيضًا البييضة الناضجة كل منهم يحتوي على نواة، وكل نواة تحتوي على ٢٣ كروموزومًا، وهي الحقيبة الوراثية.
هذا هو الحيوان المنوي بتبسيط شديد، ويمكن الأخ صالح سوف يعرض لنا صورًا أكثر إيضاحًا، وهذه هي البييضة الناضجة، وكل منهما يحتوي على جدار للخلية، داخل هذه الخلية يوجد السيتوبلازم لتغذية النواة ثم تغذية الخلية، ثم توجد النواة وحولها الغشاء النووي، ونفس الشيء بالنسبة للبييضة الناضجة، بينما الخلية الجسدية تحتوي على نفس هذا التكوين بمعنى جدار خلوي ثم سيتوبلازم ثم النواة، لكن الفرق أن الحيوان المنوي يحتوي على ٢٣ كروموزومًا والبييضة أيضًا تحتوي على ٢٣ كروموزومًا وهو نصف الحقيبة الوراثية من الأب ونصف الحقيبة الوراثية من الأم، بينما الخلية الجسدية، أي خلية في جسم الإنسان ما عدا الخليتين سابقتا الذكر، تحتوي على ٤٦ كروموزومًا، أي نتجت نتيجة هذا التلاحم.
стр. 17397
ماذا يحدث عند التكاثر؟
هذا هو الحيوان المنوي يحتوي على ٢٣ كروموزومًا، وهذه هي البييضة تحتوي على ٢٣ كروموزومًا، فيتحدا مع بعضهما ليكونا المرحلة الأولى، ثم يكونا البييضة التي نتجت عن التلقيح، هذه الخلية أصبحت تحتوي على نواة تحتوي على ٤٦ كروموزومًا، تبدأ بعد ذلك في الانقسام إلى ٢ ثم إلى ٤ وهكذا، وهي الحياة الباكرة للجنين فيما بعد.
هنا نأتي إلى عملية الاستنساخ، هذه هي البييضة (٢٣ كروموزومًا) وهذه هي الخلية الجسدية تحتوي على ٤٦ كروموزومًا، الفكرة بدأت طالما أن هذه تحتوي على ٤٦ كروموزومًا، هل يمكن أن نقوم بعملية تنشيط للنواة الموجودة وهي تحمل الحقيبة الوراثية الكاملة للإنسان، هل ننشطها وأن تنقسم؟ هذا هو السؤال الذي كان موجودًا، ربنا- عندما يتم ٣٢ خلية في المراحل الأولى يبدأ عملية تخصيص الخلايا، جزء من الخلايا يذهب ليكون الكبد، وجزء يذهب ليكون الجلد، وجزء يذهب ليكون القلب، وهكذا، وحتى الآن لا يعرف أحد ما هو السر في هذا التخصص وكيف يتم؟ حتى الآن لا أحد يعرف ذلك، ثم الذي يحدث بعد ذلك أن هذه الخلايا المتخصصة تقوم بوظيفة واحدة فقط وتغلق بقية الوظائف، ولا نعرف أيضًا كيف تغلق ولماذا تغلق، فمثلًا خلايا الجلد تعطي خلايا جلدية فقط ولا تنتج أي شيء آخر مهما زرعناها ومهما حاولنا، الخلايا الكبدية تعطي أيضًا خلايا كبدية مماثلة للموجود ولا تعطي أي وظيفة أخرى، فكانت الفكرة هل نستطيع أن ننشط هذه النواة وأن نحولها إلى الانقسام لنعود مرة ثانية , مثل الكمبيوتر عندما يوجد به العديد من الملفات لكنه مغلق على ملف واحد إذا صاحب هذا الكمبيوتر لم يضع يده على جميع المفاتيح لن يفتح نهائيًّا، هذه هي كانت المحاولات، ومحاولة فك الرموز بحيث أنها تنقسم وتتحول إلى خلية نشطة تعطي الإنسان الكامل.
(وول موت) عندما بدأ يعمل قام بـ ٢٧٧ محاولة، المحاولات الأولى الغرض منها تنشيط الخلية الجسدية نفسها , وهذا التنشيط يحاول أن يرغم النواة بالطرق المختلفة أن تنقسم لتتحول إلى خلية كأنها خلية جنسية وإلى ما شابه ذلك، لكنه فشل وبدأ ينقل عمله وينقل هذه النواة إلى هذه الخلية والتي هي البييضة، البييضة تحتوي على النواة، وضع هذه النواة، وفرغ الخلية من النواة , وأصبحت هذه الخلية خالية النواة والتى هي البييضة، وأخذ نواة الخلية الجسدية من هذه النواة مرة ثانية وأصبحت البييضة + نواة الخلية الجسدية، إذن هنا حدث تزاوج، ووجد أنه بعد ذلك انقسمت وبعد عملية الانقسام بدأت تعطي المراحل الأولى، كأن هناك تلقيحًا جنسيًّا تم في هذه العملية، وبدأت تنقسم إلى أن تكوّن الحياة الباكرة للجنين، هذا النوع هو النوع الأول أو ما نطلق عليه الاستنساخ التقليدي وهو نقل نواة من خلية جسدية إلى بييضة منزوعة الخلية وإرغام الجسم الجديد على الانقسام لكي يتحول إلى خلايا منقسمة ويتحول إلى الحياة الأولى للجنين الكامل ثم يوضع في الرحم.
стр. 17398
أما قصة (دولي) وهي أن بعض الشركات ومعهد روزالين في أيرلندا وهو معهد مشهور جدًّا بالإنتاج الحيواني، أنتج العديد من الحيوانات بالهندسة الوراثية، الهدف في هذا الموضوع أنهم أنتجوا أم دولي والتي اسمها روز مهجنة أو محسنة من ناحية الجينات لكي تنتج لبنا يشابه لبن الأم تمامًا. . كانت هذه القصة في بدايتها، وعملوا (٢٧٧) محاولة على الأم بحيث إنه يمكن إنتاج هذه العملية، الشركة التي أنتجت هذا الموضوع اسمها PPL هي التي مولت هذا الموضوع على أنها في سنة ٢٠١٠ تكون بعض المستحضرات الصيدلانية موجودة داخل الأسواق العالمية لتسويقها عن طريق هذه الحيوانات المعدلة بالهندسة الوراثية وتنتج عن طريق الإقطاع في هذا الموضوع , وهم منتظرين موافقة الصحة العالمية وموافقة الجهات المختلفة التي هي الأغذية والصحة الأمريكية، هذه هي القصة التي كانت وراء إنتاج النعجة دولي، وبسبب هذا الموضوع بدأت تثور هذه المشاكل.
هناك نوع آخر من الاستنساخ والذي هو الاستنساخ الجنيني، بعدما أذيع مباشرة موضوع إنتاج دُولّي بالهندسة الوراثية في هذا الاستنساخ العادي أذيع بعدها بأسبوعين أو بحوالي شهر إنتاج قردين أعلنت عنهم جامعة أوريجون وهما توأمان تمام التماثل، لكن إنتاجهما كان مختلفًا تمامًا عن إنتاج دولي، في إنتاج دولي تم أخذ نواة خلية جسدية متخصصة إلى بييضة منزوعة الخلية، لكن في القردين العملية بدأت عادة بحيوان منوي عادي مع بييضة وتم التلقيح بشكل عادي، وهذه تحتوي على ٢٣ كروموزومًا، وهذه تحتوي على ٢٣ كروموزومًا، أنتج بعد ذلك الزيجون الذي يحتوي على ٤٦ كروموزومًا وبدأت تنقسم العملية، عندما انقسمت إلى اثنين تركت إلى أن انقسمت إلى أربعة، وبعد ذلك بدأ يحدث أنهم يفصلوا كل خلية عن بعضها لتتحول كل خلية من هذه إلى خلية قابلة للانقسام، بمعنى أنه أصبح عندي أربعة إخوان موجودون في هذه العملية، وجمعت هذه الخلايا مرة ثانية لتنتج اثنين وأربعة، بعد ذلك أخذوا بفصلهم إلى أن وصلوا إلى ٣٧ جنينًا موجودًا ومحفوظًا وقابلًا للنمو.
стр. 17399
هذه التقنية بدأت في السبعينات عن طريق إحدى الطبيبات التي كانت تعمل في فيلادلفيا في موضوع السرطان ووجدت أن تناسب عملية انقسام الخلايا الجنينية يتماثل تمامًا مع انقسام الخلايا السرطانية وقامت بفصل هذه العملية، بعد ذلك ستنمان ودهول في سنة ١٩٩٣ - وهم من واشنطن - طلبوا التصريح بعمل الشيء هذا، وأخذوا بعض البييضات المشوهة مع الحيوانات المنوية المشوهة وتصريح من لجنة الأخلاقيات للعمل عليها ونجحوا في عمل هذه الخطوة الجبارة، بمعنى أنه لو حصلت هذه الخلايا عندما تنفصل جدارها سوف تتهتك، فهم اخترعوا - وهو الجديد في الموضوع - الفصل ثم محاولة التئام الجدار مرة ثانية وذلك باستخدامهم بعض الطحالب البحرية وبعض الأنزيمات المختلفة بحيث أنهم استطاعوا أن يفصلوا هذه العملية وتوقفوا في بحثهم عند إنتاج ٣٢ خلية لأن هذا سوف يصبح جنينًا بشريًّا، ولجنة الأخلاقيات عاقبتهم على هذا، وأمرت بتحويلهم إلى لجان تحقيق، لأن هذا البحث لم يكن مدرجًا ضمن المطلوب، لكن لجنة التحكيم أعطتهم أحسن جائزة على أحسن بحث.
بعد هذا أخذت جامعة أوريجون هذه التقنية وطورتها وأنتجت القردة التي تحدثت عنها، هذا هو الجزء الثاني من أنواع الاستنساخ.
النوع الثالث من الاستنساخ هو الاستنساخ الخلوي أو الجيني أو العضوي، هو عبارة عن حدث بدأ يدخل في موضوع البكتيريا. . تدخل الهندسة الوراثية وتغير الجين الموجود داخل هذه الأنواع من البكتيريا لتغير الوظائف الفيزولوجية الموجودة داخل هذه الخلية، ومن هذا الموضوع تم إنتاج الأنسولين البشري وبعض الهرمونات، وهي موجودة الآن تحت هذه المسميات، طبعًا يدخل تحت هذا البند أيضًا الحرب الكيماوية بتغيير بعض الصفات المختلفة لبعض أنواع البكتيريا بحيث إنها تعطي نتائج خطيرة جدًّا في الحرب.
بعد ذلك سوف أتعرض إلى أنه عندما قام هذا الموضوع أحدث ردود فعل عالمية، وهذه الردود اختلفت في كثير من البلاد؛ ففي بعض الدول الإسلامية أصبح هناك من طالب بمعاملته معاملة خطيرة، وكانت هناك ردود فعل قوية جدًّا، لكن العالم كله كان لديه ردود فعل، وكان هناك المؤيدون وهناك الرافضون لهذا الموضوع، المؤيدون للموضوع قالوا: إن السعي إلى تحقيق التوالد النسخي سيزود العلماء بكثير من المعلومات العلمية الأساسية عن تمايز الخلايا والسرطان والوراثة وما إلى ذلك، والأبحاث عن الاستنساخ سيتيح فرصة كبيرة للعلماء لاستكشاف الكثير.
فالاستنساخ ليس تدخلًا في المشيئة الإلهية لأن العنصر الرئيسي في الاستنساخ هو الخلية الحيّة وهي من صنع الله، وما تم هو الاستفادة من التقنيات الحديثة فقط.
стр. 17400
الاستنساخ موجود أصلًا وهو جزء من الطبيعة، فمثلًا الأميبات وحيدة الخلية تتكاثر بالاستنساخ كذلك، وبعض الحيوانات مثل رفايوس البحر يتكاثر بالاستنساخ، وما تم هو الاستفادة من التقنيات وكشف أسرار الإنسان الحي.
دكتور غلاس هو أحد أساتذة أمراض النساء يقول: بأن هذا الموضوع سوف يفتح آفاقًا جديدة للتغلب على مشكلات الحمل سواء عند الرجال أو النساء باستنفاذ أجزاء المبايض أو الخصي البشرية مخبريًّا، والتعرف على أسباب عدم إنتاجها للبويضات والحيوانات المنوية للتغلب على ذلك.
أيضًا يضيف بعض أطباء أمراض النساء الذين يشجعون أبحاث الاستنساخ أن ذلك سوف يكشف الكثير عن أسباب الإجهاض المبكر التي لا تعرف أسبابه، أما اختصاصيو تحديد النسل يعتقدون بأنه إذا تم إيجاد كيفية تعرف الجنين على زرع نفسه في الرحم سيتمكنون من إيجاد وسيلة جديدة لمنع الجنين من الانزراع داخل الرحم، وبذلك يتوصلون إلى وسيلة جديدة لمنع الحمل.
اختصاصيو السرطان يعتقدون بأن ذلك سيفتح أمامهم طريقًا للتعرف على الأسباب وراء سرعة انقسام الخلايا السرطانية والتي تبين أنها تماثل سرعة انقسام الخلايا الجنينية، وبالتالي فإذا تم التعرف على طريقة معينة لإيقاف انقسام الخلايا الجنينية فإنه يمكن استخدام ذلك في وقف انقسام الخلايا السرطانية.
مجال آخر يثيره مؤيدو الاستنساخ وهو إنتاج الخلايا الجذعية (Stem Cell) هذه الخلايا لا يمكن تمايزها وبالتالي يمكن أن تتطور إلى نوع من الخلايا في الجسم، وهذه الخلايا لا تهاجم بالجهاز المناعي الشخصي للجسم، وذلك لسرعة تطورها إلى حالة لا تمايزية، وإذا تمكن الإنسان من الحصول على كميات كبيرة من الخلايا الجذعية يمكن استخدامها في علاج أمراض المخ والجهاز العصبي، وهذه كلها مجرد افتراضات نظرية لم يتم إجراء التجارب عليها ولم تثبت أمام البحث العلمي، كما يمكن استخدام الاستنساخ في المسح الجيني وفي حالة إصابة أحد الوالدين.
التحكم بجنس الأطفال في المستقبل حسب الظروف العائلية.
إنتاج مجموعة من الأشخاص المتطابقين لأداء مهمات خاصة سواء في الأعمال أو الحروب.
تحقيق الرغبة البشرية في حق الفرد في تحقيق ذاته، إما من خلال إنتاج نسخة متطابقة له، أو إنتاج وليد بمواصفات خاصة؛ ويثيرون بأن الرغبة البشرية يجب أن تنزل منزلة التطور.
ومؤيدو هذا البحث يقولون إنه لن يتقدم إلا إذا أعطي الحرية الكاملة في الانطلاق، وإلا فلن يكون للحياة آثاره في التطبيق وإخراجه إلى حيز الوجود، يرد المؤيدون على المعارضين بأن وجود نسخ عديدة للشخص سوف تدفع هذه النسخ إلى البحث عن التمايز ليكون لكل نسخة شخصيتها وأسلوبها في الحياة مميز عن غيرها.
التزاوج بين الهندسة الوراثية والاستنساخ سيؤدي إلى إنتاج أجيال صحيحة معافاة من الأمراض.
стр. 17401
إنتاج نسخ جنينية لكل شخص تُجَمَّد وتخزن وتحفظ وتستخدم وقت الحاجة خاصة للمصابين بالأمراض.
المؤيدون يبررون أعمالهم وتجاربهم بأنها تجرى على خلايا جنينية، وفي رأيهم بأنها تمثل الحياة الباكرة للجنين ويجب احترامه وتطبيق العقوبات على من يعتدي عليها، بينما المعارضون يرفضون هذا الرأي ويعتبرون هذه الخلايا لا حرمة لها ولا تتمتع بالحرمة البشرية التي يثيرها رجال الأخلاقيات.
هذا ما يثيره المؤيدون للاستنساخ، أما المعارضون فيعترضون على ذلك وأن ذلك سوف يؤدي إلى خلط الأنساب وإلى عدم تمايز الشخصية. الرافضون لهذا الموضوع يقولون: إن هناك تشويشًا كبيرًا سوف يحدث الاعتداء على ذاتية الفرد، وقد يؤدي ذلك إلى تغيير طبيعة العلاقة بين النسيخ وأصحاب الخلية والبييضة تغيرًا جذريًّا، والخوف من استمرار طابع وراثي معين، وهذا قد يؤدي إلى مخاطر جمة وانقراض البعض وسيادة البعض الآخر.
- الخشية من تأييدنا لإنسانيتنا وهو أمر وارد حتمًا، بينما تميز الإنسان بذاتيته لا يمكن إنتاجه بصورة تشبه إنتاج قطيع الأبقار أو الخراف.
- الخوف من إنتاج أشباه البشر واستبدالهم إما في مجال أعمال معينة أو لإنتاج قطع الغيار البشرية.
- الخوف من أن يمزج نسيج مشوه تشويهًا كبيرًا فما العمل حياله؟ هل يقتل أم يبقى؟ ومن المسؤول عن ذلك؟
- وصول هذه التكنولوجيا في أيدي أحد الزعماء الدكتاتوريين، وعواقب ذلك على العالم، ويربطون ذلك بالتكنولوجيا النووية والقنابل الجرثومية التي أصبحت في متناول أيدي الجميع.
- سهولة إجراء الأبحاث إذا تم تملك التقنية، وفي هذه الحالة فيمكن أن تتم في الدول النامية ومخاطر ذلك كثيرة في استخدامهم كحقول للتجارب.
النقطة الأخيرة - وهي من المعارضين - أن العمر الافتراضي للنسيج غير معروف، إلا أن المؤيدين يقولون إنه إذا كان هذا العمر الافتراضي مثلًا عمر (دولي) هل سيكون استكمالًا لعمر أمها أم عمر جديد؟ وهنا يثير المؤيدون للاستنساخ أنه إذا حدث أنها عاشت عمرًا جديدًا فسيتم التعرف على أسباب الشيخوخة، لأن الخلية تكون قد تجددت، ولا بد من البحث حول كيف عادت العناصر الأساسية الموجودة داخل الخلية والنواة إلى شبابها مرة ثانية وأنتجت هذا الجيل؟ وبالتالي يمكن التغلب على الشيخوخة.
- مخاطر تعرض الإنسان للظروف البيئية المختلفة قد تؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة في الجنس البشري لا يمكن السيطرة عليها، فمثلًا الإنسان في عمر حياته بعد سن الخمسين إذا أخذنا خلية من جسمه تعرض إلى مشاكل كثيرة جدًّا هذه المشاكل من إشعاعات ومواد كيماوية وغير ذلك، هذه المواد يمكن أن تؤثر على إنتاجه هو، فعندما تؤخذ خلية منه يمكن أن يظهر أفراد جدد هي غير موجودة في الأب أو في صاحب الخلية نفسها.
هناك مخاطر قانونية ونفسية واجتماعية ستعاني منها المجتمعات، في الحقيقة موضوع الاستنساخ كانت له آثار على النبات ويحاولون الآن استخدامه في الحيوانات.
стр. 17402
نتائج استخدامه في النبات كثيرة جدًّا فهناك المحاصيل الوفيرة ذات الصفات والجودة العالية المقاومة للفيروسات والبكتيريا ودرجات الحرارة، وبالتالي يمكن في هذه الحالة الاستفادة خاصة أمام قلة الأراضي المزروعة وكثرة السكان، إلا أن هناك المعارضين أيضًا يثيرون نقطة هامة، وهي أن هذا الموضوع له مخاطره، وطالبت جمعيات كثيرة بأن يوضع على هذا الإنتاج أنه لم ينتج إنتاجًا طبيعيًّا ١٠٠ % ويجب أن يوضع في مكان خاص به ويعلن عن ذلك بأنه غير منتج طبيعيًّا، منظمة الصحة العالمية لم تتخذ قرارًا بهذا الموضوع، إدارة الأدوية والأغذية الأمريكية أيضًا لم تتخذ قرارًا ضد هذا الموضوع، وتركته حتى الآن، لكن ظهرت بعض الآثار الجانبية ومنها زيادة الحساسية عند بعض الناس الذين يستخدمون هذه المنتجات.
لذلك فإن هناك مخاطر يجب ألا تغفل في هذا الجانب.
الانعكاسات في الساحة العالمية كانت كثيرة، فمثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية أصدر الرئيس كلينتون قراره بوقف هذا الموضوع مؤقتًا وشكل لجنة من ثمانية عشر شخصية لوضع الأسس العلمية وتقديم تقرير عن هذا الموضوع، اللجنة طلبت وقف - فقط - تمويل الحكومات الفيدرالية لميزانيات الأبحاث في مجال الاستنساخ البشري فقط، لكنها تركت الباب مفتوحًا أمام التقنيات الأخرى لتطوير هذا، وأيضًا هي قررت أن تترك الباب مفتوحًا أمام الأبحاث الخاصة بعملية الاستنساخ حتى يمكن التعرف على كثير من هذه المواضيع.
البرلمانات الأوروبية أصدرت تشريعًا بوقف هذا الموضوع، لكن رغم التحفظ على وقف هذا الموضوع فإن هناك القطاع الخاص الذي سوف يستطيع أن يقوم بعملية تمويل الأبحاث في هذا المجال وستظهر نتائج هذا الموضوع في القريب، وأنا قلت مثل شركة PPL التي مولت إنتاج دولي، وبعد الإعلان عن إنتاج دولي زادت أسعار أسهمها بحوالي ١٥- ٣٠ % وذلك في ثاني أوثالث يوم.
إذن نحن أمام مخاطر كثيرة وأيضًا أمام فوائد كثيرة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وشكرًا لكم على حسن استماعكم.
стр. 17403
الدكتور صالح الكريم:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونصلي ونسلم ونبارك على حبيبنا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أشكر لمعالي الأمين العام دعوته لي للتحدث عن موضوع الاستنساخ، في البداية أحب أن أحدد بعض المصطلحات.
فالهندسة الوراثية هي جزء من عملية التقنية الحيوانية , والهندسة الوراثية في جزئية منها في تطبيقاتنا تعتبر فعلًا أحد أنواع الاستنساخ، طبعًا الاستنساخ عندما جاء كموجة عالية على العالم الإسلامي من تطبيقات في معامل الوراثة، لقربي من التخصص كنت أعتبر الموضوع طبيعيًّا جدًّا وليس هنالك أي بعد خلقي أو تدخل بشري في خلق أدق الكائنات البسيطة، لذلك كان بالنسبة لي أن أستعرض بنوع من التفصيل لكل حالة من الحالات.
طبعًا عملية الاستنساخ تدور كلها حول النواة، النواة موجودة، هذه خلية حقيقية تحت المجهر وتبين لنا أين تسكن مادة الإنسان أو الحيوانات، تسكن في داخل النواة من الخلية نفسها، في داخل النواة يضع الله- سرًّا من أسراره في الخلق وهي مادة DNA , هذه المادة إذا نقلت وهيئت لها في بيئة أخرى فإنها ستعمل بنفس الكيفية الموجودة فيها الخلية. هذه الكروموزومات تختلف عادة من كائن إلى آخر - كما ذكر - في النساء ٤٦ من الكروموزومات، في ورق الفاكهة ٨ في البازلاء ١٤، وهكذا نجد عددها يعتبر تصنيفًا نوعيًّا أو محددًا لكل كائن من الكائنات الحية.
أنا دخلت مباشرة لتعريف الاستنساخ وهو موجود في بحثي وكان عنوانه (الاستنساخ: تقنية، فوائد، ومخاطر) ، وندخل على تطبيقات الاستنساخ، هناك ثلاثة أنواع للاستنساخ، هي:
١ - الاستنساخ الجيني.
٢ - الاستنساخ الخلوي.
٣ - استنساخ أجنة.
وكل نوع من هذه الأنواع له تطبيقاته، وأيضًا له فوائده وله مضاره.
стр. 17404
أولًا: الاستنساخ الجيني يطبق من خلال علاقة مباشرة بأن نقطع أجزاء من المادة الوراثية، الكروموزومات الموجودة هذه نقطع أجزاء منها وننقلها إلى نواة أخرى، يعني له ارتباط في انتزاع جينات معينة، كلنا يعرف أن الجينات هي التي تحمل الصفات والخصائص والحركات ونبرة الصوت، كل الصفات الدقيقة توجد أصلًا في الجينات أو الكروموزومات - الصور التي رأيناها قبل قليل - هذه الكروموزومات لو نحن أخذنا واحدًا منها وقتلناه نجد فيه آلاف مؤلفة من الجينات، هذه الجينات بقدرة الله هي التي تحدد الصفات والخصائص لكل كائن.
في الإنسان تجد أن لكل شخص توجد فيه جينات فاعلة ونشطة وتعمل ولكنها مفقودة عند شخص آخر، طبعًا هناك نظرية حديثة في مجال الوراثة وهو أن كل ما يخص الجينات البشرية موجودة في كل نواة من هذه الناحية، لكن التي تعمل منها مجموعة وتترك الباقية نائمة وهكذا، فإذن ما يسكن في داخل النواة من الكروموزومات ومن الجينات هي حاملة لكل الصفات البشرية، ولذلك توقفت عند حديث الرسول ﷺ أنه إذا استقرت النطفة في الرحم جمع الله ما بيننا وبين آدم من نسب، فطبعًا هذه النظرية تذكر أن هنالك جينات نشيطة وتعمل وتبين الخصائص مثل لون الشعر والصفات والوجه، وهي أيضًا موجودة صفات فلان وفلان في نفس النواة هذه لكنها غير فاعلة.
تطبيقات الاستنساخ:
ذكرنا أن للاستنساخ ثلاثة أنواع منها الاستنساخ الجيني وهو أن نأخذ أجزاء من الكروموزومات أو الجينات وننقلها، هذا هو النوع الأول وهو له تطبيقات عديدة وكثيرة منها، في مجال الزراعة والنبات، وتم إنتاج أكثر من خمسين نوعًا نباتيًّا، وذلك عن طريق الهندسة الوراثية والاستنساخ الجيني، وهي ذات فوائد كثيرة منها: طريقة نقل الـ DNA أو الجينات، بحيث يدخل الجينات المراد إدخالها أو قطع الكروموزومات داخل الخلية النباتية، طبعًا هذه القطع التي تم اختيارها تكون ذات صفات وخصائص ممتازة ومرغوب فيها ومطلوبة، وبالتالي يتم نقلها إلى نواة خلية نباتية ثم بعد ذلك تزرع مرة ثانية ثم تترك لتعطي نسخًا منها، وهنا يأتي معنى الاستنساخ.
стр. 17405
هنا بعض النتائج ونقل بعض الجينات نفسها يحسّن لنا أنواع النبات بحيث يمكننا إنتاج سلالة من النبات مقاومة للآفات ومقاومة للمبيدات الحشرية وتعطي ثمارًا جيدة مقاومة للتلف.
المجال المهم للإنسان أكثر هو الاحتياج للدواء، فبطريقة الاستنساخ الجيني يتم الآن الحصول على كميات كبيرة من الأنسولين، طريقة الأنسولين البشري طبعًا أخذوا الجينات الخاصة بإنتاج الأنسولين وزرعت في بكتيريا تسمى بكتيريا القولون، هذه البكتيريا لها قابلية على أن تستزرع في داخلها الجينات الخاصة بإنتاج الأنسولين، وبالتالي تنتج عندنا إنزيمات بكتيريا القولون، ونجد طبعًا في داخلها مزروعة أو منقول إليها الجينات الخاصة بإعطاء الأنسولين، وطبعًا هنالك الكثير من الأدوية الأخرى وهذا نموذج.
أيضًا يستخدم استنساخ الجينات أو نقل الجينات وزراعتها في معالجة الأمراض الوراثية، ومن السهل الآن للكثير من الأطباء أن يجدوا من خلال أخذ خلايا معينة للجنين، وبالتالي يحددوا أين توجد المعطلة الوراثية أو التشوه الوراثي، ويعالج من خلال استنساخ أو زرع الجينات المعالجة للمرض نفسه، ومن هنا يتم نقلها من خلايا في السرة، وتنقل وتعامل وتدخل الجينات إلى الخلية المطلوبة، ثم تعاد إلى الجنين مرة ثانية، وهذه طبقت في عام ١٩٩١ م ونجحت فعلًا.
أيضًا الاستنساخ الجيني يستخدم في شيء نسميه الحصول على حيوانات مهندسة وراثيًّا أي معدلة وراثيًّا، بمعنى أن نحصل على خلايا ونرغب في جينات معينة لنقلها، ونستزرعها في نفس الجنين ويعطي حيوانات مهندسة وراثيًّا تحمل الإنتاج الخاص بالجينات التي زرعت فيها، وهذه طبعًا نجحت في استزراع عوامل النمو، بحيث يتم أخذ الخلية ويزرع فيها ثم تعاد مرة ثانية تحت الجلد، ونجد بعد ذلك أنه ينتج عندنا عوامل النمو المطلوبة.
طريقة الحصول على الحيوانات المهندسة وراثيًّا إما أن تتم بأن نستزرع عدة أعضاء للخلايا، وذلك في الفئران والأرانب وغيرها، وينتج عندنا الجنين من عدة آباء، ويحصل فيه بعض الصفات والخصائص المطلوبة.
هذا طبعًا إذا تم من خلال نقل الخلايا نفسها والذي هو النوع الآخر الذي نتكلم عنه وهو الاستنساخ الخلوي، لكن قد يتم أيضًا النقل من خلال استزراع الجينات المطلوبة نفسها، وتعاد مرة ثانية ضمن الخلايا الجنينية وهذه أيضًا نجحت، بمعنى أنه لو أخذنا خلية معينة واستزرعنا فيها الجينات المطلوبة كما في استزراع الحليب البشري في الأبقار ونجح، وهذه تمت من خلال استزراع الجنين نفسه أي استزراع الجينات نفسها، استزراع الجينات كيف يتم؟ الآن بعض العلماء حديثًا قالوا: إنه يتم من جين إلى جين هذا خاص بالحليب البشري وتؤخذ الجينات هذه نفسها وتستزرع ضمن خلية، الخلية تدمج مرة ثانية مع البلاستولا يكون الناتج النهائي أنه الجينات تعمل في الأخير في الحيوان نفسه، وهذا مجال كبير وواسع، يمكن عشرة سنين العلماء قطعوا شوطًا كبيرًا جدًّا ويستفاد منه الكثير، وذلك من خلال الحيوانات المهندسة أو المعدلة وراثيًّا، بل إنه أصبحت تصنف بأن هذه السلالة من كذا وهذه السلالة الجديدة من كذا وأن أي باحث يريد أن يعمل لا بد أن يعطى الضوء من خلال معرفة بطاقة شخصية للحيوان المهندس وراثيًّا نفسه.
هذه طبعًا مجموعة من الحيوانات المهندسة وراثيًّا.
стр. 17406
إذن هذا النوع الأول الذي تحدثنا عنه وهو الاستنساخ الجيني، الاستنساخ الذي له علاقة باستنساخ الجينات بعد استزراعها في الخلايا نفسها.
النوع الآخر الذي نسميه الاستزراع الخلوي، أي أننا نحدد من خلال تقنية زراعة الخلايا والأنسجة الخلايا المطلوبة المعينة عندنا وبالتالي نستزرعها، وبعد ذلك تؤخذ خلية، هذه الخلية تبقى معروفة، وهذه تستخدم في إنتاج المضادات وحيدة النسيلة، هذه طبعًا تستخدم كثيرًا في علاج أمراض المناعة وكذلك في زراعة الأعضاء، لأن التثبيط الناتج يحصل على المضادات، وتعطى للمريض الذي ليس لديه أي مناعة في جسمه لاستقبال أي عضو، وهذه تستخدم فيها فعلًا ويسمى الاستنساخ الخلوي وحيد النسيلة ويتم تحديد خلية معينة، ويركزون عليها ويضعوها في زراعة معينة وفي بيئة معينة يعرفون مواصفاتها ويحددون أنشطتها، وتعطى بعد ذلك بعض المواد بدورها تنتج الأشياء التي ضد النواحي المناعية، وبالتالي تعطى للمريض، وهذه يستفاد منها طبيًّا كثيرًا.
أيضًا هذه صورة لمجموعة من الخلايا التي تستنسخ.
الاستنساخ الخلوي مهم جدًّا في عملية تفسير معضلة السرطان أو مقارنة الخلايا الجنينية والخلايا السرطانية.
مما هو معروف علميًّا بأن هنالك تشابهًا كبيرًا جدًّا جدًّا بين الخلايا الجنينية والخلايا السرطانية، وهذا التشابه حير العلماء وجعلهم يركزون أكثر، واستزرعوا خلايا سرطانية في ضمن أجنة عادية ليروا هل تعطي أم لا؟ تصور أنت تضع هنا خلايا سرطانية ضمن خلايا جنينية، هذه الخلايا الجنينية تذوبها ولا يكون لها أثر أو وجود لهذه الخلايا السرطانية، والعكس أيضًا، فهنالك إذن عوامل متبادلة بين الخلايا السرطانية والخلايا الجنينية قد تكون هذه العوامل على مستوى النواحي الفيزيائية الكيميائية، إلا أن العلماء لم يعرفوها، إن استخدام الاستنساخ الخلوي يساعد على التعرف على معضلة السرطان، أيضًا الخلايا الخاصة بالجنين وتحدد من خلال اختبارات معينة. . . ثم بعد ذلك تعالج من خلال معاملتها، هذه الخلايا من الكبد نسميها الأستنسل أو الخلايا الجذعية، الخلايا الجذعية عبارة عن خلايا جنينية صرفة تعطيك أي نوع من أنواع الخلايا، فعند معالجة أو تحديد الأمراض الوراثية إذا كان يحتاج معالجتها مثلًا خلايا من الكبد تؤخذ بعض الخلايا من الكبد للأطفال المجهضين وتستزرع مرة ثانية في الأجنة قبل ولادتها وتتجه مباشرة إلى الكبد وبالتالي تغطي المرض الوراثي الموجود.
стр. 17407
النوع الثالث هو استنساخ الأجنة:
يتم استنساخ الأجنة من خلال الأنسجة، هذا الكلام قبل خمسين أو ستين سنة. أحد العلماء اسمه سنيمان والثاني لينتون، والملفت للنظر أن العلماء في أسكتلندا هم أكثر الناس قربًا (أو لهم باع طويل) في قضايا الاستنساخ، لذلك كانت ردة الفعل في أمريكا وغيرها قوية لأن هنالك ممكن في أسكتلندا وفي المعهد هذا بالذات هو المكان الذي ولد فيه الاستنساخ والمتابعة، وهنالك طبعًا قضايا لها سريتها الكبيرة ولا يمكن الإعلان عنها بسهولة، فقبل أن تنتج عملية استنساخ الأجنة لا تجد استنساخ أجنة نسميها في كتب الأجنة كلها مذكورة، وفي كتابي أيضًا ذكرت استنساخ أجنة من خلال قطعة بسيطة، نأتي إلى الجنين هذا مثلًا ونأخذ جزءًا بسيطًا ونستزرعه في بييضة ثم تجده يعطينا جنينًا، وهذه طبعًا نال عليها سنيمان جائزة نوبل.
وهذه الصورة تبين بأننا نأخذ جزءًا من جنين ونضعه في جنين آخر ويعطي أيضًا جنينًا ملاصقًا.
فإذن كان على مستوى , قبل خمسين سنة , على مستوى نقل نسيج بسيط مجموعة من الخلايا تعطي جنينًا كاملًا.
نأتي إلى استنساخ الأجنة، في الحقيقة استنساخ الأجنة ثلاثة أنواع وهي:
- استنساخ الأجنة بفصل الخلايا، عندما نقول: فصل الخلايا معناه أن هناك حيوان منوي هذه صورة حقيقية وأيضًا هناك بييضة، طبعًا الملفت للنظر هو أن الحيوان المنوي لا يحمل إلا رسالة المادة الوراثية التي تتجه بعد ذلك إلى النواة نفسها، بينما البييضة نفسها تحمل سيتوبلازم وتركيبات داخلية.
لاحظوا هنا أن الحيوان المنوي عندما يدخل إلى النواة ويتجه أيضًا إلي نواة البييضة.
وفي حالة أخرى يتحد الاثنان مع بعضهما ومنهما ينشأ التكوين ويخلق الله يعني من المادة الوراثية من الأب ٢٣ كروموزومًا وأيضًا من الأم ٢٣ كروموزومًا، ومن خلالهما يتم الدمج ويخلق الله الجنين.
وفي حالة أخرى أيضًا، هذه أربع خلايا البييضة الأولى التي رأيناها بعدما اندمجوا مع بعضهم يكوّنون البييضة المخصبة والتي هي سوف تعطي الجنين، تبدأ بعد ذلك عملية الانقسام، الانقسام الأول عبارة عن خليتين، الانقسام الثاني فيه أربع خلايا، بعد ذلك، هذه اثنان، أربعة، ثمانية، ستة عشر، اثنان وثلاثون، أربعة وستون، مائة وثمانية وعشرون، وهكذا، ما هي ميزة هذه الخلايا؟ ميزة هذه الخلايا بأنها تستمر خلايا نسميها بأنها غير متمايزة، لو أخذت أي خلية من هذه الخلايا واستزرعتها تعطي جنينًا، هذا النوع استفاد منه العلماء في الإنتاج الحيواني وأيضًا طبق على الإنسان عام ١٩٩٣، بمعنى إذا أخذنا أي خلية فإنها تعطي جنينًا، إذن يستنسخ منها، ممكن أن ينتج من خلالها ١٢٨ نسخة متطابقة لأن المادة الوراثية واحدة قادمة من أب واحد ومن أم، ومن ٢٣ و ٢٣ من جهة واحدة، وفي حالة أخرى نرى أن هذا النوع يشبه التوائم المتطابقة، لأن عندنا نوعين من التوائم وهما: توائم غير متطابقة (عادية) وتتكون من حيوانين منويين ويخصبان بييضتين، كل حيوان منوي يخصب بييضة، لكن النوع الثاني (التوائم المتطابقة) والتي تكون مواصفاتهم واحدة هو أن حيوانًا منويًّا واحدًا يخصب بييضتين، ثم تنقسم مثل ما رأينا قبل قليل ثم يحصل في داخل المرأة أنه ينزل إلى الرحم بعد عملية الفصل، الخلايا تنفصل عن بعضها بعد عملية تلقيح الحيوان المنوي للبييضة وبالتالي يعطي توائم متطابقة.
стр. 17408
الاستنساخ بطريقة فصل الخلايا توائم متطابقة ١٠٠ %، لذلك تعاد مرة أخرى إلى الرحم، أي خلية أخذناها يصبح عندنا جنينًا.
طريقة فصل الخلايا تم تطبيقها على الضفادع ونجحت، وكذلك على الفئران والأغنام، والآن تستخدم كطريقة في كثير من المعامل.
أيضًا هذه طريقة إنتاج أبقار بطريقة فصل الخلايا.
نأتي إلى النوع الثاني من الاستنساخ والذي فيه كثير من الناس لا يعرفونه وهو الاستنساخ الخاص بتنشيط البييضة، والذي أسميه أحيانًا أطفال العذارى أو الإنتاج بدون الحاجة إلى الحيوان المنوي، هذا طبعًا تم تطبيقه في الحيوانات وهي الضفادع والفئران، لكن لم يتم إلى الآن تطبيقه في الأغنام والأبقار، من خلال عامل: معين شرارة كهربائية، مادة كيميائية معينة؛ يحث بييضة فقط دون وجود حيوان منوي وتنشط البييضة وتنقسم ثم تعطي حيوانًا، طبعًا هذا يلفت أنظار كثير من العلماء، وإلى الآن لم يعرفوا ما هو السبب، لماذا دون الحاجة إلى حيوان منوي؟ ربما يكون لعامل آخر يحاكي ما يفعله الحيوان المنوي ويؤثر، وبالتالي ينتج الجنين، الفرق طبعًا بين الاستنساخ هذا والاستنساخ السابق هو أن مجموعة الكروموزومات الموجودة التي تنتج، لو كانت الخلية خلية جسدية تجد أن عدد الكروموزومات ٢٣ كروموزومًا، بينما فصل الخلايا ٤٦، والشيء الآخر أنه يعطي حيوانات عقيمة والشيء الآخر أنها مشوهة، إنما الذي حصل بالضبط أنه ينتج حيوانات في النهاية لكن قليلة.
النوع الأخير من الاستنساخ هو استنساخ (دولي) وفكرته طبقت عام ١٩٥٦م، وطبقت على استنساخ من خلايا البلاستولا، يعني مرحلة جنينية مبكرة، أخذوا خلايا البلاستولا وطبقت.
стр. 17409
النوع الأخير والذي كانت عليه ضجة كبيرة وهو الاستنساخ بطريقة زراعة النواة الجسدية في بييضة منزوعة النواة، بمعنى أنه يجمع بين الاستنساخين، وهو أنه لا يوجد عندنا حيوان منوي وأيضًا تكون النسخ متطابقة، فعندنا - طبعًا - تم تطبيقه في حيوانات الضفادع والفئران والأغنام، طبعًا فكرته مشروحة وموجودة.
الحالة التي بعدها، هذه طبعًا عصر استنساخ البشر، من الناحية العلمية النظرية ما طبق في الحيوان يطبق على البشر، لكن المحاولات كما سبق مثل ما رأينا ٢٧٧ مرة، هو قد يكون ابتدأ بالصدفة، لكن القضية قضية موافقة النواة للبيئة السيتوبلازمية، فإذا استطاعوا أن يتوصلوا مثل (ويل موت) استطاع أن يجعل النواة تكون ساكنة في عملية الطور الانقسامي، فكأنه وفق بينها وبين السيتوبلازم الذي نقلت إليه البييضة، وبالتالي حقق النجاح وهو لا يعلم أنه حققه، وإذا توصل العلماء إلى لمس خيوط هذا الموضوع فإنه سيتم الاستنساخ البشري.
وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
هذه القضية التي ظهرت بقوة في عامنا هذا في السابع والعشرين من شهر فبر اير ١٩٩٧ م، والتي كما قيل في المتنبي: أنها شغلت الناس وملأت الدنيا، وقد كتبت فيها بحثًا إلا أنني سأقتصر على بعض النواحي التي أراها أهم، طلبًا للاختصار.
فأقول: إن الدوائر التي تدخل الإنسان فيها في الاستنساخ والتوأمية هي ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى: تدخل الإنسان في عالم النبات.
ثانيًا: تدخل الإنسان في عالم الحيوان.
ثالثا: تدخل الإنسان في البشر ذاته، أي في الإنسان ذاته.
стр. 17410
أما الاستنساخ في عالم النبات فقد فتح أبوابًا للعلماء للحصول على الفسائل بأقصر طريق وبأقل ثمن مع الاطمئنان على نوعية الأثمار وخصائص الشجرة التي ستكون كالأصل المأخوذة منه في قوتها ومقاومتها الأمراض ووفرة عطائها ومذاقها، وفي هذا الميدان فإن الأمر الهام هو تكوين المختصين في البحث، وتمويل المخابر العلمية، وحفز الهمم للمضي قدمًا في هذه السبيل، فصيحات الفزع من الانفجار السكاني العالمي والخوف من المجاعات ومن اختلال التوازن بين عطاء الأرض والأفواه قد تصبح رؤى أحلام تبددها خصوبة يقظة العلم تحقيقًا للإرادة الإلهية، ولإذنه السامي في تسخير الأرض للإنسان في حياته الدنيا.
الد ائرة الثانية: الاستنساخ الحيواني:
وقد ظهرت هذه النعجة (دولي) وأثارت سيلًا عارمًا من الأسئلة فكان السؤال الأول: هل يعتبر هذا العمل تحديًا للقدرة الإلهية؟ هل أصبح الإنسان خالقًا، خلق خلقًا كخلق الله؟
هذه القضية التي تحدى بها القرآن الذين اتخذوا آلهة من دون الله ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ، فالقرآن يؤكد في غير ما آية هذه الحقيقة التي هي عجز كل مخلوق أن يقدر على الخلق وها هو الإنسان قد وصل إلى الخلق!
إن تصور ما قام به هؤلاء العلماء أنه خلق هو تصور خاطئ ينبئ عن سذاجة من توهمه، ذلك أن غاية ما قاموا به أنهم درسوا قوانين الخلق الإلهي ووعوها وقاموا بتطبيق ما علموا على ما عملوا، فهم لم يوجدوا خلية ولا نواة ولا كروموزوما، وليس لهم أي تحكم في قسر الخلية على الانقسام والتكاثر لمجرد الإرادة والتسلط، فهي سلسلة متتابعة في التوالد عرفوا كيف يدخلون عليها عوامل من خلق الله ليحدث ما يحدثه الله أرادوه أو لم يريدوه.
والسؤال الثاني في هذه القضية عن (دولي) : لماذا هذا المجهود؟ ولم تصرف هذه الطاقات البشرية؟ أليس هذا عبثًا؟
إننا لا نفهم القصد من هذا العمل إلا إذا نظرنا إليه من زاوية الربح المادي المترتب عن ذلك، إن هذه الحيوانات التي أمكن للعلماء أن يتدخلوا في خليتها الأولى بإبرهم المكروسكوبية قد تمكنوا حتى قبل هذه التجربة من أن يضموا إلى الكروموزومات جين إحدى البروتينات الصالحة لمعالجة بعض الأمراض، وأعطت هذه الحيوانات في ألبانها كمية كبيرة من هذه البروتينات وصلت إلى خمسين نوعًا في سوق الدواء كلها مستخلصة من ألبان النعاج والمعز، والخنازير، حتى قالوا إنها منجم لا ينضب لاستخلاص ما ينفع الإنسان ويداوي أسقامه، ولكن منظمة الصحة العالمية أيقظت العالم من مركز مسؤوليتها على الصحة العالمية إلى ما يمكن أن يصحب هذا المنهج في التحصيل على الدواء من مضاعفات سلبية قد تكون خطرًا على الإنسان.
стр. 17411
إن ظاهرة التسرع في عرض الأدوية الجديدة للرواج العام أمر يدركه أهل الاختصاص وغيرهم، فقد حصل في هذه السنوات الأخيرة أنه يسحب من الأسواق أنواع من الأدوية كشفت التجربة عن آثارها السيئة على الصحة بعد أن استهلكها المرضى وعلقت آثارها السيئة بأبدانهم، واستقل أصحاب البراءة بالغُنم، ولكن وسائل الإعلام تعتم على هذا الجانب السلبي ولا تتولى نقده وإثارة الرأي العام العالمي، حتى يكون سندًا لاستصدار ميثاق عالمي للأدوية، يكون الإنسان وصحته الغاية التي تحكم ترويج الأدوية، وليس وسيلة تشبع جشع الشركات الكبرى المصنعة للدواء.
إن تجربة (دولي) ينظر فيها من نواح عديدة.
أولًا: باعتبار أنها تجربة تعطي للمختصين من إمكانات أوسع لاستخراج أدوية جديدة تساعد على الشفاء من أمراض ما تزال لحد اليوم مستعصية على العلاج، أعجرت الأطباء عن تخفيف آلام المصابين أو إنقاذ حياتهم، ومن هذه الناحية فإن التجربة مشروعة والاستمرار فيها لتبلغ الدقة اللازمة لا يختلف حكم ذلك عن حكم تصنيع بقية الأدوية لنفع الإنسان.
كما ينظر فيها ثانيًا من ناحية اتخاذ الحيوان وسيلة وحقلًا للتجارب، وهذا أمر مشروع لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . كما ينظر فيها ثالثًا على أساس أن ذلك مستوى علمي ستظهر الحاجة إليه واعتماده، فينقلب السعي إلى بلوغ ذلك المستوى واجبًا كفائيًّا على الأمة على ما حققه أبو إسحاق الشاطبي ﵁ من أن المباح أو المندوب بالجزء ينقلب واجبًا بالكل.
الاستنساخ لتحسين النوع:
إن الاستنساخ لتحسين النوع يجب أن يحرم إدخاله في حياة الإنسان إلا بعد أن تمضي مدة كافية تنفي كل احتمال ضرر للإنسان من تناول لحم أو لبن الحيوانات التي تمت بواسطة الاستنساخ، حسبما يقرره الخبراء الذين لا تربطهم صلة بالمخابر، باستمرار المراقبة الحازمة جيلين أو ثلاثة، حتى نطمئن على سلامة صحة الإنسان، وأنه لا يمكن أن تظهر أعراض متولدة عن التناسخ ضارة.
стр. 17412
الاستنساخ البشري:
تاريخه: منذ القرن الماضي، أخذ الطب يتدخل في الإنجاب أو في التكاثر البشري، ففي سنة ١٨٨٤ م تم في أميركا الشمالية حقن كمية من المني داخل الرحم لستر عدم خصوبة الزوج، وبقيت هذه الطريقة عندهم محاطة بالسرية الكاملة، فلا يعرف المانح أين ذهب ماؤه، ولا تعرف المرأة صاحب المني، ولما تمكن العلماء من تجميد اللقاح تيسر انتشار هذه الطريقة في الخمسينات، وهذا محرم في نظر الإسلام، واختلاط للأنساب.
وفي سنة ١٩٧٨ تطورت التقنيات فتمت ولادة لويز براون، بتخصيب بييضة أمها باللقاح خارج الرحم - في بريطانيا - واستمرت هذه التقنيات في حالات كسل الحيوانات المنوية أو قلتها أو في حالة انسداد قناة فالوب موعد اللقاء والاندماج بين البييضة واللقاح، أو بغير ذلك من النقائص.
وفي سنة ١٩٨٣ وصلت التقنيات لتجميد اللقائح، الأمر الذي مكن من الاحتفاظ بها لمدد طويلة، فاتسعت دائرة استخدام طريقة الحمل بواسطة زرع هذه اللقائح في الرحم بعد تحريكها من جديد لتبدو الحياة الكامنة فيها.
وفي سنة ١٩٩٣ تمت أول محاولة للاستنساخ البشري في الولايات المتحدة الأمريكية على الطريقة التوأمية، وتم الإعلان عنها في مؤتمر الخصوبة الأمريكية بمدينة مونريال.
وأعلن العالمان اللذان قاما بها أنهما عزما من أول الأمر أن تكون تجربتهما - خوفًا من النتيجة - تقف عند حد محدود، ولا تنتهي إلى غاية المدى الذي تصل فيه اللقيحة إلى إنسان مكتمل الخلق، ذلك أنهما خصبا البييضة بأكثر من حيوان منوي، فأصبحت بذلك محكومًا عليها سلفًا بالتوقف عن الانقسام والموت، وأشاد المؤتمرون بتجربتهما واعتبرت أفضل ما قدم في المؤتمر.
وما أن أطلت (دولي) تغازل البشرية أو تتحداها حتى ملأت الدنيا وشغلت الناس، وحق للإنسان أن يشعر بالخطر الداهم من الزلزال الذي سيدك كل ما بنيت عليه البشرية من قيم وأخلاق وروابط اجتماعية.
إن القرن العشرين الذي ورث حصاد ما زرعه الفكر الإنساني في حقل المعرفة من أول الكون إلى اليوم، قد تمرد فيه العلم تمردًا أعماه عن البصر بدوره الذي هو إسعاد البشرية، فعزل الغاية، وقصر همه على ذاته، فانطلق بدون هدى يهديه ولا قيم تحكمه، يبني ويهدم ويعمر ويخرب، ويستعبد الإنسان ثم يرمي به في زاوية العجز ليقضي عليه.
стр. 17413
إن قرننا هذا هو قرن الزلازل، فما إن انتهى النصف الأول حتى فجر العلماء ما خلق ليكون ملتئمًا، فجروا الذرة، فكان للفيزياء الدور الرائد، وتسابق رجال السياسة للبذل السخي على تطوير البحوث والتجارب وخزنوا من قوة التدمير ما يكفي لإفناء الأرض وما عليها مرات متوالية.
ويكفي أن يتسرب حتى الشعاع من مفاعل ذري - قالوا إنه للسلم والحياة المدنية السهلة - حتى يقضي على الحياة.
وما أن استيقظ العالم مما جرفتنا له العلوم الفيزيائية حتى قامت العلوم البيولوجية تأخذ صدارتها في نهاية هذا القرن، مؤذنة بانهيار كل القيم الإنسانية، سواء تعلقت بكرامة الإنسان أو بالأصول التي يقوم عليها الترابط الاجتماعي أو بالمشاعر والعواطف التي كانت لُحمة النسيج الرابط بين البشر.
وما الذي يمنع العلماء في مخابرهم من القيام بهذه التجربة؟ إن الستار الحديدي أطلق تجوزًا على العالم الشيوعي إبان الحرب الباردة، ولكن الستار الحديدي الذي أحكم عزله عن العالم الخارجي هو المخابر، لا يقل حرص الشركات عن حرص الدول على صيانتها عن الأسماع والأبصار، وتقوم فرق حماية التجسس في كل دولة على هذه المخابر حتى لا يتأتى اختراقها لأحد، ويكاد الظن بها والاحتياط ومحاولات التجسس من ناحية أخرى لا تختلف بين الدول المرتبطة بأوثق الروابط الاقتصادية والدفاعية وبين الدول التي تقوم علاقتها على أخذ الحيطة لكل واحدة من الأخرى.
إن هذه الأسوار العازلة للمخابر وما يجري في عوالمها الداخلية، وسلطان السبق للأسواق والاستئثار بما يدره الجديد من أرباح مما يزيد الأمر خطورة وتعقيدًا.
стр. 17414
وأخذ الناس يتحدثون: هل لنا أن نوقف العلم؟
أولًا: إنه فرق عظيم بين حرية البحث الذي يسعد الإنسان، والبحث المدمر للإنسان، إنه ليس السلطان الغيبي الذي لا يعطيه العلمانيون أية قيمة هو الذي يصرخ بالمنع، ولكن إلى جانب ذلك الإنسانية يعلو صوتها مستغيثة من تمرد التجارب اللامسؤولة ودخولها نطاق الإنسان ذاته لتحطم عزته وحقوقه، فليست وصاية على العلم، لكن تبصير العلم بحدوده حتى لايدمر نفسه ويدمر الإنسان معًا، هذا الإنسان الذي يكمن سر إنسانيته في كرامته، وذهاب كرامته معناه ضياعه وضياع مكاسب الإنسانية التي جاهدت وما تزال تجاهد في الحفاظ عليها، والتي تعتبر كل المكاسب الحضارية الأخرى متفرعة عنها ومنبثقة منها.
فاتخاذ نسخة موازية للتوأم والاحتفاظ بها لتكون رصيدًا لقطع الغيار لأخيه التوأم إهدار للقيمة الإنسانية التي يتساوى فيها المولود والمجمد يوم أخذت نسخته فأودعت الرحم، وأودعت الأخرى التبريد الآزوتي، وصورة أخرى: إذا كبر التوأم ولم يحتج إلى أخيه، فهل نحكم عليه بالإعدام أو نبقيه إلى أبد الآبدين، مع ما في التجميد من خطر الاختلاط؟ فقد أعلنت جريدة الفيفارو في سنة ١٩٩٥، أن الخطأ في اللقائح المجمدة يصل إلى حدود ١٠ % في إنجلترا.
ثانيا: فإن الله لما كلف الإنسان بمهمة تعمير الكون خلقه خلقًا يمكنه من ذلك، فتعمير الأرض لا يتحقق الا بتوجه كل فرد إلى ما يلائم مواهبه وإمكاناته، هذه المواهب هي مختلفة، ولذا كان الاختلاف ضروريًّا لعمارة الكون، فلو اتحدت أذواق وعقول وميول البشر؛ لانصبوا على مكان واحد وعلى عمل واحد وعلى إنتاج واحد، الأمر الذي يساوي في الحقيقة التعطل العام المطلق، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ .
стр. 17415
وثالثًا: إن الاجتماع البشري يقوم على أساس العائلة، واستمرار طفولة الإنسان، واحتياجه سنوات إلى من يقوم عليه بالتربية ليتطور وليسلم عقله ومشاعره وقواه الجسمية، تجعل قيام راشد واحد بذلك حملًا ثقيلًا، ولذا فإنه في حالات اليتم العارض يدعو الإسلام بقية أعضاء الأسرة والجماعة الإسلامية لبذل رعاية خاصة للأيتام تعويضًا عما فقدوا.
رابعًا: إن التقدير المحكم الذي يسير عليه الكون، مما تمت ملاحظته فيه من أسرار، أن التوازن بين الذكران والإناث متقارب دائمًا، ولذلك فإذا اختل التوازن زمن الحرب بموت الرجال في الحروب عاد التوازن سريعًا بتفوق ولادة الذكور، فلو ارتبط الإنجاب برغبة النساء وهن حسب قانون الاستنساخ صواحبات الحق والدور الفعلي فإن الاختلال سيلحق المجتمع في تنوع الجنس، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ .
خامسًا: ماذا ستكون علاقة النسخة؟ هل النسخة باعتبار أنها تحمل نفس الحقيبة الوراثية وأنه سيبرز كل خط من خطوط البرنامج في النسخة؟ فهل تكون النسخة بالنسبة للمأخوذ منها وهي أنثى، أختا لها أو بنتًا، أو هي ذات واحدة في شخصين؟ ما علاقة النسخة بالزوج أهي ربيبته أو هي أخت زوجته أو هي زوجته - كما لو تضخم ثدي زوجته أو يدها أو رجلها أو أي جزء من أجزائها -؟ مع أن زوجته هي التي ولدتها في حال قيام العلاقة الزوجية. ولو حملت الزوجة بالنسخة من الزوج وسيولد ذكرًا، هل يكون أخًا لزوجها وقد حملته في بطنها وولدته، أو يكون زوجًا لها في صورتين الأصلية والنسخة، أو يكون ابنًا لها؟
ولو فرضنا أن الزوجة أعجبت برجل فأخذت خلية من خلاياه، ويكفي شعرة واحدة سقطت من رأسه ثم تستكمل المراحل حسبما وصفناه فتكون صلته بالزوج كصلته بالزوج الذي خدعته زوجته وحملت من غيره؟
стр. 17416
ولو فرضنا أن الزوجة لإعجابها بأبيها - وكل فتاة بأبيها معجبة - فأخذت نواة خلية من أبيها وأودع مكان نواة بييضتها ثم غرست في الرحم، ووصل المولود إلى أمد وضعه، هل يكون هذا المولود أبًا لها، أو ابنًا أو أخًا؟
سادسًا: إن هذه التقنيات يوم يكتب لها أن تصل إلى غاية مداها، فستفتح على مصراعيها أبواب استئجار الأرحام، فإذا كان الفقر والخصاصة، والجوع والعراء قد وصلت بالإنسانية إلى التجارة في السوق السوداء بالأعضاء البشرية، وإذا كان في كثير من الدول الآسيوية والإفريقية يرضى الإنسان أن يبيع كليته لمن يربح فيها أضعاف أضعاف ما يبذله للإنسان (الشيء والمتاع) ، فإن سوق استئجار الأرحام ستكون قطعًا نافقة بمقدار تعدد الأغراض وسعة مسالك الشهوة والخطيئة.
فتلتجئ إليها العاقر التي ترغب في تعمير بيتها بأنفاس الطفولة البريئة ونغمات أصواتها التي توقظ الأم من عمق النوم وتلهيها حتى عن نفسها، فترغب العاقر في القيام بتمثيلية تعيش فيها مع الخيال أشواطًا.
وترغب في استئجار رحم الأنثى المعجبة بوسامتها الحريصة على أناقتها من النجوم والمترفات والمثريات، فهي تستطيع أن تشتري بييضة من أنثى، وخلية منها أو من ذكر يملأ عينيها، ورحمًا تودع فيه الخلية لتبلغ به إنسانًا مكتمل الخلق، وقد دفعت الثمن فهي أحق به، وتكون علاقتها به في الحقيقة صفقة تجارية.
أما عصابات الإجرام فستفتح لهم ساحات العمل الإجرامي، وهم يستطيعون كما بيناه التحصيل على نسخ من أكبر المجرمين شراسة ومكرًا، حسبما تبين، ثم هم ينشؤونهم تنشئة تزيد انحرافهم حدة ويضللون العدالة بالنسخ المتماثلة، إذ يخفون الذي قام بالجريمة، ويثبتون أن مماثله كان في الوقت الذي حدثت فيه الجريمة بعيدًا آلاف الأميال عن موقعها.
стр. 17417
ولا نغفل عن المتاجرين بالجنس، فهؤلاء سوف يجدون في الاستنساخ ما كان يتجاوز أحلامهم، إذ يستطيعون إنجاب نسخ من نجوم السينما وملكات جمال العالم بثمن زهيد على الطريقة السابقة، خلية بييضة، رحم مولودة، نسخة مساوية لصاحبة الخلية طولًا وتناسبًا وجمالًا وصفاء، تربى تربية خاصة، حتى إذا ما نضجت كانت تبعًا لتربيتها وغسل دماغها، وإغراء الشباب وسلطان الوسامة ثروة في سوق الخنا يدر على الأشقياء.
وقائمة الاضطراب الفردي والاجتماعي تطول وتطول في ميدان التطبيقات التي لا تجد ما يحول بينها وبين التحقيق، والإمعان في الفساد والاختلال في منحرف الطريق؛ إلا عامل الدين المستند إلى صادق التنزيل الذي يُبَصِّر العقل والعلم ويهديهما سواء السبيل، البصيرة التي لا تنخدع بالجديد لجدته، ولا تقدس القديم لتطاول مدته، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
وبجانب إحياء القيم الدينية لا بد من رادع يحرم على كل مؤمن أو كافر أن يفسد على الإنسانية حياتها وقيمها وعلاقاتها الاجتماعية، ويهدم ما بنته الإنسانية في عشرات القرون، فظنت أنها أمّنت الإنسان على كرامته، وأقامت المنظمات التي تحرس حقوقه وحقوق المرأة وحقوق الطفل، فيكون العبث بهذا الهرم الحضاري عداء للإنسانية. . على الأمم والدول أن تحمي نفسها باستصدار ميثاق ملزم توقع عليه كل الدول معتبرة كل من يعمل على الاستنساخ أو التوأمة من الباحثين أو المؤسسات في الميدان البشري مجرمًا ضد البشرية، تأخذه أحكام وتبعات ذلك أينما حل في أرض الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 17418
الشيخ محمد علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
أيها السادة، كل ما سمعناه حول الاستنساخ وما قرأناه كان بحق تخوفًا من آثاره الضارة والمرعبة، لكننا في اللغة الفارسية - وهذه معلومة لديكم - عندما نأتي بمتهم لمحكمة ولا يريد أن ينتخب له محاميًا نسمي بالفارسية المحامي الذي تنتخبه المحكمة بـ (المحامي التسخيري) ، اسمحوا لي أن أكون محاميًا تسخيريًّا في هذه الورقة المختصرة بشكل ربما يطرح الرأي الآخر، ولكنه رأي قد لا أقتنع أنا به، لكي تتم المداولة بشيء من التعادل؛ لا أريد أن أتحدث عن أنواع الاستنساخ فقد سمعنا منها هذا الصباح ما يفيد، ولكني ألاحظ أن الاستنساح بأشكاله التقليدية والجديدة لا يستغني عن تلاقح المنوي الذكري والبييضة الأنثوية ولو في المراحل السابقة، أما في شكله الجديد فواضح، وأما في الشكل القديم فلأن النواة المجلوبة من الجلد مثلًا إنما نتجت بعد تكاثر خلية ملقحة سابقًا، وقد سمعنا - هذا الصباح - من الدكتور أن البييضة قد تنشط حتى تصل إلى حيوان، هذه البييضة هي نفسها نتيجة تلقيح بلا ريب من قبل، وعندما تصل إلى الحيوان، هذا الحيوان عقيم لا يمكنه أن يمتد، كأن آثار التلقيح السابقة امتدت إلى هذا الحد ووقفت عند حدها.
قبل أن نلقي نظرة على الموضوع نرى ضرورة التذكير ببعض الأمور:
الأول: إن كل حدث جديد وخصوصًا إذا كان يتصل بمسألة حياتية كهذه مما يغير مجرى الحياة البشرية لا بد أن يثير أجواء عاطفية، ويغرق الأفكار في افتراضات وتخمينات بعضها رائع وبعضها مرعب، ولكل بعض أنصارٌ ومؤيدون. . في هذه الأجواء ربما لا يستطيع الباحث أن يدرس الموضوع بكل موضوعية وتجرد، وإنما يجنح مع هذا الفريق أو ذاك دون أن يشعر أحيانًا؛ ولذا فمن البعيد التوصل إلى رأي جماعي أو علمي أو فقهي موضوعي في هذه المرحلة.
الثاني: إن الأبحاث العلمية لا يمكن منعها والوقوف بوجهها، خصوصًا إذا كانت بهذا المستوى من التأثير الواسع، وإذا كانت تطل على عالم مجهول لتفتح مغاليقه ومجاهله، فيجب التأمل كثيرًا قبل إصدار الأحكام المطلقة، ويجب أن نضع في الحسبان تلك الحالات التي سنواجهها شئنا أم أبينا.
стр. 17419
الثالث: قد نجد بعض الافتراضات نتاجًا للخيال القصصي المجنح مما يؤثر سلبيًّا على سلامة الدراسة، كما أن بعض الافتراضات تحذر من أنماط الاستغلال السيئ، الأمر الذي يدفع الفقهاء والقانونيين للتحريم المطلق سدًا للذرائع، وقد مررنا من قبل بموضوع التلقيح الصناعي والافتراضات التي طرحت حوله، ثم استسلم هؤلاء للأمر الواقع وأخذوا يدرسون كل حالة على حدة بمنأى عن الضجيج والافتراضات، ومازال البحث فيه غير ناضج كما نعتقد.
الرابع: أن المنهج الصحيح هو دراسة نفس الحالة أولًا، ومدى انطباق العناوين المحللة أو المحرمة عليها، ثم محاولة معرفة النتائج المتوقعة والعوارض الناتجة لمعرفتها من خلال أحكامها المعروفة، وقد تتشابك النتائج الحسنة والسيئة منها، مما يدعو إلى التأمل وملاحظة الأغلبية الساحقة في البين.
الخامس: يجب أن نعترف بأن الأخصائيين الطبيعيين لهم الحق وحدهم في تقرير الآثار العلمية المخربة أو الإيجابية لهذا الأسلوب ولا نستطيع نحن أن نقر شيئًا إلا بعد انتهائهم من بحوثهم، نعم إذا انتهى هؤلاء إلى نتائج - ولو كانت شبه قطعية - أمكننا أن نلاحظ مدى انسجام هذه الآثار مع معتقداتنا ومع قيمنا ومع مبادئنا الإسلامية ونظريتنا السياسية والاجتماعية وتخطيطنا للحياة، ومن هنا فلا ينبغي التسرع في الحكم ما دامت النتائج العملية غير قطعية.
بعد هذا لا بد من أن نلقي نظرة سريعة على آراء المؤيدين والمخالفين ثم نحاول الترجيح بما لا يخرج هذا البحث عن كونه مجرد إلقاء نظرة على الموضوع.
آراء المؤيدين:
يركز المؤيدون على نقطتين أساسيتين هما:
أولًا: عدم توفر ما يمنع من القيام بهذه العملية من الأدلة الشرعية.
ثانيًا: الآثار الإيجابية الكبرى التي يتوقع حصولها والآفاق العلمية التي ستنفتح أمام الإنسان، وهم بهذا الصدد يذكرون أمورًا كثيرة، منها:
أ- المعلومات الضخمة التي سيكسبها العلماء في مجال تمايز الخلايا، ومعرفة جذور أمراض السرطان، والآثار السلبية الوراثية، وعوامل المناعة، وأسباب الإجهاض، ووسائل منع الحمل، وأمثال ذلك.
ب - الآثار التي سيتركها هذا الموضوع في مجال منح الأطفال للأزواج المبتلين بالعقم.
جـ- أنه سيساعد بشكل كبير في التحكيم بسلامة الجيل الآتي وتحسين حياته.
د - أنه سيساهم في مسألة الاستفادة من الخصائص المتميزة للأفراد
وتكثيرها.
هـ - أنه سيساعد في إنجاح الدراسات بعد إجرائها على أناس متطابقين، وذلك للتأكد من سلامة النتائج.
стр. 17420
ويضيف هؤلاء المؤيدون أن الاستنساخ عملية طبيعية قد يحدث بشكل طبيعي عند بعض الحيوانات، كما يؤكدون أن العلم ملك للجميع، ولا يمكن إيقاف بحوثه وحرمان البشرية من نتائجه.
هنا نجد الإغراق أحيانًا في الخيال بتصور مجتمع خال من الأمراض متحكم في عناصره، يحوي سلالات معرفية واسعة وما إلى ذلك.
آراء المعارضين:
وهؤلاء أيضًا يستفيدون من الخيال لبيان الأضرار المتوقعة من هذه العملية، بل يفوقون المؤيدين في هذا المجال، ومن الأمور المطروحة لديهم ما يلي:
أ - يستلزم اختلاط الأنساب.
ب - يعني تغيير خلق الله.
جى - يعني التقاء المياه الأجنبية.
د - إنه التدخل في خلق الله.
هـ - إنه يؤدي إلى الاستغناء عن الزواج.
و إنه يستلزم إماتة اللقائح وهي مشروعات إنسانية جاهزة.
ز - أنه يعمل على تهديم المجتمعات وتجريد الإنسان من إنسانيته.
ح - إن استمرار البشرية يعتمد على التنوع الجنيني، وهذا التنوع يخنع من خلال هذا الأسلوب.
ط - إنه يشجع عمليات الإجهاض.
ي - إنه يحول الرغبة الطبيعية في الأولاد إلى الرغبة في الصفات المعينة.
ك - إنه يؤدي إلى ألا يعرف التوأم الصغير مستقبله من خلال حياة
التوأم الكبير.
ل - مشكلات الإرث هنا معقدة وأسئلتها محرجة، وقد ورد النهي عن فساد المواريث.
م - مشكلات حمل العذراء وخصوصًا من إحدى خلاياها.
ن - احتمال استفادة المجرمين المحترفين من هذا الأسلوب، إلى جانب ما هناك من أضرار يتصورها المعارض.
التقويم الأَوَّلِي لهذه الاتهامات:
وإذا تم تقويم هذه الاتهامات فإن الأمر سيتضح بالنسبة لآراء المؤيدين، وإذا ألقينا نظرة سريعة على هذه الاتهامات، رأينا أنها قد لا تصمد للنقد، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر من جديد فيها وعدم تكوين موقف سلبي قاطع منها.
стр. 17421
مسألة اختلاط الأنساب مسألة تشير لها بعض الروايات وتحذر منها، بل إننا نجد أن البناء الاجتماعي في التصور الإسلامي يبتني على هذه المسألة، وعلى ضوء هذه الأنساب تبتنى أنظمة اجتماعية مهمة كالنظام العائلي ونظام الإرث وبعض النظم الاجتماعية الأخرى.
هناك رواية عن الإمام الرضا فيما كتب إليه من جواب مسائله، وحرم الله الزنا لما فيه من الفساد من قتل النفس وذهاب الأنساب، ورواية أخرى عن الصادق عندما سئل لم حرم الله الزنا؟ قال: لما فيه من الفساد وذهاب المواريث وانقطاع الأنساب، لا تعلم المرأة في الزنا من حبلها ولا المولود يعلم من أبوه.
إلا أن الذي يمكن أن يطرحه المؤيدون يمكن تلخيصه في أمور:
الأول: أن النسب يمكن ضمانه هنا إذا كانت النواة الضيفة مأخوذة من جلد الزوج مثلًا والبييضة مأخوذة من الزوجة، فلا ريب في أن المولود ولد لهذين، ومن الواضح أن الكثير من النتائج الإيجابية يمكن أن يتم الحصول عليها مع توفر هذه الشروط.
الثاني: أن هذه الحالة لا يمكن أن تشكل ظاهرة اجتماعية واسعة، بل هي حالات قليلة (على الأقل في الإمكان الحاضر) ولا مانع حينئذ من وجود أفراد لا يعلم نسبهم أو ينتسبون إلى الأم فقط، كما ينتسب ولد الشبهة إلى أمه فلا يلزم منه اختلاط الأنساب، كما يقال.
الثالث: أن احتمال إساءة الاستفادة موجود بنفس النسبة في موضوع آخر كالتلقيح الصناعي وقد أجازه الفقهاء.
ولا نريد أن نؤيد هذه الإشكالات بقدر تأكيدنا على لزوم التأكد من المحذور.
أما موضوع تغيير خلق الله تعالى: فقد ذكر أن الآية الشريفة التي تتحدث عن الشيطان وأوامره اللعينة ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . هنا ومن الواضح أن الشيطان الرجيم يهدد بالتركيز على مجموعة من عباد الله ليسخرهم لأعماله الشيطانية ومنها تبتيك آذان الأنعام وتغيير خلق الله , وهي أمور مبغوضة للمولى جل وعلا بلا ريب , ولذا يعدها سبحانه من الخسران المبين.
فهل هذا العمل الذي نحن بصدده من مصاديق تغيير خلق الله المنهي عنه؟ وهنا يقال بأن التبتيك والتغيير لا يمكن أن يكون المراد بهما مطلق المفهوم اللغوي لهما، حتى ولو كان ذلك بدواع مشروعة عقلانية لا شيطانية، وإلا لكان كل تغيير يحدث في البدن كحلق الشعر أو الختان أوتعليم آذان الإبل أو التجميل من المحرمات، بل إن التعميم يعني كل تغيير في خلق الله، وهذا يشمل أي تغيير في الطبيعة، فهل نمنع ذلك؟ ليس المراد هو العموم وإنما المراد - وكما يقول بعض العلماء: - عمليات شيطانية خرافية تقوم على أساس من تصورات شيطانية جاهلية يتم بموجبها إهدار للثروات الطبيعية، من قبيل ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ حيث تبتك آذان البحائر وتترك.
стр. 17422
يقول العلامة الطباطبائي في الميزان: " إن عرب الجاهلية تشق آذان البحائر والسوائب لتحريم لحومها ". كما يؤكد أنه ليس من البعيد أن يكون المراد بتغيير خلق الله الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ، ولعل سياق الآيات يساعد على ذلك، وقد أيدته رواية جاءت في مجمع البيان عن الإمام الصادق، وحينئذ لا يمكن أن يستند لهذه الآية الشريفة في رد أي تغيير طبيعي، ومنه موردنا هذا، إذ المراد هو قسم خاص يتم بتسويل الشيطان وتسويفه.
على أنه في الواقع استفادة من قوانين طبيعية - كما تفضل الشيخ السلامي - فرضها الله في الطبيعة، ولا يمكن أن يعد تدخلًا في خلق الله - كما جاء في اتهامات المعارضين - أو يعد تحديًا لله تعالى في خلقه - كما ربما يأتي على ألسنة بعض المخالفين للاستنساخ - وإلا كان علينا أن نسد باب أي إبداع علمي في علم الوراثة في جميع حقول الخلق.
أما حكاية التقاء المياه الأجنبية هنا فقد قلت إنها مرفوضة كبرى وصغرى، أما الكبرى فلن أطرحها لأنها تخالف قرار من قرارات المجمع، وأما الصغرى فشمولها للمورد غير صحيح فليس هنا التقاء مياه ولا انعقاد نطفة - كما هو واضح - إلا أن يقال إن المورد هو بحكم انعقاد النطفة فيقاس عليه.
أما موضوع الاستغناء عن الزواج فإذا افترضنا أن الأمر فيه تيسير إلى هذا الحد - وهو بعيد - فإن دواعي الزواج لا تقتصر على الاستيلاد أولًا، على أن الاستيلاد من طريق الزواج هو المطلوب للإنسان قبل كل شيء، ولا يلجأ لمثل هذه الطرق إلا استثناء.
أما مسألة اللقائح المتعددة وإعدامها فالذي يتصور في البين أو يقال إن هذه اللقائح لا ينطبق عليها أنها أناس، وأن إعدامها غير مشمول لأدلة حرمة القتل، أو أدلة دية الجنين، وأمثال ذلك.
وأما مسألة احتمال تهديد المجتمعات أو تجريد الإنسان من إنسانيته فإنها مسألة لا دليل عليها، بل إن عملية إنقاذ بعض المجتمعات أو بعض العوائل من أمراضها الوراثية وتقوية الصفات الجيدة مطروحة هنا، وكذلك مسألة التنوع الجنيني فإنه أولًا لم يثبت التطابق التام إلى حد ينتفي معه أي تنوع، على أن اختلاف البيئات والعوامل الخارجية لا بد أن تؤدي إلى نوع من الاختلاف.
стр. 17423
ونحن نتصور أن عمليات الإجهاض إنما يتحكم فيها القانون والشريعة، تمامًا كما هي الحال في وضعنا الحالي، ومسألة الرغبة الطبيعية في الأولاد سوف تبقى، لأنها نابعة من عمق الفطرة الإنسانية، ولسنا نتصور الإنسانية آلة صماء لا تحكم إلا ما خطط لها من قبل، دونما رحمة أو عواطف أو دواع فطرية.
أما احتمال أن يعرف التوأم الصغير مستقبله من خلال حياة التوأم الكبير، فهي قد تكون مشجعة على تلافي الوقوع في المرض من خلال الرصد المبكر لها.
وتبقى المسائل الشرعية للإرث والنظر والعلاقات الاجتماعية أمورًا يجب أن يسعى الفقه الإسلامي لبيان موقفه فيها بدلًا من التخلص من التبعية عبر إغلاق الباب من الأساس وحرمان العلم الإنساني من النتائج الباهرة لهذه البحوث.
وأخيرًا تبقى مسألة التطبيق السيئ لهذا الكشف والاستغلال السيئ له، فهذا أمر بيد الإنسان يستطيع أن يتجنبه ويتحاشاه عبر بقاء الخلق الاجتماعي الرصين، والروح الإنسانية النزيهة، ولا يمكننا أن نغلق بابًا للخير لأن هناك من يستفيد منه للشر.
وهنا نعود لما ساقه المؤيدون من أدلة، فنراها أدلة ينبغي التأمل فيها ودراستها، وخصوصًا ما ذكروه من أن العلم للجميع، ولا يمكن حرمان البشرية من نتائجه.
نعم , يجب أن تخلو الأساليب المتبعة مما يخالف الشريعة من الملابسات التي تقترن بشكل طبيعي.
وأخيرًا: فلسنا نريد أن نصدر حكمًا قاطعًا بهذا الشأن بقدر ما نريد أن نؤكد على ضرورة عدم التسرع في الحكم ونقله من صفحات الجرائد إلى معاهد البحث العلمي، وتخليصه من الأجواء الحماسية والعاطفية ونقله إلى حيث البحث الموضوعي المجرد.
والله تعالى هو العالم بالصواب وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 17424
* * *
التعقيب
التعقيب
الشيخ نزيه حماد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لقد اتضح من البحوث والدراسات المقدمة من العلماء الأجلاء في موضوع الاستنساخ أن معناه والمراد به تكوين مخلوقَيْن أو أكثر كل منهما نسخة إرثية من الآخر، وأنه نوعان أحدهما ما يسمى بالاستنساخ الجديد أو الاستتئام أو شق البييضة، ويبدأ بييضة مخصبة أي بييضة دخلها حيوان منوي تنقسم إلى خليتين، فتحفز كل منهما إلى البدء من جديد وكأنهما الخلية الأم، وتصير كل منهما جنينًا مستقلًا وإن كان متماثلين في صدورهما عن بييضة واحدة، وعلى ذلك فإذا أودع الجنينان الرحم فإن السيدة تضع توأمين متطابقين لأنهما نتاج بييضة واحدة.
وقد ذكر بعض الباحثين أن طريقة الاستتئام هذه يمكن أن تسهم في علاج حالات العقم التي تحتاج إلى تقنية أطفال الأنابيب، وأنها تتيح الفرصة لتطبيق الوسائل التشخيصية على أحد الجنينين أو خلايا منه، فإن بانت سلامته سمح أن يودع الحمل الرحم، ومع أن هذه الطريقة من حيث المبدأ يتحقق فيها التلقيح كما هو الحال في أطفال الأنابيب فإن آثارها ونتائجها وما تجلبه من مصالح راجحة أو مفاسد راجحة لا تزال حتى الآن مجهولة، ومن أجل ذلك يتعسر البت حاليًا في حكمها الشرعي لتوقف صحة النظر الفقهي على استكمال أمور خفية أو غامضة متعلقة بها، وهذا كله إذا وقعت في إطار عقد الزواج الشرعي بين بييضة الزوجة ومني الرجل، أما إذا وقعت خارجه فهي محظورة من حيث المبدأ والأساس.
أما النوع الثاني من الاستنساخ العادي الذي لا يعتمد على الخلايا الجنسية وإنما يكون بوضع نواة خلية جسدية داخل غلاف بييضة منزوعة النواة ثم تتكاثر الخلية الناتجة إلى جنين هو نسخة إرثية تكاد تكون طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية، وهذا النوع من الاستنساخ كما تبين من البحوث المقدمة تكتنفه مخاطر ومحاذير كثيرة ورهيبة إن دخل حيز التطبيق والممارسة، ومن أبرزها العدوان على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه بين طائفة من أشباهه، وكذا خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر والعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام، والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني والتي أقرتها الشريعة الإسلامية وسائر الأديان الربانية، واعتمدتها أساسًا للصلات بين الأفراد والأسر والعلاقات في المجتمع كله، بما في ذلك من انعكاسات على أحكام القرابات والزواج والمواريث وكثير من التشريعات المدنية والجنائية وغيرها.
стр. 17425
ونظرًا لما قد يترتب على هذا النوع من الاستنساخ من مفاسد خالصة أو راجحة لا تزال مطوية في عالم الغيب ولا يمكن أن تعرف أو تقدر على التحقيق إلا بعد مرور زمن طويل على تطبيقاته وممارساته، فإنه لا يعبأ بما ذكر أو افترض من منافعه ومصالحه المظنونة أو المحتملة الموهومة فيما إذا كان الزوجان مصابين بالعقم ولا يصلح لهما طفل الأنبوب، أو ما إذا كان الزوجان مصابين بالعقم وقد يفيدهما طفل الأنبوب لكنهما يفضلان عدم المجازفة فيه ويرغبان استنساخ إنسان يرونه أو يعرفون عنه مقدما، وكما إذا أصيب طفل بمرض خطير أو توفي وليس لأبويه طفل غيره وسنهما لا يسمح بالإنجاب بعد ذلك ويطلبون استنساخًا من طفلهم، إلى آخر ما قيل في ذلك، فإنه يلزم الاحتياط بعدم الإفتاء بتجويز شيء من صوره وحالاته الآن، فإن ظهر في المستقبل حالات تستدعي حكمًا استثنائيًّا فعندئذ ينظر في شأنها وحكمها الشرعي، هذا ما يتعلق بالاستنساخ البشري.
أما الاستنساخ في عالم الحيوان فالذي يبدو - والله أعلم - أنه سائغ شرعًا حيث لا يترتب عليه محظور أو مفسدة غالبة أو راجحة، وقد ثبتت له مزايا كثيرة ومن أهمها:
أولًا: إمكان استنساخ أعداد هائلة من الخراف والبقر لتوفير الغذاء للعباد.
ثانيًا: إمكان استنساخ أبقار تنتج حليبًا يعادل حليب الأم، وفي ذلك فائدة عظيمة للأطفال المصابين بنزلات معوية أو حساسية نتيجة رضاع الطفل لحليب البقر.
ثالثًا: إمكان استنساخ بعض الحيوانات التي لها قلوب وأكباد يمكن نقلها جراحيًّا إلى الإنسان دون أن يرفضها جسم الآدمي.
رابعًا: إمكان استنساخ حيوانات كل مجموعة منها لها صفات وراثية واحدة مما يسهل أبحاث مرض السرطان وقضايا المناعة، ونحو ذلك من البحوث الطبية الهامة.
خامسًا: إمكان استنساخ بعض فصائل الحيوانات المهددة بالانقراض، إلى غير ذلك من الاستخدمات التي تجلب مصالح حقيقية راجحة للإنسان فيما يبدو إلى الآن.
وما ظهر من جواز الاستنساخ في عالم الحيوان فإنه يقال أيضًا بالنسبة للاستنساخ في النباتات، حيث تم بواسطته إنتاج كثيرٍ من الأنواع النباتية المتميزة التي تختص بمقاومة الحشرات والفيروسات ومبيدات الأعشاب، أو نباتات تنتج ثمارًا مقاومة للتلف، أو نباتات لها قيمة غذائية محسنة عالية.
وكذلك الحكم أيضًا في استخدام الاستنساخ في مجال الصيدلة والدواء، حيث تمكن العلماء من إنتاج أصعب الأدوية وأندرها، مثل: الأنسولين المنظم لسكر الدم، والسوماستاتين المنظم لأعمال بعض الغدد الصماء في الجسم، والإنترفرونات التي تستخدم في علاج السرطان ومنع الإصابة بالفيروسات، ونحو ذلك.
هذه خلاصة ما أردت بيانه في هذا التعقيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 17426
المناقشة
المناقشة
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
ألا إنها الأيام قد سرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب
إن هذا الأمر ينقسم بالنسبة لنظرنا الشرعي إلى قسمين:
الأول: من حيث العقيدة.
الثاني: يتعلق بحكم الشرع في الإقدام على هذا العمل.
من حيث العقيدة؛ إن هذا الأمر لا ينافي في شيء قدرة البارئ جل وعلا وقدره، فهو سواء استطاعوا أن يفعلوا ذلك أو لم يفعلوه فإنما يفعلونه بقدرته وقدره، وقد نبه البارئ جل وعلا على ذلك في سورة الواقعة، فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طالعت المفسرين عند هذه الآية فتوقفوا كثيرا عند (ما) ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذه النكرة العامة، فقالوا: في أي شكل من الأشكال أو في أي حال من الأحوال، والشيخ ابن عاشور في (التحرير والتنوير) توقف عندها طويلًا وزاد على القرطبي وعلى الوجيز وقال: " إنها أحوال وأشكال لا نعلمها ويعلمها الله . . ".
نلاحظ في هذه الآية ثلاثة أنواع من التخلق:
أولًا: التخلق العادي ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ فالله يخلق في المني الذي نسب إلى الإنسان.
ثانيًا: ثم ذكر نشأة أخرى لا نعلمها.
ثالثًا: ثم ذكر النشأة الأولى وهي نشأة آدم ﵇ من طين.
من هذه الآية ندرك أن هذه الأفعال كلها سائرة في طريق قدرة الله- وقدره، وهنا وافق الجزء الأول من التحليل الذي اعتقد به الإخوان.
стр. 17427
نحن نؤمن بأننا في آخر الزمان بالنصوص الواردة في ذلك ولا نستغرب بين يدي الساعة أن تظهر غرائب وعجائب، إلا أنه يجب ألا تجرفنا هذه العجائب والغرائب فنستعجل ونحاول مسايرة الذين لا يعقلون بالإباحة تارة وبالموافقة تارة أخرى، وهنا نصل إلى الحكم الشرعي لمحاولة التعرف على أي حكم شرعي كما في كريم علمكم فإن هذا الأمر جديد ولا بد أن يخضع لثلاثة معايير:
المعيار الأول: هو البحث في النصوص، وحيث لا يوجد نص ينص على هذا لأنها مسألة جديدة فالبحث حينئذ في هذه النصوص للقياس عليها سواء كان قياسًا جليًّا أوخفيًّا.
المعيار الثاني: هو معيار المقاصد الشرعية المفهومة من استقراء نصوص الشريعة.
المعيار الثالث: هو المصالح والمفاسد المجردة المترتبة على الفعل أو على تركه.
سأتحدث باختصار عن المعيارين الأولين، حيث إن المعيار الثالث قد تحدث عنه الباحثون وذكروا جملة من المفاسد والمصالح، ولهذا فينبغي أن نبحث في المعيارين الأولين، النصوص للقياس عليها، والمقاصد. أولًا: النصوص، قال تعالى في سورة النساء عن إبليس: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ ، تغيير خلق الله عام لا يمكن أن نقول إنه الفطرة فقط بمعنى التوحيد أو ما يتعلق به، ولكنه عام في تغيير الخلق كله، وليس كلمة الخلق تعني تغيير الخلق أي المخلوقات أو الأشياء التي تخلق، فهذا كلام ذكره الله عن الشيطان أنه سيأمر أتباعه بأن يفعلوا ذلك، وهذا يدل على أنهم يستطيعون أن يفعلوه فعلًا، لكن ذلك لا يرضي الله ، ونهى النبي ﷺ عن الوشم والنمص والوشر والتفليج لكونها من تغيير خلق الله، ونهى النبي ﷺ عن التماثيل والتصاوير مع وعيد شديد، نهى النبي ﷺ عن إنزاء الخيل عن الحمير، كل هذه تدخلات في الفطرة، شريعة تنهى عن ذلك سأستغرب أن تبيح للإنسان أن يتدخل في خلق إنسان آخر، أما المقاصد فكرامة الإنسان وحضانته وحياضته وعلاقاته كل ذلك لا يبيح هذه المسألة.
هذا باختصار شديد في هذه المسألة وأرجو أن تراجع على ضوء ما ذكرته خصوصًا النصوص، لم أر أحدًا تعرض لها ويقيس عليها.
وشكرًا. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17428
الشيخ محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛
فالواقع أنني أشكر جميع الأخوة الباحثين الذين قدموا بحوثًا قيمة في هذا الموضوع الشائك الذي شغل أذهان الكثير من الناس في وقتنا الحاضر، وكان لا بد لعلماء الشريعة أن ينتبهوا في هذا الموضوع ويدرسوا أبعاده الإيجابية والسلبية، وقد حصل هذا المقصود بقدر ما نستطيع - والحمد لله- بهذه الأبحاث التي قدمت سواء كانت من الأطباء أو من الفقهاء فجزاهم الله خيرًا وأجزل أجرهم.
أما أن نحاول أن نصل في هذه الجلسة إلى قرار حاسم في الأحكام الشرعية الفقهية المتعلقة بهذا الموضوع فإنه يبدو لي أنه سيكون إقدامًا على شيء قبل أوانه، فإن هذا الموضوع لم ينضج بعد، وواضح لكل أحد أن الاستنساخ البشري حتى الآن ليس إلا نظرية وخيالًا ولم يأتِ إلى حيز الوجود، وقد كان السلف رحمهم الله تعالى يقولون: لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله. وخاصة في حين أن النتائج الحسنة أو السيئة للاستنساخ البشري لم تظهر لنا بعد، هذه التجربة إنما أقيمت على بعض الحيوانات ولم تقم هناك تجربة على إنسان، ولا يبعد أن تأتينا معلومات جديدة حينما تجرى هذه التجربة على إنسان، فما لم تأتنا تلك المعلومات، وما لم يتضح لنا الصورة الحقيقية لهذه العملية ونتائجها، فإنه لا يجدر بهذا المجمع أن يتخذ قرارًا حاسمًا في الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع، فالذي أراه ألا نستعجل في اتخاذ فتوى أو قرار في هذا الموضوع.
وهذا ما أراه والله أعلم.
стр. 17429
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد:
لقد هز موضوع الاستنساخ جوانب الحياة العلمية العالمية والإسلامية الموضعية في كل بلد وفي كل مكان، وكثرت الندوات والمحاضرات والتعقيبات وظهرت بعض المؤلفات، وكان منها ما أسهمت به في سورية، حيث طبع كتاب يجمع بين جميع النواحي المتعلقة بالاستنساخ من الناحية النفسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية والإسلامية، وعقدت ندوات ومحاضرات في رحاب الجامعة عندنا في دمشق وكان حصيلة هذه المحاضرات والندوات ما يلي:
أولًا: الاستنساخ ليس هو خلقًا جديدًا، وإنما هو بترجمته الدقيقة (إعادة للخلق) ، فهو كما أشار الأخوة فعلًا ليس مما يتنافى مع تفرد الله بالخلق والإبداع والابتكار لأن الاستنساخ يعتمد على أخذ خلية من خلق الله ثم إجراء تعديلات عليها بتسليط عوامل فيزيائية وكيميائية بحيث تبطل مفعول بعض مدلولات الخلية وتنمي البعض الآخر حتى تظهر بشكل معين.
ثانيًا: الاستنساخ في الحقيقة ينبغي أن نفرق بينه وبين الهندسة الوراثية، فالهندسة الوراثية في عالم النبات وتهجين النباتات، وكذلك تهجين الحيوان، هذا في الواقع أمر ربما يكون مقبولًا بشرط عدم تحقق الضرر منه، وأما الخطر فهو في الإنسان، فالاستنساخ الذي هو الهندسة الوراثية في النبات والحيوان وتلافي آثاره الضارة وإيجاد بدائل جيدة تكون في خير الإنسان.
ومنه أضرار كثير من الأمراض التي تهدد حياة الإنسان والتي بإمكان الهندسة الوراثية أن توجد نوعيات متفوقة وكثيرة، ففي الواقع الهندسة الوراثية في عالم النبات والحيوان أمر جائز، بشرط ألا يكون هناك شيء من المردود السلبي أو الإضرار الذي يلحق بالإنسان إذا أخلص العلماء في بيان هذه السلبيات، ومن هنا يمكن أن نكون مع هؤلاء الذين يتحدثون عن الاستنساخ، وأنه إذا لم يتحقق منه الضرر بصحة الإنسان وكان في خير الإنسان بحسب ضوابط الشريعة التي جاءت لتحقيق الخير والنفع والمصلحة ومدافعة كل ألوان الفساد والضرر والإساءة بالإنسان.
في ضوء هذا المعيار حينئذ يمكن أن نقول إلى حد ما بأن الهندسة الوراثية لا مانع منها شرعًا.
وبناء على ذلك فلا يصح، نحن نتكلم في حدود ما عرضه العلماء وفي حدود ما قرروه، نحن لسنا ضد العلم إطلاقًا، ونحن دائمًا مع العلم، ولسنا كما يزعم بعض الصحفيين أن المفتين الإسلاميين يتسرعون في الفتوى، ولسنا أيضًا مع فضيلة الأخ الشيخ تقي أنه يجب أن نكون من فريق الواقفية أو الحياد لننتظر النتائج المرتقبة، لأن العالم يريد أن يكون لنا رأي في الموضوع وخصوصًا أن الأفكار اهتزت من الناحية الدينية حول هذا الموضوع، فلم لا يكون لنا كلمة تطمئن الناس وأن ذلك في الحقيقة لا يتنافى مع العقيدة الإسلامية؟ فإذن في مجال الهندسة الوراثية الاستنساخ أمر مقبول بشرط عدم الضرر وتحقيق النفع للإنسان.
стр. 17430
أما فيما يتعلق بالإنسان وكما ذكرت في بحثي الذي طبع في دمشق بينت أن الاستنساخ في الحقيقة يتنافى مع مبدأين أساسيين في الخلق الإلهي خلافًا لما كرره وذكره الصحفيون أن هذا تغيير وتبديل لخلق الله، واستشهدوا جميعًا بالآية التي هي من تحريض الشيطان لتغيير خلق الله، هذا كله في الحقيقة لا يمس حقيقة الاستنساخ وإنما الذي يتصادم مع مبدأ الخلق الإلهي أمران نص عليهما القرآن الكريم:
الأمر الأول: قضية التوازن بين الأشياء ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٧] ، فالأشياء كلها تخضع لميزان إلهي ونسبية دقيقة، الله ﷻ أراد من تلك الأمور النسبية تحقيق مصلحة البشرية ودوامها وتحقيق الخلود والبقاء والاستمرار لها بحسب علم الله وتقديره.
فالاستنساخ الذي يعني إحداث صور متشابهة والتطور العلمي، يقولون بأنه يمكن أن يتحول الاستنساخ إلى آلة طابعة يطبع بشرًا بعد التحكم في قضايا الخلايا، وحينئذ لا يحتاج لا إلى الرحم ولا يحتاج لشيء مما سمعناه من السادة الأساتذة الذين تحدثوا في الموضوع، وإنما القضية أخطر من هذا بكثير، ولذلك نجد هناك اهتمامًا دوليًّا، فبعض الدول منعت فعلًا التورط في مسألة الاستنساخ البشري، فلسنا نحن أقل من هذه الدول أن نحكم على ما هو موجود، أما أن ننتظر النتائج ونتفرج على الأحداث فهذا في الحقيقة يثير فتنة دينية لدى الوسط الإسلامي.
هذا المبدأ - مبدأ التوازن بين الأشياء - يتنافى مع حقيقة الاستنساخ ومخاطره وأوضاعه التي تؤثر في صميم جميع النسب الإنسانية والاجتماعية في الخلق الإلهي.
الأمر الثاني: الذي يتنافى مع الاستنساخ هو القضية الكبرى وهي أن الاستنساخ في الواقع ما هو إلا عبث بالأشياء، وأن إحداث التشابه بين الموجودات فيه خطر على الإنسان نفسه، والله يقول ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ .
هذا هو سر الحياة في أن نعرف الجمال مع القبيح والأسمر والأبيض والطويل والقصير، والقضايا في هذا العالم لنتمكن من أن نسهم في الحياة الاجتماعية، وإلا كما قلت في بعض التعقيبات على بعض المحاضرات لو أننا أوجدنا سبعين رجلًا بصورة متشابهة وامرأة تزوجت واحدًا من هؤلاء، كيف تفعل بعلاقتها مع هذا الرجل؟ أيهم زوجها؟ والعكس أيضًا إذا تزوج رجل امرأة من سبعين امرأة متشابهات كيف يفعل؟ كيف تتم العلاقة الاجتماعية؟ كيف يمكن ضبط الجرائم؟ كيف يمكن ضبط قضايا المصنع والمعمل والمتجر والوظيفة إذا حدث هذا التشابه؟ فإن الاستنساخ يتصادم مع أصالة القرآن في اختلاف الألسنة والألوان وهذه من آيات الإبداع الإلهي. فإذن وجود التشابه هو في الحقيقة فكرة راودت هتلر ليوجد نوعيات من الجنود المتفوقين في الحرب العالمية الثانية ومن أجل أن يقوموا بإحداث أعمال الشغب ولا يمكن أن يعرف شخص من شخص آخر، فإذن تهتز كل عوالم الحياة وكل أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والحياة الزوجية والأسرية.
стр. 17431
فإذن ينبغي أن يكون لنا موقف حازم ودقيق وصريح وجريء حول هذا الموضوع الذي سبقتنا إليه عدة جهات، فالبابا أعلن تحريمه، وقريبًا أمريكا حرمت الاستنساخ البشري، دول نصرانية كثيرة، فهل ننتظر نحن الدول المسيحية التي تحرم وتمنع ونخاف أن نبدي رأينا في الموضوع؟! الواقع الاستنساخ البشري خطر على الحياة الإنسانية ويهز كيان المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي، ويعطل كيفية التعامل مع الأشياء المختلفة كلها، فجدير بنا أن يكون لنا موقف حازم ورأي صريح بالقول بمنع الاستنساخ في دائرة البشر، وأما الهندسة الوراثية في عالم النبات والحيوان فأمر لا مانع منه.
وأخيرًا أريد أن أطمئنكم بأن (دولي) التي يتحدث عنها الناس الآن تخضع لأجهزة الإنعاش فهي في خطر لأن الخلية التي أخذت منها غير الخلية الطبيعية بحيث يزيد سنها ثمان سنوات عن الحقيقية الأصلية، فهي إذن في خطر وفي حال ترقب الموت، فلذلك لنطمئن جميعًا أن العملية فاشلة، وشكرًا.
الشيخ الشمري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
في الحقيقة إن هذا الموضوع الخطير الذي تناوله الناس بمختلف فئاتهم حتى وضعت المجتمعات في جو مرعب يخافه الكثير من هذا الموضوع، وإن موضوع الاستنساخ موضوع خطير، وهو موضوع جديد في طرحه وفي موضوعه، ولذلك فلا بد من تأصيل المسألة تأصيلًا شرعيًّا وعلميًّا دقيقًا، وحَسَنٌ فَعَلَ المجمع أنه طرح هذا الموضوع للبحث والمناقشة، وأن يدرس دراسة تجلي كثيرًا من غوامضه، وتعطي صورة واضحة عن واقعه الحاضر، وما قد يترتب على تلك الدراسة من فتاوى شرعية وقرارات يتخذها المجمع سواء كان في دورته هذه أو في دورات أخرى.
الأمر الذي أراه من وجهة نظري وأضم رأيي إلى رأي فضيلة الشيخ تقي العثماني أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة متأنية في ضوء الأحكام الشرعية والنصوص الفقهية، وأن تكون تلك الدراسة مبنية على هذه النصوص ومبنية على ما يقدمه المختصون في الطب والعلم التطبيقي وما يتوصلون إليه، فإن هذا الجو الذي قد نوضع فيه بأنه فيه خطر على المجتمعات وعلى الأنساب وعلى كذا وكذا، هذا الأمر ما زال لم يطبق ما زال مطروحًا، فإن التلقيح الصناعي عندما طرح طرح أيضًا في هذا الجو الذي اختلف فيه كثير من العلماء.
стр. 17432
ولذلك فإن موضوع الاستنساخ قد يشابه إلى حد كبير في بعض موضوعاته موضوع التلقيح الصناعي، فقد يجوز لنا أن نقول: إن ما يجوز في التلقيح الصناعي أو ما أجيز في التلقيح الصناعي قد يجاز في الاستنساخ، وما منع هناك قد يمنع أيضًا هنا، هذه مسألة أيضًا ينبغي أن تطرح للبحث والمناقشة والدراسة، وحتى يخلص الباحثون والفقهاء والأطباء إلى قرار سديد سليم في هذه المسألة.
الأمر الآخر في هذا الموضوع هو أن موضوع البحث في هذا ما زال من وجهة نظري قاصرًا يحتاج إلى المزيد وإلى التأني والبحث، وليس مطلوبًا منا أن يكون عندنا قرارات سريعة في مواجهة مثل هذا الموضوع بحجة أن البابا قد فعل وأن كلينتون قد فعل، نحن ننطلق من منطلقات لا ينطلقون منها، فينبغي أن تكون منطلقاتنا مؤصلة ومبنية على نصوص شرعية وفقهية وبحث علمي أصيل دقيق، فنجيز ما كان جائزًا، ونمنع ما كان ممنوعًا؛ لأن في شريعتنا وديننا كما تعلمون أنها ليست ضد العلم، وإنما ضد العبث وضد الشيء الذي يضاد هذه العلوم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ مصطفى التارزي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
حضرات السادة العلماء:
لقد استمعت في هذا الصباح بكل اهتمام إلى بحثي الطبيبين العالمين الدكتور أحمد رجائي، والدكتور صالح الكريم، حول قضية الاستنساخ من الناحية الطبية والبيولوجية، وكنت مبتهجًا بحسن العرض ووضوح البيان، فشكرًا لهما.
وقد استوقفني تعرض الدكتور أحمد رجائي حفظه الله إلى كلمة المؤيدين لقضية الاستنساخ، وبالأصح في قضية التكاثر الخلوي أو التكاثر الجيني، وإلى المعارضين لقضية الاستنساخ، مع أني أعتقد أن كل المتشبعين بالمبادئ الإسلامية يرون أن الموقف المتبصر يرى أن هناك خطوطًا حمراء يجب ألا يتجاوزها العلم درءًا لأخطارها الجسيمة التي يمكن أن تترتب على نتائج هذه الأبحاث العلمية وخاصة في مجال بيولوجية الإنسان، وصلة ذلك بحكمة الخالق في خلق الكائن البشري، لأن كل سلبيات الاستنساخ في ميدان الزراعة وميدان الماشية هي أقل خطورة من سلبيات الاستنساخ البشري، ونتيجة لنجاح العملية التي أنجبت نعجة بطريقة التكاثر الجيني قالوا: إن هذا يمكن أن ينطبق على الإنسان نفسه كما يمكن أن يخلق من هذا الشخص آلاف الأشخاص، ولا يستبعد علميًّا أن يتوصل العلم إلى الاستنساخ البشري، ومعناه أن تجرى كل التجارب الممكنة مهما كلف هذا العمل من مال وجهد وتشريح وتلقيح وتركيب وإخفاق، وبذلك يفقد الإنسان كرامته التي منحه الله إياها في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ .
стр. 17433
وإن هذا الاستنساخ وهو إخراج صور عديدة من أصل واحد إذا قدر له النجاح سيفقد ضوابط الأسرة والبنوة والأخوة، ويهدد الحقوق الإنسانية بأكملها والواجبات الإنسانية في المجتمع، ويفتح باب جرائم التزوير وانتحال شخصيات الآخرين، مع أننا نعلم أن العلم في الإسلام له حدود وهو مقيد بأن يسخر لسعادة الإنسان، ومن أجل أن يبقى النوع الإنساني ويستمر ينبغي أن يكون العلم حارسًا ومهيِّئًا لظروف أفضل للإنسان، أما إذا انحرف العلم عن ذلك فيكون وسيلة لتدمير الإنسان وهذا أمر حرام.
وإذن فليست القضية في نظر الشريعة الإسلامية قضية مؤيدين ومعارضين في نظري، إذ قامت الشريعة الإسلامية على اعتبار الإنسان خليفة الله في الأرض بنص القرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
أما الحيوان لو كان من فصيلة الثدييات كالإنسان فقد خلق للإنسان لتكتمل به إنسانيته ويتقوى به على القيام بأعباء الخلافة ويقدمه قربانًا إلى الله , والله تعالى يقول: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
هذا والله قد عظم الإنسان وتباهى بخلقه عندما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ، فهل ننتقل بالإنسان من هذه العناية الإلهية وهذا الإبداع في الخلق وهذا التركيب المحكم المتسلسل من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى نشأة خلق الإنسان، هذا الإنسان الذي اختاره الله لأن يتولى خلافته في الأرض؟ لا يمكن أن يغير إلى خلق جديد لمجرد نجاح جزئي جاء صدفة في تجارب خلية جينية للأغنام وخلية أخرى من الغدة الثديية لأغنام أخرى، مع اعتراف الباحث أن التجارب التي أجراها لم تنجح في أغلبها وأن معظم الأجنة التي حصل عليها المعهد ماتت أثناء فترة الحمل ولم ينجح سوى واحد فقط، ومع العلم أن هذا المعهد لم يتخصص في الاستنساخ الحيواني أو البشري وإنما كان يعمل لفائدة شركة المستحضرات الطبية والتكنولوجيا الحيوية بهدف الوصول إلى إيجاد أدوية لعلاج بعض الأمراض الوراثية التي توجد بكثرة لدى الأطفال، كما تسعى عديد من الشركات الأخرى المنتجة للخنازير وعبر تقنيات الهندسة الوراثية أن تستعين بهذا الأسلوب في عملية زرع الأعضاء البشرية.
стр. 17434
وتخوفت الأوساط العلمية في أن هذه الخطوة الأخيرة وهي تجربة استنساخ النعجة (دولي) قد تفتح الباب أمام قضايا بيولوجية وأخلاقية ودينية شائكة، ولهذا صدرت ردود فعل دينية وعلمية وسياسية واسعة النطاق على المستوى العالمي، واتخذت إجراءات للحد من هذه التجارب إذا حاولت تجربة الاستنساخ على البشر، وقدمت مشروعات بقوانين لمنع هذا الأمر وتحريمه في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من الدول التي لها مراكز أبحاث متخصصة في علم البيولوجيا وعلم الوراثة، مع أننا كلنا نعلم أن الإسلام يشجع البحث العلمي ولا يقف حجر عثرة أمام التقدم العلمي، ونعلم أن تجربة استنساخ النعجة (دولي) قد أثارت ردود فعل دينية وعلمية، وإذا تعالت صيحات الفزع من جهات متعددة للحد من هذه التجارب إنما كان ذلك لما اتجه إليه تفكير الباحثين لمحاولة تجريب الاستنساخ على البشر، خوفًا من عواقبه الوخيمة، ولا يعتبر هذا موقفًا ضد العلم أو ضد التقدم العلمي، لأن الإسلام يبارك العلم، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، ولا يمكن أن يقف الإسلام ضد العلم ما دام مسخرًا في الخير وفي خدمة الإنسان والمجتمعات البشرية ووسيلة اكتشاف قوانين الله في هذا الكون، فالإسلام يحث على كل تقدم علمي نافع مفيد، والله تعالى يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
وكثيرًا ما سأل النبي ﷺ ربه قائلًا: ((اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وأعوذ بك من علم لا ينفع)) ، وقد منح الله ﵎ العقول لخلقه لكي يتفكروا وينظروا إلى الكون وما فيه من دلائل عظيمة على قدرته، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، وبهذا يمكن القول بأن الاستنساخ إذا كان في النبات والحيوان أو مما يوفر وسائل طبية علاجية فيما كان قبل مستعصيًا على الإنسانية، فلا معارضة فيه لأنه ثمرة التقدم الطبي المخبري الذي ما تزال تصرف من أجله أموال ضخمة لاستئصال بعض الأمراض المستعصية ولتتمة الطب الوقائي في العلم، كما أن هذه التجربة ستكون فائدتها عظيمة في الميدان الفلاحي كتوفير الماشية وتحسين الزراعة والتطور في مجال الهندسة الجينية، والمعرفة الدقيقة لخصائص المورثات الصبغية ستجنب الكثيرين أمراضًا كالصلع وتساقط الشعر، كما يساعد على إصلاح علوم الجينات الوراثية , وفي هذا الميدان يقف الإسلام جنبًا إلى جنب مع التقدم العلمي ما دام لتوفير إنتاج ينفع الناس والبشرية، والإسلام يفرق بين الخلق والتخليق، فالخلق لله ، والتخليق أو التكوين أو الاختراع يستطيعه الإنسان بواسطة ما خلق الله، فالإنسان لم يخلق المادة الحية ولم يخلق الخلية، ولم يخلق البييضة، ولكنه استطاع أن يستخدم هذه المواد حسب طرق معينة موصلة إلى هذه النتائج، والإسلام يفتح باب ذراعيه للعلم.
حكم الاستنساخ البشري: إن جملة ما تقدم ذكره في هذه الدراسة يبين بكل وضوح أن عملية الاستنساخ البشري هي مخالفة للمبادئ الأساسية التي قام عليها التشريع الإسلامي في تكوين المجتمع الإنساني، ودفعت علماء الشريعة إلى رفع أصواتهم بتحريم الاستنساخ البشري لاعتبارات متعددة.
стр. 17435
أولًا: لأن عملية الاستنساخ البشري ستؤدي بالإنسانية إلى أضرار فادحة ومتنوعة، والنبي ﷺ يقول: ((لا ضرر ولا ضرار)) ، فكل ما أدخل ضررًا على حياة المجتمع فهو حرام، وللقاعدة الشرعية (الضرر يزال) ، (وما أدى إلى الحرام فهو حرام) ، فالاستنساخ حرام.
ثانيًا: الاستنساخ البشري يخالف التوازن الحياتي القائم على اختلاف الجنس وتباينه لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ، إذ بالتمييز جعل الله لكل إنسان شخصيته ودوره.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. هيثم الخياط:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
أود أن أدعو أولًا إلى تحرير المصطلحات قبل كل شيء تمهيدًا لإصدار الحكم الشرعي، فلفظة (الاستنساخ) لفظة فرضتها علينا وسائل الإعلام وهي لفظة غير دقيقة ولكنها فرضت علينا، وهي في مقابلتها الأجنبية مظلة تغطّي عددًا من المفاهيم، عددها في الوقت الحاضر أربعة:
أولها: أخذ الحقيبة الوراثية الكاملة على شكل نواة من خلية من خلايا الأب وإيلاجها في خلية بويضية من الأم مسلوبة النواة، فتتألف بذلك خلية تشتمل على حقيبة وراثية كاملة، وهي في الوقت نفسه تمتلك طاقة التكاثر إن اكتملت حقيبتها الوراثية، فإذا غرست في رحم الأم تنامت وتكاملت وولدت مخلوقًا مكتملًا بإذن الله، وهذا هو الذي يقصد بالاستنساخ إذا أطلقت هذه اللفظة بلا تحديد، ومن المهم أن نشير هنا إلى أن المخلوق الجديد لا يمكن أن يشبه أباه ١٠٠ % لأن بييضة الأم المسلوبة النواة تظل مشتملة على بقايا نووية في الجزء الذي يحيط بالنواة التي سلبت، ولهذه البقايا أثر ملحوظ في تحوير الصفات التي ورثت من الخلية الأبوية؛ هذا هو المفهوم الأول.
المفهوم الثاني: ازدواج حقيبة وراثية نصفية من منوي الأب مع حقيبة وراثية نصفية من بويضة الأم بحيث أصبحتا معًا خلية تشتمل على حقيبة وراثية كاملة وتمتلك طاقة التكاثر، فإذا أخذت بالتكاثر إلى خلايا متماثلة شطرنا بعض هذه الخلايا عن بعض في مراحلها الأولى السابقة لمرحلة التمايز، فكانت كل منها قادرة على تكوين مخلوق مكتمل - بإذن الله - يشبه تمام الشبه شقائقها الأخرى، وهذا الذي يطلق عليه البعض اسم الاستتئام أو الاستيئام.
المفهوم الثالث: أخذ سلالة من خلايا الكائن الحي وتكثيرها بشكل مناسب في وسط مناسب وذلك للاستفادة من هذه النسيلة الأحادية في التشخيص أو المعالجة.
следующие страницы →