النقطة الثالثة
شرح تعريف الإمام ابن عرفة
لم أشرح الرسوم الستة ليسرها، ولقربها من التعريفات اللغوية، وخصصت تعريف الإمام ابن عرفة بالشرح لغموضه، فلو لم يُشرح لاستعصى فهمه على ذوي الاختصاص فضلا عن غيرهم. ومن قديمٍ عرف أسلافنا من الفقهاء المالكية هذه الميزة لتأليف ابن عرفة بصورة عامة، ولحدوده بصورة خاصة، وإنما أعانهم على فقهها أنهم شيخوها، ولم يتسوروا عليها، ومن حين لآخر، ورغما عن تمشيتهم لشرحها تعترضهم عقبة كأداء، وكان المبرزون منهم يفخرون بفكّ رموزها، وفهم إشاراتها خلفا عن سلف (١) ، وناهيك بحدود يعجز مؤلفها عن فهم واحد منها وهو حد الإجارة في أخريات عمره، وتوقف يومين وهو يتضرع إلى الله في فهمها، وأجاب في اليوم الثاني (٢) .
ولم أدع هذا الرسم الذي رسم به الإمام ابن عرفة – ﵀ – الإحرام لكونه أدق محاولة من المحاولات التي ذكرتها في رسمه، ولكونه على شدة اختصاره وغموضه معينا على تصور إجمالي لحقيقة الإحرام، وإن كنت لا أدعي سلامته من النقد، كما سأبين ذلك في النقطة الموالية.
وبعد هذه الإضاءة فإلى شرح التعريف، وشرحه يقوم على إبراز مراكز الاهتمام فيه وهي:
стр. 1787
١- قوله: " صفة حُكْمِيَّة ": هذا القيد ذكره في عدة رسوم كالطهارة، والطلاق، والقضاء، وغير ذلك، وهو جنس يشمل ما ذكر وما لم يذكر من كل ما هو معنى تقديري؛ لأن المراد بالصفة الحكمية معنى تقديري يحكم بها الذهن ولا وجود لها في الخارج. وأخرج بقوله " حكمية " الصفة الحسية كالطول والقصر، والسواد والبياض، والصفة العقلية كالعلم والقدرة وغير ذلك.
٢- قوله: " حرمة " قيد يخرج الطهارة، وقد عرفها من قبل بأنها: " صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة " ... إلخ.
٣- قوله: " مقدمات الوطء " نبه بحرمة مقدمات الوطء على حرمة الوطء نفسه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
٤- قوله: " مطلقا ": يتأتى تفسير الإطلاق بتفسيرين:
(أ) أن الإطلاق يراد به جميع الحالات التي يكون عليها الحاج أو المعتمر في ليله ونهاره، في سره وإعلانه، سواء كان يمارس منسكا أو يمارس غيره.
(ب) أن الإطلاق يريد به في حالة الضرورة وفي غيرها بخلاف إلقاء التفث والطيب، وهذا أقرب الاحتمالين.
وهذا القيد " مطلقا " له أهمية في الرسم، فلو أسقطه وقال: " صفة حكمية توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء وإلقاء التفث ... إلخ، للزم على ذلك صدقه في حالة الطواف مثلا، فصدق في إحرام الحج أنه أوجب حرمة المقدمات، بما وقع بعد ذلك من أجزاء الحج، لا يدل على عموم التحريم فيه، إلا بزيادة قيد الإطلاق.
стр. 1788
٥- قوله: " ولبس الذكور المخيط " قيد أخرج به المرأة؛ لأن لبس المخيط لا يحرم في حقها، وفيه إشارة إلى أن إحرام الرجل مغاير لإحرام المرأة.
٦- قوله: " والصيد " معطوف على المضاف إليه " الوطء " والمراد به في هذا الرسم: الاصطياد لا ملك الصيد؛ وذلك لأن الذي ملك صيدا في الحل ثم يُحرم، ولم يكن حامله، لا يسقط ملكه عنه.
٧- قوله " لغير ضرورة " قيد راجع للأربعة المذكورة قبل ذلك، وهي: إلقاء التفث، والتطيب، ولبس الذكور المخيط، ولا صيد؛ لأنها تكون ممنوعة اختيارا كما نص على ذلك.
٨- قوله " لا يبطل بما يمنعه " أراد بهذه الفقرة بيان العرف بين ممنوعات إحرام الحج والعمرة، وبين إحرام غير الحج والعمرة كالصلاة والصوم والاعتكاف، فإن ممنوعات الإحرام بالحج أو العمرة إذا ارتكبها الحاج أو المعتمر لا تبطل الحج وإن كان الممنوع مما يفسد الحج كالوطء، وإن ممنوعات غير الحج كالصلاة والصوم والاعتكاف إذا ارتكبها المصلي أو الصائم أو المعتكف فإنها تبطل عليه صلاته أو صومه أو اعتكافه.
стр. 1789
النقطة الرابعة
نقد التعاريف السالفة، ونتيجة
إن تعريف الإحرام أُشْكٍلَ على الفقهاء قديما وحديثا، والرسوم التي ذكرتها آنفا لفقهاء المذاهب لم تسلم من الاعتراض والنقد، فالتعريف الأول وهو تعريف ابن الهمام يتسنى نقده من وجوه ثلاثة:
(أ) أن يكون ابن الهمام – ﵀ – أراد بـ " الدخول " في التعريف المذكور مطلق فعل الحاج أو المعتمر، وعلى هذا التفسير يلزم نفي الإحرام عن المحصر؛ لأنه غير متمكن من فعل النسكين، ويلزم عنه أيضًا أن النائم والمغمى عليه لا إحرام لهما.
(ب) أن يكون ابن الهمام أراد بالدخول حقيقته، وهي انشاؤه، يلزم على هذا الشرح أن يكون بعد إنشاء الدخول غير محرم؛ لأن الإحرام عنده إنشاء الدخول، وإذا دخل في أحد النسكين: الحج أو العمرة، أو هما معا، فلا يمكن وجود الإحرام حقيقة بعد ذلك.
وتلزم من ذلك لازمة خطيرة، وهو أن يكون غير محرم بدخوله هذا.
(ج) الذي يقع به الدخول في الإحرام النيةُ والتلبيةُ، أو ما يقوم مقام التلبية من الذكر، وتقليد البدنة مع السوق (١) ، والواجب من هذه النية وحدها، وما ليس بواجب لا يكون جزءا من واجب، والإحرام جزء.
وأما تعاريف الرملي الشافعي، والبهوتي الحنبلي، والمرتضى الزيدي، والعاملي الإمامي، فمعترضة من جهة أنها عرفت الإحرام بأنه النية، والنية شرط في الحج، فهي خارجة عن الماهية، والإحرام ركن فهو داخل في الماهية، وعندية الميقات عند المرتضى كذلك.
وأما تعريف أطفيش الإباضي فينقد من وجهين:
стр. 1790
١- أن النية التي جعلها الإحرام هي شرط، والشرط خارج عن الماهية والإحرام ركن، والركن داخل في الماهية.
٢- أن التلبية التي جعلها جزءا من حقيقة الإحرام ليست ركنا، وما ليس بركن لا يكون جزءا من ركن (١) .
وقد علل الإمام ابن عرفة – ﵀ – وقوع الغلط في تعريف الإحرام لدى كثير من الفقهاء فقال: " إن سبب وقوع الغلط من عدم تحقق الشعور بمميز ماهية الإحرام ومعرفة حقيقته عن الذي ينعقد به الإحرام وبوجوده، فالنية ينعقد بها الإحرام، وكذلك التوجه، وذلك كله سبب في حصول الإحرام، والسبب غير المسبب قطعا، كما نقول: الصلاة لها إحرام، وتكبير إحرام، فالتكبير مع النية سبب في حصول الإحرام والإحرام مسبب (٢) .
بيد أن ابن عرفة الذي بين سبب وقوع الغلط لدى الفقهاء في تعريف الإحرام لم يسلم ترعيفه السالف من اعتراض، وذلك لأن ابن عرفة عرض لما ينشأ عن الإحرام من الآثار حين قال: " صفة حكمية توجب لموصوفها " إلخ.. ,لم يعرف ماهية الإحرام.
إذن تعريف الإحرام لم يفارقه الإشكال، ولم يخل تعريف عن اعتراض، والذي يظهر لي والله أعلم: أن أول ما يفعله قاصد الحج والعمرة إذا أراد الدخول فيهما أن يحرم بذلك، وقبل ذلك فهو قاصد الحج أو العمرة ولم يدخل فيهما، بمنزلة الذي يخرج إلى صلاة الجمعة، فله أجر السعي ولا يدخل في الصلاة حتى يحرم بها، فإذا وصل مريد النسك إلى الميقات أحرم (٣) .
стр. 1791
المبحث الثاني
حكم الإحرام
ويشتمل على نقطتين:
النقطة الأولى: ركنية الإحرام.
النقطة الثانية: هل ركنية الإحرام قدر متفق عليه بين المذاهب.
النقطة الأولى
ركنية الإحرام
قديما قيل: الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، وعملا بهذه القاعدة الأساسية لا بد لنا من معرفة الركن لغة واصطلاحا؛ حتى يتضح في أذهاننا المراد بركنية الإحرام.
والركن لغة: الجانب الأقوى (١) ، واصطلاحا: ركن الشيء ما به يتم، وهو داخل فيه (٢) .
وبعد معرفة معنى الركن لغة واصطلاحا نقول: إن ركنية الإحرام ثابتة من الثوابت في المذهب المالكي والشافعي والحنبلي والزيدي والإمامي والإباضي، والنصوص في ذلك قواطع: قال خليل بن إسحاق المالكي: " وركنهما الإحرام (٣) " يعني الحج والعمرة. وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في منهجه: " أركان الحج: إحرام " (٤) ... إلخ، وكذلك عدّ البهوتي الحنبلي أركانَ الحج أربعة، وذكر منها الإحرام (٥) ، وعده المرتضى الزيدي ركنا وفرضا.
стр. 1792
جاء في البحر الزخار له: " أركان الحج هي: الإحرام، والوقوف، وطواف الزيارة، وفروضه الأركان وطواف القدوم " فعده ركنا وفرضا (١) ، وعده العاملي الإمامي الركنَ الأعظم لاستمراره ومصاحبته لأكثر الأفعال، وكثرةِ أحكامه (٢) ، وعده أبو زكريا الجناوتي الإباضي ركنا من أركان الحج (٣) .
وأما في المذهب النعماني فالإحرام كما يقول محمد علاء الدين الحصكفي في كتابه: " الدر المختار شرح تنوير الأبصار ": شرطٌ ابتداءً، وله حكمُ الركنِ انتهاءً.
وعلّل ركنيته انتهاءً بأن الذي فاته الحج لا يجوز له استدامة الإحرام ليقضي به من قابل (٤) .
وتعقبه محشيه خاتمة المحققين في المذهب الحنفي ابن عابدين فقال: " قوله: وهو شرط ابتداء " حتى صح تقديمه على أشهر الحج وإن كُره، و " قوله: حتى لم يجز ... إلخ " تفريع على شبهه بالركن، يعني أن فائت الحج لا يجوز له استدامة الإحرام، بل عليه التحلل بعمرة والقضاء من قابل، ويتفرع عليه أيضًا من أنه لو أحرم ثم ارتد – والعياذ بالله تعالى – بطل إحرامه، وإلا بالردة لا تبطل الشرط الحقيقي كالطهارة للصلاة، وكذا اشتراط النية فيه، والشرط المحض لا يحتاج إلى نية، وكذا ما مر من عدم سقوط الفرض عن صبي بلغ ما لم يجدده (٥) .
стр. 1793
والذي يظهر من كلام ابن عابدين – ﵀ – غلبةُ شبهةِ الركنية على الإحرام من الشرطية؛ لأنه عدّدَ وجوهَ الشبه في الركنية، واقتصر على وجه شبه واحد بالشرط.
النقطة الثانية
هل ركنية الإحرام قدر متفق عليه بين المذاهب؟
يبدو لنا الإجماع من خلال المذاهب السبعة المذكورة آنفا على ركنية الإحرام للنسك، ولو انتهاء كما هو الشأن في المذهب النعماني، أو إضافة الفرضية إلى الركنية، كما هو الحال في المذهب الزيدي، أو الركنية فقط كما هو الأمر في باقي المذاهب السبعة، مع وصفه بالركن الأعظم عند العاملي من الإمامية.
فما المراد بالركن في باب الحج؟
الركن في باب الحج هو الذي لو لم يفعل بطل الحج، ولا يجبر بالدم.
стр. 1794
المبحث الثالث
الميقات الزماني للحج والعمرة
ويشتمل على نقاط خمسة:
النقطة الأولى: تعريف الميقات لغة.
النقطة الثانية: تعريف الميقات الزماني شرعا.
النقطة الثالثة: الميقات الزماني للعمرة.
النقطة الربعة: الميقات الزماني للحج.
النقطة الخامسة: الإحرام قبله.
النقطة الأولى والثانية
تعريف الميقات لغة وشرعا
الميقات: الوقت المضروب للفعل، قال تعالى:: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] قال الزجاج: جعل لها وقت واحد للفعل في القضاء بين الأمة. وقال الفرّاء: جمعت لوقتها يوم القيامة. وقال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي موقتا مقدرا.
وقد يكون " وَقّت " بمعنى أوجب عليهم الإحرام في الحج والصلاة عند دخول وقتها (١) .
إذن كلمة ميقات تحمل بين طياتها: التحديد الموحد للزمن، كما جاء في تفسير الزجاج للآية الكريمة ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ، والتحديد الموحد للمقدار الممارس من الفعل في ذلك الزمن كما تنطق بذلك الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] .
هذا والملاحظ أن هنالك تداخلا بين المعنى اللغوي وبين المعنى الشرعي، كما جاء في الفقرة الأخيرة: " وَقّتَ " بمعنى أوجب عليهم الإحرام في الحج والصلاة عند دخول وقتها.
وهذا الأمر خطير، وواجب المختصين في شؤون المعجم العربي أن يُصَفُّوا المعجم من هذا الأمر ومن غيره، مما لا علاقة له بالمعاني اللغوية حقيقة ومجازا.
ووجه خطورته أن مصادر التشريع من قرآن وسنة وآثار هي بلسان عربي مبين، فإذا أراد الفقيه أن يفسر آية أو يشرح حديثا ليستخلص فقها ولم يجد معاني لغوية محضة وقع في الخلط وسوء الفهم.
وأما تعريف الميقات الزماني شرعا هو أزمنة معينة لعبادة مخصوصة.
стр. 1795
النقطة الثالثة
الميقات الزماني للعمرة
الميقات الزماني للعمرة: العام كله، فجميعه وقت للإحرام بها، غير أن أبا حنيفة – ﵀ – يقول: تجوز في كل السنة، إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق فمكروهة كراهة تحريم، قال محمد التمرتاشي في تنوير اللأبصار: " وكرهت يوم عرفة، وأربعة بعدها " وقال شارحه محمد الحصكفي: أي كرهت تحريما (١) ، ويزاد على الأيام خمسة كراهة فعلها في أشهر الحج لأهل مكة ومن بمعناهم، أي من المقيمين، ومن في داخل الميقات؛ لأن الغالب عليهم أن يحجوا في سنتهم فيكونوا مقيمين وهم عن التمتع ممنوعون، وإلا فلا يمنع المكي عن العمرة المفردة في أشهر الحج إذا لم يحج في تلك السنة (٢) .
وكره مالك – ﵀ لمن أحرم بالحج مفردا أن يحرم بعمرة بعد ذلك، من لدن يحرم بالحج حتى يفرغ من حجه ويحل، كما كان يكره الإحرام بالعمرة بعد الطواف بمكة أول ما دخل، أو بعد الخروج إلى منى، أو في وقوفه بعرفة، أو في أيام التشريق.
لكن هل كان مالك يأمر من أحرم بالعمرة في هذه الأيام المذكورة برفضها؟ قال ابن القاسم: لا أحفظ عن مالك أنه أمر برفضها.
стр. 1796
بقي: هل تلزمه؟ قال ابن القاسم: لا أحفظ عن مالك أنه قال: تلزمه، وأرى أنه قد أساء فيما صنع حين أحرم بالعمرة بعد إحرامه بالحج قبل أن يفرغ من حجه، ولا أرى العمرة تلزمه، وقد بلغني ذلك عن مالك (١) .
وإذا قلنا: لا تلزمه كما يرى ابن القاسم، فهل عليه عمرة مكان هذه التي أحرم بها في أيام الحج بعد فراغه بهذه التي لا يرى ابن القاسم لزومها له؟ ليس عليه شيء فيما يرى ابن القاسم (٢) ، وقوله: قد أساء فيما صنع، ينطق بالحرمة.
النقطة الرابعة
الميقات الزماني للحج
الميقات الزماني للحج الخُلْفُ يجري فيه على أربعة أقوال (٣) .
١- ميقات الحج الزماني: شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وبهذا القول قال ابن مسعود، وابن عمر، وعروة بن الزبير، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري. ورواه ابن المنذر عن مالك – ﵃ جميعا (٤) ، وهو المشهور عن مالك.
стр. 1797
٢- ميقات الحج الزماني: شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، وبه قال ابن عباس، وابن مسعود في رواية عنه، والسدي، والشعبي، والنخعي، وأبو حنيفة، ورواه ابن حبيب عن مالك، ﵃ جميعا (١) .
٣- ميقات الحج الزماني: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة. وبه قال من الصحابة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي وهو قول الشافعي والثوري وأبي ثور، ﵃ جميعًا (٢) .
٤- ميقات الحج الزماني: شوال وذو القعدة وثلاثة عشر يوما من ذي الحجة، وهو قول لمالك – ﵀ – ذكره ابن العربي ولم ينسبه كما ذكره ابن الحاجب في جامع الأمهات ولم يعزه أيضًا (٣) .
واستدل أصحاب القول الأول بأن الله ﵎ ذكر أشهر الحج بصيغة الجمع، وأقل الجمع المطلق ثلاثة، هذا أولاً، وثانيا: أن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك (٤) .
стр. 1798
واستدل أصحاب القول الثاني بأن طواف الإفاضة، وهو الطواف الركن يفعل في اليوم العاشر (١) .
واستدل أصحاب القول الثالث بصحة الوقوف بعرفة وهو الحج كله، وأنه يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها، فدل ذلك على أن يوم النحر ليس من أشهر الحج (٢) .
وأما أصحاب القول الرابع والأخير فقد احتجوا بأن الرمي من أفعال الحج وشعائره وهو يمارس في أيام التشريق (٣) .
وثمرة الخلاف بين أئمة الفقه الإسلامي من لدن عصر الصحابة والتابعين إلى عصر نشأة المذاهب ما أشار إليه ابن رشد الحفيد بقوله: تأخر طواف الإفاضة إلى آخر الشهر، يقبل على القول الأول ولا يقبل على الأقوال الثلاثة الأخرى (٤) . ويزيد ابن العربي المسألة بيانا فيقول: فائدة من جعله ذا الحجة كله، أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى آخره لم يكن عليه دم؛ لأنه جاء به في أيام الحج (٥) .
هذا وما قرر في الميقات الزمني للحج على اختلاف مناحي الاجتهاد فيه إنما هو في غير من بمكة المشرفة.
стр. 1799
وأما أهل مكة – زادها الله شرفا – ومن بها من غيرهم، إذا كانوا بها فإهلالهم بالحج يكون عند رؤية هلال ذي الحجة، جاء في الموطأ عن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – أنه قال: " يا أهل مكة، ما شأن الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون، أهلوا إذا رأيتم الهلال ". وجاء فيها أيضًا إن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع سنين وهو يهل بالحج لهلال ذي الحجة، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك (١) .
وإهلال أهل مكة ومن بها من غيرهم بالحج لرؤية هلال ذي الحجة لم يوافق عليه عبد الله بن عمر أباه، بل كان يهل بالحج يوم التروية.
وعلل الباجي فعل ابن عمر بعلتين:
(أ) أنه لم يرَ النبي ﷺ يُهل حتى تنبعث به راحلته.
(ب) أن من دأب المحرم عدم الإقامة بموضع ينشئ فيه إحرامه، وإنما يحرم ويلبي عند أخذه في التوجه إليه حيث يقتضي إحرامه التوجه إليه، فكره أن يحرم بمكة، ثم يقيم بها بعد إحرامه ثمانية أيام (٢) .
وبكل من القولين قال جماعة من السلف والأئمة، وهما روايتان عن مالك ﵀، بقول عمر جاءت رواية المدونة، وبقول عبد الله بن عمر جاءت الرواية عن مالك أيضًا (٣) ، والخلاف في الأفضل، والكل جائز بالإجماع، جاء في المدونة: قلت (سحنون) لابن القاسم: أهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس في قول مالك؟ قال: نعم. قال: وقال مالك: أحب إلي أن يحرم أهل مكة إذا أهل هلال ذي الحجة (٤) .
стр. 1800
النقطة الخامسة
الإحرام قبل الميقات الزماني
الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة جرى فيه الخلف بين الفقهاء على أقوال:
١- ينعقد إحرامه إحرام عمرة، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي.
٢- يكره إحرامه وينعقد ويصح، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، رضوان الله عليهم جميعًا.
٣- لا يصح إحرامه، ذكره ابن رشد في بداية المجتهد ولم ينسبه (١) .
واستدل أصحاب القول الأول بأن من التزم عبادة وقت نظيرتها انقلبت إلى النظير، مثل أن يصوم نذرا في رمضان هذا أولا، وثانيا: الله ﷻ جعل هذه الأشهر الثلاثة وقتا للإحرام بالحج وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي الحج حج أشهر معلومات فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص وجه ولا فائدة، وثالثًا: الحج كالصلاة، وهذه لا تقع في غير وقتها فكذلك الحج.
واستدل أصحاب القول الثاني بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقالوا: متى أحرم انعقد إحرامه؛ لأنه مأمور بالإتمام، وربما شبهوا الحج في هذا المعنى بالعمرة، وشبهوا ميقات الحج الزماني بميقات العمرة، وتأولوا الآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] كالتالي: أشهر الحج أشهر معلومات، هذا أولاً، وثانيًا: احتجوا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقالوا: المولى ﵎ جعل الأهلة كلها ظرفا للحج، فصح أن يحرم في جميعها.
стр. 1801
وأما أصحاب القول الثالث فلم يذكر ابن رشد لهم دليلاً فيما يبدو لي على حدة، ويصلح لهم الثالث من أدلة أصحاب القول الأول على ما يظهر من كلام ابن رشد في بدايته (١) .
والقول الأول والذي به يقول الإمام الشافعي يبدو أنه أصح الأقوال الثلاثة؛ وذلك لأن ما تمسك به أصحاب القول الثاني لم يثبت ثبوت أدلة الشافعي والتي سقنا البعض منها. وبيان ذلك أن أصحاب القول الثاني تمسكوا بعموم قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وليس بالتمسك القوي؛ لاحتمال أن الأمر: " أتموا " يراد به تحصيل الفعل من أول الأمر، وذلك من سنن العرب في كلامهم، كقولهم: " وسع فم الركية " أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وكقولك: أسرع السير فادع لها فلانا، تخاطب به من لم يشرع في السير بعد، وإنما تأمره بإحداث سير سريع من بادئ الأمر، وكقول القرآن جريا على هذا الأسلوب: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] ، وهو ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز (٢) فمدلول الآية: أوجدوهما من أول الأمر تامين.
وكذلك رُدَّ على أصحاب القول الثاني ما تمسكوا به من الاحتجاج بأية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ، وبأن المراد منها جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصح أن يحرم في جميعها بالحج، وقالوا لهم: إن هذه الآية عامة، وآية ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] خاصة، والخاص مقدم على العام، وقيل أيضًا: إن آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] مجملة، والثانية وهي آية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] مفسرة ومبينة لها، وهو بيان مؤخر عن المبين، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع غير مرة (٣) .
стр. 1802
المبحث الرابع
الميقات المكاني للحج والعمرة
ويشتمل على تسع نقاط:
النقطة الأولى: تعريف الميقات المكاني شرعًا.
النقطة الثانية: الميقات المكاني لمن بالحل.
النقطة الثالثة: الميقات المكاني لمن بمكة المكرمة.
النقطة الرابعة: الميقات المكاني للأفقيين.
النقطة الخامسة: الرسول ﷺ هو الذي وقت المواقيت.
النقطة السادسة: المواقيت لأهلها ولمن مر بها من غير أهلها.
النقطة السابعة: جواز الإحرام قبل المواقيت.
النقطة الثامنة: الإحرام بعدها بين الضيق وبين السعة.
النقطة التاسعة: الإحرام لمن لم يمر بالمواقيت.
стр. 1803
النقطة الأولى
تعريف الميقات المكاني شرعا
لم أعرف الميقات المكاني لغة للمجانسة الموجودة بينه وبين التعريف اللغوي للميقات الزماني.
وأما تعريفه شرعا فحين طلبته في كتب الفقه لم أظفر به في صورته الجامعة المانعة، وإنما وجدت تعريفات لا تزيد على ذكر خاصة من خواص الميقات المكاني تقربه إلى الأذهان، كقول سليمان الجمل الشافعي: "مكان العبادة " (١) ، وكقول البهوتي الحنبلي: " موضع معين لعبادة مخصوصة " (٢) فحاولت تعريفه في صورته المطردة المنعكسة فقلت: الميقات المكاني: الموضع المعين من لدن صاحب الشرع، والذي لا يجوز تأخير التلبس بالإحرام عنه لمريد النسك اتفاقا، ولغيره عند الجمهور، لغير ضرورة بهما، ولا حرج.
النقطة الثانية
الميقات المكاني لمن بالحل
إن الميقات المكاني يختلف باختلاف الحجاج والعمار فإنهم أنماط ثلاثة:
١- حليون.
٢- مكيون، أو حرميون بعبارة أشمل.
стр. 1804
٣- آفاقيون (١)
والحليون: هم الذين يقطنون بعد المواقيت، ودون الحرم.
والمذهب النعماني في إحرام الحليين لا يفرق بين من سكن عند الميقات وبين من سكن وراءه في المنصوص من الرواية، كما صرح بذلك الكمال بن الهمام في الفتح، أو ابن نجيم في البحر وغيرهما من فقهاء الحنفية.
والحليون هؤلاء لا يخلو حالهم من أمرين:
(أ) أن يدخلوا مكة المشرفة بنية النسك.
(ب) أن يدخلوا مكة المشرفة بغير نية ذلك، ولحاجة.
стр. 1805
وفي الصورة الأولى يجب عليهم الإحرام قبل دخول الحرم بميقاتهم الحل كل الحل إلى الحرم.
ومما يجب التيقظ إليه – كما قال القطبي في منسكه -: ما يفعله أهل جدة (١) ، وحدة (٢) ، وأهل الأودية الغربية من مكة المشرفة، فإنهم غالبا ما يقدمون مكة – زادها الله شرفا – سادس أو سابع ذي الحجة بلا إحرام، ويحرمون للحج من مكة، فعليهم دم لمجاوزة الميقات بلا إحرام، لكن بعد توجههم إلى عرفة ينبغي سقوطه عنهم بوصولهم إلى أول الحل ملبين، إلا أن يقال: إن هذا لا يعد رجوعا إلى الميقات لعدم قصدهم العودة لجبر ما لزمهم بالمجاوزة، بل قصدوا التوجه إلى عرفة. وقال القاضي محمد عيد في شرح نسكه: والظاهر السقوط؛ لأن الرجوع إلى الميقات مع مصاحبة التلبية له، مسقط للهدي الذي ترتب على مجاوزة الميقات بغير إحرام، ولو لم يكن هنالك قصد لحصول المقصود وهو التعظيم (٣) .
وفي الصورة الثانية يجوز له دخولها بغير إحرام لنفي الحرج كحطابي مكة إذا دخلوا للحل ولم يتجاوزوا المواقيت الموقتة للأفقيين (٤) .
стр. 1806
بقي لابد من ملاحظة، وهي أن من وجد بين ميقاتين كمن كان منزله بين ذي الحليفة والجحفة، فإنه بالنظر إلى الجحفة خارج الميقات ولا يحل له دخول الحرم إلا بإحرام، وبالنظر إلى ذي الحليفة داخل الميقات (١) فيجوز له ذلك.
وأما في مذهب مالك فالحليون لا يخلو حالهم من أمور أربعة هي:
١- حلي منزله عند الميقات أو داخله.
٢- حلي بين ميقاتين كأهل بدر بين ذي الحليفة وبين الجحفة.
٣- حلي بين الميقات وبين مكة كأهل جدة وحدة.
٤- حلي سافر إلى ما قبل المواقيت.
وفي الصورة الأولى مكان إحرامه منزله، فإن كان منزله قريبا من الميقات ندب له الذهاب إليه، والإحرام منه.
وفي الصورة الثانية مكان إحرامه داره أيضًا.
وفي الصورة الثالثة مكان إحرامهم مساكنهم ويخيرون بين بيوتهم وبين مساجدهم.
وفي الصورة الرابعة يخير بين التأخير إلى منزله، وبين الإحرام من الميقات، وإحرامه من الميقات أفضل.
стр. 1807
وفي الصور الأربعة المذكورة إن تجاوزوا المنازل بغير إحرام فعليهم الهدي، كمن تجاوز من الآفاقيين ميقاته بدون إحرام (١) .
وأما على مذهب الشافعي فالحليون مكان إحرامهم منازلهم إن أرادوا النسك، قال سليمان الجمل: وهذا مقيد بما إذا لم يكن بينه وبين مكة ميقات آخر كأهل بدر والصفراء، فإنهم بعد ذي الحليفة وقبل الجحفة، وميقاتهم الثاني وهو الجحفة (٢) .
وأما على مذهب الإمام أحمد بن حنبل فالأمر يختلف عن مذهب الإمام الشافعي، لولا ذلك القيد الذي ذكره سليمان الجمل، قال البهوتي: ومن منزله بين الميقات ومكة كأهل خليص وعسفان، ميقاته من موضعه.
واحتج لذلك بحديث ابن عباس – ﵄ – أن النبي وَقّتَ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلن ممن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، حتى أهل مكة يهلون (٣) منها (٤) .
стр. 1808
النقطة الثانية
الميقات المكاني لمن بمكة المشرفة:
قبل الكلام عن الميقات المكاني لمن بمكة المشرفة حدا بي أن أُمهد بتمهيد يتضمن المسألتين التاليتين:
١- أن مكة حرم، وما أحاط بها قريبا حرمٌ أيضًا، والحرم قد ضرب على حدوده بالمنار القديمة التي أظهر خليل الله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم مشاعرها. ومن لدن عهد إبراهيم ﵇ وحدود الحرم متعارفة، وقريش سكان الحرم المبارك يعلمون أن ما دون المنار إلى مكة – زادها الله شرفا – من الحرم، وما وراء المنار ليس من الحرم (١) قال ابن عابدين: إن على الحرم علامات منصوبة في جميع جوانبه نصبها إبراهيم الخليل ﵇ وكان جبريل يريه مواضعها، ثم أمر النبي ﷺ بتجديدها، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية (٢) وقال مالك في المدونة: وسأل عمر في أعلام الحرم واتبع رعاةً قدماء مشيخة من مكة كانوا يرعون في الجاهلية، حتى تتبع أنصاب الحرم مجددة، فهو الذي حد أنصاب الحرم ونصبه (٣) .
стр. 1809
وحدود الحرم على مقتضى ضبط خليل بن إسحاق المالكي في مختصره هي:
١- من جهة طيبة الغراء أربعة أميال أو خمسة للتنعيم.
٢- من جهة العراق ثمانية أميال للمقطع.
٣- من جهة عرفة تسعة أميال.
٤- من جهة جدة عشر أميال لآخر الحديبية.
وكما ضبطها – ﵁ – بالمسح، ضبطها بالعلامة وهي وقوف سيول الحل كلها دونه (١) ، ولله در شمس الدين بن حزم إذا يقول (البسيط) :
إِنْ رُمْتَ لِلْحَرَمِ الْمَكِّيِّ مَعْرِفَةً
فَاسْمَعْ وَكُنْ وَاعِيًا قَوْلِي وَمَا أَصِفُ
وَاعْلَمْ بَأَنْ سُيُولَ الْحِلَّ قَاطِبَةً
إِذَا جَرَتْ نَحْوَهُ فَدُونَهُ تَقِفُ
(٢) .
والضبط بالعلامة أغلبي. قال عبد الباقي الزرقاني: فلا ينافي قول الأزرقي: يدخله من جهة التنعيم، ولا قول الفاكهاني من جهات أخر (٣) .
стр. 1810
١- أن من يسكنون في الحرم، وليسوا من أهل مكة كأهل منى ومزدلفة حكمهم حكم أهل مكة، ومن أقام بها إقامة تقطع السفر أو لا.
وبعد هذا التمهيد نقول: إن أهل مكة ومن حكمهم لا يخلو حالهم من أمرين:
(أ) أن يكونوا بالحج محرمين.
(ب) أن يكونوا بالعمرة محرمين.
فإن كانوا محرمين بالحج ففي المذهب النعماني الحرم كله مكان للإحرام من أي مكان شاؤوا أحرموا، من الأبطح أو من غيره، والمسجد أفضل؛ لأن الإحرام عبادة، والعبادة في المسجد أولى كالصلاة.
ولو خالف الحرمي فأحرم من الحل لزمه دم، إلا إذا عاد إلى الحرم ملبيا وأحرم منه.
وأما إن كانوا محرمين بالعمرة ومهلهم الحل ليقع الجمع بين الحل والحرم، كما وقع بالحج عند الوقوف بعرفة، وعرفة في الحل، وأي مكان في الحل وقع الإحرام منه كفى، والتنعيم أفضل، وهو أقرب موضع من الحل، ويعرف بمسجد عائشة ﵂ وهو في المذهب الحنفي الإحرام منه أفضل من الإحرام من الجعرانة؛ لأمره ﵊ عبدَ الرحمن بأن يذهب بأخته أم المؤمنين عائشة إلى التنعيم لتحرم منه.
стр. 1811
ولا يرد على الأحناف إحرامه صلوات الله وسلامه عليه من الجعرانة؛ لأن هذه سنة فعلية، وتلك سنة قولية، والسنة القولية مقدمة على الفعلية في الاستدلال بما عندهم، خلافا للشافعي ﵁ (١) .
وأما على مذهب مالك ﵀ فالمحرمون بالحج لا يخلو حال أحوالهم من أمرين:
(أ) الإفراد.
(ب) القِران.
فإن أحرموا بالحج مفردا أحرموا من أي مكان في الحرم وندب لهم الإحرام بالمسجد الحرام في مواضع صلاتهم وهم جلوس، وليس عليهم القيام من مصلاهم، ولا أن يتقدموا جهة البيت، ثم يلبون بعد ذلك، بل يشرعون في التلبية من مواضع صلاتهم.
هذا وندب لأفقيٍّ الخروج إلى ميقاته الموقّت له إذا توفر شرطان:
١- أن يكون في الوقت سعة بحيث يتأتى الذهاب إلى الميقات، والرجوع منع، وأدراك الوقوف بعرفة هنيهة قبل طلوع الفجر.
٢- أن يتحقق من الأمن في الطريق ذهابا وإيابا.
стр. 1812
قال الصاوي: ومع عدم الأمن لا يندب له، بل ربما كان رجوعه حراما (١) .
وأما إن أحرموا قارنين بين الحج وبين العمرة، فمكان إحرامه الحل على المشهور من المذهب خلافا لعبد الملك؛ وذلك لأن كل إحرام لابد فيه من الجمع بين الحرم والحل، فلو أحرم بالقران من مكة لم يجمع في إحرامه بين الحل والحرم بالنسبة إلى العمرة؛ لأن خروجه إلى عرفة – وهو حل- إنما هو للحج فقط، بخلاف إحرامه بالحج من مكة فإنه يخرج إلى عرفة وهو في الحل، فيقع الجمع بين الحل والحرم الذي هو شرط في كل إحرام.
ولا يطلب في القران مكان معين من الحل.
هذا هو حكم المحرمين إفرادا وقرانا في مذهب مالك ﵀.
وأما المحرمون بالعمرة في مذهبه فمكان إحرامه الحل أيضًا، جاء في الموطأ: وسئل مالك عن رجل من أهل مكة، هل يهل من جوف الكعبة بعمرة؟ قال: بل يخرج إلى الحل (٢) ، والعلة ما سلف من الجمع في كل إحرام بين الحرم وبين الحل.
стр. 1813
ويندب للمعتمرين الإحرام من الجعرانة، ففي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أهل من الجعرانة بعمرة (١) .
والمذهب الشافعي الميقات المكاني للحج فيه لمن بمكة نفس مكة، مكيا كان أو أفقيا، والميقات المكاني للعمرة الحل ولو بأقل من خطوة ليقع الجمع بين الحل والحرم، كما في الحج، فإن فيه الجمع بين الحرم والحل بعرفة.
وأفضل بقاع الحل الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية (٢) .
وأما المذهب الحنبلي فالإحرام بالحج لمن بمكة نفس مكة، ولو كان متمتعا لقول جابر: ((أمرنا رسول الله ﵌ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح)) (٣) وذكر البهوتي في كشاف القناع من متن الإقناع مازجا كلامه بكلام صاحب المتن، ونصه في رواية حرب: من المسجد، وفي الإيضاح والمبهج: من تحت الميزاب ويسمى الحطيم، ويجوز إحرامه من سائر الحرم ومن الحل كالعمرة.
وأما الإحرام بالعمرة فمن الحل؛ لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن أن يعمر عائشة من التنعيم؛ ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم، فيلزم الحل للقاعدة القائلة: أن كل إحرام لابد فيه من الجمع بين الحرم والحل بخلاف الحج، فإنه يخرج إلى عرفة وهو من الحل، فيحصل الجمع بين الحل وبين الحرم (٤) .
стр. 1814
النقطة الرابعة
الميقات المكاني للأفقيين
تعدد الميقات المكاني للأفقيين بتعدد الأصقاع المحيطة بالحرم، وعدد المواقيت المكانية للأفقيين خمسة:
١- ذو الحليفة، وهي ميقات أهل المدينة – زادها الله شرفا – تبعد على المدينة بستة أميال، قال العلامة ابن عابدين: وقيل: سبعة، وقيل أربعة، قال العلامة القطبي في منسكه: والمحرر من ذلك ما قاله السيد السنهوري في تاريخه: قد اختبرت ذلك، فكان من عتبة باب المسجد النبوي الشريف المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع ونصف ذراع، بذراع اليد.
وذلك دون خمسة أميال، فإن الميل عندنا (في عصر ابن عابدين) أربعة آلاف ذراع بذراع الحديد المستعمل الآن، والله أعلم.
وتبعد على مكة بعشر مراحل أو تسع (١) .
وهذا الخلاف في التحديد بالمسح يثير إشكالا خطيرًا في بادئ الأمر؛ لأن من بالمدينة لا يخلو حاله أما أن يحرم قبل الميقات أو يتجاوز الميقات غير محرم، لكن العلامة ابن تيمية يُرجع ذلك إلى تعدد الطرق واختلافها قُربا وبعدًا من مكة المكرمة (٢) .
وأنا أقول: وهو الشأن بالنسبة إلى المدينة المنورة (٣) .
وهي أبعد المواقيت وتقع شمال مكة، وفي الجنوب الغربي للمدينة، وحكمة ذلك أن يعظم أجور أهلها.
стр. 1815
ولهذا الميقات خصوصية على غيره من المواقيت؛ لأن المحرم منه يحرم من حرم المدينة، ويحل في حرم مكة، فله شرف الانتهاء والابتداء أيضًا هو ميقاته ﷺ (١) ، ومن أجل ذلك إن مر من أهل الشام وأهل مصر ومن وراءهم بذى الحليفة، فأحب أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، فذلك واسع، ولكن الأفضل له أن يهل من ميقات النبي ﵇ إذا مر به (٢) ولو كان المار حائضا أو نفساء تَرجوانِ رفعَ الدم عند الوصول إلى الجحفة، فالأفضل أن تحرما منه، ولو من غير صلاة للإحرام لأن ركوعها للإحرام لا يفى بفضل تقديم إحرامها من الميقات الباقي الشريف (٣) .
وما ذكرته هو المقرر في مذهب مالك ﵀ وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، ومن هنا يتبين خلاف الصواب فيما حكاه الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال شارحا قوله ﷺ : ((ولمن أتى عليهن)) معناه أن الشامى إذا مر بميقات المدينة في ذهابه لزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له ميقات الشام الذي هو الجحفة وكذا الباقي من المواقيت، وهذا لا خلاف فيه (٤) .
стр. 1816
وقد حاول الحافظ ابن حجر العسقلاني تصويب ما حكاه الإمام النووي من الاتفاق بأنه أراد اتفاق الشافعية (١) ولكن هذه المحاولة لا تثبت فيما يبدو لوجود ابن المنذر مخالفا للشافعية وهو من أجل فقهائهم.
هذا ومكان الإحرام من ذي الحليفة المندوب إليه، المرغب فيه من مسجد الشجرة؛ لما جاء في الموطأ عن سالم بن عبد الله: أنه سمع أباه يقول: " بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد. يعني مسجد ذي الحليفة (٢) .
٢- الجحفة: وهي قرية كبيرة كانت عامرة، وقد زالت معالمها واندرست، تقع في الشمال الغربي لمكة المكرمة على بعد سبعة وثمانين ومائة كيلو متر منها على ساحل البحر الأحمر الشرقى. وهي ميقات أهل الشام، كما في حديث الموطأ الآتى فيما بعد، وزاد النسائي من حديث عائشة: ومصر، وزاد الشافعي في روايته: والمغرب (٣) وأهلها يحرمون الآن من رابغ احتياطا، وهي شمال الجحفة، فالمحرم منها كالمحرم من الجحفة على ما اختاره المنوفي، واقتصر عليه ابن فرحون في مناسكه.
стр. 1817
وحجة هذا الاختيار إجماع الناس على الإحرام منه.
وذهب عبد الله بن الحاج صاحب المدخل إلى القول بأنها قبل الميقات فيكره الإحرام منها، إذ هي تبعد على مكة بأربع ومائتى كيلو متر، وأشار خليل في مختصره إلى تردد شيخيه فقال: " وفي رابغ تردد " (١) ، (٢) .
٣- قرن المنازل (٣) : وهو ميقات أهل نجد (٤) ، وهو جبل شرقي مكة يشرف على عرفات، بينه وبين مكة مرحلتان أي أربع وتسعون كيلو متر، وهو أقرب المواقيت إليها.
стр. 1818
٤- يلملم (١) : جبل تهامة، على مرحلتين من مكة – شرفها الله تعالى – وهو ميقات أهل اليمن، وضبط المسافة بينه وبين مكة بالكيلو متر أربع وتسعون كيلو متر.
٥- ذات عرق (٢) : وهي الحد بين أهل نجد وتهامة، ومنها يحرم أهل العراق، على مرحلتين من مكة المكرمة أي ما يساوي أربعًا وتسعين كيلو متر، وتقع في الشمال الشرقي لمكة المكرمة.
٦- العقيق (٣) : وهو الميقات المستحب عند بعض الأئمة من أهل السنة لأهل العراق ومن يمر عليه من غيرهم، والمتعين في حق من ذكر عند الإمامية، يقول أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى: " فوقت لأهل العراق ومن حج على طريقهم العقيق، وله ثلاثة أوقات: أولها المسلح (٤) وهو أفضلها، ولا ينبغي أن يؤخر الإنسان الإحرام منه إلا عند الضرورة، وأوسطه غمرة (٥) ، وآخره ذات عرق، ولا يجعل إحرامه من ذات عرق إلا عند الضرورة والتقية، ولا يتجاوز ذات عرق إلا محرما على حال " (٦) .
وهو واد يجري ماؤه من غوري تهامة، وأوسطه بحذاء ذات عرق، ويبعد عن مكة بمائة كيلو متر على التقريب.
стр. 1819
النقطة الخامسة
الرسول ﷺ هو الذي وقتها:
المواقيت السالفة الذكر في النقطة الرابعة من نقاط المبحث الرابع أجمع الفقهاء على أن الأربعة الأول منها وَقّتَها رسول الله ﷺ ، روى مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال: ((أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن)) (١) .
قال عبد الله بن عمر: أما هؤلاء الثلاثة فسمعتهن من رسول الله ﷺ ، وأُخْبرتُ أن رسول الله ﷺ قال: ((ويهل أهل اليمن من يلملم)) ، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ((أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنال، ولأهل اليمن يلملم، وهن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة)) (٢) .
стр. 1820
واختلف الفقهاء في ميقات أهل العراق من وجهين:
١- ما هو؟
٢- من وَقَّتَه؟
أما ما هو؟ فقال جمهور فقهاء الأمصار: ميقاتهم ذات عرق وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأبي ثور وغيرهم.
لكن قال الشافعي: إن أهلوا من العقيق كان أحبُّ إلينا، وبقوله قال ابن عبد العزيز من المالكية، والثوري (١) .
وعند الإمامية الميقات الموقّت من لدنه ﷺ لأهل العراق ولمن مر بهم، والذي لا يجوز الإحرام قبله ولا ينعقد (٢) .
وأما من وقته؟ فقالت طائفة: عمر بن الخطاب ﵁، وبه قال مالك في المدونة، ونصها: وَقّتَ عمرُ بن الخطاب ذاتَ عرق لأهل العراق (٣) ، وكذلك قال الشافعي: لم يثبت عن النبي أنه حد ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس (٤) .
وهذا يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا، وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند والنووي في شرح مسلم.
وصحح الحنفية والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في الشرح الصغير، والنووي في شرح المهذب أنه منصوص (٥) .
واحتج أصحاب القول الأول بما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: ((لما فُتح هذان المصران أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين أن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم. فحد لهم ذات عرق)) (٦) .
стр. 1821
واحتج أصحاب القول الثاني بما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : وَقّتَ لأهل العراق ذات عرق (١) .
وخلاصة القول أن التنصيص على ذات عرق ميقاتا للعراق ومن أتى عليها من غير أهل العراق، ليس في القوة كغيره، فإن ثبت فليس ببدع أن يجتهد الفاروق مطابقا له، فإن كان موفقا للصواب، فهو مجتهد في الحالتين: حالة ثبوته، وحالة عدم ثبوته بطريق الأولى.
النقطة السادسة
المواقيت لأهلها ولمن مر بها من غير أهلها
من مر بغير ميقاته، هل يجب عليه الإحرام منه، وإن كان سيمر بميقاته أو لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك.
١- قال فقهاء السادة الأحناف: لو مرّ بميقاتين، فإحرامه من الأبعد أفضل إذا أمن الوقوع في محظورات الإحرام، وجاء في كتاب الكافي للحاكم الشهيد الذي هو جمع كلام محمد بن الحسن الشيباني في كتب ظاهر الرواية (٢) : " ومن جاوز وقته غير محرم، ثم أتى وقتا آخر فأحرم منه أجزأه، ولو كان أحرم من وقته كان أحبَّ إليّ " (٣) .
стр. 1822
ويظهر مما نقله الحاكم الشهيد في كافيه عن محمد أن الحكم يعم كل المواقيت إذا مر بميقاتين منها كان الثاني أمامه أم لا.
٢- استثنى المالكية من عموم قوله ﷺ ((هن لهن، ولمن أتى عليهم من غير أهلهن)) من ميقاته الجحفة يمر بذي الحليفة فلا يجب إحرامه منها لمروره على ميقاته بعد، ولكن يندب له الإحرام من ذي الحليفة، قال خليل: " وحيث حاذى واحدا أو مر ولو ببحر، إلا كمصري يمر بذى الحليفة، فهو أولى وإن لحيض وفي رفعه " (١) .
هذا وإن لم يرد المرور بميقاته الجحفة ولا محاذاته وجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة، كما يجب إحرام النجدي والعراقي واليمني وسائر أهل البلدان سوى مَن ميقاتُهم الجحفة من المغاربة والمصريين والشاميين فمن ذي الحليفة، إذ لا يتعدونها إلى ميقات لهم بدون إحرام.
٣- الشافعية: يقول فقهاء الشافعية: من سلك طريقا، ومر بمقاتين فيجب عليه أن يحرم من الأول وإن لم يكن مؤقتا له، فإذا حج الشامي من المدينة، ومر بذي الحليفة وجب عليه الإحرام منه، ولا يجوز له تأخير إحرامه إلى ميقاته الجحفة، ولو حج من اليمن بميقاته يلملم أو من العراق بميقاته ذات عرق أو العقيق استحبابا، وهلم جرا. قال النووي معقبا على قوله صاحب المهذب: " وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها؛ لما روى ابن عباس: ((أن النبي ﷺ وقت لأحل المدينة ذا الحليفة)) الحديث. وهذا الحكم الذي ذكره المصنف متفق عليه، فإذا مر شامي من طريق العراق أو المدينة، أو عراقي من طريق اليمن، فيمقاته ميقات الإقليم الذي مر به، وهكذا عادة حجيج الشام في هذه الأزمان أنهم يمرون بالمدينة، فيكون ميقاتهم ذا الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام الجحفة " (٢) .
стр. 1823
وقال في شرحه على صحيح مسلم شارحا قوله ﷺ ((ولمن أتى عليهم من غير أهلهن)) معناه أن الشامي إذا مر بمقيات المدينة في ذهابه لزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له تأخيره إلى ميقات الشام الذي هو الجحفة، وكذا الباقي من المواقيت، وهذا لا خلاف فيه " (١) .
وبقول الشافعية قال الحنابلة، قال ابنُ قدامة: مَن سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق، وهكذا لكل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له (٢) ، وبقول الشافعية والحنابلة قال إسحاق.
بقي إذا مر من غير طريق ذي الحليفة أحرم من الجحفة مطلقا شاميا كان أو مدنيا؛ لما روى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المهل، فقال: سمعته (ثم انتهى وقال) ، أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: ((مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة)) (٣) ، (٤) .
стр. 1824
والاحتجاج بحديث جابر كان من ابن قدامة صاحب المغني وهو حنبلي (١) .
وأما النووي الشافعي فقد قال في شرحه على صحيح مسلم: " لا يحتج بهذا الحديث مرفوعا؛ لكونه لم يجزم برفعه " (٢) .
وبعد عرض هذه الأقوال جدير بي التنبيه على ما وقع فيه الإمام النووي رضي الله تعالى عنه من خلاف الصواب حين حكى الاتفاق في السالك لطريق يؤدي إلى ميقاتين، وقال: يجب عليه الإحرام من الأول، ورده يسير، فالمذهبان الحنبلي والمالكي على خلافه، وابن المنذر من الشافعية على خلافه ... إلخ، ما رددت به هذا الرأي في المبحث الرابع عند الكلام على النقطة الرابعة.
ولنسارع لذكر أدلة أصحاب الأقوال الثلاثة فنقول:
استدل أصحاب القول الأول والثاني كل من زاويته بأدلة منها:
١- ما روي عن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيده للحمار الوحشي وهو غير محرم، قال ((فقال النبي ﷺ –لأصحابه، وكانوا محرمين: هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟ . فقالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمه)) (٣) ، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن أبا قتادة أخر إحرامه إلى الجحفة، ولم يحرم من ذي الحليفة كما فعل رسول الله ﷺ وسائر أصحابه، ولم ينكر عليه الرسول ذلك، فدل ذلك على جواز التأخير للإحرام لمن يمر بميقاتين أبعد وأقرب عند الأحناف، أو لمن يمر بذي الحليفة وأمامه الجحفة من المدنيين والشاميين والمصريين والمغاربة عند المالكية.
стр. 1825
٢- ما روي عن سعيد بن المسيب أن عائشة ﵂ اعتمرت في سنه مرتين: مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة.
٣- ما ذكره ابن المنذر وغيره عن عائشة ﵂ كانت إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة من الجحفة.
ولو لم تكن الجحفة ميقاتا لذلك، لما جاز تأخير إحرام العمرة إليها؛ لأنه لا فرق بالنسبة للأفقي بين ميقات الحج وبين ميقات العمرة.
وتمسك الشافعية والحنابلة ومن قال بقولهم بما يلى:
١- ما رواه ابن عباس ﵂ من قوله ﷺ : ((هن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلن)) ، وقالوا: هذا الحديث يعمُّ من ميقاته بين يدي هذه المواقيت التي مر بها ومن لا.
٢- أن أي ميقات هو كسائر المواقيت لا يجوز تجاوزه بغير إحرام (١) .
ويبدو لى أن هذا المعنى الاجتهادى للشافعية والحنابلة ومن قال بقولهم هو الراجح – رغم قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس – ﵁ – في المدونة وهي أم المذهب، وظاهرها نص، وقولها دليل: ((ومن مر من أهل الشام، واهل مصر، ومن وراءهم، بذى الحليفة، وأحب أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة فذلك له واسع، ولكن الفضل له، في أن يهل من ميقات – النبي ﵇) (٢) .