ونقل صاحب الفتاوى البزازية أن الإمام أبا يوسف صلى يوم الجمعة إماما بالناس مغتسلا من الحمام، وبعد تفرق الجماعة أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال – وهو المجتهد –: إذن نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة: " إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا ". وما ذلك إلا لقصد التيسير، نقل هذا الشرنبلالي في رسالته في جواز التقليد ساكتا عليها (١) .
٤- أن منافع الإنسان مقدمة على العبادات، جاء في صحيح البخاري عن الأزرق بن قيس قال: " كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جرف، إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها – قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي – فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ. فلما انصرف الشيخ قال: أنى سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله ست غزوات - أو ثمانيا - وشهدت تيسيره، وأني أن كنت أن أراجع مع دابتي أحب إلى من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي " (٢) .
قال ابن حجر العسقلاني قد أخذ الفقهاء قاعدة أن كل شيء يخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله (٣) .
стр. 1857
ووقع في رواية حماد: فقال: " إن منزلي متراخ - أي متباعد - فلو صليت وتركته – أي الفرس – لم آت أهلي إلى الليل " أي لبعد المكان (١) .
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب: إذا انفلتت الدابة في الصلاة، وقال قتادة: إذا أخذ ثوبه يتبع السارق، ويدع الصلاة " (٢) ، وفقه البخاري يتجلى في تراجمه.
وعلق عليه الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ﵀ فقال: مشاهدته أفعال رسول الله ﷺ المتعددة، استخلص منها أن من مقاصد الشريعة التيسير، فرأى أن قطع صلاته من أجل إدراكه فرسه، ثم الرجوع إلى استئناف صلاته، أولى من استمراره على صلاته مع إضاعة فرسه؛ لما في ذلك من شديد الحرج، فهذا المقصد بالنسبة لأبي برزة مظنون ظنا قريبا من القطع (٣) .
وإن ظهر للأستاذ الإمام فيما عقب به على هذا الحديث الحرج الشديد في إضاعة الفرس، فإن الحرج يسير في الوصول إلى المنزل متأخرًا، وأيسر منه إضاعة الثوب، ولكن سيدنا قتادة ﵁ يقول: إذا أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة.
وإذا كانت الصلاة يقطعها من أجل أن لا يدرك أهله متأخرا، أو من أجل ثوب أخذه سارق، أو من أجل متاع وغيره يخشى أتلافه، أفلا يرخص للحاج أو المعتمر وهو يعاني مشاق السفر التي وصفت في تأخير إحرامه إلى جدة، والصلاة عماد الدين والفيصل بين الكفر والإيمان، وأفضل من الحج ومقدمة عليه، قال الشهاب القرافي ﵀: " تقدم ركعة من العشاء على الحج، إذا لم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة العشاء والوقوف. قال أصحابنا ﵏: يفوّت الحج ويصلي. وللشافعية ﵏ أقوال: يفوّتها ويقدم الحج لعظم مشقته، يصلي وهو يمشي كصلاة المسايفة، والحق مذهب مالك لأن الصلاة أفضل، وهي فورية إجماعا (٤) .
ولو أعمل الفقهاء المخرّجون على أقوال الأئمة فيما يَجِدُّ من المسائل النظرَ مليا، فيما كان عليه سلفنا الصالح من مراعاة مقصد التيسير؛ لَيَسَّرُوا على المسلمين ولم يعنتوهم.
стр. 1858
النقطة الثانية
تيسيرات خاصة بالحج
الحج مبني على كثرة المشاق فناسبه التخفيف، ذلك ما صرح به الشهاب القرافي في فروقه، وذلك ما ينطبق على شرط الاستطاعة لحج البيت.
وقد جاءت هذه التيسيرات من النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وصحابته الخيرة المنتجبين، وورثة هديه علماء أمته العاملين، رضوان الله عليهم أجمعين.
وإحصاء هذه التيسيرات الخاصة بالحج يحتاج إلى تأليف خاص، ولكن سنعرض لنماذج من هذه التخفيفات، تفتح لنا باب التيسير على ذوي النسك القادمين إلى الحج أو العمرة بطريق الجو، وتساعدنا على الفتوى بالإرخاص لهم في الإحرام من جدة، وهذه النماذج هي:
١- توقيت المواقيت من لدنه ﵊، نمط من رخص الله للأمة الوسط، وتخفيف من المشاق.
٢- وقوفه ﵊ بمنى، وتيسيره على أمته أداء النسك، روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "وقف رسول الله ﷺ بمنى، والناس يسألونه، فجاءه رجل فقال له: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر. فقال له رسول الله ﷺ : ((انحر ولا حرج)) ، ثم جاءه آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ((أرم ولا حرج)) قال: فما سئل ﷺ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: ((افعل ولا حرج)) (١) .
стр. 1859
٣- رخص الرعاة: روى مالك في الموطأ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ((أرخص لرعاء الإبل في البيتوته خارجين عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر)) (١) .
وروي عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنه سمعه يذكر أنه ((أرخص للرعاة أن يرموا بالليل، يقول: في الزمان الأول)) (٢) .
والرخصة التي تضمنها الحديث الثانى أولوية؛ لأنه إذا رخص لهم في تأخير اليوم الثانى فرميهم بالليل أولى.
٤- انعقاد الإجماع على جواز التمتع: روى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب أنه حدثه ((، أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله . فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخى. فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ ، وصنعناها معه.)) (٣) .
والمسألة مفصلة في كتب الفقه، ولا نريد أن نطيل هنا بجلب ما قيل فيها، ولكن سنقتصر على ما رواه مسلم حين سُئل عمر عما أحدث في التمتع من نهي، فقال: ((قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤسهم.)) (٤) .
قال الزرقاني: فبيّن عمرُ العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان من رأيه عدم التوجه للحاج بكل طريق، فكره قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمر الليل إلى ذلك، بخلاف من بعد عهده به، ومن تفطم ينفطم (٥) .
٥- حد عمر ﵁ لأهل العراق ذات عرق باجتهاد منه اعتمادا على محاذاتها لقرن، ولو محاذاة بعيدة، حين قالوا له: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا؟ قال: ((فانظروا حذوها من طريقكم. فحد لهم ذات عرق)) .
стр. 1860
٦- إنكار عمر وعثمان على من قَدّم الإحرام: فقد أنكر عمر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه من خراسان، قال الحافظ ابن عبد البر معللا ذلك: وهذا من هؤلاء – والله أعلم – كراهةَ أن يضيقَ المرءُ على نفسه ما وسع الله عليه، وأن يتعرض لما لا يُؤْمَن أن يحدث في إحرامه.
٧- اتحاد الفدية لمن ارتكب العديد من محظورات الإحرام متأولا بسقوط الأجزاء، أو جاهلا بموجب إتمامه: قال الشهاب القرافى في كتاب " الفروق " في الفرق الثانى عشر بعد المائة بين قاعدة تداخل الجوابر في الحج، وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج: قال مالك ﵀: من أفسد حجه فأصاب صيدا، أو حلق، أو تطيب مرة بعد مرة تعددت الفدية وجزاء الصيد أن أصابه.
فإن كان متأولا بسقوط أجزائه، أو جاهلا بموجب إتمامه اتحدت الفدية؛ لأنه لم يوجد منه الجرأة على محرم، فعذره الجهل، وإن كانت القاعدة عدم عذره به؛ لأنه جهل يمكن دفعه بالتعلم، كما قال في الصلاة، غير أنه لاحظ هنا معنى مفقودًا في الصلاة، وهو كثرة مشاق الحج، فناسب التخفيف (١) .
وبعد عرض هذه التيسيرات من المنعوت في القرآن الكريم بالرؤوف الرحيم محمد ﷺ ومن خلفائه الراشدين المهديين بهديه من بعده، وورثة فقه شريعته من الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين، أفلا نتأسى بهم، ونرخص لحجاج البيت وعماره بطريق الجو في الإحرام من جدة التي هم مضطرون إلى النزول بها لا مختارون، والتي منها يؤذن لهم، أو لا يؤذن في الدخول إلى مكة، فهم بنفي الحرج أولى، وقد نفاه الرسول بمنى على من قدّم أو أخر بعض الواجبات عن بعض، ولم يراعِ الترتيب المطلوب، حتى قال راوي الحديث: فما سئل عن شيء قُدّم ولا أُخّر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) ، وأن ندفع عنهم المشاق ما أمكن حتى يكملوا واجبات التعارف، واجتياز حرس الحدود، وتبديل العملة وتهيئة السفر إلى مكة ... كما دفعها عمر ﵁ عن أهل العراق حين شق الإحرام من قرن عليهم، وأن نراعي أثر محظورات الإحرام عن نفس ذي النسك، خصوصا أن نصوص فقهاء الإسلام إذا أُحسن تخريجها تُرخص في ذلك بلا تعسف.
стр. 1861
النقطة الثالثة
نصوص فقهاء الإسلام ترخص للقادمين جوا في تأخير الإحرام إلى جدة
هذه المسألة من المسائل المستحدثة، فلا توجد صرائح النصوص الدالة عليها بصريح العبارة، ولكن بقرب من التخريج غير المتكلف نجد نصوص الفقه ترخص للقادمين إلى جدة بطريق الجو في الإحرام منها.
ففى المذهب الحنفى: إذا ثبت أن راكب الطائرة لا يمر بالميقات أصلاً؛ لأن الميقات أرضي وهو لا يمر بالأرض، ولا يحاذيه من باب أولى، لأن المحاذاة المسامتة ميامنةً أو مياسرةً فحسب، فقد نص فقهاء هذا المذهب على حكم من لم يمر بالميقات وجهل المحاذاة، فقال خاتمة المحققين العلامة ابن عابدين: فإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، ووجهه أن المرحلتين أوسط المسافات، وإلا فالاحتياط الزيادة.
ومن انعدم عنده المرور بالميقات؛ لأنه طائر في أجواز الفضاء وفوق السحاب، ولا تتصور بالنسبة إليه محاذاة، أولى أن يحرم قبل مكة بمرحلتين وجدة تبعد عن مكة بمرحلتين.
وأما في المذهب المالكي فقد سبق أن نقلنا ما نقله صاحب المدخل في مناسكه عن ابن نافع رواية عن مالك أنه قال: " لا يحرم في السفن " بإطلاق، وعلق الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمة الله عليه على هذه القولة فقال: " وهذا يحتمل وجوب النزول إلى الميقات وفيه مشقة ينبغى نفيها عن الدين، ويحتمل أن يريد أنه يرخص له تأخير الإحرام إلى النزول إلى الأرض "، وأنا أقول: والاحتمال الثانى هو الذي يتناسب مع المقصد الشرعي الذي ردده مالك في مواضع كثيرة من الموطأ؛ أن " دين الله يسر " وأيضا فما يدعمه ما نقله ابن ناجي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيرواني حيث قال: " ذَكر لى بعض أشياخي أن في المذهب قولا آخر أنه يؤخر الإحرام إلى البرّ "، وابن ناجي ذكر أنه إذا قال: قال بعض شيوخى، فالمقصود ابن عرفة، نقادة المذهب المالكى، ونقل الحطاب في مواهب الجليل عن أبي إسحاق التونسي أنه قال: " ومن كان بلده بعيدًا عن الميقات، مشرقا عن الميقات أو مغربا عنه، وإذا قصد إلى الميقات شقّ عليه ذلك، لإمكان أن تكون مسافة بلده إلى الميقات مثل مسافة بلده إلى مكة، فإذا حاذى الميقات بالتقدير والتحري أحرم ولم يلزمه السير إلى الميقات (١) .
стр. 1862
وما نقله الحطاب عن أبي إسحاق التونسي، وجه الاستدلال به أن هذا الفقيه جعل من لم يمر بالميقات، وجهل المحاذاة ممن وصف يحرم بالتحري والتقدير، ولم يلزمه بالذهاب إلى الميقات؛ دفعا للمشقة وتيسيرا على ذوى النسك، كما حد عمر ﵁ ذات عرق لأهل العراق لما شق عليهم قرن المنازل، أفلا نرخص لركاب الطائرات من ذوى النسك، وهم الذين لا يمرون بالميقات بالأرض أصلا، ولا تتصور منهم محاذاة، أن يحرموا من جدة حين يحاذون قرن المنازل محاذاة بعيدة مع العلم أني لم أر في كتب المالكية والحنابلة والشافعية من اشترط القرب من المحاذاة، وحين قال ابن نجيم في البحر: " ولعل مرادهم بالمحاذاة القريبة من الميقات " تعقبه محشيه ابن عابدين ردا عليه بما قاله أخوه (عمر بن نجيم) في النهر "من لم يمر على المواقيت يحرم إذا حاذى آخرها، قربت المحاذاة أو بعدت "، وقواعد المذهب المالكي لا تأباه، بل ربما يستروح ذلك من تقييد سند القائم على التفريق بين من يساحل الجحفة كالمسافر في بحر السويس، وبين من لا يساحل كالمسافر في بحر عيذاب.
هذا وقد أفتى علم مشهور من أعلام المالكية في العالم الإسلامي الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمة الله عليه المسافر إلى الحج في المركبة الجوية بالإحرام من جدة؛ معتمدًا بالدرجة الأولى في فتواه المشار إليها في النقطة الأولى من هذا المبحث تقييد سند بن عنان لقول مالك الذي يرويه ابن أبي زيد في النوادر عن ابن المواز عن مالك أنه قال: " ومن حج في البحر من أهل مصر، وشبههم إذا حاذى الجحفة " الذي وسعت القول فيه في النقطة التاسعة من المبحث الرابع.
ويظهر أنه قاس من في الطائرة على المحاذي في اللجنة ولا يستطيع النزول إلى البر كالمسافر في بحر عيذاب، وما استظهرته هو الذي أكده بوضوح سماحة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة – دام حفظه – حيث قال " إن المسافر في الطائرة لا يمر بالميقات بالأرض أصلا، ولا يتصور فيه إمكان النزول إلى البر قبل الوصول إلى مركز الميناء الجوي المعد لنزول الطائرة، فأشبه حاله حال من سافر في بحر لا يحاذي الشواطئ مثل بحر الهند، وبحر اليمن، وبحر عيذاب ".
قال سند: من أتى بحر عيذاب حيث لا يحاذي البر، فلا يجب عليه الإحرام في البحر، إلى أن يصل إلى البر، ولا يلزمه بتأخير الإحرام إلى البر هدي.
وهذا هو الذي نراه، وهو ما أفتى به شيخنا المقدس المبرور محمد الطاهر ابن عاشور رحمة الله عليه إلخ الفتوى التي أشرت إليها في النقطة الأولى من نقاط هذا المبحث.
وأما في المذهب الشافعي فيبدو أن ما قرر في حق من سلك طريقا لا ميقات فيه من بر أو بحر، ولم يحاذ ميقاتًا أحرم على مرحلتين من مكة.
стр. 1863
وركاب الطائرات لا يمرون بالميقات بالأرض أصلا، ولا يحاذون، إذ المحاذاة كما فسرها شيخ الإسلام زكريا الأنصارى الشافعي في شرحه على منهج: المسامتة بيمينه أو يساره، وأكملها محشيه سليمان الجمل فأضاف إلى تيسيره قوله: " لا بوجهه، ولا بظهره؛ لأن الأول أمامه، والثانى وراءه، ومن هنا يحرمون على مرحلتين من مكة، وجدة تبعد عن مكة بمرحلتين.
وكذلك الشأن في المذهب الحنبلى، يقول البهوتي في كشاف القناع عن متن الإقناع: " وإحرام من لم يحاذ ميقاتا بقدر مرحلتين عن مكة ".
هذا ما اهتديت إليه من تخريج لقضية البحث: " الإحرام من جدة لركاب الطائرات " والله أسأل أن يكون صوبا من فضله ﷻ .
ولا يفوتني هنا أن أشير إلى كثرة ما صدر في هذه القضية من فتاوى يتسنى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
١- القسم الأول يجيز بإطلاق غير راء على المحرم من جدة إثما ولا دما، ومن هؤلاء محمد الطاهر ابن عاشور رحمة الله عليه وسماحة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، والشيخ محمد المهيري من تونس والشيخ عبد الله كنون من المغرب، والشيخ بيوض إبراهيم بن عمر من بني ميزاب من الجزائر، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، والشيخ عبد الله الأنصارى من قطر، ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف في تصحيحها لفتوى المرحوم الشيخ جعفر بن أبي اللبني الحنفي المدرس بالحرم المكي لركاب السفن في الإحرام من جدة، والتي نشرها في شكل رسالة سماها: " دفع الشدة بجواز تأخير الآفاقي الإحرام إلى جدة "، وطبعت في الأستانة سنة ١٣٢٧ هـ، وغيرهم.
٢-المجيز بتقييد وهو القائل بنفي الإثم ولزوم الهدي، ولم أطلع على فتوى من هذا القبيل، ولكن رأيت ذلك في " أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك " لأبي بكر بن حسن الكشناوي من العلماء المعاصرين يقول: " قد أفتى العلماء المعتبرون من أهل العصر بوجوب الهدي على من تعدى الميقات على الطائرة وغيرها من المركوب الحادث".
стр. 1864
وعلى تلك الفتوى لو أحرم القادم على الطائرة وغيرها قبل الميقات المكاني لسقط عنه الدم، وإن كان الإحرام قبل الميقات مكروها، والكراهة لا تنافي الجواز، فلقد قال الحافظ أحمد الطبري في " القرى لقاصد أم القرى ": والتقديم جائز بالإجماع وإنما كرهه قوم (١) .
٣- المانع لركاب الطائرات أن يحرموا من جدة ومن أشهرهم سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، سواء فيما نشر بركن الفتاوى في مجلة الدعوى السعودية بملحق خاص بمناسبة موسم الحج سنة ١٤٠٣ هـ، أو في " التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيادة على ضوء الكتاب والسنة " قبل ذلك، أو في رده على ما أملاه الشيخ عبد الله الأنصارى، ونقل في التقويم القطرى المنشور بمجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت عنوان " بيان خطأ من جعل جدة ميقاتا لحجاج الجو والبحر " (٢) .
ولكل وجهة، ونسأل الله إجزال الأجر والثواب لكل من قصد بتيسيره أو أخذه الحيطة في اجتهاد ابتغاء مرضاة الله، وخدمة شريعته، إنه سميع مجيب، وهو حسبي ونعم الوكيل (٣) .
стр. 1865
الوثائق
كتاب حدود المشاعر المقدسة
لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب حدود المشاعر المقدسة
١١٠٣- الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله:
وبعد: فأنا من أكثر من عشرين سنة وأنا حريص على معرفة حدود المشاعر وما قاله العلماء عنها، وأقف عليها مصطحبا معي أهل الخبرة فيها والمعرفة، ومقيدًا كل ما أعثر عليه من علم عنها.
وشاركت في عدة لجان شكلت بأوامر سامية لتحديدها، وأكثر القرارات الصادرة من اللجان أنا الذي أحضر نصوصها وأكتب قراراتها، فصار عندي خبرة جيدة فيها، واجتمع عندي أصول لتلك القرارات التي اعتمدت ونفذ أكثرها.
وعند تأليفي لهذا الكتاب رأيت أن أشرك القراء بالاطلاع عليها.
فمعرفة المواقيت وحدود الحرم وسائر المشاعر المقدسة أمر يهم المسلم؛ لأنه يترتب على ذلك أداء المناسك على الوجه المشروع، ولهذه المشاعر من الأحكام والخصائص ما ليس لغيرها، ولها في صدور المسلمين من المكانة والتعظيم ما يوجبه عليهم دينهم.
قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
ورأيت أن أفرد تحديد هذه المشاعر وحدها لتأخذ موضوعا واحدًا أمام القراء.
وأسأل الله تعالى أن يجعله عملا خالصا لوجهه الكريم مقربا لديه في جنات النعيم.
стр. 1866
موقع مكة المكرمة من العالم
١١٠٤- كتب الأستاذ حسين كمال الدين أحمد بحثا في مجلة البحوث الإسلامية بين فيه أن مكة المكرمة في الإسقاط المساحي المكي هي مركز العالم كله.
نلخص من هذا البحث خلاصة نلحقها في هذا البحث لعلاقته به من حيث جغرافية البلاد، هذا النوع من إسقاط الخرائط هو نوع جديد من جميع الوجوه، ولا يرتبط بنوع من أنواع الإسقاطات الأخرى للخرائط المعروفة بين علماء المساحة أو الجغرافيا.
والغرض من كتابة هذا البحث هو شرح هذا الإسقاط الجديد، ليمكن معرفة موقع مكة المكرمة من القارات السبع.
ولقد أصبح من البديهي الآن أن الأرض جسم كروي، ونظرًا لهذا فإن أي نقطة من سطح الأرض تتميز عن غيرها من النقط السطحية، فلجأنا إلى تصور وجود خطوط وهمية على سطح الكرة الأرضية.
وإذا تصورنا أن الكرة الأرضية تدور حول نفسها دورة منتظمة، فإن ذلك يستوجب فرض محور ثابت داخل هذه الكرة يحدد هاتين النقطتين الثابتتين القطب الشمالي والقطب الجنوبى.
والخط الدائري بين هذين النصفين هو خط الاستواء.
وبعد، فالإسقاط المكي للعالم هو نوع جديد، والذي دفعنا إلى هذا العمل هو البحث عن طريقة خاصة تساعد على اتجاه القبلة والمحافظة على الاتجاه الصحيح بين أي بلد وبين مكة المكرمة.
стр. 1867
وبما أن الأرض كرة منتظمة إذن من الممكن الربط بين أي مكانين بعدد كثير من الأقواس، ولكن الاتجاه الصحيح الوحيد بين هذين المكانين هو أقصر هذه الأقواس طولا، فيكون الاتجاه الصحيح للصلاة في أي مدينة هو أقصر قوس يربط بينها وبين مكة المكرمة، وعندما تم توقيع حدود القارات السبع على خريطة الإسقاط، وجدنا أن الحدود الخارجية لهذه القارات يجعلها محيط دائرة واحدة مركزها عند مكة المكرمة أي أن مكة المكرمة تعتبر مركزًا وسطا للأرض اليابسة على سطح الكرة الأرضية.
وكذلك إذا أخذنا في الاعتبار القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا التي تحتل العالم القديم وقت الرسالة الإسلامية، نجدها كذلك تكاد تحيط بمدينة مكة المكرمة.
فهذا الإسقاط المكي الجديد يعطي مكة المكرمة مركزا خاصا بين جميع أماكن العالم، ولله تعالى في خلقه حكم وأسرار ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] .
стр. 1868
باب المواقيت
١١٠٥- المواقيت: جمع ميقات، وهي زمانية ومكانية.
فالزمانية: أشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر ذو الحجة.
والمكانية: ما ذكرتْ في الحديثين الآتيين.
وجعلتْ هذه المواقيت تعظيما للبيت الحرام وتكريما؛ ليأتي إليه الحجاج والزوار من هذه الحدود، معظمين خاضعين خاشعين.
ولذا حرم ما حوله من الصيد وقطع الشجر، لأن في ذلك استخفافا بحرمته، وغضا من كرامته.
والله جعله مثابة للناس وأمنا، ورزق أهله من الثمرات لعلهم يشكرون.
الأول: عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ وَقّتَ لأهل المدينة " ذا الحليفة " ولآل الشام " الجحفة " ولأهل نجد " قرن المنازل " ولأهل اليمن " يلملم " وقال: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)) .
والثانى: عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل)) قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ((ويهل أهل اليمن من يلملم)) .
ذو الحُلَيْفَةَ: بضم الحاء وفتح اللام تصغير الحلفاء: نبت معروف ينبت بتلك المنطقة وتسمى الآن " آبَارُ عَلَيّ "، ويكاد عمران المدينة المنورة – الآن – يصل إليها، وتبلغ المسافة من ضفة وادي الحليفة إلى المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلا، ومن تلك الضفة إلى مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم أربعمائة وعشرين كيلا، والحليفة ميقات أهل المدينة ومن أتى عن طريقهم.
стр. 1869
الجُحْفَة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها هاء: قرية بينها وبين البحر الأحمر عشرة أكيال، وهي الآن خَرَاب ويحرم الناس من:
رَابغ: مدينة كبيرة فيها الدوائر والمرافق والمدارس الحكومية، وتبعد عن مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم مائة وستة وثمانين كيلا، ويحرم من رابغ من لم يمر بالمدينة المنورة من أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وحكومات المغرب الأربع وبلدان أفريقيا وبعض المنطقة الشمالية في المملكة العربية السعودية.
يَلَمْلَم: بفتح الياء المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى بعدها ميم أخرى ويقال: أَلَمْلَم، وسكان تلك المنطقة الآن يقولون: لَمْلَم، ولما زفلتت حكومتنا الطريق الآتى من ساحل المملكة العربية الجنوبي إلى مكة المكرمة والمار بوادى يلملم من غير مكان الإحرام القديم المسمى "السعدية " كنت أحد أعضاء لجنة شكلت لمعرفة مكان الإحرام مع الطريق الجديد، فذهبنا إليه ومعنا أهل الخبرة والعارفون بالمسيمات، واجتمعنا بأعيان وكبار السن من سكان تلك المنطقة وسألناهم عن مسمى يلملم هل هو جبل أم واد؟ فقالوا: إن يلملم هذا الوادي الذي أمامكم، وإننا لا نعرف جبلا يسمى بهذا الاسم، وإنما الاسم خاص بهذا الوادى وسيوله تنزل من جبال السراة ثم تمده الأودية في جانبيه، وهو يعظم حتى صار هذا الوادي الفحل الذي تشاهدونه، وإن مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر الأحمر عند مكان في الساحل يسمى "المجيرمة ".
стр. 1870
وإنه من سفوح جبال السراة حتى مصبه في البحر الأحمر يقدر بنحو مائة وخمسين كيلا، ونحن الآن في السعدية في نحو نصف مجراه، وبعد التجول في المنطقة والمشاهدة وتطبيق كلام العلماء وسؤال أهل الخبرة والسكان تقرر لدينا أن مسمى يلملم الوارد في الحديث الشريف ميقاتا لأهل اليمن ومن أتى عن طريقهم؛ هو كل هذا الوادى المعترض لجميع طرق اليمن الساحلي وساحل المملكة العربية السعودية، وأن الاسم عليه من فروعه في سفوح جبال السراة إلى مصبه في البحر الأحمر، وأنه لا يحل لمن أراد نسكا ومر به أن يتجاوزه بلا إحرام من أي جهة من جهاته وطريق من طرقه.
وقد كان الطريق يمر بالسعدية وهي قرية فيها بئر السعدية، وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم جدد الآن ينسب إلى معاذ بن جبل، والسعدية تبعد عن مكة المكرمة اثنين وتسعين كيلا، أما الطريق التي زفلتته حكومتنا فهو يقع عن السعدية غربا بنحو عشرين كيلا يمر على وادي يلملم، وعند ممره إلى يلملم يكون وادي يلملم عن مكة مائة وعشرين كيلا، ونحن بيّنا للمسئولين جواز الإحرام من الطريق القديم والطريق الجديد وغيرهما مما يمر في هذا، وذلك في حج عام ١٤٠١ هـ، والآن صار طريق الناس من الطريق الجديد وصارت ضفة الوادى الجنوبية قرية يحرم منها الناس.
стр. 1871
ويحرم من يلملم أهل اليمن الساحلي وسواحل المملكة العربية السعودية وإندونيسيا وماليزيا والصين والهند وغيرهم من حجاج جنوب آسيا، والآن أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات أو البواخر التي لا ترسو إلا في موانئ جدة.
قَرْنُ الْمَنَازِلِ: بفتح القاف وسكون الراء وقد يقال: قَرْنَ الثَّعَالِبِ لوجود أربع روابي صغار تسكنها الثعالب، وقد أزيلت إحدى تلك الروابي لتوسعة طريق مكة – الطائف وبقى الآن منها ثلاثة، أما الثعالب فمع توسع العمران هربت عن المنطقة، والقرن هو الجبل الصغير.
وهذا الميقات اشتهر اسمه الآن " بالسَّيْلِ الْكَبير " ومسافته من بطن الوادى إلى مكة المكرمة ثمانية وسبعون كيلا، ومن المقاهي والأمكنة التي اعتاد الناس أن يحرموا منها خمسة وسبعين كيلا، والسيل الكبير الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة وجميع الدوائر والمرافق والخدمات والمدارس المنوعة.
ويحرم من قرن المنازل أهل نجد وحجاج الشرق كله من أهل الخليج والعراق وإيران وغيرهم.
стр. 1872
وَادِي محرم: هذا هو أعلى " قرن المنازل " وهو قرية عامرة فيها مدرسة وكان لا يحرم منه إلا قله حتى فتحت حكومتنا طريق الطائف – مكة المار بالهدا فصار محرما هاما مزدحما، فبنت فيه الحكومة مسجدًا كبيرا جدا له طرقه المزفلته الداخلية والخارجية ومواقف السيارات ومكان الراحة وأمكنة الاغتسال ودورات المياه بأحدث تصميم وبناء لهذا المحرم الهام، وهو لا يعتبر ميقاتا مستقلا من حيث الاسم؛ لأنه هو قرن المنازل، فاسم قرن شامل للوادي كله، سواء من طريق ما يسمى " بالسيل الكبير " أو من طريق ما يسمى " الهدا "، ولذا جاء في الإقناع وغيره: وميقات أهل نجد اليمن وأهل نجد الحجاز وأهل الطائف قرن، فوادي قرن هو الطريق السالك من هذه الجهات الثلاث، وبهذا يكون قرن بمعنى المنصوص عليه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ ما خلاصته: لا خلاف بين أهل العلم فيما اقتضته الأحاديث من أن " قرن المنازل " هو ميقات أهل نجد وأهل الطائف وبعد أن سمي في تسهيل طريق كرا وغلب على ظني نجاح ذلك، صرت إلى مزيد من الاحتياط لهذا الميقات المسمى " محرما " فعمدت إلى لجنة علمية مؤلفة من عالمين فاضلين لديهما الملكة العلمية والخبرة الوطنية والفقه والنباهة ما لا يوجد عند كثير من أضرابهما وهما:
стр. 1873
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر رئيس هيئة التمييز للمنطقة الغربية، والشيخ محمد بن على البيز رئيس محكمة الطائف أن يذهبا إلى " وادي محرم " المذكور وينظرا هو أعلى وادي قرن المسمى بالسيل، فذهبا ونظرا وبذلا وسعهما واستصحبا في مسيرهما خبراء من أهل تلك الناحية، وتحصّل لديهما أنه هو أعلى وادي قرن المنازل، وكتبا لنا بذلك كتابة صريحة واضحة بأنه هو أعلى وادي قرن المنازل.
وقد صرحت كثير من وثائق عقارات أهل وادي محرم الموجودة في سجلات محكمة الطائف بما لا يدع للشك مجالا، أن وادي محرم هو وادي قرن، ولا تظن أن تلك العقارات هي في أسفل الوادي المسمى بالسيل، بل كلها أو أكثرها في أعلاه المسمى " وادي محرم " كالدار البيضاء وقرية المشائخ وغيرها.
قلت: ويبعد عن مكة بخمسة وسبعين كيلا، ولولا كثرة تعرجات جبل كرا لكان عن مكة نحو ستين كيلا فقط.
ويحرم منه من يحرم من الميقات الذي في أسفل الوادي ويزيد بحجاج الطائف وحجاج جنوب المملكة الحجازي وحجاج اليمن الحجازي.
стр. 1874
تكميل:
ذَاتُ عِرْقٍ: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي بذلك لأن فيه عرقا، وهو الجبل الصغير، ويسمى الآن " الضريبة " قال ياقوت: الضريبة واد حجازي يدفع سيله في ذات عرق.اهـ.
والضَّرِيبَة: بفتح الضاد المعجمة بعدها راء مكسورة، ثم ياء مثناة تحتية، ثم باء موحدة تحتية، ثم هاء، واحدة الضراب، وهي الجبال الصغار، وهذا الميقات لم يرد في حديث الصحيحين ولكن في بعض السنن: أن النبي ﷺ وَقّتَ لأهل العراق ذات عرق، وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث.
قال في فتح الباري: والذي في البخاري عن ابن عمر قال: لما فتحت الكوفةُ والبصرةُ أتوا عمرَ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا. قال: فانظروا في طريقكم. فحد لهم ذات عرق ".
قال الشافعي: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حد ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس. هذا يدل على أن ذات عرق ليس منصوصا عليه، وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند والنووي في شرح مسلم، وكذا وقع في المدونة لمالك.
وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنه منصوص، وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه، وقد رفع في حديث عائشة وحديث الحارث السهمي، وكلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلا، فلعل من قال: إنه غير منصوص عليه لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث. اهـ، ملخصا من فتح الباري.
قلت: وعلى كل فقد صح توقيته عن عمر ﵁، فإن كان منصوصا عليه وجهله فهو من موافقاته المعروفة، وإن لم يكن نص عليه فقد قال ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) . وقد أجمع المسلمون على أنه أحد مواقيت الحج، ولله الحمد.
стр. 1875
وقد قمت بشهر محرم في عام ١٤٠٢هـ من مكة المكرمة إلى هذا الميقات ومعي الشريف: محمد بن فوزان الحارثي، وهو من العارفين بتلك المنطقة، ومن المطلعين على التاريخ، وقصدي بحث طريق الحج من الضريبة إلى مكة على الإبل، فوجدت الميقات المذكور شِعْبًا بين هضاب، طوله من الشرق إلى الغرب ثلاثة أكيال، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نصف الكيل، ويحده من جانبيه الشمالي والجنوبي هضابة، ويحده من الشرق "ريع أنخل "، ويحده من الغرب وادي الضريبة الذي يصب في وادي مر الظهران، ويعتبر هذا الميقات من الحجاز، فلا هو من نجد ولا هو من تهامة، ولكنه حجاز منخفض يكاد يكون حرة، فليس فيه جبال عالية، ويقع عنه شرقا بنحو عشرة أكيال وادي العقيق، ثم يلي العقيق شرقا " صحراء ركبة " الواسعة، حيث تبتدئ بلاد نجد، ويحرم من العقيق الشيعة، والمسافة من ميقات ذات عرق حتى مكة مائة كيل، وأشهر الأمكنة التي يمر بها الطريق مكة - الزقة، وفيها آثار وبركة عظيمة قديمة من آثار بني العباس، ثم وادي نخلة الشامية، ثم المضيق، ثم البرود، ثم شرائع المجاهدية، ثم العدل، وهذا الميقات مهجور الآن، فلا يحرم منه أحد؛ لأن الطرق المزفلتة في نجد وفي الشرق لا تمر عليه، وإنما على الطائف والسيل الكبير " قرن المنازل ".
стр. 1876
ملاحظة: جميع مواقيت الإحرام أودية عظام، ولذا فإن الاحتياط أن يحرم الحاج أو المعتمر من الضفة التي لا تلي مكة من الوادي؛ لئلا يعتبر متجاوزا لليمقات.
ومن تجاوز الميقات بلا إحرام يريد نسكا فرضا أو نفلا ولو كان جاهلا أنه الميقات أو حكمه أو ناسيا أو مكرها؛ لزمه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه حيث أمكن كسائر الواجبات، فإن خاف لم يلزمه الرجوع ويحرم من موضعه، فإن رجع إلى الميقات فأحرم منه فلا دم عليه لأنه أتى بالواجب عليه، كما لو لم يجاوزه ابتداء.
وإن أحرم دون الميقات لعذر أو غيره صح وعليه دم وفاقا للأئمة الثلاثة، وإن رجع محرما إلى الميقات لم يسقط عنه الدم برجوعه نص عليه؛ لأنه وجب عليه لتركه إحرامه من ميقاته فلم يسقط، كما لو لم يرجع.
وإذا كان في الطائرة قادما من نجد فميقاته قرن المنازل " السيل الكبير ".
وإذا كانت الطائرة فوقه نوى الإحرام وإن كان عنه يمنة أو يسرة فإذا حاذاه لا يؤخر إحرامه حتى يصل جدة لأن ميقاته هذا.
فبناء عليه فإنه يتأهب للإحرام بخلع المخيط وكشف الرأس فلبس لباس الإحرام إذا كان رجلا قبل وصوله لأنه وهو في الطائرة لا يتمكن من عمل هذا عند محاذاته حتى تكون جاوزته بمسافة بعيدة وهكذا كل من قدم إلى جدة بالطائرة من أي جهة كانت، لأن جدة ليس ميقاتا وإنما هي داخل المواقيت.
стр. 1877
الحرم المكي وحدوده
١١٠٦- الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فهذا تحديد للحرم المكي الشريف يكتب لأول مرة في التاريخ فيما أعلم؛ ذلك أنى اشتركت في تحديده مع هيئتين من أهل العلم ومن أهل الخبرة ومن سكان كل جهة من جهات الحرم.
الهيئة الأولى، قامت بالعمل في عام ١٣٨٥ هـ واستمر عملها عدة أشهر.
والهيئة الثانية، عملت فيه سنتين في فترات خلال عام ١٣٩٨ هـ وعام ١٤٠٠ هـ.
وقد عمدت الهيئتان بأوامر سامية تصدر على رئاسة القضاء ثم على وزارة العدل وعلى وزارة الحج والأوقاف وعلى رئاسة شئون الحرمين، والهيئتان مكونتان من الأعضاء الآتية أسماؤهم:
١- الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر رئيس هيئة التمييز بمكة المكرمة.
стр. 1878
٢-محرر هذه الأسطر عبد الله بن عبد الرحمن البسام في الأولى قاضي المحكمة المستعجلة الثانية بمكة المكرمة، وفي الثانية قاضي محكمة التمييز بمكة المكرمة.
٣- الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع قاضي محكمة التمييز بمكة المكرمة.
٤- الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل أحد أئمة المسجد الحرام ونائب رئيس رئاسة شئون الحرمين.
٥- الشيخ حسن بابصيل أحد قضاة المحكمة الكبرى بمكة ومندوب عن وزارة الحج والأوقاف.
٦- الشريف شاكر بن هزاع أبو طين قائم قام مكة المكرمة.
٧- الشريف محمد بن فوزان الحارثي عضو هيئة النظر بالمحكمة الكبرى.
٨- عدد كبير من سكان تلك المناطق تستعين الهيئة بخبرتهم بالمسميات لكل جهة، ممن عُرفوا بالخبرة والمعرفة والثقة رافقتنا في هذه المهمة، فعمدة بحثي هذا ومصدره الأمور الآتية:
стр. 1879
الأول: الاطلاع على مصادر النصوص من كتب معاجم البلدان وتواريخ مكة وكتب المناسك وكتب الأحكام والتفاسير وشروح الأحاديث وغير ذلك.
الثاني: استصحاب أهل الخبرة والمعرفة وثقات سكان كل منطقة من جهات الحرم ومناقشتهم ومعرفة المسميات والجبال والشعاب والأدوية والبقاع، وتطبيقها على ما ورد في المصادر العلمية.
الثالث: الوقوف على الحدود مع أهل الخبرة والصعود إلى قمم الجبال وسفوحها للبحث عن الأعلام القديمة وآثارها ومعرفة المسافة فيما بين حدٍّ وآخر، وصعودنا تارة طلوعا بالرجال والأخرى بالطائرة العمودية.
والذي يقوم بمعرفة ثقات السكان ويحضرهم هو أميرهم الشريف شاكر ابن هزاع قائم قام العاصمة المقدسة.
وكان أغلب عملنا هو في فصل الشتاء وفصل الربيع.
стр. 1880
المقدمة
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] .
وقال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : ((إن الله حرم هذا البلد حرمة الله يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده)) .
وجاء في الصحيحين أيضًا عن أبي شريح العدوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم فتحه مكة يقول: ((إن مكة حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد شجرة، فليبلغ الشاهد الغائب)) .
وأخرج النسائي والترمذي وابن حبان وغيرهم عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لمكة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت)) .
وروى صاحب القرى بسنده إلى أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ ((الدجال لا يدخل مكة، على كل نقب من نقابها ملك شاهر سيفه)) .
ولما استعمل رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على أهل مكة قال: ((يا عتاب، أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله، فاستوص بهم خيرًا. يقولها ثلاثا.))
стр. 1881
المسجد الحرام هو الحرم كله
أخرج سعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس قال: " الحرم كله المسجد الحرام. وهو قول بعض أهل العلم، ويتأيد بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وكان ذلك من بيت أمِّ هانئ، وأصرح منه قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك شهر رمضان في مكة فصامه؛ كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه)) .
وقال الحسن البصري: " صوم يوم بمكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف " وقال المحب الطبري: وهذا الحديث يدل على أن المراد بالمسجد الحرام الحرم جميعه؛ لأنه عمم التضعيف في جميع الحرم، وكذلك حديث تضعيف الصوم عممه في جميع مكة وحكم الحرم ومكة في ذلك سواء بالاتفاق ".اهـ. القرى.
стр. 1882
وقال ابن القيم في زاد المعاد: قال الشافعي: الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم. وروى الإمام أحمد: أن النبي ﷺ كان يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، وفي هذا كالدلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم، ولا يُخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف، وأن قوله: ((صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي)) كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] ، وكان الإسراء من بيت أم هانئ.
وذكر أن ابن عمر كان يتنزل في الحل قرب الحرم، فإذا أراد الصلاة دخل حدود الحرم فصلى، قال في الفروع: وظاهر كلام أصحاب أحمد " في المسجد الحرام " أنه نفس المسجد، ومع هذا فالحرم أفضل من الحل، فالصلاة فيه أفضل، ولهذا ذكر في المنتقى قصة الحديبية من رواية أحمد والبخاري: " كان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل ".
وذكر ابن الجوزي: أن الإسراء كان من بيت أم هانئ عند أكثر المفسرين، فعلى هذا المسجد الحرام والحرم كله مسجد.
стр. 1883
وذكر القاضي وغيره: مرادهم في التسمية لا في الأحكام.
وقد يتوجه من هذا حصول المضاعفة بالحرم كنفس المسجد، وجزم به صاحب الهدي من أصحابنا، لاسيما عند من جعله كالمسجد في المرور قدّام المصلى وغيره.
أما فضيلة الحرم فلا شك فيها.
وروي في المختار بسنده إلى ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة، والماشى سبعون حسنة من حسنات الحرم)) قيل: يا رسول الله ما حسنات الحرم؟ قال: ((الحسنة فيها بمائة ألف حسنة)) هـ.
وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله مسجد.
اختلف العلماء: هل الذي حرّم مكةَ وحَرَمَها – بأمر الله تعالى – هو إبراهيم ﵇ وكانت قبل دعوته حلالا أم ما زالت حرما؟
فمن رأى أنها حرمت بدعوة إبراهيم استدل بمثل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] وبما رواه مسلم عن جابر ((إن إبراهيم حَرّمَ مكة، وإني حرمت المدينة)) .
стр. 1884
وبما في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها)) واللفظ للبخاري.
وأما من يرى أزلية تحريمها قبل إبراهيم فيستدل بما جاء في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال حين فتح مكة: ((هذا بلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة)) وبما جاء في الصحيحين أيضًا عن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس)) ، والجمع بين هذه الأدلة أن يقال: إنها كانت محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض، وكان تحريمها خفيا مهجورا، فأظهره الله تعالى على لسان رسوله وخليله إبراهيم ﷺ .
خصائص الحرم وأحكامه
١١٠٧- أولا – فضله وكرامته وأن العبادة فيه أفضل من العبادة في الحل، وهذا باتفاق العلماء.
ثانيا – مضاعفة الأعمال الصالحة فيه كمضاعفتها بالمسجد الحرام وهذا قول طائفة من أهل العلم.
стр. 1885
ثالثا – عظم السيئات وغلظها وشدتها فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] .
قال ابن مسعود: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن لأذاقه الله من العذاب الأليم، ولما هَمّ أصحاب الفيل بتخريب البيت أرسل الله عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، وقد دمرتهم قبل أن يصلوا أو يعلموا. ولقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ((يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم)) ، فأمر هذا البيت وحرمه عظيم، رزقنا الله فيه الاستقامة، آمين.
رابعا – تحريم صيده على المحرم والحلال، وهذا بإجماع العلماء.
خامسا – تحريم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر، واستثنى بعض العلماء ما له شوك فلا يحرم، فيقاس على الحيوان المؤذي، ويُستثنى ما أنبته الآدميُّ فلا يحرم.
سادسا – يكره إخراج تراب وحجارة الحرم إلى الحل، كما يكره إدخال حجارة وتراب الحل إلى الحرم، وهذا حكم له وجه صحيح من النظر.
ولذا أرى أن ينبه ولاة الأمور على أصحاب المباني ومقاولي البناء وأصحاب الأعمال والشركات على ذلك، ليحافظوا على هذا الحكم ولو ببعض ما يستطاع كالبطحاء.
سابعا – يحرم أن يدخله الكافر لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] قال عطاء: الحرم كله قبلة ومسجد؛ فينبغى أن يمنعوا من دخول الحرم لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وإنما رفع من بيت أم هانئ.
وله خصائص وأحكام تتعلق بالعبادات والمناسك كثيرة، وهناك خصائص طبيعية لم أتحقق من صحتها تركتها لذلك.
حدود الحرم
١١٠٨- هذا هو البحث الجديد الذي ربما أنه لم يُكتب قبل هذه المرة، وإليك البيان، فالهيئتان ابتدأتا عملهما بالبحث عن حدود الحرم من نَمِرَةَ، وهي بفتح النون وكسر الميم بعدها تاء مربوطة.
стр. 1886
هي المنتهى الشرقي لسلسلة جبال فاصلة بين طريق المأزمين وطريق ضب ويذكر الفقهاء أن على جبالها أنصاب الحرم، إلا أننا لم نجد الأنصاب إلا في السهل الواقع على الضفة الغربية لوادي " عرنة " بالنون، ففي سهل نمرة المذكورة وجدنا أربعة أعلام: علمين قديمين متهدمين لم يبق منهما إلا أنصافهما، وعلمين أَجدَّ منهما، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن هذه الأعلام هي أعلام الحرم الفاصلة بينه وبين الحل، فما عنهن شَرّقَ فهو عرنة من الحل، وما عنهن غَرّبَ فهو من الحرم.
ويذكر مؤرخو مكة في كتبهم أن المظفر صاحب إربل أمر بعمارة علمين للحرم من جهة عرفة - بالفاء الموحدة - وذلك سنة ست عشرة وستمائة بعد الهجرة.
ثم اتجهنا نحو الشمال الشرقى نسير على الضفة الغربية لوادي عرنة (بالنون) ، فوصلنا إلى مكان يسمى " الخطم " عنده قرية لآل أبي سمن من قريش، ففى الوقوف الأول الذي هو في صباح عشرين شعبان عام ١٣٨٥ هـ وجدنا علما قديما متهدما لم يبق منه إلا نحو نصف المتر، أسطواني التصميم مبني بالحجارة والنورة، وهو مسامت لأعلام " نَمِرَة "المتقدم ذكرها، ويبعد عنها بنحو كيلوين.
أما في وقوفنا المرة الثانية الموافقة أربعة وعشرين محرم عام ١٣٩٩ هـ فلم نجد من العلم المذكور إلا أساسه، وأخبرنا المرافقون أنهم أدركوه بطول القامة، ثم اتجهنا شمالا حتى وصلنا جبلا يسمى " ستر " وقال لنا المرافقون: إن سبب التسمية أنه ستر ما يليه من الحرم عن الحل؛ لأنه حد الحرم من الحل فما سال منه غربا فهو في الحرم، وما سال منه شرقا فهو في الحل.
ووجدنا في جانبيه علمين مصممين تصميما أسطوانيا بين أحدهما عن الآخر نحو عشرة أمتار، والعلمان واقعان في عرض الجبل المذكور.
كما وجدنا فوق قمة الجبل علما قائما على شكل أسطواني أيضًا يبعد عن هذين العلمين نحو خمسة عشر مترا، ثم وجدنا في سفح جبل ستر مما يلي الشمال بمسافة تبعد عن الأعلام الثلاثة مائة متر علما في شكل وتصميم الأعلام الثلاثة قد تهدم بعضه وبقي منه نحو ثلاثة أرباع المتر.
ثم اتجهنا نحو الشمال حتى وصلنا إلى ثينة يقال: أنها تسمى " ثينة عبد الله بن كرز " وهي واقعة في سفح جبل الطارقي، فوجدنا فيها علما على شكل الذي تقدّم قبله لم يبق منه إلا أساسه، ويبعد هذا العلم عن أعلام جبل ستر نحو خمسة كيلوات، وهو واقع عنها شمالا.
стр. 1887
قال الأزرقي: النبعة بعضها في الحل وبعضها في الحرم، فما سال منه شمالا فهو في الحرم، وما سال منها جنوبا فهو حل، ثم صعدنا جبل الطارقي فوجدنا في شرقيه علما، ثم اتجهنا في أرض مستوية حتى وصلنا إلى علمي طريق نجد والعراق المار بالشرائع، وهما علمان كبيران يمر بهما الطريق العام متجها إلى السيل والطائف والحوية ونجد والعراق وبلاد الشرق، وتقدر المسافة بين هذين العلمين وبين ثينة عبد الله بن كريز بنحو أربعة كيلوات.
ثم اتجهنا إلى جبل " الستار " قال الأزرقي: سمي " الستار" لأنه ستر ما بين الحل والحرم، فوجدنا فيه علما أسطوانيا باقيا لم يندثر إلا قليل من رأسه، وهو في الجانب الشمالي من الجبل، ويبعد جبل الستار عن علمي طريق الشرائع المتجه إلى نجد نحو كيلو ونصف الكيلو، وجبل الستار يقابله شرقا جبل المقطع، ويمر من بينهما حل المستنفرة.
ثم اتجهنا إلى ثينة هي سفح جبل المقطع، وهذه الثينة منتهى الحرم من طريق العراق وسماها الفاكهي " ثينية خل الصفاح " فقال: ثينية خل الصفاح بطرف المقطع منتهى الحرم من طريق العراق.
ثم اتجهنا شمالا مع السفح الغربي لجبل المقطع، حتى وصلنا إلى شعب بين السفح الغربي لجبل المقطع والسفح الغربي لجبل الستار فوجدنا ثلاثة جبال صغار سود يقال لهن: "الغربان"، وتقع شمال جبلي الستار والمقطع، وفي الوسط من هذه الجبال الثلاثة علم قد بني بالحجارة والنورة وهو الآن متهدم.
ثم اتجهنا شمالا إلى ثينة بيضاء، هي الفاصلة بين وادي ثرير وشعب عبد الله بن خالد بن أسيد، فما سال منها شرقا نزل على ملعب لحيان وهو رأس وادي ثرير وهو حِلٌّ، وما نزل منها غربا فهو على شعب عبد الله بن خالد بن أسيد وهو حرم، وتسمى هذه الثينة البيضاء "المستنفرة "قال الأزرقي: المستنفرة ثينة تظهر على حائط " ثرير "، على رأسها أنصاب الحرم، فما سال منها على ثرير فهو حل، وما سال منها على الشعب فهو حرم.
ثم اتجهنا نحو الغرب، فوصلنا إلى ثينية يقال لها: " النقوى "، ونزلنا من هذه الثينة على شعب عبد الله بن خالد بن أسيد، ونحن في هذا السير متجهون نحو الغرب وعلى يميننا سلسلة جبال تحد الشعب المذكور من ضفته الشمالية، فبحثنا في قمم هذه السلسلة فوجدنا فيها أعلاما كثيرة متهدمة، مما يؤكد أن ما سال من السلسلة على شعب عبد الله بن أسيد وهي السفوح الجنوبية فهو حرم، وما سال على السفوح الشمالية فهو حل، فقمم هذه السلسلة سائرة نحو الغرب حتى إلى " التنعيم "، وسنفصلها فيما يلي:
стр. 1888
بشم: بالباء الموحدة ثم شين معجمة ثم آخره ميم: ريع ينزل على شعب عبد الله بن أسيد، وجد في القمة إلى الثنية علم كالأعلام السابقة، وقد أكد لنا المرافقون أنهم أدركوه علما قائما.
كما أكدوا أن ما سال من هذه القمة شمالا فهو حل، وما سال منها جنوبا فهو حرم. وبين ريع بشم وبين النقوى المتقدمة نحو أربعة كيلوات.
بغبغة: باء موحدة بعدها غين معجمة، ثم باء موحدة ثم غين معجمة ثم تاء مربوطة: قمة حمراء بينها وبين "بشم" نحو أربعة كيلوات. وفي قمة "بغبغة" علم كالأعلام السابقة.
حجلى: شعب فيه علم كالعلمين في بشم وبغبغة. وبين حجلى وقمة بغبغة نحو خمسة كيلوات.
جبال اليسر: قمم جبال متصل بعضها ببعض تبعد عن قمة حجلى بنحو نصف كيلو. وجدنا فيها ثلاثة أعلام مشابهات للأعلام السابقة.
الشرفة: ثنية تنفذ على "وادي ياج" بالياء المثناه التحتية.
قال لنا المرافقون من السكان وأهل الخبرة: ما سال من هذه الشرفة شمالا فهو على وادي ياج فهو حل، وما سال منها جنوبا فهو حرم. ومن جبال اليسر إلى بشم نحو ثلاثة كيلوات.
ثم اتجهنا إلى التنعيم، والتنعيم يمر به الطريق العام المتجه إلى وادي الجموم "وادي مر الظهران"، وهو طريق المدينة المنورة وتسميه الناس " مساجد عائشة "؛ لأن عائشة ﵂ أحرمت منه لعمرتها عام حجة الوداع، لأنه أقرب الحل إلى المسجد الحرام.
قال مؤرخو مكة ومنهم الفاسي وإبراهيم رفعت وطاهر الكردي وغيرهم: إن العلمين الكبيرين اللذين في التنعيم أمر بعمارتهما الخليفة العباسي الراضي، وذلك في عام خمسة وعشرين وثلاثمائة.
قال الفاسي في شفاء الغرام: واسمه مكتوب عليهما.
قال في المنقور نقلا عن جمع الجوامع لابن عبد الهادي: الأعلام المنصوبة عند مساجد عائشة هما علمان كبيران وأعلام صغار متصلة بالجبلين من الجانبين يسميها العامة "خطوات النبي" أو "خطوات علي".
شرفة شيق: ثم اتجهنا من التنعيم غربا مع شعب يقال له: "ملحة" يمتد إلى "شرفة شيق"، وقد وجدنا علمين مندثرين: أحدهما فوق ربوة يبعد عن أعلام التنعيم نحو ثلاثة كيلوات. والعلم الثانى إلى الشمال بنحو نصف كيلو، ثم يتصل الحد إلى شعب شيق.
стр. 1889
ذات الحنظل: قال الأزرقي: شيق طرف بلدح الذي يسلك إلى ذات الحنظل من يمين طريق جدة. وذات الحنظل ثنية في مؤخر هذا الشعب وأنصاب الحرم على رأس الثنية. اهـ. كلام الأزرقي.
قلت: ذات الحنظل هي ما يسمى الآن "أم الجود"، فما سال من رأس الثنية المذكورة شمالا فهو حرم. وكان رأس الثنية هو أحد مدخلي مكة من المدينة المنورة ووادي الجموم. قال الأزرقى: هو طريق المدينة الغربي، والأنصاب على هذه الطريق على رأس الثنية تسمى ذات الحنظل.
والمسافة بين "التنعيم" وبين "ذات الحنظل" تقدر بنحو خمسة كيلوات.
الرحا: ثم يتجه الحد غربا ليتصل "بالرحا" والرحا: ريع يصب من جهته الجنوبية بذات الحنظل وهو حرم، ويصب بجهته الشمالية في وادي سرف وهو حل. ووجدنا في رأس هذا الريع علمين على يمين الريع وعلى يساره كقبضتي الباب.
قال الأزرقي: الرحا في الحرم وهو ما بين أنصاب المصانع إلى ذات الجيش.
والرحا: ثينة ينفذ منها من بين جبال شاهقة، وهذه الثينة هي كانت طريق المدينة المنورة الغربي كما تقدم، ذكر ذلك عند ذات الحنظل. أما الطريق الشرقي فهو الطريق العام الآن والمار بالتنعيم كما تقدم وصفه.
وبناء على أن هذا أحد مدخلي مكة المكرمة من المدينة ومن وادي الجموم، فقد وجدنا أعلاما كثيرة تزيد عن العشرة على قمم تلك الجبال، فكونها طريقا رئيسيا حظيت بالعناية بكثرة الأعلام لتمييز الحل فيها عن الحرم، فسيل هذه الجبال من الجنوب في الحرم وسيلها من الشمال في الحل.
الْمُرَيْر: ومن ثينة الرحال، يتجه الحرم غربا بسلسلة جبال حتى يصل إلى ثينة المرير، تصغير مر، وعلى قمم هذه السلسلة أعلام كثيرة تزيد عن العشرين مندثرة، وباقي مؤنتها من الحجارة والنورة عندها. وما سال من هذه الجبال شمالا فهو في الحل، وما سال منها جنوبا فهو في الحرم.
ثم بعد ثينة المرير تستمر سلسلة جبال متجهة إلى الغرب تطل على وادي "الجوف"، ووجدنا في قسمها أعلاما كثيرة بين كل علم عن الآخر نحو خمسين مترا وهي مهدمة، وآخر علم منها يبعد "ثينة المرير" بنحو كيلو ونصف كيلو.
стр. 1890
قال ابن إسحاق في السيرة: وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثينة المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت ناقته، فقال: ((ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)) .
قال ياقوت: وثينة المرار مهبط الحديبية.
وبعد سلسلة تلك الجبال تستمر حدود الحرم على الأمكنة الآتية:
الراحة: على يمين الذاهب إلى جدة.
الجفة: ردهة يجتمع فيها الماء يقال لها:
النحاير: وبعض النحاير في الحل وبعضها في الحرم، وهي على يمين الذاهب إلى جدة.
الأعشاش: ردهة تتصل من الشرق بالنحائر ومن الغرب بالحديبية، ويسمى الآن " الشميس " بعض الأعشاش في الحرم وبعضها في الحل، فما أقبل من الأعشاش شمالا فهو حل وسيله يتجه إلى مر الظهران، وما أقبل منه جنوبا فهو حرم؛ لأن سيله يصب في المرير من الحرم.
стр. 1891
الحديبة: ثم اتجهنا إلى "أعلام الشميس" الحديبة، وفيها العلمان الكبيران اللذان يمزجهما طريق مكة – جدة القديم المار بجدة ثم بحرة ثم أم السلم.
ولم أعثر على تاريخ هذين العلمين ولا من بناهما، وإنما الذي وجدته للشيخ طاهر الكردى قوله: يوجد علمان عند الشميس المسمى قديما بالحديبة بطريق جدة، وهما يقابلان الكيلو ١٩، يعني من مكة.
وهذان العلمان قديمان يقعان في الطريق القديم لقافلة الجمال، ثم إنه في جمادى الأولى من سنة (١٣٧٦ هـ) ست وسبعين وثلاثمائة وألف بني علمان آخران في مقابلة العلمين القديمين، وبنيا في طريق السيارات المزفلت عند الكيلو ١٩، وكان ذلك بأمر صاحب الجلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز آل سعود وفقه الله تعالى لكل خير. اهـ.
قال ياقوت الحموي وغيره: الحديبة قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عندها مسجد الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ أصحابه تحتها، وبعض الحديبة في الحل وبعضها في الحرم، وهي أبعد الحل من البيت، وليست في طول الحرم ولا في عرضه، بل هي في مثل زاوية الحرم، فلذلك صار بينها وبين المسجد أكثر من يوم ". اهـ. وتسمى الآن الشميس" بسبب أحجار فيها حمر يعمل منها الرحي.
стр. 1892
وبئرها المذكور تسمى "الهديبة"، وأخبرني الشيخ محمد حسين نصيف ﵀ أنه كان يسكن عندها رجل ليس بعربي، وكان يسقى الناس منها ويسميها بلغته "الهديبة"، فنسي الاسم الصحيح وبقي الاسم المحرف.
فتحقق لنا أن في الشميس أربعة أعلام: اثنان قديمان على الطريق الحالي وكان طريق الإبل وغيرها في القديم. والعلمان الآخران بحذوهما من الجنوب أمر ببنائهما الملك سعود بن عبد العزيز ﵀.
وبعد أعلام الشميسي اتجهنا جنوبا إلى "أظلم" جبل يمتد من الشمال إلى الجنوب ويقطعه طريق جدة – مكة الجديد السريع، وبين طرفه الشمالي وبين الشميسي نحو ثلاثة كيلوات، أما جبل "أظلم" فيمتد إلى طريق الليث بطول بنحو سبعة كيلوات. ووجدنا عليه سبعة أعلام متهدمة،
وفي الوقوف الأول عام (١٣٨٥ هـ) لم يكن عند الهيئة تردد في أنه حد للحرم.
أما في هذه المرة عام (١٤٠٠ هـ) فصار عند الشيخ عبد الله بن منيع والشيخ محمد بن سبيل بعض التردد في كونه حدا، إلا أن المرافقين من السكان وأهل الخبرة لم يترددوا في صحة الحد واعتبارهم إياه حدا يتوارثونه مع وجود الإعلام فيه ومحاذاته لأعلام الشميسي.
الدوقة: ومن سلسلة جبل "أظلم" اتجهنا نحو الشرق مع سهل ممتد، قال المرافقون: إن هذه بلدان لجماعة من الأشراف يقال لهم: العرامطة، يسمى ذلك السهل: "أم هشيم"، حتى وصلنا هضبة تسمى الدومة الجنوبية، ووجدنا فيها علما مندثرا.
стр. 1893
البشائم: ثم في نفس الاتجاه ذهبنا إلى "البشائم" قال الأزرقي: البشائم ردهة تمسك الماء فيما بين أضاة لبن، بعضها في الحل وبعضها في الحرم.
أضاة لبن: وبالقرب من البشائم في نفس الاتجاه "أضاة لبن" قال الأزرقي: أضاة لبن في طريق اليمن من جهة تهامة، وأنصاب الحرم على رأس جبل غراب بعضه في الحل وبعضه في الحرم.
وقال ياقوت: أضاة لبن من حدود الحرم على طريق اليمن. اهـ.
وقال الفاكهي: وأما لبن فهو في طرق أضاة لبن، والأضاة هي الأرض، ولبن هو جبل طويل له رأسان، والأضاة من أسفله.
غُرَّاب: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء: جبل يلي أضاة لبن في الحل وبعضه في الحرم. قال الأزرقي: غراب جبل بأسفل قرية بعضه في الحل وبعضه في الحرم.
البيبان: على نفس طريق اليمن فيها أكمات بينها منافذ تشبه البيبان، وعلى تلك الأكمات أعلام واضحة هي حدود الحرم.
مهجرة: ويليها من الشرق جبل أسمر يقال له: "مهجرة" وفيه علم قديم. ووضعنا عليه مسار حديد في الوقوف الأول عام ١٣٨٥ هـ. ووجدناه في الوقوف الثاني عام ١٤٠٠ هـ.
стр. 1894
صيفي: وفي شرق جبل مهجرة قرن صغير أبيض يقال له: "صيفي" عليه علم وهو في سمت مهجرة نحو الشرق.
عارض الحصن: ثم يمتد حد الحرم من القرن المسمى صيفي إلى سلسلة جبال تمتد من الغرب إلى الشرق يقال لها: "عارض الحصن" فما سال من سلسلة تلك الجبال شمالا فهو حرم، وما سال منها جنوبا فهو في الحل.
والحدود الثلاثة مهجرة وصيفي وعارض الحصن في بلدان زراعية تسمى "الحسينية"
قرن العميرية: ومن عارض الحصن يتصل الحد بضفة وادي عرنة الغربية، وهي نهاية حد الحرم من هذه الناحية، وعلى ضفة الوادي جبل يقال له: "قرن العميرية" نسبة إلى بلاد زراعية تحته.
نمرة: ومن قرن العميرية يسامته على ضفة الوادي المذكور جبال نمرة التي هي حد الحرم، والتي كان منها ابتداء التحديد.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
١١٠٩ – وقد اختلف المؤرخون في تحديد قدر المسافات التي بين الكعبة المشرفة وحدود الحرم من كل جهة.
стр. 1895
ولعل هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف الابتداء من المسجد الحرام إلى تلك الحدود. على أنهم لم يذكروا إلا مسافات الطرق الرئيسية ونحن نذكر تحديداتهم باختصار:
طريق عرفة: قيل: سبعة أميال، وقيل: تسعة أميال، وقيل: ثمان عشرة ميلا، وقيل: أحد عشر ميلا، ولعله أقربهن إلى الصواب.
طريق نجد والعراق: قيل: ستة أميال، وقيل: ثمانية أميال، وقيل: عشرة أميال، وقيل: سبعة أميال، وهو أقربهن إلى الصواب.
طريق الجعرانة: قيل: اثنا عشر ميلا، وقيل: تسعة أميال، وهو أقربهما للصواب.
طريق التنعيم: ثلاثة أميال قريب جدًا.
طريق جدة: قيل: أحد عشر ميلا، وقيل: ثمان عشرة ميلا، وهو أقربهما إلى الصواب.
طريق اليمن: قيل: ستة أميال، وقيل: سبعة أميال، وهو أقربهما إلى الصواب.
وهذا الاختلاف في قدر المسافات إما راجع إلى اختلاف الطرق، وإما إلى تحديد المبدأ، وإما إلى اختلاف في وحدة المقاييس، وإلا فهم متفقون على المنتهى حيث يصلون إلى الأنصاب التي على الطرق الرئيسية.