← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى اله وصحبه. قرار رقم ٤ بشأن توحيد بدايات الشهور القمرية أما بعد: فان مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني من١٠ - ١٦ ربيع الثاني ٦ ١٤٠ هـ /٢٢ - ٢٨ ديسمبر١٩٨٥م. بعد أن استعرض البحوث المقدمة إليه من الأعضاء والخبراء حول توحيد بدايات الشهور القمرية. وبعد أن ناقش الحاضرون العروض المقدمة في الموضوع مناقشة مستفيضة واستمعوا لعديد من الآراء حول اعتماد الحساب في إثبات دخول الشهور القمرية. قرر: ا - تكليف الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بتوفير الدراسات العلمية الموثقة من خبراء أمناء في الحساب الفلكي والأرصاد الجوية. ٢ - تسجيل موضوع توحيد بدايات الشهور القمرية في جدول أعمال الجلسة القادمة لاستيفاء البحث فيه من الناحيتين الفنية والفقهية الشرعية. ٣ - تكليف الأمانة العامة باستقدام عدد كاف من الخبراء المذكورين وذلك لمشاركة الفقهاء في تصوير جوانب الموضوع كلها تصويرا واضحا يمكن اعتماده لبيان الحكم الشرعي. والله أعلم

стр. 1752

من أين يحرم القادم بالطائر جوًا للحج أو العمرة؟ لفضيلة الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من أين يحرم القادم بالطائرة جوًا للحج أو للعمرة؟ تمهيد: منذ أكثر من أربعين عاما، والناس تتساءل، وتساءل أهل العلم من فقهاء الشريعة عن مكان الإحرام الذي لا يجوز لقاصد البيت العتيق أن يتجاوزه إلا محرما ملبيا، هاجرا ملذاته ورفاهيته التي كان يعيشها، ومتجردا من ملابسه المخيطة، ومكتفيا من متعة هذه الحياة الدنيا، وزينتها بالإزار والرداء، ذلك الرمز العظيم الذي يُذكِّره بصورة فعلية - لا قولية فقط - بذلك اليوم الرهيب الذي سيقبل فيه على ربه بعد أن ينتزعه الموت المحتم من قلب كل متعة أو زينة أو لذة أو نعمة أو سلطة أو وجاهة أو أموال كان يتمتع وينعم بها في دنياه. هذا الإحرام الجليل المعني الذي أوجبه الإسلام على قاصد الحج أو العمرة أين ميقاته لمن يأتي جوا بالطائرة؟ تلك الوسيلة الحديثة التي لم تكن معروفة ولا تخطر في البال حين حدد رسول الله ﷺ حدوده المكانية للقادمين إلى الحج أو العمرة من مختلف البقاع والجهات الأرضية، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها إلا محرما؛ تعظيما لشأن البيت العتيق قبل الوصول إليه.

стр. 1753

إني هنا لا أريد أن أتعرض لشيء ما من أحكام الإحرام، وما يوجبه على المحرم من التزامات، وما يحظره عليه من محظورات، وما يترتب على فعل شيء من المحظورات من جزاء، وكون الإحرام واجبا لمن أتى على ميقات مكاني قاصدا مكة لأي غرض كان، كالتجارة والسياحة مثلا، أو لا يجب الإحرام على من مرّ بأحد مواقيته المكانية إلا إذا كان قاصدا حجا أو عمرة ... إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالإحرام وما يستلزمه من مستلزمات فرعية، وما حولها من اختلاف الفقهاء، فكل ذلك لا يعنينا منه شيء؛ لأنه ليس هو محل هذا البحث، ولا مقصودا بالبيان من قريب أو بعيد. فالتعرض له هنا خروج عن الموضوع، ومضيعة للوقت، وإطالة في غير طائل. لذا سأحصر كلامي في الناحية المطلوبة المطروحة للبحث، والتي هي وحدها من أهم قضايا الساعة التي شغلت أذهان الناس وكثر السؤال عنها، واختلفت فيها أفهام علماء العصر وأحكامهم اختلافا ليست نتيجته على المكلفين سهلة يسيرة كيفما كانت، بل هي نتيجة ذات بال، تحمل على الناس كافة عبئا وإصرا لا يستهان به في سبيل الحج والعمرة، أو لا تحمله عليهم. وأقول: على الناس كافة؛ لأن الطائرة قد أصبحت اليوم في عصر السرعة هذا الذي نعيشه هي الواسطة الأساسية للحج والعمرة، وكذلك لمختلف الأسفار.

стр. 1754

فكلامي فيما يلي مقصور على هذه الناحية المقصودة بالبحث، وهي: من أين يحرم القادم بطريق الجو لحج أو لعمرة، دون أي شيء آخر سواها مما يتعلق بالإحرام. فأقول مستعينا بالله، راجيا أن يهديني إلى الصواب الحق من أقرب محجة، وأوضح حجة، إنه هو ولي التوفيق. مما لا خلاف فيه بين أئمة السلف من محدثين وفقهاء أن المواقيت المكانية للإحرام قد حددها رسول الله ﷺ للقادمين من جهات أربع كما يلي: ١- ذو الحليفة لأهل المدينة من أراد منهم الحج أو العمرة، وهذه أبعد المواقيت مسافة عن مكة، وتسمى اليوم " آبار علي ". ٢- الجحفة لأهل الشام. ٣- قرن المنازل لأهل نجد القادمين من الشرق. ٤- يلملم لأهل اليمن القادمين من الجنوب.

стр. 1755

وقد أعلن رسول الله ﷺ حين حددها أن هذه الحدود هي مواقيت لأهل تلك الجهات، ولمن أتى عليهن من غير أهلن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك (أي من كان مقامه في موضع يقع بين أحد هذه المواقيت وبين مكة) فإنه يحرم من مقامه ذاك، حتى إن أهل مكة يهلون من مكة. (أخرجه البخاري في باب مهل أهل مكة عن ابن عباس ﵄، وأخرجه مسلم في مواقيت الحج والعمرة، وأبو داود والنسائي في ميقات أهل اليمن، كما نقله غيرهم من أئمة الحديث) . وواضح أن حديث المواقيت هذا لا يشمل بالنص إلا أهل تلك المواقيت، ومن مر بها فقط. فليس فيه شيء عمن لا يمر فعلا بأحدها ولكنه حاذى من قريب بعض تلك المواقيت. فإلحاق المحاذاة بالمرور إنما تقرر بالاجتهاد، فقد روى أئمة الحديث أن عمر ﵁ هو الذي حدد ذات عرق ميقاتا لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل، اجتهادا منه، وذلك بعد فتح العراق. فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: " لما فتح هذان المصران – الكوفة والبصرة – أتوا عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين: إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وأنه جور عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها عمن طريقكم. قال: فحد لهم ذات عرق. وروى الإمام الشافعي ﵁ في الأم عن ابن جريح عن ابن طاوس عن أبيه، قال: ((لم يوقت رسول الله ﷺ ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل مشرق، فوقت الناس ذات عرق)) . وروى الشافعي أيضًا مثل ذلك عن أبي الشعثاء (ر: الأم: ٢/١١٨) وهناك من الأئمة من يرى أن تحديد ذات عرق مهلا لأهل المشرق وارد عن رسول الله ﷺ وليس اجتهادا من عمر ﵁، ويوردون أحاديث في ذلك. ولكن جمهور أهل الحديث يقررون أن الأحاديث التي ورد فيها النص على ذات عرق ميقاتا لحرام أهل المشرق كلها ضعيفة لا تنهض حجة. فالصحيح عندهم أن هذا التحديد لأهل العراق والمشرق إنما هو اجتهاد من عمر، أخذا بالمحاذاة السمتية لأقرب ميقات إلى جهتهم. (ر: المجموع: ٧/١٩١ – ونيل الأوطار: ٤/٣٣٢) .

стр. 1756

مما تقدم يتضح أن رسول الله ﷺ لم يحدد مواقيت مكانية إلا للقادمين برًّا من أطراف شبه الجزيرة العربية الثلاثة: وهي الشمال والشرق والجنوب؛ لأن هذه الجهات الثلاث هي التي يمكن إذ ذاك أن يأتي منها المسلمون حجاجًا أو معتمرين، وقد حدد للقادمين من الشمال ميقاتين: واحدًا لأهل المدينة (ذو الحليفة) ، وآخر لأهل الشام (الجحفة) ؛ لأن الشام كان فيه لأهل الحجاز رحلة الصيف التجارية، فقد يعودون من الشام قاصدين حجا أو عمرة، فهؤلاء عندئذ أما أن يأتوا من طريق يثرب، فيتبعون ميقات أهلها، وأما أن يأتوا من طريق أخرى لا تمر بيثرب، فجعل الجحفة عندئذ ميقاتًا لهم، وهي قريب من مكة. أما جهة الغرب فلم يحدد الرسول ﷺ لها ميقاتًا مكانيا؛ لأن الجهة الغربية بحر، وفي الغرب منه أفريقية التي لم يصل إليها الإسلام إذّاك، ولا يعلم ما سيكون من أمرها إلا الله. وقد حدد الفقهاء فيما بعد لأهل مصر والمغرب إذا جاؤوا بطريق البر ميقات أهل الشام وهو الجحفة؛ لأنه طريقهم الطبيعي إذ ذاك قبل شق قناة السويس في عصرنا هذا. وقد كان الرسول ﷺ – كما هو معروف – لا يرغب أن يقرر أحكاما مسبقة لأمور غير واقعية، حتى أنه لم يكن يرغب أن يسأل عما سكت عنه، بل كان يترك ذلك للاجتهاد في ضوء سنته الشريفة ومقاصد الشريعة المستفادة من كتاب الله تعالى الحكيم، وخاصة منها دفع الحرج، كما نوه به القرآن العظيم. ومعروفة قصة الصحابي الذي سأل عن الحج حين أوجبه الله على من استطاع إليه سبيلا: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال له: ((لو قلت: نعم، لوجب عليكم، ولما استطعتم)) . وكذلك قوله ﷺ في صحيح أحاديثه: ((إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ... وسكت عن أشياء رحمة بكم فقلا تسألوا عنها)) أي لا تسألوا عنها قبل وقوعها، فإذا وقعت فاجتهدوا برأيكم. وَعَلَّمهم: أو اسألوا عندئذ أهل الذكر والعلم، وليس المراد عدم السؤال عنها أبدا، إذ لو وقعت في مستقبل الزمن واحتيج إلى معرفة حكم الشرع فيها لابد حينئذ من السؤال عنها والبحث فيها لمعرفة ما يجب بشأنها في ضوء أدلة الشريعة.

стр. 1757

وفي ضوء ما تقدم يتبين أن الرسول ﷺ لم يحدد أيضًا ميقاتًا بحريا؛ لأن المجيء للحج والعمرة إذ ذاك في حياة الرسول ﵇ لم يكن بالسفن من جهة البحر الأحمر (بحر القلزم) . فيبقى حكمه في المستقبل للاجتهاد أيضًا إذا قدّر الله للإسلام أن يمتد غربا إلى أفريقية، كما حصل فيما بعد والحمد لله. هذا وقد قرر الفقهاء أن من لم يمرّ بأحد هذه المواقيت، بل سلك طريقا بين ميقاتين، فإنه يتحرى ما يحاذي أحدهما من طريقه بغلبة الظن فيحرم منه، فإن لم يتبين له قال الحنفية: يهل عندئذ بالإحرام على بعد مرحلتين من مكة؛ لأن هذه المسافة هي مسافة أدنى تلك المواقيت إلى مكة (ر: الدر المختار: ٢/١٥٤ – البولاقية الأولى – والمقنع من كتب الحنابلة: ١/٣٩٤، والمغني مع الشرح الكبير/ط أولى: ٣/٢١٤، والإنصاف للمرداوي: ٣/٤٢٧) . في ضوء ما تقدم من عرض الواقع في عهد الرسول ﷺ من تحديد ما حدده بالنصر الصريح من مواقيت الإحرام، وما سكت عنه وتركه للاجتهاد من علماء الأمة، وما حدث بعده من اعتماد المحاذاة باجتهاد عمر ﵁، أقول: أن معالجة قضايا الساعة لا يصح منا أن نعالجها ونقرر لها حلولا شرعية منطلقين من خلفية مذهبية، أو فكرة مسبقة ننظر من زاويتها إلى القضية المستجدة، ونجردها من ملابساتها وظروفها الخاصة لنجرها جرًا إلى المقعد الذي هيأناه سلفا؛ إلحاقا وتعميما، سواء أكان ملائما لطبيعتها وظروفها وملابساتها أم غير ملائم، ولو كان هذا الإلحاق والتعميم سيزج بالمكلفين في مشقة وحرج نفتهما النصوص القطعية في الكتاب والسنة عن هذه الشريعة السمحة الخالدة. قضايا الساعة (ومن أكبرها أهمية وحاجة للحلول الشرعية المناسبة اليوم موضوعنا هذا، وهو: من أين يجب أن يحرم القادم جوًا بالطائرة إلى الحج أو العمرة) يجب أن تعالج بفكر فقهي حر، كأنما يريد أن يرى النصوص والأدلة المتعلقة بها الأول مرة مجردًا عن الخلفيات المذهبية والآراء المسبقة التي تتحكم في توجيه فكره دون أني يشعر. وعليه أن ينعم النظر في النصوص وأن يتفهمها وفقًا للغة وأساليب البيان المعهود في وقت ورد النص الشرعي، وما يوحي به للسامع من فهم بحسب القواعد والدلالات العرفية. هذا إلى جانب الأساس المهم الآخر، وهو مقاصد الشريعة التي دلت عليها النصوص القطعية العامة، والتي لا يمكن عزلها وقطع علاقتها بالنصوص الخاصة إذا أدرنا أن نفهمها فهمًا سديدًا لا نبغي فيه سوى معرفة حكم الشارع، والحل الصحيح في القضية المستجدة، سواء وافق تصوراتنا السابقة فيها أو خالفها، فإن التعصب لرأي أو تصور سابق يحجب عن البصيرة الرؤية السليمة، والإحاطة بالمسألة من جميع جوانبها وظروفها. فبناء على هذا المنطلق أقول: إن حديث المواقيت المكانية الذي روته كتب السنة الصحيحة، وهو النص الأصلي الوحيد في الموضوع لا يمكن أن يعتبر شاملا للطريق الجوي اليوم، ولو مرت الطائرة القادمة بقاصدي الحج أو العمرة من فوق أحد المواقيت الأرضية، وبالتالي: لا يمكن فيه تطبيق حكم المحاذاة لأحد المواقيت تلك المحاذاة التي ألحقها سيدنا عمر ﵁ بالمرور بالميقات، وذلك لما يلي:

стр. 1758

إن حديث المواقيت محمول على الطرق المعروفة المألوفة في ذلك الوقت، وهي الطرق البرية التي يمكن أن يسلكها القادمون لحج أو عمرة من أطراف الجزيرة العربية التي مد عليها الإسلام رواقه. وهو في الوقت نفسه لم يحدد ميقاتًا من جهة الغرب، كما سبق أن أوضحته وبينت سببه. فإن الرسول ﷺ حين حدد هذه المواقيت للإحرام قد خصها نصا وصراحة بمن يمر بها فعلا، وذلك حين قال ﵇: ((هن مواقيت لأهلهن)) . وهذا الإتيان لا يمكن أن يتصوره أي سامع إلا أنه المرور في الأرض. وإذ كان أهل الميقات المقيمون حوله قد وجب عليهم الإحرام منه، فمن أتى على هذا الميقات من خارجه وكان طريقًا له أصبح هو وأهل ذلك الميقات سواء، لأنه قد أصبح بينهم كواحد منهم، فلا يعقل أن يجب عليهم الإحرام منه ولا يجب عليه. وهذا المعنى لا يتحقق إلا فيمن مر بالميقات نفسه أرضا، لأن المرور فوق الميقات جوًا كما تمر الطيور لم يكن في بال أحد من الصحابة أهل اللسان الذين خوطبوا به ولا في حسبانه، ولا يمكن أن يتصوره حتى يفهم أنه داخل في هذا التحديد. بل أستطيع القول: إن الطيران بالطائرات التي تسافر بها اليوم لو كان موجودًا في عصر الرسول ﷺ حين حدد هذه المواقيت الأرضية لأجل الإحرام لما كان المرور جوًا بالطائرة فوق بقعة الميقات مشمولاً بهذا الحديث، لأن المرور بالميقات الذي يجعل المار به كأهل الميقات لا يفهم منه في أسلوب البيان إلا المرور الأرضي فعلا، فهذا ما يفهمه أهل اللسان الذين خوطبوا به، وهذا أي ما يفهمه أهل اللسان في اللغة التي جاء بها النص، هو أساس، في فهم النص، عظيم الأهمية لا يمكن تجاهله وتجاوزه.

стр. 1759

إن الإمام أبا إسحاق الشاطبي ﵀ في كتابه الإبداعي، " الموافقات في أصول الشريعة " قد بسط القول في قسم المقاصد من كتابه هذا تحت عنوان (قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام) حول أساسين في فهم قصد الشارع، لا تجوز الغفلة عنهما، وهما: أولاً – أن هذه الشريعة الإسلامية المباركة عربية، وأن القرآن الحكيم عربي". ثانيًا – أن هذه " الشريعة المباركة أمية، لأن أهلها كذلك ". أما الأول فلقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وقد تكرر هذا الإعلام في آيات أخرى. وأما الثاني فلقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقد تكرر أيضًا هذا في آيات أخرى. وجاء في صحاح الأحاديث قول الرسول ﷺ : ((بعثت إلى أمة أمية)) وقوله: ((نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب)) : الشهر هكذا وهكذا ... " وقد فسر الشاطبي الأمي بأنه " منسوب إلى الأم "، وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره " فهو على أصل خلقته التي ولد عليها " وفسر الأمة الأمية بأنهم: " ليس لهم معرفة بعلوم الأقدمين "، وقد يبدو لأول وهلة أن كون القرآن عربيا، والحديث النبوي عربيا، هو من البديهات التي لا تحتاج إلى بسط وإيضاح وشواهد وأمثلة وتنبيهات في فصول كتاب، كما فعل الشاطبي ﵀ في موافقاته. ولكن الذي يرى النتائج التي بينها الشاطبي ﵀ بناء على هذين الأصلين الأساسيين في فهم الشريعة وتنزيل نصوصها في الكتاب والسنة النبوية على منازلها الصحيحة يدرك عندئذ أن قضية هذين الأساسين ليست من البساطة والبداهة كما يتراءى لأول وهلة. (ر: الموافقات ٢ /٦٤– ١٠٧) .

стр. 1760

وأول هذه النتائج وأهمها يتلخص في أن المقصود هنا من بيان الأساس الأول هو أن القرآن قد نزل بلسان العرب وأساليبهم البيانية. فطلب فهمه إنما يكون بالطريق التي يفهمه من خوطبوا به حين ألقي إليهم، وهم أهل هذا اللسان خاصة، على أميتهم وجهلهم بالعلوم والفلسفات التي وجدت لدى غيرهم من الأمم، وبالاصطلاحات والمفاهيم الطارئة حين أسست العلوم ووضعت فيها الاصطلاحات وحددت لها المفاهيم العلمية في اللغة العربية بعد ذلك. وهذا يستلزم أن من يكون أكبر فقهي وأرسخ عالم في العصور العلمية اللاحقة يجب أن يفهم النص القرآن أو الحديث النبوي كما يفهمه صحابة رسول الله ﷺ ، وكما يفهمه البدوي الأمي من العرب إذ ذاك؛ لأنهم هم أهل اللسان الذي خوطبوا به. ففهم أي عالم لمدلول النص بعد ذلك، مهما علا كعبه في العلوم وطال باعه، يجب أن يكون تبعا لفهم ذلك العربي الأول ابن اللسان الذي جاء به ذلك النص، وخوطب به. قال الإمام الشاطبي ﵀ في هذا المقام: " فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب، وأنه عربي لا عجمة فيه، فيعني أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهرة وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به غير الظاهر. وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره. وإنها تتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة ... وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامهم.

стр. 1761

فإذا كان ذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب، والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام في رسالته الموضوعة في أصول الفقه، وإن كثيرا ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبه لذلك، وبالله التوفيق (الموافقات: ٢/٦٦) . أقول: ومن الواضح أن مثل هذا الاعتبار يجب أن يراعى في فهم كلام الرسول ﷺ وتنزيل أحاديثه الشريفة – وهي من جوامع الكلم العربي – على هذا الترتيب نفسه في فهم نصوص القرآن. ثم أفاض الشاطبي في شرح " أن الشريعة المباركة أمية لأن أهلها كذلك؛ إذ لم يكن لهم معرفة بعلوم الأقدمين "، وأن تنزيلها على مقتضى حال الذين نزلت عليهم من أميتهم هو الأوفق والأجرى مع رعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم. وقد أوضح العلامة الشيخ عبد الله دراز في تعليقاته أنه وفقا لهذا الاعتبار ربطت الشريعة مواقيت الصلاة بالدلائل الحسية المشهودة من الزوال والغروب والشفق، مما لا يحتاج إلى علوم كونية وآلات وتقاويم فلكية. أقول: وواضح أن الشريعة السمحة الخالدة إذا صلحت للأميين حتى يسهل تطبيقها عليهم، صلحت لغيرهم من أهل العلوم وللناس أجمعين، ولا عكس. وهذا من أسرار آخريتها وصلوحها للخلود ما دام لبني الإنسان وجود، فجلت حكمة الله فيما شرع لعباده.

стр. 1762

ثم قال الشاطبي بصدد ما تفرع عن أمية الشريعة: " إنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأمي، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثًمَّ عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه. وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب.... ". بعد هذه المقتطفات من كلام الإمام الشاطبي عن أن الشريعة أمية، وأنها ودستورها - وهو القرآن - عربيان بالمعنى المشروح، (وكذلك بيان رسولها نبي الهدى ﷺ ، نعود إلى موضوعنا حول ميقات الإحرام الواجب للقادم جوًا بالطائرة لحج أو لعمرة، في ضوء ما نقلنا عن الشاطبي ﵀، فأقول: إن النبي ﷺ قد حدد تلك المواقيت المكانية لأهلها، ولمن أتى عليها ومر بها من غير أهلها. وهذا منه بيان وتحديد لقوم أميين، وبلسان عربي مبين هم أهله الأصليون، وأن علينا وعلى جميع الأجيال المسلمة التي تتلوهم من علماء في الشريعة وفي الطبيعة وفي مختلف العلوم من عرب وأعاجم، أن لا نفهم من نصوص القرآن وكلام الرسول ﵇ إلا ما يفهمه إذ ذاك أولئك الأميون أهل العربية المخاطبون بها بحسب مألوفهم ومعهودهم وعرفهم، كما يقول الإمام الشاطبي.

стр. 1763

وإذا كان كذلك فمن الذي يستطيع أن يزعم أنهم يمكن أن يفهموا من تحديد الرسول لهم تلك المواقيت المكانية أنها شاملة للقادم جوًا بطائرة في مستقبل الدهر إذا اخترع البشر آلة تطير بهم، ومرت بأحد ركابها فوق ميقات أرضي وهو في السماء، أو حاذى سمته؟ مع العلم أننا أوضحنا قبلا أن الحديث النبوي المذكور لا يشمل المحاذاة من قريب أو بعيد، بل هو مقصور على أهل تلك المواقيت ومن مر بأحدها، وأن إلحاق المحاذاة لأحد المواقيت بالمرور به فعلا هو اجتهاد عمر ﵁. ونحن نضع اجتهاده هذا فوق الرأس والعينين وهو معقول في ذاته؛ لأن ما تقتضيه حرمة البيت المعظم من أن يتهيأ من يقصده لحج أو لعمرة بالإحرام قبل الوصول إليه، هو مما ينبغي أن يستوي فيه كل قاصد، سواء مر بالميقات الذي حدده رسول الله ﷺ ، أو جاء من طريق أخرى لا تمر به، فَجَعْلُ المحاذاة لأحد المواقيت هي الحد لغير من يمر بالميقات هي قيَاس معقول مبني على علة متحدة. ولكن هذا القياس السليم لا يجوز أن يخرج عن أرضية المسألة، وهي أن تلك المواقيت التي حددها الرسول ﷺ لا يفهم منها أهل اللسان الذين خوطبوا به، إلا أنها لأهلها ولمن يمر بها المرور المعتاد الذي لا يعرفون سواه، وهو المرور بها في موقعها على سطح الأرض؛ لأن هذا هو ما تدل عليه لغتهم التي خوطبوا بها حين قال لهم الرسول عن هذه المواقيت: هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ولا يمكن أن يتصور أحدهم إذ ذاك مرور أحد من فوق الميقات وهو طائر في الجو.

стр. 1764

وقد رأينا آنفًا قول الشاطبي: " إنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ... وأنه لا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا يعرفونه، وأن هذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب ". فاجتهاد عمر ﵁ في إلحاق المحاذاة لا يمكن أن يتجاوز الأصل، فكما أن النص الأصلي، وهو حديث المواقيت معناه المرور بالميقات فعلا على سطح الأرض، فإن المحاذاة التي ألحقها به عمر معناها المحاذاة ممن يمر حذو الميقات المرور المعتاد على سطح الأرض؛ ذلك لأن المقيس لا يمكن أن يعطي أكثر من حكم المقيس عليه. فإذا كان نص الحديث النبوي لا يتناول القدوم جوًا مما لم يكن في حسبان أهل اللسان ولا معهودهم، فكذلك المحاذاة الملحقة بطريق القياس والاجتهاد لا تطبق على طريق الجو الذي لم يكن يتصوره عمر نفسه صاحب هذا الاجتهاد القياسي. إنني أخلص من جميع ما تقدم بيانه إلى أن القادمين اليوم بطريق الجو في الطائرات لحج أو عمرة لا يشملهم تحديد المواقيت الأرضية التي حددها رسول الله ﷺ وهم في الجو. فهي حالة قد سكت عنها النص؛ لأنها لم تكن في التصور أصلاً، كما سكت عن القادمين من الجهة الغربية إذ لم يكن إذ ذاك مسلمون يقدمون من أفريقية من وراء البحر، ولا من مصر. أما الشام فإنه وإن لم يكن فيه مسلمون إذ ذاك قد كانت تجارة قريش وعرب الحجاز قائمة مع الشام في رحلة الصيف، فقد يعودون منه قاصدين حجًا أو عمرة، فلذا حدد رسول الله ﷺ للقادمين من الشام الجحفة ميقاتًا لهم، كما أسلفنا بيانه.

стр. 1765

وإذا كان القدوم جوًا ليس مشمولاً بتحديد المواقيت المكانية لما قد بينا، فهو إذن خاضع للاجتهاد في تحديد ميقات مكاني للقادمين منه بالوسائط الجديدة المبتكرة في عصرنا هذا، كسائر قضايا الساعة التي ليس عليها نص، فيجب أن يقرر الاجتهاد لها الحكم المناسب في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها، وفي طليعتها دفع الحرج. وفي نظري أن الحكم المناسب في هذا الموضوع، والذي لا يترتب عليه حرج ولا إخلال، هو أن القادمين بالطائرات اليوم لا يجب عليهم الإحرام إلا من بعد أن تهبط الطائرة بهم في البلد الذي سيسلكون بعده الطريق الأرضي، فإذا هبطت الطائرة بهم في بلد يقع خارج المواقيت، يكون عندئذ ميقاتهم للإحرام هو الميقات الذي سيمرون به، أو من الموقع الذي يحاذي أحد المواقيت المحددة لمختلف الجهات إذا كانوا لا يمرون بأحد تلك المواقيت. أما إذا كان المكان الذي تهبط فيه الطائرة بلدًا يقع بعد أحد المواقيت المذكورة، أي بينه وبين الحرم، فإن ميقاته للإحرام هو ذلك البلد نفسه، فيصبح حينئذ كأهله فلا يجوز له أن يجاوزه إلا محرمًا. وبما أن المطار الدولي اليوم الذي يهبط فيه الحجاج والمعتمرون هو في مدينة جدة، وهي واقعة ضمن بعض المواقيت، فإن القادمين بطريق الجو إلى جدة لحج أو لعمرة، يكون ميقاتهم للإحرام مدينة جدة، فلا يجوز أن يتجاوزوها إلا محرمين؛ لأنهم يصبحون عندئذ كأهل جدة فيحرمون من حيث يحرم أهلها.

стр. 1766

فلو أن المطار الذي يهبط فيه الحجاج والمعتمرون نقل فيما بعد إلى مكة لأصبح القادمون جوا كأهل مكة، فيحرمون من حيث يحرم المكيون، أي أن القادم بالطائرة بوجه عام، من أي جهة كان قدومه، متى هبطت طائرته في آخر مكان لكي يتابع بعده السير بالطريق البري، يأخذ عندئذ حكم أهل ذلك المكان بشأن الإحرام. أما القول بأن عليه أن يحرم وهو في الطائرة في الجو متى مرت الطائرة بأحد المواقيت أو حاذته، فهذا لا أرى دليلا شرعيًا يوجبه، وهو مبني على تصور أن القدوم جوًا بالطائرة مشمول بالحديث النبوي الذي حدد المواقيت الأرضية. وهذا في نظري رأي غير سليم في فهم النصوص فهما فقهيا كما سبق إيضاحه، علاوة على ما فيه من حرج شديد وصعوبة قد تصل إلى حد التعذر، بالنظر إلى حال الطائرات العامة، ولاسيما الدرجة السياحية فيها (وهي التي تأخذها الجماهير) ، وضيق مقاعدها لاعتبارات تجارية، حتى إن الراكب ينزل في مقعده كما ينزل الإسفين في الخشب، ويعسر عليه التحرك في تناول وجبة الطعام، فضلاً عن أن يخلع ملابسه المخيطة ويرتدى الرداء والإزار، وأين في الطائرة مغتسل ومصلى ليقيم سنة الإحرام؟ وأغرب من ذلك قول من يقول: إن هذا الحرج يمكن دفعه بأن يحرم بملابسه في الطائرة، ثم يخلعها بعد الهبوط ويفدي بدم جزاء، فمتى كانت هذه الشريعة الحكيمة السمحة تكلف أحدًا بما يشبه المستحيل لتعسره أو تعذره، على أن يخالفه المكلف ويتحمل بدلا منه جزاء مكلفًا؟ إن الشريعة الحكيمة براء من مثل هذا التكليف.

стр. 1767

وأشد غرابة من هذا رأي من يقول – وكل هذا قد سمعناه – أن الحل لهذه المشكلة هو أن يحرم من يريد القدوم بالطائرة من بيته قبل ركوبها. فماذا يقول هؤلاء إذا كان قاصد الحج أو العمرة من أهل موسكو أو سيبيريا قادما في الشتاء حيث درجة الحرارة خمسون تحت الصفر بمقياس سنتيغراد؟ هذا ما يبدو لي أنه الوجه الصحيح في هذه القضية واستنباط الحل والحكم الشرعي الذي يناسبها، بعد إعمال الفكر منذ سنوات في ملابساتها، وإنعام النظر في الأدلة، والاستئناس بالدلائل، فقد كثر السؤال عنها، وكلما تقدم الزمن سنة ألحت الحاجة إلى البيان الشافي فيها بصورة مدروسة بصيرة، لا تسرع فيها ولا ابتسار، يُنظر فيها إلى هذه القضية من مختلف الزوايا لا من زاوية واحدة. وما يدرينا لعل سنوات قادمة غير بعيدة تصبح فيها الطائرة من الوسائل العتيقة البطيئة، ويحل محلها الصاروخ الذي يطوي المسافات الزمانية والمكانية الطويلة والبعيدة، فيختزلها في دقائق معدودات، كما يتنبأ به كثير من رجال العلم والفكر. وأن ما شهدناه في هذا العصر من عجيب الإنجازات، التي كلما تحقق منها شيء لم يكن ليصدق لو رؤي في المنام، فتح تحققه طريقا لما هو أعجب منه. وهذا الحل الذي ارتأيته بالدليل الذي رأيته - وأرجو أن يكون صوابا _ هو صالح لأن يتمشى مع مختلف الوسائل المبتكرة في النقل والأسفار مهما تطورت. فإن كان صوابا فمن فضل الله تعالى، وإن كان خطأ فمن قصور فكري وعلمي. والله سبحانه أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل. مصطفى أحمد الزرقاء كلية الشريعة – الجامعة الأردنية

стр. 1768

الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة لفضيلة الشيخ محمد علي عبد الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ورد في مصنف الفقه على المذاهب الأربعة: أن الحج لغة هو: القصد إلى معظم، وشرعا: أعمال مخصوصة تؤدى في زمان مخصوص ومكان مخصوص. والحج فرض في العمر مرة على كل فرد من ذكر أو أنثى. وقد ثبتت فريضته بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وأما السنة فقوله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)) رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر. وأما الإجماع فقد اتفقت الأمة على فريضته، ولم يخالف أحد من المسلمين، ومنكرها كافر كمنكر فريضة الصلاة والصيام والزكاة.

стр. 1769

وقد ورد في تفسير البغوي المعروف بمعالم التنزيل: قال العلماء: الحج واجب على كل مسلم. وهو أحد أركان الإسلام الخمسة. ولوجوب الحج خمس شرائط: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة. ولا يجب على الكافر والمجنون ولو حجَّا لم يصح؛ لأن الكافر ليس من أهل القربة، ولا حكم لقول المجنون، ولا يجب على الصبي والعبد، ولو حج الصبي يعقل أو يحج عبد صح حجهما تطوعا ولا يسقط الفرض، فإذا بلغ الصبي وعتق العبد، واجتمع فيهما شرائط الحج وجب عليهما أن يحجا ثانيًا، ولا يجب على غير المستطيع لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] . فلو تكلف غير المستطيع الحج وحج، صحَّ حجُّه وسقط عنه فرض حجة الإسلام، وبالتالي يعتبر الشيخ أحمد بن غنيم بن سالم بن مهتا النفراوي أن الحج أشد أركان الإسلام (كتاب الفواكه الدواني) فهو فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره، والسبيل الطريق السابلة: فمن شروط الحج إذن الاستطاعة، فلا يجب الحج على غير المستطيع، باتفاق المذاهب الأربعة، إلا أن هاته المذاهب اختلفت في تفسير معنى الاستطاعة. فالاستطاعة لدى الحنفية هي القدرة على الزاد والراحلة، بشرط أن يكونا زائدين عن حاجياته الأصلية، كالدَّيْن الذي عليه والمسكن، والملبس والمواشي اللازمة له، وأن يكونا زائدتين عن نفقة من تلزمه نفقتهم مدة غيابه إلى أن يعود، ويعتبر في الراحلة ما يليق بالشخص عادة وعرفا، ويختلف ذلك لديهم باختلاف الناس واختلاف أحوالهم، فالرجل الذي لم يستطع أن يستأجر محملا، فإنه لا يجب عليه الحج، أو لا يكون قادرا على هذه الحالة. ومثله من لا يستطيع أن يستأجر مركبا يركب عليه وحده، فلو قدر على راحلة مع شريك له، بحيث يتعاقبان الركوب عليها، فيمشي كل منهما تارة، ويركب الآخر، فإنه لا يعتبر قادرا، ولا يجب عليه الحج.

стр. 1770

والاستطاعة لدى المالكية هي إمكان الوصول إلى مكة ومواضع النسك إمكانا ماديًا، سواء كان ماشيا أو راكبا، وسواء كان ما يركبه مملوكا له أو مستأجرا، ويشترط أن لا تلحق مشقة عظيمة بالسفر، فمن قدر على الوصول مع المشقة الفائقة فلا يكون مستطيعا، ولا يجب عليه الحج، ولكن لو تكلفه وتجشم المشقة أجزأه ووقع فرضا، كما أن من قدر على الحج بأمر غير معتاد، كالطيران ونحوه لا يعد مستطيعا، ولكن لو فعله أجزأه (أي كفاه) . ويعتبر المالكية في شأن الاستطاعة أنه لا فرق بين البر والبحر متى كانت السلامة فيه غالبة، فإن لم تغلب فلا يجب الحج إذا تعين البحر طريقا. يزاد لدى المالكية في حق المرأة أن يكون معها زوجها أو محرم من عائلتها أو رفقة مأمونة، فإذا فُقِدَ جميع ذلك، فلا يجب عليها الحج، وأن يكون الركوب ميسورا لها إذا كانت المسافة بعيدة، والبعد لا يُحد بمسافة القصر، بل بما يشق على المرأة المشي فيه، ويختلف ذلك باختلاف النساء، فيلاحظ في كلٍّ ما يناسبها، فإذا شق المشي على المرأة ولم يتيسر لها الركوب، فلا يجب عليها، كما لا يجب عليها إذا تعين السفر في سفن صغيرة لا تتمكن فيها المرأة من الستر وحفظ نفسها. أما السفن الكبيرة التي يوجد فيها محالٌّ يمكن أن تكون المرأة فيها محفوظة، فيجب السفر فيها إذا تعينت طريقا، ولا يسقط الحج عنها.

стр. 1771

والاستطاعة لدى الحنابلة هي القدرة على الزاد الصالحة لمثله. كما يشترط الحنابلة لوجوب الحج أمن الطريق، بحيث لا يوجد مانع من خوف على النفس أو المال أو العرض، أو نحو ذلك. أما المرأة فلا يجب عليها الحج إلا إذا كان معها زوجها أو أحد من محارمها. ولم يتعرض الحنابلة إلى مسألة الطائرة بل الإحرام عن طريق الجو أو السفينة فكل ما لديهم أن يكون الطريق آمنا. أما الشافعية، فالاستطاعة لديهم على نوعين: ١- الاستطاعة بالنفس والقدرة على ما يلزمه من زاد وأجرة الكفارة ونحو ذلك من الذهاب والإقامة بمكة والإياب منها. ٢- وجوب الراحلة، ويعتبر ذلك لديهم في حق المرأة مطلقا سواء كانت المسافة طويلة أو قصيرة، وفي حق الرجل إن كانت المسافة طويلة، فإن كانت قصيرة وقدر على المشي بدون مشقة وجب عليه الحج بدون وجود الراحلة وإلا فلا يجب، وفسر الشافعية الراحلة بأنها ما يمكن الوصول عليه، سواء كانت مختصة أو مشتركة، بشرط أن يجد من يركب معه. فإن لم يجد من يركب معه ولم ييسر له ركوبها وحده فلا يجب عليه الحج، ولا بد أن تكون الراحلة مهيئة بما لابد منه في السفر، كخيمة.

стр. 1772

وقال ابن حبيب: الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وعلى العموم من قدر على المشي وجبت عليه وإن عدم الركوب، وكذلك الأعمى إذا وجد قائدا ولم يجد طريقا إلا البحر لم يسقط عنه الحج (خلافا لموقف الشافعي كما رأيناه آنفا) ، إلا أن يكون الخوف أو يعلم أنه يعطل الصلاة بالميد. ولو كان لا يجد موضعا للسجود للضيق إلا ظهر أخيه فلا يركبه، والمعطوب الذي لا يستمسك على الراحلة لا يلزمه أن يجمع عنه غيره من ماله، ويسقط الحج إذا كان في الطريق عدو. وعلى العموم الحج عن طريق البر والبحر مقبول لدى الفقهاء والمسألة المتعلقة عن الإحرام عن طريق الجو هو الذي لم يقع الاتفاق عليه، فقد قال الإمام مالك عن الإحرام عن طريق الجو أنه من قدر على الحج عن طريق الطيران ونحوه لا يعد مستطيعا، إلا أنه لو قام بذلك أجزأه، ونحن نعلم أن السفر عن طريق الجو كان معدوما في ذلك الحين، أما الآن فهو مصلحة ضرورية ووسيلة ناجحة للسفر، ولو إلى المكان المقصود في أقل وقت ممكن، وبالتالي يمكن إدراج الإحرام عن طريق الطائرة ضمن الاستطاعة إذ إنه قول يحقق الإحرام لمستقلِّ الطائرة عند نزولها في المطار، إذ ما دام المحرم في الطائرة وهي في الجو لا يمكنه معرفة الميقات الزماني والمكاني. وكذلك مستقل الباخرة الإحرام لديه يبدأ من بلوغه الميناء والنزول على مطية الباخرة. علما بأن المواقيت تنقسم إلى قسمين: - ميقات زماني ومكاني: فالزماني شوال وذو القعدة والعشر الأُوَل من ذي الحجة، فمن أحرم قبل ذلك انعقد وصح على كراهية وفقا لأبي حنيفة، وقيل لا ينعقد وفاقا لداود، وقال الشافعي: يسقط وينقلب حجه إلى عمرة. وعلى الكل هذا قد لا يقع فيه خلاف كثير كما هو للنشأ فيما يخص الميقات المكاني، التي تنقسم إلى خمسة، منقسمة على جهات الحرم وهي، الحليفة لأهل المدينة، وقرن لأهل نجد، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب، ويلملم لأهل اليمن، وذات عرق لأهل العراق وخرسان والمشرق. ويكره تقديمه عليها ويلزم إن فعل. ويقول الشافعي: الأخيرة أن يحرم من بلده، والأولى لمن مر بذي الحليفة من ميقات الجحفة أن يحرم من ذي الحليفة؛ لأنه ميقات النبي ﷺ . وأما للمقيم بمكة فيحرم منها، وميقات العمرة من مكان مواقيت الحج إلا لمن كان في الحرم، فعليه أن يخرج إلى الحل ولو إلى أوله، ليجمع بين الحرم والحل كما يجمع بينهما الحاج، والاختيار له أن يحرم بالعمرة من الجعرانة أو التنعيم. ومن كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات، فميقاته من منزله في الحج أو العمرة، ومن مر على ميقات فله ثلاثة أحوال:

стр. 1773

١- المسألة الأولى: أن يمر لحاجة دون مكة فلا إحرام عليه. ٢- المسألة الثانية: أن يريد دخول مكة لحاجة، فيلزمه الإحرام وهو لازم لكل من دخلها إلا من خرج من أهلها لحاجة ثم عاد. ومن أكثر التردد إليها كالحطاب أو غيره لا يلزم عند بعض الكتاب. ٣- الحالة الثالثة: أن يريد الحج والعمرة فيحرم من الميقات ولا يتجاوزه إلى ما بعده، فإن تجاوز رجع ما لم يحرم، ولا دَمَ عليه، فإن أحرم مضى ولزمه الدم، وإن رجع بعد إحرامه لم يسقط عنه الدم. ويجدر التنبيه بأن الإحرام ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج كالتلبية والتوجه إلى الطريق، وسننها أربعة. ١- الغسل تنظيفا، ولا يتطيب قبل الغسل ولا بعده بما يبقى رائحة. ٢- التجرد عن المخيط في إزار ورداء ونعلين. ٣- صلاة ركعتين فأكثر، فإن إحرام عقب الغرق فلا بأس. ٤- التلبية من حين يأخذ في المشي، ويجددها عند كل هبوط وصعود وحدوث حادث وخلف الصلوات. وعلى هذا نكون قد أتينا على آخر بحثنا وعلى الله التوفيق.

стр. 1774

الإحرام للقادم إلى الحج بالطائرة أو الباخرة لفضيلة الشيخ تجاني صابون محمد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإحرام للقادم إلى الحج بالطائرة أو الباخرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. يعتبر الإحرام الركن الأول من أركان الحج ومعناه في الشرع: نية الدخول في الحج والعمرة. ولا يلزم في تحققه اقترانه بتلبية أو سوق هدي أو نحو ذلك عند الشافعية. أما الأحناف فقد قالوا بأن الإحرام يتحقق بأمرين، الأول: النية، والثاني: اقترانها بالتلبية، ويقوم مقام التلبية مطلق الذكر أو تقليد البدنة مع سوقها، فلو نوى بدون تلبية أو ما يقوم مقامها مما ذُكِرَ أو لبّى ولم ينو لا يكون محرما، وكذلك لو أشعر البدنة بجرح سنامها الأيسر أو وضع الجل عليها أو أرسلها، وكان غير متمتع بالعمرة إلى الحج ولم يلحقها، أو قلّد شاة، لا يكون محرما. أما المالكية فقد ذكروا معنى الإحرام بما يلي: الإحرام هو الدخول في حرمات الحج، ويتحقق بالنية فقط على المعتمد، ويسن اقترانه بقول كالتلبية والتهليل، أو فعل متعلق بالحج كالتوجه وتقليد البدنة. أما المواقيت فهي تنقسم إلى قسمين: زمانية ومكانية.

стр. 1775

فالميقات الزماني بالحج مفردا أو قارنا هو من أول شوال إلى طلوع الفجر من يوم النحر. أما المواقيت المكانية فهي تختلف باختلاف الجهات، فأهل الشام ومصر والسودان والمغرب ومن دونهم فيمقاتهم الجحفة، وأهل العراق وسائر أهل المشرق فميقاتهم ذات عرق، وهي قرية على مرحلتين من مكة، وأهل المدينة المنورة بنور النبي ﷺ ميقاتهم ذو الحليفة، وهي تبعد عن المدينة بخمسة أميال، وهي أبعد المواقيت من مكة، والميقات لأهل اليمن والهند يلملم، وهي تبعد بمرحلتين من مكة، ولأهل نجد قرن، وهي أيضًا على مرحلتين من مكة. فهذه المواقيت لأهل هذه الجهات المذكورة، ولكل من مر بها أو حاذاها، وإن لم يكن من أهل جهتها. فمن مر بميقات منها أو حاذاه قاصدا النسك، وَجَبَ عليه الإحرام منه، ويجوز له أن يجاوزه بدون إحرام، فإن جاوزه ولم يحرم وجب عليه الرجوع إليه ليحرم منه إن كان الطريق مأمونا، وكان الوقت متسعا، بحيث لا يفوته الحج لو رجع، فإن لم يرجع لزمه هدي لأنه جاوز الميقات بدون إحرام، سواء أمكنه الرجوع أم لم يمكن لخوف الطريق أو ضيق الوقت، إلا أنه في حالة إمكان الرجوع يأثم بتركه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أمامه مواقيت أخرى في طريقه أو لا، وهذا الحكم أقرته الشافعية والحنابلة. أما الأحناف فقالوا: إن جاوز الميقات بدون إحرام حرم عليه ذلك ويلزمه الدم إن لم يكن أمامه ميقات يمر عليه بعد، وإلا فالأفضل إحرامه من الأول فقط إن أمن على نفسه من ارتكاب ما ينافي الإحرام، فإن لم يأمن فالأفضل أن يؤخر الإحرام إلى آخر المواقيت التي يمر بها.

стр. 1776

أما المالكية فقالوا: هذه المواقيت معتبرة بأنفسها لا بأسمائها. فإذا كان الميقات قرية فخربت أو انتقلت عمارتها واسمها إلى موضع آخر كان الاعتبار بالأول؛ لأن الحكم تعلق به، فمتى مر بميقات من هذه المواقيت وجب عليه الإحرام منه، فإن جاوزه بدون إحرام حرم ولزمه دم، إلا إذا كان ميقات جهته أمامه يمر عليه فيما بعد، فإن كان كذلك ندب له الإحرام من الأول فقط، فإن لم يحرم منه فلا أثم عليه ولا دم وخالف المندوب. وهذا كله فيما كان خارجا عن هذه المواقيت، وأما من كان بينها فميقاته من بيته، ومن كان بمكة من غير أهلها وأراد الإحرام بالحج صح إحرامه من مكة بلا إثم ولكن يندب له أن يخرج إلى ميقات ليحرم منه إن كان الوقت متسعا وأمن على نفسه وماله لو خرج، وإلا فلا يندب له الخروج. أما من حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة هذا ما أقره جل السادة المالكية، خلافا على ما جاء عن بعض منهم حيث يرون الأفضل تأخير الإحرام حتى بلوغ سواحل جدة، ويرى في هذا الرأي الأخير تجاوز الميقات. أما حكم الإحرام في الطائرة فإن حكمه حكم الإحرام في الباخرة، فإذا أمكن للحاج أن يحاذي ميقاته أحرم وإن وجد مشقة في الإحرام داخل الطائرة وفي تحديد مكان الميقات (كما هو الحال في معظم الطائرات) وخاف مجاوزة الميقات دون إحرام، فإنه يحرم قبل ركوبه الطائرة؛ لأن أمر الإحرام قبل الميقات أخف من الإحرام بعده، حيث إن الأول مكروه على المذهب المالكي، والثاني يوجب الهدي والإثم في بعض الحالات، كما مر في سياق هذا البحث.

стр. 1777

وقد جاء في حاشية الإمام الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل في الجزء الثاني صفحة (٤٢٨) ما يلي: قال رجل لمالك بن أنس: من أين أحرم؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فأعاد عليه مرارا. قال: فإن زدت على ذلك؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وما في هذا من الفتنة إنما هي أميال أزيدها؟ فقال مالك: قال الله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت فضلا قصّر عنه رسول الله ﷺ ، أو ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله تعالى لك واختيار رسول الله ﷺ . فعلى ضوء ذلك فإنه يتعذر علينا وجود رخصة في تحديد ميقات قبل أو بعد المواقيت المحددة من عند رسول الله ﷺ . ولكن يجب على الاجتهاد أن يجري في المحافظة عليها ومراعاتها. فنسأل الله الكريم أن يهدينا إلى طريق الصواب، وأن يحفظ ديننا الذي ارتضاه لنا. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1778

الإحرام من جدة لركاب الطائرات في الفقه الإسلامي لفضيلة الشيخ محيي الدين قادي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإحرام من جدة لركاب الطائرات في الفقه الإسلامي (١) الحمد لله الذي شرح صدورنا للإسلام، وجعلنا من أمة الحاشر الخاتم خير الأنام، سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فبيّن لنا الحدود والأحكام، وفصل لنا الحلال والحرام، وأورث فقهاء أمته التوقيع عن رب العالمين، فكانوا كواكب الهدى وأنوار الدجى وخدموا الشريعة خدمة جليلة فجازاهم الله عنا أحسن الجزاء، وجعلنا وإياهم من الفائزين بالحسنى وزيادة يوم الجزاء. وبعد، تأملت هذا الموضوع فوجدته يندرج ضمن عديد الموضوعات التي أثارتها على الساحة الإسلامية حركةُ التقدم الحضاري والتقني؛ وذلك لأن هذه القضية حدثت حصيلة تطور وسائل النقل تطورا كبيرا من عائمة من أعماق البحار، إلى طائرة في أجواء الفضاء إلى متجاوزة لذلك كله، ونازحة على سطح القمر حاضرا، وكواكب أخرى مستقبلا، ولا يخفى أن هذا التطور في وسائل النقل أحدث العديد من المشاكل في حياة المسلمين عبادات ومعاملات، وأصبح المسلم في حيرة من أمره يتساءل: هل تجوز الصلاة في الطائرة إذا انحرفت عن القبلة؟ وهل تجوز فيها إذا طارت فوق مكة وأصبحت المعاملة والمعانية متعذرتين؟ ولو طارت الطائرة في أجواء الفضاء بحيث تدور الأرض ولا تدور، هل يقصر ويفطر؟

стр. 1779

لو صلى في مركبة فضائية خارج نظام الجاذبية، فينعدم الوزن انعداما كليا، ويتغير الأمر تغيرا جذريا، ويكون معلقا في الفضاء، وفي حركة عشوائية قسرية لا تمكنه من القيام، ولا من الاتجاه إلى الأرض، فكيف يصلي؟ ولو ركب قمرا صناعيا فدار به في الليل والنهار عشر مرات حول الأرض، وكل دورة لها ليل ونهار، فهل تجب عليه الصلوات الخمس في جميع الدورات؟ ولو سافر بالطائرة إلى الحج، فهل يحرم من الميقات؟ أو قبله؟ أو يؤخر إحرامه إلى أول مكان في البر وهو جدة في حاضرنا الإسلامي؟ كل هذه التساؤلات لا تجد الحلول الفقهية السريعة سرعةَ التقدم الحضاري والتقني بصفة عامة، وسرعةَ التطور الخطير في وسائل النقل بصفة خاصة؛ وذلك أن تكوين الفقهاء المعاصرين محدود، فلم يبق فيهم المجتهد المطلق، ولا مجتهد المذهب، ولا مجتهد الفتوى، وإنما هم مقلدون يفتون الناس بنقل أقوال الأئمة في حادثة ما، أو التخريج عليها، وتنزيل هذه الأقوال منزلة الأدلة لدى الأئمة المجتهدين.

стр. 1780

ولرأب هذا الصدق أنشئت المجامع الفقهية لتحقيق الاجتهاد الجماعي العاجل في المشاكل المستحدثة، ولكتابة الموسوعات والمعاجم الفقهية، والمجلات ذات المستوى العالي في البحوث الفقهية وغيرها من الوسائل لتيسير عملية الاجتهاد الفردي بين الفقهاء، وذلك ما اعتبره هذا المجمع العالمي للفقه الإسلامي مهمته وهدفه، ويوم يتحقق ذلك يفرح المسلمون بعودة الازدهار إلى أعظم مأثرة من مآثر حضارتهم وهو: " فقههم ". ولنكف اليراع عن الاسترسال فيما يجب إنجازه لتيسير عملية الاجتهاد الفردي، فذلك ما يتطلب بدوره بحثا، أو بحوثا، ولنسارع إلى بيان الخطة التي قام عليها هذا البحث فنقول، ومنه - عم نواله - نستمد بلوغ المأمول: اقتضت طبيعة هذا البحث أن يكون مشتملا على خمسة مباحث، رتبتها على النسق التالي: المبحث الأول: تعريف الإحرام: ويشتمل على أربع نقاط: النقطة الأولى: تعريف الإحرام لغة. النقطة الثانية: تعريف الإحرام شرعا في المذاهب الفقهية. النقطة الثالثة: شرح تعريف الإمام ابن عرفة. النقطة الرابعة: نقد لهذه التعاريف ونتيجة. المبحث الثاني: حكم الإحرام: ويشتمل على نقطتين: النقطة الأولى: ركنية الإحرام. النقطة الثانية: هل ركنية الإحرام قدر متفق عليه بين المذاهب الإسلامية.

стр. 1781

المبحث الثالث: الميقات الزماني للعمرة والحج: ويشتمل على خمس نقاط: النقطة الأولى: تعريف الميقات لغة. النقطة الثانية: تعريف الميقات الزماني شرعا. النقطة الثالثة: الميقات الزماني للعمرة. النقطة الرابعة: الميقات الزماني للحج. النقطة الخامسة: الإحرام قبل الميقات الزماني. المبحث الرابع: الميقات المكاني للحج والعمرة: ويشتمل على تسع نقاط: النقطة الأولى: تعريف الميقات المكاني شرعًا. النقطة الثانية: الميقات المكاني لمن بالحل. النقطة الثالثة: الميقات المكاني لمن بمكة المكرمة. النقطة الرابعة: الميقات المكاني للأفقيين. النقطة الخامسة: الرسول ﷺ هو الذي وقّت المواقيت. النقطة السادسة: المواقيت لأهلها ولمن مر بها من غير أهلها. النقطة السابعة: جواز الإحرام قبل المواقيت. النقطة الثامنة: الإحرام بعدها بين الضيق وبين السعة. النقطة التاسعة: إحرام من لم يمر بالمواقيت.

стр. 1782

المبحث الخامس: الترخيص لركاب الطائرات في تأخير الإحرام إلى جدة: ويشتمل على ثلاث نقاط: النقطة الأولى: مقاصد شرعية عامة تساعد على الترخيص للأفقيين في تأخير الإحرام إلى جدة. النقطة الثانية: تيسيرات خاصة بالحج. النقطة الثالثة: نصوص فقهاء الإسلام تُرخص للقادمين جوا في تأخير الإحرام إلى جدة. ملحق: يتضمن عدة فتاوى مصورة لأعلام من الفقهاء المعاصرين شرقا وغربا. هذا واعتمدت في تحرير مسائل هذا البحث على مصادر ومراجع متعددة، اختلفت درجة استعمالها، واتفقت في كونها معتمدة في باباها، سيجدها القارئ في هوامش البحث، وفي فهرست مصادره ومراجعه – إن شاء الله – ولا أزعم أنني وصلت في موضوع هذا البحث إلى القول الفصل، ولكنني أصّلته، وأرجعت أقوال الفقهاء إلى مداركها، حاولت في المبحث الخامس ربطها بمقاصدها، والتخريج عليها بدون تعسف ولا إكراه لها، راجيا من وراء ذلك أن ينفعني الله بما علمت، وينفع بي، وأن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 1783

المبحث الأول تعريف الإحرام ويشتمل على النقاط التالية: النقطة الأولى: تعريف الإحرام لغة. النقطة الثانية: تعريف الإحرام شرعا في المذاهب الفقهية. النقطة الثالثة: شرح تعريفة ابن عرفة. النقطة الرابعة: نقد لهذه التعاريف ونتيجة. النقطة الأولى تعريف الإحرام لغة الإحرام في لسان العرب: الدخول في حرمة لا تهتك، وإحرام الحاج أو المعتمر الدخول في عمل حرم عليه به ما كان حلالا (١) . وهو مصدر أحرم الرجل، يحرم، إحراما: إذا أهلّ بالحج، أو العمرة، وباشر أسبابهما وشروطهما، من خلع المخيط واجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها، كالطيب والنكاح والصيد، وغير ذلك. والأصل فيه المنع، فكأن المحرم ممتنع من هذه الأشياء، ومنه حديث: ((الصلاة تحريمها التكبير)) كأن المصلي بالتكبير والدخول في الصلاة، صار ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجية عن كلام الصلاة وأفعالها. فقيل للتكبير؛ تحريم؛ لمنعه المصلي من ذلك (٢) .

стр. 1784

والملاحظة وجود تداخل بين المعاني اللغوية وبين المعنى الشرعي لكلمة "إحرام "، وذلك ما يفوت على الباحث معرفة العلاقة بين المعنى اللغوي وبين المعنى الشرعي، وهل هي النقل أو التخصيص أو التعميم؟ ويبدو لي هذا التداخل في قولهم: أحرم الحاج، أو المعتمر: دخل في عمل حرم عليه به ما كان حلالا، ذلك ما قاله مجد الدين في القاموس المحيط، ويزداد هذا التداخل وضوحا عند صاحب اللسان إذ يقول: وهو مصدر أحرم الرجل يحرم إحراما: إذا أهل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما وشروطهما، من خلع المخيط إلى آخر ما سلف، ويعرب عن هذا التداخل بصورة جلية لا لبس فيها أحمدُ الفيوميُّ في المصباح المنير حين يقول: أحرم الشخص: نوى الدخول في حج أو عمرة (١) . النقطة الثانية تعريف الإحرام شرعا في المذاهب الفقهية لقد تناول فقهاء المذاهب السبعة المنتشرة في بقاع العالم الإسلامي رسم الإحرام شرعا، فرسمه عدد كبير من الفقهاء الأحناف برسوم متقاربة، ومن ذلك ما رسمه به الكمال بن الهمام حيث قال: الإحرام: الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها، غير أنه لا يتحقق شرعا إلا بالنية والذكر (٢) .

стр. 1785

ورسمه من المالكية الإمام ابن عرفة ﵀ فقال: صفة حكمية، توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء مطلقا، وإلقاء التفث، والطيب، ولبس الذكور المخيط، والصيد لغير ضرورة لا يبطل بما تمنعه " (١) . ورسمه من الشافعية الرملي فقال: يطلق الإحرام على نية الدخول في النسك (٢) . ورسمه من الحنابلة البهوتي بقوله: نية الدخول في النسك، لا نيته ليحج أو يعتمر (٣) . ورسمه من الزيدية أحمد بن يحيى المرتضى بقوله: الإحرام: نية الحج أو العمرة أو هما معا، عند الميقات (٤) . ورسمه من الإمامية العاملي فقال: الإحرام: هو في الحقيقة عبارة عن النية (٥) . ورسمه من الإباضية محمد بن يوسف أطفيش بقوله: الإحرام هو النية والتلبية، ونصه الحَرْفِيّ هو التالي: " يعقد نية الإحرام بحج، ويقول: لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة والملك لك، لا شريك لك، لبيك بحج تمامه وبلاغه عليك يا الله، ومن لم يلب لم يدخل في حج ولم يصح إحرامه، والتلبية مع نية الإحرام بحج أو بعمرة، أو بهما، قيل: كافيتان عن ذكر حج أو عمرة، أو ذكرهما في التلبية، والأولى الذي هو ذكر أحدهما، أو ذكرهما في التلبية أصح (٦) . ومن هذه الفقرة استخلصت رسم الإحرام شرعا عند الاباضية وهو النية المصاحبة للتلبية. والله أعلم.

стр. 1786

النقطة الثالثة شرح تعريف الإمام ابن عرفة لم أشرح الرسوم الستة ليسرها، ولقربها من التعريفات اللغوية، وخصصت تعريف الإمام ابن عرفة بالشرح لغموضه، فلو لم يُشرح لاستعصى فهمه على ذوي الاختصاص فضلا عن غيرهم. ومن قديمٍ عرف أسلافنا من الفقهاء المالكية هذه الميزة لتأليف ابن عرفة بصورة عامة، ولحدوده بصورة خاصة، وإنما أعانهم على فقهها أنهم شيخوها، ولم يتسوروا عليها، ومن حين لآخر، ورغما عن تمشيتهم لشرحها تعترضهم عقبة كأداء، وكان المبرزون منهم يفخرون بفكّ رموزها، وفهم إشاراتها خلفا عن سلف (١) ، وناهيك بحدود يعجز مؤلفها عن فهم واحد منها وهو حد الإجارة في أخريات عمره، وتوقف يومين وهو يتضرع إلى الله في فهمها، وأجاب في اليوم الثاني (٢) . ولم أدع هذا الرسم الذي رسم به الإمام ابن عرفة – ﵀ – الإحرام لكونه أدق محاولة من المحاولات التي ذكرتها في رسمه، ولكونه على شدة اختصاره وغموضه معينا على تصور إجمالي لحقيقة الإحرام، وإن كنت لا أدعي سلامته من النقد، كما سأبين ذلك في النقطة الموالية. وبعد هذه الإضاءة فإلى شرح التعريف، وشرحه يقوم على إبراز مراكز الاهتمام فيه وهي:

стр. 1787

١- قوله: " صفة حُكْمِيَّة ": هذا القيد ذكره في عدة رسوم كالطهارة، والطلاق، والقضاء، وغير ذلك، وهو جنس يشمل ما ذكر وما لم يذكر من كل ما هو معنى تقديري؛ لأن المراد بالصفة الحكمية معنى تقديري يحكم بها الذهن ولا وجود لها في الخارج. وأخرج بقوله " حكمية " الصفة الحسية كالطول والقصر، والسواد والبياض، والصفة العقلية كالعلم والقدرة وغير ذلك. ٢- قوله: " حرمة " قيد يخرج الطهارة، وقد عرفها من قبل بأنها: " صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة " ... إلخ. ٣- قوله: " مقدمات الوطء " نبه بحرمة مقدمات الوطء على حرمة الوطء نفسه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. ٤- قوله: " مطلقا ": يتأتى تفسير الإطلاق بتفسيرين: (أ) أن الإطلاق يراد به جميع الحالات التي يكون عليها الحاج أو المعتمر في ليله ونهاره، في سره وإعلانه، سواء كان يمارس منسكا أو يمارس غيره. (ب) أن الإطلاق يريد به في حالة الضرورة وفي غيرها بخلاف إلقاء التفث والطيب، وهذا أقرب الاحتمالين. وهذا القيد " مطلقا " له أهمية في الرسم، فلو أسقطه وقال: " صفة حكمية توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء وإلقاء التفث ... إلخ، للزم على ذلك صدقه في حالة الطواف مثلا، فصدق في إحرام الحج أنه أوجب حرمة المقدمات، بما وقع بعد ذلك من أجزاء الحج، لا يدل على عموم التحريم فيه، إلا بزيادة قيد الإطلاق.

стр. 1788

٥- قوله: " ولبس الذكور المخيط " قيد أخرج به المرأة؛ لأن لبس المخيط لا يحرم في حقها، وفيه إشارة إلى أن إحرام الرجل مغاير لإحرام المرأة. ٦- قوله: " والصيد " معطوف على المضاف إليه " الوطء " والمراد به في هذا الرسم: الاصطياد لا ملك الصيد؛ وذلك لأن الذي ملك صيدا في الحل ثم يُحرم، ولم يكن حامله، لا يسقط ملكه عنه. ٧- قوله " لغير ضرورة " قيد راجع للأربعة المذكورة قبل ذلك، وهي: إلقاء التفث، والتطيب، ولبس الذكور المخيط، ولا صيد؛ لأنها تكون ممنوعة اختيارا كما نص على ذلك. ٨- قوله " لا يبطل بما يمنعه " أراد بهذه الفقرة بيان العرف بين ممنوعات إحرام الحج والعمرة، وبين إحرام غير الحج والعمرة كالصلاة والصوم والاعتكاف، فإن ممنوعات الإحرام بالحج أو العمرة إذا ارتكبها الحاج أو المعتمر لا تبطل الحج وإن كان الممنوع مما يفسد الحج كالوطء، وإن ممنوعات غير الحج كالصلاة والصوم والاعتكاف إذا ارتكبها المصلي أو الصائم أو المعتكف فإنها تبطل عليه صلاته أو صومه أو اعتكافه.

стр. 1789

النقطة الرابعة نقد التعاريف السالفة، ونتيجة إن تعريف الإحرام أُشْكٍلَ على الفقهاء قديما وحديثا، والرسوم التي ذكرتها آنفا لفقهاء المذاهب لم تسلم من الاعتراض والنقد، فالتعريف الأول وهو تعريف ابن الهمام يتسنى نقده من وجوه ثلاثة: (أ) أن يكون ابن الهمام – ﵀ – أراد بـ " الدخول " في التعريف المذكور مطلق فعل الحاج أو المعتمر، وعلى هذا التفسير يلزم نفي الإحرام عن المحصر؛ لأنه غير متمكن من فعل النسكين، ويلزم عنه أيضًا أن النائم والمغمى عليه لا إحرام لهما. (ب) أن يكون ابن الهمام أراد بالدخول حقيقته، وهي انشاؤه، يلزم على هذا الشرح أن يكون بعد إنشاء الدخول غير محرم؛ لأن الإحرام عنده إنشاء الدخول، وإذا دخل في أحد النسكين: الحج أو العمرة، أو هما معا، فلا يمكن وجود الإحرام حقيقة بعد ذلك. وتلزم من ذلك لازمة خطيرة، وهو أن يكون غير محرم بدخوله هذا. (ج) الذي يقع به الدخول في الإحرام النيةُ والتلبيةُ، أو ما يقوم مقام التلبية من الذكر، وتقليد البدنة مع السوق (١) ، والواجب من هذه النية وحدها، وما ليس بواجب لا يكون جزءا من واجب، والإحرام جزء. وأما تعاريف الرملي الشافعي، والبهوتي الحنبلي، والمرتضى الزيدي، والعاملي الإمامي، فمعترضة من جهة أنها عرفت الإحرام بأنه النية، والنية شرط في الحج، فهي خارجة عن الماهية، والإحرام ركن فهو داخل في الماهية، وعندية الميقات عند المرتضى كذلك. وأما تعريف أطفيش الإباضي فينقد من وجهين:

стр. 1790

١- أن النية التي جعلها الإحرام هي شرط، والشرط خارج عن الماهية والإحرام ركن، والركن داخل في الماهية. ٢- أن التلبية التي جعلها جزءا من حقيقة الإحرام ليست ركنا، وما ليس بركن لا يكون جزءا من ركن (١) . وقد علل الإمام ابن عرفة – ﵀ – وقوع الغلط في تعريف الإحرام لدى كثير من الفقهاء فقال: " إن سبب وقوع الغلط من عدم تحقق الشعور بمميز ماهية الإحرام ومعرفة حقيقته عن الذي ينعقد به الإحرام وبوجوده، فالنية ينعقد بها الإحرام، وكذلك التوجه، وذلك كله سبب في حصول الإحرام، والسبب غير المسبب قطعا، كما نقول: الصلاة لها إحرام، وتكبير إحرام، فالتكبير مع النية سبب في حصول الإحرام والإحرام مسبب (٢) . بيد أن ابن عرفة الذي بين سبب وقوع الغلط لدى الفقهاء في تعريف الإحرام لم يسلم ترعيفه السالف من اعتراض، وذلك لأن ابن عرفة عرض لما ينشأ عن الإحرام من الآثار حين قال: " صفة حكمية توجب لموصوفها " إلخ.. ,لم يعرف ماهية الإحرام. إذن تعريف الإحرام لم يفارقه الإشكال، ولم يخل تعريف عن اعتراض، والذي يظهر لي والله أعلم: أن أول ما يفعله قاصد الحج والعمرة إذا أراد الدخول فيهما أن يحرم بذلك، وقبل ذلك فهو قاصد الحج أو العمرة ولم يدخل فيهما، بمنزلة الذي يخرج إلى صلاة الجمعة، فله أجر السعي ولا يدخل في الصلاة حتى يحرم بها، فإذا وصل مريد النسك إلى الميقات أحرم (٣) .
следующие страницы →