٣ - ترى هل ستنتهك أي حقوق أخلاقية من جزاء الاستنساخ البشري؟ وحتى لو لم تتعرض هذه الحقوق للتهديد، فهل للأفراد أو للمجتمع أو للنوع بأكمله مصالح قد يضر بها الاستنساخ البشري؟ وهل تستطيع المبادئ الأخلاقية الأساسية أن تعين على الإجابة عن هذين السؤالين؟
٤ - وبالمثل هل ترى يمكن أن تنتهك أي حق من الحقوق من جراء تحريم الاستنساخ البشري (كحق حرية الإنجاب على سبيل المثال) ؟ وما هي مسؤوليات الأفراد والمجتمع إزاء تطبيق الاستنساخ؟
٥ - لقد نشأ رد فعل جماهيري سلبي قوي تجاه فكرة الاستنساخ البشري، ترى ما هو الأساس الذي قام عليه رد الفعل هذا؟ هل تراه مجرد رد فعل لروايات الخيال العلمي التي صورتها وسائل الإعلام؟ أم هل تراها نابعة من بعض الانفعالات الأخلاقية العميقة الجذور؟ إن بحوث علم الاجتماع تستطيع أن تسهم في الإجابة عن هذا السؤال.
٦ - ينطوي الاستنساخ البشري على منافع علاجية، ولاسيما
فيما يتعلق بالعقم. غير أنه أمكن تحديد مجموعة كبيرة من المخاطر المحتملة في هذا السبيل. فكيف يتسنى لنا أن نوازن بين المنافع والأخطار، تمهيدًا لاتخاذ القرار حول ما إذا كنا سنقر مبدأ الاستنساخ البشري أو سننكره
٧ - إن القلق حول الجانب الأخلاقي في المستوى الكلي يتصل بمسألة العدالة. فهل الاستنساخ البشري سيؤثر تأثيرًا سلبيَّا تمييزيًّا على الجنس، أو الطبقة الاجتماعية، أو العرق، أو (الإثنية) ؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف يتم هذا التأثير؟
قضايا تتصل بالسياسة الدولية
١- الحظر الإلزامي:
فقد سبق أن اعتمدت سياسات مشابهة تتعلق بجرائم الحرب، والرق، والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية؛ فهذه كلها قيم غير مقبولة في أي بلد من بلدان العالم، ولذلك التزمت بحظرها كافة البلدان.
٢ - الحظر الرضائي (الدائم) أو وقف النشاط أو تعليقه:
وهو أضعف من الحظر الإلزامي.
ومن الأمثلة على ذلك إعلانات الحظر العديدة على التكنولوجيا النووية، والتي تكررت على مدى سنوات طويلة.
٣ - التقييد الرضائي:
ومثال ذلك تحريم العلاج بالسلالة النسلية، والذي قد لا يستمر إلى الأبد، غير أنه لا يزال ساري المفعول إلى أن يتاح المزيد من المعطيات العلمية حول هذا الموضوع.
٤ - التعاون الدولي:
إن كل إنسان يعمل في مجال البحث العلمي على سبيل المثال، يتقاسم المعلومات مع الآخرين ويراقب عملهم. ومن الخيارات النوعية لتحقيق هذه الغاية:
(أ) التصرف على أساس فردي، مع الالتزام بنموذج المعاهدات الدولية.
(ب) التصرف عن طريق وكالة دولية.
стр. 17502
وينبثق عن هذا الخيار خيارات أخرى كتعيين وكالة قائمة كمنظمة الصحة العالمية، أو إنشاء وكالة جديدة، كالوكالة التي أنشئت لرصد جهود التعاون الدولي، الرامية إلى تعيين خريطة ومتوالية المجين البشري (مجموعة الجينات البشرية) .
وثمت مجموعة من النقاط الأخرى التي تحتاج إلى التوضيح والمناقشة. وأول هذه النقاط مسألة تحديد كيفية التصرف حيال البحوث الخارجية، في الحالات التي ينتقل فيها الباحثون من بلد إلى بلد آخر، حينما يكون لون معين من البحوث محظورًا في بلادهم.
والنقطة الثانية هي مسألة البراءات الدولية والملكية الفكرية؛ ولهذه النقطة بالذات بعض المضاعفات على اتفاقيات التجارة، إذ ما هي النماذج الاقتصادية الملائمة في ظل الاقتصاد العالمي السائد في هذه الأيام؟
وثمت مجموعة ثالثة من التساؤلات التي تدور حول مصادر تمويل بحوث الاستنساخ البشري. فما هي المضاعفات المختلفة للتمويل من يتل القطاع العام مقابل التمويل من يتل القطاع الخاص؟ وهل ترى البحث الذي يموله القطاع الخاص يقبل الخضوع للإشراف والرصد بنفس الطريقة المطبقة في القطاع العام لهذه الغاية؟
ولقد انتهى الاجتماع إلى مجموعة من الأفكار حول احتمالات المستقبل. فقد أثبتت الخبرات المتحصلة على مدى الأعوام العشرين الماضية في مجال أطفال الأنابيب، وغير ذلك من الطرائق الأخرى المتبعة في الإنجاب المدعم؛ قد بينت أنه بعد انقضاء فترة أولى من الخوف والمعارضة، تلاشى الكثير من التحفظات الأخلاقية، بينما ظل ما تبقى منها موضع المراعاة والاحترام.
ولكن ترى أين يقع موضع التسليم في مجال تحريم الاستنساخ البشري أو السماح به؟ وهل تحريم الاستنساخ إلى أن يثبت أنه مأمون ومفيد يعكس اتجاه التسليم المعتاد في أمور السياسة العامة؟ وفي ضوء العديد من الأسئلة العلمية التي ما زالت تحتاج إلى الإجابة، وفي ضوء الآراء المتضاربة حول الجوانب الأخلاقية للاستنساخ البشري، اتفق المشاركون على أن تكون الخطوة التالية هي الاستكشاف الشامل والتحري الدقيق والمناقشة الوافية للأمور التي حددتها هذه المناقشة الأولية.
ولسوف يكون من الأهمية بمكان أن نضمن تحقيق أوسع تمثيل
جغرافي، وثقافي، وديني، وفلسفي في البرنامج، وأن يكون المشاركون في أي اجتماع تعقده المنظمة في المستقبل حول هذا الموضوع من الذين يمثلون أوسع القطاعات الممكنة، بغية إضفاء الصفة العالمية على هذا النوع من الاجتماعات.
стр. 17503
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بيان مجمع الفقه الإسلامي في دورته العاشرة بجدة
حول محاولة انتهاك حرمة خاتم الأنبياء والمرسلين
محمد ﷺ والقرآن العظيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فلقد ذهل علماء المسلمين الذين التقوا في الدورة العاشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي بمدينة جدة، ممثلين لجميع دول العالم الإسلامي، وهز مشاعرهم نبأ الجريمة النكراء التي أقدم على اقترافها بعض المستوطنين اليهود الصهاينة في مدينة خليل الرحمن بفلسطين، والتي أساءت بالغ الإساءة إلى الإسلام الحنيف ونبيه الكريم وقرآنه العظيم، وذلك بتعليق ملصق أثيم عبر عن تلك الإساءة البالغة.
وإنهم ليستنكرون أشد الاستنكار هذا التحدي السافر والاستفزاز الشائن لمشاعر المسلمين في جميع بقاع الأرض، ويشجبون تلك الفعلة الأثيمة التي تنم عن حقد دفين على الإسلام والمسلمين.
ثم إن ممثلي الدول الإسلامية في مجمع الفقه الإسلامي بمناسبة اجتماعهم هذا إلى جوار البيت العتيق، وعلى مقربة من مسجد الرسول العظيم ﷺ ، في هذه الديار المقدسة التي ربط الله بينها وبين المسجد الأقصى الذي بارك حوله بمعجزة الإسراء والمعراج في قرآن يتلى على مر العصور والدهور؛ ليدعون المسلمين في كل مكان قادة وشعوبًا إلى العمل على وقف مثل هذه الممارسات والتحديات الآثمة، وبأن يعملوا بكل جد وإخلاص لتوحيد كلمتهم، ورص صفوفهم في وجه العدوان والظلم حتى يتم تحرير الأرض المغتصبة، واستعادة المقدسات السليبة.
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 17504
توصيات
الندوة الفقهية الطبية التاسعة
رؤية إسلامية لبعض المشاكل الطبية
الدار البيضاء: ٨- ١١صفر ١٤١٨هـ
١٤- ١٧ يونيو ١٩٩٧م
الاستنساخ البشري
أ- مقدمة:
سبق للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن عقدت ندوة عام ١٩٨٣ م
عن (الإنجاب في ضوء الإسلام) عرضت فيها ورقتان لاحتمالات إنجاز الاستنساخ البشري بعد أن نجح الاستنساخ في النبات وفي الضفادع والبحريات الصغيرة. وكانت التوصية التي اتخذت في هذا الصدد تنص على الآتي: "عدم التسرع في إبداء الحكم الشرعي في قضايا الاستنساخ بالنسبة للإنسان (على نحو ما أدت إليه التجارب في مجال الحيوان) مع الدعوة إلى مواصلة دراسة هذه القضايا طبيًّا وشرعيًّا مع جواز تطبيق تكنولوجيا التكاثر على مستوى الكائنات الدقيقة باستخدام خصائص الحامض النووي المعاود للالتحام لإنتاج مواد علاجية وفيرة ".
والآن عاد الموضوع يطرح نفسه بشكل حاد وعاجل، منذ تم استنساخ جنين الإنسان بطريق الاستتئام عام ١٩٩٣ م، ثم في الأشهر الأخيرة حين أعلن عن استنساخ النعجة التي سميت (دولّي) في اسكتلندا في فبراير ١٩٩٧ م بعد تكتم عن الأمر قرابة ثمانية أشهر، وتلا ذلك الإعلان عن استنساخ قردين بطريقة أخرى في جامعة أوريجون. ولما كانت التقانة التي استعملها العلماء للوصول لهذا الإنجاز يفترض أنها وافية بإجراء نفس التجربة على الإنسان، فقد اكتسب الموضوع منحًى عاجلًا أثار ردود فعل قوية.
ورغم أنه لم يعلن عن ممارسته على الإنسان بعد، إلا أن الحاجة إلى استباقه بالتعرف على آثاره المتوقعة ووضع ضوابطه الشرعية والقانونية والأخلاقية , حدت بكثير من الدول الغربية إلى منع التجارب البشرية أو تجميدها سنوات حتى تتم الدراسات المطلوبة.
* لذلك رأت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن تبادر ببحث الموضوع في هذه الندوة.
ب - تعريف الاستنساخ Cloning:
الاستنساخ هو تكوين مخلوقين أو أكثر كل منهما نسخة إرثية من الآخر، وهو نوعان:
الأول: الاستتآم أو شق البييضة، ويبدأ ببييضة مخصبة (بييضة دخلها منوي) ، تنقسم إلى خليتين فتحفز كل منهما إلى البدء من جديد وكأنها الخلية الأم، وتصير كل منهما جنينًا مستقلًا وإن كانا متماثلين لصدورهما عن بييضة واحدة.
الثاني: الاستنساخ العادي الذي لا يعتمد على الخلايا الجنسية وإنما يكون بوضع نواة خلية جسدية داخل غلاف بييضة منزوعة النواة. وتتكاثر الخلية الناتجة إلى جنين هو نسخة إرثية تكاد تكون طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية.
стр. 17505
ج - المناقشات:
ناقشت الندوة الجوانب الطبية لهذا الموضوع مناقشة مستفيضة استجلت من خلالها المرتكزات الرئيسة التي يقوم عليها الاستنساخ من حيث الآتي:
١- استنساخ الجنين البشري عام ١٩٩٣ م عن طريق (الاستتآم) وهو حفز البييضة المخصبة إلى سلوك النهج الذي تتبعه طبيعيًّا لتكوين التوائم المتماثلة؛ بحيث تتصرف كل من الخليتين الناجمتين عن أول انقسام للبييضة وكأنها بييضة جديدة من البداية، تأخذ في سلسلة التكاثر بالانقسام في اتجاه تكوين جنين مستقل، فإن أودع الجنينان الرحم، وضعت السيدة توأمين متطابقين لأنهما نتاج بييضة واحدة. ولم يستكمل البحث نظرًا لتورع العالِمَين المبتكِرَيْن عن زرعهما في الرحم، بل إنهما اختارا خلية معيبة لا تنهض أن تنقسم لتنمو إلا لدور مبكر، وذلك لأن التجارب على الجنين البشري أمر حساس وخطير. ولا بد من مرور وقت حتى توضع له الضوابط الأخلاقية والقانونية.
وترى الندوة أن الطريقة من حيث مبدأ التلقيح سليمة، لكن تقويمها
من ناحية النفع والضرر لا يزال في حوزة المستقبل. ومن منافعها القريبة المنال إمكان تطبيق الوسائل التشخيصية على أحد الجنينين أو خلايا منه، فإن بانت سلامته سمح أن يودع الحمل الرحم، وكذلك التغلب على بعض مشاكل العقم، وينطبق عليها كل الضوابط المتعلقة بطفل الأنابيب.
أما التقنية التي أفضت إلى إنتاج النعجة (دولي) بإيداع نواة خلية جسدية داخل بييضة منزوعة النواة لتشرع في الانقسام متجهة لتكوين جنين، فقد أولتها الندوة بحثًا مستفيضًا، وتوسمت بعض النتائج التي تنجم عن تكوين جنين (ثم وليد) جديد يكون نسخة إرثية (جينية) طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية، فلا يمنع من تمام التماثل إلا وجود عدد ضئيل من الجينات في سيتوبلازم البييضة المستقبِلة.
٢ - ظهر أن تلك القضية تكتنفها محاذير فادحة إن دخلت حيز التطبيق، من أبرزها العدوان على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه من بين طائفة من أشباهه (نسخه) ، وكذلك خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر، والعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني وكما اعتمدتها الشريعة وسائر الأديان أساسًا للعلائق بين الأفراد والعائلات والمجتمع كله، بما في ذلك من انعكاسات على أحكام القرابات والزواج والمواريث والقانون المدني والجنائي وغيرها، وسيقت في هذا الباب فرضيات واحتمالات كثيرة.
وقد استبعدت الندوة من البداية بحث كل ما يقحم على عقد الزواج الشرعي القائم طرفًا غريبًا عنه فإنه حرام بلا ريب.
وقد تطرق بعض السادة الفقهاء بالبحث إلى طائفة من الأحكام العقائدية والأخلاقية والعملية، تكليفية أو وضعية التي تتصل بموضوع الاستنساخ.
стр. 17506
٣ - وقد أخذ في الاعتبار أن الدول الغربية، ومنها التي تجري فيها أبحاث الاستنساخ، قد كان رد الفعل فيها قويًّا على الحذر الشديد، فمنها من منعت أبحاث الاستنساخ البشري، ومنها من حرمتها من معونة ميزانية الدولة، ومنها من جمدتها سنوات حتى تبحثها اللجان المختصة ثم ينظر في أمرها من جديد.
لهذا فإن الندوة تخشى أن يسعى رأس المال الخاص وشركات الأدوية إلى تخطي هذا الحظر بتهيئة الأموال واستمرار الأبحاث في دول العالم الثالث واستغلالها حقلًا للتجارب البشرية كما كان ديدنها في كثير من السوابق.
٤ - أكدت الندوة أن الإسلام لا يضع حَجْرًا ولا قيدًا على حرية البحث العلمي، إذ هو من باب استكناه سنة الله في خلقه وهو من تكاليف الشريعة. ولكن الإسلام يقضي كذلك بألا يترك الباب مفتوحًا بدون ضوابط أمام دخول تطبيقات نتائج البحث العلمي إلى الساحة العامة، بغير أن تمر على مصفاة الشريعة، لتمرر المباح وتحجز الحرام. فلا يسمح بتنفيذ شيء لمجرد أنه قابل للتنفيذ، بل لا بد أن يكون خاليًا من الضرر وغير مخالف للشرع.
ولما كانت بعض المضار لا تظهر قبل مرور وقت طويل، فلابد من عدم التسرع قبل التثبت والتأكد قدر الاستطاعة.
٥ - وتأسيسًا على هذه الاعتبارات التي أجمع عليها الحاضرون، رأى البعض تحريم الاستنساخ البشري جملة وتفصيلًا. بينما رأى آخرون إبقاء فرصةٍ لاستثناءات حاضرة أو مقبلة، إن ثبتت لها فائدة واتسعت لها حدود الشريعة على أن تبحث كل حالة على حدة.
٦ - وفي كافة الأحوال فإن دخول الاستنساخ البشري إلى حيز التطبيق سابق لأوانه بزمن طويل؛ لأن تقدير المصالح والمضار الآنية قد يختلف عليه على المدى البعيد والزمن الطويل. وإن من التجاوز في الوقت الحاضر أن نقول إن تطبيقات الهندسة الوراثية في مجال النبات قد أثبتت سلامتها على الإنسان، رغم ما مر من سنوات. في حين لم تكد تدخل التطبيقات الحيوانية من العتبة بعد. ولعل المجهول هو أكبر الهموم في هذا الباب , ولا ينبغي أن تنسى الإنسانية درسها الكبير بالأمس القريب في مجال انشطار الذرة، إذ ظهر له بعد حين من الأضرار الجسيمة ما لم يكن معلومًا ولا متوقعًا، ولابد أن يستمر رصد نتائج التجارب النباتية والحيوانية لزمن طويل.
٧ - حتى لا يعيش عالمنا الإسلامي عالة وتبعًا للعالم الغربي في ملاحقته لهذه العلوم الحياتية الحديثة؛ أكدت الندوة على أن تكون لدينا المعاهد والمؤسسات العلمية التي تقوم بذلك وفق الضوابط الشرعية.
٨ - لم تر الندوة حرجًا في الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالي النبات والحيوان في حدود الضوابط المعتبرة.
стр. 17507
د - التوصيات:
توصي الندوة بما يلي:
أولًا: تجريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء أكان رحمًا أم بييضة أم حيوانًا أم خلية جسدية للاستنساخ.
ثانيًا: منع الاستنساخ البشري العادي، فإن ظهرت مستقبلًا حالات استثنائية عرضت لبيان حكمها الشرعي من جهة الجواز أو المنع.
ثالثًا: مناشدة الدول شن التشريعات القانونية اللازمة لغلق الأبواب المباشرة، وغير المباشرة، أمام الجهات الأجنبية، والمؤسسات البحثية والخبراء الأجانب؛ للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإسلامية ميدانًا لتجارب الاستنساخ البشري والترويج لها.
رابعًا: متابعة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وغيرها لموضوع الاستنساخ ومستجداته العلمية، وضبط مصطلحاته، وعقد الندوات واللقاءات اللازمة لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة به.
خامسًا: الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة في مجال الأخلاقيات الحياتية لاعتماد بروتوكولات الأبحاث في الدول الإسلامية، وإعداد وثيقة عن حقوق الجنين.
стр. 17508
العدد الحادي عشر
стр. 17509
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
معالي الدكتور عز الدين العراقي
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله أشرف المرسلين وخاتم النبيين.
تنفيذًا لقرار أصدرته القمة الإسلامية الثالثة، عقد المؤتمر التأسيسي لمجمع الفقه الإسلامي في السابع من شهر يونيو ١٩٨٢م، في مكة المكرمة. وكان ذلك المؤتمر مشمولاً برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الذي افتتحه بخطاب ضافٍ أكد فيه أهمية حشد جهود الصفوة من المفكرين المسلمين ومن علماء الدين، لإنجاح فكرة إقامة المجمع التي كانت حلمًا يراود مخيلات العديد من قادة الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي.
وها نحن بعد سبع عشرة سنة من التاريخ، نرى أن المجمع العتيد أضحى محط أمل الأمة وملء سمعها وبصرها. ذلك أننا نجني اليوم – ولله الحمد – ثمرات دانية من ذلك الغرس الطيب، لأن المجمع برهن على أنه مؤسسة إسلامية أكاديمية نشيطة، يلتقي في رحابها فقهاء الأمة وعلماؤها وحكماؤها، ويتعاونون على التعريف بالنظريات الفقهية، والاجتهاد في تطبيق ما غمض من أحكام الشريعة تطبيقًا ينم على تطور وتفتح يقتضيهما العصر، من ناحية، كما ينم على تمسك بالأصالة وارتباط بالعقيدة من ناحية أخرى.
وأهمية الدور الذي يضطلع، أو يجب أن يضطلع به الفقه الإسلامي في مجتمعاتنا الإسلامية الحالية، تتجلى في أنه يمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حياة الأسرة المسلمة والفرد المسلم، كما يمس العلاقات بين تلك المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات.
стр. 17510
وقد لبت الشريعة الإسلامية الغراء حاجات المسلمين على صعيد الفقه، عبر القرون، فأمدتهم بقواعد وأصول تتسم بالمرونة الهادفة إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد. وعمل فقهاء المسلمين على ضبط القواعد الفقهية وجمعها، كما عملوا على تلقينها لأبنائهم. بل إنهم استنبطوا أحكامًا لما كان يصادفهم من مسائل وقضايا، ووضعوا لكل مسألة الحلول التي تلائمها. ولذا فقد وصل إلينا بفضلهم تراث زاخر من المؤلفات الفقهية والبحوث والفتاوى التي تثري حياة الناس.
وإذا كان مجمع الفقه الإسلامي، والحال تلك، لم ينطلق حين شرع في أداء مهمته، من فراغ، فقد كان عليه أن يعمل على إغناء ذلك التراث الزاخر، من ناحية، وأن يسد كل ثغرة أو نقص طارئ ينجم عن ظروف الحياة المتطورة المعاصرة، من ناحية أخرى.
وقد حرصت هذه المؤسسة الفقهية منذ قامت على أن تعمل بأناة وانسجام مع تطور الحياة دون خروج على مبادئ الدين الحنيف. كما أصدرت مؤلفات وصاغت بحوثا ودراسات كي تكون في متناول الدول الأعضاء، للرجوع إليها ولاستيحاء ما يناسب المؤسسات والمجتمعات الإسلامية من القواعد الفقهية، مما يوفر التنسيق والانسجام بينها، ويسهم في تمهيد السبيل أمام تعزيز التضامن الإسلامي ودعم العمل المشترك.
نعم؛ لقد شهد مجمع الفقه الإسلامي، منذ قيامه، حركة علمية ناشطة، كان نتاجها مشروعات علمية نافعة هادفة إلى تقريب الفقه من أبناء هذه الأمة: باحثين ودارسين وفقهاء. ومن تلك المشروعات: الموسوعة الفقهية الاقتصادية – ومعلمة القواعد الفقهية – وتيسير الفقه الإسلامي – إلى جانب ما أصدره المجمع حتى الآن من نفيس الكتب الفقهية التراثية.
стр. 17511
وبعد: فلعل في طليعة الإنجازات التي حققها المجمع، هذه المجلة العلمية الفقهية، التي تتسم بالرصانة والتي حرص المجمع على إصدارها بعيد إنشائه. والمجلة التي أعني هي التي أقدم بكلمتي هذه لعددها الجديد (الحادي عشر) الذي يصدر في أجزاء ثلاثة. وبصدوره تكون مجلدات المجلة قد بلغت حتى الآن ثلاثة وثلاثين. وشأنه شأن ما سبقه من أعداد، فهو ينطوي على جملة من البحوث الإسلامية العلمية التي تتناول مجالات متعددة: شرعية واجتماعية واقتصادية. وعلى أية حال، فهو يتحدث عن نفسه.
ويأتي صدور العدد الجديد والمجمع يعد لعقد دورته المقبلة وهي الثانية عشرة، في الرباط بالمملكة المغربية، بعد بضعة أشهر، وهي الدورة التي كان المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه قد تفضل فأصدر موافقته السامية على عقدها. ومن المعروف أن هذه الدورات تمثل العمود الفقري لعمل المجمع. ويشارك عادة في أعمالها نخبة من خيرة علماء هذه الأمة المتخصصين في الموضوعات التي يتقرر بحثها ومناقشتها.
ولا يفوتني، في هذا المقام، أن أذكر، كي أكون منصفًا، بالتقدير والثناء، الجهود الدائبة التي ما انفك فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، يبذلها بمثابرة وحيوية وجد وتواضع، منذ إنشاء المجمع. وأسأل الله تعالى أن يوفقه ويعينه على مواصلة أداء مهمته على خير وجه.
ولا يفوتني كذلك أن أنوه أصدق تنويه بما يبذله فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع، من اهتمام فائق بشؤون المجمع، حرصًا منه على تقدم هذه المؤسسة وازدهارها فليجازه الله عن ذلك خير الجزاء.
والمجمع، بطبيعة الحال، لن يحقق أهدافه السامية، إلا بدعم الدول الأعضاء، وفي مقدمتها دولة المقر، المملكة العربية السعودية التي لا تدخر جهدًا في مد يد العون لمنظمة المؤتمر الإسلامي: أمانة عامة ومؤسسات ومراكز. فلحكومة خادم الحرمين الشريفين أطيب عبارات الشكر وأجمل العرفان.
والله الموفق. وهو نعم المولى ونعم النصير.
الدكتور عز الدين العراقي
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
стр. 17512
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة مجمع الفقه الإسلامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، محمد وعلى آل وصحبه أجمعين.
وبعد: يسر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن يقدم إلى القراء الكرام هذا الجني الداني للجهود الكبيرة المتواصلة التي يبذلها أعضاؤه وخبراؤه، إمعانًا للنظر في دقائق المسائل والموضوعات المطروحة للبحث والنقاش.
والحق أن هذا المجمع منذ إنشائه اعتمد البحث العلمي والنقاش البناء وسيلة إلى دراسة النوازل والقضايا وحل المعضلات بالاجتهاد فيها اجتهادًا جماعيًّا. وساهم مفكروه وباحثوه في ذلك إسهاما يذكر فيشكر، وشاركوا بأبحاثهم القيمة في الدورات والمؤتمرات والندوات التي يقيمها.
وقد قام المجمع بطبع تلك الأبحاث والدراسات ونشرها على نطاق واسع في أنحاء العالم الإسلامي.
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى اجتهاد علمائنا اجتهادًا جماعيًّا، بضوابطه في ضوء الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح، فإن ما يواجه المسلمين من مشكلات وما يعتري حياتهم من متغيرات يتطلب هذا النوع من الفتاوى من رجال الفقه والاقتصاد والطب والفلك وغيرهم من المفكرين والمتخصصين، الذين يجمعون إلى جانب التخصص الدقيق، إدراكًا لطبيعة مجتمعاتهم، ورغبة صادقة أكيدة في خدمة أمتهم على الوجه الإسلامي المنشود.
ودعمًا لهذا التوجه قامت، مشكورة، حكومة دولة البحرين، ممثلة في وزارة العدل والشؤون الإسلامية، باستضافة المجلس العلمي لمجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الحادي عشر في الفترة من ٢٥ إلى ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤- ١٩ نوفمبر ١٩٩٨م) بمدينة المنامة العاصمة.
وقد افتتح صاحب السعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة، وزير العدل والشؤون الإسلامية هذه الدورة بكلمة ضافية رحب فيها بالمشاركين، منوهًا بدور المجمع ورسالته، وتلقى المؤتمر الكلمة بالثناء والتقدير والشكر الجزيل. وعدها من وثائقه الرسمية.
стр. 17513
ثم واصلت الدورة أعمالها على مدار ستة أيام، عرض فيها أصحاب الفضيلة العلماء والسادة الخبراء عددًا وافرًا من الأبحاث القيمة والدراسات الهادفة، تناولوا فيها أهم عناصر المسائل والقضايا والنوازل والمستجدات المدرجة للبحث والدراسة والنقاش وهي:
١- بيع الدين بالدين وسندات القرض وبدائلها الشرعية.
٢- سبل الاستفادة من النوازل (الفتاوى) ، والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة.
٣- المضاربات في العملة والوسائل المشروعة لتجنب أضرارها الاقتصادية.
٤- عقود الصيانة وتكييفها الشرعي.
٥- الوحدة الإسلامية.
٦- الإسلامية في مواجهة العلمنة.
٧- الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة.
- بالإضافة إلى التوصيات الصادرة عن:
أ - ندوة طهران حول دور المرأة في تنمية المجتمع الإسلامي.
ب - ندوة الكويت حول الهندسة الوراثية والعلاج بالجين والبصمة الوارثية.
وأنتم أيها القراء الكرام. تروننا قد جمعنا لكم نتائج هذه الدورة في المجلدات الثلاثة التي نضعها بين أيديكم ممثلة في العدد الحادي عشر من مجلة مجمع الفقه الإسلامي في ثوبها القشيب، لتبلغ مع أعداد الدورات السابقة ثلاثة وثلاثين مجلدا، نشرناها لإفادة العلماء والطلاب والقضاة والمفتين، وخاصة المسلمين وعامتهم، بما يقوم به هذا المجمع من أنشطة وما يقدمه من دراسات ويصدر عنه من قرارات وتوصيات مجمعية، آملين أن تنمو هذه المجلة، وأن يكون كل عدد منها خيرًا من سابقه، وأن يظل مجالا للفكر النير والبحث الجاد والرأي السديد الذي يبتغي الحق ويعمل لإعلائه.
وسيواصل المجمع، بحول الله وقوته، انتقاء القضايا والموضوعات المعاصرة لاستيعاب أكثر ما يمكن من المسائل المختلفة والمتنوعة والمستجدة التي يحتاج إلى تناولها المسلم، لما لها من صلة بحياته الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
والله ولي التوفيق في جميع الأمور، وهو المستعان وعليه الاتكال في إنجاح وقبول صالح الأعمال. وصلى الله وبارك على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأمين العام للمجمع الدكتور رئيس مجلس المجمع الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة بكر بن عبد الله أبو زيد
стр. 17514
كلمة
حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة
أمير دولة البحرين
ألقاها نيابة عنه معالي وزير العدل والشؤون
الإسلامية
سعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الهدى وخاتم النبيين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصحاب الفضيلة والسعادة.. الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية طيبة نزجيها إليكم جميعًا، وترحيبًا حارًا بأصحاب الفضيلة العلماء والضيوف المشاركين في المؤتمر الحادي عشر لمجمع الفقه الإسلامي الذي يعقد اجتماعه المبارك على أرض البحرين العربية المسلمة التي أيدت الإسلام وناصرته منذ فجر الدعوة، وعملت بشرائعه السمحاء ومبادئه السامية.
وإنها لمناسبة سعيدة أن نلتقي اليوم مع أعلام الفقه ورجالات الفكر الإسلامي وأصحاب النظر والفتوى ومن يمثل المؤسسات العاملة في مجال البحوث الفقهية والدراسات الشرعية، وكل المهتمين بقضايا الدين التي تخص أمور العباد وتنير لهم سبل الخير والرشاد.
وإنه لمن فضل الله على الأمة الإسلامية أن جعل علوم الفقه من أفضل العلوم وأعلاها قدرًا، وأجلها وأكثرها بركة. فمن خلال هذه العلوم تعرف الأحكام، وقواعد المعاملة الحسنة بين الناس فتكون العبادة لله على علم، والتقرب إليه على بصيرة، وبذلك يطمئن قلب المسلم ويعيش في سلام مع نفسه ومع غيره، فتسود الألفة والمحبة بين الناس.
стр. 17515
أصحاب الفضيلة:
ينعقد مؤتمركم اليوم وعالمنا الإسلامي يمر بظروف دقيقة تستدعي وحدة دوله وشعوبه، وتضافر جهود علمائه الأجلاء لمواجهة ما يحيكه له أعداء الإسلام من مؤامرات ودسائس بقصد الإساءة إلى تعاليمه السامية وإشاعة الفرقة والانقسام بين المؤمنين برسالة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام.
إن ديننا الإسلام الحنيف ليدعونا إلى توحيد الأمة الإسلامية ووحدة كلمتها والتركيز على جوهر العقيدة ومواطن الاتفاق والأخذ بأولويات الدعوة، وإن أكثر ما ينهانا عنه هو أن تشتد ضراوة بعضنا على بعض، وأن يقسو بأسنا فيما بيننا إذا ما اختلفنا في رأي أو إفتاء فتعلو بذلك صيحات التكفير، والتجهيل، والقذف بالبدع والضلال؛ فتعم بذلك بذور الفتنة والعداوة بين المسلمين لا سمح الله.
أصحاب الفضيلة:
إن حرصكم الشديد على حضور هذا المؤتمر والمشاركة في أعماله على الرغم من الأبعاد الجغرافية التي تفصل بين دول عالمنا الإسلامي ليدل على أن عملنا الإسلامي المشترك يسير - وبحمد الله - إلى الأمام، ونحو التضامن الإسلامي المنشود إن شاء الله. وإن أي عمل تنجزونه وفي أي من الميادين التي كرستم جهودكم لخدمتها ما هو إلا خطوة نحو المزيد من التقارب والتآخي بين الأشقاء.
إننا وبعون الله متفقون على أن السبيل لبناء وحدة عالمنا الإسلامي هو نبذ الخلافات بين المسلمين وتصفيتها بروح الأخوة الإسلامية عملا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
كما وأن من مقومات قوتنا تعاوننا على حل ما نواجهه جميعا من مشكلات أو اختلاف في الرأي بروح إسلامية تقوم على الشريعة السمحاء المتجاوبة مع احتياجات العصر الذي نعيشه.
إنني أحمد الله الذي أسعدني بمشاركتكم هذا اللقاء، وأدعوه أن يجمعنا على الخير والمحبة دائما، وأن يسدد على طريق الخير خطاكم ويوفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17516
كلمة معالي
الدكتور عز الدين العراقي
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
في افتتاح
الدورة الحادية عشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي
بالمنامة – دولة البحرين –
ألقاها نيابة عنه سعادة السفير
محمد صالح الزعيمي
مدير ديوان معالي الأمين العام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
سعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة،
وزير العدل والشؤون الإسلامية؛
أصحاب المعالي والسعادة؛
أصحاب السماحة والفضيلة؛
أيها الجمع الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنه لمن دواعي الشرف والغبطة أن تنعقد الدورة الحادية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي بهذا البلد المضياف تحت الرعاية السامية والكريمة لصاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين، حفظه الله، وكم كنت أتمنى أن أتشرف بمشاركتكم افتتاح هذا المؤتمر غير أن مهمات أخرى حالت دون ذلك، وأغتنم هذه الفرصة لأعرب لصاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة عن خالص التهاني بمناسبة بشرى نتائج الفحوصات الطبية المطمئنة متمنيًا لسموه من الله تعالى موفور الصحة وتمام العافية.
أيها الإخوة الأفاضل:
ينعقد اليوم هذا المؤتمر بعد انقضاء خمس عشرة سنة على قيام هذا الصرح الفقهي العتيد في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، تنفيذًا لإدارة قادة الدول الإسلامية في قمتهم الثالثة بمكة المكرمة، ليتخطى خدمة الشريعة الإسلامية وحدود الجهود الفردية والإقليمية، وينتقل إلى العمل الجماعي المنظم مع ما يضطلع به من بحوث ودراسات جادة في سبيل تعريف المسلمين بدينهم وأحكام شريعتهم وإيجاد الحلول الفقهية للعديد من مشاكلهم.
وإنني لسعيد حقًّا، بأن هذه المؤسسة أصبحت اليوم ملتقى صفوة فقهاء الأمة وعلمائها ومفكريها.
وأنتهز مناسبة انعقاد المؤتمر، لأتوجه بكلمتي هذه إلى السادة العلماء قائلا: إنه يقع على أكتافكم إعداد مجتمعاتنا الإسلامية على أسس سليمة، من الاعتزاز بالقيم، وترجمة الفضائل إلى سلوك، وتوجيه هذه المجتمعات إلى كيفية التعايش مع الحاضر، وطريقة التعامل مع تحديات المستقبل، وفي سبيل ذلك كله، تقع على عاتقكم واجبات كثيرة؛ لعل أهمها، الدراسة والبحث عن كافة جوانب الحياة في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية الشاملة.
فمهمتكم إذًا تكمن في الأخذ بأيدي مجتمعاتنا، ترشدونها، وتصونون مسيرتها، وتوجهونها الوجهة السليمة، لتمكينها من القدرة على التعامل والتفاعل مع التحديات الكبيرة التي يفرضها التطور في ظل نظام العولمة، الذي نقل إلينا، مفاهيم وسلوكيات بعيدة كل البعد عن تراثنا الثقافي والحضاري.
стр. 17517
أيها الأخوة:
إن جدول أعمال هذه الدورة يزخر بالقضايا التي تمس نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المسلمون، بدءًا بالوحدة الإسلامية، والعلمنة، والحداثة، ودور المرأة في تنمية المجتمع الإسلامي، مرورًا ببيع الدين، والنوازل، والمضاربات وعقود الصيانة، وهي مواضيع تمثل جوهر اهتمامات المسلمين في مشارف القرن الواحد والعشرين. إننا نضع ثقتنا وتفاؤلنا في هذا المؤتمر ونتوقع منه أن يخلص إلى عدد من القرارات والفتاوى السديدة.
إن مجمع الفقه الإسلامي، رغم ما يعترضه من صعوبات مالية، استطاع أن يواصل مسيرته والقيام ببعض المهام المنوطة به ممثلة في أنشطة عدة تشمل مؤتمرات مجلسه السنوية، ومشروعاته العلمية، وندواته المتخصصة، ومشاركته في اجتماعات وندوات مختلفة، وإصداراته؛ كما أن قاعدته في اتساع مستمر إذ انضمت أربع دول جديدة إلى عضوية مجلسه.
ولا يسعني في هذا المقام إلا الإشادة بالدعم الثابت الذي تلقاه منظمة المؤتمر الإسلامي ومؤسساتها وخاصة مجمع الفقه الإسلامي من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية الذي ما فتئ يولي المجمع رعاية خاصة منذ تأسيسه. وبهذه المناسبة أناشد الدول الأعضاء بمعاونة هذه المؤسسة الهامة لتتمكن من أداء دورها كاملا، وذلك بتسديد مساهماتها المالية نحوها وتقديم مزيد من الدعم إليها.
صاحب السعادة؛
أصحاب المعالي؛
أصحاب السماحة والفضيلة؛
أيها الجمع الكريم:
اسمحوا لي في ختام هذه الكلمة أن أرفع إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أجمل عبارات التقدير والامتنان على استضافة دولة البحرين لمجمع الفقه الإسلامي في دورته العلمية الحادية عشرة، وهو أكبر دليل على ما يوليه – حفظه الله – من عناية بالفقه والفقهاء والعلم الإسلامي. فجزاه الله خير الجزاء وأحسنه، ووفقه في نضاله من أجل نهضة دولة البحرين وشعبها الكريم.
واسمحوا لي أيضا أن أثني على الجهود الموفقة التي يبذلها فضيلة الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع، وأن أنوه بالدور البارز الذي يضطلع به فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع في إدارة هذه المؤسسة وتنظيم أعمالها وترتيب ندواتها والإعداد لمؤتمراتها، مشيدًا بجهود الأعضاء والخبراء والمفكرين والعاملين، سائلا الله أن يوفق الجميع لما فيه خير هذه الأمة لتعود كما كانت قوية عزيزة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17518
كلمة الدكتور
عبد الله بن صالح العبيد
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
في افتتاح
الدورة الحادية عشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي
بالمنامة – دولة البحرين -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا
محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
صاحب السعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة
وزير العدل والشؤون الإسلامية.
أصحاب الفضيلة رئيس وأمين المجمع الفقهي الإسلامي الدولي.
أصحاب السمو والفضيلة والمعالي والسعادة. . أيها الحفل الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
باسم رابطة العالم الإسلامي أشارككم هذا اللقاء، وأسأل الله أن يكلل أعمال هذه الدورة لمجمع الفقه الإسلامي بالتوفيق والنجاح، وأن تضيف إلى سجله الحافل بالمنجزات الكثيرة من النتائج والإنجازات.
لقد أنجز هذا المجمع بحمد الله ثم بجهود العاملين فيه من أعضاء وخبراء وخلال الثمانية عشر عاما من عمره المديد بإذن الله، أنجز الكثير على مستوى الدراسات والأبحاث واتخاذ القرارات والتوصيات التي من شأنها المساعدة على تطبيق الشريعة، وتحقيق وحدة الأمة، وبعث على الكثير من الآمال لدى الشعوب الإسلامية بالعمل على التطبيق على مستوى الدول والمؤسسات والهيئات. وإن رابطة العالم الإسلامي لتشيد في هذا المكان، وفي كل مكان بجهود الدول التي تسعى لتطبيق شرع الله، وتحكيم كتابه، والعمل على نهج نبيه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
ولا شك أن من دلائل الرشاد لهذه الأمة أن يجتمع علماؤها في مثل هذا الاجتماع لبيان الحق والإرشاد إليه، ونسأله سبحانه أن يمن بالتوفيق على قياداتها وأمرائها للأخذ بذلك والسعي إليه. ذلك أن اجتماع العلماء والقادة على كلمة الحق بيانًا وتحقيقًا، غاية تسعى الشريعة المطهرة لتحقيقها ووسيلة لتحقيق أهدافها وغاياتها.
стр. 17519
وهو أنموذج عملي يتمثل فيه بناء الإنسان والمجتمع الصالح حيث يتكامل الإيمان والعمل والالتزام وحسن التعامل في حق كل من الفرد والمجتمع على السواء، كما بين ذلك ربنا في سورة العصر بقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ﴾ وما أحوجنا في هذا العصر الذي أصبح التفكك من أوضح سماته، وهذا المكان حيث الخليج الذي أصبح لا يذكر إلا ويذكر الصراع بين دوله وجيرانه، وهذا الإنسان الذي تتجاذبه الصراعات وتزرع الفرقة بين قادته وعلمائه وسائر أبنائه.
ما أحوجنا في هذا الخضم من الفتن والمشكلات إلى الألفة والوحدة وجمع الشمل.
ولقد أدرك هذا المجمع المبارك هذه الحاجة، كما أدركتها مشكورة دولة البحرين بقيادة الأمير الجليل صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة – حفظه الله – وصاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى نائب سموه. فكان تركيز هذه الدورة على الكثير من الموضوعات التي تتعلق بحفظ كيان الأمة الإسلامية من حيث الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية، ومنهجية المقارنة بين المذاهب الفقهية ودراسة ما استجد في مجتمعاتها من تيارات العلمنة والحداثة في قضاياه من النوازل والمعاملات.
ونأمل مرة أخرى أن يلقى ما يلتقي عليه العلماء والخبراء في هذه المسائل والقضايا مواقع التنفيذ والتطبيق لدى المسؤولين من القادة والأمراء، ولاستجابة القادة من أفراد الأمة جمعاء.
وختاما؛ أشكر لدولة البحرين أميرًا وحكومة وشعبًا حسن الاستضافة لهذا الجمع الكبير من علماء الأمة، كما أشكر للمجمع حسن متابعته لما يتعرض له الأمر من مشكلات، وما يستجد لديها من مسائل وقضايا نتيجة للمعطيات الجديدة والمتغيرات الكثيرة، فلفضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس المجمع، ولفضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع، ولأصحاب الفضيلة الأعضاء والخبراء كل الشكر والتقدير على جهودكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17520
كلمة معالي الدكتور
بكر بن عبد الله أبو زيد
رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله لا يستحق الحمد أحد سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ونسأل الله الصلاة والسلام على عبده، ومصطفاه محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى من اهتدى بهداه.
أما بعد:
فعلى أرض الجزيرة العربية منبت العراري والخزامي، ومهب الصباء ومسرى النعام. وعلى ذروة سنامها بلد الله الحرام إذ جعل الله الكعبة البيت الحرام والمشاعر المشهودة والمآثر المأثورة؛ على هذه الأرض المباركة، هبت ريح الرسالة الخالدة ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين، عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأتم التسليم، فبان دين الله واكتمل وظهر في المشارق والمغارب وانتشر وأظهره الله على سائر الملل والنحل، وصدق الله إذ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ويقول عز شأنه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله أن جعلنا من أهل الإسلام، فاللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك وأنت راض عنا.
واليوم ونحن على ثغر من ثغور جزيرة العرب على أرض دولة البحرين، ينعقد المؤتمر الحادي عشر لمجمع الفقه الإسلامي الدولي بضيافة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين نصر الله به الحق وأهله، آمين.
تنعقد هذه الدورة مفتتحة بحضرة سموه الكريم نيابة صاحب المعالي وزير العدل والشؤون الإسلامية عبد الله بن خالد آل خليفة، وفقه الله وسدد خطاه.
صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة وزير العدل والشؤون الإسلامية بدولة البحرين.
صاحب المعالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ عبد الله بن صالح العبيد.
صاحب المعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة.
أيها العلماء الأجلاء.
أيها الجمع الكريم:
من عجائب المقدور أن يجتمع في هذه الدورة الحادية عشرة ثلاثة موضوعات مرتبطة ارتباط الروح بالهيكل كأنما بنيت على موضوعي النفي والإثبات في كلمة التوحيد، إثبات الوحدة الإسلامية ونفي العصرنة والعلمنة وأساليب الحداثة التي غزت الأمة الإسلامية.
وإنه على التحقيق، فإن الوحدة الإسلامية تنبني على تحقيق العبودية الخالصة لله – – اعتقادا وقولا وعملا مؤسسة على الإخلاص وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ، منتجة عامل الولاء والبراء، الولاء لمن والى الله ورسوله، والبراء ممن تبرأ الله منه ورسوله ﷺ ، ومنتجه الحب والبغض في الله، فإنه أساس الملة وقوام هذا الدين.
стр. 17521
وإن من أعظم أنواع العبودية التي تعبَّد الله بها المسلمين هو تحكيم الشرع المطهر في جميع مساريب الحياة ومجالاتها من الأفراد والجماعات والولاة والعلماء، وسائر من انتسب إلى هذا الدين. إنِ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ويقول الله – – في أول أمر في التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] ، ويقول سبحانه في فاتحة سور القرآن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، ويقول عز شأنه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] ، ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ١٨- ٢٠] وقول ربنا جل علا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] .
لهذا فيجب على من بسط الله يده على أي من بلاد المسلمين أن يعلن تحكيم شريعة الإسلام في جميع مجالات الحياة، وأن يطرد هذه القوانين الوافدة التي تخالف شريعة الله، وأن يُحَكِّمَ في الناس كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة؛
أصحاب المعالي؛
أيها العلماء الإجلاء:
وأصالة عني ونيابة عن هذا المجمع ورجاله ومنسوبيه نبدي خالص شكرنا وتقديرنا لصاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، الذي تفضل باستضافة هذا المجمع؛ وما هذا على خلقه الكريم بكثير. نسأل الله سبحانه أن يرده معافى، شفاه الله وعافاه ونصر به الحق وأهله. آمين.
وإنني أبدي خالص الشكر والتقدير لرجال هذه الحكومة المباركة وعلى رأسهم ولي العهد نصر الله به الحق وأيده وسمو رئيس الوزراء وفقه الله وسدد خطاه، وصاحب المعالي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة، وسائر العاملين على حسن استضافتهم لهذا المجمع، كما أبدي خالص الشكر والتقدير لمعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي في إدارته الدقيقة على مدار العام لهذا المجمع مما أدى إلى حسن العطاء. وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17522
كلمة معالي الدكتور
محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة
في افتتاح
الدورة الحادية عشرة
لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه.
حضرة صاحب السعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة،
وزير العدل والشؤون الإسلامية؛
سعادة السفير صالح الزعيمي،
مندوب الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي؛
سعادة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد،
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي،
حضرة صاحب الفضيلة الدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد،
رئيس المجلس العلمي للمجمع؛
حضرات أصحاب السعادة والفضيلة؛
أيها الملأ الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ههنا في البحرين (لؤلؤ الخليج) وبهذه المدينة الساحرة الجميلة (المنامة) عاصمة الدولة التي تزخر حيوية ونشاطا وجدا وعملا، وتتجلى فيها النهضة الجديدة العصرية في مختلف المجالات، وعلى مقربة من المركز الأحمدي الإسلامي، ومن بيت القرآن، نقيم اليوم بفضل الله وحسن عونه المؤتمر الحادي عشر لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، شاكرين لحضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير البلاد حفظه الله وسلمه، وأسبل عليه رداء الصحة والعافية وأطال عمره – رعايته السامية لمؤتمرنا، واستضافته الكريمة له، بهذه الأرض الطيبة المعطاء بلاد البحرين.
стр. 17523
ولا أنسى في هذا المقام أن أنوه بالجهود الكبيرة المتنوعة التي قدمتها حكومته الرشيدة، وبخاصة رئيس الوزراء حضرة صاحب السمو الشيخ خليفة ابن سلمان آل خليفة الموقر، وولي العهد الأمين صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ووزير العدل والشؤون الإسلامية سعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة الموقر. فقد وجدنا من المسؤولين ومساعديهم التعاون الكامل والدعم الفائق لمسيرتنا العلمية، وإنا إذ نحييهم جميعا، وندعو الله تعالى أن يجزيهم عنا خير الجزاء، لا ننسى للأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي معالي الدكتور عز الدين العراقي ومساعديه حسن رعايتهم للمجمع وعنايتهم الكاملة بنشاطاته وتقدير الأمين العام للمنظمة لأعمال المجمع، ودعمه له بما يقدمه إليه من اقتراحات وتوجيهات صائبة.
وقد تناول المجمع في دوراته العشرة الماضية جملة قضايا: منها اثنتان عقيديتان، وأربع أصولية، وإحدى عشرة شرعية، وثماني عشرة شرعية طبية، وسبع وثلاثون اقتصادية فقهية، وأربع اجتماعية، وأجوبة عن ستة وعشرين استفسارا وردت إلينا من المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن. وجملة ما قدم فيها تسعون وأربعمائة بحث. وكان بحث كل موضوع من هذه الموضوعات يخضع لتحليل المشكل، أو الجانب الخصوصي منه، تمهيدا لكمال تصوره، ثم تكييفه الشرعي، والنظر فيه من الناحية الشرعية الفقهية للبت فيه باتخاذ القرار المجمعي المناسب. وقرارات المجمع: إما كاشفة عن الحكم الشرعي وتتمثل في خمسة وستين موضوعات متلوه بقراراتها، وإما مؤجلة لمزيد من النظر في الموضوع باستكتابات جديدة، أو بعقد ندوات تخصصية فيها وهي اثنا عشر موضوعا.
وعقد المجمع أيضا من سنتين خلتا جلسات دورية شهرية لبحث جملة من القضايا الاقتصادية في فقه المعاملات، اقترحتها لجنة الموسوعة الفقهية الاقتصادية. وهي خمسون موضوعا. ضبطت محاور أكثرها، واستكتب فيها باحثون، ووصلتنا حتى الآن خمس دارسات نعد بإذن الله لنشرها.
وبجانب ذلك تولى المجمع بالتعاون مع مؤسسة سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الخيرية – الإشراف على القيام بمشروع (مَعْلَمَة القواعد الفقهية) الذي أنجز النظر فيه من قبل أحد عشر أستاذا تناولوا بالدرس – لاستخراج القواعد والمقاصد – أربعة وعشرين مصدرا هي: إيضاح المسالك للونشريسي، والمقدمات الممهدات، والفتاوى، والبيان والتحصيل لابن رشد الجد، والأم للإمام الشافعي، والمبسوط للسرخسي، والبحر الرائق، والأشباه والنظائر، والرسائل لابن نجيم، وشرح الحموي للأشباه، والمغني لابن قدامة، والفروق للقرافي، والقواعد للمقري، وقواعد الأحكام الشرعية لـ محمد بن أحمد المالكي، والموافقات، والاعتصام للشاطبي، وبدائع الصنائع للكاساني، وأحكام القرآن لابن العربي، وإعلام الموقعين لابن القيم، وإحياء علوم الدين للغزالي، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، وعلل الشرائع للشيخ الصدوق ابن بابويه القمي.
ونحن في انتظار بقية البحوث المتصلة باستخراج القواعد العامة الفقهية والأصولية والمقاصد الشرعية من جملة أمهات الكتب الفقهية، حيث لم يصلنا بعد عدد كبير من الدراسات التي تشمل ستة وعشرين كتابا وزعت على سبعة باحثين.
ووقع، بالإضافة إلى ذلك، استكتاب ثلة أخرى تتكون من سبعة فقهاء أيضا، تقوم بالنظر في تسعة عشر مصنفا من أمهات الكتب الفقهية.
وهكذا تكون جملة الكتب التي اعتمدناها لاستخراج القواعد العامة الفقهية والأصولية والمقاصد الشرعية تسعة وستين كتابا موزعة على أربعة وعشرين عالما من رجال الاختصاص.
وكذلك تولى مجمع آل البيت بمدينة قم (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) ، مشكورا، الإعداد لتخريج القواعد الكلية والمقاصد الشرعية من كتب الفقه والأصول المعتمدة لدى الشيعة الإمامية.
ولعلنا بهذا العمل المجيد، إذا وفقنا فيه، يمكننا أن نضع أقدامنا على الطريق التي أشار إليها الدكتور السنهوري باشا عند مقارنته بين التشريع الإسلامي والتشاريع الغربية حين قال: (الفقه الإسلامي فقه محض لا تقل عراقته في ذلك عن عراقة القانون الروماني، وهو لا يقل عنه في دقة المنطق، وفي متانة الصياغة، وفي القابلية للتطور وهو مثل صالح لأن يكون قانونا عالميا، بل كان بالفعل قانونا عالميا ... وإذا أحييت دراسته، وانفتح فيه باب الاجتهاد قمين بأن ينبت قانونا حديثا لا يقل في الجدة ومسايرة العصر عن القوانين اللاتينية والجرمانية) .
стр. 17524
كما أصدر المجمع خلال هذه الفترة عددا من المنشورات منها كتب تراثية مثل: (عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة) لابن شاس في الفقه المالكي في ثلاثة مجلدات من الحجم الكبير على نفقة خادم الحرمين الشريفين، أجزل الله مثوبته، و (بلغة الساغب وبغية الراغب) للعلامة فخر الدين ابن تيمية في الفقه الحنبلي. ومن التآليف الفقهية والأصولية: (المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل) , (وتخريجات الأصحاب) تأليف العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، و (قواعد الفقه الإسلامي) من خلال كتاب (الإشراف على مسائل الخلاف) للقاضي عبد الوهاب تأليف الأستاذ الدكتور محمد الروكي، وبطاقات الإقراض والسحب المباشر من الرصيد تأليف الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان. وستصدر، بإذن الله، قريبا جملة من المنشورات العلمية الأخرى مثل كتاب (صلة الناسك في صفة المناسك) لابن الصلاح تحقيق مدير الدراسات والبحوث بالمجمع، وكتاب (مقاصد الشريعة الإسلامية) للمرحوم العلامة شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور، وتقديم وتحقيق وتعليق الأمين العام للمجمع.
هذا وقد صدرت عن المجمع مجلته العلمية السنوية في تسعة أعداد وهي تتألف من سبعة وعشرين مجلدا. وقيد الطبع الآن العدد العاشر منها في ثلاثة مجلدات. كما صدرت عنه (قرارات المجمع وتوصياته) في طبعتين؛ الأولى حتى الدورة الخامسة، والثانية من الدورة الأولى حتى الدورة العاشرة. وهي بعدد من اللغات: العربية والفارسية والتركية والأردية والإنكليزية والفرنسية.
أما الندوات التي عقدها المجمع حتى اليوم فهي:
١- ندوة سندات المقارضة: عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية بجدة.
٢- الندوة الطبية الفقهية: عقدت بين المجمع والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت.
٣- الندوة الأولى للأسواق المالية: عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية باستضافة وزارة الأوقاف المغربية.
٤- ندوة الإجابة عن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية: عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية بجدة.
٥- ندوة استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية: عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية بجدة.
٦- الندوة الثانية للأسواق المالية: عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية باستضافة بنك البحرين الإسلامي بالمنامة.
٧- الحلقة الدراسية للنظر في توصيات ندوة البحرين: عقدت بمقر الأمانة العامة للمجمع بجدة وشارك فيها ثلة من الفقهاء والاقتصاديين.
٨- ٩ – ١٠ – ثلاث ندوات فقهية اقتصادية بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة.
١١- ندوة عن (الجوانب الفقهية لمرضى الإيدز) بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت.
١٢- ندوة عن (حقوق الطفل في الإسلام) بالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة.
١٣- الندوة الفقهية الاقتصادية حول قضايا العملة: وهي ذات ثلاث حلقات. تم عقد الحلقتين الأوليين بجدة، وكوالالمبور، وستعقد في الأيام القريبة، بإذن الله، الحلقة الثالثة بالمنامة.
١٤- ندوة حقوق الإنسان بجدة.
١٥- الندوة الفقهية الطبية حول (رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحية) : انعقدت في مدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربية، وتحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، نصره الله، وبمشاركة مؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العلمية والطبية عن رمضان، والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) ، ومجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية.
١٦- الندوة الفقهية الطبية حول (الهندسة الوراثية والعلاج الجيني والبصمة الوراثية من منظور إسلامي) .
وتتسم أعمال المجمع، في كل هذا، برصانة البحث، والتأني في اتخاذ القرار والسير على المنهج العلمي الأصولي في بحوثه ودراساته، معتمدا في الأكثر الأحوط من الاتجاهات والآراء، وآخذا بما هو الأيسر والأوفق بمصالح الناس في أخرى ولكل من المسلكين مجاله وموضوعاته.
стр. 17525
والمعتمد في ذلك كله ما قدمه ويقدمه، في كل دورة، السادة أعضاء المجمع، من منتدبين ومعينين ومراسلين، من جواهر العلم ونفائسه مما نزداد به عمقا في بحوثنا ودراساتنا. وإني لأراهم في أمرهم واجتهاداتهم على نحو ما وصف به محمد بن الحسن الشيباني العالم في قوله: هو من كان عالما بالكتاب والسنة، وبقول أصحاب رسول الله ﷺ ، وبما استحسن فقهاء المسلمين فهذا من يسعه أن يجتهد رأيه فيما ابتلي به، ويقضي به، ويمضي في صلاته وصيامه وحجه بجميع ما أمر به ونهي عنه. فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه ولم يأل، وسعه العمل بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول فيه.
ويوضح هذا ما قاله أبو عمر بن عبد البر: إن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وإنه لا يجتهد إلا عالم بها. ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولًا في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل. وهذا لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا، فتدبره.
ولا يفوتني في ختام هذه الكلمة أن أجدد الشكر والامتنان لحضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد – حفظه الله – ولأعضائه الميامين، وأنوه مع فائق التقدير بما يبذله رئيس مجلسنا العلمي العلامة الفقيه الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، كما ألتفت إلى السادة أعضاء المجلس العلمي بالمجمع فأحييهم أكمل تحية، وأرحب بهم أصدق ترحيب، وأشكرهم على ما تجشموه من مشاق السفر حتى التحقوا بنا، وسعدنا بلقائهم بهذا البلد الميمون.
حضرات أصحاب الفضيلة الفقهاء؛
حضرات السادة العلماء؛
زادكم الله علما وتثبيتا، وسدد خطانا وخطاكم على طريق الحق، حتى يستعيد المسلمون منهج الإسلام في سلوكهم، وهدي الرسول في معاملاتهم، والالتزام بشريعة الله في أحكامهم.
فأنتم- إن شاء الله- التالون لكتابه، المتدبرون لآياته الملتزمون بأحكامه، وأنتم المتمسكون بسنة نبيكم، وهي الحكمة، تنير لكم المسالك وتهديكم سبل الرشاد، وأنتم المطلعون على الآثار وعلى ما قاله العلماء والأئمة المجتهدون، تستعينون بكل ذلك حين تسألون أو تستفتون، لا تصدرون إلا عما فيه لكم مستمسك وبه اقتناع.
والله المنعم الكريم يلهمنا السداد ويقينا الزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 17526
بيع الدين والأوراق المالية
وبدائلها الشرعية
إعداد
القاضي محمد تقي العثماني
قاضي القسم الشرعي للمحكمة العليا
بباكستان
ونائب رئيس دار العلوم بكراتشي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وإمام المتقين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، على كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد أصبح بيع الدين وتداوله ظاهرة فاشية في الأسواق المالية في النظام الرأسمالي في صورة حسم الكمبيالة، وإجراء المزايدات في سندات الخزينة، وتداول شهادات الاستثمار وسندات الديون وسائر الأوراق المالية، وترجع جميع هذه العمليات إلى بيع الدين بأنقص من قيمته الاسمية تارة، وبأزيد من قيمته الاسمية أخرى، وقد ادعى بعض المعاصرين جواز بيع الدين وجواز هذه العمليات على ذلك الأساس، استنادًا بتفسير خاطئ لما حكي عن المالكية وبعض الشافعية من جواز بيع الدين. فسمت الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي لبيع الدين بجميع صوره وأنواعه، وتحرير مذاهب الفقهاء في هذا الموضوع. وإن هذا البحث المتواضع يهدف إلى إنجاز هذه الحاجة، وأسأل الله أن يوفقني لما هو الحق والصواب، ويعصمني عن الزلل والخطأ والضلال. إنه تعالى سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 17527
الصور المختلفة لبيع الدين
وإن بيع الدين له صور مختلفة تكلم عنها الفقهاء، وهي:
١- بيع الدين بالدين في ذمة مشتريه.
٢- بيع الدين بالدين في ذمة طرف ثالث.
وهذان القسمان قد يعبر عنهما ببيع الكالئ بالكالئ.
٣ - بيع الدين من المديون بالعروض.
٤- بيع الدين من المديون بالنقد.
وهذان القسمان يعبر عنهما ببيع الدين ممن عليه الدين.
٥- بيع الدين من غير المديون بالعروض.
٦- بيع الدين من غير المديون بالنقد.
وهذان القسمان يعبر عنهما ببيع الدين من غير من عليه الدين. فلنتكلم على كل واحدة من هذه الأقسام على حدة.
١ - بيع الكالئ بالكالئ:
أما بيع الدين بالدين الذي يسمى بيع الكالئ بالكالئ، فيمكن أن يعقد منع المديون نفسه، أو مع طرف ثالث. مثال الأول، أن يقول شخص لآخر: اشتريت منك طنًا من القمح بألفي روبية على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلًا. فالطن الواحد من القمح دين في ذمة البائع، وألفا روبية دين في ذمة المشتري، ووقع بيع أحد الدينين بالدين الآخر. ومثل أن يبيع زيد طنًا من القمح سلمًا، فإذا حل الأجل عجز عن تسليم القمح على المشتري، فيقول له: بعني هذا القمح الذي هو في ذمتي بثلاثة آلاف روبية أؤديها إليك بعد شهر. فالقمح الذي كان دينًا في ذمة البائع اشتراه البائع بنقد في ذمته.
وقد اتفق جمهور الفقهاء على كون هذا البيع ممنوعًا شرعًا، واستندوا في ذلك على الحديث المعروف: ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) (١) .
стр. 17528
واعترض عليه بأن هذا الحديث ضعيف من حيث إن جميع طرقه ضعيفة. فإنه مروي عن عبد الله بن عمر ورافع بن خديج، ﵄، ومدار كلا الحديثين على موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف عند جمهور المحدثين، وذكر الإمام أحمد بن حنبل أنه لا تحل الرواية عنه، فقيل له: إن شعبة روى عنه، فقال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه (١) وليتنبه أن الحاكم والدارقطني رويا هذا الحديث من طريق موسى بن عقبة، بدلاً من موسى بن عبيدة، ولذلك صححه الحاكم على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي بشيء (٢) ، ولكن حقق الإمام البيهقي، ﵀، في سننه أنه وهم وأن الصحيح أن راويه موسى بن عبيدة، وليس موسى بن عقبة (٣) ؛ وذكر الحافظ ابن حجر، ﵀، أن الدارقطني نفسه اعترف في العلل أن موسى بن عبيدة تفرد به (٤) ، فتبين أن ما ذكره الدارقطني في سننه من اسم موسى بن عقبة فإنه وهم.
وبالرغم من ضعف هذا الإسناد، فإنه قد يتأيد بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه؛ قال: أخبرنا الأسلمي، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ ـ وهو بيع الدين بالدين ـ وعن بيع المجر ـ وهو بيع ما في بطون الإبل ـ (كذا) وعن الشغار)) ، وليس فيه موسى بن عبيدة، بل هو مروي من طريق الأسلمي، وهو إبراهيم ابن أبي يحيى الأسلمي (٥) والكلام فيه معروف، فقد تركه أكثر المحدثين، ولكن أكثر عنه الإمام الشافعي، وقال فيه: " لأن يخر من السماء – أو قال من بعد – أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث ". وكذلك وثقه ابن عقدة، وابن الأصبهاني وابن عدي وإن كان أكثر المحدثين تركوه لبدعته، والجرح مقدم كما قال فيه الذهبي (٦) ، ولكن يحتمل أن يصلح للمتابعة على أساس توثيق الإمام الشافعي وغيره، والله أعلم.
стр. 17529
ثم إن جمهور علماء الأمة عملوا بمضمون هذا الحديث وحرموا بيع الدين بالدين، وقد ذكر غير واحد من المحدثين أن ما تلقاه أهل العلم بالقبول ينجبر به ضعف إسناده. قال السيوطي رحمه الله تعالى، وهو يبحث عن تعريف الحديث الصحيح:
" وكذا ما اعتضد بتلقي العلماء له بالقبول. قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح. قال ابن عبد البر في الاستذكار: لما حكي عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر ((هو الطهور ماؤه)) وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده: لكن الحديث عندي صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول، وقال في التمهيد: روي عن جابر عن النبي ﷺ : ((الدينار أربعة وعشرون قيراطًا)) . قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غني عن الإسناد فيه (١) .
وقال ابن الهمام رحمه الله تعالى:
" ومما يصحح الحديث أيضًا عمل العلماء على وفقه. وقال الترمذي عقيب روايته: "حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم. . . إلخ"، وفي الدارقطني: قال القاسم وسالم: عمل به المسلمون. وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده" (٢) .
وقال السخاوي رحمه الله تعالى:
"وكذا إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح. . . ولهذا قال الشافعي، ﵀، في حديث ((لا وصية لوارث)) : إنه لا يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية " (٣) .
وقال السيوطي، ﵀، وهو يتكلم في حديث ابن عباس: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر)) :
الحديث أخرجه الترمذي، وقال: حسن: ضعفه أحمد وغيره، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم " فأشار بذلك أن الحديث اعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به، وإن لم يكن له إسناد يعتمد على مثله" (٤) .
وعلى كل، فقد اتفق جمهور الفقهاء على تحريم بيع الكالئ بالكالئ، وفسره أكثرهم ببيع الدين بالدين، حتى حكى بعضهم الإجماع على كونه ممنوعًا، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، أنه قال: " ليس في هذا حديث يصح، لكن الإجماع على أنه لا يجوز بيع دين بدين " (٥) والحق أن الإجماع على منع بيع الدين بالدين إنما وقع على بعض صوره، مثل عقد السلم برأس مال مؤجل إلى ما فوق ثلاثة أيام، أو استبدال المسلم فيه بثمن أكثر من رأس مال السلم، وقد أجاز المالكية بعض صور لبيع الدين بالدين، وكذلك أجازة العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله تعالى، صورًا منه (٦) . وبما أن غرض هذا البحث لا يتعلق بتفاصيل هذه الصور، فنكتفي في هذا الموضوع بهذا القدر.
стр. 17530
٢ – بيع الدين من المديون:
والصورة الثانية من بيع الدين: أن يباع الدين من المديون نفسه بثمن حال، ويعبر عنه الفقهاء ببيع الدين ممن هو عليه. وهذا جائز عند جمهور الفقهاء، قال الكاساني رحمه الله تعالى:
" ويجوز بيعه (يعني الدين) ممن عليه، لأن المانع هو العجز عن التسليم، ولا حاجة إلى التسليم هنا، ونظيره: بيع المغصوب أنه يصح من الغاضب ولا يصح من غيره إذا كان الغاصب منكرًا ولا بينة للمالك (١) .
ولا يخفى أن جواز بيع الدين من المديون خاضع لجميع الشروط العامة التي تشترط لجواز البيوع كلها، فمثلاً: يشترط لجواز البيع أن يكون المبيع مقبوضًا للبائع، وهذا الشرط يتأتى في بيع الدين أيضًا، ولذلك لا يجوز بيع المسلم فيه من المسلم إليه قبل أن يقبضه رب السلم. ولذلك يقول الكاساني ﵀:
" ولا يحوز بيع المسلم فيه، لأن المسلم فيه مبيع، ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض " (٢) .
ويقول الشيرازي ﵀:
" وإن كان الدين غير مستقر، نظرت، فإن كان مسلمًا فيه لم يجز بيعه لما روي أن ابن عباس، ﵄، سئل عن رجل أسلف في حلل دقاق فلم يجد تلك الحلل، فقال: آخذ منك مقام كل حلة من الدقاق حلتين من الجل، فكرهه ابن عباس" (٣) .
وكذلك إن كان الدين وعوضه ربويين، يشترط في جواز بيعه ما يشترط في مبادلة الربويات بعضها ببعض، ولذلك منع أكثر الفقهاء أن يعجل الدين المؤجل مقابل إسقاط بعض الدين، كما تقرر في مسألة " ضع وتعجل" (٤) .
وكذلك إذا اشترى المدين دينه من الدائن بثمن أكثر مؤجل، فهذا عين الربا، وهو في معنى " أتقضي أم تربي؟ ". وقد نزل بحرمته القرآن الكريم.
ولكن معنى جواز بيع الدين ممن عليه الدين، أن يقول المديون: "اشترِ مني هذا الثوب بدينك علي" أو يقول الدائن: " أبيعك ديني في ذمتك بثوبك هذا ". فهذا جائز عند جمهور الفقهاء.
стр. 17531
٣ - بيع الدين من غير المديون:
الصورة الثالثة من بيع الدين: أن يبيع الدائن دينه من طرف ثالث غير المديون. وإن هذه الصورة وقع فيها اختلاف بين الفقهاء، فذهب الحنفية والحنابلة والظاهرية إلى أن بيع الدين من غير من عليه الدين لا يجوز. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى:
" لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه، لأنه غرر، فلا يدري أيخرج أم لا يخرج" (١) .
وقال الكاساني رحمه الله تعالى:
" ولا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين، لأن الدين إما أن يكون عبارة عن مال حكمي في الذمة، وإما أن يكون عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه، وكل ذلك غير مقدور التسليم في حق البائع، ولو شرط التسليم على المديون لا يصح أيضًا، لأنه شرط التسليم على غير البائع، فيكون شرطًا فاسدًا، فيفسد البيع " (٢) .
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى:
" واختلف في بيع الدين ممن هو عليه، فنقل أبو طالب المنع: ونقل مهنا جواز ذلك، ولا تختلف الرواية أنه لا يجوز بيعه من غير من هو في ذمته. وجه الأولى: أنه بيع دين قبل قبضه فلم يصح كما لو باعه من غير من هو عليه. ووجه الثانية أنه إذا باعه ممن هو عليه فقد حصل القبض فيه، فيجب أن يصح، ويفارق هذا إذا باعه من غيره أنه لا يصح، لأنه قد لا يتمكن من استيفائه ممن هو عليه فيتعذر تسليم المبيع، فلهذا لم يصح" (٣) .
وقال المرداوي رحمه الله تعالى:
" لا يجوز بيع الدين المستقر لغير من هو في ذمته، وهو الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وعنه: يصح. قاله الشيخ تقي الدين ﵀. . . وقد شمل كلام المصنف مسألة بيع الصكاك، وهو الورق ونحوه. . . فإن كان الدين نقدًا، أو بيع بنقد لم يجز بلا خلاف، لأنه صرف بنسيئة. وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس ففيه روايتان: عدم الجواز. قال الإمام أحمد: وهو غرر، والجواز: نص عليها في رواية حرب وحنبل ومحمد بن الحكم " (٤) .
وقال ابن حزم، ﵀، من الظاهرية:
" ولا يحل بيع دين يكون لإنسان على غيره، لا بنقد ولا بدين، ولا بعين ولا بعرض، كان ببينة أو مقرًّا به أو لم يكن، كل ذلك باطل. . . برهان ذلك أنه بيع مجهول وما لا يدرى عينه. وهذا هو أكل مال بالباطل، وهو قول الشافعي. وروينا من طريق وكيع، نا زكريا بن أبي زائدة قال: سئل الشعبي عمن اشترى صكًا فيه ثلاثة دنانير بثوب؟ قال: لا يصلح. قال وكيع: وحدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، قال: هو غرر" (٥) .
стр. 17532
ثم إن الذين منعوا بيع الدين من غير المدين، إنما منعوه عن طريق البيع. أما إذا وقع نقل الدين بطريق الحوالة، فإنه جائز عند الجميع، والفرق بين البيع والحوالة ظاهر جدًا على مذهب الحنفية، فإنهم قائلون بأنه إذا توى الحوالة بإفلاس المحال عليه أو جحوده عند عدم البينة فإن للمحتال (الدائن الأصلي) أن يرجع على المحيل (وهو المديون الأصلي) (١) . أما إذا باع المديون دينه، فكأنه أحل مشتري الدين محله في جميع حقوقه ومخاطره، فإذا أفلس المديون الأصلي أو جحد الدين لا يستطيع أن يرجع على بائع الدين. ومن هنا يتحقق الغرر الذي منعوا بيع الدين من أجله. ولا يتحقق هذا الغرر في الحوالة، لأن للدائن أن يرجع على المحيل عند إفلاس المحال عليه أو جحوده.
أما الحنابلة، فلا يرجع عندهم المحتال على المحيل أبدًا، وإن أفلس المحتال عليه أو جحد، ولكن إن شرط المحتال ملاءة المحتال عليه، وقبل الحوالة على ذلك الأساس، ثم تبين أنه معسر، فإنه يحق له أن يرجع على المحيل (٢) ومن هذه الجهة: الفرق عندهم بين بيع الدين، حيث لا يجوز، وبين الحوالة، حيث تجوز، من ناحيتين:
الأولى: أن في بيع الدين ينتقل الدين إلى المشتري بمجرد العقد، وبما أن حصول الدين غير متيقن، فالغرر لازم فيه بمجرد العقد، فلا يجوز. أما إذا باع رجل شيئًا بثمن لم يقبضه، وأراد المشتري أن يحيل البائع على مديون له، فإن ذلك لا يمكن إلا برضا البائع بعد العقد. ولا يجوز أن يشترط المشتري الحوالة في البيع، فلا سبيل إلى انتقال الدين إلى البائع تلقائيًا بمجرد العقد، ولذلك يجوز للبائع أن يطالبه بثمن ما باعه وأن لا يرضى بالحوالة، فالبيع لا غرر فيه، ومن ثم جاز العقد، وانعقدت الحوالة بعقد مستقل برضا البائع.
الثانية: أنه إذا قبل المحتال الحوالة على شرط ملاءمة المحتال عليه، ثم تبين أن المحال عليه معسر، فإنه يجوز للمحتال أن يرجع على المحيل. ولا يتيسر ذلك في بيع الدين.
стр. 17533
مذهب المالكية في بيع الدين لغير المدين:
أما المالكية، فالأصل عندهم أيضًا أنه لا يجوز بيع الدين من غير المدين، إلا أنهم أجازوا ذلك بشروط. وقد لخص الزرقاني، ﵀، أحكام بيع الدين من طرف ثالث بقوله:
" ومنع بيع دين على الغائب ولو قربت غيبته، أو ثبت ببينة وعلم ملاؤه، بخلاف الحوالة عليه فإنها جائزة. . . ومنع بيع دين على حاضر ولو ببينة إلا أن يقر، والدين مما يباع قبل قبضه، وبيع بغير جنسه وليس ذهبًا بفضة، ولا عكسه، وليس بين مشتريه ومن عليه عداوة، ولا قصد إعناته، فلا بد من هذه الخمسة شروط لجواز بيعه زيادة على قوله (يقر) " (١) .
والحاصل أن بيع الدين من غير المدين يجوز عند المالكية بشروط آتية:
١- أن يكون المديون حاضرًا، لا غائبًا.
٢- أن يكون المديون مقرًّا بالدين.
٣- أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه، فلا يجوز بيعه إذا كان طعامًا، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه.
٤- أن يباع الدين بغير جنسه، فإن كان الدين دراهم، وبيع بالدراهم فإنه لا يجوز، وزاد الدسوقي أنه إن كان من جنسه، فلا بد من التساوي (٢) .
٥- أن لا يباع دين الذهب بالفضة أو بالعكس، لكونه صرفًا وانعدم فيه التقابض.
٦- أن لا يكون بين المدين ومشتري الدين عداوة، حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين عدوه منه. وزاد الدسوقي عليها شرطين:
الأول: أن يكون الثمن نقدًا، وهو ظاهر لأنه إن كان دينًا صار بيع الدين بالدين، وقد مر امتناعه.
والثاني: أن يكون المديون ممن تأخذه الأحكام، ليمكن تخليص الحق منه عند القاضي إذا امتنع عن الأداء (٣) .
مذهب الشافعية:
قد اختلفت الروايات في مذهب الشافعية في قضية بيع الدين من غير المدين. وقال النووي ﵀:
" اعلم أن الاستبدال بيع لمن عليه دين. فأما بيعه لغيره، كمن له على إنسان مائة، فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة، فلا يصح على الأظهر لعدم القدرة على التسليم، وعلى الثاني: يصح بشرط أن يقبض مشتري الدين ممن عليه وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس، فإن تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد. قلت: الأظهر الصحة (٤) .
стр. 17534
وقال البغوي رحمه الله تعالى:
" أما إذا باع الدين من غير من عليه، مثل أن كان له على زيد عشرة دراهم، فاشترى من عمرو ثوبًا بتلك العشرة، أو قال لعمرو: بعتك العشرة التي في ذمة زيد لي بثوبك هذا، فاشتراه عمرو، فالمذهب أنه لا يجوز، لأنه غير قادر على تسليمه. وفيه قول آخر: أنه يجوز على حسب ما يجوز ممن عليه فعلى هذا يشترط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن عليه، وبائعه يقبض العوض في المجلس حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل " (١) .
وبمثله جاء في شرح المهذب، ولفظه:
" فأما بيعه لغيره، كمن له على رجل مائة فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة ففي صحته قولان مشهوران، أصحهما: لا يصح، لعدم القدرة على التسليم، والثاني: يصح بشرط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن هو عليه وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس. فإن تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد (٢) .
وحاصل هذه النصوص أن بيع الدين من غير المدين لا يجوز عند الشافعية إلا إذا قبض المشتري الدين من المدين في مجلس العقد، وهذا الشرط في الحقيقة يؤول إلى عدم جواز بيع الدين، لأن الدين متى قبض في المجلس لم يبق دينًا. ولعل هذا هو السبب في أن النووي، ﵀، لم يذكر في منهاج الطالبين إلا قول عدم الجواز، فقال:
" وبيع الدين لغير من عليه باطل في الأظهر بأن اشترى عبد زيد بمائة له على عمرو " (٣) .
ولكن كثيرًا من علماء الشافعية لم يذكروا هذا الشرط، حتى أن الشيرازي، ﵀، لم يذكره في متن المهذب حيث قال:
" وهل يجوز من غيره؟ فيه وجهان: أحدهما يجوز، لأن ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة. والثاني: لا يجوز لأنه لا يقدر على تسليمه إليه، لأنه ربما منعه أو جحده، وذلك غرر لا حاجة به إليه فلم يجز، والأول أظهر، لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود " (٤) .
стр. 17535
وقال الشربيني الخطيب، ﵀، بعد ما اعتمد على قول الجواز:
" وصرح في أصل الروضة كالبغوي باشتراط قبض العوضين في المجلس وهذا هو المعتمد، وإن قال المطلب: مقتضى كلام الأكثرين بخالفه" (١) .
ويظهر من تمحيص كتب الشافعية أن كثيرًا منهم ذهبوا إلى عدم جواز بيع الدين من غير المدين مطلقًا. والذين ذهبوا إلى الجواز قيدوه بقبض الدين في مجلس العقد. والذين ذكروا الجواز بدون هذا الشرط، كالشيرازي، فإما أن يحمل مطلق كلامهم على التقييد الذي ذكره الآخرون، أو يكون قولاً ثالثًا، ومنهم من حاول التطبيق بينهما بأن شرط القبض في المجلس محله إذا كان الدين وعوضه من الأموال الربوية، وإطلاق الجواز بدون هذا الشرط محله إذا لم يكونا من الأموال الربوية، وهذا التفريق يبدو حسنًا، ولكن رده الشربيني والرملي على أساس أن من قيد الجواز بالقبض جاء بمثال مال غير ربوي، وهو العبد (٢) .
стр. 17536
تداول الأوراق المالية المعاصرة
بعد دراسة الأحكام الفقهية المتعلقة ببيع الدين، ننتقل الآن إلى الأوراق المالية التي شاع تداولها في الأسواق المعاصرة وبيان حكمها الشرعي. فمن هذه الأوراق المالية أسهم الشركات أو الصناديق التي تمثل موجودات عينية غير النقود، وإن هذه الأوراق خارجة عن موضوع هذا البحث، لأنها لا تمثل قروضًا أو ديونًا، وقد فرغنا عن بيان حكمها الشرعي في بحوث أخرى. والأوراق التي نريد بيان حكمها الشرعي في هذا البحث هي الأوراق التي تمثل قروضًا أو ديونًا لحاملها في ذمة مصدرها. وهي – على تنوع أسمائها – ترجع إلى نوعين كبيرين: النوع الأول: السندات، والثاني: الكمبيالات، فلنتكلم على كل واحد منها بصفة مستقلة.
السندات (Bonds) :
السند (bond) : في الاصطلاح المعاصر وثيقة يصدرها المديون لمقرضه اعترافًا منه بأنه استقرض من حاملها مبلغًا معلومًا يلتزم بأدائه في وقت معلوم. وإن هذه السندات تصدر عادة لعرضها على الجمهور ليحصلوا عليها بأداء المبلغ المكتوب على وجهها حتى يصيروا مقرضين ذلك المبلغ لمصدر السند.
وإن هذه السندات ربما تصدرها الشركات المساهمة التجارية أو الصناعية حينما تحتاج إلى اقتراض مبالغ كبيرة من المال لإنجاز مشاريعها، ولا تجد أفرادًا أو مؤسسات تقرضها الأموال بالحجم المطلوب، فتعرض هذه السندات على الجمهور.
وربما تصدر مثل هذه السندات من قبل الحكومات التي تريد أن تمول عجز ميزانيتها فتقترض من الجمهور.
وإن هذه السندات، سواء أصدرتها الشركات أو أصدرتها الحكومة إنما تلتزم بأداء فوائد ربوية إلى من يحملها، فالسند الذي قيمته الاسمية مائة روبية مثلاً تستحق أن يدفع لحاملها مائة وخمس عشرة بعد سنة. ويحق له أن يبيع هذا السند في السوق، وإنها تباع وتشترى بثمن يتراضى عليه الفريقان، فمن حصل على هذا السند بمائة، فإنه يبيعه إلى آخر بمائة وخمسة، ويشتريه ذلك الآخر بهذا الثمن لأنه يرجو أن يحصل على مائة وخمس عشرة روبية في نهاية المدة.
стр. 17537
وهناك سندات أخر تصدر من قبل الحكومة، وتعرض عادة على البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، وتسمى سندات الخزينة. ومقصود هذه السندات نفس المقصد الذي من أجله تصدر السندات الحكومية الأخرى. غير أن هذه السندات تعرض على البنوك لتشتريها على أساس المزايدة، فالسند الذي قيمته ألف روبية مثلاً يتضمن التزام الحكومة بأداء ألف روبية إلى حامله عند حلول أجله، فتجرى في شرائه المزايدة فيما بين البنوك، وتأتي العروض من قبلها إلى البنك المركزي، فتباع هذه السندات إلى من عرضه أكثر. ومعنى بيع هذه السندات أن مشتريها أقرض مبلغ الثمن إلى الحكومة واستحق من خلال هذا الإقراض أن يحصل على قيمة السند الاسمية عند حلول أجله.
إنَّ هذه السندات كلها ربوية من أصلها، حيث إن المقرض يلتزم فيها بأداء مبلغ القرض وزيادة، فلا يخفى حرمة تداولها لأنها تؤدي إلى تعامل ربوي حرام. ولكن لو فرضنا أن هذه السندات أصدرت من قبل الحكومة. على أساس القرض الشرعي بدون فائدة، فهل يجوز بيعها؟ يتأتى فيه الخلاف المذكور في بيع الدين، فلا يجوز بيعها عند الحنفية والحنابلة والظاهرية مطلقًا، وكذلك لا يجوز في الظاهر عند الشافعية، إما لأن الكثيرين منهم مع الحنفية والحنابلة في منع بيع الدين من غير المدين، وإما لأنهم اشترطوا لجوازه أن يقبض الدين في المجلس كما أسلفنا، وحصول هذا الشرط متعذر في السندات، فلا يجوز عندهم.
نعم يجوز ذلك عند من لا يشترط لجواز بيع الدين أن يقبض الدين في المجلس، فإن اشتريت هذه السندات بعين من الأعيان، مثل الثوب، أو الحبوب الغذائية، أو الأشياء الأخرى غير النقود فهذا البيع جائز على هذا القول مطلقًا. أما إذا اشتريت بالنقود، فلم أجد من الفقهاء الشافعية تصريحًا في هذا الباب، ولكن قياس قولهم في الصرف أن لا يجوز، لأن بيع النقود بالنقود صرف، ويشترط فيه التقابض في المجلس، ولو أجزنا بيع السندات بثمن حال، فكأننا أجزنا بيع النقود بالنقود نسيئة. فيشترط لجوازه أن يقبض الدين في المجلس، وهو متعذر في السندات: فلا يجوز.
أما المالكية، فيجوز عندهم بيع الدين لغير المدين بالشروط التي ذكرناها في تحقيق مذهبهم، ومن جملة هذه الشروط أنه إذا بيع الدين بجنسه فإنه يشترط فيه التساوي (١) فإن كان السند قيمته مائة، فلا يباع إلا بمائة لا يزاد ولا ينقص، ومن الظاهر أن هذا الشرط لا يحصل به غرض السوق الثانوية التي تباع فيها السندات، فالحاصل أن التعامل الذي يجري في سوق الأوراق المالية من بيع السندات وشرائها محرم شرعًا. وسوف نتكلم على بدائلها الشرعية في آخر البحث إن شاء الله تعالى.
стр. 17538
الكمبيالات (Bills of Exchange) :
النوع الثاني من الأوراق المالية التي تتداول في السوق اليوم تسمى كمبيالة، وهي عبارة عن الوثيقة التي يكتبها المشتري للبائع في بيع مؤجل، ويعترف فيها بأنه وجب في ذمته ثمن المبيع، وأنه يلتزم بأدائه في تاريخ آجل. وإن البائع حامل الكمبيالة ربما يريد استعجال الحصول على مبلغها، فلا ينتظر إلى تاريخ نضج الكمبيالة، بل يبيعها إلى طرف ثالث بأقل من قيمتها الاسمية ويسمى (حسم الكمبيالة) أو (خصم الكمبيالة) (Discounting) والعادة في سوق الأوراق أن مقدار هذا الحسم نسبة من مبلغ الكمبيالة تحدد على أساس مدة نضجها، فكلما كانت مدة نضجها أكثر كانت نسبة الحسم أكثر، وكلما كانت المدة أقل، كانت نسبة الحسم أقل.
وإن معظم العلماء المعاصرين خرجوا حكم الكمبيالة على أساس أنه بيع دين بنقد أقل منه، وحرموه من هذه الجهة.
وقد ذكر الفقهاء ورقًا يشابه ورق الكمبيالة اسمه (الجامكية) (١) وهي عبارة عن ورقة تصدر من بيت المال أو من ناظر الوقف لصالح رجل له حق مالي على بيت المال أو الوقف. وقد ذكره العلامة الحصكفي في الدر المختار بقوله:
" وأفتى المصنف (أي صاحب تنوير الأبصار) ببطلان بيع الجامكية لما في الأشباه: بيع الدين إنما يجوز من المديون".
وقال ابن عابدين تحته:
" عبارة المصنف في فتاواه: سئل عن بيع الجامكية: وهو أن يكون لرجل جامكية في بيت المال ويحتاج إلى دراهم معجلة قبل أن تخرج الجامكية فيقول له رجل: بعني جامكيتك التي قدرها كذا بكذا، أنقص من حقه في الجامكية، فيقول له: بعتك، فهل البيع المذكور صحيح أم لا؟ لكونه بيع الدين بنقد، أجاب: إذا باع الدين من غير من هو عليه كما ذكر لا يصح.
قال مولانا في فوائده: وبيع الدين لا يجوز، ولو باعه من المديون أو وهبه " (٢) .
وجاء في كشاف القناع للبهوتي:
" ولا يصح بيع العطاء قبل قبضه، لأن العطاء مغيب فيكون من بيع الغرر، وهو أن العطاء قسطه في الديوان، ولا يصح بيع رقعة به، أي بالعطاء، لأن المقصود بيع العطاء، لا هي " (٣) .
وهذا متفرع على أصل الحنفية والحنابلة، فإنهم لا يجوزون بيع الدين من غير المدين إطلاقًا وعليه يخرج حكم بيع الكمبيالة عند الحنفية والحنابلة أنه لا يجوز أصلاً، سواء كان الثمن مساويًّا لقيمة الكمبيالة لأنه بيع الدين من غير من هو عليه، فلا يجوز كما لا يجوز بيع الجامكية.
стр. 17539
أما المالكية، فقد تقدم أنهم يجوزون بيع الدين من غير المدين بشروط سبقت، ولذلك قياس قولهم جواز بيع الجامكية، وقد صرح بذلك الحطاب رحمه الله تعالى حيث قال:
"بخلاف الجامكية، فإن الملك محصل فيها لمن حصل له شرط الواقف، فلا جرم صح أخذ العوض بها وعنها " (١) .
ولكن لا يخفى أن جواز هذا البيع مشروط بأن يكون بيعه بخلاف جنسه، وإن كان بجنسه، فلا بد من التساوي، كما سبق التصريح بذلك في عبارة الدسوقي.
وعليه يخرج حكم بيع الكمبيالة في مذهب المالكية، حيث يجوز بشرط أن يكون الثمن إما غير النقود أو مساويًّا لقيمة الكمبيالة.
أما الشافعية، فقد ذكر بعض المتأخرين منهم أنه يجوز لمستحق الجامكية أن ينزل عنها في حق غيره ويطالبه بالعوض عن ذلك. قال الشبراملسي بعد ما ذكر جواز النزول عن الوظائف.
" ومن ذلك الجوامك المقرر فيها، فيجوز لمن له شيء من ذلك وهو مستحق له بأن لا يكون له ما يقوم بكفايته من غير جهة بيت المال النزول عنه، ويصير الحال في تقرير من أسقط حقه له موكولاً إلى نظر من له ولاية التقرير فيه كالباشا، فيقرر من رأى المصلحة في تقريره من المفروغ له أو غيره " (٢) .
ولكن ليس مقصود الشبراملسي إجازة بيع الكمبيالة، أو النزول عن راتب شهر معين. وإنما مقصوده أنه لو كان لرجل عطاء في بيت المال يحصل عليه كل شهر، جاز له أن ينزل عنه في حق غيره للأبد، ويأخذ عوضًا عن ذلك، ولكن المنزول له لا يستحق العطاء بمجرد نزول الأول، بل مفاد نزوله أنه تزول مزاحمته له في ذلك العطاء، ثم يصير الأمر موكولاً إلى من له ولاية التقرير، فإن رأى المصلحة جعل المنزول له في محل النازل، فيستحق هو العطاء، وإن شاء عين غيره. وهذا هو حكم النزول عن الوظائف عند الشافعية. وعلى هذا، فما ذكره الشبراملسي خارج عن مسألتنا لأنه ليس بيعا لورقة الدين، ولا نزولاً عنها في حق من يحل محله في حق المطالبة.
стр. 17540
وقياس قول الشافعية في مسألة بيع الدين أن لا يجوز بيع الجامكية أو الكمبيالة إلا بقبض العوضين في المجلس، ولو أخذنا بقول بعضهم الذين لا يشترطون هذا الشرط، فإنه يشترط عنهم أن يكون الثمن مساويًّا لقيمة الكمبيالة، ولا يجوز بيعها بأقل من قيمتها، إلا إذا كان البدل من المعروض.
خلاصة حكم بيع الكمبيالة:
يتلخص مما ذكرنا أن بيع الكمبيالة لا يجوز على قول الحنفية والحنابلة أصلاً، حتى بثمن مساو، وكذلك في مذهب الشافعية الذين يشترطون قبض البدلين في المجلس. وأما الذين لا يشترطون ذلك فيجوز بيع الكمبيالة عندهم بشرط أن يكون الثمن مساويًّا لمبلغ الكمبيالة، وهو مذهب المالكية أيضًا.
فتبين بهذا أن حسم الكمبيالة بمبلغ أقل من مبلغها لا يجوز عند أحد من المذاهب الفقهية المعتبرة، فإنه بيع لنقد حال بنقد مؤجل أقل منه وهو في معنى الربا. وهو الذي انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، ونص قراره:
" إن حسم (خصم) الأوراق التجارية غير جائز شرعًا، لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم" (١) .
موقف بعض الإخوة الماليزيين:
وقد أفتى بعض إخوتنا في ماليزيا بجواز بيع الدين، وتوصلوا بذلك إلى القول بجواز حسم الكمبيالة، وقد عقدت مؤسسة الأوراق المالية في ماليزيا حوارًا لي معهم فاجتمعت معهم في كوالالمبور حتى أعرف مستندهم في ذلك، فتبين لي أنهم اعتمدوا في ذلك على أدلة آتية:
١- إنهم فرقوا بين القرض وبين الدين الذي ينتج عن بيع بضاعة فقالوا: إن القرض لا يجوز بيعه أو شراؤه، فإنه لا يستند إلى بضاعة. أما الدين الذي ينشأ عن طريق البيع المؤجل، فإنه يستند إلى بضاعة تم بيعها، فوثيقة هذا الدين لا يمثل النقود البحتة، وإنما يمثل النقود التي حلت محل البضاعة المبيعة، فبيع هذه الوثيقة بيع للدين الذي قام مقام البضاعة، فكأنه بيع للبضاعة.
وإن هذا الدليل – مع احترامي لهؤلاء الإخوة – لا يخفى وهنه.