واحتج أصحاب القول الثاني بما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : وَقّتَ لأهل العراق ذات عرق (١) .
وخلاصة القول أن التنصيص على ذات عرق ميقاتا للعراق ومن أتى عليها من غير أهل العراق، ليس في القوة كغيره، فإن ثبت فليس ببدع أن يجتهد الفاروق مطابقا له، فإن كان موفقا للصواب، فهو مجتهد في الحالتين: حالة ثبوته، وحالة عدم ثبوته بطريق الأولى.
النقطة السادسة
المواقيت لأهلها ولمن مر بها من غير أهلها
من مر بغير ميقاته، هل يجب عليه الإحرام منه، وإن كان سيمر بميقاته أو لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك.
١- قال فقهاء السادة الأحناف: لو مرّ بميقاتين، فإحرامه من الأبعد أفضل إذا أمن الوقوع في محظورات الإحرام، وجاء في كتاب الكافي للحاكم الشهيد الذي هو جمع كلام محمد بن الحسن الشيباني في كتب ظاهر الرواية (٢) : " ومن جاوز وقته غير محرم، ثم أتى وقتا آخر فأحرم منه أجزأه، ولو كان أحرم من وقته كان أحبَّ إليّ " (٣) .
стр. 1822
ويظهر مما نقله الحاكم الشهيد في كافيه عن محمد أن الحكم يعم كل المواقيت إذا مر بميقاتين منها كان الثاني أمامه أم لا.
٢- استثنى المالكية من عموم قوله ﷺ ((هن لهن، ولمن أتى عليهم من غير أهلهن)) من ميقاته الجحفة يمر بذي الحليفة فلا يجب إحرامه منها لمروره على ميقاته بعد، ولكن يندب له الإحرام من ذي الحليفة، قال خليل: " وحيث حاذى واحدا أو مر ولو ببحر، إلا كمصري يمر بذى الحليفة، فهو أولى وإن لحيض وفي رفعه " (١) .
هذا وإن لم يرد المرور بميقاته الجحفة ولا محاذاته وجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة، كما يجب إحرام النجدي والعراقي واليمني وسائر أهل البلدان سوى مَن ميقاتُهم الجحفة من المغاربة والمصريين والشاميين فمن ذي الحليفة، إذ لا يتعدونها إلى ميقات لهم بدون إحرام.
٣- الشافعية: يقول فقهاء الشافعية: من سلك طريقا، ومر بمقاتين فيجب عليه أن يحرم من الأول وإن لم يكن مؤقتا له، فإذا حج الشامي من المدينة، ومر بذي الحليفة وجب عليه الإحرام منه، ولا يجوز له تأخير إحرامه إلى ميقاته الجحفة، ولو حج من اليمن بميقاته يلملم أو من العراق بميقاته ذات عرق أو العقيق استحبابا، وهلم جرا. قال النووي معقبا على قوله صاحب المهذب: " وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها؛ لما روى ابن عباس: ((أن النبي ﷺ وقت لأحل المدينة ذا الحليفة)) الحديث. وهذا الحكم الذي ذكره المصنف متفق عليه، فإذا مر شامي من طريق العراق أو المدينة، أو عراقي من طريق اليمن، فيمقاته ميقات الإقليم الذي مر به، وهكذا عادة حجيج الشام في هذه الأزمان أنهم يمرون بالمدينة، فيكون ميقاتهم ذا الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام الجحفة " (٢) .
стр. 1823
وقال في شرحه على صحيح مسلم شارحا قوله ﷺ ((ولمن أتى عليهم من غير أهلهن)) معناه أن الشامي إذا مر بمقيات المدينة في ذهابه لزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له تأخيره إلى ميقات الشام الذي هو الجحفة، وكذا الباقي من المواقيت، وهذا لا خلاف فيه " (١) .
وبقول الشافعية قال الحنابلة، قال ابنُ قدامة: مَن سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق، وهكذا لكل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له (٢) ، وبقول الشافعية والحنابلة قال إسحاق.
بقي إذا مر من غير طريق ذي الحليفة أحرم من الجحفة مطلقا شاميا كان أو مدنيا؛ لما روى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المهل، فقال: سمعته (ثم انتهى وقال) ، أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: ((مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة)) (٣) ، (٤) .
стр. 1824
والاحتجاج بحديث جابر كان من ابن قدامة صاحب المغني وهو حنبلي (١) .
وأما النووي الشافعي فقد قال في شرحه على صحيح مسلم: " لا يحتج بهذا الحديث مرفوعا؛ لكونه لم يجزم برفعه " (٢) .
وبعد عرض هذه الأقوال جدير بي التنبيه على ما وقع فيه الإمام النووي رضي الله تعالى عنه من خلاف الصواب حين حكى الاتفاق في السالك لطريق يؤدي إلى ميقاتين، وقال: يجب عليه الإحرام من الأول، ورده يسير، فالمذهبان الحنبلي والمالكي على خلافه، وابن المنذر من الشافعية على خلافه ... إلخ، ما رددت به هذا الرأي في المبحث الرابع عند الكلام على النقطة الرابعة.
ولنسارع لذكر أدلة أصحاب الأقوال الثلاثة فنقول:
استدل أصحاب القول الأول والثاني كل من زاويته بأدلة منها:
١- ما روي عن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيده للحمار الوحشي وهو غير محرم، قال ((فقال النبي ﷺ –لأصحابه، وكانوا محرمين: هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟ . فقالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمه)) (٣) ، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن أبا قتادة أخر إحرامه إلى الجحفة، ولم يحرم من ذي الحليفة كما فعل رسول الله ﷺ وسائر أصحابه، ولم ينكر عليه الرسول ذلك، فدل ذلك على جواز التأخير للإحرام لمن يمر بميقاتين أبعد وأقرب عند الأحناف، أو لمن يمر بذي الحليفة وأمامه الجحفة من المدنيين والشاميين والمصريين والمغاربة عند المالكية.
стр. 1825
٢- ما روي عن سعيد بن المسيب أن عائشة ﵂ اعتمرت في سنه مرتين: مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة.
٣- ما ذكره ابن المنذر وغيره عن عائشة ﵂ كانت إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة من الجحفة.
ولو لم تكن الجحفة ميقاتا لذلك، لما جاز تأخير إحرام العمرة إليها؛ لأنه لا فرق بالنسبة للأفقي بين ميقات الحج وبين ميقات العمرة.
وتمسك الشافعية والحنابلة ومن قال بقولهم بما يلى:
١- ما رواه ابن عباس ﵂ من قوله ﷺ : ((هن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلن)) ، وقالوا: هذا الحديث يعمُّ من ميقاته بين يدي هذه المواقيت التي مر بها ومن لا.
٢- أن أي ميقات هو كسائر المواقيت لا يجوز تجاوزه بغير إحرام (١) .
ويبدو لى أن هذا المعنى الاجتهادى للشافعية والحنابلة ومن قال بقولهم هو الراجح – رغم قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس – ﵁ – في المدونة وهي أم المذهب، وظاهرها نص، وقولها دليل: ((ومن مر من أهل الشام، واهل مصر، ومن وراءهم، بذى الحليفة، وأحب أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة فذلك له واسع، ولكن الفضل له، في أن يهل من ميقات – النبي ﵇) (٢) .
стр. 1826
وذلك لأن حديث البخاري من قواطع الأدلة في هذه المسألة، ولأن ما تمسكوا به طرقه الاحتمال فسقط به الاستدلال كما هو القاعدة. وسأرد أدلة أصحاب القول الأول والقول الثانى دليلاً فأقول: رد استدلالهم بحديث أبي قتادة من وجوه أربعة:
١- أن أبا قتادة بعثة رسول الله في مهمة وهي كشف عدو للمسلمين بالساحل.
٢- لم يخرج مع النبي ﷺ –بل بعثة أهل المدينة.
٣- أن المواقيت لم توقت بعد، وذلك لأن ما وقع من أبي قتادة كان عام الحديبية، والمواقيت وقتت في حجة الوداع (١) .
٤- أن أبا قتادة لم يمر في احتمال حسب الرد الأول والثانى بذى الحليفة، ومن لم يمر بها أحرم من الجحفة. لحديث جابر حين سئل عن المهل فقال: ((مهل أهل المدينة ذي الحليفة، وللطريق الآخر الجحفة)) الحديث، وهذا الرد الرابع رد به الاستدلال بحديثى عائشة – ﵂ – فهي لم تتجاوز ذا الحليفة غير محرمة إلى الجحفة وإنما لم ترم به (٢) .
стр. 1827
النقطة السابعة
الإحرام قبل المواقيت المكانية
إذا أحرم الحاج أو المعتمر قبل المواقيت المكانية فما حكم ذلك؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
١- ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أفضلية الإحرام للحاج أو المعتمر من دويرة أهلة بشرطين:
(أ) أن يكون ذلك في أشهر الحج (١) .
(ب) أن يأمن على نفسه الوقوع في محظورات الإحرام.
٢- ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الأفضل لمن فوق الميقات أن يحرم من الميقات لا قبله، جاء في المدونة: قلت لابن القاسم: أكان مالك يكره للرجل أن يحرم من قبل أن يأتي الميقات؟ قال: نعم. قلت: فإن أحرم قبل الميقات، أكان يُلزمه مالك الإحرام؟ قال: نعم. (٢) وأشار خليل في مختصره، وهو الذي يلتزم ما به الفتوى، إلى هذه المسألة فقال: " وكُره قبله كمكانه " (٣) ، أي كره الإحرام قبل الميقات الزمني كما كُره الإحرام قبل الميقات المكاني وقال ابنُ مفلح الحنبلي: يكره الإحرام قبل الميقات ويصح، قال أحمد: هو أعجب إليّ (٤) .
стр. 1828
وأما الشافعية فقد جرى عندهم خلاف في هذه المسألة فقيل: " الأفضل لمن فوق الميقات إحرام منه " (١) وقيل الأفضل من دويرة أهله، والقول الأول هو الأظهر عندهم (٢) ، والروايتان عن الشافعي ﵁ (٣) .
ولكل من القولين وجهة وأدلة.
احتج أصحاب القول الأول بحجج منها:
١- أن التقديم على المواقيت بشرطيه أكثر أجرًا؛ لأنه أكثر تعظيما وأوفر مشقة، والأجر على قد المشقة (٤) .
٢- جمع من الصحابة والتابعين كانوا يستحبون الإحرام بالحج والعمرة من الأماكن البعيدة، فابنُ عمر أحرم من بيت المقدس، وعمران بن الحصين من البصرة، وابن عباس من الشام، وابن مسعود من القادسية، رضوان الله عليهم جميعا (٥) . وقال أبو داود: يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس (٦) .
стр. 1829
٣- أنه ﷺ قال: ((من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) أو ((وجبت له الجنة)) شك عبدُ الله أيتهما قال (١) ... (وعبد الله هو ابن عبد الرحمن ابن يحنس) .
٤- روي عن عمر وعلي ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك (٢) .
هذا أهم ما استدل به أصحاب القول الأول.
واحتج أصحاب القول الثاني بحجج أهمها ما يلي:
١- أن حديث البخاري السالف الذكر: ((وَقّتَ رسول الله ﷺ لأهل المدينة..)) الحديثَ، يقضي بالإهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة حراما، فلا أقل من الكراهة، ولولا ما حكاه ابن المنذر: من إجماع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات محرم يلزمه الإحرام، لكان الإحرام قبل الميقات محرما، لأحاديث التوقيت، ولأن الزيادة على المقدرات من المشروعات كأعداد الصلاة ورمى الجمار، لا تشرع، كالنقص منها، وإنما لم يقع الجزم بالحرمة لورود الإجماع على كراهة ذلك (٣) .
стр. 1830
٢- إنكار سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (١) ، وإنكار سيدنا عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه من خراسان أو كرمان (٢) .
٣- تضييق الحجاج والعمار على أنفسهم ما وسّع الله عليهم، وأنه لا يؤمن ما يقع من التباس على الناس في الميقات، ولا يؤمن الوقوع في محظورات إن طال ذلك عليهم، وقال عطاء بن أبي رباح: انظروا هذه المواقيت التي وُقِّتت لكم، فخذوا برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في إحرامه، فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في الإحرام أعظم من ذلك.
٤- أن رسول الله ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، ومن بعده خلفاؤه الراشدون وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وهم أفضل الخلق من بعده ومن قبله خلا رسل وأنبياءه، وأحرص على الدرجات العلى (٣) .
стр. 1831
ويبدو لي أن القول الثاني أرجح؛ لأن خير الهدي هديه ﷺ ، وما استدل به أصحاب القول الأول لا يثبت على محك النقد.
أما الدليل الأول وهو: أن التقديم للاحترام على المواقيت المكانية أعظم أجرا وأكثر تعظيما، فليس بصواب؛ لأن (وَقّت) في حديث ابن عباس وغيره تقضي بالإهلال من هذه المواقيت، فيكون التقديم من الزيادة على المقدرات من المشروعات، وذلك لا يجوز، فهذا أولا، وثانيا: أن الأجر يكون على قدر المشقة، إنما يكون صحيحًا إذا كانت لازمة لتحصيل الأعمال التي يتوجه قصد المكلف إليها، لا ما جعلها المكلف هدفا من أهدافه، روى أمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ في الموطأ عن حميد بن قيس وثور بن زيد الديلي أنهما أخبراه عن رسول الله ﷺ وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه - أن رسول الله ﷺ ((رأى رجلاً قائما في الشمس، فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذر إلا يتكلم، ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس ويصوم. فقال رسول الله ﷺ : مروه فليتكلم، وليستظل، وليجلس وليتم صيامه)) (١) .
قال مالك ﵀: أمره رسول الله ﷺ أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما كان لله معصية (٢) .
ويتضح من الحديث، ومن تعليق ذي الإمامتين عليه أن الحنيفية السمحة ليس فيها مما يُتقرب به إلى الله إدخال المشقة والإعنات عن النفس.
стр. 1832
وهذا الأصل من الأصول المقطوع بها في الشريعة الإسلامية؛ لأن أدلته في نصوصها كثيرة منتشرة.
وأما الدليل الثاني من أدلة أصحاب القول الأول وهو: أن جمعا من الصحابة والتابعين كانوا يستحبون الإحرام بالحج والعمرة من الأماكن البعيدة ... إلخ، فمردود بإنكار سيدنا عمر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وبإنكار سيدنا عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه من خراسان أو كرمان، وهذا أولا، وثانيا: أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه وخلفاءه الراشدين وأصحابه - خلا من ذُكِرَ وهم قلة - لم يفعلوا ذلك، وأحرموا من المواقيت (١) ، وخصوصا أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رويا حديثي التوقيت السالفين، فدلت مخالفتهما لما رويا أنهما فقها أن المراد منع مجاوزة المواقيت حلالا، لا منع الإحرام قبلها، وأما الكراهة فلقدر آخر لعلة أخرى (٢) سبق ذكرها في أدلة أصحاب القول الثاني.
وأما الدليل الثالث فمردود؛ لأن حديث أم سلمة ﵂ كما قال ابن المنذر: اختلفت الرواة في متنه وإسناده اختلافا كثيرًا، وضعفه عبد الحق وغيره (٣) هذا أولا، وثانيا: إن سلمنا أن إسناد الحديث جيد كما هو رأي جماعة من الرواة (٤) ، فيحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس – أرجعه الله إلى حظيرة الإسلام، آمين – دون غيره، ليجمع الحاج أو المعتمر بين الصلاة في المسجد الأقصى المبارك والمسجد الحرام، في إحرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه، ولم يكن يحرم من غيره إلا عند الميقات (٥) ، وثالثا تؤول بأن ينشئ الحاج والمعتمر سفرا من بيت المقدس (٦) .
وأما الدليل الرابع من أدلة أصحاب القول الأول وهو: ما روي عن عمر وعلي ﵄ في تفسير قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أنهما قالا: اتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فمردود بأن عليا وعمر لم يحرما إلا من الميقات. هذا أولا، وثانيا تؤول مرادهما أن يوجد مريد النسك له سفرا من بلده كما فعل ﷺ لعمرة الحديبية والقضاء، سفرا من المدينة.
ومما يعضد ما ذكرنا قولنا سابقا أن رسول الله ﵌ وخلفاءه وجماهير صحابته لم يحرموا من دويرة أهلهم، ومنهم علي وعمر (٧) .
стр. 1833
النقطة الثامنة
الإحرام بعدها بين الضيق وبين السعة
فائدة نصب المواقيت تعيين الإحرام عندها، فإن أحرم قبلها فقد علمنا ذلك، وإن أحرم بعدها فلا يخلو الحال من أمرين:
١- أن يكون مريدا للنسك، وهو ممن يخاطب بالإحرام وجوبا.
٢- أن لا يريد ذلك، وهو ممن يخاطب بالإحرام وجوبا.
فإن أراد النسك، وتجاوزها غير محرم، فعليه أن يرجع إلى الميقات ويحرم منه، إن تسنى له ذلك، ولا فرق في مجاوزة الميقات بين أن يكون عالما بأنه تجاوزه، وبين أن يكون غير عالم بذلك، وبين أن يكون عارفا بحكم المجاوزة أو جاهلا بالحكم.
فإن رجع إلى الميقات فأحرم منه فلا شيء عليه بلا خلاف (١) ما لم يشارف مكة عند مالك في قول وعليه الدم (٢) ، لأنه أي الذي رجع إلى الميقات قد أحرم من الميقات فكأنه لم يتجاوزه، وكأن شيئا لم يكن.
وإن تجاوز مريد النسك الميقات، وأحرم من دونه، فقد اختلف الفقهاء على أقوال:
١- قال أبو حنيفة: إن رجع إلى الميقات فلبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لم يسقط (٣) .
٢- قال مالك: يتمادى ولا يرجع، وعليه دم تعدي الميقات، ولا يسقط عنه إن رجع، وبقوله قال الثورى وغيره (٤) .
مذهب الشافعية: أن من جاوز الميقات من مريدي النسك غير محرم، وأحرم من دونه فلا شيء عليه قبل تلبسه بنسك ويسقط عنه الدم.
وأما إن عادة بعد تلبسه بنسك، ولو طواف قدوم فلا يسقط الدم عنه لتأدي النسك بإحرام ناقص، وحيث لم يجب بعوده، لم تكن مجاوزته محرمة كما جزم به المعاملي والروياني (٥) .
٤- الحنابلة: إن أحرم من الميقات فلا إشكال كما سلف، وإن تجاوز الميقات بلا إحرام وأحرم بعده من موضع التجاوز فعليه دم وأن رجع.
стр. 1834
وهذا هو المذهب، وجزم به في المغني ابن قدامة، وفي الفروع ابن مفلح وغيرهما.
وفي رواية عن الإمام أحمد: يسقط الدم إن رجع إلى الميقات (١) .
٥-وعن. عطاء والحسن والنخعي: لا شيء على من ترك الميقات بدون إحرام.
٦- وعند سعيد بن جبير ﵁: لا حج لمن ترك الميقات.
ودليل الجمهور ما روي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من ترك نسكا فعليه دم)) روي موقوفا ومرفوعا هذا أولا، وثانيا: أحرم دون ميقاته فاستقر عليه الدم، كما لو لم يرجع، أو كما لو طاف عند الشافعي، أو كما لو لم يلب عند أبي حنيفة؛ ولأنه ترك الإحرام من ميقاته فلزمه الدم، ولأن الدم ترتب على تركه الإحرام من الميقات فلا يسقط عنه برجوعه إلى الميقات ولا بتلبيته (٢) .
ودليل أبي حنيفة أنه استدرك ما فاته بالرجوع ملبيا، وتحمل ما نقصه هذا أولا، وثانيا: ما روي عن ابن عباس أنه قال للذى أحرم بعد الميقات: أرجع إلى الميقات فلب وإلا فلا حج (٣) .
وذكر ابن العربي وجها لمن أسقط على المتجاوز الميقات والمحرم بعده الدم وقال: وجه من قال: لا دم عليه، أنه لم يخل بعمل وإنما أخره، والدم إنما يجب على من ترك شيئا وأسقطه (٤) .
ولم يظهر لي مدرك قول سعيد بن جبير.
بقي أنه لابد من التنبيه على الفرق بين مريد النسك الذي ترك الميقات، ثم عاد إليه ولم يحرم وأحرم منه، وبين مريد النسك الذي ترك الميقات وأحرم بعده، ثم عاد إليه، فالأول لم يترك الإحرام ولم يهتكه، والثاني ترك الإحرام منه وهتك حرمته (٥) .
وإذا لم يعد إلى الميقات وأفسد إحرامه بالجماع قبل طواف العمرة، إن كان إحرامه بعمرة، أو قبل الوقوف بعرفه إن كان إحرامه بحج، أو بعبارة أشمل أفسد المحرم من دون الميقات نسكه، فهل يسقط عنه الدم؟
стр. 1835
قال الحنفية: سقط عنه ذلك الدم؛ لوجوب القضاء عليه، فينجبر ذلك كله بالقضاء (١) ، وبهذا القول الثوري (٢) .
وقال المالكية: لا يسقط عنه الدم لتماديه على إحرامه، قال بعض: ولا أعلم فيه خلافا كما هو ظاهر كلام خليل في مختصره (٣) ، وبقول المالكية قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر (٤) .
ودليل الحنفية قياسه على من سها في صلاته ثم أفسدها فقضاها، أنه لا يجب عليه سجود السهو، وكذلك إذا أفسد حجه لزمه القضاء، وليس عليه دم (٥) .
ودليل الجمهور أن الدم واجب عليه بموجب هذا الإحرام، فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك وكجزاء الصيد (٦) .
ومن جاوز الميقات من مريدي النسك غير محرم، فخشي فوات الحج أحرم من موضعه، قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافا، إلا أنه روي عن سعيد بن جبير: " من ترك الميقات فلا حج له " وما عليه الجمهور أولى، فإنه لو كان من أركان الحج، لم يختلف باختلاف الناس والأماكن كالوقوف والطواف.
وإذا أحرم من موضعه بعد الميقات فعلية دم، لا نعلم في ذلك خلافا عند من أوجب الإحرام من الميقات؛ لقوله ﵊: ((من ترك نسكا فعليه دم)) .
وإنما أبيح له الإحرام من موضعه بعد الميقات من اجل إدراك الحج، فإن مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته.
ومن لم يمكنه الرجوع لعدم الرفقة، أو الخوف من عدو أو لص أو مرض أو لا يعرف الطريق ونحو هذا مما يمنع الرجوع، فهو كخائف الفوات يحرم من موضعه بعد الميقات وعليه دم (٧) .
بقي لابد من بيان أن ما قرر من الأحكام السابقة إنما هو في حق من خوطب بالحج.
стр. 1836
أما غير المخاطب به من عبد وصبي وكافر إذا تجاوز الميقات وهو على حالته المذكورة، ثم تغيرت حالته بعد ذلك بأن عتق العبد وبلغ الصبي وأسلم الكافر، فإنهم يحرمون من الموضع الذي تغيرت فيه حالتهم، ولا دم عليهم. وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق، وهو قول الحنفية في الكافر يسلم، والصبي يبلغ، وقالوا في العبد: عليه دم، وقال الشافعي: على كل واحد منهم دم، وعن أحمد في الكافر يسلم كقوله، ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياسا على الكافر يسلم؛ لأنهم تجاوزوا الميقات بغير إحرام، وأحرموا دونه، فلزمهم الدم كالمسلم البالغ العاقل.
ودليل الجمهور أن العبد الذي عتق، والصبي الذي بلغ، والكافر الذي أسلم بعد مجاوزة الميقات بغير إحرام، ثم أحرم من موضعه، أنهم أحرموا من المكان الذي وجب عليهم الإحرام منه، فأشبهوا المكي، ومن قريته دون الميقات كبستان بني عامر إذا أحرم منها، ولا يشبهون بحال من خوطبوا بالإحرام قبل الميقات، ثم مروا به وتركوا الإحرام؛ لأنهم تركوا الواجب عليهم (١) .
وأما من لا يريد نسكا أصلا، وهو ممن يخاطب بالإحرام وجوبا، فمذهب الحنفية أن مكة حرام، فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بالإحرام واستثنى الحنفية من ذلك من لم يرد مكة ولا الحرم، وإنما أراد أن يأتي ما بين الميقات والحرم كبستان بني عامر أو غيره مما هو داخل الميقات لحاجة فلا شيء عليه؛ لأن لزوم الحج، أو العمرة بالمجاوزة من غير إحرام لحرمة الميقات تعظيما للبقعة، وتمييزا لها من بين سائر البقاع في الشرف والفضيلة فيصير ملتزما للإحرام منه، فإذا لم يرد البيت لم يصر ملتزما للإحرام فلا يلزمه شيء.
فإن حصل في البستان، أو فيما وراءه من الحل، ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة من غير إحرام، فله؛ ذلك لأنه بوصوله إلى أهل البستان صار كواحد منهم ولهم أن يدخلوا مكة لحاجة بغير إحرام فكذا له (٢) .
وروى عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يسقط عنه الإحرام ولا يجوز له أن يدخل مكة بغير إحرام، ما لم يجاوز الميقات بنية أن يقيم بالبستان خمسة عشر يوما فصاعدا؛ لأنه لا يثبت للبستان حكم الوطن في حقه إلا بنية مدة الإقامة (٣) .
стр. 1837
وأما مذهب المالكية: فمن أتي الميقات لا يريد نسكا، ولا دخول مكة، وإنما حاجته دونها أنه كان غير ضرورة، أو ضرورة ولا يستطيع، لم يلزمه إحرام، فإن كان مستطيعا ففي لزوم الإحرام له قولان، سببهما: هل الحج واجب على الفور أو على التراخي؟ (١) ؟
وأما من أتى الميقات لا يريد نسكا ويريد دخول مكة فإن دخلها لقتال بوجه جائز، أو تكرر كالحطابين وأصحاب الفواكه، وغيرهم ممن قرب إلى مكة، فكل هؤلاء يجوز أن يدخلوها حلالا، والاستحباب أن يأتى أول مرة محرما، فإذا تكرر منه ذلك لم يكن في ذلك شيء.
وأما أن دخلها لتجارة وما شاكلها مما لا يتكرر من الحاجات، فذكر ابن القصار عن مالك رحمة الله أنه استحب أن يدخل مكة حراما والى هذا يرجع قوله في المدونة، وإن فعل فلا شيء عليه، وذكر عبد الوهاب عنه أنه قال: عليه الدم وأرى أن الإحرام واجب عليه (٢) .
وأما مذهب الشافعية: فقال النووي رضي الله تعالى عنه: من أتى الميقات لا يريد نسكا فلا يلزمه الإحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهبنا سواء دخل لحاجة تتكرر كحطاب وحشاش وصياد ونحوهم، أو لا تتكرر كتجارة وزيادة ونحوهما.
وللشافعى قول ضعيف إنه يجب الإحرام بحج أو عمرة إن دخل مكة أو غيرها لما لا يتكرر (٣) بشرط أن لا يدخل لقتال، ولا خائفا من ظهوره وبروزه (٤) .
وأما مذهب الحنابلة: فمن أتى الميقات لا يريد نسكا، ولا دخول مكة ولا الحرم بصفة عامة، لم يلزمه إحرام؛ لأنه ﷺ وأصحابه أتوا بدرا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد، فيمرون بذي الحليفة بغير إحرام.
وأما إن أتى الميقات لا يريد نسكا، ويريد دخول مكة، فإن فعلها لقتال مباح، أو خوف، أو حاجة متكررة، ومكي يتردد إلى قريته بالحل، جاز للجميع دخولها بغير إحرام.
стр. 1838
وأدلة ذلك دخوله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر، ولم يُنقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه الإحرام يومئذ، وألحق الخوف بالقتال المباح، هذا بالنسبة للقتال المباح والخوف، وأما بالنسبة لذوي الحاجات المتكررة فما رواه حرب عن ابن عباس: " لا يدخل إنسان مكة إلا محرما، إلا الحمالين والحطابين، وأصحاب منافعها " احتج به أحمد، وأما بالنسبة للمكي المتردد إلى قريته بالحل، فلنفي الحرج الذي هو أصل من أصول الدين الحنيف هذا أولا، وثانيا: قال ابن عقيل: وكتحية المسجد في حق قيمه للمشقة (١) .
والذي يظهر لى أن المذهب الصحيح عند الشافعية هو القوي وذلك لأمور:
١- ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄: ((هن لهن ولكل آت عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة)) مفهومه أن من أتى المواقيت لا يريد حجا ولا عمرة لا إحرام عليه، وهو مفهوم عام.
٢- ما رواه مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر أقبل من مكة حتى إذا كان بقديد جاءه خبر من المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام (٢) .
٣- لما يلزم على الأقوال الأخرى من إيجاب حج غير واجب، أو عمرة غير واجبة.
٤- دخلها ﷺ يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وهو غير محرم (٣) .
هذا ولو لم يأت أي دليل وقعت الكفاية بأنه لم يأت بإيجاب الإحرام على من قصدها لغير حج أو عمرة، والله أعلم.
النقطة التاسعة
إحرام من لم يمر بالمواقيت
المواقيت التي وَقّتها رسول الله ﷺ محيطة بالحرم المكي الشريف، وإن اختلفت قربا وبعدا، فذو الحليفة شامية ويلملم يمانية، والجحفة غربية، وقرن شرقية، وذات عرق حذوها.
إذا علمنا هذا، فمن سلك طريقا لا يمر فيه بميقات من المواقيت فمن أين يحرم؟ الجواب عن هذا السؤال أسٌّ متين من أسس هذا البحث: " الإحرام من جدة لركاب الطائرات في الفقه الإسلامي "، وقد تجانست فيه المذاهب أصلا، واختلفت تجزئة وتفصيلا، ونذكر اجتهادات المذاهب في هذه النقطة من نقاط هذا البحث كالتالي فنقول:
стр. 1839
١- المذهب الحنفى: من كان في بر أو بحر، لا يمر بواحد من هذه المواقيت المذكورة، فعليه أن يحرم إذا حاذى آخرها (١)
وآخر المواقيت أقربها إلى مكة، وأقربها إليها – زادها الله شرفا – قرن المنازل فالمسافر من المغرب الأقصى أو الجزائر أو تونس، أو ليبيا أو مصر أو بلاد الشام، إذا سلك طريقا برا أو بحرا، لا ينتهي إلى رابغ، وإنما يحاذيه، له أن يؤخر إحرامه إلى محاذاة قرن المنازل؛ لأنه آخر المواقيت، قال العلامة ابن نجيم في البحر: " آخر المواقيت باعتبار المحاذاة قرن المنازل " (٢) .
وسبيل معرفة المحاذاة، سؤال ذوي الخبرة بالطرق: إن وُجدوا، وإلا اجتهد السالك لطريق لا ينتهي إلى الميقات وأحرم، والتحري أن يغلب على ظنه أنه محاذ له (٣) ، فإن لم يعلم المحاذاة لا باجتهاده ولا وجد أهل الخبرة بذلك، أحرم حين يصل إلى مكان يبعد مرحلتين عن مكة المشرفة.
стр. 1840
ووجه التقدير عند جهل المحاذاة بالمرحلتين أن ذلك أوسط المسافات،، وإلا فالاحتياط الزيادة (١) .
بقي مما ينبغي التنبيه إليه في هذه المسألة الأخيرة قول ابن نجيم في البحر: " فإذا لم يكن بحيث يحاذي " (٢) إلخ، فليس بصواب لأن المواقيت محيطة بالحرم كما أسلفت ففي أي جهة كان حاذى، وكذلك قول الحصكفي في الدر المختار: " فإن لم يكن بحيث يحاذي " (٣) ، وإن اختلف التعبير بينهما فصاحب البحر عبر بـ (إذ) المفيدة لليقين، وصاحب الدب بـ (إن) المفيدة للشك.
وسبب هذا الخطأ عدم المعرفة بجغرافية الحرم المكي الشريف وما حوله.
هذا ولم يعرض ابن نجيم في البحر، ولا الحصكفي في الدر، ولا ابن عابدين في حاشيته عليهما لمعنى المحاذاة الدقيق، فطلبتها من مكانها الأصلي وهو معاجم اللغة العربية، فوجدت الزمخشري في الأساس يقول: " حذى لي النَّعّال نعلا: قطعها على مثال، وحذوت النعل بالنعل: قطعتها مماثلة " (٤) والمماثلة تعني المشابهة والمساواة، وجاء فيه أيضًا: " ومثله به، وتمثل به، تشبه به ومثل الشيء بالشيء: سوي به، وقدر تقديره " (٥) ، ووجدت الفيروز آبادي يقول: " حاذاه: آزاه، والحذاء: الإزاء، ويقال: هو حذاءك، وحذوتك، وحذتك، بكسرهن، ومحاذاك، وداري حذوه داره، وحذتها، وحذتها بالفتح مرفوعا ومنصوبا: إزاؤها " (٦) ، والإزاء هنا يفسره صاحب القاموس بقوله: " وهم إزاؤهم: أقرانهم وأزى الشيء: حاذاه، وحاره " (٧) ، " والحرا، والحراة: الناحية " (٨) ، ويزيد ابن منظور المعنى وضوحا فيقول: " وجاء الرجلان حذيتين: أي كل واحد منهما إلى جنب صاحبه، وجاء الرجلان حذتين: أي جميعا، كل واحد منهما إلى جنب صاحبه " (٩) .
стр. 1841
وبعد عرضنا لنصوص بعض المعاجم الأساسية فيما يتعلق بمعنى المحاذاة يتضح لنا أنها تعنى: الازاء، والجانب ميامنة، أو مياسرة مع المماثلة والمساواة.
بقي هل يشترط في المذهب النعماني أن تكون المحاذاة قريبة؟
قال الحصكفي: " وأحرم إذا حاذاه أحدها " (١) ، وقال صاحب البدائع: " إذا قصدها (أي مكة المكرمة) من طريق غير مسلوك فإنه يحرم إذا بلغ موضعا يحاذي ميقاتا من هذه المواقيت " (٢) .
وقال عبد الغني الغنيمي الدمشقي الحنفي من علماء القرن الثالث في مصنفه: " اللباب في شرح الكتاب ": وإن لم يمر بميقات، تحرى وأحرم إذا حاذى أحدها " (٣) ، و (أحد) في عبارة صاحب الدر وصاحب اللباب نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، صرح به إمام الحرمين في البرهان، وتابعه عليه الأنبارى في شرحه له، واقتضاه كلام الآمدى وابن الحاجب (٤) ، وكذلك " موضعا " في عبارة صاحب البدائع، وإذا قلنا بإفادة (أحد) وموضوع العموم اتضح عدم اشتراط القرب في المحاذاة، فقول ابن نجيم في البحر: " ولعل مرادهم بالمحاذاة المحاذاة القريبة من الميقات " يتنافى وما يفهم من عبارات فقهاء الأحناف مثل التي ذكرنا المفيدة للعموم، هذا أولا، وثانيا: رده أخوه عمر بن نجيم في النهر بقوله: " من لم يمر على المواقيت يحرم إذا حاذى آخرها قربت المحاذاة أو بعدت " (٥) .
стр. 1842
٢- المذهب المالكي: ليس هنالك اتفاق داخل المذهب في خصوص هذه المسألة بل اختلفت الأنظار فيها على النحو التالي:
١- حيث حاذى أحد المواقيت المذكورة أحرم ببر أو ببحر، سواء كان البحر محاذيا للميقات كبحر السويس بالنسبة للجحفة، محاذاة قريبة، أو محاذاة بعيدة كبحر عيذاب بالنسبة لها، ولا يؤخره إلى البر، فإن أخر لزمه دم، قال خليل: " وحيث حاذى واحدا ولو ببحر " (١) وقال الخرشي معقبا على قوله: " ولو ببحر " يعني أن من سافر في البحر، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يؤخر إلى البر، ظاهره سواء كان ببحر القلزم أو ببحر عيذاب على ظاهر المذهب.
بقي إذا كان محاذيا في البر لأحد المواقيت المذكورة، وكان منزله قريبا من الميقات، فالأفضل الذهاب إليه، والإحرام منه (٢) .
٢- يفصل وهو لسند بن عنان، ويقوم تفصيله على تقييده لإطلاق قول مالك الذي أورده ابن أبي زيد في النوادر نقلا عن محمد بن المواز والذي يقول فيه مالك: " ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم إذا حاذى الجحفة ".
وتقييده لقول مالك هذا هو التالي: من أتى بحر عيذاب حيث لا يساحل البر، فلا يجب عليه الإحرام في البحر إلى أن يصل إلى البر، إلا أن يخرج على بر أبعد من ميقات أهل الشام، وأهل اليمن، ولا يلزمه بتأخير الإحرام هدي.
وأما أن أتي بحر القلزم حيث يساحل البر، فالإحرام عليه في البحر واجب، لكن يرخص له التأخير إلى البر ويلزمه أن يهريق دما.
وبنى سند هذه التفرقة بين من في اللجة كالمسافر في بحر عيذاب، وبين من يساحل كالمسافر في بحر القلزم، على أساس أن الأول لو أحرم في البحر وهو في اللجة ولا يساحل الميقات ففى ذلك خطر خوفا من أن ترده الريح فيبقى محرما، ويطول إحرامه، حتى يتسنى له أن يقلع إقلاعا سالما، وفي ذلك أعظم الحرج المنفي من الدين.
وإذا ثبت جواز تأخير الإحرام بالنسبة له إلى البر فلا يلزمه دم، حتى يقوم دليل على اللزوم، ولا دليل.
وأما الثاني فإنه قادر على الإحرام من البر، حيث يمكنه النزول إلى البر والإحرام منه، لكن فيه مضرة بمفارقة رحله، فيجوز له تأخير الإحرام إلى البر للمضرة وعليه دم، كما يجوز استباحة ممنوعات الإحرام للضرورة مع لزوم الفدية.
стр. 1843
ومما يجب التنبيه عليه أن النقل لقول سند ساده الغموض والإجمال عند جماعة من فقهاء المالكية، ومن بينهم العلامة خليل بن إسحاق الذي نقل في مناسكه ما يلي: ومن سافر في البحر أحرم أيضًا في البحر إذا حاذاه على ظاهر المذهب، خلافا لسند في قوله: يحرم إذا وصل البر، خوفا من أن ترده الريح فيبقى محرما، وهو ظاهر من جهة المعنى ونقل ابن الحاج عن ابن نافع مثل قول سند فقال: وقال ابن نافع: لا يحرم في السفن، ورواه عن مالك.
ونلاحظ على ما نقله خليل ملاحظتين:
١- أنه في قول سند أجمل ولم يبين، كما بينا سابقا.
٢- أنه تقييد سند لما نقله ابن المواز عن مالك، ليس كقول ابن نافع من كل وجه.
لكنه في توضيحه نقل تقييد سند المذكور ولم يتعقبه بأنه خلاف ظاهر المذهب كما قال في مناسكه، وكذلك القرافى في ذخيرته، وابن عرفة، والتادلى، وابن فرحون في شرحه على جامع الأمهات وفي مناسكه، وقال الحطاب: ظاهر كلامهم أنهم قبلوا تقييد سند لكلام مالك بما ذكر، وهذا هو الظاهر، وقد شاهدت الوالد (محمد بن عبد الرحمن الحطاب) يفتي بما قاله سند غير مرة، والله أعلم.
بقي إذا أخر إحرامه إلى البر: قال سند: لا يرحل من جدة إلا محرما؛ لأن جواز التأخير إنما كان للضرورة، وقد زالت.
وهل يحرم إذا وصل البر؟ أو إذا ظعن من جدة؟ الوجهان محتملان، والظاهر إذا ظعن؛ لأنه سنه من أحرم، وقصد البيت أن يتصل إهلاله بالمسير.
وهذا التفصيل الذي ذكره سند في جهة الشام في بحر عيذاب وبحر القلزم (السويس) يقال مثله في جهة اليمن والهند، وهذا ظاهر (١) .
وبعد عرضنا لمذهب مالك ﵁ في من حاذى ببر أو بحر، نلاحظ أن فقهاء المالكية اضطربوا في بيان مدلول كلمة محاذاة بين تارك لتفسيرها كالحطاب في مواهب الجليل (٢) ، وبين محدد لها كالشيخ عبد الباقى الزرقاني الذي شرح قول خليل السالف: " وحيث حاذى واحدا، ولو ببحر ": فساوى بمقابلة، أو ميامنة أو مياسرة. وهو تحديد لم يسلم من الخطأ، وقد بين الخطأ محشيه المحقق البناني بقوله: قول الزرقاني: ساوى بمقابلة ... إلخ، بل ميامنة ومياسرة فقط، ولا تتصور المقابلة (٣) ، وفي نفس الخطأ وقع أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في شرحيه الكبير (٤) والصغير (٥) ، وفيه وقع الشيخ على العدوى في حاشيته على صغير الخرشى، حيث تابع الخرشي في تفسير حاذى بسَامَتَ، وأضاف إليه: أي سَامَتَ من بُعدٍ بمقابلة أو ميامنة أو مياسرة (٦) ، ولا تتصور المقابلة؛ لأن للميقات سيصل إليه، ويحرم منه، ما لم ينحرف، وأن أحرم حين قابله الميقات، كان إحرامه قبله، وهو جائز مع الكراهة، وإن انحرف وأصبح محاذيا حين الوصول إليه أخذ حكم المحاذي.
стр. 1844
وليس هذا الخطأ في تفسير هذه الكلمة " محاذاة " مقصورًا على من ذُكر، وإنما نبهت عليهم بالخصوص لتداول كتبهم بين المشتغلين بدراسة الفقه الإسلامي من خلال مذهب أمام دار الهجرة ﵁.
٣- المذهب الشافعي: من سلك طريقا لا يؤدي إلى ميقات من المواقيت المذكورة، أحرم بالنسك حين يحاذي ميقاتا منها، قال الشيرازي: قد اجتهد عمر في ميقات أهل العراق واعتبر المحاذاة (١) ، قال النووي: وهذا الذي ذكره المصنف نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب.
وسبيل معرفة أنه حاذى ميقاتا سؤالُ ذوي الخبرة إن وُجدوا وإلا تحرى مريد النسك، واستظهر حتى يتيقن أنها حاذى الميقات أو فوقه استحبابا عند جمهور فقهاء الشافعية، ووجوبا عند القاضى أبي الطيب منهم، والمذهب ما عليه الجمهور (٢) .
فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه.
فإن استويا في القرب أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة.
وإن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلتين من مكة (٣) .
هذا وقد فسر فقهاء الشافعية الذين رجعتُ إلى كتبهم كلمة محاذاة تعبيرا صحيحا. ومنهم شيخ الإسلام زكريا الأنصارى الذي يفسر المحاذاة بالمسامتة بيمينه أو يساره (٤) ، ويضيف إليه سليمان الجمل تكميلاً فيقول: لا بظهره ولا بوجهه؛ لأن الأول وراءه والثانى أمامه (٥) .
٤- المذهب الحنبلي: من سلك طريقا لا يمر بميقات من المواقيت المذكورة، أو عرج عن الميقات، بأن مشى في طريق لا تمر عليه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت لقول عمر ﵁ لأهل العراق: " انظروا حذوها من طريقكم ". فحد لهم ذات عرق، وسبيل معرفة المحاذاة الاجتهاد والتقدير كالقبلة.
وإن جهلت المحاذاة يستحب الاحتياط، فإن الإحرام قبل الميقات مكروه وتأخيره عنه حرام (٦) .
هذا وإن تساوى الميقات في القرب إلى طريقه أحرم من حذو أبعدهما عن مكة من طريقة، وأطلق الآجري فقال: من خرج عن المواقيت يحرم إذا حاذى (٧) .
стр. 1845
وإما من لم يحاذ ميقاتا أصلا، فإنه يحرم بمقدار مرحلتين من مكة، نقل هذا ابن مفلح في كتابه الفروع ووصفه بأنه متجه (١) ونقله عنه المرداوي في الإنصاف وأقره (٢) .
٥- المذهب الزيدى: من سلك طريقا غير طريق المواقيت، فمن أرائها وعليه اليقين أن أمكنت المعاينة، وإلا فالظن كالقبلة، والاحتياط بتقديم الإحرام على المواقيت أفضل (٣) .
٦- المذهب الإمامي: لو حج على طريق لا يمر فيه بميقات من المواقيت، قيل: يحرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة، وكذا من حج في البحر (٤) .
قال محمد جواد في مغنيه: ولا فرق في المحاذاة بين أن يكون السفر في البر أو البحر، أما السفر في الجو فلا تتحقق فيه المحاذاة إطلاقا،؛ لأن المحاذاة معناها أن يكون المحاذي عن يمينك أو يسارك، لا تحتك أو فوقك.
стр. 1846
وتثبت بقول أهل الخبرة، ويكتفى فيها بحصول الظن (١) .
المذهب الإباضي: من حاذى ميقاتا في بر أو بحر فميقاته المحاذاة، فالجحفة مثلاً ميقات من سلك من أهل المغرب طريق الساحل، فمن مر بها أو عن يمينها أو عن يسارها، أو في البر أو في البحر، فليحرم من مقابلها أو قبله.
"وقال الشيخ نور الدين السالمي في شرح حديث المواقيت من الجامع الصحيح للربيع بين حبيب ما نصه: قال أبو صفرة رحمه الله تعالى: كنا نحرم من جدة في الصيف، فلما جاء الشتاء، شق ذلك بنا، فصرنا نحرم من ذات عرق، وذلك أنه كان رحمة الله عليه من أهل العراق، وكلامه هذا يدل على أن جدة كانت أبعد من مكة من ذات عرق يحرمون منها قبل الميقات (٢) .
وقال الشيخ بيوض إبراهيم عمر متحدثا عن مسألة إحرام ركاب الطائرات من جدة ما نصه: " ليس على حجاج الطائرات الذاهبين إلى جدة إحرام إلا من ميقات أهل جدة، ولا نرى هذا رخصة بل نراه عزيمة، فإنها لم تعارض دليلاً معتبرًا، ولقد روينا عن شيوخنا الأمر بفتوى الناس بما يسعهم، ومن أراد التضييق فيشدد على نفسه، قال العلامة الجليل أبو أيوب وائل بن أيوب من طبقة الربيع بن حبيب ﵀: " إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه، وأما التضييق فمن شاء أخذ بالاحتياط " وقال الإمام أبو سعيد الكدمى من كبار آئمة العلم بعمان: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، إنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم من العلم " (٣) .
стр. 1847
المبحث الخامس
الإرخاص لركاب الطائرات في تأخير الإحرام إلى جدة
ويشتمل على النقاط الآتية:
النقطة الأولى: مقاصد شرعية عامة تساعد على الترخيص للأفقيين في تأخير الإحرام إلى جدة.
النقطة الثانية: تيسرات خاصة بالحج.
النقطة الثالثة: نصوص فقهاء الإسلام ترخص للقادمين جوا في تأخير الإحرام إلى جدة.
النقطة الأولى
مقاصد شرعية عامة تساعد على الترخيص للافقيين
من ركاب الطائرات في تأخير الإحرام إلى جدة
قبل الشروع في دراسة مسائل هذه النقطة، لابد من تقديم نقطتين هامتين هما:
١- أن هذه المقاصد الشرعية التي سأتناولها بالدرس قطعية ثابتة بالأدلة الفاشية المنتشرة في نصوص الشريعة الإسلامية.
стр. 1848
٢- أن اعتمادي عليها اعتماد دعم للنصوص المنقولة عن أئمة الفقه الإسلامي، واستعانة على التخريج عليها لا استمدادا مباشر منها، فذلك داب المجتهدين.
وبعد هذا التقديم نشرع في دراسة مسائل هذه النقطة فنقول: المقاصد الشرعية العامة المساعدة بالاعتبار السالف على الترخيص لركاب الطائرات من الأفقيين في تأخير الإحرام إلى جدة هي:
١- أن الشريعة الإسلامية تعتمد التيسير أصلا من أصولها القواطع الثابتة بالأدلة الفاشية المنتشرة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وآثار السلف الصالح لهذه الأمة.
أما القرآن الكريم فآي كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله جل من قائل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وقوله تبارك وتقدس: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مَّن حَرَج﴾ [المائدة: ٦] .
وأما السنة النبوية الشريفة فأحاديث كثيرة منها قوله ﵊: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسدودا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)) (١) وقوله ﷺ لما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذا إلى اليمن: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) (٢) .
стр. 1849
وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) . (١) ، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ((ما خير رسول الله ﷺ في أمرين قط، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه)) الحديث (٢) .
وأما آثار السلف فكثيرة: منها قول مطرف بن الشخير التابعي " خير الأمر أوساطها " (٣) ، ومنها قول الشعبي: " إذا اختلف عليك في أمرين فخذ بأيسرهما "، ثم قرأ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٤) ، ومنها قول أمام الفقه والحديث مالك بن أنس ﵁ في مواضع كثيرة من الموطأ: " دين الله يسر " (٥) ، ولا أخاله قالها إلا بعد استقراء تام لنصوص الشريعة ومواردها، واستخلاص هذا المقصد من مقاصدها.
واليسر وسط بين الشدة والتساهل، والتشدد والتساهل يدعو إليهما الهوى، وقد حذرنا الشرع من اتباعه في مواضع كثيرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] ، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ، وقال ﷻ ، محذرا هذه الأمة المحمدية من الغلو في الدين والابتداع كما فعل ذلك أهل الكتاب فاستوجبوا غضب الله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] ، وقال صلوات الله وسلامة عليه في حق إليهود: ((إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شدودا شدد الله عليهم الحديث)) (٦) .
وحين نقف موقفا وسطا بين الشدة وبين التساهل في قضية الإرخاص لركاب الطائرات من الأفقيين في الإحرام من جدة، نجد أن قيام الشريعة على الوسيطة يساعدنا على إيجاد الجواب الصحيح، وهو الجواز فيما يبدو؛ لأن الحاج من الأفقيين على الطائرة لابد من النزول بجدة، وفيما يؤذن له، أو لا يؤذن بدخول مكة من طرف الحكومة السعودية، فإذا أضفنا إلى ذلك مشقة ركوب الطائرة وحمل الأمتعة بعد النزول واجتياز الجمارك، ومكاتب جوازات السفر، واستعداد ذي النسك بعد ذلك لتبديل عملته، وحمل أمتعته، والسفر إلى مكة، فهل من تيسير الشريعة الذي سقنا أدلته أن يقوم بهذه الأعمال كلها وهو محرم؟ ويكفي ما يتعرض إليه من توتر الأعصاب والإرهاق والغضب وكبح النفس عن الشهوات، مما يجبره قصرا وهو يعاني هذه الأتعاب إلى حرج شديد عند الأكثر، وإلى سباب وشتم عند البعض.
стр. 1850
ونحن نعلم أن الخصام من محظورات الإحرام، فعلينا بالتدبر والاعتبار في هذا كله واضعين نصب أعيننا أن السماحة أول أوصاف الإسلام وأكبر مقاصده، وأن الإسلام قد حافظ على استدامة السماحة وقدر لها إن عرض لها عارض من العوارض الزمنية أو الحالية ما يصيرها مشتملة على شدة، انفتح لها باب الرخص المشروع بقوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وبقوله ﵊: ((إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمة)) (١) ، (٢) ، أفلا يكون من اليسر مع هذا المقصد أن نيسر على حجاج البيت وعماره بواسطة الطائرات، فنرخص لهم في الإحرام من جدة، فذلك ما تقتضيه الفطرة السليمة التي تأبى الإعنات والشدة، وذلك ما يستلزمه عموم الإسلام وخلوده من نفي الضيق والحرج على هذه الأمة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ، وقال تبارك وتقدس: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وقال الجصاص: قال ابن عباس: مِن ضيق، وكذلك قال مجاهد، ويحتج به في كل ما اختلف فيه من الحوادث إن أدى إلى الضيق فهو منفي، وما أوجب التوسعة فهو أولى " (٣) وقال الشاطبي في عديد من المواضع من كتاب المواقيت: " إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع " (٤) .
стр. 1851
٢- ما أقره الفقهاء قاعدةً أساسية من قواعد الفقه الإسلامي: المشقة تجلب التيسير، وقد ذكر السيوطى " أن على هذه القاعدة خرجت جميع رخص الشرع وتخفيفاته، كما ذكر أن أسباب التخفيف في العبادات وغيرها أولها: السفر، وهو نوعان: طويل وغير طويل، ورخصه ثمانية على ما قال النووى، وهي تنقسم - باعتبار طول السفر وقصره - أربعة أقسام:
١-ما يختص بالسفر الطويل: القصر، والفطر.
٢-ما لا يختص به قطعا: وهو ترك الجمعة، وأكل الميتة.
٣-ما فيه خلاف والأصح اختصاصه به، وهو الجمع.
٤-ما فيه خلاف والأصح عدم اختصاصه كالتنفل عن الدابة ونحوه (١) .
والحج سفر طويل على كل المذاهب في تحديد السفر الطويل، فيه من المشاق المادية والمعنوية ما وصفت سالفا، ولو كان بالطائرة أفلا يكون هذا السفر مدعاة للتخفيف واليسر، وهما روح الحنيفية السمحة المبنية على نفي الحرج والضيق.
والعجب أن فقهاءنا المعاصرين يفتون المسافر بالقصر والفطر والجمع طريقا ومكوثا بالنزل الفاخرة لا يقطع السفر، وبعضهم لا يفتيه بتأخير إحرامه إلى جدة، معرضا صفحا عما يعانيه من المشاق، مقترحا تقديم إحرامه من دويرة أهله، أو من المطار في بلده، غير مراع ما يحصل من المشاق المادية والنفسية، وبخاصة الجنسية في الطائرة، وبعد النزول كما وصفت، أو غير حاسب حسابا للطبائع البشرية هذا أولا.
وثانيا: فقد أنكر عمر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه من خرسان، قال الحافظ ابن عبد البر: وهذا من هؤلاء – والله أعلم – كراهة أن يضيق المرء على نفسه ما وسع الله عليه، وأن يتعرض لما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، وقال عطاء: انظروا هذه المواقيت التي وُقتت لكم فخذوا برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في إحرامه، فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في الإحرام أعظم من ذلك. وعن سفيان بن عيينة قال: قال رجل لمالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: أحرم من حيث أحرم ﷺ . فأعاد عليه مرارًا، وقال: فإن زدتُ على ذلك. قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وما في هذا من الفتنة؟ إنما هي أميال أزيدها. فقال مالك: قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، قال: وأى فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت فضلا قصر عنه رسول الله ﷺ ، أو ترى اختيارك لنفسك في هذا خير من اختيار رسول الله ﷺ (٢) .
стр. 1852
وقال ابن العربي في الرد على القول بأفضلية الإحرام من دويرة الأهل: فإنها مشقة رفعها الشرع وهدمتها السنة بما وقت النبي ﷺ من المواقيت (١) . فإن وجدت المشقة جاز القياس، ورجعت المشقة كما فعل عمر في توقيت ذات عرق باجتهاده؛ دفعا للمشقة الحاصلة لأهل العراق إذا أحرموا من قرن وهو جور عليهم، وأما القصد إلى الاحتياط بالزيادة فهو من الزيادة على المقدرات الشرعية، ومزلفة نحو هاوية الفتنة إن نوى حصول فضل زائد عن صاحب الشرع ﷺ ((وخير ديننا أيسره)) الحديث (٢) أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
٣- تتبع الرخص: يبدو لى أن من أفضل الطرق لمعالجة المشاكل المستجدة التي حدثت حصيلة التقدم الحضاري والتقني أن نأخذ برخص المذاهب الفقهية، خصوصا ونحن نعاني فقدان المجتهد في حاضرنا الإسلامي، إذا لم يمنع من ذلك مانع شرعي، بأن نأخذ من كل مذهب بما هو الأهون والأسهل، في أمور ديننا عبادات ومعاملات، قال الكمال بن الهمام في تحريره: " ولا يمنع منه (تتبع الرخص) مانع شرعي، إذا للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل، وكان ﵊ يحب ما خف على أمته " (٣) وعلل محمد العزيز جعيط شيخ الإسلام المالكي بالديار التونسية سابقا جوازَ تتبع الرخص فقال: " لأنه نوع من اللطف بالعباد، والشريعة لم ترد بقصد مشاق العباد، بل تحصيل الصالح، كالطبيب يريد بالدواء شفاء المريض لا إيذاءه، وإن لزم من ذلك الإيذاء، والمسألة ذات خلاف. وممن مال إلى القول بالجواز عز الدين بن عبد السلام، والشهاب القرافى والكمال بن الهمام " (٤) .
стр. 1853
ولعل مما يدعم الأخذ بالرخص ما لم يمنع مانع شرعى ما جرى على ألسنة السلف الصالح لهذه الأمة، وتغنى به خلفها، وهو: أن خلاف الفقهاء رحمة؛ لأنه من تيسير الله على العباد، وأوضح ذلك القاسم بن محمد فقال: " لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرا منه قد عمله "، وعنه أيضًا: " أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء "، ومثله مروي عن عمر بن عبد العزيز: " ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم "، قال القاسم: " لقد أعجبني قول عمر ابن عبد العزيز: " ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا " (١) .
وعلل ذلك شيخ الإسلام المالكي محمد العزيز جعيط بقوله: " لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة " (٢) .
وهذا على رأي من يرى تخيير العامي في العمل بآراء المجتهدين، والمسألة ذات خلاف، ولكن من تيسير مواكبة الشريعة الإسلامية لقافلة الحياة الإسلامية المعاصرة في غيبة الاجتهاد أن نعمل بهذا الرأي.
стр. 1854
وبناء على ذلك أقول: قد سبق لنا أن الحسن وعطاء والنخعي لم يروا في مجاوزة الميقات بدون إحرام شيئا، أي أثما أو دما، وناهيك بهؤلاء من خيرة فقهاء التابعين، وروى ابن نافع عن مالك أنه قال ﵀: " ولا يحرم في السفن "، وعلق عليه الأستاذ الإمام المغفور له محمد الطاهر بن عاشور بقوله: وهذا يحتمل وجوب النزول إلى الميقات وفيه مشقة ينبغي نفيها عن الدين، ويحتمل أن يريد أنه يرخص له تأخير الإحرام إلى النزول إلى الأرض " (١) ، وأنا أقول: والاحتمال الثانى هو الذي يتناسب مع المقصد الشرعي الذي ردده مالك في مواضع من الموطأ أن " دين الله يسر " هذا أولا.
وثانيا قال ابن ناجي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيروانى: " ذكر لى بعض أشياخي أن في المذهب قولا آخر، أنه يؤخر الإحرام إلى البر " (٢) ، وابن ناجي يقول في مقدمة شرحه المذكور: " مهما عبرت ببعض شيوخنا، فهو الشيخ الفقيه العالم الصالح التقى الزاهد أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح المجاور المرحوم أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمى " (٣) ، وقال ابن حزم أما المدرسة الظاهرية بالأندلس: " ومن كان طريقه لا تمر بشيء من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء برا أو بحرا " (٤) .
فإذا تخيرتُ هذه الأقوال الميسرة وما شاكلها، وجنحتُ إلى القول بترخيص الإحرام من جدة للأفقيين القادمين بطريق الجو، أفعليَّ حرج في ذلك؟ خصوصا وأن القادمين بطريق الجو لا يتأتى منهم المرور بالميقات، كما جاء في فتوى الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور حيث يقول: " أما المسافر في الطائرة فهو لا يمر بالأرض أصلا " (٥) ، وأكد ذلك سماحة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة – دام حفظه – في فتواه في نفس الموضوع، فقال: " إن المسافر في الطائرة لا يمر بالميقات بالأرض أصلا " (٦) وغيرهما كثير مشرقا ومغربا، لكن لم أر لواحد تعليلا في عدم اعتبار من طار فوق الميقات مارا به.
ويبدو لي أن حديث المواقيت جاء فيه ((هن لهن، ولمن أتى عليهن)) ، و (على) في كلام العرب تفيد الاستعلاء، وهو كما قال ابن هشام: أما على المجرور كقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] ، أو على ما يقرب منه، نحو: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] وقوله:
وبات على النار الندى والمعلق
(٧) .
стр. 1855
وهو المراد هنا بمعنى قوله صلوات الله وسلامه عليه ((ولمن أتى عليهن)) إتيانا ملاصقا أو قريبا، ويدعم ذلك أن شراح الحديث جميعهم فيما رأيت فسروا كلمة أتى بـ (مر) ، كما فسرت كلمة أتى بمعنى المجيء بعينه في القرآن بـ (مر) قال الزمخشرى في كشافه في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] ، يعني أن قريشا مروا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء (١) ، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، مروا على قوم (٢) ، ومر يتعدى إلى المفعول به بنفسه، وبحرفي الجر الباء وعلى، كما في القاموس: تقول " مره ومر به: جاز عليه، وامتر به وعليه كمر " (٣) .
والباء في التراكيب السابقة تفيد الإلصاق وهو المعنى الذي لا يعارض بالرغم من تعدد معانيها حتى أوصلها ابن هشام إلى أربعة عشر معنى، ومن أجل كون معنى الإلصاق لا يفارقها في جميع معانيها اقتصر عليه سيبويه، يقال: مررت بزيد، أي ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد (٤) .
إذا علمنا هذا فأي إلصاق؟ وأي مرور قريب بالميقات لراكب طائرة تجتاز السحاب، ولا يتسنى نزولها إلا في المطارات، والمطار المعد لنزول الطائرات المقلة لحجاج البيت وعماره هو مطار جدة، ولا يُعترض علينا بأن سطح المسجد من المسجد، وبأن الهواء تابع للقرار، فالتابع غير المبتوع، ونحن متعبّدون بالمرور بالميقات أو المحاذاة له، وواضح عدم تصور المحاذاة لركاب الطائرة؛ لأن محاذاتك للشيء أن يكون على يمينك أو يسارك، لا فوقك ولا تحتك.
هذا والأخذ من كل مذهب بما هو الأهون والأسهل وقع فعلا من أعلام في الفقه الإسلامي، انتقلوا من مذهبهم إلى مذهب آخر قصد التيسير في زمن لم ينقطع فيه اجتهاد المذهب، أو اجتهد الفتوى على الأقل، لا في وقت لا يوجد فيه إلا من يقلد، حُكِيَ أنه أقيمت صلاة الجمعة، وهمَّ القاضى أبو الطيبِ بالتكبير، فإذا طائر قد ذرق عليه، فقال: أنا حنبلي. ثم أحرم بالصلاة، ومعلوم أن الشيخ شافعي يقول بنجاسة ذرق الطائر، فلم يمنعه مذهبه من تقليد المذهب الحنبلي قصدَ التيسير ودفعا للحاجة، كما ذكروا أن القاضى أبا عاصم العامري الحنفي كان يفتي على باب مسجد القفال، والمؤذن يؤذن بالمغرب، فترك الفتوى ودخل المسجد، فلما رآه القفال أمر المؤذن أن يُثني الإقامة، وقدّم القاضي للإمامة، فتقدم وجهر بالبسملة مع القراءة جريا على المذهب الشافعي.
стр. 1856
ونقل صاحب الفتاوى البزازية أن الإمام أبا يوسف صلى يوم الجمعة إماما بالناس مغتسلا من الحمام، وبعد تفرق الجماعة أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال – وهو المجتهد –: إذن نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة: " إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا ". وما ذلك إلا لقصد التيسير، نقل هذا الشرنبلالي في رسالته في جواز التقليد ساكتا عليها (١) .
٤- أن منافع الإنسان مقدمة على العبادات، جاء في صحيح البخاري عن الأزرق بن قيس قال: " كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جرف، إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها – قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي – فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ. فلما انصرف الشيخ قال: أنى سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله ست غزوات - أو ثمانيا - وشهدت تيسيره، وأني أن كنت أن أراجع مع دابتي أحب إلى من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي " (٢) .
قال ابن حجر العسقلاني قد أخذ الفقهاء قاعدة أن كل شيء يخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله (٣) .
стр. 1857
ووقع في رواية حماد: فقال: " إن منزلي متراخ - أي متباعد - فلو صليت وتركته – أي الفرس – لم آت أهلي إلى الليل " أي لبعد المكان (١) .
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب: إذا انفلتت الدابة في الصلاة، وقال قتادة: إذا أخذ ثوبه يتبع السارق، ويدع الصلاة " (٢) ، وفقه البخاري يتجلى في تراجمه.
وعلق عليه الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ﵀ فقال: مشاهدته أفعال رسول الله ﷺ المتعددة، استخلص منها أن من مقاصد الشريعة التيسير، فرأى أن قطع صلاته من أجل إدراكه فرسه، ثم الرجوع إلى استئناف صلاته، أولى من استمراره على صلاته مع إضاعة فرسه؛ لما في ذلك من شديد الحرج، فهذا المقصد بالنسبة لأبي برزة مظنون ظنا قريبا من القطع (٣) .
وإن ظهر للأستاذ الإمام فيما عقب به على هذا الحديث الحرج الشديد في إضاعة الفرس، فإن الحرج يسير في الوصول إلى المنزل متأخرًا، وأيسر منه إضاعة الثوب، ولكن سيدنا قتادة ﵁ يقول: إذا أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة.
وإذا كانت الصلاة يقطعها من أجل أن لا يدرك أهله متأخرا، أو من أجل ثوب أخذه سارق، أو من أجل متاع وغيره يخشى أتلافه، أفلا يرخص للحاج أو المعتمر وهو يعاني مشاق السفر التي وصفت في تأخير إحرامه إلى جدة، والصلاة عماد الدين والفيصل بين الكفر والإيمان، وأفضل من الحج ومقدمة عليه، قال الشهاب القرافي ﵀: " تقدم ركعة من العشاء على الحج، إذا لم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة العشاء والوقوف. قال أصحابنا ﵏: يفوّت الحج ويصلي. وللشافعية ﵏ أقوال: يفوّتها ويقدم الحج لعظم مشقته، يصلي وهو يمشي كصلاة المسايفة، والحق مذهب مالك لأن الصلاة أفضل، وهي فورية إجماعا (٤) .
ولو أعمل الفقهاء المخرّجون على أقوال الأئمة فيما يَجِدُّ من المسائل النظرَ مليا، فيما كان عليه سلفنا الصالح من مراعاة مقصد التيسير؛ لَيَسَّرُوا على المسلمين ولم يعنتوهم.
стр. 1858
النقطة الثانية
تيسيرات خاصة بالحج
الحج مبني على كثرة المشاق فناسبه التخفيف، ذلك ما صرح به الشهاب القرافي في فروقه، وذلك ما ينطبق على شرط الاستطاعة لحج البيت.
وقد جاءت هذه التيسيرات من النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وصحابته الخيرة المنتجبين، وورثة هديه علماء أمته العاملين، رضوان الله عليهم أجمعين.
وإحصاء هذه التيسيرات الخاصة بالحج يحتاج إلى تأليف خاص، ولكن سنعرض لنماذج من هذه التخفيفات، تفتح لنا باب التيسير على ذوي النسك القادمين إلى الحج أو العمرة بطريق الجو، وتساعدنا على الفتوى بالإرخاص لهم في الإحرام من جدة، وهذه النماذج هي:
١- توقيت المواقيت من لدنه ﵊، نمط من رخص الله للأمة الوسط، وتخفيف من المشاق.
٢- وقوفه ﵊ بمنى، وتيسيره على أمته أداء النسك، روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "وقف رسول الله ﷺ بمنى، والناس يسألونه، فجاءه رجل فقال له: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر. فقال له رسول الله ﷺ : ((انحر ولا حرج)) ، ثم جاءه آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ((أرم ولا حرج)) قال: فما سئل ﷺ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: ((افعل ولا حرج)) (١) .
стр. 1859
٣- رخص الرعاة: روى مالك في الموطأ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ((أرخص لرعاء الإبل في البيتوته خارجين عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر)) (١) .
وروي عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنه سمعه يذكر أنه ((أرخص للرعاة أن يرموا بالليل، يقول: في الزمان الأول)) (٢) .
والرخصة التي تضمنها الحديث الثانى أولوية؛ لأنه إذا رخص لهم في تأخير اليوم الثانى فرميهم بالليل أولى.
٤- انعقاد الإجماع على جواز التمتع: روى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب أنه حدثه ((، أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله . فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخى. فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ ، وصنعناها معه.)) (٣) .
والمسألة مفصلة في كتب الفقه، ولا نريد أن نطيل هنا بجلب ما قيل فيها، ولكن سنقتصر على ما رواه مسلم حين سُئل عمر عما أحدث في التمتع من نهي، فقال: ((قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤسهم.)) (٤) .
قال الزرقاني: فبيّن عمرُ العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان من رأيه عدم التوجه للحاج بكل طريق، فكره قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمر الليل إلى ذلك، بخلاف من بعد عهده به، ومن تفطم ينفطم (٥) .
٥- حد عمر ﵁ لأهل العراق ذات عرق باجتهاد منه اعتمادا على محاذاتها لقرن، ولو محاذاة بعيدة، حين قالوا له: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا؟ قال: ((فانظروا حذوها من طريقكم. فحد لهم ذات عرق)) .
стр. 1860
٦- إنكار عمر وعثمان على من قَدّم الإحرام: فقد أنكر عمر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه من خراسان، قال الحافظ ابن عبد البر معللا ذلك: وهذا من هؤلاء – والله أعلم – كراهةَ أن يضيقَ المرءُ على نفسه ما وسع الله عليه، وأن يتعرض لما لا يُؤْمَن أن يحدث في إحرامه.
٧- اتحاد الفدية لمن ارتكب العديد من محظورات الإحرام متأولا بسقوط الأجزاء، أو جاهلا بموجب إتمامه: قال الشهاب القرافى في كتاب " الفروق " في الفرق الثانى عشر بعد المائة بين قاعدة تداخل الجوابر في الحج، وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج: قال مالك ﵀: من أفسد حجه فأصاب صيدا، أو حلق، أو تطيب مرة بعد مرة تعددت الفدية وجزاء الصيد أن أصابه.
فإن كان متأولا بسقوط أجزائه، أو جاهلا بموجب إتمامه اتحدت الفدية؛ لأنه لم يوجد منه الجرأة على محرم، فعذره الجهل، وإن كانت القاعدة عدم عذره به؛ لأنه جهل يمكن دفعه بالتعلم، كما قال في الصلاة، غير أنه لاحظ هنا معنى مفقودًا في الصلاة، وهو كثرة مشاق الحج، فناسب التخفيف (١) .
وبعد عرض هذه التيسيرات من المنعوت في القرآن الكريم بالرؤوف الرحيم محمد ﷺ ومن خلفائه الراشدين المهديين بهديه من بعده، وورثة فقه شريعته من الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين، أفلا نتأسى بهم، ونرخص لحجاج البيت وعماره بطريق الجو في الإحرام من جدة التي هم مضطرون إلى النزول بها لا مختارون، والتي منها يؤذن لهم، أو لا يؤذن في الدخول إلى مكة، فهم بنفي الحرج أولى، وقد نفاه الرسول بمنى على من قدّم أو أخر بعض الواجبات عن بعض، ولم يراعِ الترتيب المطلوب، حتى قال راوي الحديث: فما سئل عن شيء قُدّم ولا أُخّر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) ، وأن ندفع عنهم المشاق ما أمكن حتى يكملوا واجبات التعارف، واجتياز حرس الحدود، وتبديل العملة وتهيئة السفر إلى مكة ... كما دفعها عمر ﵁ عن أهل العراق حين شق الإحرام من قرن عليهم، وأن نراعي أثر محظورات الإحرام عن نفس ذي النسك، خصوصا أن نصوص فقهاء الإسلام إذا أُحسن تخريجها تُرخص في ذلك بلا تعسف.