← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 18376–18415 · переход к 18381.

стр. 18376

ثم بين منهجية الحوار بأنه الرجوع إلى كتاب الله وأن تكون ذات هدف، وأن لا يكون فيها نقل للأمور الظنية لجعلها قطعية بل يجب الحفاظ على خصائص هذه الأمور. وأورد في الأخير خاتمة بعدما تصعيد الفروع إلى الأصول، لأن ذلك يمزق الوحدة، وأنه يجب الخروج عن البعد التاريخي للخلافات بين الأمة الإسلامية فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وكما قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حينما سئل عم وقع من فتن في صدر الإسلام فقال: تلك أمور طهر الله بها سيوفنا فنطهر بها ألسنتنا. أو كما قال. فيجب البعد عن هذه المعطيات التاريخية لأنها تعزز الفرقة وتزيد من التباعد. ثم دعا إلى اطلاع كل طرف على ما عند الآخر حتى لا يكون هناك إبهام ولا غموض. والبحث الأخير: بعنوان (الوحدة الإسلامية) ، كتبه الدكتور حسن بن محمد سفر. بين فيه أهمية الوحدة ومقوماتها ومفمومها ومشكلاتها. وبين أن مفهوم الوحدة الإسلامية مهم جدًّا في الإسلام، فلم تضف الوحدة إلى الأمة، ولم يأتِ نص بوحدة الأمة الإسلامية وإنما جاء صفة لها (إن هذه أمتكم أمة واحدة) . وإن الرسول ﷺ بدأ بتعزيز هذه الوحدة حينما آخى بين المهاجرين والأنصار، وحينما صاغ وثيقة المدينة التي قامت بها الدولة الإسلامية. ثم بين أن الوحدة لا تنافي الاعتراف ببعض الخصائص المميزة للشعوب بما لا يجعل الأمر فرقة، فلكل شعب خصائصه ولكل قبيلة رايتها، فحتى في الجهاد كانت القبائل تحمل راياتها للحفاظ على ما بين هذه القبائل من نخوة ومن عادات في القتال. فلابد من الاعتراف بهذه الخصائص بشكل لا يؤثر على الوحدة. فاجتماع الأسرة الواحدة لا يعني ذوبان أفرادها وكذلك المجتمع، وكذلك الأمة.

стр. 18377

ثم بين أن أهمية الوحدة تكمن بنوعيتها لا بكميتها. وقد تطرق كذلك إلى الأبعاد المختلفة، بدءًا بالبعد الديني وهو ركيزة في الوحدة الإسلامية ويظهر في العبادات التي فيها مظاهر الوحدة بين المسلمين من الصلاة والحج والصيام والزكاة. والبعد الإنساني وارتباطه بعلاقة وثيقة بالبعد الديني، ثم البعد الاجتماعي من الألفة والتكافل، والبعد الجغرافي وهو إزالة الحواجز. والبعد الحضاري حيث أن حضارة الإسلام أطول حضارة عرفها التاريخ. وانتهاء بالبعد المصيري. ثم أشار إلى المشكلات التي تعرضت لها الوحدة في عهد النبوة وما بعده وفي عهد الصليبيين والاستعمار. وأخيرًا النعرات الوطنية الضيقة والقومية الجاهلية التي جعلت هناك دويلات في بعض العهود، بحيث تعرضت تلك الدويلات إلى الزوال. ودعا إلى التطلع إلى آفاق المستقبل لتحقيق الوحدة الإسلامية في الميدان الفكري بتحكيم الشرع، وفي الميادين الأخرى بالتضامن والتلاحم والثقافة والتربية والمناهج والإعلام والدعوة. وختم بحثه باستذكار أمجاد المسلمين عندما كانت دولتهم منحصرة في مكة ثم أتت على دولة الفرس والروم ورأى أنه لابد من إنقاذ العالم عن طريق توحد المسلمين ورجوعهم إلى دينهم وإلى كتاب ربهم وسنة نبيهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 18378

* * * التعقيب والمناقشة التعقيب والمناقشة الرئيس: يا شيخ عبد الستار، هل الفرق بين الخلاف والاختلاف ذكره الشاطبي أم القرافي! أنا الذي أعرفه للقرافي؟. الشيخ عبد الستار: في الموافقات للشاطبي. الرئيس: أما شيخ الإسلام ﵀ في اختلاف التنوع فهو لا يقول: إنه لا بأس به. بل يرى أنه أصدق من طرق الجمع بين السنن، وهو رأي كثير من العلماء ولهذا له قاعدة في أنواع الاستفتاح ذكر فيها ما يزيد عن عشرين نوعًا من أنواع العبادات التي جاءت بطرق متنوعة، مثل الأذان والإقامة والاستفتاح والصلاة على النبي ﷺ وغيرها. الشيخ عبد الستار: اختلاف التنوع يقول: إنه لا يجوز أن يسبب فرقة.. الرئيس: هذا لا يُجمع بين عبادتين جاءت على نوعين أو ثلاثة فأكثر. ولكن هو لا يقول لا بأس به، وإنما هو يراه طريقًا صحيحًا من طرق الجميع بين السنن. الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 18379

معالي الوزير؛ معالي الأمين العام للمجمع؛ أصحاب الفضيلة؛ لقد كانت هذه البحوث التي استمعنا إليها اليوم متميزة في إعدادها وفي موضوعها وفي الآراء والأقوال التي تضمنتها، فإذا كان لي من تعليق فهو يتعلق ببحث الأستاذ محمد واعظ زادة عندما تكلم عن المؤتمرات، انتظرت أن يذكر أجيالنا بالمؤتمر الأول للعالم الإسلامي الذي انعقد في المغرب بالرباط بدعوة من صاحب الجلالة الحسن الثاني سنة ١٩٦٩م وعنه انطلقت منظمة المؤتمر الإسلامي. التذكرة الثانية عندما ذكر تدريب أبطال الأمة على القومية كنت أيضًا أنتظر أن يشير إلى شبابنا وإلى أجيالنا القادمة على أن نظرة القومية التي وحد بها كثير من الإصلاحيين الغربيين دولهم اقتبسوها من القومية الإسلامية، لأن المقومات التي اشترطوها لقيام أي قومية لا توجد مجتمعة إلا في الإسلام، وهي تتعلق بالعقيدة واللغة والرغبة في العيش المشترك. هذه هي المقومات التي بنى عليها الإصلاحيين - مثل بسمارك وغيره - القوميات الغربية، ولا شك أنهم أخذوها من نظريات الفقه وأصوله في الإسلام. الملاحظة الثالثة: عندما ذكر أنه ينبغي أن ندرب أطفالنا على الإحساس والشعور بانتمائهم الإسلامي. كان يجب أن يقترح أو يشير إلى ضرورة إدراج هذه المسألة في مناهج التربية الإسلامية في دولة إسلامية، وعليه أقول: إنه لا فائدة من أن نبقى نصعد نظريات أصولنا وأمهات كتبنا وكبار فقهائنا؛ ولا نخرج باقتراحات تنير سبيل أولي الأمر حتى تدفعهم إلى القيام بما نرجوه. وعليه أرجو أن نشير إلى أنه ينبغي على وزراء التربية في كل الدول الإسلامية أن تكون لديهم قواعد تشكل قاسمًا مشتركًا في تربية أولادنا تربية إسلامية وموحدة. الملاحظة الرابعة: عندما تعرض إلى الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، كنت أنتظر أيضًا أن يقترح تشكيل لجنة من مجمع الفقه الإسلامى برئاسة الأمين العام، وبمباركة من الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي للوقوف على النزاعات القائمة بين دول الأمة الإسلامية إن أمكن، فإن لم يمكن تحديد الجهة الباغية، ورفع الأمر لأولي الأمر؛ حتى يمكن تطبيق الشطر الثاني من الآية ضد الدولة التي أرادت أن تعرض أمر الأمة ووحدتها للخطر. وشكرًا لكم والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 18380

الشيخ عبيد العقروبي: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لي ملاحظة على البحث الذي أعده الأستاذ محمد واعظ زادة، وقد ذكر في ثنايا بحثه التربية القومية الإسلامية، واستشهد بالآية ثم استشهد يقول: وقد جاء في دعاء الإمام السجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، حديث طويل: فيه بعض العبارات غير مفهومة (١) . أنا لا أعتقد أن علي بن الحسين يدعو على الأمم وذلك مثل ما قال: اللهم واعمم بذلك أعداءك في أقطار البلاد من الهند والروم والترك والخزر والحبش والنوبة والزنج ... إلخ. هناك موضوع آخر وهو الوحدة الإسلامية الذي ذكره الشيخ الستري، فقد ذكر الوحدة الإسلامية ومقوماتها، وأشار إلى الحرية المذهبية، فجزاه الله خيرًا بحيث لو كان أكد على موضوع الحرية المذهبية. وشكرًا. الشيخ عبد اللطيف الفرفور: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بعد أن قرأت واستمعت إلى هذا العرض الطيب وجدتني أمام عواطف جيَّاشة في كثير من الأحيان تطغى على البحث العلمي ومنهجيته. والعواطف الجياشة شيء نبيل وكريم، ولكن أرى أن يكون مكانها غير هذا المجمع الموقر من المنابر والمحاضرات والخطب وما إلى ذلك، فنحن بحاجة إلى منهجية علمية دقيقة جدًّا، لأن الوقت قصير ويدركنا دائمًا، وما رأيته بعد الدراسة والتمحيص - ولا أدري إذا كنتم تشاركونني - أن القضية تتلخص في مسألتين اثنتين، هما: المسألة الأولى: مناهج البحث العلمي أو ما كان يسمى قديمًا بـ (أدب البحث والمناظرة) ، وهو ما يسمى اليوم بأدب الحوار وأدب الخلاف والاختلاف، وما إلى ذلك من تسميات، وهذا كله يدخل عند الغرب ضمن مقولة تسمى مناهج البحث العلمي أو أصول البحث العلمي. ولا مانع من أن يتفق في هذا المجمع الموقر على لجنة تكيف هذه المناهج برسالة أو ببحث علمي - إذا رأيتم ذلك - حتى يكون ذلك عونًا للباحثين في مجمعنا وفي غيره. وهذه مسألة مهمة. المسألة الثانية: وهي مسألة عقدية أو إيديولوجية كما يقال وهي بيت القصيد في قضية تضييق نقطة الاختلاف بين المذاهب وهي السنة بالذات. فلابد من أن يصار إلى لجنة لتبحث في قوانين أخذ الحديث ورده من جميع المذاهب الفقهية، فهي وإن طال عملها تهون على المسلمين وتسهل لهم وللباحثين وبصورة خاصة للمجمع، وتختصر لهم طريقًا طويلًا. فالموضوع يدور حول هل هذا حديث أم ليس بحديث؟ هل هذه سنة أم ليست بسنة؟ ما هو المعيار في قبول هذه السنة أو ردها؟ هنا يختلف الأمر، فلا أحد يختلف في القرآن الكريم وإنما الخلاف حول السنة. فإذا رأى المجمع الموقر والأمر متروك للأمانة العامة ولرئاسة المجمع مشكورة أن تكون لجنة أو ندوة أو جماعة أو هيئة للبحث في هذا الموضوع، حتى ننتهي من هذه الخلافات الطويلة العريضة التي لها أول وليس لها آخر، والمقصود جمع الشمل وتضييق رقع الخلاف والاختلاف حتى نجتمع كلنا على شيء واحد هو الإسلام بجميع قواعده ومناهجه وقضاياه. والله تعالى أعلم، وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 18381

الشيخ علي السالوس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. الشكر الجزيل للإخوة الكرام السادة الباحثين وموضوع اليوم الوحدة الإسلامية، فهي أمل كل مسلم وغايتنا جميعًا أن نصل إلى هذه الوحدة ونسأل الله أن يحققها. وأود هنا أن أوضح مسألة ما وهي أني إن اختلفت مع أخي فإنه أخي وأنا أخوه. الخلاف لا يمنع أن أكون أخاه ولا يمنعه أن يكون أخي. لكن الجمع بيننا لا يكون بأن أجبره أن يكون على رأيي أو أن أكون أنا على رأيه، أو أن أذكر أن طريق الوحدة هو أن نكون تبعًا لرأي واحد مهما كانت الاختلافات. الأمر الثاني: إذا اجتمعنا ونحن على خلاف فنحن نجتمع أمام أعدائنا، نجتمع أمام من يهددنا، مع وجود هذا الاختلاف وهذا لا يمنع من الوحدة الإسلامية. في بعض الأبحاث ذكر من طرق الوحدة بعض الكتب التي تدعو الأمة الإسلامية كلها إلى أن تكون تحت راية مذهب واحد أو فرقة واحدة. ما أظن أن مثل هذا يؤدي إلى الوحدة، وإنما الوحدة تكون مع وجود هذا الاختلاف، فإن استطعنا أن نقلل منه كان هذا هو الواجب، وإن لم نستطع أن نقلل لا يجوز أن نقول بأن الوحدة يجب أن تكون تحت راية هذا المذهب أو تحت راية هذه الفرقة. هذا ما أردت أن أقوله، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18382

الشيخ عجيل النشمي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أعتقد أن لفظ الأمة الإسلامية هو اللفظ الأولى بالاعتبار. وشكرًا. الشيخ حمزة الفعر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ادَّعى أحد الباحثين أن المسلمين الذين يرجعون في دياناتهم إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هم من أهل السنة من أي فرقة كانت. ثم يقول بعد ذلك: فقد آن الأوان أن نطلق الهيبة للسنة على أهل الصلاح من كل فرقة. ويقول: إن أهل السنة هم، الأتقياء الصالحون من أي مذهب كانوا. وهذا كلام في الحقيقة مع احترامي للباحث الكريم فيه خلط عجيب غريب فإن المتمسك بمذهبه لا يلزم من تمسكه هذا أن يكون من أهل السنة، بل قد يكون كذلك وهو من غلاة المبتدعة. وإذا التبس على بعضنا مفهوم السنة الذي يريد الباحث فتح الباب عليها على مصراعيه؛ فإن الحق واضح والحمد لله ليس بحاجة إلى كبير جهد في تعرفه لمن قصده خلع ربقة التعصب والانغلاق، إذ إن السنة تعني ما كان عليه الرسول ﵊ وأصحابه، فهي ترد في كل الأمور إلى الأمر الأول الذي عليه المعول، كما بين ذلك الرسول ﵊ عندما وصف الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها أو خذلها إلى يوم الدين بقوله: ((هم من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي)) .

стр. 18383

وهذا تعريف ضابط يمكن أن نزن به كل طائفة في أي زمن. ولن تحصل الوحدة بين المسلمين إلا إذا حصل الاتفاق على أصول ثابتة يتحاكم إليها عند الاختلاف. ثم إذا حصل الإخلاص أيضًا لأن هناك خلافات في أصول العقائد بين بعض المسلمين وليس الأمر مقصورًا على ما دونها. وفي بحث الشيخ محمد الستري (الوحدة الإسلامية) يقول: ولا سبيل إلى حل جذري لهذه القضية إلا بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، وأقول: إن هذا نظر صحيح ولكنه نظر يحتاج إلى وسيلة محددة للوصول إلى أحكام القرآن والسنة، حيث إن هذه الأحكام منها ما يتناول ما يحدث للمكلفين بنصه وفيها ما ليس كذلك ولكنه يعرفه العلماء الراسخون بالرد إلى المنصوص. مما يثبت شمول شريعة الله لكل شؤون الحياة تحقيقًا لقول الحق ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، ولقوله جل ذكره: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، وهذا هو المعهود عن أئمة المسلمين الراسخين فيما تركوه لنا من ميراث فقهي ضخم من القرآن والسنة مباشر لكل أحد بل لابد من معرفة الاجتهاد الصحيح. وقال أيضًا: ولقد كان جهل أتباع للمذاهب المختلفة بالمذاهب الأخرى سببًا من أسباب الفرقة، فهم إما أنهم لا يحاولون الاطلاع على ما في المذاهب الأخرى، وإما أنهم يطلعون على ما فيها من مصادر خصومها المذهبيين، فلا يزدادون بذلك إلا جهلًا وبعدًا عن الحقيقة. وما ذكره الباحث أمر منهجي هام، ولكن لا يصح على كل الباحثين والدارسين إضافة إلى أن الكتب المذهبية قد طبعت في هذا الزمن وانتشرت، وأصبح ما فيها معروفًا متداولًا. وفي بحث الأستاذ الخراساني يقول: إن الحكم الإسلامي في طبيعته ليس له شكل محدد خاص، ولعله يقصد الحكومة؛ لأن الحكم هو الفصل والقضاء وهو أمر محدد بلا شك في دين الله ليس له طريق إلا الشرع: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .

стр. 18384

الشيخ حسن الجواهري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين. بالنسبة لما ذكره الأستاذ الدكتور عبد الستار أبو غدة من أن المقرر لدى الإمامية أن لأقوال الأئمة حجية سوى حجية الإضافة إلى قول النبي ﷺ ، ولو سمي ذلك أحيانًا بالاجتهاد فضل الاجتهاد بمعنى آخر. طبعًا أنا لا أقول بأنه لا يوجد قول بذلك ولكن أنكر أن يكون ذلك هو المقرر لدى الإمامية، بل هو قول ضعيف جدًا والمقرر عند علمائها ومراجعها كسيدي الشيخ الصادق، وسيدي الخوئي، والمراجع الحاضرين وغيرهم يقولون بأن التشريع قد انتهى بانتهاء عهد النبي ﷺ ، فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، والموجود في روايات كتب الإمامية جملة واحدة تبلغ حد التواتر الإجمالي على الأقل تقول بأن ما يقوله الأئمة هو عن آبائهم عن رسول الله ﷺ ، وليسوا هم بأهل رأي واجتهاد، بل ما يقولونه مسند إلى رسول الله ﷺ عن آبائهم. طبعًا العادة الجارية عند العلماء - مثل الإمامية - ذكر الروايات عن كتب متقدمة عليهم بمئات السنين إلا أنهم يذكرون في آخر الكتاب ويذكرون السند إلى أصحاب هذه الكتب. فالأئمة صرحوا برواياتهم الموجودة التي تبلغ حد التواتر الإجمالى على الأقل بأن ما يقولونه هو عن آبائهم عن رسول الله ﷺ ، فليس هو رأي اجتهاد وليس هو حجة بنفسه مع قطع النظر عن وصوله إلى رسول الله ﷺ . فقد تكونت الشريعة في عهد رسول الله ﷺ ولا يمكن لأحد أن يُشرع بعد زمان انتهاء عهد رسول الله ﷺ ، هذا ما عليه طائفة الإمامية اليوم بعلمائها ومراجعها وإن كان هناك قول فأظن - والله أعلم - أنهم يقصدون أن ما يقوله الأئمة هو رواية عن رسول الله ﷺ ذكروا سندها عن آبائهم المعصومين الصادقين عن رسول الله ﷺ . وأما ما ذكره الأستاذ أبو غدة أيضًا من نسبة هذا القول إلى مؤلف في الفقه الجعفري فهو أمر عجيب، إذ لا يحسن أن يذكر هذا القول المهم وينسب إلى مؤلف في الفقه الجعفري ليس له حظ من الاجتهاد والعلم. كان من المفروض أن يذكر الآراء الموجودة عن علماء الإمامية الحاضرين الذين يصرحون بأن عهد التشريع قد انتهى بانتهاء عصر الرسالة، والموجود من أقوال الأئمة هو رواية عن رسول الله ﷺ . والحمد لله رب العالمين.

стр. 18385

الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ليست لدي أي ملاحظة على البحوث المقدمة، وأشكر الباحثين لأنني استفدت منهم وسأستفيد إن شاء الله. لكن هذا الموضوع موضوع مهم، وكل شخص موكول بشيء، فنحن في الهند الآن مهتمون بقضايا توحيد الأمة الإسلامية ومعرفة أسباب التفرق بينهم، ومنها قضية التفرقة، فنحن في الهند مهتمون الآن بقضايا توحيد الأمة الإسلامية ومعرفة أسباب التفرق. ومن ذلك التفرقة بين المسلمين حسب النسب. فكما تعرفون ينقسم المشركون في بلادنا إلى أشراف وأراذل وتنقسم كل فئة بدورها إلى خمس طبقات، وهي تقسيمات فرقت بينهم وتأثرت بها سياستهم، فغدت الأحزاب منقسمة بين هذه الفئة وتلك وهذه الطبقة وتلك. أما الإسلام فرغم تأكيده على: كلكم بنو آدم وآدم من تراب، فإن المسلمين وقعوا فريسة لهذا التقسيم حسب النسب، وهو ما يسبب لهم الآلام والضعف في مواجهة أعدائهم. والأمر الثاني: وهو مؤلم جدًا كذلك، للأسف، هو التفرقة بين المسلمين باسم المذاهب الفقهية. فكما نعرف أيها السادة إن الاختلاف بين الأئمة والاختلاف في مستنداتهم ليست هي التفرق بل كل مجتهد قد يخطئ وقد يصيب، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد. فمثلًا الذين يتبعون الإمام أبي حنيفة أو الإمام مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل أو غيرهم من الأئمة يعرف أن الظن الغالب أن هذا حق، ولكن يمكن أن يكون هذا خطأ، وإذا خالفنا أي رأي باجتنابه فنظن أنه خطأ غالبًا ويمكن أن يكون صوابًا. هذا الاختلاف هو في الأمور الاجتهادية، وليس سببًا للتفريق فيما بين المسلمين. لكننا الآن في مصيبة كبرى، فنحن نتخاصم فيما بيننا، فقراءة الفاتحة خلف الإمام، أو الجهر بـ (آمين) أو الإسرار بها!! مشكلة قديمة في بلادنا، ولعله في بلاد أخرى أيضًا، وأذكر أن مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قد أصدر قرارًا في هذا الموضوع، وأيضًا في السنة الماضية أصدر مجمع الفقه الإسلامي قرارًا هامًّا. أرجو من المجمع في إعلان البحرين البيان لجميع المسلمين في العالم أن لا يتفرقوا على هذا الأساس. وكل مذهب فقهي. ليس هذا بين المذاهب لا. ففرق بين الإسلام والكفر. فهذا الاختلاف والاجتهادات لا مساس لها في الدين. أرجو من سيادة الرئيس والأمين العام وهذا المجمع أن يدعو جميعًا إلى توحيد كلمة المسلمين في العالم كله ويعلنوا إعلانًا هامًّا لتوحيد الكلمة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 18386

الأستاذ عبد اللطيف الجناحي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. شكرًا سيادة الرئيس والشكر موصول لأصحاب الفضيلة الباحثين على هذه الأبحاث الطيبة في هذا الموضوع الهام الذي يطرح في وقت حاسم من تاريخ أمتنا الإسلامي، وأحسنت الأمانة العامة صنعًا في اختيار الوقت وتحديد المكان. نحن أيها الإخوة الكرام في عصر التكتلات وعصر أطلق عليه عصر الكوكبة أو العولمة الذي أطلق لها بُعيد الحرب العالمية ذلك، وهي دعوة غربية أطلقت بعد اشتداد عضد الدول الغريبة، قوامها التكتلات الاقتصادية ودمج القوة ليتم التمكن والتحكم في الاقتصاد العالمي بسبل قوة الوحدة والتكتل للقوة العسكرية. ومهد للعولمة بتفكيك العالم الثالث وأمتنا الإسلامية ضمن هذا العالم. كما مهد لها بإلغاء الحواجز وتذويب القوانين الحامية لاقتصاديات البلدان الأخرى من الغزو الخارجي، ومحاولة إزالة الخصوصية الفكرية والثقافية للأمة. إذن نحن أمام غزو منهجي بدون مخالب تأثيره كبير وعظيم على أمتنا، على اقتصادنا، على ثقافتنا، على تراثنا، وعلى وحدتنا. وخير مواجهة لهذا الغزو حماية البيت من الداخل وتبصير الأمة بتعاليم دينها وتوحيد صفوفها، ولا يتم ذلك بعقد المؤتمرات رغم أهميتها وإنما بوضع منهجية موضوعية يُقدر فيها دور كل مسلم فيُوظف أينما كان توظيفًا حسنًا. وفوائد الإنسان المسلم المتمسك بدينه المؤمن بربه المعتز بقدرة أمته هي خير سياج أمني للأمة بأجمعها، ولن ننجح في لكم إلا إذا كانت لنا استراتيجية واضحة وخطة إذا قُبلت ألزمت. ومحاور مثل هذه الاستراتيجية الوحدوية تتركز في آليات أهمها: أولًا: تأسيس التعاون المشترك بين المسلمين أينما كانوا على البسيطة ووضع قواعد لذلك التعاون وتذويب الخلافات المذهبية. ثانيًا: تأسيس سوق إسلامية مشتركة بين دول العالم الإسلامي. ثالثًا: وضع خطة للاكتفاء الذاتي قدر الحاجة لا يكون مستقلًا أبدًا، ويجب أن يتعدى ذلك الاكتفاء في الحاجيات ويمتد إلى الدفاع عن وحدة الكلمة ووحدة المصير ورفع العدوان.

стр. 18387

رابعًا: تأسيس قواعد تُحترم من قبل كل مسلم يقوم على أي ثغر من ثغور الإسلام إعلاميًّا كان أو غيره، تحدد إطار التحرك الثقافي والإعلامي بحيث لا تخرج عن تعاليم دين الله. خامسًا: الوقاية والحماية للقابلية لا للبعدية لمجابهة الغزو العولمي القادم، وذلك بتحصين الإسلام بتعاليم دينه الحنيف. سادسًا: إعطاء محكمة عدل إسلامية بعد تأسيسها دورها في حل نزاعات الأمة على أسس من الشريعة السمحة. سابعًا: إعطاء علماء الأمة مساحة كافية من الحرية في التحرك ليخدموا أمتهم بما مَنّ الله عليهم من معارف لإذكاء الروح الوحدوية بين المسلمين. ثامنًا: تشكيل مجلس استشاري لتحقيق وحدة الأمة بتشكل من أهل الحل والربط في أمة الإسلام، يكونون عونًا لأولياء الأمور، ولهم لقاءات دورية منتظمة يدرسون فيها تطورات وحدة الأمة للوصول إلى الشكل الأمثل. تاسعًا: توحيد دستور أمة الإسلام في دستور موحد في الأساسيات، يرتكز على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . عاشرًا: توحيد أسس القوانين المعمول بها بين البلدان الإسلامية تستمد من تعاليم الدين. الحادي عشر: توحيد العملة والاحتياطات النقدية بين البلدان الإسلامية. الثاني عشر: وضع القواعد المشتركة للتعليم النظامي بين البلدان الإسلامية، ترتكز على كتاب الله وسنة المصطفى ﷺ ونهج السلف الصالح. الثالث عشر: توحيد المنهج الاقتصادي بين البلدان الإسلامية في إطار عام موحد يستمد روحه من وحي السماء كما جاء على لسان نبيه ﷺ . الرابع عشر: وضع خطة سريعة لتشجيع التجارة البينية بين البلدان الإسلامية وتسهيل حركة المال والرجال لتحقيق التكامل الأمثل. وشكرًا لكم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 18388

الشيخ الطيب سلامة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. لقد كفاني الإخوة الذين تحدثوا من قبلي أمر شكر الباحثين وشكر الأستاذ عبد الستار أبو غدة في عرضه لهذه الأبحاث بصورة قد لخصتها تلخيصًا جليلًا، وقد كشفت عن محتواها كشفًا كريمًا. موضوع الوحدة الإسلامية يشعر الإنسان بأنها في القلب وهي مفقودة ويا ليت أمنية الأكابر والأصاغر والعالم والجاهل والمرأة والرجل أن يرى قبل أن يموت أمة إسلامية موحدة ليس لها ما تعلنه الجرائد يوميًّا عن اقتتال المسلمين إذا لم يكن بالسيف والرمح فبالحرب الباردة. الأمة الإسلامية تتعامل مع الأمة الإسلامية كما يتعامل العدو مع العدو بكل الحذر والتخوف والاستعداد لمقاومته في يوم من الأيام. الحقيقة أن هناك مشاعرًا أحس بها وهي أنه عندما يكون إنسان مسلم في أمة إسلامية إذا سمح له بالدخول إلى بلد إسلامي معنى ذلك أن هنالك قيودًا مترتبة على هذا الأمر. الإنسان عندما يكون في بلد إسلامي لا يشعر بالارتياح الذي يشعر به وهو في بلد أوروبي وأقول هذا بكل مرارة، لكن هذا أحس به، فالقادم من بلد أوروبي عندما يحدثك عن تلك البلاد وعن المواساة والإنسانية التي يجدها في تلك البلدان إذا قابلتها مع من ذهب إلى بلد إسلامي وما وجده تجد أمرًا عجيبًا. في الواقع ليس الإسلام سببًا في ذلك الإسلام بريء من هذا، السبب في ذلك هم المسلمون، والعلاج يتطلب أن يتفطن المسلمون للأسباب التي أوصلتنا إلى هذا. أنسينا أن من حقوق الإنسان مقاومة التعصب. أي تعصب؟ التعصب الديني. يعني القومية التي تقوم على المساكنة والمعايشة والاجتماع في وطن واحد ولغة عربية هي التي يجب أن تقدم على الدين، وتتكلم وتقول هذا أخي في الدين وهذا بلد يجمع بين أفراده واحد وأخوة إسلامية، هذا يعتبر من التخلف وبُعد عن تطور العصر. إلى متى يبقى المسلمون صامتون عن مثل هذه الأمور ولا يعلنون أن للغرب دينهم ولنا ديننا؟ الغرب عنده قضية العلمانية بمعنى أنه يهاجم الدين، نحن ليست لدينا مشكلة مع الإسلام. فلماذا نبعث أبناءنا إلى الغرب ليأتونا بهذه القرارات ويؤيدوها؟! هذا العامل الأول.

стр. 18389

العامل الثاني: أين التربية الإسلامية في البلاد الإسلامية؟ العامل الثالث: في الممارسة اليومية للحياة الإسلامية لتتم الوحدة. هل المنهج الإسلامي هو المطبق بين المسلمين؟ هل الوسطية التي تضمن رضا المسلم بدينه ورضا المسلم بالإخوة الإسلامية هل هي مطبقة؟ أم أننا بين أمرين إما تحلل وإما تطرف، وكلاهما ليس في الإسلام من شيء. أريد أن أقول: إن الوحدة الإسلامية لها مظهران، وحدة الأمة الإسلامية هي بمثابة البيت، البيت لابد أن يُحمى من الخارج، وهذه قضية حقوق الإنسان تهم الإنسان، وأن نُدرس حقوق الإنسان في المدارس لأبنائنا الصغار، فيصبح الإنسان يستنكف أن يقول: أنا مسلم. فحماية لهذا البيت من الخارج قبل أن يهدم، وأما ترتيب البيت فهو من الداخل فهو ضروري، وأن ننظر إلى فقهنا وعقيدتنا وإلى ما سبب لنا التنافر، فاليد الأجنبية لها دخل لأن العلمانيين اليوم والمستشرقين يأتون بالخلافات المنهجية ليستدلوا على أن الإسلام هو الذي فرق بين المسلمين وليست حقوق الإنسان التي حرمت على المسلمين إسلامهم. أرى أن الموضوع هام وجيب أن يدرس بتمعن، والأمة الإسلامية عندما تسمع أن منظمة المؤتمر الإسلامي اعتنت بهذا الموضوع في شخص مجمع الفقه الإسلامي وفي شخص علماء هذه الأمة فإنهم ينتظرون أمرًا كبيرًا ولا ينتظرون قضية تقريب المذاهب أو اعتبار هذا الخلاف صحيح أو غير صحيح، فلنبدأ بالأهم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 18390

معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لدي عدة نقاط منها: أولًا: من المهم التفريق بين المذاهب والأتباع وأئمة المذاهب، ينبغي ألا نترك المذهب إلى خلاف بين أشخاص أو وفق سياسات متغيرة سواء كانت من قِبَل الجماهير لدى المذهب أو من قِبَل أئمته، وأتباعهم الذين نتج عنه. فقد يكون بعض هذه المذاهب نتيجة لتوجيهات سياسية أو فكرية معينة، إلا أن الأمة تتطلع من علمائها إلى ألا يكونوا أداة في يد المتغيرات السياسية. الأمة ترقب العالم أكثر من غيره لأنه يقول قال الله ، وقال الرسول ﷺ ، أما المتغيرات السياسية فهو وفقًا لمصالحه قد تكون في هذا التوجه لهذا اليوم وتكون غدًا في توجه آخر. لا يلتزم الثبات فالثبات أخو المتغيرات. ثانيًا: ينبغي عدم تأصيل التفرق من أجل تجاوزه، يجب عدم تأصيل التفرق بين المذاهب وإنما تجاوزه ومعالجة ما يتعلق بالاختلاف - خصوصًا بين السنة والشيعة - في مجال السنة النبوية من حيث مصادر التلقي وفق ما اختاره أحد الإخوة ومن خلال لجنة تتفرع من هذا المجلس. أود في النهاية أن أؤكد على أن هذا المجمع الكريم تتوافر فيه صفات لا تتوافر في أي مجمع آخر، فهو منبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي التي وافق على إنشائها قادة الدول الإسلامية، ومن يمثلوه هم مرشحون من تلك الدول أيضًا. لذا فإن ما ينبغي التوصل إليه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار للتطبيق عند تلك الدول. ومن هنا تبرز أهمية انطلاق الكثير من الحلول لمشاكل الأمة الإسلامية من هذا المجمع، وعلى عواتقكم أيها الإخوة الأفاضل تقع هذه المسؤولية، فأنتم أمام أمتكم وقبل ذلك أمام قيادتكم وأمام ربكم مسؤولون عن ذلك. وأسأل الله لكم العون والتوفيق والسداد.

стр. 18391

الدكتور علي الجفال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لقد أمرنا الله بالاعتصام بحبله والاتحاد حول دعوته، فقد أراد لنا أن نكون وحدة متماسكة ووضع لهذه الوحدة أساسين ربانيين. أولهما: أن تكون وحدتنا عود كتاب الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، فأول الأمور هو تحديد الهدف وتوحيده، وذلك يضمن لنا أساسًا متينًا للوحدة. فليس من الممكن أن تجتمع قلوب الناس على هواها، وليس من المطلوب أن يجتمعوا على باطل وضلال، بل ينبغي أن يكون اجتماعهم على الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإذا توفر للوحدة المؤمنة الدستور الذي تلتقي عنده الهموم واطمأن المؤمنون إلى التسلح بها ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] مثل هذه الوحدة تتوفر لها المقاييس التي تصحح تصرفات الفرد وتوجه سلوك الجماعة لأنها قائمة على أساس كتاب جمع الله فيه خيري الدنيا والآخرة. الأمر الثاني: أن تقوم الوحدة على أساس انتماء جميع الأعضاء للمجتمع المسلم بحيث لا يتخلف عنها فرد واحد ولا يشذ صوته مهما يكن، وذلك المعنى هو ما حصل على بيان في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقد كان مما يؤدي المعنى في جملته قوله مثلًا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ١٠٣] ، لكنه أكد شمول الاعتصام بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وتلك هي الصورة التي أرادها سبحانه لوحدة هذه الأمة وحدة شاملة تضم كل فرد، ولا فضل فيها لأحد إلا بالتقوى. وشكرًا.

стр. 18392

الشيخ محمد واعظ زادة الخراساني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين محمد وآله وصحبه. وشكرًا للأستاذ عبد الستار أبو غدة لحسن تلخيصه. إجابة على الأساتذة والمعلقين والمناقشين الأخ الأستاذ - حمداتي شبيهنا ماء العينين - من المغرب اعترض علي لأنني لم أذكر المؤتمر الذي انعقد في المغرب بشأن المؤتمر الإسلامي، أنا لم أكن أعرف شيئًا عن هذا المؤتمر، ولكن أظن أن مؤتمر القدس الأول وكذلك تأسيس دار التقريب كانا متقدمين على ذلك المؤتمر باعتبار التاريخ. فأما اقتراحاته بشأن وزراء التربية والتعليم وكذلك لجنة لحل الخلافات والحروب بين البلاد الإسلامية وغيرها، فكلها معروفة وهناك باحث آخر عقب على ما ذكرته عن الإمام السجاد وهو الإمام الرابع من أئمة الشيعة، وهو كان يعيش في النصف الثاني من القرن الأول. وشكرًا لكم. الشيخ القاضي محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. في الواقع البحوث التي قُدمت في موضوع الوحدة الإسلامية أغنت عن الكثير من الذي أريد أن أقوله وكذلك الكلمات التي سبقتني، لكني أريد أن أشير إلى نقطة مهمة جدًّا وهي أن الوحدة الإسلامية لا خلاف على ضرورتها، ولكن لا يكفي أن نعد فضائلها، بل يجب أن نفكر في أسباب التفكك. ومن جملة هذه الأسباب أن بعض الناس يقعون في أعراض المسلمين وإسلامهم وأئمتهم، وهذا يثير الفتن فيما بين المسلمين، وكما اتفق عليه الجميع أن الخلاف ليس مهدرًا في هذه الناحية، ولكن هو يعرف سببا للمشاحنة فيما بين المسلمين. لذلك أطالب بأن يخرج هذا المجمع بتوصية - على الأقل للبلدان الإسلامية - لإصدار قانون يجرم أن يسب أحد أو يشتم أحد السلف الصالحين من الصحابة وأهل البيت والأئمة المذكورين. فإذا حصلنا على هذا ومنُعنا من هذا السب والشتم واللعن، فإن ذلك يُحدث وحدة حقيقية فيما بين المسلمين، ولا سبيل إلى إحداث هذه الوحدة إلا بالابتعاد عن هذه الأفعال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18393

الشيخ عمر الزبير: بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الأبحاث كلها قيمة وجيدة ومفيدة وقد استفدت كثيرًا منها، لكنني أرى أن مكان دراسة هذا الأمر ليس المجمع الفقهي لدراسته، وإنما في مجال منظمة المؤتمر الإسلامي. الحقيقة الوحدة الإسلامية بمفهومها الحديث لا تعني التوحيد في المشاعر وتوحيد الأهداف؛ وإنما نجاح هذه بإيجاد الآليات الفعالة والخطوات العملية لتنفيذ مثل هذه الوحدة. وهذا الأمر يحتاج إلى دراسات تفصيلية ومتعمقة في نواحٍ كثيرة، والحقيقة أن الأخ عبد اللطيف الجناحي أغنانا عن كثير مما أردت أن أقوله، وهناك خطوات في توحيد الثقافة وتوحيد النواحي الاجتماعية والنواحي الاقتصادية، والنواحي الفكرية، والنواحي السياسية، وكل الأمور التي تستلزم وجود دراسات متعمقة لتحقيق أهداف الوحدة. ولا يكفي أن نتغني بالمشاعر والوحدة التي تربطنا بمفاهيم ومعان إن لم يكن لها حقيقة في الوجود ومتحققة على أرض الواقع. القدس قضية من القضايا التي توحدنا جميعًا، فهي جزء من بلاد المسلمين، وولايتها لهم جميعًا هي من الأمور التي ترمز إلى وحدتنا، هي ثالث الحرمين وأولى القبلتين والدفاع عنها أمر واجب، والقدس أخذتها كمثال لتوحيد المشاعر. فالحقيقة أن وحدة هذه الأمة الإسلامية تأتي من عوامل مكانية: القبلتين، مكة، المدينة، القدس أحد العوامل المكانية التي توحد مشاعرنا وتربطنا جميعًا في وحدة واحدة. والقدس الآن هي محط أنظار المسلمين جميعًا وولايتها لهم أمر واجب شرعي. أرجو أن يكون لنا في هذا المجمع على الأقل توصية بذلك بالحفاظ والدفاع عن هذه المقدسات لأنها إحدى العوامل التي توحد كيان الأمة وتربطها بعضها مع بعض. وأسأل الله السداد والتوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 18394

الشيخ عمر جاه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أشكر دولة البحرين؛ حكومة وشعبًا على كرم الضيافة. وأشكر الباحثين على ما قدموه لنا من المعلومات المركزة الشاملة عن قضايا الوحدة الإسلامية. ولا أريد أن أعلق على ما كتبوه لأنني ولله الحمد استفدت كثيرًا، وأود فقط أن أشير إلى أننا ما زلنا نواجه مشكلة واقعة، وأعتقد أن من الواجب علينا جميعًا أن نفكر في إيجاد حل عملي للفرقة والاختلاف والتشتت الذي تعاني منه هذه الأمة. لذلك يا إخواني يجب أن نخضع لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . فهذا أمر إلهي بأننا ينبغي أن نتفق ونتحد، والرسول ﷺ يشير في الحديث إلى أن ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) ، وفي حديث آخر ((يد الله مع الجماعة)) . لماذا لا نعترف بأن هناك تناحرًا فيما بيننا؟ وللأسف الشديد كل يوم نرى مزيدًا من الفرقة، ويجب علينا أن نعود إلى أنفسنا أولًا. قد يكون ذلك بسبب الجهل بالإسلام، وأعتقد أن من أهم الأسباب كذلك النفس. وأعتقد أننا لم ننجح في عبادتنا لله وتوحيده على مستوى الإنسان، وأعتقد أننا لو راقبنا الله وشعرنا بوجوده وبأنه يسمعنا وحاضر معنا ويسجل كل شيء نقوله لاستطعنا أن نعالج جزءًا كبيرًا من أسباب هذا الخلاف. فكثيرًا ما يتكلم المتكلمون بهوى النفس، ولو راقبوا الله ورعوه وشعروا بوجوده لقالوا كلمة الحق، ففي الحق لا نختلف إنما اختلافنا في الباطل. فإذا اختلف العلماء في قضية اختلافًا جوهريًّا تكون هناك مشكلة. ليس عندي حل لكن أريد أن أشير إلى نفسي وإلى غيري أن الأمور التي نريد أن نقترحها ينبغي أن تكون في هذا الجانب الشخصي النفسي هو عبادة الله قد يكون هذا جزءًا من الأشياء التي نستعين بها في هذا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18395

الشيخ محمد الحاج الناصر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعض ما كنت أريد أن أقوله قاله بعض الإخوة، لكن الأهم لم يقله أحد. لست أدري لماذا كلما ذكرت كلمة الوحدة الإسلامية تناولها من جرأ على تناولها بكثير من الحزن والتحرج، ألا أننا ألفنا التعدد القطري والقومي والتشجر الطائفي والتشرذم بين الأمم وكل يوم نقرأ في القرآن ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؟ فهذا يعني أننا ونحن متفرقون ليست هذه أمتنا، وهذا يغني أن إسلامنا ناقص إن لم يكن معدومًا. سبل الوحدة ليس من الضروري أن تكون الرجوع إلى المركزية، أمامنا الآن في هذا العصر أنماط بعضها تحقق وبعضها في سبيل التحقق. فلما لا نحاول وقد غلبنا على تقليد الآخرين أن نقلدهم في هذه السبل؟ الدول الإسلامية الآن تتجاوز الخمسين، لماذا لا نحاول أن نسلك طريق أوروبا في دراسة أسباب الوحدة وتحقيقها تدريجيًّا؟. نحن أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، لماذا لا نحاول أن نكون هيئة الدول الإسلامية المتحدة، لماذا لا نحاول أن نطور منظمة المؤتمر الإسلامي إلى أن تصبح كهذه الهيئة لها مجلس توصيات، ولها مجلس قرارات إن لم يكن لبعض أعضائها نقض فعلى الأقل أن تكون لها قرارات إجماعية أو توصيات إجماعية كسبيل لاستعادة الخلافة التي انهارت آخر رموزها على يد اللعين كمال أتاتورك منذ خمسة وسبعين عامًا. إلى متى التباكي والبكاء على وحدة لن تتحقق بمعالجة التفرق المذهبي؟ فذلك داء عضال لا يمكن أن يعالج بعد أجيال وأجيال. ومن وسائل معالجته أن تجتمع مصالحنا في جهاز واحد ينظمها وينسقها من أعلى، على أن يبقى لكل قطر ولكل قوم مجالهم للتحرك والإنتاج والعمل. لقد آن الأوان أن نخرج من الأحلام والتباكي وإلقاء المسؤوليات على الاستعمار وما فعل. وما فرق، إنما تفرقنا نحن منذ أواخر الدولة العباسية حين أصبح للديلم ملك وللفرس ملك ... انقسم إلى ملوك، وفي المغرب ملك وفي الجزائر مملكات وفي تونس كذلك، لم يفرقنا الاستعمار لكن وجدنا متفرقين فتعمق التفرق، إن نكن مسلمين حقًّا فعلينا أن نعود إلى القرآن، والسبيل إلى القرآن ممهد ولن نختلف مع الآخرين الذين نعايشهم في هذا العصر لا بل نعمل مثل ما عملوا ونفعل شكل ما فعلوا، ولن تكون منهم علينا ملام إن نكن نخشى ما يسمونه بالنصح أحيانًا وما يسمونه بالضغط أحيانًا. هم يتوحدون وعلينا نحن أيضًا أن نتوحد بإحدى طرق الوحدة الكثيرة الموجودة الآن. ألهمنا الله الرشد ووفقنا إلى سواء السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18396

الشيخ عبد اللطيف آل محمود: بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكرًا للإخوة الذين تقدموا بهذه البحوث وكل من أدلى بدلوه من جانب من جوانب الوحدة وشعوره ومشاعره وهي مشاعر المسلمين جميعًا. والوحدة الإسلامية ليست أملًا بل هي واجب شرعي على كل فرد يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا. والقرن الحادي والعشرون هو القرن الذي يراهن فيه الأقوياء في زماننا بعد أن عملوا في القرن العشرين على تمزيق الأمة إلى دول متحاجزة متباعدة، يعملون في القرن الحادي والعشرين على تمزيق كل دولة من دول العالم الإسلامي والتي لا تسير في فلكها خاصة إلى دويلات طوائف وأحزاب وجماعات ومذاهب بأيدي أبنائها لا بأيديهم هم. والوحدة لها مظاهر كثيرة ذكرها بعض الباحثين سواء كانت وحدة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو غير ذلك، لكن أهم مظهر من مظاهر الوحدة - وهو واجب العلماء والمفكرين - هو العمل على الوحدة الشعورية. الوحدة الشعورية هي مهمة العلماء - علماء الأمة ومجتهديها - ومهمة أتباعهم، فإن حققوا المطلوب منهم شرعًا للوحدة فقد حصلوا أعظم الأجر وإلا فإنهم يتحملون أعظم الوزر إن خالفوا ما يريد الله أن نحققه. هذه الوحدة تحتاج إلى أسس تُعتمد ويُعمل بها لمصلحة الأمة الإسلامية انطلاقًا من كل قرية ومدينة ومحافظة ودولة حتى ينطلق كل فرد في هذه الأمة محققًا للوحدة بذاته مع إخوانه الذين يجاورونه. لكن الذي نراه على أرض الواقع هو أن الذي يمارس هو الانتصار لحظ النفس أكثر من الانتصار لحظ الإسلام، فذلك ما نشاهده في دولنا من غير استثناء بحيث نرى أن الفكر الموحد يدور حول صاحبه، ونرى في ذات الوقت عدم اهتمامهم بالآخرين أو طعنًا فيهم أو عملًا على إبعادهم حتى عن ساحة الإسلام، وهذه مشكلتنا نحن. والأقوياء في زماننا يريدون أن يحققوا التفرق بأيدنا نحن، وهذا ما ينبغي أن يعلمه أبناؤنا أن العدو لم يتمكن منا بمقدار ما مكناه من أنفسنا، ولقد صدق الله حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ، ولقد غيرنا الله وغير ما بأنفسنا من فُرقة في الماضي وأمرنا بالاعتصام بحبله. ونحن نرى ظاهره في كثير من دولنا تعمل على تغيير أنفسنا من البحث عن الوحدة إلى البحث عن التفرق ومن النظر إلى الأصل إلى النظر إلى الفروع، وهذه مهمة ليست سهلة، ربما كان التعليم من أهم الركائز، ولكن للمسجد ولمكان الوعظ وللدرس أثر في تحقيق الوحدة الشعورية، يوم أن ينطلق العالم خاصة والواعظ والخطيب والمدرس وغيرهم بوجود هذا الشعور والإيمان به، ومحاولة التركيز على ما يجمع الأمة مع أخذ لما اختلفوا فيه؛ فإن ذلك سبيل من سبل تحقيق وحدة الأمة التي نرجو أن يقر الله أعيننا بها ما دمنا في هذه الحياة القليلة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18397

الشيخ محمد علي التسخيري: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله وصحبه. قبل كل شيء أود أن أعلن فرحي بهذا الجو الأخوي والموضوعي الذي يسود هذه المناقشة والدراسة، الحمد لله تعالى. وأن أشكر أخي الدكتور عبد الستار أبو غدة على هذا التلخيص الطيب والمقال الجيد. لا أريد أن أدخل في قضية الوحدة وهي خصيصة هذه الأمة فهي خصيصة قرآنية إذا فقدناها فقدنا إحدى أهم خصائصنا، وإنما أشير إلى نقاط سريعة والوقت قد تأخر. النقطة الأولى: وددت لو أضاف أخي كاتب بحث الحوار وأدبيات الحوار إلى شروط الحوار بعض الشروط الأخرى وهي، أولًا: ما نسميه في لغتنا العلمية بتحرير محل البحث. فما أكثر الحوار حول قضايا متنازع عليها يعود النزاع فيها لفظيًّا. والنقطة الثانية: أن يكون الحوار بين متخصصين في موضوع الحوار. فلا معنى لأن ندخل في حوار في وسائل الإعلام العامة مع أناس لا تخصص لهم في قضية فقهية أو أصولية أو ما إلى ذلك. هناك شرط وهو أن يكون طرفا الحوار من أهل تخصص البحث. النقطة الثالثة: قضية التهويل. من الأمور التي يستغلها البعض كما كانوا يشركون فيستغلون هذا التهويل، يريدون عقلًا جمعيًّا، ويوجهون الاتهام إلى رسول الله ﷺ . وفي جو التهويل لا يمكن أن يستدل إنسان بأولًا وثانيًا وخامسًا، في جو التهويل لا سبيل إلا حذف هذا العقل الجمعي والعودة إلى الذات والهدوء والاطمئنان ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ، التهويل كان قويًّا ضده عليه أفضل الصلاة والسلام. إذن هذه النقاط ينبغي أن تضاف حتى يكمل هذا البحث القيم. النقطة الرابعة: ما تفضل به الشيخ الجواهري هو الرأي العام السائد، وينبغي أن نأخذه بكل جد، أئمة أهل البيت يعتبرون أنفسهم مطيعين لرسول الله ومقتدين بسنته، وإذا نقلوا شيئًا أو ينقلونه بدقة سندهم عن آبائهم. هذه نقطة أؤكد عليها وينبغي أن نأخذها بالحسبان، لا يمكن أن نطلب من إنسان أن يكون خلاف ما يؤمن به أو نتهمه بأنه يقول خلاف ما يؤمن به.

стр. 18398

أريد أن أشير هنا لاحظوا الآن نتائج الأخذ بفقه أهل البيت اشتراك في المساحة الفقهية يتجاوز الـ (٩٥ %) ، لا يوجد خلاف إلا بمقدار (٥ %) في المساحة الفقهية بين الشيعة والسنة، وقد أخبرني المرحوم محمد المبارك أنه حقق في هذا الكلام وأخبرني حسين محفوظ المحقق العراقي المعروف بأنه حقق ذلك، والذي يمكن حسه بوضوح هو هذا. إذن وحدة الأثر تدل على وحدة المنبع. النقطة الخامسة: من الواقع وهي التي ينبغي أن نكون فيها واقعيين. قلنا إن الاختلاف الفكري اختلاف طبيعي ولا يمكننا أن نقول: يمكنكم أن تختلفوا في الفروع ولا يمكنكم الاختلاف في أصول الفقه، أصول الفقه موارد أيضًا يمكن أن تُطرح ويُستدل لها وهناك قائم واقعي في حين هذا الخلاف لا يمكننا أن ننفيه بوعظ وإنما يجب أن ينفى باستدلال وبقوة. إذن الخلاف في الأصول أيضًا حالة طبيعية وما زال علماؤنا في الأصول يبحثون منذ العصور الأولى حول هذا الأصل الفقهي أو ذاك. المرحوم ابن رشد كان يؤكد في أصول الاختلاف على الأمور اللغوية والأمور الفرعية ولم يشر إلى الاختلاف في أصول الفقه أحيانًا، وهو اختلاف جدي ينبغي أن ندرسه وتتم دراسة مقارنة لكي نصل إلى مساحات مشتركة فيها. أريد أن أؤيد الشيخ السالوس، نحن لا نريد أن ننفي المذاهب، ولا نريد أن يعتدي مذهب على مذهب آخر بأساليب التمويه؛ وإنما المراد أن نتخذ موقفًا موحدًا من أعدائنا ونحاول أن نقارب بين آرائنا، ولكل إنسان أن يستدل لرأيه بالدليل المنطقي. النقطة السادسة: كنت أنتظر من أخي العزيز الشيخ حمزة وهو من أعرف له دينه وفضله ألا يُحمل الكلام فوق ما يستحق، الرجل قال: يجب ألا يخضع أي إنسان لمذهب سواء كان مذهبه هذا أو ذاك. هذه قاعدة كلية، نحن كلنا نؤمن بها وندين كل اضطهاد لأي فرد مهما كان مذهبه ما دام عاملًا في الإطار الإسلامي العام. إذن لا نقول هذه العبارة تشي بشيء أو يُراد منها شيء. نحن نُدين ذلك حتى ولو صدر منا ومن أقرب المقربين إلينا.

стр. 18399

النقطة السابعة: مسألة الوقيعة ومسألة التهمة ... وأمثال ذلك. هذه دعوة مخلصة من سماحة الشيخ العثماني وهو العالم الحكيم في هذه القضايا الفقهية، وأسأل الله تعالى أن نصل إلى مرحلة يؤدب فيها كل مذهب سفهاءه حتى نصل إلى حالة من الحب والوئام والإخلاص والاطمئنان والثقة بالطرف الآخر. النقطة الثامنة: شيء آخر أود أن أشير إليه وهو ما أشار إليه أخي الدكتور الزبير. هناك قضايا توحدنا لماذا لا نستفيد من هذه الحالة؟ قضية فلسطين توحدنا، أفغانستان عندما كانت تقارع الكفر وحدتنا، البوسنة وحدتنا. لماذا لم نستفد من حالات اليقظة لتوحيد موقف أمتنا في مثل هذه القضايا؟ أنا أنبه على لزوم الاستفادة من هذه الظروف كما وحد إحراق المسجد الأقصى الأمة ودعاها لتشكيل منظمة المؤتمر الإسلامي في ١٩٦٩م. وفي الحقيقة إنني لأنتظر يومًا تجتمع فيه الأمة الإسلامية في موقف واحد خصوصًا وأن العدو يعيش موقفًا موحدًا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] . وإني لأعتقد أن منظمة المؤتمر الإسلامي تستطيع أن تلعب دورًا أقوى مما هو عليه الآن إذا امتلكت الآلية الفاعلة لتطبيق قراراتها وقيادة هذه الأمة للوصول إلى طموحاتها. وشكرًا. والسلام عليكم.

стр. 18400

الأستاذ صباح زنكنه: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في الواقع هنالك مستويات من البحث في موضوع الخلاف والوحدة. يمكن أن أبدأ ببعض الاختلافات في داخل البيت الإسلامي. هذا البحث وهذه المنهجية ستأخذ أعمارنا وأعمار شعوبنا. يمكن أن نبحث فيما نختلف فيه مع الأمم الأخرى، هذا أيضًا سيكبر العمق وسيُفسد الأرض ومن عليها. المنهجية التي يمكن أن تنتج وتثمر هي المنهجية التي أشير إليها، وهي المنهجية الإيجابية أن نبدأ بما يوحد ببرامج عملية واضحة المعالم. فتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي منهجية إيجابية، وهذه المنهجية يمكن تطويرها. موضوع القدس الذي أشير إليه يمكن أن نأتي به كتوصية باعتباره موضوعًا حراريًّا بهدد الأمة الإسلامية، ويمكن أن يوحد جهودها، ويمكن أن يصب جهودها في اتجاه واحد. هنالك التحديات التي تعاني منها الأمة الإسلامية تستطيع أن توحدنا ولابد أن نعمل عليها. هنالك المواضيع التي ذكرها أخي الأستاذ عبد اللطيف ومنها موضوع السوق الإسلامية المشتركة. هنالك قرارات صدرت من القمة الإسلامية في هذا الصدد، كما أكد مؤتمر القمة الإسلامي على موضوع إعداد الأمة الإسلامية للقرن الحادي والعشرين من الناحية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى ضرورة زيادة التبادل التجاري بين الدول الإسلامية. هنالك تحد كبير في موضوع العولمة سنأتي على ذكره حين وقته، وموضوع تأسيس منظمة التجارة العالمية التي تأتي كالسيل ولن تبق ولن تذر.

стр. 18401

دولنا تعيش حالة الشتات وحالة التخلف. إن لم نوجد السوق الإسلامية المشتركة، وإن لم يزدد التبادل التجاري بين البدان الإسلامية سنكون طُعمًا طيعًا للحركة العالمية. الارتفاع في المستوى الاقتصادي بين الدول الإسلامية يمكن أن يوحد كثيرًا من الجهود ويصبها في اتجاه واحد. في موضوع حقوق الإسنان لاحظوا الاتجاه الإيجابي حينما نسقت الدول الإسلامية وزراء الخارجية استطاعوا أن يغيروا البيان الختامي الذي صدر في المؤتمر العالمي في فيينا بحيث يأخذ طابع الخصوصية الثقافية والحضارية للأمة الإسلامية بينما كانت الهجمة الغربية في أعلى عنفوانها وعنجهيتها، لكن بالتنسيق البسيط بين الدول الإسلامية استطعنا أن نغير شيئًا. بناء الثقة بين الدولة الإسلامية. هنالك قرارات واضحة المعالم. الدول الإسلامية تعيش حالة من الخلخلة في الاعتماد والثقة، فلابد من إعادة الثقة بينها. هنالك خطط وبرامج يمكن السير عليها. الاستراتيجية الإعلامية وهي موجودة ولابد من تنفيذها، والاستراتيجية الثقافية بين الدول الإسلامية والشعوب الإسلامية. وصياغة العلاقة بين الدول والشعوب هذه العلاقة التي يحاول البعض أن يزعزعها ويزيد من شقة الخلاف. لابد من إعادة صياغة لعلاقة طيبة متنامية في سبيل بناء مستقبل أفضل. إن مجمع الفقه الإسلامي بإسلوبه ومنهجيته يعتبر من أهم المراكز التي توحد الأمة عمليًّا لأنه لا يبحث الخلاف وإنما يبحث موضوعًا ويحاول أن يجد حلولًا لذلك الموضوع. إذا اتخذنا هذه المنهجية في جميع الأبحاث وعلى جميع الأصعدة يمكن أن نتلمس الطريق العملي للوحدة بين الأمة الإسلامية في شعوبها ودولها وبين مفكريها. والسلام عليكم.

стр. 18402

الشيخ خليل الميس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحقيقة حيث تقاصرت الأقدار تزاحمت الأفكار. بمعنى أن الذين كتبوا مشكورون والأبحاث التي قُدمت كأنها قُدمت على استحياء، ولكن ما أن طُرح الموضوع إذا به يُعالج في العمق أو مزيدًا من العمق من الورقات التي قدمت لهذا المجمع الكريم. لا شك أن هذا الموضوع هو أمانة في أعناقنا لأن منظمة المؤتمر الإسلامي التي ابنثق عنها المجمع المبارك ناظرة إلينا ماذا سنفعل، علمًا بأننا نبدأ من مناهج متعددة في الفقه لنبحث عن فتوى مُوحدة في الرأي مع الدليل والاستدلال. إذا كان ذلك كذلك فالسؤال الكبير المطروح علينا: نعم إن القرآن الكريم عرف بأن هذه الأمة هي أمة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] ، لا يحتاج إلى مزيد بيان، ولكنا ليس مطلوب إلينا بصراحة أن نجعل من الوحدة ضرورة لعالمنا الإسلامي وليست مُخوفة للآخرين؟ يتبادر إلى الذهن هنا أن ابن حزم والبعض يعرف أن فقهه ربما كان بدعًا في المنهج، ولكن يا ترى هل في تصنيفه كتابه (مراتب الإجماع) نوعًا من الاطمئنان للأمة أن هذه الخلافات ما هي إلا خلافات خفيفة وبعيدة لا تؤثر في إجماع المسلمين، وأن ما أجمعوا عليه في الفقه لا تؤثر في هذه الاختلافات؟ نعم اليوم نحن أمام تجارب إذا لامسناها في السياسة وأذكر منذ خمسة وعشرين عامًا أيها الإخوة الفضلاء؛ كان هنالك مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة وتكلم الإمام أبو زهرة ﵀ تحت هذا العنوان وفي نهايته قال: (يا علماء العالم الإسلامي أعزوا هذا الإسلام) . نعم، مطلوب إلينا أن نعز هذا الإسلام وأن نمهد الطرق لنوفر أسباب الوحدة لتكون الوحدة ضرورية وليست طرحًا للنقاش فقط ولكن ضرورة اجتماعية، كما صارت وحدة أوروبا ضرورة لاعتبارات كثيرة لِمَ لا تكون وحدتنا أيضًا ضرورة لاعتبارات أكثر ونحن المهددون وليست أوروبا مع العلم بأن هذا التعدد ينعكس حتى على مناهج الدعوة تحت شعار توحيد الأمة؟ هل توحيد الأمة إلغاء الفريق الآخر؟ إن الوحدة تتحقق حيث نصبح جميعًا تحت لوائها وإلا فلسنا متوحدين. إذن تحت هذا العنوان أيضًا يمكن أن نمهد في الوحدة الفقهية على الرأي الراجح إلى أن نمهد للوحدة السياسية التي في الحقيقة ما أبحثها إلا لأنها مقدمة لهذه الوحدة. نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 18403

الأستاذ نبيل نصيف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. أشكر الإخوان مقدمي البحوث، وأيضًا اسمحوا لي أن أضم صوتي إلى الأصوات الآخذة طريقًا عمليًّا كاقتراح الأخ عبد اللطيف الجناحي والدكتور الزبير في مسؤولية هذا المجمع واستمداد قوته الشرعية من الدول الإسلامية. النقطة الأولى: الوحدة الاقتصادية ومقوماتها وما تحتاج إليه من آليات ومؤسسات. النقطة الثانية: الوحدة الثقافية والتعليمية، الوحدة السياسية ونموذج الحكم في الإسلام وما يتضمنه من قوانين تجارية ومدنية وغيرها من النوازل المختلفة. وكذلك آخذة بعين الاعتبار موضوع (العولمة) ، و (قانون التجارة الدولية) والذي يشجع التكتلات الاقتصادية. أرجو أن تؤخذ هذه المقترحات بعين الاعتبار. وشكرًا لكم. الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قد ترون مناسبًا تأليف لجنة من أصحاب الفضيلة المشائخ: الشيخ محمد تقي العثماني، الشيخ الخليلي، الشيخ علي السالوس، الشيخ محمد واعظ زادة، الشيخ حمزة الفعر، والأستاذ عبد اللطيف الجناحي لإعداد مشروع بذلك. إضافة للعارض والمقرر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 18404

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرار رقم: ٨٩ (١/١١) بشأن الوحدة الإسلامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨م) . بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الوحدة الإسلامية) . وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع من أهم المواضيع التي تحتاج الأمة الإسلامية اليوم إلى بحثها من الناحيتين النظرية والعملية؛ وإن العمل على توحيد الأمة الإسلامية فكريًّا وتشريعيًّا وسياسيًّا، وشدها إلى عقيدة التوحيد الخالص، من أهم أهداف هذا المجمع الدولي. قرر ما يلي: أولًا: إن الوحدة الإسلامية واجب أمر الله تعالى به وجعله وصفًا لازمًا لهذه الأمة بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقوله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] ، وأكدت ذلك السنة النبوية قولًا وعملًا، حيث قال النبي ﷺ : ((المسلمون تتكافؤ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) ، وحقق ﵊ هذه الوحدة فعلًا بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقرر ذلك في أول وثيقة لإقامة الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة التي فيها وصف المسلمين بأنهم: (أمة واحدة من دون الناس) .

стр. 18405

إن هذه النصوص من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وما في معناها، تقتضي أن يجتمع المؤمنون تحت لواء الإسلام، مستمسكين بالكتاب والسنة، وأن ينبذوا الأحقاد التاريخية والنزاعات القبلية والأطماع الشخصية والريات العنصرية. وحينما قاموا بذلك تحققت القوة لدولة الإسلام في عهد النبوة ثم في الرعيل الأول، وانتشر دين الأسلام ودولته في الشرق والغرب وقادت الأمة الحضارة الإنسانية بحضارة الإسلام التي كانت أعظم حضارة قامت على العبودية لله وحده، فحققت العدل والحرية والمساواة. ثانيًا: إن الوحدة الإسلامية تكمن في تحقيق العبودية لله سبحانه اعتقادًا وقولًا وعملًا، على هدي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، والحفاظ على هذا الدين الذي يجمع المسلمين على كلمة سواء في شتى مناحي الحياة من فكرية واقتصادية واجتماعية وسياسية، وما أن ابتعدت الأمة الإسلامية عن مقومات وحدتها حتى نجمت أسباب التفرق التي تعمقت فيما بعد بأسباب كثيرة منها جهود الاستعمار الذي شعاره (فرِّق تَسُدْ) ، فقسم الأمة الإسلامية إلى أجزاء ربطها بأسس قومية وعرقية، وفصل بين العرب والمسلمين، وانصبت معظم جهود المستشرقين إلى تأصيل التفرق في دراساتهم التي روجوها بين المسلمين. ثالثًا: إن الاختلافات الفقهية التي مبناها على الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية ودلالاتها، أمر طبعي في حد ذاته، وقد أسهمت في إغناء الثروة التشريعية التي تحقق مقاصد الشريعة وخصائصها من التيسير ورفع الحرج. رابعًا: وجوب الالتزام بحفظ مكانة جميع الصحابة ﵃، ودعوة العلماء إلى التنويه بمنزلتهم وفضلهم في نقل الشريعة إلى الأمة والتعريف بحقهم عليها، ودعوة الحكومات إلى إصدار الأنظمة التي تعاقب مَن ينتقص من شأنهم في أي صورة من الصور، لما لذلك من رعاية حرمة الصحابة ﵃ واستئصال سبب من أسباب التفرق.

стр. 18406

خامسًا: وجوب الالتزام بالكتاب والسنة، وهدي سلف الأمة من الصحابة، ﵃ أجمعين، ومن تبعهم بإحسان، ونبذ الضلالات، وتجنب ما يثير الفتن في أوساط المسلمين، ويؤدي إلى الفرقة بينهم، والعمل على توظيف الجهود للدعوة إلى الإسلام ونشر مبادئه في أوساط غير المسلمين. التوصيات: لا يخفي أن عصرنا هو عصر التكتلات التي لها تطبيقاته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية تحت شعارات العولمة والعلمانية والحداثة وبسبب الانفتاح الإعلامي دون أي قيود أو ضوابط، مما يجعل العالم الإسلامي مستهدفًا لإزالة خصوصياته وتذويب مقوماته ومعالم حضارته الروحية والفكرية، ولا تتم حماية أمتنا من هذه الأخطار إلا باتحادها وإزالة أسباب التفرق لاسيما أن أمتنا تملك العديد من مقومات الوحدة التي تشمل الوحدة الاعتقادية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والثقافية. وعليه يوصي المجمع بما يلي: أ - تأكيد قرار المجمع رقم: ٤٨ (١٠/٥) بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وما تبعه من توصيات في الموضوع ذاته، وقرار المجمع رقم ٦٩ (٧/٧) بشأن الغزو الفكري في التوصية الأولى. ب - التأكيد على حكومات البلاد الإسلامية بدعم جهود كل من منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي الدولي باعتبارهما من صور الوحدة بين المسلمين سياسيًّا وفكريًّا. جـ - تجاوز النزاعات التاريخية، فإن إثارتها لا تعود على الأمة إلا بإذكاء الضغائن وتعميق الفرقة.

стр. 18407

د - التزام حسن الظن وتبادل الثقة بين المسلمين دولًا وشعوبًا. بتوجيه وسائل الإعلام إلى تنمية روح التآلف وإشاعة أخلاقيات الحوار واحتمال الآراء الاجتهادية. هـ - الاستفادة من القضايا المصيرية التي توحد الأمة الإسلامية وفي مقدمتها قضية القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى رسول الله ﷺ لدرء الأخطار التي تهدد إسلاميتها، والتأكيد على أنها قضية المسلمين جميعًا. ويناشد المشاركون في المؤتمر حكومات البلاد الإسلامية مضاعفة اهتمامها بهذه القضية وأمثالها، والمبادرة إلى الإجراءات المناسبة، ومنها: - التنديد بما تتعرض له الأراضي الفلسطينية وأهلوها من سياسات التهجير والاستيطان والتهويد، وما يعانيه الإنسان الفلسطيني من احتلال وظلم، وقمع وحرمان، وقتل وتشريد، وامتهان لكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. - الدعم المطلق لفلسطين المجاهدة وأرضها المباركة ومسجدها الأقصى أولى القبلتين، في معركتها الاستقلالية والوقوف بجانبها وجانب الشعب الفلسطيني في صموده. - إدانة الحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي فيما يقوم به من ألوان التنكيل وصور العدوان البشع على الشعب الفلسطيني المناضل في سبيل حريته وتحرير مقدساته. و الاهتمام بالآليات المطروحة التي لها أولوية في تحقيق الوحدة الإسلامية مرحليًّا مثل: ١ - إعداد المناهج التعليمية على أسس إسلامية. ٢ - وضع الاستراتيجية الإعلامية الإسلامية المشتركة. ٣ - إنشاء السوق الإسلامية المشتركة. ٤ - إقامة محكمة العدل الإسلامية. ز - قيام الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بتكوين لجنة من أعضاء المجمع وخبرائه لوضع دراسات عملية قابلة للتطبيق تراعي واقع الأمة الإسلامية. وتشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وتضع آليات تحقيق الوحدة في هذه المجالات مع الاستفادة من الجهود القائمة حاليًّا في إطار المنظمات العربية والإسلامية، والاستعانة بالمختصين في المجالات المختلفة. ولضمان جدية نشاط هذه اللجنة وتنفيذ نتائج دراستها، نوصي باعتماد تشكيلها ومهامها من منظمة المؤتمر الإسلامي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 18408

الإسلام في مواجهة العلمنة إعداد الدكتور عمر عبد الله كامل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله العليم العلَّام، والصلاة والسلام على البدر التمام سيدنا محمد ﵊، وبعد ... فإن ما يسمي اليوم بالعلمانية، والذي هو في الواقع (الدنيوية) ، مذهب له فروع وشعب يدلسون بمسماه على المسلمين، فكثير من المثقفين يعتقدون خطأ أنه يعني اتِّباع المنهج العلمي. ولقد درج كثير من العلماء وكبار المثقفين المسلمين على إهمال ما يكتب هؤلاء، معتمدين على مقولة: (دعه يموت، وأن الرد عليه سيزيده انتشارًا) . ولكنني لمست خطأ هذا الاتجاه، ولذلك كنت ولازلت أرصد هذه الحركة وما يصدر عنها من كتابات ودراسات ونشرات، والتزمت فترة طويلة بمبدأ عدم الرد عليهم وفقًا للتصور السابق. ولكن هالني الأمر حين أصبحت هذه الكتب تُطبع طبعات ثانية وثالثة ورابعة ... مما يدل على أن جزءًا كبيرًا من القراء الذين لا يملكون ثقافة إسلامية كافية، قد انغروا وانخدعوا بما تحتويه تلك الكتب من ادعاءات وافتراءات وشبهات، لاسيما وأن مؤلفي تلك الكتب يدلسون باستخدام المصادر الإسلامية والاقتباس منها، فحينما يقرأ المثقف المسلم في قائمة المراجع مثلا: تاريخ ابن كثير أو الطبري يعتقد بصحة الخبر لثقته بالمصدر، ولا علم له أنهم ينقلون الصحيح والضعيف ولا يميزون الغث من السمين.

стр. 18409

لذلك وجدت من واجبي أن أخصص حيزًا كبيرًا من وقتي للرد على هؤلاء، وتفنيد شبهاتهم، وتبيان تدليسهم في النقل، بل استخدامهم مناهج لا تستقيم منطقيًّا مع أساليب البحث العلمي. وقد كتبت عدة كتب في هذا المجال، ضمن سلسلة أسميتها: (كتاب بكتاب ورأي برأي) ، حاورت بعضهم من خلالها، وسأكمل هذه المسيرة بإذن الله وعونه وتوفيقه. واليوم وأنا أقدم هذه الدراسة للمجمع الفقهي أستنهض همم شيوخي من الفقهاء وعلماء المسلمين، فقد اتسع الخرق على الراقع، وإن هذا أخطر غزو فكري يتعرض له الإسلام اليوم، مما يستدعي تضافر الجهود لمواجهة هذا الخطر، والتصدي له بدرء هذه الشبهات، ودحر الإلحاد والغلو العلماني، حتى لا نندم ساعة لا ينفع الندم. وقد أشرت في نهاية هذه الدراسة بما أراه الحل الناجع لهذا الداء المستشري، وإلى الموقف الإيجابي الذي لابد من وقوفه في وجه هذه الهجمة وبأسلوب حضاري، معتمدًا على الحوار والإقناع. فنحن على حق وهم على باطل، فإن انتصر الباطل في جولة فالحق لابد أن ينتصر في بقية الجولات، ولقد وعدنا الله بالنصر إن نصرنا دينه وشريعته فقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ، وقال جل شأنه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .

стр. 18410

أساس العلمانية ومنشؤها: لقد قصد أن يترجم مسمى (العلمانية) بهذا الشكل نسبة إلى العلم، مع أن الواقع أنه نسبة إلى العالم، بمعنى دنيوي أو ما يقابل الدين بوجه عام، للتدليس على الفئات غير المثقفة ثقافة إسلامية كافية، لأن العلمانية هي سلوك المنهج العلمي، وحقيقة الأمر خلاف ذلك. إن أصل العلمانية فلسفي يتصل بواقع سياسي واجتماعي معين مرت به أوروبا، وإن فصل ذلك الواقع عن هذا المسمى يجعلنا نتخبط، فلابد من إلقاء الضوء على ذلك الواقع حتى نلم بالجذور الأساسية لنشأة العلمانية. فمن الأساس كانت المسيحية تؤمن بسلطتين: سلطة الله وسلطة قيصر، ولظروف مختلفة وتحالفات بين رجال الكنيسة والنظم الإقطاعية التي خنقت الحياة خنقًا وتدخلت في جميع نواحيها، أصبحت الكنيسة تمارس بصورة مباشرة وغير مباشرة سلطات تجاوزت حتى التعاليم الإنجيلية، وللدلالة على ذلك: فبعد الثورة الفرنسية ١٧٨٩م رفع القانون المدني حتى يصبح نافذًا للبابا في عام ١٧٩٠م، وقد رفض مباركته، مما أدخل الدين في مواجهة مع السياسة، ولقد كانت الكنيسة في ذلك الوقت لا تدرك معنى المتغيرات الجديدة وخطورة تحالفها مع الإقطاع، مما ضيق الخناق الاقتصادي داخل كل مقاطعة، ولم تدرك الحاجة الطبيعية الناتجة عن تطور التجارة وتبادل السلع والمنتجات، ولم تدرك الصدمة التي أصابت أوروبا بعد سقوط القسطنطينية؛ فأدى ذلك إلى تكتل غالبية الشرائح الاجتماعية من قوميين ورجال مال وغيرهم من المنتفعين، بل وتضامن رواد البحث العلمي الذين وقفت الكنيسة منهم موقفًا متشددًا فانضم إليهم ذوو الفنون والآداب، ولم يجد هؤلاء مرتكزًا فكريًّا يقاومون به جبروت الكنيسة وطبقية رجال الدين (الأكليريك) سوى اللجوء إلى الفلسفة، التي أعطتهم المبررات للتغيير الجديد، فلجؤوا إلى أفكار الفلاسفة أمثال (توماس هوبز) الذي كان يرى أن الحقيقة تتمثل في المادة، وأن حياة الإنسان وحركته قائمة على حب البقاء، إلى أن ينتهي إلى ضرورة نشوء الحكومة التي تهيمن على كل شيء. ومن أمثال الفيلسوف (جون لوك) الذي يصل في فلسفته إلى ضرورة إخضاع الدولة للكنيسة والقوانين المدنية، بل المطالبة بتعديل المعتقد المسيحي وجعله عقلانيًّا.

стр. 18411

والفيلسوف (سبنواز) الذي يصل إلى حد الدعوة إلى أن تتحكم السلطة المدنية في الدين تحكمًا مطلقًا، ليس هذا فحسب، بل حتى مظاهر العبادة التي يجب أن تكون تبعًا للدولة وفائدتها. وجاء بعده (ديفيد هيوم) الذي اعتبر الدين حاجة نفسية، و (فولتير) الذي نحا نفس المنحى، ووصل الأمر إلى (جان جاك روسو) الذي حث الدولة على إنكار الدين، وألا تسمح بوجود سلطة كنسية إلى جنبها، وحصر الدين في أمور هي: (وجود الله، العناية الإلهية، الثواب والعقاب) ، أي أنه أنكر الكتب والرسل وجميع الغيبيات - وسنجد ترديد صدى هذا الأمر لدى غلاة العلمانيين العرب المعاصرين -. وترابط هذا الاتجاه مع مذهب ديكارت، وتفاعل هذا التيار حتى شمل جميع أوروبا، إلى أن ظهرت العلمانية المفرطة في الإلحاد، ومن رموزها (سان سيمون) و (أوغست كون) ، والتي لا تعتبر أي قيمة لأي شيء إلا الشيء الخاضع للاختبار الحسي، وهكذا استبعدت بجلاء جميع الحقائق الروحية والغيبية، واهتز شأن العقل والبرهان العقلي، ودخل العالم في مرحلة المادية. وتبعه فلاسفة آخرون، إلى أن وصل الأمر إلى اعتبار الدين شرًا لا فائدة منه على الإطلاق، وأصبح مفهوم الدولة مناقضًا للدين، ووُضِع الإنسان مكان الله (وسنجد ترديد هذه الأقوال لدى غلاة العلمانيين العرب الذين يقولون بالديالكتيك والوحي الصاعد) . وتوج كل هذا الفكر (كارل ماركس) بمضمونه المادي الصرف الذي رفض معه كل دين، واعتبر الأديان أفيون الشعوب، وبدأت الحروب على الأديان، فتم إقصاؤها من مجالات التعليم والتوجيه والقِيَم، وحتى الممارسة الدينية الشخصية (١) .

стр. 18412

سبب قبول الاتجاه العلماني في الغرب: وسبب قبول هذا الاتجاه العلماني في الغرب هو تعرض الديانة النصرانية للتحريف، وإدخال الأغاليط البشرية في صلب مفاهيمها، وحشوها بالخرافات الوضعية، وما وصل إليه رجال الكنيسة من فساد، حتى أمسى الدين النصراني ورجاله في نظر المتنورين الغربيين صورة للخرافة، والظلم الاجتماعي، والفساد المتستر بهيمنة الغيبيات الدينية. ولقد عرفت العلمانية الأوربية - غير التيار المادي الملحد - تيارًا مؤمنًا بالله، استطاع فلاسفته - من أمثال هوبز Hobbes (١٥٨٨ - ١٦٧٩) ، ولوك Locke (١٦٣٢ - ١٧١٦) ، وليبينز Lebintz (١٦٤٦ - ١٧١٦م) ، وروسو Rousseau (١٧١٢ - ١٧٧٨م) ، وليسنج Lessinc (١٧٢٩ - ١٨٧١م) - التوفيق بين الإيمان بوجود إله خالق للعالم، وبين العلمانية التي ترى العالم مكتفيًا بذاته، فتحصر تدبير الاجتماع البشري في سلطة البشر المتحررة من شريعة الله، وكان هذا التوفيق مؤسسًا على التصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية. فالله، في التصور الأرسطي، واحد، مفارق للعالم، وخالق له، لكنه قد أودع في العالم والطبيعة الأسباب التي تدبرهما تدبيرًا ذاتيًّا، دونما حاجة إلى تدخل إلهي. فالعالم مكتف بذاته، تدبره الأسباب المودعة فيه، وهو وحده مصدر المعرفة الحقة، القابلة للبرهنة والتعليل، وتدبير الدنيا مرجعيته الإنسان - بالعقل والتجربة - دون رعاية أو تدبير أو تدخل من السماء - هكذا استندت العلمانية في تأسيس (دنيويتها) على التصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية - فهو مجرد خالق.. فرغ من الخلق.. وانحصرت عنايته بذاته، دونما رعاية أو تدبير للمخلوقات - كصانع الساعة، الذي أودع فيها أسباب عملها، دون حاجة لوجوده معها وهي تدور!.. وساعد العلمانية على الانتصار لهذه النزعة، التصور المسيحي لعلاقة الدين بالدولة، فهو تصور يدع ما لقيصر لقيصر، ويقف بالدين عند خلاص الروح ومملكة السماء، دون أن يقدم شريعة للمجتمع والدولة، الأمر الذي جعل (سجن) الدين في الكنيسة.

стр. 18413

هكذا نشأت العلمانية، في سياق التنوير الوضعي الغربي، لتمثل عزلا للسماء عن الأرض، وتحريرًا للاجتماع البشري من ضوابط وحدود الشريعة الإلهية، وحصرًا لمرجعية تدبير العالم في الإنسان، باعتباره (السيد) في تدبير عالمه ودنياه.. فهي ثمرة عقلانية التنوير الوضعي، الذي أحل العقل والتجربة محل الله والدين (١) . وسرت عدوى هذا الاتجاه وامتدت إلى الشرق الإسلامي، وحمله الذين درسوا من أبناء المسلمين في مؤسسات التعليم العلمانية، الذين انبهروا بتقدم الغرب في مجال العلوم الطبيعية، وظنوا أن مرد ذلك هو فصل الدين عن الدنيا، وأخذت المحافل الماسونية والأحزاب والجمعيات ذات الاتجاه الغربي اللاديني تنشره بين أبناء المسلمين بكل ما أوتوا من وسيلة دعائية وإعلامية وتعليمية. وزحفت العلمانية بقوة تنتشر بين المسلمين مع جيوش المستعمرين الغربيين ومدارسهم العلمانية، ومن معهم من المستشرقين. وقد ظهرت العلمانية في ظل حكم (كمال أتاتورك) في تركيا بشكل صارم وعنيف، وكشفت عداءها الشديد للإسلام. ثم ظهرت في كثير من بلدان العالم الإسلامي باسم فصل الدين عن السياسة، وأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين. وما تزال تظهر لهم تطبيقات في معظم بلدان العالم الإسلامي، ولو لم تحمل هذه البلدان شعار العلمانية بشكل سافر (٢) .

стр. 18414

كيف دخلت المبادئ العلمانية إلى المجتمع المسلم؟ وإذا كانت غزوة بونابرت (١٧٦٩ - ١٨٢١م) لمصر (١٢١٣هـ/١٧٩٨م) قد مثلت بداية الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لوطن العروبة - قلب العالم الإسلامي - بعد أن التف هذا الاستعمار حول هذا العالم - عبر أربعة قرون! - فإن هذه الغزوة قد تميزت عن سابقتها الصليبية (٤٨٩ - ٦٩٠هـ، ١٠٩٦ - ١٢٩١م) باستهدافها احتلال العقل، واستبدال الفكر، وتغيير الهوية - مع احتلال الأرض، ونهب الثروة، واستعباد الإنسان!.. فكانت العلمانية واحدة من الوافد الغربي في ركاب الغزاة.. وللمرة الأولى تترجم الكلمة الفرنسية (Laique) بكلمة (علماني) في المعجم الفرنسي العربي الذي صدر سنة ١٨٢٨م، الذي وضعه (لويس بقطر المصري) الذي خدم جيش الاحتلال الفرنسي بمصر، ثم رحل معه، ليدرس العامية المصرية في مدارس باريس!!.. ترجمت (اللائكية) بالعلمانية، من (العلم) نسبة إلى (العالم) باعتباره (الدنيا) المقابلة (للدين) . وفي كل موقع من بلاد الإسلام قامت فيه للاستعمار الغربي سلطة ودولة، أخذ هذا الاستعمار - شيًا فشيئًا - يحل النزعة العلمانية في تدبير الدولة وحكم المجتمع وتنظيم العمران محل (الإسلامية) ، ويزرع القانون الوضعي العلماني حيثما يقتلع شريعة الإسلام وفقه معاملاتها.. ففي الجزائر وتونس، أخذ الاستعمار الفرنسي في إحلال القانون الوضعي العلماني محل الشريعة الإسلامية وقانونها، وكذلك صنعت إنجلترا بمصر بعد أن احتلتها.. وعن هذا الغزو القانوني بالوافد العلماني يحدثنا عبد الله النديم (١٢٦١ - ١٣١٣هـ، ١٨٤٥ - ١٨٩٦) فيقول: (إن دولة من دول أوربا لم تدخل بلدًا شرقيًّا باسم الاستيلاء، وإنما تدخل باسم الإصلاح وبث المدنية، وتنادي أول دخولها بأنها لا تتعرض للدين ولا للعوائد، ثم تأخذ في تغيير الاثنين شيئًا فشيئًا.. كما تفعل فرنسا في الجزائر وتونس، حيث سنَّت لهم قانونًا فيه بعض مواد تخالف الشرع الإسلامي، بل تنسخ مقابلها من أحكامه، ونشرته في البلاد، واتخذت لتنفيذه قضاة ترضاهم، ولما لم تجد معارضًا أخذت تحول كثيرًا من مواده إلى مواد ينكرها الإسلام، توسيعًا لنطاق النسخ الديني، ولم نلبث أن جاريناها، (في مصر) وأخذنا بقانون يشبهه) (١) .

стр. 18415

لقد أدرك الاستعمار أنه لا يمكن أن يستمر ما لم يغير البنية الثقافية والتشريعية في الشعوب، فظهر الاستشراق خادمًا للاستعمار، وبدأت مرحلة التدليس وتشويه صورة الإسلام بإثارة شبهات مكشوفة. وقد وقف المسلمون من الاستشراق موقف المتحفز المستريب. فبالرغم من الهزيمة العسكرية والسياسية للعالم الإسلامي إلا أنه لم يُهزم في النواحي الشرعية، وظل العلماء صامدين محافظين على منهجهم العلمي في شتى العلوم الإسلامية: (القرآن - السنة - الفقه وأصوله) في صمود يُضرب به المثل. فظل ضمير الأمة وهويتها ثابتًا، وإن لم يتمكن العلماء من الانتصار إلا أنهم انتصروا في المحافظة على هذا التراث للمؤمنين الصادقين، ولو ترك المجال للمستشرقين لانتشر الفساد والإفساد وعمت البلوى. وبعد ذلك رأى الاستعمار أن يغرس هذه الأفكار في بعض أبناء جلدتنا، وهم التيار الذي انطلت عليه أفكار الاستشراق والعلمانية، فبدأت في الهند حركة (أحمد خان) التي قامت على الافتتان بالعلم الطبيعي، والتي ألغت القبول بالمعجزات والغيبيات وخوارق العادات، وجعلت النبوة غاية تحصل وتكتسب - وهذا ما نجد ترديده بعد أكثر من مائتي عام لدى حسن حنفي حول النبوة، وكونها درجة أعلى من الكهانة -. وتلقف بعده آخرون هذه الفكرة، وأخذت تروج وتروج حتى وجدنا مَن يدعونا إلى تتبع خطوات أوروبا حذو النعل بالنعل حلوها ومرها، كما ورد في كتاب (مستقل الثقافة) لطه حسين، وأشرب هؤلاء الأقوام هذه الفكرة في قلوبهم، فنجد أنهم في تزايد مستمر، وملكوا من الأبواق ووسائل الإعلام ودور النشر وغيرها ما يبثون بواسطته هذه الأفكار المسمومة، فتارة تلميح وتارة تصريح، إلى أن بلغ اليوم السيل الزبى، فبدؤوا بالتشكيك في العلماء وقذفهم بأبشع الأوصاف لفصل الناس عن علمائهم، ثم انتقلوا إلى التشكيك في رواة الأحاديث، ثم انتقلوا إلى التشكيك في الصحابة، ثم وصلوا إلى المصطفى ﷺ ، فمنهم من ادَّعى أنه جاء ليؤسس الدولة الهاشمية أو الدولة القرشية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اتهم بعضهم القرآن الكريم بالفوضى (محمد أركون) .
следующие страницы →