ورغم ذلك يمضي الخطاب الديني في مد فعالية النصوص الدينية إلى كل المجالات، متجاهلا تلك الفروق التي صيغت في مبدأ ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) ) (١) .
ولكن الواقع على العكس من ذلك: فلم يقصد رسول الله ﷺ من هذا الحديث عزل الدين عن الحياة، بل قصد أن الدين لا يتدخل في شؤون البشر التي تتطلبها حاجاتهم في معاشهم وحياتهم في الدنيا.
ولو عدنا إلى مناسبة هذا الحديث لاتضح لنا الأمر. فقد ورد الحديث في قصة تأبير النخل، حين قال ﵊ لأصحابه: ((ما أظن ذلك يغني شيئًا)) ، لكنه عندما عرف منهم فوائد تلقيح النخل عاد ليقول لهم: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) .
لكن هذا الكتاب وأمثاله أرادوا بهذا الحديث حذف النظام السياسي والاقتصادي من الإسلام، بدعوى أن السياسة والاقتصاد هما من أمر الدنيا، وليس للإسلام معرفة بأصولهما وفروعهما، وهم بذلك يهدمون كل ما حوته السنة المطهرة من تنظيم لعلاقات البيع والشراء والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
فرسول الله ﷺ علمنا أن أمور العلوم الطبيعية تستقى من مصادرها، فأمور الزراعة لأهلها؛ وحينما قامت الحروب وبدأ القتال أخذ رسول الله ﷺ برأي محنك الحروب، بل إنه أمَّر ذوي الخبرات العسكرية على كبار الصحابة لأنهم أقدر على قيادة المعارك بما لديهم من خبرة ودراية.
ومصداقًا للحديث الأول كيف يتم التلقيح في الغابات؟ أليس بواسطة الرياح؟ والله تعالى يقول: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
أما الكاتب (عبد الهادي عبد الرحمن) فقد طعن في علم الإسناد للأحاديث النبوية، ورفض إلزامية هذا العلم، وذلك في كتابه (سلطة النص) حيث قال:
(الإسناد؛ تلك الأداة العبقرية والتي تعتبر دعامة من دعامات ترسيخ النص والمحافظة عليه، بل ولعل ذلك التقليد الذي رسخ في الأجيال المتدنية جيلا بعد جيل هو من عوامل الركود والتحجر التي نعانيها عندما توقفنا عند نصية النصوص دون تجاوز حرفيتها وجمودها) .
стр. 18447
(ومن تقديس النص ارتفعت منزلة الإسناد درجة أقرب للتقديس (وهذا ما نزع عنه صبغته العلمية فيما بعد) ، وتحول الإسناد إلى لازمة من لوازم الثقافة الإسلامية، لدرجة أن أبا بكر محمد بن أحمد الدقاق قال: (بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها الأمم: الإسناد، الأنساب، الإعراب) (١) .
هكذا يقلبون الأمور، فقد أصبح علم التوثيق (الذي بواسطته يميز بين الصحيح والضعيف) موضع انتقاد.
٤ - الطعن في عصر الصحابة:
تناول غلاة العلمانيين الصحابة الكرام بالطعن والتجريح، حتى كتب أحدهم (خليل عبد الكريم) سلسلة من ثلاثة أجزاء سماها: (شدو الربابة بمعرفة أحوال الصحابة) ، وكان هدفه من وراء هذه السلسلة إلقاء التهم وإثارة الشبهات حول نقاء الصحابة الكرام وطهرهم، وصولا إلى الطعن في روايتهم لأحاديث رسول الله ﷺ ، والتشكيك في عدالتهم.
والمجال لا يتسع إلى ذكر تلك المطاعن أو حتى سردها، وسأكتفي بإيراد أمثلة قليلة منها: فمن ذلك قوله:
(إن تحليل شخصيات الصحابة وأصولهم ومنابتهم ومكانة كل منهم، والبيئات الاجتماعية التي نشؤوا فيها، وعقائدهم السابقة، وأماكن تربيتهم من بدو أو حضر، وثقافاتهم والنظم والقيم والأنساق الاجتماعية التي قضوا ردحًا طويلا من عمرهم فيها قبل أن يلاقوا محمدًا ويدخلوا دينه، والحرف التي مارسوها، والأساطير التي ظلوا شطرًا من أعمارهم يؤمنون بها ... إلخ. وتأثير ذلك على الرواية الشفاهية مع تسليمنا أن بعضًا منها كان يُكتب حتى في حياة محمد نفسه، ولكن لا شك أن الغالبية العظمى من هذه الأحاديث كان طريق نقلها من الشفاه إلى الآذان، وتأثير تلك الأحوال التي ذكرناها في علاقاتهم مع محمد، ثم في علاقاتهم مع بعضهم البعض) (٢) .
فهو يجعل الرواية متأثرة بأديانهم وعاداتهم السابقة للإسلام.
ويتحدث عن دوافع الأصحاب للدخول في الديانة الإسلامية فيقول:
(وتختلف أسباب الطاعة من فريق إلى آخر: فالقرشيون كانت تدفعهم إلى ذلك عاطفة انتمائهم للقبيلة التي ينتمي إليها محمد، وإدراكهم من الوهلة الأولى أنه كان يشيد دولة قريش التي وضع أساسها جدهم الأعلى قصي بن كلاب، وهناك من دفعته الغنائم الوفيرة التي جاءت بها الغزوات والسرايا إلى الطاعة والانقياد طمعًا في نوال قسمة منها، وأقرب مثل على ذلك المؤلفة قلوبهم الذين أجزل لهم محمد العطاء من أموال هوازن في وقعة حنين) (٣) .
стр. 18448
وتحدث عن هدف الصحابة من الفتوحات، فقال:
(بأن خروج الصحبة كان لانتشال أهل المستعمرات من أدران الوثنية والضلال إلى نور التوحيد، وهل كان هذا هو الهدف أم كان الهدف نقيضه أم على الأقل وقفت بجانبه دوافع أخرى؟ وهل كان دخول الموطوئين في عقيدة الفاتحين عن طواعية واختيار أم لا؟ وهل كان من المنتظر من أهالي المستعمرات بعد أن رأوا بأعينهم: قتل الرجال بعد أن يستسلموا (يرفعوا الراية البيضاء) وسبي النساء والذراري وحرق الحصون ثم هدم ما يتبقى منها وتسويته بأديم الأرض ونزح الأموال (بأنواعها) نزحًا وكسحها كسحًا وفرض الموجبات المالية المتعددة على الرؤوس (لاحظ ما يشي به هذا اللفظ من دلالة لا تخفى) وعلى الأرضين، نعود فنقول هل كان من المنتظر من أهالي المستعمرات أن يظلوا على أديانهم أم يبادروا لاعتناق دين أسيادهم الفاتحين حتى يفلتوا من بعض تلك الفروض؟) (١) .
وهنا مغالطة فهل يحارب إلا المحارب؟ وهل إعلام القتال يكون إلا بالدعوة للإسلام ثم الجزية ثم الحرب؟.
٥ - الطعن في تراث السلف؛ من أقوال العلماء واجتهادات الفقهاء وجهود المفسرين:
الدكتور محمد شحرور رفض اعتبار علماء المسلمين من فقهاء ومفسرين وحدهم ورثة الأنبياء فقال:
(إنَّ ورثةَ الأنبياء ليسوا علماء الشريعة والفقه وحدهم، إن هذا غير صحيح، إن الفلاسفة وعلماء الطبيعة وفلسفة التاريخ وأصل الأنواع والكونيات والإلكترونيات هم ورثة الأنبياء) (٢) .
والعجيب في هذا القول إنه يجعل الكفرة بالأنبياء هم ورثة الأنبياء، لأنه يريد أن يجعل الفكر الماركسي هو الوارث للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
стр. 18449
أشار الدكتور (نصر حامد أبو زيد) إلى ادعاء القداسة لتراث السلف، فقال:
(إن التوحيد بين الفهم والنص، حيث يقع الفهم في الحاضر، وينتمي النص إلى الماضي لابد من أن يعتمد على إهدار البعد التاريخي ... وبنفس الدرجة من الوضوح يبدو إهدار البعد التاريخي في تصور التطابق بين مشكلات الحاضر وهمومه وبين مشكلات الماضي وهمومه، وافتراض إمكانية صلاحية حلول الماضي للتطبيق على الحاضر. ويكون الاستناد إلى سلطة السلف والتراث، واعتماد نصوصهم بوصفها نصوصًا أولية، تتمتع بذات قداسة النصوص الأولية، تكثيفًا لآلية إهدار البعد التاريخي) (١) .
فمن قال إن أقوال العلماء تعادل الكتاب والسنة؟ ألم يقل الفقهاء: إن الفتوى تتغير بتغير الزمان؟ ولكن هؤلاء لا يفهمون المسألة.
ويتهم الخطاب الديني بالتوحيد بين النصوص وفهم الفقهاء والعلماء فيقول:
(ولا يكتفي الخطاب الديني بذلك، بل يوحد بطريقة آلية بين هذه النصوص وبين قراءته وفهمه لها. وبهذا التوحيد يقوم الخطاب الديني بادعاء ضمني بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية، والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النصوص.
ولا يدرك الخطاب الديني أنه يدخل منطقة شائكة هي منطقة الحديث باسم الله) (٢) .
وفي كتابه (الإمام الشافعي) ادعى إضفاء القداسة على خطابات العلماء والفقهاء، فقال: (لكن عملية إضفاء القداسة هذه يُراد بها أن تغطي - في الحقيقة - أطروحات ذلك الخطاب الديني، وتداري تقليديته، إنهم يتصورون امتلاكهم للإمام الشافعي ولفكره، وللتراث بشكل عام، ويتصورون بناءً على ذلك أنه ليس من حق أحد سواهم أن يكتب عن الإمام الشافعي أو غيره من الأئمة) (٣) .
стр. 18450
أما (عبد الهادي عبد الرحمن) فقد أشار إلى القداسة التي تمتعت بها العلوم الدينية، والتي أخذتها من النصوص الأصلية، وذلك في كتابه (سلطة النص) ، حيث قال:
(هناك سيادة (أرثوذكسية) جامدة لا تقبل الأخذ والعطاء، وهي سيادة كانت قد ترسخت قبل أكثر من عشرة قرون، حيث انتهت المعارك الفكرية والكلامية بعد موت النبي بأربعة قرون، واستقرت على علوم محددة أخذت قداستها وإطلاقيتها من قداسة وتعميم النصوص الأصلية) (١) .
كما تعرض المستشار (العشماوي) لهذه المسألة، فأشار إلى الخلط في فهم معنى الشريعة، ومده على اجتهادات الفقهاء بعد القرآن والحديث، وذلك في قوله:
(إن توسعة الفقه في إعمال الآية على ما لم تنزل بشأنه هو أوضح مثل للخلط الذي حدث في فهم الشريعة، ثم مده بعد أحكام القرآن ونصوص الحديث على اجتهاد الفقهاء) (٢) .
٦ - اتهام النصوص الدينية بالغموض والضعف والقصور عن تأدية ما فيها دون الحاجة إلى العلماء وتفسيرهم:
تبنى المستشار (العشماوي) هذه الفكرة، حيث قال في كتابه (أصول الشريعة) :
(ومع بُعد الدراسات وعمقها وتشعبها أصبح من غير الممكن للفرد المسلم أن يفهم آية أو يطبق حكمًا دون أن يرجع إلى رأي اللغويين وحكم النحاة وأصول الفقه وقواعد التفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ. وما إلى ذلك، مما أحاط الآيات القرآنية بآراء وأحكام ونظم وقواعد يجعل من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - فهمها دون تحصيل كامل مسبق لهذا الغشاء الذي يحيط بها) (٣) .
стр. 18451
وأكد ذلك الدكتور (أبو زيد) ؛ حيث اتهم النصوص بالضعف والقصور والحاجة إلى دفاع العلماء عنها، وذلك في كتابه (الخطاب الديني) :
(ألا يعني هذا القصور المبني على الخوف الدائم أن الضعف والتهافت كامن في بنية الخطاب الديني ذاته؟ ... ) .
(فهل معنى ذلك أن العقيدة هي بالضرورة الأضعف والقابلة دائمًا للانكسار والهزيمة؟) (١) .
٧ - رفض مناهج السلف وسلبها صفة العلمية، والدعوة إلى اتباع مناهج علمية حديثة:
فالدكتور (أبو زيد) يعتبر الخطاب الديني عدوًا للنقد العلمي، فيقول:
(النقد بمعناه العلمي.. هو العدو الذي يريد الخطاب الديني أن يغتاله ... ) (٢) .
وفي كتابه (الخطاب الديني) يرفض الإصرار على مبدأ تلقي العلم من الشيوخ مشافهة كمبدأ من مبادئ منهج السلف، فيقول:
(بل يصل الأمر إلى حد الإصرار على ضرورة التلقي الشفاهي المباشر في هذا المجال عن العلماء، ذلك أن (دراسة الشريعة بغير معلم لا تسلم من مخاطرات) ولا تخلو من ثغرات وآفات، وهذا ما جعل علماء السلف يحذرون من تلقي العلم عن هذا النوع من المتعلمين، ويقولون: لا تأخذ القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي.
وهكذا ينتهي الخطاب الديني إلى إيجاد (كهنوت) يمثل سلطة شاملة ومرجعًا أخيرًا في شؤون الدين والعقيدة) (٣) .
стр. 18452
أما (عبد الهادي عبد الرحمن) فقد رفض مناهج السلف صراحة في دراسة النصوص، وراح يبحث عن منهج بديل لنقد النصوص وتمحيصها، يقول:
(فأولئك الذين استعاروا مناهج السلف كما هي محاولين إلباسها للواقع، سقطوا في فخ إهمال طبيعة الحاضر وموضوعاته ... ) (١) .
ولكي يشكك في مصداقية علوم السلف وفعالية مناهجهم اتهم علماء التفسير بنقل الأخبار المغلوطة، إذ يقول:
(مناهج الكتابة في ذلك العصر، وهي مناهج لا يمكن اعتمادها بشكل تسليمي مطلق، وكان الفقهاء يجهدون أنفسهم في البحث عن سبب النزول، سواء عن طريق النقل المسند أو عن طريق النبش في النصوص، أو عن طريق الوضع ... ) (٢) .
ويتهم التراث الإسلامي الهائل بفقدان منهجية البحث والتحقيق في نصوصه، مقارنًا ذلك بالمناهج الغربية السائدة في أوروبا، يقول:
(إن الكتب التراثية في بلادنا كثيرة هائلة العدد، لكننا نراها لا تزال تدور في الدائرة المغلقة دون أن تقدم أسئلة جديدة أو إجابات جديدة، ومعظمها يحمل طابع التصديق المطلق للنصوص دون أن تحمل روحًا نقدية حقيقية، وينبغي أن نقول بأن هذه المنهجية العريقة الراسخة منذ زمن طويل في أوروبا، لم ترسخ أقدامها فعليًّا حتى الآن في مجال الدراسات الإسلامية، وفي مجال قراءة النصوص وتحقيق التراث) (٣) .
وبقوله يقرر أننا:
(لن نتمكن من التقدم في فهم تراثنا الفلسفي، وتراثنا على وجه العموم إلا بالانفتاح المنهجي والابتكار المنهجي) (٤) .
لذلك فهو يدعو إلى دراسة النصوص الدينية بالمنهج التفكيكي العلمي الحديث، وهذا ما قرره حيث قال:
(ويقتضي الأمر القيام بعدة تجارب لرؤية ذلك النص في حالات متعددة، سواء في حالات معينة، أو وضعه قياسًا بموازاة نصوص متشابهة، أو في حالات قلبه، أو حتى بعزله عزلا تامًا عن أُطُره التي ارتبط بها، ثم إعادة ربطه، أو بتفكيكه وإعادة تركيبه، أو باستخدام الحيل المنطقية المتعددة ... ) (٥) .
كما يدعو الدكتور شحرور دعوة صريحة إلى رفض أقوال السلف من علماء وفقهاء ومفسرين، واتباع قواعد المنهج العلمي في دراسة القرآن، فقال:
(إننا في القرآن والسبع المثاني غير مقيدين بأي شيء قاله السلف، إننا مقيدون فقط بقواعد البحث العلمي والتفكير الموضوعي، وبالأرضية العلمية في عصرنا؛ لأن القرآن حقيقة موضوعية خارج الوعي فهمناها أم لم نفهمها) (٦) .
٨ - الادِّعاء بأن الشريعة هي تجميع عادات وأعراف اجتماعية عربية:
ونجد صدى هذه الدعوة صريحة في كتاب (جذور الشريعة) ، للكاتب خليل عبد الكريم، الذي يذهب إلى أن كل تشريع جاء به الإسلام يعود إلى أصول حياة العرب الجاهليين، لاسيما في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي إبان ظهور الإسلام، فيقول:
(إن الإسلام ورث الكثير من عرب الجزيرة، واستعار العديد من الأنظمة التي كانت بينهم في شتى المجالات: الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية - الحقوقية - وكثيرًا من الشؤون الدينية أو التعبدية:
أخذ منها فريضة الحج وشعيرة العمرة وتعظيم الكعبة، وتقديس شهر رمضان، وحرمة الأشهر الحرم، وثلاثة حدود: الزنا والسرقة وشرب الخمر وشطرًا كبيرًا من المسؤولية الجزائية، مثل القصاص والدية والقسامة والعاقلة ... إلخ.
стр. 18453
وفي باقي المجالات: أخذ بعضها وترك البعض الآخر، وفي أحيان كان يعدل فيها إما بالزيادة أو النقص، وفي أحيان أخرى كان يستعير (النظام) بأكمله دون تحوير فقط بغير اسمه) (١) .
ويصل في النهاية إلى النتيجة التي ابتغاها من بحثه، فيستنتج أن التقاليد العربية السائدة في الفترة السابقة للبعثة أثرت كثيرًا في النصوص المقدسة والسلوكيات، وهذا أمر خطير؛ إذ فيه طعن في النصوص المقدسة (الكتاب والسنة) ، بقوله:
(ولعل هذا الصنيع من جانب هذه الصفوة المختارة من المسلمين والمسلمات، يدل دلاله أكيدة على أن التقاليد العربية التي كانت سائدة في الفترة السابقة على البعثة المحمدية، تركت آثارًا واضحة لا على النصوص المقدسة فحسب، بل على سلوكيات المسلمين من ذوي السابقة، والسلوكيات هنا على درجة متميزة من الأهمية، لأنها لم تصدر من عامة المسلمين ولكن قام بها (أصحاب) أو (صحابة) ، وسلوك هؤلاء تشريع مثله مثل النصوص تمامًا) (٢) .
٩ - الطعن في الحدود والعقوبات الشرعية المحددة في الكتاب والسنة:
فالدكتور (أبو زيد) شكك في قدرة الحدود الشرعية على الإحاطة بالمجرمين وإيقاع العقوبة بهم، لاسيما في حد السرقة، وذلك في كتابه (الخطاب الديني) ، حيث قال:
(وهكذا ينحصر مجال تطبيق حد السرقة على النصابين وصغار اللصوص) (٣) .
أما المستشار (العشماوي) فقد أسهب في الكلام عن الحدود مشكِّكًا في ثبوت صحتها من جهة، ومدى صلاحيتها لقمع الجناة سواء في حد القصاص أو حد الردة أو حد الحرابة أو حد الزنا أو حد شرب الخمر.
стр. 18454
فهو يرد حد الرجم للزاني المحصن معتبرًا أن النبي أمر بالرجم قبل نزول آية الجلد، فقال:
(وثم فريق كبير من المسلمين يرى أن عقوبة الزنا هي الجلد سواء للمحصن أو لغير المحصن، آخذًا بحكم الآية القرآنية، وعلى اعتبار أنه لم يثبت أن الأحاديث المروية كانت بعد نزول آية الجلد، إذ يترجح أن النبي كان قد أمر بالرجم قبل نزول هذه الآية ... ) (١) .
ويقول أيضًا: (كما طعن في حد شرب الخمر وقياسه على حد القذف، لأنه يقوم على افتراء مقدر قد يقع وقد لا يقع، معتبرًا أن العقوبة أيًا كان أمرها ليست حدًا، طالما لم يقض بها القرآن أو يأمر بها النبي ... ) (٢) .
أما حد الحرابة وقطع الطرق فيعتبره خاصًّا بمحاربة الدين، ويرفض تعميمه على كل خارج عن الطاعة، فيقول:
(إن الجزاء المقصود في الآية ليس جزاءً لمن يحمل السلاح على الجماعة أو من يخرج على طاعتها ... ) (٣) .
ويرى كذلك أن تطبيق حد الردة ينافي مبدأ حرية المعتقد وعدم الإكراه على الدين، إذ يقول: (روي عن النبي أنه قال: ((مَنْ بدَّلَ دينه فاقتلوه)) . ولم يحدد النبي القصد بتبديل الدين: هل هو أي تبديل ولو كان إلى الإسلام من غيره؟ أم أن القصد تغيير الإسلام إلى غيره؟.
وفي القرآن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] .
ومن جانب آخر: فإن عدم الإكراه على الإسلام ابتداءً يفيد عدم الإكراه للاستمرار عليه، ولا شك أنه لا خير في من يظل مؤمنًا بدينه على خوف أو إكراه، بل الخسارة في بقائه ملحدًا به في الباطن وهو في الظاهر يدعي الإيمان..) (٤) .
стр. 18455
١٠ - الاعتراض على مبدأ نسبة حدوث الأفعال إلى الله، واعتبار أن إرادة الإنسان تتدخل في تحديد أقداره:
فالمستشار (العشماوى) يرى أن الإرادة البشرية تعمل في المقادير وتؤثر فيها، وذلك في كتابه (أصول الشريعة) ، حيث قال: (وهكذا تعمل الإرادة البشرية في المقادير وتجري الأفلاك) (١) .
أما (أبو زيد) فذهب إلى إنكار نسبة حدوث الأفعال إلى الله، وأن الله هو الفاعل من وراء الأسباب، يقول: (إن الغزالي خلط بين مجالات الفكر الديني الكلامي (المستند إلى مفاهيم أشعرية) ، وبين مجالات البحث في الطبيعة، وانتهى به كل ذلك إلى إهدار قوانين السببية.
من هنا الاعتقاد الخطير الذي ساد الخطاب الديني في الثقافة العربية أن النار لا تحرق، وأن السكين لا تقطع، وأن الله هو الفاعل من وراء كل الأسباب) (٢) .
كما ذهب نفسه إلى اتهام الخطاب الديني بتقييد حرية الإنسان، وتكريس العبودية والإذعان، فقال: (لكن الخطاب الديني يصر على اختصار علاقة الإنسان بالله في بُعدٍ واحد فقط وهو العبودية التي تحصر فاعلية الإنسان في الطاعة والإذعان) (٣) .
١١ - اتهام الفكر الإسلامي بتقييد حرية الاجتهاد، سواء بقصره على نصوص التشريع، أو على منعه في العقائد، وفيما ورد فيه نص (لا اجتهاد في مورد النص) :هذا ما أقره الدكتور (أبو زيد) في كتابه (الخطاب الديني) ، حيث قال:
(وعلى هذا التحديد لمجال الاجتهاد يؤسس الخطاب الديني لمقولة صالحية الشريعة لكل زمان ومكان، ويعارض إلى حد التكفير الاجتهاد في مجال العقائد أو القصص الديني) (٤) .
وهو ما أكده (عبد الهادي) ، حين تحدث عن إغلاق باب الاجتهاد والسقوط في دائرة التكرار والترديد دون النقد والتمحيص.
стр. 18456
١٢ - الطعن في مبادئ الشريعة وأركانها الأساسية، ورفض الدعوة إلى تحكيم الشريعة في حياة الناس، لأنها غير قادرة على وضع الحلول المناسبة لما يواجه الناس من مشكلات:
هذا ما قرره (أبو زيد) ، حيث رأى أن الشريعة عاجزة عن إيجاد حلول عصرية للواقع، لذلك فالدعوة إلى تحكيم الشريعة هي بمثابة إعلان العجز من قبل الدعاة (الخطاب الديني) .
وفي هذا المجال يتهم (أبو زيد) الإسلام بالبعد عن الواقع، لأنه يحارب الأنظمة الوضعية ويعاديها (الخطاب الديني) .
أما (عبد الهادي) فيعتبر إلزام الناس بالعبادات (التي هي من أسس الإسلام) تقييدًا لحريتهم في ممارسة العبادة التي يميلون إليها، ويرى أنه يكفي للإنسان أن ينطق بالشهادتين، ثم تعطى للناس الحرية في اختيار طقوسهم، فيقول:
(فليعتقد الناس بالإسلام دون شكلية طقسية قسرية واحدة، فعلى الناس أن يختاروا طقوسهم وثقافتهم كما يريدون ما دام المبدأ الأول وهو الشهادة قد تم إعلانه ... ) (١) .
١٣ - اعتبار الهدف من رسالة الإسلام ليس نشر الدين، وإنما تأسيس دولة لقريش تحقيقًا لأحلام قصي، ثم عبد المطلب جد النبي ﷺ :
هذا ما قرره (القمني) في كتابه الذي أسماه (الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية) حيث قال:
(أما المهمة الجليلة والعظمى فكانت قيام النبى ﷺ بإنشاء نواة لدولة عربية إسلامية في الجزيرة، محققًا نبوءة جده: إذا أراد الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء) (٢)
وتابعه في ذلك (خليل عبد الكريم) في كتابه (قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية) ، حيث قال:
(وصار الإصهار إلى كبريات القبائل من بعد هاشم سُنة اتبعها خلفاؤه من بناة (دولة قريش) ، مثل ابنه عبد المطلب وحفيده محمد ﵇ الذي تحقق على يده الحلم، وتحول إلى واقع، وبرزت إلي الوجود دولة قريش في يثرب) (٣) .
стр. 18457
إن العلمانيين الذين يكتبون اليوم صرحوا باعتبار الإسلام مرحلة تاريخية، وهي جزء من مخطط قومي تبنته قريش وبنو هاشم، وبما أن الإسلام تاريخي فإذًا وفقًا لسنة التطور وحتمية التاريخ التي يؤمنون بها سيأتي بعده مرحلة، فيقول ميشيل عفلق في كتاب (في سبيل البعث) ص١٢٧: (إن يقظة العرب اقترنت برسالة دينية، أو بالأحرى كانت هذه الحركة - الدينية- مفصحة عن تلك اليقظة القومية) (١) .
ولكن لم يخبرنا السيد عفلق لماذا حارب العرب الأقحاح هذه الحركة التصحيحية كما يسمونها، بل حاربتها قريش وجميع طغاة العرب إن كان هناك ثمة يقظة قومية.
١٤ - التشكيك في قدرة الله على الخلق بقوله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ :
تناول ذلك (القمني) في كتابه (قصة الخلق) ، حيث قال:
(لكن يبدو في مختلف نصوص الديانات السامية أن الأمر (كن) كان مجرد إمكان غير متحقق (حتى الآن) ، أو هو استعداد إلهي موقوف لإثبات القدرة المطلقة فقط، فهو استعداد بالقوة لم ينتقل إلى الفعل، وربما ينتقل من القوة إلى الفعل حين يشاء، لكنه لم يعد الآن مجديًا، بعد أن وجد الكون فعلا بالطريقة اليدوية التصنيعية) (٢) .
١٥- اتباع المناهج والنظريات اليهودية، واعتمادها كمبادئ لأفكارهم ومعتقداتهم: وعلى رأس هؤلاء (فرويد ودارون وماركس) :
فهذا الكاتب (سيد قمني) يتناول مسألة السيادة الأولى ذكورية كانت أم أنثوية، مستدلا بأستاذه (فرويد) ، فيقول:
(لقد حاول الباحثون الإجابة على السؤال: أيهما كان أولا: النظام الأمومي أو الأبوي؟ فافترض (داروين) أن السيادة المطلقة كانت في البداية للذكر (المجتمع الأبوي) ، وأكمل (أتكسون) فقال: إنه قد حدث أن ثار الأبناء على الأب المتسلط القاسي المتوحش فقتلوه وافترسوه سوية، ويستطرد (روبرنسون سميث) فيقول: إنه بعد ذلك مرت مرحلة انتقالية ظهر فيها النظام الأموي، ثم يسلم (فرويد) بكل ذلك ويقول: إن الأوضاع عادت بعد ذلك إلى سابق عهدها، وساد الذكر مرة أخرى) (٣) .
стр. 18458
أما الكاتب (خليل عبد الكريم) فقد تحدث عن مدرسة التحليل النفسي التي تفسر الأحلام، ليشير من خلالها إلى وقوع الاحتلام من الرجال والنساء في مجتمع المدينة، معتبرًا ذلك تعويضًا عن تحقيق رغباتهم:
(وفقت مدرسة التحليل النفسي إلى حد كبير في تفسير الأحلام.. وقالت: إن الحلم هو دائمًا إرضاء لرغبة مكبوتة ... فثمة رغبات أخرى قد تتخذ من الحلم سبيلا وهميًا إلى إرضائها، لأنها لا تجد في عالم الواقع ما يرضيها.
إذن من أهم وظائف الحلم النفسية: تعويض الحالم بما يفتقر إليه في الواقع.. ويرى فرويد وهو يتكلم عن الأحلام وتفسيرها أن لكل حلم محتوى ظاهرًا ومعنى خبيئًا نسميه (الأفكار الكامنة) ، وأنه يجب التمييز بينهما، وأن ذلك لازم في عملية تأويل الأحلام) .
(الرغبة تتحول في الأحلام إلى واقعة، كما تتحول الأفكار المستترة إلى صور ذهنية في أغلب الأحوال) .
ثم يُسقط الكاتب هذه النظرية على مجتمع الصحابة في المدينة المنورة، فيقول:
(وهذا يؤيد فكرتنا التي قلنا بها من أن اتصال الذكر والأنثى كان لديهم من الشواغل الأثيرة، حتى اللاتي لا يجدن ذلك متحققًا في واقع الحياة يرينه في الحلم، وقد ذكرنا فيما سلف ما يؤكده علماء التحليل النفساني من أن الحلم يؤدي دورًا تعويضيًّا كبيرًا بتحقيق الرغبات الكامنة المكبوتة التي لا تجد في الواقع ما يرويها ويشبعها) (١) .
١٦ - التلبيس في مسألة المرأة، واعتبار الإسلام ممتهنًا للمرأة ينظر إليها بازدراء:
فالقمني يتهم المأثور بالتمييز جنسيًّا وخلقيًّا بين الذكر والأنثى، فيقول:
(مأثورنا يعيد وضع المرأة إلى زمن حواء الأسطوري، زمن الخطيئة الأولى، ويمركز الشر كله حولها، فهي شيطان غواية؛ لأنها رفيقة إبليس، ولا تكون مع رجل إلا وكان الشيطان ثالثهما.. حتى قصص الأنبياء تخبرنا أن نساء الأنبياء قد وقعن في الخطيئة.. امرأة نوح، امرأة لوط ... وهكذا يؤسس موروثنا لتبخيس المرأة، فقد خُلقت من ضلع أعوج، وناقصة عقل ودين) (٢) .
стр. 18459
علمًا أنه في نفس السورة ذكرت آسية امرأة فرعون، ومريم بنة عمران، ولكن إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. فما بالك إذا اجتمعا؟!
أما (المستشار العشماوي) فيؤكد موقف الإسلام من المرأة، وانتقاصه إياها، مستندًا إلى نصوص إسلامية في ذلك، ويعزو ذلك إلى توافق نظرته مع نظرة العربي الجاهلي إلى المرأة وتأثره بها. يقول في كتابه (أصول الشريعة) :
(إن نظرة الإسلام عمومًا تتوافق تمامًا مع نظرة العربي، ومَن لديه ذرة شك في أن الإسلام تبنى الموقف نفسه السابق له، فليفسر لنا تفسيرًا علميًّا موضوعيًّا (النصوص المقدسة) الآتية: ((لن يفلح قوم ولو امرأة عليهم)) ، ((النساء ناقصات عقل ودين)) ، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، فشهادة المرأة بنص هذه الآية الشريفة نصف شهادة الرجل (١) .
١٧ - استعراض لآراء حسن حنفي الإلحادية:
ولابد لنا أن نختم هذه الجولة بين افتراءات غلاة العلمانيين العرب، بعرض بعض آراء أستاذ هؤلاء وهو الدكتور حسن حنفي.
أ - الإلحاد بإنكار وجود الله ووصفه بالرذائل:
وفي كتابه من العقيدة إلى الثورة يقول:
(والكذب والإضلال والغواية وكل القبائح تجوز على الله، مادام الله لا يجب عليه شيء) .
(ويكشف أي دليل على إثبات وجود الله على وعي مزيف) (٢) .
ب - نفي خلق الله وتقديره لأفعال العباد:
وجاء أيضًا في المصدر السابق بقوله:
(الله إذن لا يتدخل في أعمال العباد، ولا يشاء منها فعلا إيجابًا أم سلبًا، لم يخلق شيئًا منها وإلا كان مسؤولا عن المعاصي والقبائح والشرور) (٣) .
جـ - إنكار وجود الله أصلا:
وفي المصدر نفسه يقول:
(الإنسان وحده إذن هو الموجود حقيقة، وكل ما سواه موجود بالمجاز) (٤) .
стр. 18460
وفي المصدر نفسه يقول:
(الباعث على نفي الصانع باعث شرعي، وهو الحفاظ على استقلال العالم والحفاظ على الحرية الإنسانية فيه ... ) (١) .
وفي المصدر نفسه يقول:
(الابتهال والدعاء والسؤال والشكر، كل ذلك ليس دليلا على وجود قدرة خارجية يستعيدها الإنسان كي تتدخل في فعله، وتعينه على الإتيان به، بل مجرد موقف إنسان يدل على انحراف في السلوك) (٢) .
وفي المصدر نفسه يقول: (وإذا ما عبد الإنسان الله فإنه يعبد إنسانًا مثله.. ثم يقول: فالله هو العالم والعالم هو الله) (٣) .
د - نظرته إلى الرسول ﷺ والرسل عامة:
جاء في كتاب (من العقيدة إلى الثورة) :
(أما بالنسبة لشخص النبي فلا يلزمه زكاة مال لأنه اختار أن يكون عبدًا والعبد لا زكاة عليه، فلم يورث ولم يورث زمانه حالة إرساله أو ما بعدها حتى موته، والناس فيه بين مقصر ومطول، بين مخصص ومعمم، وتجوز الكبائر من الأنبياء حاشا الكذب في البلاغ، وقد يجوز للنبي الكفر بعد الرسالة وجميع المعاصي الصغار والكبار بما في ذلك قتل النساء وتعريضهن وتفخيذ الصبيان) (٤) .
- وفي المصدر نفسه يقول:
(وإذا كان العقل في غنى عن الرسل فقد كان بإمكان الله اضطرار العقول إلى معرفته دون ما حاجة إلى اللف والدوران، وتأسيس الوحي على العقل، وجعل مَن يقدح في العقل يقدح في النقل) (٥) .
هـ - رأيه في إبليس الرافض لأمر الله:
وفي المصدر نفسه يقول:
(والحقيقة أن إبليس هو رمز الحرية والرفض وتحدي الإنسان) (٦) .
وفي المصدر نفسه يقول:
(لذلك لم يكن إبليس مخطئًا في الرفض ولم يكن مستكبرًا، بل كان واعيًا نظريًّا ومحققًا لفعل الرفض، ومع ذلك فإن موقف إبليس يدل على شيئين:
الأول: الموقف الواعي وعدم الخضوع، والرفض نتيجة لإعمال الفكر.
والثاني: تحدي الآخر والثقة بالنفس) (٧) .
أما في كتابه (التراث والتجديد) فيقول:
(فلا سلطان إلا للعقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه) (٨) .
فالرجل يدعو إلى التحرر من سلطة المنقول (أي النصوص، الكتاب والسنة) ، ويدعو إلى التخلي عن ألفاظ ومصطلحات كثيرة بدعوى أنها تشير إلى مقولات غير إنسانية.
ثم يقول:
(فالانتقال من الله إلى الإنسان الكامل يعبر عن مضمون الله، فكل صفات الله (العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة) كلها صفات الإنسان الكامل، وكل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها. فالإنسان الكامل أكثر تعبيرًا من لفظ (الله) ... (٩) .
стр. 18461
فيعتبر الإنسان الكامل بعد أن كساه صفات الله تعالى كلها أكثر تعبيرًا عن لفظ الله، فهل بعد هذا نحن بحاجة إلى تبيين كلام الرجل؟ فالرجل كان واضحًا ولم يترك شيئًا للاستنتاج.
حتى التوحيد ليس فيه إله، والله مجرد تعبير أدبي، والوحي ليس دينًا بل هو البناء المثالي للعالم، هذا النموذج تخرج على يديه كثير من علمانيي العصر.
ويدعو إلى إسقاط التراث من الحساب، واستبداله بمادة من واقعنا المعاصر، فيقول:
(ومادة التراث نسقطها كلها من الحساب، ونستبدل بها مادة أخرى جديدة من واقعنا المعاصر) .
إلى أن يصل إلى الطامة الكبرى فيقول:
(فالعلمانية هي رجوع إلى المضمون دون الشكل، وإلى الجوهر دون العرض، وإلى الصدق دون النفاق، وإلى وحدة الإنسان دون ازدواجيته، فالعلمانية إذن هي أساس الوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور ... ) (١) .
فالعلمانية إذن هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ! هكذا قلب الأمور رأسًا على عقب، ولكن لنقرأ رأيه في الإلحاد:
(فالإلحاد هو التجديد.. هو التحول من القول إلى العمل، ومن النظر إلى السلوك، ومن الفكر إلى الواقع.. إنه وعي بالحاضر.. ودرء للأخطار.. بل هو المعنى الأصيل للإيمان ... ) (٢) .
стр. 18462
فالإلحاد في رأيه هو المعنى الأصلي للإيمان، فهو بيان ما بعده بيان، فالإلحاد هو الأصل والدين هو الطارئ، جريًا وراء مقولات الغربيين عن تطور الأديان، وأنها بدأت بالتعدد إلى أن وصلت إلى التوحيد، (وهذا ما نجد تكراره اليوم في كثير من كتب العلمانيين المعاصرين) والماركسيون يدلون بدلوهم في الدين والقرآن، ففي كتاب (القرآن وعلومه في مصر) يقول:
(إن الدين الجديد ليس سوى ثروة شاملة تتناول بالتغيير والتطوير كل شؤون الحياة.. ودخول الناس في الإسلام وإيمانهم به لا يعدو أن يكون الانضمام للثورة) .
(إن القرآن هو كتاب هذه الثورة المعبر عنها.. إنه كتاب الثورة الإسلامية الكبرى.. والمصدر النظري الأول.. وكتاب العربية الأقدس.. ومصدر المعرفة بنظرية الثورة) (١) .
فالدين هو ثورة، والقرآن هو كتاب الثورة، وهو كتاب العربية الأقدس.
ويقول عن الصحابة: إنهم قرَّاء ثوريون والطليعة المستنيرة، فالمسألة كلها تقدم وتقدمية ولا أثر للإيمان.. يقول في ذلك:
(القراء المستنيرون الذين بادروا بالانضمام إلى الثورة متخلين في بعض الحالات عن طبقتهم، يعيدون إلى الذهن ما يلحظ في الثورات الكبرى من ظاهرة تخلي بعض المثقفين عن طبقاتهم، فالمثقف الحقيقي يكون عادة شخصًا تقدميًا) (٢) .
стр. 18463
* * *
التوصيات والمقترحات
لقد آن الأوان لإقامة مركز إسلامي لمكافحة الإلحاد والغلو العلماني؛ يأتي على هذه الشبهات ويهلهلها ويكشف زيفها! فلقد اكتشفتُ من مكابدتي لكتبهم أنهم ليسوا على شيء، وإن نفرًا قليلا لا يتجاوز العشرين من علماء المسلمين كافٍ لدحرهم وإعادتهم إلى جحرهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
فلا يجوز أن يُتَرك هؤلاء يعبثون بالدين الإسلامي هكذا.
إن التعرض للأديان في أمريكا وخصوصًا اليهودية، وفي فرنسا بلد الحرية، جريمة يعاقب عليها القانون، طبقت مؤخرًا على روجيه غارودي.
فهل يصبح الإسلام مباحًا لمن هب ودب وفي ديار الإسلام؟
إن الأفكار التي تدور حولها العلمانية هي الإلحاد وذم الدين، ولضعف الأنظمة الرادعة، فلابد من إقامة مركز متخصص لمكافحة الإلحاد والغلو العلماني يتولى الأمور التالية:
١ - إقامة مركز معلومات تجمع فيه جميع الكتب التي هاجمت الإسلام وتصنف الشبهات.
٢ - ترجمة جميع الكتب التي تهاجم الإسلام في الغرب القديمة والمعاصرة، وتحديد شبهاتهم ومصادرهم.
٣ - وضع هذه المعلومات تحت أيدي العلماء للرد عليها وتفنيدها.
٤ - تتبع الرابط بين هذه الأفكار التي يلوكها بعض المغالين العلمانيين لفضح المخطط الذي يُحاك ضد الإسلام.
٥ - إنشاء صحيفة أو دورية تخصص للرد على هذه الأفكار، على أن يكون ثمنها في متناول العامة، وخصوصًا خطباء المساجد.
٦ - إقامة علاقات بين هذه المراكز والقنوات الفضائية العربية لتصحيح هذه المفاهيم والرد على الشبهات، لأنها أوسع انتشارًا.
٧ - توضيح شروط الاجتهاد، لأن الاجتهاد لا يكون لمن هب ودب، وإنما للعلماء المعتبرين، بل الاجتهاد المعتبر في عصرنا الحاضر هو الصادر عن المجامع الفقهية، لأن كثيرًا من الأفراد يدعون الاجتهاد وهم لا يملكون شروطه ووسائله.
٨ - تولي البنك الإسلامي إنشاء هذا المركز، وفي حالة عدم توافر السيولة المادية يمكن اللجوء إلى طلب التبرعات، لأنه مشروع يعتبر من أبواب الجهاد.
стр. 18464
٩ - إعطاء هذا الأمر أولوية خاصة، لأن النظرية السابقة التي كانت تقوم على إهمال الرد عليهم أثبتت فشلها، وهذه كتبهم اليوم يتلقفها الناس ممن لا يفرقون بين الصحيح والسقيم، بدليل أن بعض كتبهم طُبعت للمرة الرابعة، مما يدل على أن الفساد أصبح يستشري بين عامة المسلمين.
١٠ - توجيه جزء من رسائل الماجستير والدكتوراه لمكافحة هذه الشبهات والرد على تلك الكتب.
١١ - إصدار سلاسل من الكتب الصغيرة تحت عنوان: ما لا ينبغي للمثقف جهله، بحيث يخصص كتيب صغير بكل علم، حتى لا يتخبط المثقفون ويكون لديهم الحد الأدنى من الثقافة.
١٢ - طباعة كتب جديدة ميسرة في العقيدة بأساليب عصرية للمثقفين.
١٣ - الإسراع في تحقيق كتب التاريخ الإسلامي حتى لا تكون مصدرًا للبس، لاعتماد الكثير من المستشرقين عليها، وحتى كتب السيرة النبوية بحاجة للتحقيق بموازين علماء الحديث.
١٤ - إصدار كتيبات بالأحاديث المكذوبة (ولو بالمعنى) ، ثم الإحالة إلى المصدر؛ لأنها تُستخدَم ضدنا.
١٥ - الاهتمام بعلم أصول الفقه، وخاصة القواعد الكلية وجعلها جزءًا من الثقافة العامة حتى يطلع المسلم على عَظَمة التشريع الإسلامي، وذلك بأسلوب عصري حديث.
١٦ - تشجيع الشركات الإسلامية الخاصة ببرامج الحاسب الآلي (الكمبيوتر) على نقل أمهات الكتب وفهرستها لتسهيل العودة إليها.
١٧ - إنتاج برنامج حول القرآن، تُظهِر فيه الكتابة بالرسم العثماني والرسم العادي، لأن الكثير من الدول بدأت تهمل دراسة القرآن، وذلك بالصوت والصورة معًا.
* لابد أن نجعل هدفنا هو المثقف العادي، وإعطاؤه حصيلة سهلة يسيرة يستطيع خلالها أن يوازن بين الأمور باستخدام أحسن الوسائل العصرية فلا نريد منهم أن يكونوا علماء، ولكن أن يكون لديهم الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية.
الدكتور عمر عبد الله كامل
стр. 18465
* * *
قائمة المراجع
١ - الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، تحقيق د. البغا، دار ابن كثير.
٢ - أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق.
٣ - الإسلام بين التنوير والتزوير، د. محمد عمارة، دار الشروق.
٤ - الإسلام والتاريخ والحداثة، د. محمد أركون، ترجمة هاشم صالح، مجلة الوحدة، الرباط ١/١٩٨٩م.
٥ - الأسطورة والتراث، سيد محمود القمني، دار سينا.
٦ - أصول الشريعة، محمد سعيد عشماوي، الناشر مدبولي الصغير.
٧ - الإمام الشافعي، وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، د. نصر حامد أبو زيد.
٨ - الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية، خليل عبد الكريم، سينا للنشر.
٩ - حروب دولة الرسول (١) ، سيد محمود القمني، دار مدبولي الصغير.
١٠ - الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية، سيد محمود القمني، دار مدبولي الصغير.
١١ - الخطاب الديني، د. نصر حامد أبو زيد، دار المنتخب العربي.
стр. 18466
١٢ - دواعي الفتوحات الإسلامية ودعاوي المستشرقين، د. جميل عبد الله مصري.
١٣ - سلطة النص، عبد الهادي عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي.
١٤ - الصحابة والصحابة، خليل عبد الكريم، دار سينا.
١٥ - العرب والمرأة (حفرية في الإسطير المخيم) ، خليل عبد الكريم، دار سينا للنشر.
١٦ - العلمانية، محمد مهدي شمس الدين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
١٧ - قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية، خليل عبد الكريم، سينا للنشر.
١٨ - قصة الخلق، سيد محمود القمني، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر.
١٩ - القومية والعلمانية، د. عدنان زرزور، مؤسسة الرسالة.
٢٠ - كواشف زيوف، عبد الرحمن حبنكة، دار القلم.
٢١ - الكيد الأحمر، عبد الرحمن حبنكة، دار القلم.
٢٢ - مجتمع يثرب، خليل عبد الكريم، دار سينا.
٢٣ - محمد والصحابة، خليل عبد الكريم، دار سينا.
٢٤ - معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، د. محمد عمارة، نهضة مصر للنشر والتوزيع.
٢٥ - المفترون، فهمي هويدي، دار الشروق.
٢٦ - من العقيدة إلى الثورة، حسن حنفي، مكتبة مدبولي.
стр. 18467
الإسلام في مواجهة العلمنة
موقف الإسلام من مسألة الحكم والسيادة
إعداد
آية الله الشيخ محمد علي التسخيري
الجمهورية الإسلامية الإيرانية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
موقف الإسلام من مسألة الحكم والسيادة
وفيه فروع مترابطة:
الفرع الأول - الإسلام والحكم:
وبسط الحديث إلى حد ما في هذا الموضوع، يستدعي مراجعة بعض الأقوال الشاذة التي نفت أن يكون الإسلام قد جاء ليعطي نظامًا للحكم، ثم التعقيب عليها بالنظرة المخالفة وبيان الحق والواقع.
ولعل (علي عبد الرازق) مؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) هو الذي أثار هذه الضجة، وإن كنا نستطيع أن نجد ثمة من أيده كخالد محمد خالد وبعض الكتاب الآخرين وبعض المستشرقين أيضًا، وتتلخص نظريته في أن الإسلام لم يخطط نظامًا - ولو بنحو المبادئ العامة للنظام - في مجالات الحكم، وأنه ليس إلا دعوة دينية خالصة لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة، وإذا كان الرسول زعيمًا فليست زعامته زعامة حكم وسلطان، بل هي زعامة دينية لا ربط لها بالزعامة السياسية.
وقد استند في نفيه هذا لتخطيط الإسلام للحكم إلى الأمور التالية:
أولًا - القرآن: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] ، و ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ، و ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] .
وخلاصة الاستدلال أن من لم يكن مسيطرًا ولا وكيلًا، وإنما هو مجرد مبلغ ومبشر ونذير ليس حاكمًا أيضًا (١) .
ثانيًا - السنة الشريفة: ويستند فيها إلى أحاديث ووقائع من مثل ما يلي:
أ - جاء رجل إلى النبي ﷺ فأصابته رعدة شديدة، فقال له الرسول ﷺ : ((هوِّن عليك، فإني لستُ بملك، ولا جبار، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة)) .
ب - قول الرسول ﷺ : ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) .
стр. 18468
ثالثًا - الدليل العقلي: ويتلخص في ادعاءات ثلاثة:
أ - أن من المعقول أن ينظم العالم في وحدة دينية، ولكن ليس من المعقول أن ينظم العالم في حكومة واحدة، فذلك يوشك أن يكون خارجًا عن الطبيعة البشرية.
ب - إن مسألة الحكم غرض دنيوي خلى الله بينها وبين عقولنا.
وأخيرًا: فإن دولة الرسول خلت من كثير من أركان الدولة.
وهو يقول: (ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟) (١) .
هذا وقد نقل الأستاذ (عبد الحميد متولي) بعض الاستنادات الأخرى لبعض العلماء والمحدثين، تدعيمًا لوجهة النظر هذه، وهي:
أولًا: إن المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية هو أبو بكر.
ثانيًا: إن الدين حقائق ثابتة لا تتغير، والدولة نظام متغير.
ثالثًا: فشل الحكومات الدينية واستبدادها، وعدم القبول للتطوير، و (القوة تحتل من طبيعة الحكومة الدينية مساحة واسعة، وهي تستمد تبرير قسوتها وبطشها من نفس الغموض الذي تستمد منه سلطتها) ، كما يقول (خالد محمد خالد) في كتاب (من هنا نبدأ) .
стр. 18469
دوافع القول بهذه النظرية:
يختلف الباحثون حول دوافع القول بها، فبينما يعتبرها بعضهم نظرية قائمة على البحث النزيه، يرى بعض آخر أنها جزء من مخططات الاستعمار، ولكن (الأستاذ متولي) يرى أن الطرفين جانبا الحق، وأن الدوافع تكمن في ما يلي بتلخيص:
١ - أن (علي عبد الرازق) كان يريد أن يثبت هدفه الأساس، وهو أن الخلافة ليست أصلًا من أصول الحكم في الإسلام، وذلك ليضرب به هدف الملك فؤاد - ملك مصر - الذي أراد الاحتلال البريطاني أن يجعله خليفة للمسلمين، بعد أن قام أتاتورك بعزل الخليفة العثماني، وإقامة النظام الجمهوري في تركيا.
٢ - خشية بعضهم من أن يسيطر الفقهاء على شؤون الدولة، ويبثوا روح الجمود فيها، وهو ما أصيب به الفقه الإسلامي بعد سد باب الاجتهاد.
وقد ناقشه بقوله: (ولقد فات أصحاب هذا الرأي أنه كان مما لا يمكن إنكاره أن الأخذ بالرأي الآخر القائل: (بأن الإسلام دين ودولة) ، مما يؤدي بلا ريب إلى الإعلاء من مقام رجال الفقه الإسلامي، فليس من شأنه أن يؤدي حتمًا إلى أن يكون رجال الفقه أو الدين من الحكام، فلم يكن هذا هو الشأن حتى في صدر الإسلام، فمعاوية ويزيد وعمرو بن العاص (وكثير غيرهم من رجال الحكم في ذلك العهد) لم يكونوا علماء الفقه والدين) .
стр. 18470
٣ - التأثر بالفكرة الغربية القائلة: (فصل الدين عن الدولة) .
ويمكننا أن نكون الرأي الحق بملاحظة نقاط ثلاث:
النقطة الأولى:
إن النظر المنصف إلى الإسلام، ونصوصه وتاريخه وضروراته لا يدع مجالًا للمكابرة في أنه يجعل مسألة الحكم في عداد أهم المسائل التي يعالجها ويضع مبادئها، فلنلاحظ هذا بشيء من التفصيل:
أ - طبيعة الإسلام: وإذا تصفحنا خصائص الإسلام عرفنا أن أهم الخصائص وأبعدها غورًا في وجوده هي الواقعية، فالإسلام دين واقعي ينسجم مع الفطرة الإنسانية والواقع التكويني الذي يعيشه الإنسان، ولا يتناقض مع نفسه ومع هدفه مطلقًا، وهذه الواقعية هي التي تفرض أن يهتم الإسلام بمسألة الحكم تمام الاهتمام وذلك:
أولًا: لأن الإسلام جاء دينًا شاملًا لكل نواحي الحياة الإنسانية، مخططًا لكل سلوك، ومعينًا لكل نظام، وليس هناك في حياة الإنسان سلوك ولا فريضة لا يدخل تحت نظام خاص وحكم خاص. وهذا ما نستكشفه من عمل الإسلام على إعطاء رأيه في كل مجال، ومن روايات متعددة تؤكد هذا المبدأ من مثل:
١ - الرواية الصحيحة التي رواها الكليني في الكافي، عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن حماد قال: سمعته (أي أبا عبد الله الصادق ﵇ يقول: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة) (١) .
٢ - وما رواه الكليني في الكافي أيضًا، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر ﵇ قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: ((يا أيها الناس: والله ما من شيء يقربكم من الجنة، ويباعدكم من النار، إلا قد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة، إلا قد نهيتكم عنه)) .
والرواية صحيحة أيضًا، وغيرهما من الروايات التي تؤكد رأي الإسلام حتى في (أرش الخدش) .
стр. 18471
ولعل وجود مفهومي (الحلال والحرام) ، اللذين لا يخرج عنهما أي فعل، أكبر دليل يوضح أن الإسلام أعطى رأيه بالعموم أو بالخصوص في كل سلوك إنساني، وعين مذاهبه السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وأقام نظمه فيها على أساس من مذاهبه العامة، ولا يمكن مع هذا أن نفترض أن الإسلام غافلًا عن مسألة الحكم، أو تاركًا إياها للظروف والتطورات والتقلبات التي تفرض نفسها على المجتمع الإسلامي، وتحكمه وتفرض سيطرتها عليه، دون أن تستمد منه ولايتها ومبادئها العامة على الأقل.
وثانيًا: فإنا حتى لو غضضنا النظر عن مسألة الشمول التي اقتضتها الواقعية الإسلامية، نجد أن الإسلام أعطى الأمة - بلا ريب - نظامًا اقتصاديًّا كاملًا يقوم على مذهب محدد، كما أعطاها نظامًا للعقوبات، وآخر للشؤون الشخصية، ورابعًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وكل هذه النظم يمتلك الحكم فيها مساحة مهمة، بحيث لا يتصور قيام كل منها - كنظام - إلا بافتراض وجود الدولة الإسلامية التي تحتل ذلك الموقع، وتسير على هدى الإسلام وتعيينه لوظيفتها.
يقول الأستاذ المرحوم (محمد المبارك) :
(إن مجموع هذه الأحكام الجنائية والمالية والدولية والدستورية؛ لا يمكن أن يعقل إيرادها والالتزام بها التزامًا يعتقد المؤمن بالإسلام بوجوبه والإثم بتركه؛ إلا إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكم وإقامة الدولة.
ولا يعقل أن يقدم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولة لا تؤمن به، أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه، ولا يقول بهذا إلا من فقد رشده أو غالط نفسه أو قصد المراوغة والخداع) (١) . والطريف أن نجد (جان جاك روسو) يسوغ رفضه للدين العالمي الذي يتدخل في الشؤون المدنية، بأن ذلك يؤدي إلى الاعتراف برئيسين وسلطانين وقانونين! وهو ما لا ريب في سخفه وعدم إمكانه، فيقول: (قد ينقسم الدين على ضوء علاقته بالمجتمع - التي يكون إما علاقة عامة وإما خاصة - إلى نوعين: وهما دين الإنسان ودين المواطن:
الأول: وهو بلا معابد ولا هياكل ولا طقوس، مقتصر على العبادة الداخلية المحض لله الأعلى، وعلى الواجبات الأخلاقية الأبدية يكون دين الإنجيل النقي والبسيط التوحيط الحقيقي، وهو ما يمكن أن نسميه القانون الإلهي الطبيعي.
стр. 18472
الثاني: وهو مدوَّن في بلد وحيد يمنحه آلهته وشفعاءه الخاصين وحماته، وله عقائده وطقوسه وعبادته الخارجية المفروضة بالقوانين، وفيما عدا الأمة التي تعتنقه يكون كل إنسان بالنسبة له كافرًا، أجنبيًّا، بربريًّا، وهو لا يحدد واجبات الإنسان وحقوقه خارج حدود هياكله. كانت هذه هي أديان الشعوب الأولى جميعها، التي يمكن أن نطلق عليها اسم القانون الإلهي المدني أو الوضعي.
ثمة نوع ثالث من الأديان أكثر غرابة، إذ أنه يتقديمه للبشر تشريعين ووطنين يخضعهم لواجبات متناقضة، ويمنعهم من أن يكونوا في آن واحد مؤمنين ومواطنين، ذلك هو دين اللاميين، ودين اليانيين والمسيحية والرومانية، ويمكن تسمية هذا الدين بدين الكاهن، وينشأ عنه نوع من القانون المختلط والانطوائي لا اسم له إطلاقًا.
وإذا ما نظرنا سياسيًّا إلى هذه الأنواع الثلاثة من الأديان، وجدنا أنها تنطوي على أخطاء، فالثالث واضح كل الوضوح أنه سيئ، ومن العبث إضاعة الوقت في البرهان على ذلك، إذ أن كل ما يفرق الوحدة الاجتماعية لا قيمة له، وجميع المؤسسات التي تضع الإنسان في تناقض مع نفسه لا قيمة لها)
(١) .
و (روسو) هنا ينظر للدين نظرة المشرع الوضعي المؤمن بالديمقراطية والنظام المدني، وهو يحاسب الدين على ضوء خدمته لهذا النظام، فيقسم الدين إلى: دين روحاني عالمي لا ربط له بالحياة، وآخر إقليمي ذي هياكل وهو يسند القانون الوضعي، وثالث عالمي متدخل في شؤون الإنسان، ويرى أن الثالث واضح البطلان.
стр. 18473
والواقع أن الدين العالمي المتدخل لو كان يعترف بقانونين وسلطانين ووطنين أحدهما للدين والآخر للدولة، فما أبعده عن الواقع، ولكن الإسلام وهو الدين العالمي المنظم لشؤون الإنسان على ضوء علم وحكمة إلهيين واسعين، لا يسمح بقيام نظام وسلطة أخرى إلى جنب سلطته وحكومته، وإلا ألقى الإنسان في تناقض مع نفسه، كما فعلت المسيحية المحرفة بتدخلها القليل في شؤون الإنسان واعترافها بالنظم المدنية.
إن الإسلام يعتبر نفسه هو الحاكم وهو المسيطر، وهو المطاع وهو الموجه لشؤون الحياة، كما ستأتي بعض النصوص في ذلك، وهو الذي يربط بين شؤون الدنيا والآخرة ربطًا تامًا، حتى إنه دعا لأن تكون الحياة بمفهومها الواسع عبادة وقربة إلى الله، فلا معنى للقول بعد ذلك بأن هذا من أمور الدنيا وذاك من أمور الآخرة، وهذا من أمور الدين، وذلك من أمور الدولة والدنيا، وأمثال ذلك.
ثالثًا: لأن القرآن والإسلام دعوة انقلابية تربوية، تريد أن تربي الإنسانية العابدة، وتنفي كل بذور الجاهلية في العقيدة والنظام والأخلاق والتقاليد وغيرها. والتربية تعني - أول ما تعني - مسك أزمة الأمور، ثم وضع برنامج تربوي عام، وخلق التلاؤم بين مختلف نواحي الحياة ونظمها، خدمة لذلك الهدف التربوي العام الذي بينته الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، تحقيقًا لمدارج التكامل الإنساني، ومن هنا يتغير هدف الحكومة في الإسلام، ويختلف عن أهداف الحكومة في المجتمعات الوضعية - كما قلناه -، حيث ركزت على تحقيق رفاه المواطنين وراحتهم، في حين يطلب الإسلام من (الإمام) وهو عنوان الدولة الإسلامية أن يراقب تحولات المجتمع، ويسوقه نحو كماله في مختلف الجوانب، كما سيأتي مزيد توضيح لهذه النقطة.
стр. 18474
رابعًا: فإن طبيعة العقيدة الإسلامية تقضي أن تستمد الحكومة ولايتها وقدرتها ومبادئها من الإسلام، فإن أساس الإسلام هو التوحيد الخالص، وولاية الله الحقيقية ومالكيته للكون والإنسان، ولن يملك أي إنسان ولاية على آخر، إلا بسماح الله له، وقد رأينا من قبل أن الحكومة بطبيعتها تحتاج إلى من يمنحها هذه الولاية، ووفقًا للعقيدة الإسلامية وأساسها التوحيدي الحنيف لا يملك حتى الناس أنفسهم سلطة تولية الآخرين عليهم إلا بإذن إلهي.
ومن هنا كان النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما في حديث الغدير المتواتر، وكان الإمام طبقًا له أولى بالمؤمنين كما سيأتي.
هذا بيان موجز عن اقتضاء طبيعة الإسلام وواقعيته لأن يضع الإسلام أسس دولته الخالدة خلود رسالته.
ب - النصوص الإسلامية:
والنصوص الإسلامية التي تشير من قرب أو من بُعد إلى التحام مسألة الحكم بالإسلام كثيرة، نلاحظ منها ما يلي:
يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ، و ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] ، و ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وروي عن الرسول ﷺ قوله المقطوع به: ((مَن مات وليس في عنقه بيعة لإمام؛ فقد مات في جاهلية)) .
وحديث الغدير الذي أكد فيه ﷺ أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأمثال ذلك.
стр. 18475
بل إذا لاحظنا الأدلة القاطعة التي تؤيد وجهة النظر هي التي استقي بعضها من الروايات، عرفنا أن مسألة الحكم تشكل مَعلمًا بارزًا من معالم الإسلام، وبدونها لا يكمل الدين، بل يشكل نظام الإمامة امتدادًا للنبوة مع فوارق بينهما. ولكنا نكتفي هنا بذكر نص واحد عن الإمام الرضا، يقول فيه: (يا عبد العزيز: جهل القوم، وخدعوا عن أديانهم، إن الله ﵎ لم يقبض نبيه ﷺ حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما تحتاج إليه الأمة، فقال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمرة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وأمر الإمام من تمام الدين، ولم يرحل ﷺ حتى بيَّن لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم) (١) .
جـ - التاريخ الإسلامي:
ولا تجدنا بحاجة إلى استعراضه، لوضوح قيادة النبي ﷺ والصحابة والأئمة لشؤون الحكم. وما كان الهدف المعلن للإمام الحسين إلا إسقاط يزيد لكونه مغتصبًا للحكم؛ ومن ثم ممارسة الإمام لحقه في الخلافة وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
د - الضرورة الإسلامية:
فإن مسألة الحكم وارتباطها بالإسلام لم يختلف فيها أحد، فحتى الخوارج الذين رفضوا حكام عصرهم نسبوا الحكم إلى الله، غافلين عن أن الله لابد وأن يعيِّن من يطبق شريعته على الأرض، ويقود عملية التربية الكبرى.
стр. 18476
النقطة الثانية:
بالنسبة إلى الدوافع التي ذكرت للقول بفصل الإسلام عن مسألة الحكم نود أن نقول: إن علائم التعمد والتحريف واضحة في كتاب (الإسلام وأصول الحكم) ، ولعل مؤلفه كان أدرى بأن ما يستدل به لا يتجاوز ما لا يستقيم دلالته على مدلوله، أو ما لا يعدو كونه قصة تاريخية لا تملك سندًا شرعيًّا، أو ظنًّا لا يغني عن الحق شيئًا.
أما الدوافع التي ذكرت بعد ذلك، فالدافع الأول منها: سياسي محض وفرض وهم، إذ كيف يمكن أن نتصور بريطانيا تعمل على إرجاع الخلافة الإسلامية، ولو في شخص رجل منحرف مثل الملك فؤاد، وهي التي عملت المستحيل وتوسلت بكل السبل لإفناء الخلافة العثمانية، بفعل تحريك العميل الصهيوني الكبير أتاتورك، وتحريك نفر من العرب وإثارة الروح القومية فيهم، وأمثال ذلك، فلا يعدو ذلك إلا وهمًا. نعم يمكن أن نتصور الاستعمار البريطاني نفسه يدفع أمثال (علي عبد الرازق) لفصل الإسلام عن مسألة الحكم، وبالتالي خلق روحية الحكم المدني، وجعل الدين ذا دور هامشي، غير أساس في التشريع، وهو ما طبقه الاستعمار فعلًا في الدويلات التي شكلها بشكل غير مباشر، وصاغ قوانينها الوضعية، معطيًا للإسلام بعض المجالات القليلة كالشؤون الشخصية من زواج وطلاق وأمثالهما.
وأما الدافع الثاني: وهو التخوف من سيطرة الفقهاء على الدولة وتجميدها، فقد رأينا (الدكتور متولي) يرده بأن الحكم الإسلامي يعزز مكانة الفقيه، ولكنه لا يجعله رجل الدولة الوحيد. ثم يذكر مثلًا للحاكم الإسلامي مجسدًا في حكام مثل يزيد، ولم يكن يزيد بن معاوية من الفقهاء مطلقًا.
والرد قد يمكن توجيهه إلى حد ما طبقًا للأطروحة التي تعتمد الشورى أساسًا، وإن أمكن القول بأن أهل الحل والعقد المتدينين سوف يميلون بالطبع إلى رجال الفقه والدين، فإذا افترضنا هؤلاء ممن ابتلوا بالجمود كان من المتوقع للدولة الجمود على وضعها، وعدم تطورها، وهذا ما يرفضه المنطق الاجتماعي. ولكن النقص الأساسي في الرد يكمن في تمثيله بحكام امتلكوا الأمر بالجور والقتل والقهر، وشوهوا وجه التاريخ الإسلامي بالظلم والهتك والمكر. فهل يرضى الدكتور أن يمتلك أمر الأمة أمثال يزيد؟ إنها والله الداهية الدهياء. على أن الرد لا ينسجم مع النظرية التي تعطي الفقيه الدور الأساسي في الأطروحة ضمن شروط خاصة، كما سنبين.
стр. 18477
وأما الدافع الثالث: فهو دافع متوقع جدًا بعد انتشار نفوذ الغرب وتصوره عن الدين، وتشبع بعض المثقفين العرب بذلك وانبهارهم بنظام الغرب الديمقراطي الذي يفصل بين الدين والسلطة، وهو أمر ينسجم مع الدين المسيحي المنحرف، والذي لم يعد سوى دين ينظم جوانب العبادة الشكلية لا غير. وسنوضح هذه النقطة في البحث التالي عن العلمانية.
والشيء المهم الذي نود التنبيه عليه في هذا المجال هو أن نقاط الضعف الكبرى الموجودة في بعض التصورات لنظام الحكم في الإسلام كان لها أكبر الأثر في موقف هؤلاء، إن لم تكن هي الدافع الرئيس لذلك، ولكنا هنا نلخص بعضها الذي يحتمل قويًّا تأثيره في هذا الموقف:
أ - ضعف الأدلة المقامة على نوعية نظام الحكم (الشورى) المستقل عن عنصر الولاية، وقبولها كلها للمناقشة الدلالية، وبعضها للمناقشة السندية، ولعل كلمة خالد محمد خالد تشير إلى ذلك.
ب - غموض نظام الشورى وعدم احتوائه - على الأقل - على المبادئ الضرورية لتكوين أي نظام.
جـ - تأرجح تطبيق هذا النظام بين تطبيقات مختلفة.
د - تعميم عنوان (ولي الأمر) لكل مَن أمسك بأزِمّة الأمور، وتعيين وجوب طاعته حتى لو كان فاسقًا.
هـ - وجود نقاط ضعف، لعل أهمها ما جاء في تفسير حديث:
((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) .
فإذا ضممنا إلى ما تقدم: المستوى الفكري غير المقبول الذي وصل إليه بعض الفقهاء في العصور الأخيرة، والجمود الذي ابتلوا به إثر إغلاق باب الاجتهاد، والتبعية المطلقة للرئاسة الدينية للدولة القائمة، وحدوث الكثير من العقبات في وجه من يدعي الفقه، إذا ضممنا إليه كل ذلك عرفنا جانبًا مهمًّا من جوانب هذه الدعوة الخطيرة.
стр. 18478
النقطة الثالثة:
مناقشة أدلة هذا الاتجاه، وهنا لا بأس بالتعرض للرد الموجز على الأدلة المذكورة.
أولًا - الآيات القرآنية:
من قبيل ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] ، ومن الواضح لكل من لاحظ هذه الآيات وأنها آيات مكية إلا الآية الكريمة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] ، ولاحظ أسباب نزولها، أنها كانت تطيب من خاطر النبي ﷺ ، الذي كان يتألم كثيرًا لإعراض بعض المشركين ووقوفهم بوجه دعوته الكبرى، فتخبره أن لا يبخع نفسه على أن لا يكونوا مؤمنين، فليس عليه إلا البلاغ، أما إذا رفضوا الإسلام فليس هو بوكيل حفيظ عليهم، وبالتالي فإنها لا تدل على المدعى المذكور، وليست بهذا الصدد.
ويوضح هذا - بالإضافة لملاحظة سياق الآيات وأسباب نزولها - الآيات الكثيرة التي ذكرنا بعضها، والتي تؤكد أن الرسول هو الشهيد على هذه الأمة، وتوجب طاعته وقيادته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وكلها تتحدث عن قيادته ومسؤوليته تجاه أمته، وأنه أولى بها من نفسها.
أما الكافرون المكذبون فليس هو بمسؤول عن تكذيبهم، وإنما سيجزون بما كفروا يوم القيامة. وكذلك يوضح ذلك موقف الرسول العملي وقيادته للحياة العامة، وعدم اقتصاره على مجرد التبليغ والإنذار بالضرورة.
ثانيًا: الأحاديث النبوية:
فلو غضضنا النظر عن أسانيدها ولم نناقش رواتها واحدًا واحدًا - وهو طبيعي - فإن الحديث الأول واضح الدلالة على أن الحاكم الإسلامي، حتى ولو كان هو النبي ﷺ ليس ملكًا جبارًا مستبدًا يحكم هواه ويقتل بغير حساب، ويقهر رعيته بالرهبة والجبروت، وإنما ينبغي أن يكون الرحيم العطوف الودود برعيته كما كان النبي ﷺ . وقد كان علي ﵇ في أصحابه كأحدهم وهو يكتب إلى عامله على مصر (مالك الأشتر) كتابًا رائعًا يقول فيه من جملة ما يقول: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن سبعًا ضاريًّا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق
) (١) .
стр. 18479
أما حديث ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم))
فإنه أقوى دلالة على المطلوب لو صح، وإن كان من الممكن النقاش فيه على أسا أن المقصود من أمور الدنيا الأمور التجريبية التي يدركها الإنسان بالممارسة، وليست مسألة الحكم أمرًا من هذا القبيل، بل هي العمود الرئيس للمجتمع الذي يعمل الإسلام على بنائه، وخصوصًا بالنسبة لفترة ما بعد الرسول ﷺ .
ولكن الكلام كل الكلام في صحة هذا الحديث وذلك:
أ - كيف يعقل أن لا يعلم النبي ﷺ أمور الدنيا وهو الذي يعيش في مجتمع أهم زراعة فيه هو زراعة النخل - أن تأبيره ضروري، لإنتاجه حتى لو فرضناه غير متصل بالسماء في هذه الأمور على الأقل؟ وكيف لم يرد عليه الفلاحون؟
ب - إن الإسلام كما قلنا أعطى رأيه في مختلف الشؤون الدنيوية بعد أن ضبط كل تصرفات الإنسان تحت عنواني الحلال والحرام كما مر، وقد تدخل النبي ﷺ في مختلف شؤونهم الحياتية حتى بصفته ولي الأمر، فقاد الجيوش ووجههم في مختلف الأمور كما في المجال الصحي وفي المجال الاقتصادي، وأمثال ذلك.
جـ - وقد قام بعض العلماء بمناقشة هذا الحديث سندًا ودلالة فأغنونا عن البحث فيه.
ثالثًا - الأدلة العقلية:
وكلها لا تصلح دليلًا على المدعى؛ أما استبعاد إمكان الحكومة العالمية، فهو قائم على أساس أنه يفرض على الجميع نمطًا واحدًا من السلوك بالرغم من اختلاف المناطق بينهم، وأن يكون الموجه الواحد للعالم والحكومة الواحدة متمثلًا بحكومة الإسلام والإمام، ولا يوجد أي مانع عقلي أو واقعي من ذلك، بل إن بعض كبار المفكرين والسياسيين في العصر الحديث يعدون ذلك إحدى الضرورات التي لا غنى عنها للبشرية - على أنه لا يهمنا رأي هؤلاء - بعد أن وعد الله المؤمنين بالدولة العالمية التي تملأ الأرض قسطًا وعدلًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] .
стр. 18480
إن الإسلام - كما هو واضح من مختلف جهاته - يريد أن ينسق مسيرة الأرض الواحدة نحو تكاملها، وهذا لا يفرض إلا وحدة عامة، ولا مانع فيه من الاختلاف في بعض التطبيقات مراعاة للظروف.
وأما مدعاه في أن مسألة الحكم أمر دنيوي خلى فيه الرسول بيننا وبين عقولنا فقد توضح أمره مما سبق.
وأما المدعى الثالث في أن الرسول لم يَبْنِ الدولة، ولا وضع مبادئ الحكم، ولم يوصِ بشيء، ولا عيَّن تفصيلات الشورى، فالواقع فيه أن الرسول لاحظ كل ما يتعلق بهذا الأمر، فخطط لإقامة الدولة الإسلامية أروع تخطيط يتناسب - طبعًا - ومستوى الاحتياجات في عصره، ثم بين أهم مبدأ في نظام الحكم؛ بأن جعل الحاكم الأول في الدولة هو الإنسان العالم السائر على خط الإسلام الذي يعين شكل التنظيم الإداري، وهو يختلف باختلاف الظروف.
وأما ما ذكره بعض الأشخاص تأييدًا له فهو أيضًا غير صحيح، إذِ المؤسس الحقيقي لنظام الحكم الإسلامي هو النبي ﷺ .
وأما ما قيل من أن الدين نظام ثابت والدولة نظام متغير فهو أمر يخلط فيه بين جوانب الدين الثابتة التي تعالج أمورًا ثابتة، وجوانب الدين المرنة التي تعالج أمورًا متغيرة؛ كمسألة نوعية التنظيم والإدارة، فإن الجوانب المتغيرة من الحياة كعلاقة الإنسان بالطبيعة تنظمها قواعد مرنة تختلف تطبيقاتها باختلاف الظروف، مثل قواعد (منع الضرر) و (التزاحم بين الأهم والمهم) ... وأمثال ذلك.
ومن تلك الجوانب أسلوب الإدارة المختلف باختلاف الظروف، ولذا شكلت منطقة فراغ يملؤها الإمام، وربما عمد إلى الشورى في ذلك، أما الشكل العام الذي ينسجم مع الضوابط العامة فهو أمر ثابت لا يتغير، وسيأتي مزيد حديث عن هذا في البحث التالي.
стр. 18481
أما مسألة فشل الحكومات الدينية فليس يعني أن كل حكومة دينية فاشلة مطلقًا، خصوصًا بعد أن صرنا نجد الحكومات المذكورة لا تتبع النظام الإسلامي الكامل، وتحيد عن الصيغة الإسلامية بأي شكل تصورناها. وهل يتحمل الإسلام وزر عمل الطاغية يزيد والحجاج وباقي حكام الجور وبعض الخلفاء العثمانيين وأمثالهم؟
وربما يحلو لبعض الكتاب مثل طه حسين أن يجعل الزمان غير مناسب للحكومة الإسلامية التي أرادها علي ﵇. ولذلك لم ينجح في إنشاء دولة العدل بعد أن مال الناس إلى ملكية معاية فيقول: (كان علي ﵇ يدير خلافة وكان معاوية يدير ملكًا، وكان عصر الخلافة قد انقضى وكان عصر الملك قد أطل) .
ولكن طه حسين لم يلتفت إلى وجود العقبات في وجه أمير المؤمنين لم يكن من مقتضيات التطور الاجتماعي، وإنما هي حالة طارئة وجدت بفعل عوامل معينة، ولم تكن لتستطيع الثبات بوجه العدل العلوي لو فقدت أحد مقوماتها صدفة، كان لم يخدع بعض الناس فيعلن الثورة على أمير المؤمنين، مما خلق الضعف الكبير في الدولة الإسلامية التي يقودها، وأفشل التطبيق الإسلامي النظيف، وحرمنا الكثير من الخيرات.
وبالرغم من كل هذا فإن الفرص التي أتيحت للحكم الديني كي يشمل المجتمع شكلت أروع تجربة بشرية على
الإطلاق، بل إن هناك أنماطًا من التطبيق المنحرف لنظام الحكم الإسلامي هي أفضل بكثير من تطبيق أي نظام لا إسلامي بشهادة التاريخ.
الفرع الثاني - العلمانية الغربية وآثارها على العالم الإسلامي:
والمقصود بالعلمانية: المأخوذة من كلمة (العالم) أي (الزمان) ، أن يكون الحكم بيد قادة زمنيين لا يلتزمون بالدين تشريعًا وتنفيذًا، ومن الخطأ تفسيرها بأنها مذهب يدعو للاستفادة من العلم الحديث مثلًا، أو أنها مجرد مذهب يدعو لإقامة التنظيم الإداري والاجتماعي على أسس علمية مدروسة وأمثال ذلك.
وقد نشأ هذا المذهب من خلال إرهاصات عديدة وصراعات بين السلطة الدينية والسلطة المدنية في الغرب، وهو ما اعترفت به المسيحية بادئ الأمر، مما خلق هذا التناقض المرير وأدى في النهاية إلى هذا المذهب.
وقد ذكر بعض الكتاب أن دعاة العلمانية يسوقون الحجج التالية لضرورة بناء الدولة العلمانية، واستمداد التشريع والتنفيذ من غير الدين، بل وعدم إعطائه محلًا لائقًا في المجتمع، وهي:
١ - إن الدولة الدينية تعني سيطرة رجال الدين، مما يعني تحكمهم بمصائر الناس.
٢ - إن قوانين الدولة الدينية ثابتة كنظرتها إلى الحقيقة، وهي تؤدي بالتالي إلى بقاء المجتمع وعدم تطوره، وهذا شبيه بما قاله الماركسيون لرد الفلسفة المثالية، والقول بتطور الحقيقة نفسها.
стр. 18482
٣ - ومن النادر وجود دولة ينتسب جميع مواطنيها إلى دين واحد، فإذا كانت الحكومة دينية وقع التمييز بين الموطنين.
٤ - إن الدين له تصورات معينة عن الكون والحياة والإنسان والتاريخ، والدولة الدينية تتبع تلك التصورات، مما يعرقل التقدم العلمي، ويقود إلى فجائع حفل بها التاريخ.
٥ - جاء في تصريحات بعض القادة العلمانيين أن المناداة بدولة دينية تعني إعطاء إسرائيل مسوغًا لقيامها واعتدائها، وهي بالتالي خدمة للصهيونية العالمية.
هذا في حين تتمتع الدولة العلمانية بالخصائص التالية:
١ - الحركية والاستمرار والتطور الاجتماعي.
٢ - مركز حقوقي متساوٍ لجميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية.
٣ - سيطرة الشعب على الحكم وكونه مصدر السلطات.
٤ - فسح المجال لحركة التقدم العلمي.
العلمانية والإسلام:
لا ريب في أن المسيحية قنعت بنصيب ما منحتها إياه بعض العلمانيات المعتدلة بحيث تقوم بنشاط معين في إطار الدولة العلمانية، في قبال العلمانية الماركسية التي رفضت أي نشاط متصور لها، وهذا ما حدث أخيرًا في إيطاليا مثلًا. ولكن ما هو موقف الإسلام منها؟ وهل تمتلك مسوغاتها في الحقل الإسلامي؟ إننا نرى أن الإسلام لم يدع - منذ البدء - مجالًا لحدوث هذه النتيجة بعد أن قرر:
أولًا: وحدة السلطتين الدينية والسياسية، بل جعل تعيين الإمام (وهو القائد السياسي والديني في آن واحد) إتمامًا للدين، وإكمالًا للنعمة السماوية على الأرض كلها، ولم يسمح بأي انفصال جوهري بينهما، وأي انفصال رئي بعد ذلك فإنما كان يعبر عن تطبيق غير سليم للإسلام.
وإذا رجعنا إلى ملاحظة صفات الإمام أو الحاكم في الإسلام لم يبق مجال مطلقًا لتصور عملية تكريس للذات ومصالحها، بعد فرض علمه الفقهي الواسع، والتزامه الكامل بتطبيق الشريعة الإسلامية المقررة. هذا والتاريخ يشهد على السيرة الممتازة التي سار فيها قادة المسلمين، بغض النظر عن بعض الذين تمادوا وطغوا. وإذا نظرنا إلى نظام (نيابة الفقيه عن الإمام) وولايته، وجدنا أن الفقيه لا يمتلك هذا المقام إلا بعد توفر شروط أهمها (الكفاءة، والعدالة، والفقه العميق) ويفقد أي قدرة بفقدان أي منها، والأمة المشبعة بروح هذه الشروط هي المراقبة لسير هذا الفقيه، كما أن مجلس الفقهاء العدول الأكفاء هو الحارس الأمين على السير الصحيح (١) .
стр. 18483
وحتى إذا نظرنا لنظام الشورى - بدون ولاية لشخص ما - نجد أنه أفضل بكثير من أي نظام زمني يسلم أموره كلها لآراء الشعب، لأنه يسير وفق تشريع سماوي مسبق وطبق ضوابط شرعية.
وعلى أي حال، فإن الإسلام لم يفسح المجال مطلقًا لظهور هذه الثنائية بين السلطة المدنية والسلطة الدينية، وهي من أفدح الأخطاء التي تفقد السلطة السياسية دورها الحقيقي، في نفس الوقت الذي تشوه حقيقة الدين وتوجيهه للحياة.
ثانيًا: خطط الإسلام للجانب المتغير من الحياة، فوضع القواعد العامة، والأحكام الظاهرية والاضطرارية، وفتح مناطق فراغ يملؤها الحاكم الإسلامي الفقيه العادل على ضوء مشورته ومتطلبات الظروف، إلى جنب إشباعه للجانب الثابت في الحياة الإنسانية - وهو الجانب الفطري الأصيل - بقوانين ثابتة، فلا مجال إذن للجمود، وأمثال ذلك.
وقد تصور هؤلاء أن الدولة الدينية لما كانت تقوم على الإيمان بحقائق فلسفية مطلقة ثابتة، بل وتؤمن بلزوم الإطلاق في الحقيقة، بمعنى (مطابقة الفكرة للواقع الخارجي) ، فهذا يعني الإيمان بقوانين اجتماعية ثابتة لا تتغير مطلقًا، وهو لا يعدو مجرد خلط وسخف، فالإيمان بالحقيقة المطلقة شرط لأن نفترض إمكان المعرفة وحصول اليقين بالواقع الموضوعي الخارجي، ولا ربط له بالإيمان بثبات كل النظم الاجتماعية أو عدمه.
إن الإسلام يؤمن بتطوير كثير من الجوانب الاجتماعية، في نفس الوقت الذي يؤمن فيه بثبات الحقيقة الفلسفية، لأنهما مجالان لا ربط بينهما ولا يخلط بينهما إلا جاهل أو مغالط.
стр. 18484
ثالثًا: إن الإسلام أعطى الدين مفهومه الصحيح، فلم يعد مجرد شأن شخصي يمكن أن يتنازل عنه الفرد لصالح النظام الاجتماعي العام - كما اعتبره الغربيون - ومن هنا قالوا بأن إقامة الدولة الدينية تعني إعطاء امتيازات شخصية لأتباع الدين دون غيرهم، وإنما عاد الدين كل شيء في حياة الإنسان، لأنه تصورات واقعية عن الكون والإنسان يثبتها المنطق الصحيح، ونظم تعالج مسيرة الإنسان على ضوء علم إلهي غير محدد وحكمة شاملة، ومع هذا التصور والمبدأ يختلف التقييم.
إن الدين حينئذٍ يحاول أن يبني الإنسانية الصالحة، لا أن ينظم مجرد علاقة روحية شخصية للفرد بخالقه، وانطلاقًا من هذا المبدأ فمن الطبيعي أن نتوقع للإسلام أن يقود الحياة كلها، ولا يسلم أموره بيد دولة لا تؤمن به، ومن الطبيعي بحكم كونه دينًا مخولًا من رب الإنسانية أن يدعو الناس جميعًا للدخول تحت سلطته، كما أن من الطبيعي أن يكون المسلم المنسجم مع الهدف أوسع حقوقًا، كما يكون أكثر تحملًا للمسؤوليات في الدولة المسلمة.
وهذا لا يعني أن الإسلام يعمل على وضع تمايزات كبرى في دولته بين المسلم وغير المسلم، وإنما يقيم توازنًا بين الحقوق والمسؤوليات، كما هو مبين في متون الفقه الإسلامي.
وربما نجد بعض المفكرين المسلمين يعالجون المسألة من سبيل آخر، فيدعون أن كون الدولة مسلمة في الأقطار الإسلامية أمر طبيعي وسائر وفق القوانين الديمقراطية بعد انتخاب الأكثرية المسلمة لها، وهذا الإصلاح أمر لا مسوغ له بعد ملاحظة حقيقة التصور الإسلامي للحكم، وإن الإسلام لا يحكم من خلال هذا المنطق، وليس لمبدأ الأكثرية تأثير إلا في إطار سماح المذهب الإسلامي للحكم. والواقع أننا يجب أن لا نجعل الديمقراطية هي الأصل الذي يقرر مصير الحكم الإسلامي، والتشريعات الإسلامية للحياة، فالعكس هو السبيل المنطقي الصحيح.
رابعًا: ولا نجدنا هنا بحاجة لتوضيح موقف الإسلام من التقدم العلمي، واحتضانه للعلماء في مختلف المجالات، ويكفيه أنه صنع - رغم الانحراف في تطبيقه - الحضارة العلمية الناصعة في عصر كانت أوروبا تغط فيه في سبات قاتل. والواقع أنه لا يمكن تقديم مثل واحد يوضح وقوف الإسلام أمام أي تقدم إنساني، في حين يمكن تقديم الأمثلة الكثيرة على تنمية الإسلام لروح التقدم الإنساني والبحث، وقد فرض الإسلام - كفاية - العمل على كون المجتمع الإسلامي دائمًا في طليعة المجتمعات، نعم، كان التقدم العلمي في الإسلام إنسانيًّا، أي منسجمًا مع التقدم الأخلاقي لا متعارضًا معه، وهذا له مجاله الرحب من الحديث.
стр. 18485
وعليه: فإن العلمانية تفقد أي مسوغ لها في الإطار الإسلامي، وإنما حمل لواءها الاستعمار وعاونه بعض المسيحيين والمسلمين المتفرجين، ورفعوا لواء الإصلاح ونجحوا في ما قاموا به على اختلاف في درجات النجاح، ولكن النتيجة لم تكن إلا التخلف وربط مسيرة الأمة بعجلة الغرب، وفقدان الأمة جل خصائصها الإيجابية، وتحكم الطغاة فيها بمختلف الألوان.
الفرع الثالث - الإسلام والسيادة في الدولة:
اتضح من البحوث السابقة أن الإسلام يعتبر نفسه هو المسؤول الأول والأخير عن نظام الحكم في الأمة المسلمة، ولذا لا يبقى أي شك في أن السيادة في تصور الإسلام لله تعالى باعتباره المولى الحقيقي، وبهذا الاعتبار نستطيع أن نقرر منطقية الحكم الإسلامي ووجدانيته.
ولذا فلسنا مع الدكتور (عبد الحميد متولي) في رده العنيف على طرح (مشكلة السيادة) في البحوث الإسلامية، مدعيًا أنها نظرية نشأت في ظروف فرنسية، وأن الظروف التي دعت لطرح المشكلة هي ظروف أوروبية محضة وقد زالت فعلًا، ومؤكدًا أن العلماء المسلمين لم يبحثوها، وأن بحثها الحديث يولد أضرارًا منها: نسبة بعض الأخطاء إلى بعض الخلفاء والعلماء، ومنها ادعاء الثيوقراطية للنظام الإسلامي، مع أن الثيوقراطية في نظر علماء الغرب تعتبر الشكل المعروف للدولة في حياة البشرية في حالتها البدائية، كما أنها تعني في بعض صورها (نظرية التفويض الإلهي) التي استند إليها السلاطين لتسويغ استبدادهم. وأخيرًا يقول: (مما تقدم يتبين أن الإسلام في غير حاجة إلى إثارة تلك المسألة، أو المشكلة التي تؤدي إثارتها إلى حل مشكلة من مشكلاته، وإنما تؤدي إلى خلق مشكلة جديدة، الإسلام عنها في غنى) (١) .
والواقع: أننا لم نتفهم كيف عادت هذه المسألة أمرًا غير ذي بال، وكيف لم تكن مطروحة لدى المسلمين، بالرغم من أنهم جميعًا استدلوا على صحة ما يقولون بدليل شرعي، يثبت في نظرهم أن الله منح السيادة لهذا الشخص مباشرة، أو لمن يصل إلى هذا المنصب عن طريق معين وبشروط معينة، ولو كان ذلك عن طريق انتخاب الأمة أو أهل الحل والعقد.