← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 18411–18450 · переход к 18416.

стр. 18411

والفيلسوف (سبنواز) الذي يصل إلى حد الدعوة إلى أن تتحكم السلطة المدنية في الدين تحكمًا مطلقًا، ليس هذا فحسب، بل حتى مظاهر العبادة التي يجب أن تكون تبعًا للدولة وفائدتها. وجاء بعده (ديفيد هيوم) الذي اعتبر الدين حاجة نفسية، و (فولتير) الذي نحا نفس المنحى، ووصل الأمر إلى (جان جاك روسو) الذي حث الدولة على إنكار الدين، وألا تسمح بوجود سلطة كنسية إلى جنبها، وحصر الدين في أمور هي: (وجود الله، العناية الإلهية، الثواب والعقاب) ، أي أنه أنكر الكتب والرسل وجميع الغيبيات - وسنجد ترديد صدى هذا الأمر لدى غلاة العلمانيين العرب المعاصرين -. وترابط هذا الاتجاه مع مذهب ديكارت، وتفاعل هذا التيار حتى شمل جميع أوروبا، إلى أن ظهرت العلمانية المفرطة في الإلحاد، ومن رموزها (سان سيمون) و (أوغست كون) ، والتي لا تعتبر أي قيمة لأي شيء إلا الشيء الخاضع للاختبار الحسي، وهكذا استبعدت بجلاء جميع الحقائق الروحية والغيبية، واهتز شأن العقل والبرهان العقلي، ودخل العالم في مرحلة المادية. وتبعه فلاسفة آخرون، إلى أن وصل الأمر إلى اعتبار الدين شرًا لا فائدة منه على الإطلاق، وأصبح مفهوم الدولة مناقضًا للدين، ووُضِع الإنسان مكان الله (وسنجد ترديد هذه الأقوال لدى غلاة العلمانيين العرب الذين يقولون بالديالكتيك والوحي الصاعد) . وتوج كل هذا الفكر (كارل ماركس) بمضمونه المادي الصرف الذي رفض معه كل دين، واعتبر الأديان أفيون الشعوب، وبدأت الحروب على الأديان، فتم إقصاؤها من مجالات التعليم والتوجيه والقِيَم، وحتى الممارسة الدينية الشخصية (١) .

стр. 18412

سبب قبول الاتجاه العلماني في الغرب: وسبب قبول هذا الاتجاه العلماني في الغرب هو تعرض الديانة النصرانية للتحريف، وإدخال الأغاليط البشرية في صلب مفاهيمها، وحشوها بالخرافات الوضعية، وما وصل إليه رجال الكنيسة من فساد، حتى أمسى الدين النصراني ورجاله في نظر المتنورين الغربيين صورة للخرافة، والظلم الاجتماعي، والفساد المتستر بهيمنة الغيبيات الدينية. ولقد عرفت العلمانية الأوربية - غير التيار المادي الملحد - تيارًا مؤمنًا بالله، استطاع فلاسفته - من أمثال هوبز Hobbes (١٥٨٨ - ١٦٧٩) ، ولوك Locke (١٦٣٢ - ١٧١٦) ، وليبينز Lebintz (١٦٤٦ - ١٧١٦م) ، وروسو Rousseau (١٧١٢ - ١٧٧٨م) ، وليسنج Lessinc (١٧٢٩ - ١٨٧١م) - التوفيق بين الإيمان بوجود إله خالق للعالم، وبين العلمانية التي ترى العالم مكتفيًا بذاته، فتحصر تدبير الاجتماع البشري في سلطة البشر المتحررة من شريعة الله، وكان هذا التوفيق مؤسسًا على التصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية. فالله، في التصور الأرسطي، واحد، مفارق للعالم، وخالق له، لكنه قد أودع في العالم والطبيعة الأسباب التي تدبرهما تدبيرًا ذاتيًّا، دونما حاجة إلى تدخل إلهي. فالعالم مكتف بذاته، تدبره الأسباب المودعة فيه، وهو وحده مصدر المعرفة الحقة، القابلة للبرهنة والتعليل، وتدبير الدنيا مرجعيته الإنسان - بالعقل والتجربة - دون رعاية أو تدبير أو تدخل من السماء - هكذا استندت العلمانية في تأسيس (دنيويتها) على التصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية - فهو مجرد خالق.. فرغ من الخلق.. وانحصرت عنايته بذاته، دونما رعاية أو تدبير للمخلوقات - كصانع الساعة، الذي أودع فيها أسباب عملها، دون حاجة لوجوده معها وهي تدور!.. وساعد العلمانية على الانتصار لهذه النزعة، التصور المسيحي لعلاقة الدين بالدولة، فهو تصور يدع ما لقيصر لقيصر، ويقف بالدين عند خلاص الروح ومملكة السماء، دون أن يقدم شريعة للمجتمع والدولة، الأمر الذي جعل (سجن) الدين في الكنيسة.

стр. 18413

هكذا نشأت العلمانية، في سياق التنوير الوضعي الغربي، لتمثل عزلا للسماء عن الأرض، وتحريرًا للاجتماع البشري من ضوابط وحدود الشريعة الإلهية، وحصرًا لمرجعية تدبير العالم في الإنسان، باعتباره (السيد) في تدبير عالمه ودنياه.. فهي ثمرة عقلانية التنوير الوضعي، الذي أحل العقل والتجربة محل الله والدين (١) . وسرت عدوى هذا الاتجاه وامتدت إلى الشرق الإسلامي، وحمله الذين درسوا من أبناء المسلمين في مؤسسات التعليم العلمانية، الذين انبهروا بتقدم الغرب في مجال العلوم الطبيعية، وظنوا أن مرد ذلك هو فصل الدين عن الدنيا، وأخذت المحافل الماسونية والأحزاب والجمعيات ذات الاتجاه الغربي اللاديني تنشره بين أبناء المسلمين بكل ما أوتوا من وسيلة دعائية وإعلامية وتعليمية. وزحفت العلمانية بقوة تنتشر بين المسلمين مع جيوش المستعمرين الغربيين ومدارسهم العلمانية، ومن معهم من المستشرقين. وقد ظهرت العلمانية في ظل حكم (كمال أتاتورك) في تركيا بشكل صارم وعنيف، وكشفت عداءها الشديد للإسلام. ثم ظهرت في كثير من بلدان العالم الإسلامي باسم فصل الدين عن السياسة، وأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين. وما تزال تظهر لهم تطبيقات في معظم بلدان العالم الإسلامي، ولو لم تحمل هذه البلدان شعار العلمانية بشكل سافر (٢) .

стр. 18414

كيف دخلت المبادئ العلمانية إلى المجتمع المسلم؟ وإذا كانت غزوة بونابرت (١٧٦٩ - ١٨٢١م) لمصر (١٢١٣هـ/١٧٩٨م) قد مثلت بداية الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لوطن العروبة - قلب العالم الإسلامي - بعد أن التف هذا الاستعمار حول هذا العالم - عبر أربعة قرون! - فإن هذه الغزوة قد تميزت عن سابقتها الصليبية (٤٨٩ - ٦٩٠هـ، ١٠٩٦ - ١٢٩١م) باستهدافها احتلال العقل، واستبدال الفكر، وتغيير الهوية - مع احتلال الأرض، ونهب الثروة، واستعباد الإنسان!.. فكانت العلمانية واحدة من الوافد الغربي في ركاب الغزاة.. وللمرة الأولى تترجم الكلمة الفرنسية (Laique) بكلمة (علماني) في المعجم الفرنسي العربي الذي صدر سنة ١٨٢٨م، الذي وضعه (لويس بقطر المصري) الذي خدم جيش الاحتلال الفرنسي بمصر، ثم رحل معه، ليدرس العامية المصرية في مدارس باريس!!.. ترجمت (اللائكية) بالعلمانية، من (العلم) نسبة إلى (العالم) باعتباره (الدنيا) المقابلة (للدين) . وفي كل موقع من بلاد الإسلام قامت فيه للاستعمار الغربي سلطة ودولة، أخذ هذا الاستعمار - شيًا فشيئًا - يحل النزعة العلمانية في تدبير الدولة وحكم المجتمع وتنظيم العمران محل (الإسلامية) ، ويزرع القانون الوضعي العلماني حيثما يقتلع شريعة الإسلام وفقه معاملاتها.. ففي الجزائر وتونس، أخذ الاستعمار الفرنسي في إحلال القانون الوضعي العلماني محل الشريعة الإسلامية وقانونها، وكذلك صنعت إنجلترا بمصر بعد أن احتلتها.. وعن هذا الغزو القانوني بالوافد العلماني يحدثنا عبد الله النديم (١٢٦١ - ١٣١٣هـ، ١٨٤٥ - ١٨٩٦) فيقول: (إن دولة من دول أوربا لم تدخل بلدًا شرقيًّا باسم الاستيلاء، وإنما تدخل باسم الإصلاح وبث المدنية، وتنادي أول دخولها بأنها لا تتعرض للدين ولا للعوائد، ثم تأخذ في تغيير الاثنين شيئًا فشيئًا.. كما تفعل فرنسا في الجزائر وتونس، حيث سنَّت لهم قانونًا فيه بعض مواد تخالف الشرع الإسلامي، بل تنسخ مقابلها من أحكامه، ونشرته في البلاد، واتخذت لتنفيذه قضاة ترضاهم، ولما لم تجد معارضًا أخذت تحول كثيرًا من مواده إلى مواد ينكرها الإسلام، توسيعًا لنطاق النسخ الديني، ولم نلبث أن جاريناها، (في مصر) وأخذنا بقانون يشبهه) (١) .

стр. 18415

لقد أدرك الاستعمار أنه لا يمكن أن يستمر ما لم يغير البنية الثقافية والتشريعية في الشعوب، فظهر الاستشراق خادمًا للاستعمار، وبدأت مرحلة التدليس وتشويه صورة الإسلام بإثارة شبهات مكشوفة. وقد وقف المسلمون من الاستشراق موقف المتحفز المستريب. فبالرغم من الهزيمة العسكرية والسياسية للعالم الإسلامي إلا أنه لم يُهزم في النواحي الشرعية، وظل العلماء صامدين محافظين على منهجهم العلمي في شتى العلوم الإسلامية: (القرآن - السنة - الفقه وأصوله) في صمود يُضرب به المثل. فظل ضمير الأمة وهويتها ثابتًا، وإن لم يتمكن العلماء من الانتصار إلا أنهم انتصروا في المحافظة على هذا التراث للمؤمنين الصادقين، ولو ترك المجال للمستشرقين لانتشر الفساد والإفساد وعمت البلوى. وبعد ذلك رأى الاستعمار أن يغرس هذه الأفكار في بعض أبناء جلدتنا، وهم التيار الذي انطلت عليه أفكار الاستشراق والعلمانية، فبدأت في الهند حركة (أحمد خان) التي قامت على الافتتان بالعلم الطبيعي، والتي ألغت القبول بالمعجزات والغيبيات وخوارق العادات، وجعلت النبوة غاية تحصل وتكتسب - وهذا ما نجد ترديده بعد أكثر من مائتي عام لدى حسن حنفي حول النبوة، وكونها درجة أعلى من الكهانة -. وتلقف بعده آخرون هذه الفكرة، وأخذت تروج وتروج حتى وجدنا مَن يدعونا إلى تتبع خطوات أوروبا حذو النعل بالنعل حلوها ومرها، كما ورد في كتاب (مستقل الثقافة) لطه حسين، وأشرب هؤلاء الأقوام هذه الفكرة في قلوبهم، فنجد أنهم في تزايد مستمر، وملكوا من الأبواق ووسائل الإعلام ودور النشر وغيرها ما يبثون بواسطته هذه الأفكار المسمومة، فتارة تلميح وتارة تصريح، إلى أن بلغ اليوم السيل الزبى، فبدؤوا بالتشكيك في العلماء وقذفهم بأبشع الأوصاف لفصل الناس عن علمائهم، ثم انتقلوا إلى التشكيك في رواة الأحاديث، ثم انتقلوا إلى التشكيك في الصحابة، ثم وصلوا إلى المصطفى ﷺ ، فمنهم من ادَّعى أنه جاء ليؤسس الدولة الهاشمية أو الدولة القرشية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اتهم بعضهم القرآن الكريم بالفوضى (محمد أركون) .

стр. 18416

أليست هذه خطوات بروتوكولات حكام صهيون والشيوعية والماسونية؟! ولو عدنا إلى مناهج هؤلاء لم نجد ثمة فرقًا بينها وبين المناهج المادية الصرفة، سواء نظرية (فرويد) أو (دارون) صاحب نظرية النشوء والارتقاء، وأصحاب نظريات علم الاجتماع أمثال: ماركس ونيتشه ... وجعلوا مناهج هؤلاء حكمًا على المناهج الإسلامية دون أن يبينوا لنا ما هو خطأ المناهج الإسلامية بنظرة موضوعية فاحصة، فقللوا من شأن علم الجرح والتعديل، ولم يأتونا ببديل، ونالوا من علم أصول الفقه دون بيان سبب، وتمسكوا بكتب التاريخ التي لا يصمد منها شيء أمام مناهج المحدثين، وأخذوا الروايات الواهية، والإسرائيليات، وتركوا صحيح الكتاب والسنة، وظنوا بذلك أنهم علماء ومجتهدون. وفي الحقيقة إننا نواجه حقبة زمنية تتكالب فيها علينا الأمم في شتى مناحي الحياة، وليس أمامنا إلا أن نتارص صفًّا واحدًا للدفاع عن ديننا، فنحن نواجه أشرس غزو فكري من الداخل والخارج. التمهيد للعلمانية في البلاد العربية: يدعي بعض العلمانيين أن الإسلام جاء استجابة لأوضاع تطورت داخل المجتمع العربي، سواء كانت اقتصادية أو بسبب قوة الشعور القومي، والتي اقتضت توحيد الديانات، واعتبرت عمل الحنفاء كان لتزكية هذا الاتجاه، بل وحاولت قطع علاقة الأحناف بسيدنا إبراهيم ﵊، بل والتشكيك في وجوده، ونسوا أن الرسالة (موجهة) للناس كافة، وأن نزول القرآن بلغة العرب ليس لسبب قومي بقدر ما هو لخصائص اللغة العربية، التي قال عنها العلامة عبد الحميد الفراهي الهندي: (وكانت العرب على غاية قصوى في تأثرهم بالكلام) . إلى أن يقول: (وشدة تأثير أقوالهم، فكأن كلامهم يحمل روحًا منهم، وكأن السامع يتأثر له من وجهين: من قوة المتكلم ومن اعتيادهم التأثير.. إلى أن يقول: فكان قولهم وسمعهم من القوة والإصابة كضربة سيف مرهف) (١) . وبالرغم من هذه الأقوال المنصفة يحاولون تضخيم تاريخ الجاهلية، وتصوير التاريخ الجاهلي بشكل حضاري، وأن التطور الطبيعي كان سيؤدي بالحتم إلى نفس المكانة التي نالوها بالإسلام، بل ادعى بعضهم أن الجاهلية هي جذور الشريعة (محمد سعيد عشماوي - خليل عبد الكريم) ، ولكن لا غرابة فعلي ناصر الدين يقول: (القومية بالنسبة إلينا نحن القوميون العرب دين له جنته وناره، ولكن في هذه الدنيا) (٢) . ويقول عمر فاخوري: لا ينهض العرب حتى تصبح العربية أو المبدأ العربي دينًا يُغار عليه كما يغار المسلمون على القرآن الكريم، والمسيحيون على إنجيل المسيح الرحيم (٣) .

стр. 18417

العلمانية والمجتمع الإسلامي والعربي: لقد نشأ المذهب الإلحادي العلماني في الغرب، فالظروف تختلف تمامًا عن ظروف العالم الإسلامي، لقد جاء ولم تكن ثمة تعاليم أو شريعة، ولقد جاء وهنالك طبقة لها مميزات منقطعة النظير، سواء دنيوية أو أخروية، عبر عنها القرآن الكريم بعبارة بليغة بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ، وحينما قال عدي بن حاتم ﵁ للمصطفى ﷺ : إنا لسنا نعبدهم، قال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟)) ، فقال: بلى. قال: ((فتلك عبادتهم)) . رواه أحمد والترمذي. إذن فقد كانت عبادة الطبقة الكهنوتية بهذا المفهوم موجودة، ولما كانت النصرانية لا تمتلك شريعة للعمران الدنيوي بشكل مجمل، وبالتالي تعاليم تنظم علاقة الإنسان ببقية المخلوقات، فلم تكن هنالك تعاليم اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو تربوية، فقد انبثقت هذه التعاليم من التسلط الكهنوتي وأضفت على تعاليمها قدسية الدين، الأمر الذي أوقف التطور والتقدم في جميع نواحي العلوم، فدخلت أوروبا عصر الظلمات. فهل واجهت العلمانية في ديار المسلمين ما واجهته في أوروبا؟ حينما قدم الاستعمار إلى ديار المسلمين لم يجد فراغًا تشريعيًّا، ولم يجد فراغًا خلقيًّا، ولم يجد فراغًا روحيًّا، ولم يجد فصلا بين الدنيا والآخرة، ولم يجد فصلا بين الدين والعلم، ولم يجد فصلا بين الدين والدولة، ولم يجد فصلا بين الروح والجسد، ولم يجد فصلا بين الفرد والمجتمع، ولم يجد أسرارًا وغموضًا في الدين، ففي الإسلام لا توجد أسرار، ولم يوجد تحقير للعقل. وللدلالة على ذلك نقارن بين ما قام به القديس (انسلم) عام (١٠٣٣ - ١١٠٩) رئيس أساقفة كنتربري، فيقول: (يجب أن تعتقد أولًا بما يُعرض على قلبك بدون نظر، ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت، فليس الإيمان وهو الوسيلة المفردة، في حاجة إلى نظر العقل، والكون وما فيه لا يهم المؤمن أن يجيل فيه نظره) (١) .

стр. 18418

فلنقارن بين هذا القول وقول علماء المسلمين، فمثلا الشيخ ابن تيمية ألف كتابًا أسماه: (درء تعارض صحيح المعقول مع صحيح المنقول) وهذا العنوان كافٍ لإبراز قيمة العقل في الإسلام، ونجد الإمام الغزالي يقول: (فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والأدواء، ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء، فأخلق بأن يكون طالب الاهتداء المستغني بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء، فالمُعرِض عن العقل مكتفيًا بنور القرآن مثاله المتعرض لنور الشمس مغمض الأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل مع الشرع نور على نور ) (١) . ويقول الإمام محمد عبده: (أول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي) ، فنحن نؤمن بالله بالعقل، فإذا آمنا بالله حقًا وجب اتباع الشرع الذي أنزله الله، فلا تعارض بين العقل والنقل، وإنما توهم التعارض ينشأ ممن يزعم أن الهوى عقل، وممن لا يحيط الإحاطة التامة بآيات القرآن وأحاديث المصطفى ﷺ ، وممن ينظر فقط من زاوية واحدة فالإسلام كل لا يتجزأ. في مثل هذا الجو وحينما أصرت الدول الاستعمارية على اعتبار أن ما صلح لهم بالضرورة يصلح لنا؛ اصطدمت بهذه العقيدة الأكثر شموخًا من عقائدهم الدنيوية أو الدينية، فروجت لها بكافة الأساليب، سواء باحتضان فئات من المسلمين وتعليمهم هذا الاتجاه، ثم إيصالهم إلى مراكز حساسة، خصوصًا في القنوات الثقافية والإعلامية، للتدليس على الناس بأن هذا هو طوق النجاة وطريق الحضارة للتخلص من التخلف، ففرضت الاتجاهات العلمانية سواء المعتدلة أو المتطرقة المغالية، فحصل الاصطدام الذي أدى إلى الازدواجية في نفسية المؤمن، فإذا لم يتواءم الإنسان مع ذاته ومعتقداته فأي حضارة سيبني، وإن لم يكن متوائمًا مع ذاته فكيف يتواءم مع مجتمعه؟ ثم وجدت فئات مختلفة من المسلمين، فئة رفضت بشدة، وفئة استسلمت، وفئة حاولت التوفيق، ولكن مع ازدياد الضنك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تفجر الرفض العنيف داخل المجتمع الإسلامي، وظهرت موجات التطرف، فمن المسؤول عن ظهور هذه الاتجاهات؟

стр. 18419

أليسوا هم مَن أوجد التطرف؟ ليس هذا فحسب، بل ينسون فعلتهم ثم يشيرون إلى أن الإسلام غير قادر على تمثل الحضارات، وأن الإسلام معيق للتطور، وهي دعوة يدحضها الواقع. فالدولة الإسلامية التي التزمت المنهج العلماني المغالي (تركيا) والتي تدخلت حتى في زي الناس وحريتهم في العبادة وتعليم القرآن، وظنت أنها بمجرد خلع الطربوش ولبس البرنيطة، وخلع الحجاب وتقصير الثياب تأخذ بأسباب الحضارة، نجد أنها بعد أكثر من (٥٠) عامًا من تطبيق هذا المذهب لم تقدم أي شيء في شتى المجالات الاقتصادية والتقنية والحضارية والثقافية، بالرغم من استخدام الحرف الأوروبي وإلغاء الحرف العربي، وبالرغم من الاستسلام الكامل للمذهب العلماني، إلا أن أوروبا مازالت ترفضها ولا تعتبرها منها بالرغم من أن إخلاصها للعلمانية كان أشد إخلاصًا من الأوروبيين للعلمانية. وتثور اليوم صيحات عن الصدام الحضاري، ولأول مرة في التاريخ نسمع باصطدام حضاري، فالحضارات المادية لا تتصادم ولكن تتكامل، فالعلم حقيقة علمية تُكتشف وتُبنى عليها حقيقة أخرى وهكذا. فالاصطدام إذن ليس صدامًا حضاريًّا، وإنما هو صدام مفتعل بين من يرغب في فرض نموذجه على الآخرين، وفرض الدواء الذي قد يناسب جسمه على من لا يناسبه هذا الدواء. وحينما يقولون ويحتفلون بالتنوير الذي أتانا مع حملة نابليون، فإن كان ثمة تنوير فقد كان عندهم وبالنسبة لهم، أما في تلك العصور فكنا نعيش أزهى فترات حياتنا، فإن كان الدين عندهم كما قال (فرانسيس بيكون) : (الدين يحد من كل ألوان المعرفة) (١) ، فالدين عندنا يفتح جميع أبواب المعرفة. فإذا لم يكن لديهم وحي مقدس، واعتبروا أن الطبيعة هي الوحي المقدس، فوحينا ولله الحمد محفوظ موثق لا يتعارض مع العقل أو المنطق.

стр. 18420

فإذا كان (هوبس) يقول: (ليس في الوجود إلا ذرات في فراغ) (١) ، فنحن نقول: الله واجب الوجود، خلق جميع المخلوقات، فحتى (فولتير) حينما عاد إلى شيء من صوابه في آخر أيامه دعا إلى دين وقال: (إن الطبيعة بأسرها تصيح فينا إنه موجود فعلا) (٢) . فإذا كان التنوير الذي يشيرون إليه إبان الثورة الفرنسية، وقالوا إنهم أنزلوا الله من ملكوته مع إنزالهم أسرة البدبون عن عرشها (الحكام) فنحن لم نعبد قط حاكمًا. وبعد هذا فليفعل العلمانيون ما شاؤوا أن يفعلوا، فالإيمان مغروس في قلوب المسلمين وفي أرضهم، قد يضعف المسلمون ولكن لا يضعف الإيمان وتعلمنا من التاريخ عِبَرًا كثيرة. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . الارتباط بين العلمانية والدراسات الاستشراقية: الكاتب (عبد الهادي عبد الرحمن) في كتابه (سلطة النص) ، يتجه للدفاع عن ظاهرة الاستشراق، معتبرًا أنه لا شيء يمنع الغرباء من نقد تراثنا؛ لأنهم بذلك يكشفون لنا عيوبنا فنعمل على إصلاحها وتجاوزها، فيقول: (ومن هذا الحق العام خرجت علينا مناهج الاستشراق الجديدة تفعل فعلها في تاريخنا وتراثنا، وهناك من اعتبرها عدوة له، فانبرى يستخدم ما في جعبته من أدوات قديمة، وانبرى البعض أحيانًا بالشتائم غير متصورين بأنه من الممكن (لغريب) أن يمس مقدسهم، وكأنه ليس من المطلوب أن يأتي الآخر ليتلصص على عيوبنا ونواقصنا، أو حتى مزايانا فالبيوت أسرار) (٣) . أما (خليل عبد الكريم) فقد تبنى آراء المستشرقين في طعنه في الفتوحات الإسلامية. ومما يؤكد أن آراء المستشرقين في الفتوحات هي التي اتبعها خليل عبد الكريم كما جاء في عباراته وتحليلاته واستنتاجاته: هذه الأراء لـ (فيليب حتّي) ، وهو من كبار المستشرقين الباحثين في الحضارة الإسلامية حيث يزعم ويقول: إن من الدوافع التي دفعت المسلمين إلى الفتح هي الجزية، فيقول: (فإن العرب في حروبهم خارج الجزيرة كانوا يعرضون على أهل الكتاب من يهود ونصارى أمرًا ثالثًا غير القرآن والسيف، هو أقرب إلى مطامع المحاربين وأصلح لهم من كلا الأمرين الأولين - الجزية) (٤) .

стр. 18421

وها هو (خليل عبد الكريم) يؤكد هذا الهدف للفاتحين المسلمين فيقول: (ونسلط الضوء على عجز الخبر، وهو إجهاض الغازين العرب لأهل فارس عن كرائم أموالهم، فاستدلوا عليها وعلى سائر ما في قصور كسرى وما جمعه شيرين ومن بعده من تحف وكنوز - ونهديه وأمثاله التي تبلغ مئات إلى الذين مازالوا يصدقون ما قاله ربعي، من أنهم ما أتوا إلا لهدف يتيم وهو إخراج أهل البلاد المغزوة من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد) (١) . ومن هذا القبيل إشادة (سيد القمني) برأس المنافقين (ابن سلول) : فالكاتب يشيد بعبد الله بن أبي بن سلول الذي وصفه القرآن بالنفاق، فيصفه هذا الكاتب بالحنكة العسكرية والسياسية، والترفع عن المغانم والأنفال، حيث يقول: هذا بينما كان (عبد الله بن أبي بن سلول) ذلك الذي تصفه كتب السيرة بأنه زعيم المنافقين، يرى غير ذلك، والجهاد عنده هو الجهاد سواء داخل المدينة أم خارجها، ولا يجد - وهو الرجل الموسر - في المغانم رغبة، قدر ما كانت نظرته تقدم على رؤية تعمل الخبرة القتالية، والحكمة العسكرية) (٢) . أهداف العلمانيين ووسائلهم: انتشر في صفوف الأجيال الحديثة من أبناء المسلمين الكثير من الأفكار المشوهة عن الإسلام وتاريخه، ولا شك أن هذه الأفكار من آثار مكايد المستعمرين والمستشرقين والملحدين أعداء الإسلام، ومن ورائهم الكيد اليهودي الذي يقف دافعًا ومحركًا لها.

стр. 18422

لقد وفد هؤلاء إلى ديار الإسلام محملين بمهمات عديدة لعل أهمها: ١ - هدم الإسلام في عقيدته وعباداته ونظامه. ٢ - تشويه صورة الأمة الإسلامية وتاريخها بالافتراءات، وتزوير الحقائق وإلقاء الشبهات. ٣ - خداع الشعوب الإسلامية بربط صور التقدم الحضاري والمدني بهدم الإسلام، وربط صور التخلف بالتمسك بالإسلام. ولتحقيق تلك المهمات اتبعوا وسائل متعددة منها: ١ - تزيين الأفكار التي يريدون غزو المجتمع المسلم بها لإقناع أبناء الإسلام بأنها نافعة ويجب اتخاذها منهجًا لحياتهم. ٢ - تشويه عقائد المسلمين وأفكارهم لتنفير أبناء المسلمين منها وتقبيح صورة الإسلام في نفوسهم (١) . وللمقارنة بين تلك المبادئ وبين ما يعتمد عليه علمانيو العصر لابد لنا من الوقوف على المغالطات الجدلية التي يلجأ إليها الملحدون من شيوعيين وماسونيين ويهود مستشرقين: ١ - تعميم أمر خاص: والمغالطة بالتعميم الباطل تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل. ويستطيع المضللون التأثير على جماهير الناس بهذه المغالطات، لأن من طبيعة هذه الجماهير أن تصدر أحكامًا تعميمية، وأن تقبل أحكامًا تعميمية، متى شاهدت أمثلة مطبقة على بعض أفراد العام، وذلك في نظراتهم السريعة السطحية وغير العلمية، وهي النظرات التي ليس فيها أناة، ولا عمق، ولا بصيرة، لا تتبع ولا استقصاء، ولا منهجية برهانية.

стр. 18423

وسنجد أمثلة على ذلك في أقوال علمانيي اليوم. ٢ - تخصيص أمر عام: وذلك بالنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل. ٣ - التدليس: وهو ضم زيادات وإضافات ليست في النص أو الموضوع أو البحث الأصلي مغالطة وتضليلا. ٤ - حذف ما يغير حذفه المعنى المراد، ومنه الاقتصار على ذكر بعض النص. ٥ - التحريف أو التصحيف في النص: إذا كان ذلك يغير المعنى، ويخدم غرض المغالط المحتال. ٦ - التلاعب في معنى النصوص لإبطال حق أو إحقاق باطل. ٧ - كتمان نص أصلي أو أقوال صحيحة، وعدم التعرض لها مع العلم بها (١) . وكل هذه النقاط سنجدها في النماذج التي سنوردها لاحقًا من أقوال علمانيي العصر. مظاهر العلمانية: وقد لبست العلمانية رداءين: أحدهما: يتظاهر بالحياد تجاه عقائد الدين وعباداته المحضة، وما أرادوا حصر الدين فيه واعتبروه من دائرة تخصصه، ويتظاهر بأنه لا يريد إلغاء الدين إلغاء كليًّا، إنما يريد حصره في مجالات تخصصه، أما تدخله في شؤون الحياة الدنيا فهو تدخل يفسدها، ويعوق مسيرتها وتقدمها وارتقاءها. ويزعم لابسوا هذا الرداء - كذبًا وافتراء على الدين الحق - أن تعاليم الدين في شؤون الحياة غير صالحة، لأنها غير علمية ولا عقلية.

стр. 18424

وثانيهما: يعلن حربه وعداءه للدين كله، ويسعى بكل ما أوتي من حيلة وقوة لإلغائه إلغاء كليًّا، وجعل المادية ومفاهيم التطور الذاتي للكون والإلحاد بالله ، والكفر بكل القيم الدينية، هي العقيدة السائدة في كل المجتمعات الإنسانية. فهي مع تظاهرها بهذا الحياد النسبي الجزئي تشجع الدراسات الفلسفية المعادية للدين وتتبناها، وتشجع المذاهب الفكرية القائمة على الإلحاد والكفر بكل الأديان وتتبناها. فالعلمانية شعار يتستر بالعلم، وبالتزام ما تثبته الحقائق العلمية، ويوحي ضمنًا أو يعلن صراحة أن الدين يتناقض مع العلم. مخططات العلمانيين: ولو عدنا إلى مخططات أعداء الإسلام لنأخذ منها مثالا للوثائق التي تؤكد عداءهم للدين وكيدهم له، فمما ورد في وثيقة للحركة الشيوعية: ١ - الحيلولة دون قيام حركات دينية في البلاد، مهما كان شأنها ضعيفًا، والعمل الدائم بيقظة لمحو أي انبعاث ديني، والضرب بعنف لا رحمة فيه لكل مَن يدعو إلى الدين ولو أدى إلى الموت.

стр. 18425

٢ - تشجيع الكتَّاب الملحدين، وإعطاؤهم الحرية كلها في مواجهة الدين، والشعور الديني، والضمير الديني، والعبقرية الدينية، والتركيز في الأذهان على أن الإسلام انتهى عصره - وهذا هو الواقع - ولم يبقَ منه اليوم إلا العبادات الشكلية التي هي الصوم والصلاة والحج وعقود الزواج والطلاق، وستخضع هذه العقود للنظم الاشتراكية. ٣ - قطع الروابط الدينية بين الشعوب قطعًا تامًا، وإحلال الرابطة الاشتراكية محل الرابطة الإسلامية، التي هي أكبر خطر على اشتراكيتنا العلمية. ٤ - تحطيم القيم الدينية والروحية، بإظهار ما فيها من خلل وعيوب، وتحذير للقوى الناهضة. ٥ - نشر الأفكار الإلحادية، بل نشر كل فكرة تضعف الشعور الديني، والعقيدة الدينية (١) . ومما جاء في بروتوكولات حكام صهيون: (لا تتصوروا أن كلمتنا جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح (داروين) و (ماركس) و (نيتشه) ، والأثر غير الأخلاقي لاتجاه هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحًا لنا على التأكيد ... ) . (يجب علينا أن ننتزع فكرة الله ذاتها من عقول الأميين (الجوييم = غير اليهود) وأن نضع مكانها عمليات حسابية ورغبات مادية ... ) (٢) . فإذن هذا مخطط مرسوم منذ أمد بعيد ... وبعد هذه الجولة السريعة في أفكار الماسونية والشيوعية سنجد ارتباط تلك المبادئ والدعوات التي يطلقها العلمانيون اليوم، كما سنجد ذلك من خلال الأمثلة التي ستطرح ضمن هذا البحث.

стр. 18426

مناقضة العلمانية للفطرة الإنسانية: - إن هذه الموجة التي تجابه الإسلام متمثلة في المذاهب الإلحادية كالشيوعية والماسونية والعلمانية تجعل الدين عدوًّا لها، ولذلك فهي تخطط لنسف الأديان جميعها، وهذا ما يتنافى مع الطبيعة الإنسانية وبنية المجتمعات، إذ لا يمكننا أن نتصور وجود أمة بغير دين مخالفين الطبيعة الإنسانية المفطورة على الدين بشهادة علمائهم. حيث يقول أحد المؤرخين (بلوتارك) : (من الممكن أن توجد مدن بلا أسوار وبلا ثروة وبلا آداب وبلا مسارح، ولكن لم يَرَ الإنسان قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها الصلاة) . - إن تاريخ الإنسان هو تاريخ الإيمان وليس تاريخ الإلحاد ... ولهذا قال بعض الباحثين: إن الإلحاد ينبعث من العقائد التي تصادم الفطرة وتعارض العقل، وتخالف العلم أو طبائع الأشياء. والإلحاد يناقض الفطرة الإنسانية مناقضة حادة! لأن نوازع الإيمان أصيلة في النفس الإنسانية وليست عارضة. أو بعبارة أخرى: هي جزء من خلق الإنسان وتكوينه، وليست من صنع المجتمع أو التاريخ، ولذلك فإن الإنسان لو خُلي وشأنه لاختار الإيمان. ولا شك في أن الإنسان من حيث هو مخلوق فيه دلالة على الخالق جل وعلا. قال النبي ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) ولم يقل النبي ﷺ : ((أو يسلمانه)) ، لأن الإيمان بالله الواحد الأحد - جل وعلا - هو دلالة الفطرة والخلق الإلهي. والإلحاد ليس عقلا أو علمًا أو منزعًا إنسانيًّا، ولكنه تكلف ومناقضة وتشويه! فإذا لاحظنا أن النبي ﷺ لم يقل كذلك: ((أو يلحدانه)) - أو يزندقانه مثلا - أدركنا كذلك أن هذه المناقضة لا تبلغ في الغالب أو عبر العصور الإنسانية بعامة حد الخروج عن الدين، أو إلى ساحة لا يكون فيها الإنسان بغير دين.

стр. 18427

وتأتي الآية التالية محكمة الدلالة على هذه النقطة، وعلى ما تجب الإشارة إليه من باب الفطرة والتدين بوجه عام، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] . فقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ وكل مكلف من بعده - بإقامة وجهه للدين، أي بأن يتجه ويلتفت تلقاء الدين ونحوه. وإقامة الوجه - كما يقول المفسرون - (هو تقويم المعتقد، والقوة على الجد في إعمال الدين) . وهذا شاهد من الغربيين يصرح بذلك: يقول الفيلسوف آرنست رينان: (إنه من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطلَ حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي - الإلحاد - الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية) . وجاء في معجم لاروس للقرن العشرين: (إن الغريزة الدينية مشتركة بين جميع الأجناس البشرية، حتى أكثرها همجية وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية) (١) . إن التصور الإسلامي لنطاق عمل الذات الإلهية يتعدى حدود الخلق للمخلوقات، إلى حيث يكون الله أيضًا الراعي والمدبر لكل عوالم وأمم وعمران المخلوقات.

стр. 18428

لقد سفه القرآن الكريم تصور الوثنية الجاهلية - وهو ذاته التصور الأرسطي - لنطاق عمل الذات الإلهية فهو في التصورين مجرد خالق، بينما التدبير للدنيا والعمران موكول - في الأرسطية - إلى الإنسان والأسباب المودعة في الطبيعة وظواهرها - وهو - في الوثنية الجاهلية موكل إلى الشركاء والأصنام والطواغيت. سفه القرآن الكريم هذا التصور عندما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] فجعل الخلق لله، والتدبير لغير الله تصور جاهلي مرفوض. وفي مقابل ذلك يقدم الإسلام تصوره لنطاق عمل الذات الإلهية: خالق كل شيء.. ومدبر كل أمر.. حتى ما هو مقدور للإنسان، وداخل في نطاق قدرته وإرادته وفعله، هو فيه خليفة لله يدبره الإنسان، بإرادة إلهية، وتكليف شرعي.. فلله - في التصور الإسلامي - (الخلق) و (التدبير) جميعًا!.. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١) . العلمانية ودعوى التناقض بين العقل والدين، وبين العلم والدين: أولًا: ادعاؤهم وجود التناقض بين العقل والدين (ولكن أي دين؟ الدين الذي كان سائدًا لديهم) ، وبنوا على هذا الادعاء الباطل مقولتهم التي تتضمن ما يلي: بما أن العقل ميزانه صحيح يدرك الحق حقًّا والباطل باطلا ويكشفهما، فالدين هو الذي ينبغي طرحه وعدم الاعتماد عليه. ويتجرأ الوقحون منهم فيقولون: (إن الدين خرافة وأوهام من صناعة أوهام الناس، أو من اختلافاتهم لخدمة مصالحهم) .

стр. 18429

ثم أخذوا يمجدون العقل والمذهب العقلي، وراجت في هذا الاتجاه كلمة (العقلانية) . ثانيًا: ادعاؤهم وجود التناقض بين العلم والدين، بعد أن حصر الاصطلاح الغربي الحديث اسم (العلم) في المعارف التي تقدمها وسائل الملاحظة والتجربة الحسيتين، والتطبيقات ونتائجها، وحصر اسم (المنهج العلمي) بهذه الوسائل. وبنوا على هذا الادعاء الباطل مقولتهم التي تتضمن ما يلي: بما أن الوسائل العلمية الإنسانية تكشف عن الحقائق بيقين، نظرًا إلى ما تشتمل عليه من المشاهدات والإدراكات الحسية، والتجارب والتطبيقات، فالدين هو الذي ينبغي طرحه وعدم الاعتماد عليه، ويجب الأخذ بالمناهج والوسائل العلمية الإنسانية. ويتجرأ الوقحون منهم فيقولون: إن الدين خرافة وأوهام من صناعة أوهام الناس، أو من اختلافاتهم لخدمة مصالحهم، أو إن الدين أفيون الشعوب. ثم أخذو يمجدون العلم - وفق مصطلحهم الحديث - والمذهب العلمي التجريبي، ويرفضون الدين رفضًا كليًّا، أو يعزلونه عن شؤون الحياة، ويحصرونه في دوائر صغيرة جدًا، غيبية أو تعبدية، وراجت في هذا الاتجاه كلمة (العلمانية) . * ولتثبيت دعوى التناقض بين العقل والدين، وبين العلم والدين، والاقتناع بأن ذلك واقع فعلًا؛ استغل أعداء الدين ما يلي: ١ - أغاليط رجال الكنيسة النصرانية في مجالات العلوم الكونية، وتفسيرات ظاهرات العالم المادي، وفي المجالات الفكرية الفلسفية، والتي نسبوها إلى الدين وأضافوها إليه افتراء أو جهلا. ٢ - أغاليط اليهود وتحريفاتهم وافتراءاتهم على دين الله، والتناقضات الموجودة في التوراة من حيث التواريخ والحقائق العلمية. ٣ - خرافات أديان أخرى محرفة عن أصولها المنزلة. ٤ - خرافات أوضاع بشرية سمت أنفسها أديانًا وهي لا تمتُّ بصلة إلى دين رباني، لا في تفريعاتها ولا في أصولها. ٥ - أغاليط مفسري وشراح النصوص الدينية، وما يجزمون بنسبته إلى الدين من دلالات نصوص دينية غير ثابتة قطعية، ومن كتب غير محققة كالتواريخ. وهكذا انطلق هؤلاء من المذهب المادي المعتمد على التجربة الحسية، وحاولوا تطبيقه على التاريخ والعلوم الإنسانية، وهذا خطأ شديد لأن مناهج البحث تختلف من علم لآخر. وهذا هو أساس خطئهم سواء عن قصد أو عن سوء نية.

стр. 18430

وللحقائق العلمية طرق إثبات أخرى، وطرق إثبات الحقائق العلمية في الفكر الإسلامي تتلخص بما يلي: ١ - المعرفة المباشرة: وهذه تكون بالإدراك الحسي، ولو بوسائل الأجهزة والآلات والأدوات الصناعية أو الطبيعية. ٢ - الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية، وهو منهج إدراك الغيبيات التي لا تخضع للتجريب، والأمور الوجدانية. ٣ - الخبر الصادق، وهو قسمان: - إنساني يعتمد على الناس في نقل الأخبار والمعارف المختلفة، بعضهم عن بعض (وهو التواتر المفيد للعلم) . - عن طريق الوحي الرباني الذي يختص الله به المصطفين من عباده، وثقة الناس بمن يبلغ من الناس عن الوحي مباشرة، مشروطة بأن يكون مؤيدًا من الله بالمعجزة، فالمعجزة للنبي بمثابة الشهادة من الله بالصدق فيما يبلغ عنه. * وعلى هذا فالمقابلة ليست بين الدين والعلم، ولكن بين طرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين، وطرق اكتساب العلم بالوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية، وهذا من أكبر أخطائهم المنهجية. ولا غرو أن الوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية لاكتساب المعارف، هي منحة من الله لعباده، حتى يستخدموها في اكتساب العلوم المختلفة، ولذلك كان الإنسان مسؤولا عنها عند الله في مجال اكتساب العلم، والدليل على ذلك قول الله في سورة الإسراء ١٧: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١) . * وبهذه المناسبة نتذكر أن النصرانية لما سقطت في طائفة من المفاهيم الباطلة الدخيلة على أصل الدين، والمخالفة له، والمناقضة لأصول العقل والعلم الصحيح، حاولت أن تتخلص من ورطتها هذه بمقولتها المشهورة: (الدين لا يخضع للعقل) ، وأطلق علماؤهم بين أتباعهم كلمتهم المأثورة: (أطفئ مصباح عقلك واعتقد وأنت أعمى) . وحرموا التفكير والنظر في مسائل الدين، وفرضوا عليهم التسليم الأعمى بالإله المثلث، دون مناقشة ولا نظر.

стр. 18431

خطؤهم في فهم جوهر الإسلام: - إن الإسلام في المجتمعات الإسلامية هوية وذات وضمير، وليس توجها إيديولوجيًّا يمكن التخلي عنه، أو تفريغ المجتمعات الإسلامية منه؛ لأنه مرتبط بالحياتين الأولى والأخرى، وإن محاولة استلاب الإسلام من هذه المجتمعات أو استلابهم منه خطأ يقع فيه الغرب وأتباعهم من العمانيين، حتى مقولتا الصدام الحضاري ونهاية التاريخ التي ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ما هما إلا مقولتان أملتهما الغطرسة المادية الغربية وعقدة التفوق المؤقت، والتي لا يعلمون أنها مؤقتة وهي مساوية لعقدة الضعف التي يعاني منها المنسلخون عن ضمير الأمة. لذا فالحديث عن الاتجاه الإسلامي أو الإسلاميين، يجب أن يعي الفرق الكبير بين التوجه الإيديولوجي والديني، وأن صرف أخطاء فئة من الغالين أو مَن يسمونهم المتطرفين من الخطأ سحبهما على السواد الوسطي الأعظم، والذي سماهم ربهم مسلمين ووصفهم بالوسطية. - وأعجب ما في أمور العلمانية رفعها شعارات ولافتات، يستخدم بريقها لمصالحهم فقط، وليس لنشر العدل والمساواة. فأين الديمقراطية حينما يتحكم اللوبي الصهيوني في قرار أعظم دولة ضد مصالح الناخب؟ وأين احترام حقوق الإنسان من حقوق اللاجئين؟ وأين حرية المرأة في اختيارها لحجابها والرجل لزيه؟ ليس هذا فحسب، بل أين حرية اختيار الإنسان لدينه وممارسته حقه في تعلم أمور دينه، بل في تعلم أساسها: القرآن الكريم. لذا فإن الشعوب العربية والإسلامية يزداد فيها التمسك بالدين، لا يمكن اعتبار هذا التمسك أصوليًّا أو توجهًّا سياسيًّا أو حزبيًّا إنه اختيار للهوية، والمكون الأساسي لضمير المسلم، وأكبر دليل على ذلك هو بقاء الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفييتي على إسلامها، بل قيامها على تحفيظ القرآن لأبنائها سرًّا، وكذلك الحال في تركيا، وعندما انهار الستار الشيوعي فإذا المسلمون كما هم، وكذلك سيكون الحال في جميع المجتمعات؛ لأن الإسلام دين رباني وليس إيديولوجية بشرية.

стр. 18432

ومن مفارقات الأمر أن المسلمين هم الذين يطالبون بالتمسك بحرية العقيدة، وهم الذين يطالبون بالعدل والمساواة، ولكن طالما أن هذه المبادئ ستؤدي إلى مصلحة الإسلام فلا غرابة أن تشوه صورهم بالاتهام بالتطرف والإرهاب وممارسة القمع عليهم. - لقد دأب المستغربون من أبناء المستشرقين على ترديد عبارة أن الإسلام انتشر بقوة السلاح، مع أن مقولات الغربيين مثل غوستاف لوبون (وهو غربي) تؤكد أن الإسلام لم يفرق بين العرب والعجم، فيقول: (إن وجود أعراق مختلفة في كافة الأراضي التي فتحها الإسلام كانت له نتيجة أخرى، وهي أن العرب اضطروا للاختلاط بالشعوب التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها، صحيح أنهم اختلطوا بأعراق لم تكن أدنى منهم بكثير، مثل مسيحيي إسبانية، وقد كان بإمكان العرب أن يكتسبوا منهم بعض القدرات، ولكن اختلطوا بأعراق أدنى منهم بكثير، مثل شعوب آسيا وإفريقية، ولم يكن العرب إلا من الخاسرين، وفي الحالتين كان من شأن هذا التقاطع أن يؤدي في نهاية الأمر إلى تحطيم السمات التي كانت تطبع العرق العربي، إلى أن يقول: إن جعل العديد من الشعوب المنتمية إلى أعراق مختلفة وتحمل مشاعر متمايزة عن بعضها البعض تعيش سوية، إنما هو مشروع شديد الصعوبة، ولا يمكن في أغلب الأحيان أن يكون ممكنًا إلا بفعل إكراه شديد القسوة، إلى أن يعترف أخيرًا بقوله: والمؤسسات التي حملوها معهم إلى الجوار ثم القبول بها بسرعة شديدة جعل كافة الذين اعتنقوا الإسلام يُعامَلون من قِبَل العرب على قدم المساواة، كان ذلك هو ما ينص عليه القرآن، ولم يكن الفاتحون راغبين في خرق هذا النص ) . اهـ (١) . فالإسلام ارتقى عن أدران القومية العرقية، لأنه رسالة إلهية إلى الإنسانية، فجعل الالتفاف حول الدين بكل ما فيه من قِيَم لا يمكن أن توصف إلا بأنها قمة إنسانية، فتجمُّع المسلمين على مفهوم حضاري وليس عرقيًّا تعصبيًّا، وعليه فإن ما يذهب إليه العلمانيون من انتشار اللغة العربية وبالتالي الإسلام كان بالإكراه مقولة مدحوضة، فقد غُزيَت هذه المجتمعات بدول وديانات وثقافات أخرى، فلماذا انخذلت وبقيت اللغة العربية وبقي الإسلام حتى بعد انحسار الدولة الإسلامية؟.

стр. 18433

مرتكزات العلمانيين في دعاويهم: ١ - هم يدعون أن الدين يجعل من رجال الدين طبقة تدعي الحكم باسم الله، فإن صح هذا الأمر في الدول غير الإسلامية فهو غير صحيح ألبتة في بلاد المسلمين، فلا توجد طبقة تسمى رجال الدين، ولا يوجد رجال كهنوت، والإسلام ليس فيه سر يتداول بين رجال الدين فقط، وليست هناك امتيازات لعلماء الدين، وإنما هنالك حقل من الدراسات يتخصص فيه العلماء باعتباره علمًا، وليست أسرارًا، لذا فهو عالم من علماء الدين شأنه شأن علماء الهندسة والطبيعة وغيرها، ولم يوجد في الإسلام كهنوت، ولم يوجد فيه تنافر بين الدنيا والدين أو بين العلم والدين، فعقيدة التوحيد الحامية لهذا الدين فصلت بين الخالق والمخلوقات، بل لطالما حث الإسلام بنصيه الأصليين (الكتاب والسنة) على التدبر والتفكر ودراسة السنن الكونية التي أبدعها الله ، ولم يكن هنالك فصل بين السياسي وغير السياسي أمام الأحكام الشرعية، فالجميع سواسية أمام الشرع، ولم يحصل افتراق في الفقه الإسلامي بين عمل الدنيا وعمل الآخرة، فالحكم الفقهي يجري على الجميع، ولم يتولَّ العلماء السلطة والحكم من بعد عصر الخلافة الراشدة إلا في أحيان قليلة كان الخليفة فيها عالمًا بالدين (كعمر بن عبد العزيز وأبي جعفر المنصور) . نعم، لقد كان ثمة فساد في بعض العصور في الحكم، ولكن لم يكن للفقهاء دخل في ذلك، بل لقد عانى الفقهاء والعلماء من القهر والحبس والقتل قبل عامة الناس، وإن الدراسة الفاحصة لسيرة حياة الأئمة الكبار تكشف ما عانوه، لقد ضربوا أروع الأمثال في صمودهم أمام الانحراف والتسلط، ووقوفهم إلى جانب الدين، وبالتالي إلى جانب المجتمعات. ٢ - وهم يدعون تحجر الأحكام الشرعية. وهذا أكبر خطأ يقعون فيه، بعد أن تعترف المجامع الدولية بمرونة الفقه الإسلامي، ومواكبته للتطورات العصرية وصلاحيته لكل زمان ومكان، مثل: أ - مؤتمر القانون الدولي المقارن الذي عقد في هولندا عام ١٩٣٢م: الذي اعتبر الشريعة مصدرًا من مصادر التشريع العام، واعترف أن الشريعة صالحة للتطور.

стр. 18434

ب - مؤتمر المحامين الدولي بلاهاي عام ١٩٤٨م: حذا حذوه. جـ - جمعية القانون الدولي العام: اعتبرت العالم محمد بن الحسن الشيباني رائدًا أولًا للقانون الدولي العالم. د - أسبوع الفقه الإسلامي في باريس: الذي قال في ختامه نقيب المحامين رئيس المؤتمر: (لا أدري كيف أوفق بين ما كان يصور لنا من جمود الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، وعدم صلاحيتها كأساس لتشريعات متطورة، وبين ما سمعته في هذا المؤتمر، مما يثبت بغير شك ما عليه الشريعة الإسلامية من عمق وأصالة ودقة وكثرة تفريع، وصلاحية لمقابلة جميع الأحداث) (١) . ذلك أن الشريعة الإسلامية لم توضع لتحمي مصالح فئة دون فئة، كما أن الاجتهاد الإسلامي يجد شرعيته في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... ﴾ [النساء: ٨٣] . وهذا ما يعطي الشريعة والفقه الإسلامي قدرة فائقة على استيعاب المتغيرات والمستجدات، ومنها القياس بشقيه الخفي والجلي، والمصالح المرسلة، والاستحسان ودرء المفاسد، بل زبدة العلم المتمثلة في القواعد الفقهية الكبرى التي لم أجد في أي قانون وضعي ما يماثلها. ٣ - وتدعي العلمانية أن الإسلام يميز بين المواطنين بسبب اختلافهم الديني مع أن الإسلام لم يجبر أحدًا على دخول الإسلام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . بل المعاملة الكريمة التي يحظى بها غير المسلم في ديار المسلمين، وأكبر دليل عليها وجود الأقليات الكثيرة في ديار المسلمين ينعمون بحرياتهم، مما حدا بكثير من الطوائف التي عانت من محاكم التفتيش في أوروبا إلى اللجوء إلى الدولة الإسلامية. ولم تجبر الشريعة الإسلامية في أحكام الأحوال الشخصية ولا العبادات غير المسلمين على اتباع الأحكام الإسلامية.

стр. 18435

٤ - ويتهمون الإسلام بأنه عائق أمام التقدم! فمتى وقف الإسلام في وجه تقدم العلوم الطبيعية؟ ألم تبرز حضارة دامت أكثر من ثمانية قرون تحت ظل الإسلام، وأفرزت علماء كانوا حلقة وصل بين الحضارات السابقة واللاحقة؟! ويكفي للدلالة على ذلك ما اعترف به ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز في محاضرته الشهيرة بجامعة أكسفورد، حيث قال: (لا يزال الغرب يعاني من الجهل الكبير بشأن ما تدين به حضارتنا وثقافتنا للعالم الإسلامي، إنه نقص نعانيه من دروس التاريخ ضيق الأفق الذي ورثناه، فالعالم الإسلامي في القرون الوسطى من آسيا الوسطى إلى شاطئ الأطلسي كان يعج بالعلماء ورجال العلم، ولكن بما أننا رأينا في الإسلام عدوًّا للغرب، وكثقافة غريبة بنظام حياتها ومجتمعها، فقد تجاهلنا تأثيره الكبير على تاريخنا) . ثم تحدث الأمير تشارلز بعد ذلك عن عطاء الإسلام للغرب في العلوم والفلك والرياضيات والقانون والتاريخ والطب والزراعة والهندسة المعمارية والدين والموسيقى. ثم أضاف قائلًا: (كثيرة هي السمات واللمسات التي تعتز بها أوروبا الحالية، التي هي فعلا مقتبسة من إسبانيا المسلمة: الدبلوماسية، والتجارة الحرة، والحدود المفتوحة، وأساليب البحوث الأكاديمية في علم أصل الإنسان، والإتيكيت، والأزياء، والأدوية البديلة، والمستشفيات. هذه الإضافات وصلتنا من هذه المدنية العظيمة) . (لقد أسهم الإسلام في حضارتنا التي كثيرًا ما نعتقد خطأ أنها حضارة غربية كليًّا) . (إن الإسلام جزء من ماضينا ومن حاضرنا في جميع ميادين الجهد البشري، لقد ساعد الإسلام على تكوين أوروبا المعاصرة. فهو جزء من تراثنا وليس شيئًا مستقلا بعيدًا عنا) وأهم ما قاله بوصفه رئيسًا للكنيسة البروتستانتية: (وأكثر من ذلك؛ فالإسلام يستطيع أن يعلمنا اليوم كيف نفهم وكيف نعيش في عالمنا المسيحي، الذي يفتقر إلى المسيحية التي فقدها، فالإسلام في جوهره يحتفظ بنظرة كلية متوازنة للكون ... ترفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، أو بين الدين والعلم، أو بين العقل والمادة، كما حافظ على وجهة نظر غيبية موحدة للإنسان وللعالم الذي يحيط بنا) (١) . ثم هل سمعتم بأن دولا إسلامية امتنعت عن إدخال الحضارة العلمية ومنجزاتها إلى دولها؟ !.ألم تأخذ بأسباب تعلم هذه الحضارة؟!.

стр. 18436

قنطرة العلمانية من المستغربين المسلمين: أدان الشيخ علي عبد الرزاق فكر علماء الإسلام القائل بوجوب الخلافة والإمامة وجوبًا دينيًّا.. وزعم (أن الخليفة عندهم يقوم في منصبه مقام الرسول ﷺ ، وينزل من أمته بمنزلة الرسول في المؤمنين.. فولايته كولاية الله تعالى وولاية رسوله الكريم.. بل لقد رفعوه فوق صف البشر، ووضعوه غير بعيد عن مقام العزة الإلهية) . وهكذا بلغ الأمر ببعض دعاة العلمانية إلى وصف الخلافة بهذه الصفة، فأي تجنٍّ هذا على الإسلام والمسلمين؟!. والكل يعلم أن أبا بكر رفض أن يسمى بخليفة الله، ثم استقر رأي المسلمين على تسمية الحاكم بأمير المؤمنين.. ذكر هذا الشيخ عبد الرزاق في كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي ثار حوله جدل كبير، وانكشف في الوقت الحالي الأصل الحقيقي لمؤلف هذا الكتاب، وكل مَن يقرأ كتاب (الإسلام بين التنوير والتزوير) للدكتور محمد عمارة؛ يستطيع أن يقف على جلية الأمر، فيعلم أن الكتاب مبني على آراء المستشرقين وبإشرافهم، بالتعاون مع دعاة التنوير العرب، أمثال: طه حسين وغيره. ولو عدنا إلى (سلامة موسى) الذي يكشف كل قناع في بداية القرن عن حقيقة العلمانية والتنوير المزعوم، إذ يقول: (النيل هو الذي هداهم إلى الزراعة التي هي أصل الحضارة) ، فالنيل عنده هو الهادي وليس الله. وينقل عن (إليوت سميث) قوله: (وكما أن الطبيعة أنعمت على المصري بالنيل يعلمه الزراعة وفن التحنيط نشأ الاعتقاد بالعالم الثاني.. وكان للنيل دخل آخر في الدين، وهو أنه جعل المصري يقدس الماء، ويعتقد أنه أصل كل شيء حي) . - ويرى أن العقل الإنساني من مخترعات الطبيعة: (فقد اخترعت لنا الطبيعة العقل للتمييز، والحكم بين غرائزنا، ومعرفة النافع والضار في أحوال معاشنا) . - وعن نمو الجنين يقول: (فللجنين ذاكرة تلهمه بأن ينمو على طريقة بعينها) (١) . وكل هذه السموم التي نقلها عن ملحدي الغرب، فالدين نشأ في مصر نتيجة للجفاف، ومن التحنيط نشأ الاعتقاد بالعالم الثاني، وقصة فيضان نوح نتجت من فيضان النيل، والعقل اختراع من اختراعات الطبيعة، والجنين ينمو بسبب الذاكرة.

стр. 18437

إلى أن يقول: (ومن يقرأ جمهورية أفلاطون ويرى الحرية التي يتكلم بها عن الزواج، أو من يقرأ الأخلاق لأرسطو طاليس ويقف عند قوله: إن الآلهة على قدرتها لا يمكنها أن تبدل نواميس الطبيعة، يأسف لفقدان هذه الروح من الأدب العربي.. والغريب في العرب أنهم عنوا بعلوم الإغريق وطبهم، وهو أسخف ما كتبوا دون أن يعنوا بآدابهم وفنونهم) (١) . فالآلهة لا يمكنها تبديل نواميس الطبيعة، والأشد غرابة أنه ينكر على العرب أنهم أخذوا من الإغريق علمهم وطبهم، وهو أسخف ما كتبوا في نظره، دون أن يعنوا بآدابهم وفنونهم، فما هي تلك الفنون التي يريدنا أن نأخذها؟ أهي تعدد الآلهة؟ أم الخوض فيما وراء الطبيعة بما لا ندري؟! وإن صيحات التجديد من أتباع (سلامة موسى) وغيره يتبعونه في قوله: (ليس يُعقل أن يعيش الإنسان آلاف السنين يتعاوره التقدم المادي في جميع ما يلابسه ويزاوله، ثم يبقى الدين جامدًا لا يتطور وفق التطور المادي) (٢) . يريدون تطوير الدين وفقًا للأسس المادية، فما الأسس المادية التي يريدوننا أن نستخدمها في تطور الدين؟ وأي قانون مادي يستطيع أن يدلنا على الغيبيات؟ أو ما وراء الطبيعة؟ أو الميتافيزيقيا؟ كما يقولون. وقد طالب (سلامة موسى) أن تكون لجنة عليا لإعادة النظر في التوراة، وتنقيحها وفقًا لمطالب الحياة الجديدة؛ فنستبدل بقصة آدم وحواء تاريخًا عن تكوين الأرض، وعن التنبؤات فصلا يكتبه السياسيون. وبعد هذا هل يبقى دين؟ (٣) . ويصل إلى القول: بأنه كافر بالشرق ويقصد به الإسلام. بل يحمل حملة شعواء لتحويل الثقافة العربية الإسلامية إلى المتاحف فيقول: (إنه ليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب، وبعثرة لقواهم.. فيجب أن نعودهم الكتابة بالأسلوب المصري الحديث لا بالأسلوب العربي القديم.. ويجب أن يعرفوا أننا أرقى من العرب.. وليس معنى هذا تحريم درس العرب وتاريخهم وثقافتهم، فإن العرب أمة قديمة يجب أن يكون لها أثريون يدرسونها كما يدرسون آشور وبابل) (٤) . فهذا نموذج مثل قنطرة بين المستشرقين وعلمانيي العرب، فتأمل يارعاك الله.

стр. 18438

ويصل إلى القاعدة التي تلقفها من بعده (القمني) وغيره، حيث يصف اللغة العربية بأنها بدوية عاجزة عن وصف الحالة المدنية المعاصرة. (إنها لغة بدوية لا تكاد تكفل الأداء إذا تعرضت لحالة مدنية راقية كتلك التي نعيش بين ظهرانيها الآن) (١) . ونجد ترديد ذلك في كتب القمني وغيرها من امتهان للغة العربية وثقافتها، والتفريق بين المزارع صاحب الحضارة والبدوي صاحب الخيمة، وكل ذلك غمز ولمز بالأنبياء، لأنهم كانوا من الرعاة حسب تصنيفهم. أما السيد (خليل عبد الكريم) فقد اعتبر اللغة العربية خالية من الجمال والشاعرية والفن، بل اعتبرها كغيرها من اللغات فيها الجميل والقبيح والحسن والرديء.. إلى أن يقول: (ولعل اللغة الشاعرة تندرج تحت مثيلاتها من الادعاءات، مثل أن اليعاربة أقاموا أمجد حضارة ولديهم أعظم إسطار وأغنى أدب وأرفع شعر وأجمل فن وأثرى تراث وأعرق مدن وأقدم جامعات.. إلخ، ومبعث هذا كله مركب النقص والشعور بالدونية والجدب العلمي والانهزام الحضاري. إنما الطريق الذي لا بديل له هو الانعتاق من ربقة المسطورات، والتفلت من هيمنة المأثورات، وفك أسر العقل والإيمان به في الصباح والمساء، كما قال أبو العلاء المعري، في الأمور كافة؛ جليلها ودقيقها، والإقبال على العلم - نعني به العلم التجريبي أو الطبيعي - وتسييده في كل المجالات ... إلخ) (٢) . ولا غرابة أن تتحد الأهداف، فأول حاكم فرنسي حكم المغرب (اليوطي) ، دعا إلى الانتقال من اللغة العربية إلى البربرية، ثم إلى الفرنسية، فيقول: (إن اللغة العربية تجر إلى الإسلام، لأن هذه اللغة تتعلم في القرآن. هذا في حين أن مصلحتنا تحتم علينا العمل على جعل البربر يتطورون خارج إطار الإسلام، ومن الناحية اللغوية يجب أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية) (٣) . فالرجل يقصد هجر العربية حتى يتم هجر اللغة العربية والقرآن، ولكن لمصلحة مَن؟ لمصلحتهم، حينما عبر قائلا: لمصلحتنا.. والتي رددها في نفس الوقت (سلامة موسى) ، فكأنها تطابقت قلوبهم فتطابقت أقوالهم، حيث يقول: (إنه تراث لغوي يحمل عقيدة اجتماعية يجب أن نحاربها.. فالعربية ليست لغة الديمقراطية والأتومبيل والتليفون، بل لغة القرآن وتقاليد العرب..) (٤) . ويأتي بعد ذلك كتاب (الشعر الجاهلي) لطه حسين، الذي شكك ببناء الكعبة ووجود إبراهيم ورحلته إلى الحجاز مع ولده إسماعيل.. فقد طبق (طه حسين) أسلوب ديكارت في الشك، وتلقفه بعده بأكثر من خمسين عامًا علمانيو اليوم أمثال (سيد القمني وخليل عبد الكريم) في كتبهم المتفرقة.

стр. 18439

اتجاهات غلاة العلمانيين العرب وشبهاتهم حول الإسلام: إن القارئ لكتب غلاة العلمانيين العرب المعاصرين يلاحظ التشابه الكبير بين ما يدعو إليه كل منهم في كتبه، وهذا يؤكد أن هؤلاء ينهلون من معين واحد. ١ - الدعوة إلى نزع القداسة عن النصوص الدينية والتحرر من سلطتها: نجد هذه الدعوة لدى الدكتور (نصر حامد أبو زيد) في كتابه (الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية) ، حيث يقول: (ومن هنا تكون الدعوة للتحرر من سلطة النصوص في حقيقتها دعوة إلى التحرر من السلطة المطلقة والمرجعية الشاملة للفكر الذي يمارس القمع والهيمنة والسيطرة، حين يضفي على النصوص دلالات ومعاني خارج الزمان والمكان والظروف والملابسات) (١) . ونفس الدعوة نجدها لدى (عبد الهادي عبد الرحمن) في كتابه (سلطة النص) إذ يقول: (لكن النفاذ إلى عمق هذا النص يحدد كيف أن السلطة النصية تثقل بكاهلها أي محاولة علمية، وهنا تقوم سلطة النص التاريخية والروحية والنفسية، بإرجاع ذلك الخط إلى نقطة الأيديولوجية مرة ثانية، وهو المحتوى نفسه الذي قال به أركون، ولكن السؤال الآن: هل الأيديولوجية حالة جبرية لا مناص منها؟ ألا يستطيع العلم أن يزاحمها ولو بخانة ضيقة اليوم قد تتسع فيما بعد؟!) (٢) . والكاتب يشير هنا إلى مقولة (محمد أركون) في كتابه (الإسلام والتاريخ والحداثة) ، الذي يقول فيه: (إذا ما استمررنا في النظر إلى القرآن كنص ديني متعال، أي يحتوي على حقيقة تجعل حضور الله حاضرًا، فإننا لا نستطيع عندئذ أن نتجنب مشاكل التفكير الثيولوجي) (٣) . ٢ - الطعن في القرآن الكريم: وذلك بإنكار أزليته واعتباره مخلوقًا متشكلا مع الواقع، أو بالتشكيك في ترتيب السور والآيات، أو بإنكار إلزامية أحكامه لجميع المسلمين، أو باتهامه بالقصور في نظام الحكم.

стр. 18440

فالدكتور (نصر حامد أبو زيد) أكد على واقعية القرآن الكريم وتشكله بتفاعل الواقع في كتابه (الخطاب الديني) ، حيث قال: (الواقع إذن هو الأصل ولا سبيل لإهداره، من الواقع تكون النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيهمه، ومن خلال حركته بفاعلية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولا، والواقع ثانيًا، والواقع أخيرًا، وإهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحول كليهما إلى أسطورة) (١) . أليس هذا بعث أقسى وأمر من القول بخلق القرآن؟ فالمعتزلة قالوا: إنه مخلوق لله. أما هؤلاء فقد جعلوه مخلوقًا للواقع. ثم عقد مشابهة غريبة بين القرآن الكريم باعتباره (كلمة الله) ، وبين عيسى ﵊؛ ليخرج بنتيجة خطيرة، حيث قال: (وإذا كان القرآن قولا ألقي إلى محمد ﵊، فإن عيسى بالمثل كلمة الله ألقاها ﴿إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي أن محمدًا = مريم. والوسيط في الحالتين واحد هو الملك جبريل ﵇ الذي تمثل لمريم بشرًا سويًّا، وكان يتمثل لمحمد في صورة أعرابي. وفي الحالتين يمكن أن يقال: إن كلام الله قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًا لغويًّا في لغة بشرية هي اللغة العربية. وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًّا أو تأنسن الإلهي) (٢) . ونجد (عبد الهادي عبد الرحمن) يؤكد على مسألة تشكيل القرآن وجمعه في عهد عثمان ﵁، فيقول: (فالقرآن لم يكن نصًّا جاهزًا، بل إن صحائفه لم تُجمع نهائيًّا إلا في عهد عثمان بن عفان، رغم أنه كان معجزة النبي الوحيدة لغة وفصاحة وبيانًا) (٣) . علمًا أن جمع عثمان لم يكن الجمع الأول، فقد سبقه جمع أبي بكر ﵁: (قال الحاكم في المستدرك: (جمع القرآن ثلاث مرات: إحداها بحضرة النبي ﷺ ، ثم أخرج بسند عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع) . الثانية: بحضرة أبي بكر. روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك) (٤) . كما شكك الكاتب نفسه في ترتيب السور والآيات حيث قال: (لكن هل يعني إغلاق الدائرة الكبيرة (لعقدة) سجعية محدودة بدء دائرة كبيرة أخرى أن كل دائرة كبيرة قد أنزلت على الرسول في وقت واحد أو في فترات زمنية متقاربة؟!. يجيب تعدد الأغراض وأسباب النزول إجابة مختلفة، لأن طريقة نزول القرآن على النبي، ثم جمعه فيما بعد، ينفي أن تكون تلك النهايات المسجوعة هي مربط الفرس. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل اللغة هي الحكم إذن؟ أم أن ارتباط ذلك النسق اللغوي بوحدة الموضوع هي الحكم النهائي) (٥) .

стр. 18441

ومنهم من ادعى دخول الأساطير إلى القرآن، بل اعتبر القرآن الكريم ذاته إسطيرًا أو إسطارًا (حسب تعبيره) ، كما أطلق التسمية نفسها على الحديث النبوي في مواضع أخرى. هذا ما جاء في كتاب حديث صدر مؤخرًا للكاتب (خليل عبد الكريم) تحدث فيه الكاتب عن جور الإسطير (القرآن) في تقييد حرية المرأة، وفرض الأحكام التي تحظر عليها ممارسة الكثير من الأعمال والقيام بالعديد من التصرفات، ويردُّ ذلك إلى تأثير اللغة في ذلك الإسطير ليصل في النهاية إلى استنتاج خطير وهو (أن القرآن وليد البيئة) ، يقول: (والمقطوع به أنه لو كانت النسوان لدى الأعراب رشيقات خفيفات مصواءات رسحاوات رصعاوات كمثيلاتهن في البلدان المتحضرة، لما احتاج الإسطار إلى هذا الكم الهائل من الحظر والمنع والتقييد والتشديد بشأن لباس المرأة وزينتها وطيبها (عطرها) وغطاء رأسها ... إلخ. ألا تقدم هذه الفقرة برهانًا يضاف إلى ما سبق أن الحفر اللغوي يساعد على فهم الإسطير الفهم الأمثل، وعلى تفسير كلياته التفسير الأصح، وأن التغاضي عن هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق الموضوعية لن يزيد الأمور إلا خطلا وربكًا.

стр. 18442

بقاء الأعرابية جلس الخيمة، قصيرة الخباء، مخدرة خبأة مستترة، كما ترسمها المعاجم، جعل الإسطار يرى أن هذه هي الصورة المثالية لكل امرأة في سائر البيئات، وعلى اختلاف العصور وكر الدهور، ومن ثم جاءت قواعده تدفع إلى محاكاة هذا النموذج الأمثل من حثٍّ على الاستكنان في عقر الدار، إلى الكلام من وراء حجاب ... إلخ. ولو أن اللغة حملت إلينا صورة مغايرة للمرأة، مثل صورتها في المجتمعات الزراعية، فيها الخروج للعمل، وبالتالي الاختلاط مع الرجال، ومشاركتهم في هموم الشغل، وتدبير المعاش، ورعاية حيوانات الزراعة المختلفة والطيور ... وتربية الأولاد؛ لتباينت التعليمات واختلفت الممنوعات والمباحات) (١) . ثم يقول: (فعندما طالعنا في القواميس أن المرأة في مجتمعهم جلس، قعيدة، مخدرة، مخبوءة، مستورة، مصونة، أدركنا على الفور العلة في حض الإسطير لها على البقاء على حالها، وهو القرار في أعمق أغوار الدار، وفي منعها من الخلوة بأجنبي وعدم استقباله، وإن كان ولابد فمحادثته من خلف حجاب. في ذلك المجتمع كان عمل الرجال محدودًا للغاية بالقياس إلى أعمالهم في المجتمعات المتحضرة، وعمل المرأة شبه معدوم، ويبشعه لسبب في غاية البساطة؛ أنك عندما لا تجد كلمات أو تراكيب عن عمل المرأة إلا العمالات الساذجة. وبالتالي فإنه من البديهي لا من الطبيعي فقط، أن يجيء الإسطير وهو عرى منها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وهو قد خاطب من خاطبهم عبر اللغة التي افتقرت إليها، فكيف يتصور عقلا أن ينص عليها؟) (٢) .

стр. 18443

فهنا يتضح أنه قصد بالإسطار القرآن والحديث. أما المستشار (محمد سعيد عشماوي) فقد ادَّعى أن القرآن الكريم لم يتعرض لنظام الحكم في الإسلام بعد النبي ﷺ ، فيقول: (إن القرآن لم يتعرض لنظام الحكم في الإسلام بعد النبي، ولم ترد عن النبي أحاديث في هذا الصدد، وساعد لفظ (الخليفة) - وما قد يفيده من معنى وراثة كل الحقوق والالتزامات - على بلبلة الفهم واضطراب التصرفات وبقاء الغيوم في المحيط الإسلامي. ومن هذا المعنى كان القرآن ينص دائمًا على حقوق النبي - الحاكم - وعلى التزاماته. ولم تشر آيات القرآن - أبدًا - إلى حقوق أو التزامات أي حاكم آخر) (١) . أما المهندس الدكتور محمد شحرور فقد قام بدراسة للقرآن الكريم محاولا تأويله تحت ذريعة القراءة المعاصرة، ومن أخطر ما قاله: (ولهذا فالقرآن لابد أن يكون قابلا للتأويل، وتأويله يجب أن يكون متحركًا وفق الأرضية العلمية لأمة ما، في عصر ما، على الرغم من ثبات صيغته) . ولو أن هذا الكاتب اطلع على أخبار كبار علماء كونيين أسلموا لما اكتشفوا مطابقة بعض ما جاء في القرآن الكريم بنصه الصريح دون تأويل لأحدث الحقائق العلمية عن الكون والإنسان؛ لما تجرأ أن يتصدى فيطلق هذه المقولة الساقطة (٢) .

стр. 18444

* وتقدم الدكتور نصر حامد أبو زيد مؤخرًا بمشروع عصري جديد للقرآن، وسيعلن عنه في مؤتمر (علوم القرآن) الذي سيعقد في هولندا في ١٥/٨/١٩٩٨م بمشاركة (٥٠) مستشرقًا عالميًّا بالإضافة إلى باحثين من إيران وماليزيا ومصر وسوريا والهند وبعض أتباع الإسماعيلية والبهائية.. وقد جاء هذا الإعلان في المحاضرات التي ألقاها الدكتور أبو زيد في مركز للنادي الروتاري في عمان.. وقد اعتبر عدد من علماء الدين في الأردن (أبو زيد) مرتدًّا، وأن الجهة التي تقف وراءه سادرة في استفزاز مشاعر المسلمين (الروتاري من نوادي الماسونية) . وأنا أطالب المجمع بإرسال مندوبين للمشاركة، لنرى ماذا يخططون وإلى أي مدى سيصلون. ٣ - الطعن في السنة النبوية: وذلك بادِّعاء نحل معظمها على النبي ﷺ ، كما قال بذلك (محمد سعيد عشماوي) في كتابه (أصول الشريعة) : (لقد تحرز المسلمون الأوائل من الرواية عن النبي ﷺ . ومع الوقت رقَّ الوازع الديني واختلط بالمعتقد السياسي، فبدأ نحل الأحاديث ونسبتها للنبي. كان يفرض أن يضاف إلى المنهج الإسلامي في جمع القرآن منهج آخر يخص الحديث، ويقوم على نقد المتن ذاته وتحري صحته على أساس من الواقع قبل أن يعتمد كحديث للنبي. ولما لم يحدث ذلك كثرت الأحاديث المنسوبة للنبي ﷺ ، ومع الجهد الشديد الذي اتبع في جمع الأحاديث فقد اختلف في عدد الأحاديث المتواتر عليها، وقيل إنه لا يتجاوز عشرة أحاديث ... ) (١) . ولا شك أن هذا ادعاء باطل، فقد فرز الصحيح من الضعيف من الحسن من المكذوب وفقًا لقواعد علمية ليس للهوى دخل فيها. وإن كنت ترى أن الفتنة هي التي سببت ذلك، فكيف وصلت لنا الأحاديث التي أشارت إلى رؤوس الفتن؟ بل كيف وصلت إلينا الأحاديث الواردة في فضل الصحابة وفضل آل البيت؟ بالرغم من أن التيارات الإسلامية كان بعضها موجهًا ضد آل البيت، وبعضها كان موجهًا ضد الصحابة.

стр. 18445

ومع ذلك فقد حفظ لنا علم الحديث ما ورد في فضل كل منهم. ألا يعني ذلك أن هذا العلم قد تجاوز الواقع السياسي، وأحاط نفسه بأسوار قوية من النقد للسنة، والتثبت في نقل الأخبار والأحاديث؟. ومنهم من ادَّعى عدم حجية السنة في التشريع، ورفض اعتبارها مصدرًا للتشريع، كما قال بذلك (نصر حامد أبو زيد) في كتابه (الإمام الشافعي) حيث انتقد الشمولية التي أضفاها الشافعي على النصوص، وذلك عن طريق توسيع مجال فعالية النصوص ومجال تأثيرها بالخطوات التالية: ١ - تحويل السنة النبوية - النص الثانوي - إلى نص مشرع؛ لا يقل في دلالته التشريعية عن النص الأول (القرآن الكريم) . ٢ - توسيع مفهوم السنة بإلحاق الإجماع بها، وكذلك عدم التفرقة بين سنة الوحي وسنة العادات (١) . والواقع أنه ليس النبي ﷺ هو الذي حول نصوص السنة إلى نص مشرع، بل إن الله هو الذي رفع كلام نبيه وأسبغ عليه صفة التشريع، فهو ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] ، ولو لم تكن سنة رسول الله ﷺ اكتسبت صفة التشريع من عند الله، لما أمرنا الله تعالى بطاعته واتباعه فيما أمر ونهى وسن وشرع، حيث قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وبالإضافة إلى ذلك؛ فالكاتب نفسه يتهم نصوص السنة بالدعوة إلى عزل الدين عن الحياة، مستدلًا بحديث: ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) . يقول في كتابه (الخطاب الديني) : (إن للنصوص الدينية مجالات فعاليتها الخاصة، وأن ثمة مجالات أخرى تخضع لفاعلية العقل البشري والخبرة الإنسانية، ولا تتعلق بها فعالية النصوص. وكان المسلمون الأوائل كثيرًا ما يسألون إزاء موقف بعينه ما إذا كان تصرف النبي محكومًا بالوحي أم محكومًا بالخبرة والعقل، وكثيرًا ما كانوا يختلفون معه، ويقترحون تصرفًا آخر إذا كان المجال من مجالات العقل والخبرة ...

стр. 18446

ورغم ذلك يمضي الخطاب الديني في مد فعالية النصوص الدينية إلى كل المجالات، متجاهلا تلك الفروق التي صيغت في مبدأ ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) ) (١) . ولكن الواقع على العكس من ذلك: فلم يقصد رسول الله ﷺ من هذا الحديث عزل الدين عن الحياة، بل قصد أن الدين لا يتدخل في شؤون البشر التي تتطلبها حاجاتهم في معاشهم وحياتهم في الدنيا. ولو عدنا إلى مناسبة هذا الحديث لاتضح لنا الأمر. فقد ورد الحديث في قصة تأبير النخل، حين قال ﵊ لأصحابه: ((ما أظن ذلك يغني شيئًا)) ، لكنه عندما عرف منهم فوائد تلقيح النخل عاد ليقول لهم: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) . لكن هذا الكتاب وأمثاله أرادوا بهذا الحديث حذف النظام السياسي والاقتصادي من الإسلام، بدعوى أن السياسة والاقتصاد هما من أمر الدنيا، وليس للإسلام معرفة بأصولهما وفروعهما، وهم بذلك يهدمون كل ما حوته السنة المطهرة من تنظيم لعلاقات البيع والشراء والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فرسول الله ﷺ علمنا أن أمور العلوم الطبيعية تستقى من مصادرها، فأمور الزراعة لأهلها؛ وحينما قامت الحروب وبدأ القتال أخذ رسول الله ﷺ برأي محنك الحروب، بل إنه أمَّر ذوي الخبرات العسكرية على كبار الصحابة لأنهم أقدر على قيادة المعارك بما لديهم من خبرة ودراية. ومصداقًا للحديث الأول كيف يتم التلقيح في الغابات؟ أليس بواسطة الرياح؟ والله تعالى يقول: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] . أما الكاتب (عبد الهادي عبد الرحمن) فقد طعن في علم الإسناد للأحاديث النبوية، ورفض إلزامية هذا العلم، وذلك في كتابه (سلطة النص) حيث قال: (الإسناد؛ تلك الأداة العبقرية والتي تعتبر دعامة من دعامات ترسيخ النص والمحافظة عليه، بل ولعل ذلك التقليد الذي رسخ في الأجيال المتدنية جيلا بعد جيل هو من عوامل الركود والتحجر التي نعانيها عندما توقفنا عند نصية النصوص دون تجاوز حرفيتها وجمودها) .

стр. 18447

(ومن تقديس النص ارتفعت منزلة الإسناد درجة أقرب للتقديس (وهذا ما نزع عنه صبغته العلمية فيما بعد) ، وتحول الإسناد إلى لازمة من لوازم الثقافة الإسلامية، لدرجة أن أبا بكر محمد بن أحمد الدقاق قال: (بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها الأمم: الإسناد، الأنساب، الإعراب) (١) . هكذا يقلبون الأمور، فقد أصبح علم التوثيق (الذي بواسطته يميز بين الصحيح والضعيف) موضع انتقاد. ٤ - الطعن في عصر الصحابة: تناول غلاة العلمانيين الصحابة الكرام بالطعن والتجريح، حتى كتب أحدهم (خليل عبد الكريم) سلسلة من ثلاثة أجزاء سماها: (شدو الربابة بمعرفة أحوال الصحابة) ، وكان هدفه من وراء هذه السلسلة إلقاء التهم وإثارة الشبهات حول نقاء الصحابة الكرام وطهرهم، وصولا إلى الطعن في روايتهم لأحاديث رسول الله ﷺ ، والتشكيك في عدالتهم. والمجال لا يتسع إلى ذكر تلك المطاعن أو حتى سردها، وسأكتفي بإيراد أمثلة قليلة منها: فمن ذلك قوله: (إن تحليل شخصيات الصحابة وأصولهم ومنابتهم ومكانة كل منهم، والبيئات الاجتماعية التي نشؤوا فيها، وعقائدهم السابقة، وأماكن تربيتهم من بدو أو حضر، وثقافاتهم والنظم والقيم والأنساق الاجتماعية التي قضوا ردحًا طويلا من عمرهم فيها قبل أن يلاقوا محمدًا ويدخلوا دينه، والحرف التي مارسوها، والأساطير التي ظلوا شطرًا من أعمارهم يؤمنون بها ... إلخ. وتأثير ذلك على الرواية الشفاهية مع تسليمنا أن بعضًا منها كان يُكتب حتى في حياة محمد نفسه، ولكن لا شك أن الغالبية العظمى من هذه الأحاديث كان طريق نقلها من الشفاه إلى الآذان، وتأثير تلك الأحوال التي ذكرناها في علاقاتهم مع محمد، ثم في علاقاتهم مع بعضهم البعض) (٢) . فهو يجعل الرواية متأثرة بأديانهم وعاداتهم السابقة للإسلام. ويتحدث عن دوافع الأصحاب للدخول في الديانة الإسلامية فيقول: (وتختلف أسباب الطاعة من فريق إلى آخر: فالقرشيون كانت تدفعهم إلى ذلك عاطفة انتمائهم للقبيلة التي ينتمي إليها محمد، وإدراكهم من الوهلة الأولى أنه كان يشيد دولة قريش التي وضع أساسها جدهم الأعلى قصي بن كلاب، وهناك من دفعته الغنائم الوفيرة التي جاءت بها الغزوات والسرايا إلى الطاعة والانقياد طمعًا في نوال قسمة منها، وأقرب مثل على ذلك المؤلفة قلوبهم الذين أجزل لهم محمد العطاء من أموال هوازن في وقعة حنين) (٣) .

стр. 18448

وتحدث عن هدف الصحابة من الفتوحات، فقال: (بأن خروج الصحبة كان لانتشال أهل المستعمرات من أدران الوثنية والضلال إلى نور التوحيد، وهل كان هذا هو الهدف أم كان الهدف نقيضه أم على الأقل وقفت بجانبه دوافع أخرى؟ وهل كان دخول الموطوئين في عقيدة الفاتحين عن طواعية واختيار أم لا؟ وهل كان من المنتظر من أهالي المستعمرات بعد أن رأوا بأعينهم: قتل الرجال بعد أن يستسلموا (يرفعوا الراية البيضاء) وسبي النساء والذراري وحرق الحصون ثم هدم ما يتبقى منها وتسويته بأديم الأرض ونزح الأموال (بأنواعها) نزحًا وكسحها كسحًا وفرض الموجبات المالية المتعددة على الرؤوس (لاحظ ما يشي به هذا اللفظ من دلالة لا تخفى) وعلى الأرضين، نعود فنقول هل كان من المنتظر من أهالي المستعمرات أن يظلوا على أديانهم أم يبادروا لاعتناق دين أسيادهم الفاتحين حتى يفلتوا من بعض تلك الفروض؟) (١) . وهنا مغالطة فهل يحارب إلا المحارب؟ وهل إعلام القتال يكون إلا بالدعوة للإسلام ثم الجزية ثم الحرب؟. ٥ - الطعن في تراث السلف؛ من أقوال العلماء واجتهادات الفقهاء وجهود المفسرين: الدكتور محمد شحرور رفض اعتبار علماء المسلمين من فقهاء ومفسرين وحدهم ورثة الأنبياء فقال: (إنَّ ورثةَ الأنبياء ليسوا علماء الشريعة والفقه وحدهم، إن هذا غير صحيح، إن الفلاسفة وعلماء الطبيعة وفلسفة التاريخ وأصل الأنواع والكونيات والإلكترونيات هم ورثة الأنبياء) (٢) . والعجيب في هذا القول إنه يجعل الكفرة بالأنبياء هم ورثة الأنبياء، لأنه يريد أن يجعل الفكر الماركسي هو الوارث للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

стр. 18449

أشار الدكتور (نصر حامد أبو زيد) إلى ادعاء القداسة لتراث السلف، فقال: (إن التوحيد بين الفهم والنص، حيث يقع الفهم في الحاضر، وينتمي النص إلى الماضي لابد من أن يعتمد على إهدار البعد التاريخي ... وبنفس الدرجة من الوضوح يبدو إهدار البعد التاريخي في تصور التطابق بين مشكلات الحاضر وهمومه وبين مشكلات الماضي وهمومه، وافتراض إمكانية صلاحية حلول الماضي للتطبيق على الحاضر. ويكون الاستناد إلى سلطة السلف والتراث، واعتماد نصوصهم بوصفها نصوصًا أولية، تتمتع بذات قداسة النصوص الأولية، تكثيفًا لآلية إهدار البعد التاريخي) (١) . فمن قال إن أقوال العلماء تعادل الكتاب والسنة؟ ألم يقل الفقهاء: إن الفتوى تتغير بتغير الزمان؟ ولكن هؤلاء لا يفهمون المسألة. ويتهم الخطاب الديني بالتوحيد بين النصوص وفهم الفقهاء والعلماء فيقول: (ولا يكتفي الخطاب الديني بذلك، بل يوحد بطريقة آلية بين هذه النصوص وبين قراءته وفهمه لها. وبهذا التوحيد يقوم الخطاب الديني بادعاء ضمني بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية، والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النصوص. ولا يدرك الخطاب الديني أنه يدخل منطقة شائكة هي منطقة الحديث باسم الله) (٢) . وفي كتابه (الإمام الشافعي) ادعى إضفاء القداسة على خطابات العلماء والفقهاء، فقال: (لكن عملية إضفاء القداسة هذه يُراد بها أن تغطي - في الحقيقة - أطروحات ذلك الخطاب الديني، وتداري تقليديته، إنهم يتصورون امتلاكهم للإمام الشافعي ولفكره، وللتراث بشكل عام، ويتصورون بناءً على ذلك أنه ليس من حق أحد سواهم أن يكتب عن الإمام الشافعي أو غيره من الأئمة) (٣) .

стр. 18450

أما (عبد الهادي عبد الرحمن) فقد أشار إلى القداسة التي تمتعت بها العلوم الدينية، والتي أخذتها من النصوص الأصلية، وذلك في كتابه (سلطة النص) ، حيث قال: (هناك سيادة (أرثوذكسية) جامدة لا تقبل الأخذ والعطاء، وهي سيادة كانت قد ترسخت قبل أكثر من عشرة قرون، حيث انتهت المعارك الفكرية والكلامية بعد موت النبي بأربعة قرون، واستقرت على علوم محددة أخذت قداستها وإطلاقيتها من قداسة وتعميم النصوص الأصلية) (١) . كما تعرض المستشار (العشماوي) لهذه المسألة، فأشار إلى الخلط في فهم معنى الشريعة، ومده على اجتهادات الفقهاء بعد القرآن والحديث، وذلك في قوله: (إن توسعة الفقه في إعمال الآية على ما لم تنزل بشأنه هو أوضح مثل للخلط الذي حدث في فهم الشريعة، ثم مده بعد أحكام القرآن ونصوص الحديث على اجتهاد الفقهاء) (٢) . ٦ - اتهام النصوص الدينية بالغموض والضعف والقصور عن تأدية ما فيها دون الحاجة إلى العلماء وتفسيرهم: تبنى المستشار (العشماوي) هذه الفكرة، حيث قال في كتابه (أصول الشريعة) : (ومع بُعد الدراسات وعمقها وتشعبها أصبح من غير الممكن للفرد المسلم أن يفهم آية أو يطبق حكمًا دون أن يرجع إلى رأي اللغويين وحكم النحاة وأصول الفقه وقواعد التفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ. وما إلى ذلك، مما أحاط الآيات القرآنية بآراء وأحكام ونظم وقواعد يجعل من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - فهمها دون تحصيل كامل مسبق لهذا الغشاء الذي يحيط بها) (٣) .
следующие страницы →