أما مسألة فشل الحكومات الدينية فليس يعني أن كل حكومة دينية فاشلة مطلقًا، خصوصًا بعد أن صرنا نجد الحكومات المذكورة لا تتبع النظام الإسلامي الكامل، وتحيد عن الصيغة الإسلامية بأي شكل تصورناها. وهل يتحمل الإسلام وزر عمل الطاغية يزيد والحجاج وباقي حكام الجور وبعض الخلفاء العثمانيين وأمثالهم؟
وربما يحلو لبعض الكتاب مثل طه حسين أن يجعل الزمان غير مناسب للحكومة الإسلامية التي أرادها علي ﵇. ولذلك لم ينجح في إنشاء دولة العدل بعد أن مال الناس إلى ملكية معاية فيقول: (كان علي ﵇ يدير خلافة وكان معاوية يدير ملكًا، وكان عصر الخلافة قد انقضى وكان عصر الملك قد أطل) .
ولكن طه حسين لم يلتفت إلى وجود العقبات في وجه أمير المؤمنين لم يكن من مقتضيات التطور الاجتماعي، وإنما هي حالة طارئة وجدت بفعل عوامل معينة، ولم تكن لتستطيع الثبات بوجه العدل العلوي لو فقدت أحد مقوماتها صدفة، كان لم يخدع بعض الناس فيعلن الثورة على أمير المؤمنين، مما خلق الضعف الكبير في الدولة الإسلامية التي يقودها، وأفشل التطبيق الإسلامي النظيف، وحرمنا الكثير من الخيرات.
وبالرغم من كل هذا فإن الفرص التي أتيحت للحكم الديني كي يشمل المجتمع شكلت أروع تجربة بشرية على
الإطلاق، بل إن هناك أنماطًا من التطبيق المنحرف لنظام الحكم الإسلامي هي أفضل بكثير من تطبيق أي نظام لا إسلامي بشهادة التاريخ.
الفرع الثاني - العلمانية الغربية وآثارها على العالم الإسلامي:
والمقصود بالعلمانية: المأخوذة من كلمة (العالم) أي (الزمان) ، أن يكون الحكم بيد قادة زمنيين لا يلتزمون بالدين تشريعًا وتنفيذًا، ومن الخطأ تفسيرها بأنها مذهب يدعو للاستفادة من العلم الحديث مثلًا، أو أنها مجرد مذهب يدعو لإقامة التنظيم الإداري والاجتماعي على أسس علمية مدروسة وأمثال ذلك.
وقد نشأ هذا المذهب من خلال إرهاصات عديدة وصراعات بين السلطة الدينية والسلطة المدنية في الغرب، وهو ما اعترفت به المسيحية بادئ الأمر، مما خلق هذا التناقض المرير وأدى في النهاية إلى هذا المذهب.
وقد ذكر بعض الكتاب أن دعاة العلمانية يسوقون الحجج التالية لضرورة بناء الدولة العلمانية، واستمداد التشريع والتنفيذ من غير الدين، بل وعدم إعطائه محلًا لائقًا في المجتمع، وهي:
١ - إن الدولة الدينية تعني سيطرة رجال الدين، مما يعني تحكمهم بمصائر الناس.
٢ - إن قوانين الدولة الدينية ثابتة كنظرتها إلى الحقيقة، وهي تؤدي بالتالي إلى بقاء المجتمع وعدم تطوره، وهذا شبيه بما قاله الماركسيون لرد الفلسفة المثالية، والقول بتطور الحقيقة نفسها.
стр. 18482
٣ - ومن النادر وجود دولة ينتسب جميع مواطنيها إلى دين واحد، فإذا كانت الحكومة دينية وقع التمييز بين الموطنين.
٤ - إن الدين له تصورات معينة عن الكون والحياة والإنسان والتاريخ، والدولة الدينية تتبع تلك التصورات، مما يعرقل التقدم العلمي، ويقود إلى فجائع حفل بها التاريخ.
٥ - جاء في تصريحات بعض القادة العلمانيين أن المناداة بدولة دينية تعني إعطاء إسرائيل مسوغًا لقيامها واعتدائها، وهي بالتالي خدمة للصهيونية العالمية.
هذا في حين تتمتع الدولة العلمانية بالخصائص التالية:
١ - الحركية والاستمرار والتطور الاجتماعي.
٢ - مركز حقوقي متساوٍ لجميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية.
٣ - سيطرة الشعب على الحكم وكونه مصدر السلطات.
٤ - فسح المجال لحركة التقدم العلمي.
العلمانية والإسلام:
لا ريب في أن المسيحية قنعت بنصيب ما منحتها إياه بعض العلمانيات المعتدلة بحيث تقوم بنشاط معين في إطار الدولة العلمانية، في قبال العلمانية الماركسية التي رفضت أي نشاط متصور لها، وهذا ما حدث أخيرًا في إيطاليا مثلًا. ولكن ما هو موقف الإسلام منها؟ وهل تمتلك مسوغاتها في الحقل الإسلامي؟ إننا نرى أن الإسلام لم يدع - منذ البدء - مجالًا لحدوث هذه النتيجة بعد أن قرر:
أولًا: وحدة السلطتين الدينية والسياسية، بل جعل تعيين الإمام (وهو القائد السياسي والديني في آن واحد) إتمامًا للدين، وإكمالًا للنعمة السماوية على الأرض كلها، ولم يسمح بأي انفصال جوهري بينهما، وأي انفصال رئي بعد ذلك فإنما كان يعبر عن تطبيق غير سليم للإسلام.
وإذا رجعنا إلى ملاحظة صفات الإمام أو الحاكم في الإسلام لم يبق مجال مطلقًا لتصور عملية تكريس للذات ومصالحها، بعد فرض علمه الفقهي الواسع، والتزامه الكامل بتطبيق الشريعة الإسلامية المقررة. هذا والتاريخ يشهد على السيرة الممتازة التي سار فيها قادة المسلمين، بغض النظر عن بعض الذين تمادوا وطغوا. وإذا نظرنا إلى نظام (نيابة الفقيه عن الإمام) وولايته، وجدنا أن الفقيه لا يمتلك هذا المقام إلا بعد توفر شروط أهمها (الكفاءة، والعدالة، والفقه العميق) ويفقد أي قدرة بفقدان أي منها، والأمة المشبعة بروح هذه الشروط هي المراقبة لسير هذا الفقيه، كما أن مجلس الفقهاء العدول الأكفاء هو الحارس الأمين على السير الصحيح (١) .
стр. 18483
وحتى إذا نظرنا لنظام الشورى - بدون ولاية لشخص ما - نجد أنه أفضل بكثير من أي نظام زمني يسلم أموره كلها لآراء الشعب، لأنه يسير وفق تشريع سماوي مسبق وطبق ضوابط شرعية.
وعلى أي حال، فإن الإسلام لم يفسح المجال مطلقًا لظهور هذه الثنائية بين السلطة المدنية والسلطة الدينية، وهي من أفدح الأخطاء التي تفقد السلطة السياسية دورها الحقيقي، في نفس الوقت الذي تشوه حقيقة الدين وتوجيهه للحياة.
ثانيًا: خطط الإسلام للجانب المتغير من الحياة، فوضع القواعد العامة، والأحكام الظاهرية والاضطرارية، وفتح مناطق فراغ يملؤها الحاكم الإسلامي الفقيه العادل على ضوء مشورته ومتطلبات الظروف، إلى جنب إشباعه للجانب الثابت في الحياة الإنسانية - وهو الجانب الفطري الأصيل - بقوانين ثابتة، فلا مجال إذن للجمود، وأمثال ذلك.
وقد تصور هؤلاء أن الدولة الدينية لما كانت تقوم على الإيمان بحقائق فلسفية مطلقة ثابتة، بل وتؤمن بلزوم الإطلاق في الحقيقة، بمعنى (مطابقة الفكرة للواقع الخارجي) ، فهذا يعني الإيمان بقوانين اجتماعية ثابتة لا تتغير مطلقًا، وهو لا يعدو مجرد خلط وسخف، فالإيمان بالحقيقة المطلقة شرط لأن نفترض إمكان المعرفة وحصول اليقين بالواقع الموضوعي الخارجي، ولا ربط له بالإيمان بثبات كل النظم الاجتماعية أو عدمه.
إن الإسلام يؤمن بتطوير كثير من الجوانب الاجتماعية، في نفس الوقت الذي يؤمن فيه بثبات الحقيقة الفلسفية، لأنهما مجالان لا ربط بينهما ولا يخلط بينهما إلا جاهل أو مغالط.
стр. 18484
ثالثًا: إن الإسلام أعطى الدين مفهومه الصحيح، فلم يعد مجرد شأن شخصي يمكن أن يتنازل عنه الفرد لصالح النظام الاجتماعي العام - كما اعتبره الغربيون - ومن هنا قالوا بأن إقامة الدولة الدينية تعني إعطاء امتيازات شخصية لأتباع الدين دون غيرهم، وإنما عاد الدين كل شيء في حياة الإنسان، لأنه تصورات واقعية عن الكون والإنسان يثبتها المنطق الصحيح، ونظم تعالج مسيرة الإنسان على ضوء علم إلهي غير محدد وحكمة شاملة، ومع هذا التصور والمبدأ يختلف التقييم.
إن الدين حينئذٍ يحاول أن يبني الإنسانية الصالحة، لا أن ينظم مجرد علاقة روحية شخصية للفرد بخالقه، وانطلاقًا من هذا المبدأ فمن الطبيعي أن نتوقع للإسلام أن يقود الحياة كلها، ولا يسلم أموره بيد دولة لا تؤمن به، ومن الطبيعي بحكم كونه دينًا مخولًا من رب الإنسانية أن يدعو الناس جميعًا للدخول تحت سلطته، كما أن من الطبيعي أن يكون المسلم المنسجم مع الهدف أوسع حقوقًا، كما يكون أكثر تحملًا للمسؤوليات في الدولة المسلمة.
وهذا لا يعني أن الإسلام يعمل على وضع تمايزات كبرى في دولته بين المسلم وغير المسلم، وإنما يقيم توازنًا بين الحقوق والمسؤوليات، كما هو مبين في متون الفقه الإسلامي.
وربما نجد بعض المفكرين المسلمين يعالجون المسألة من سبيل آخر، فيدعون أن كون الدولة مسلمة في الأقطار الإسلامية أمر طبيعي وسائر وفق القوانين الديمقراطية بعد انتخاب الأكثرية المسلمة لها، وهذا الإصلاح أمر لا مسوغ له بعد ملاحظة حقيقة التصور الإسلامي للحكم، وإن الإسلام لا يحكم من خلال هذا المنطق، وليس لمبدأ الأكثرية تأثير إلا في إطار سماح المذهب الإسلامي للحكم. والواقع أننا يجب أن لا نجعل الديمقراطية هي الأصل الذي يقرر مصير الحكم الإسلامي، والتشريعات الإسلامية للحياة، فالعكس هو السبيل المنطقي الصحيح.
رابعًا: ولا نجدنا هنا بحاجة لتوضيح موقف الإسلام من التقدم العلمي، واحتضانه للعلماء في مختلف المجالات، ويكفيه أنه صنع - رغم الانحراف في تطبيقه - الحضارة العلمية الناصعة في عصر كانت أوروبا تغط فيه في سبات قاتل. والواقع أنه لا يمكن تقديم مثل واحد يوضح وقوف الإسلام أمام أي تقدم إنساني، في حين يمكن تقديم الأمثلة الكثيرة على تنمية الإسلام لروح التقدم الإنساني والبحث، وقد فرض الإسلام - كفاية - العمل على كون المجتمع الإسلامي دائمًا في طليعة المجتمعات، نعم، كان التقدم العلمي في الإسلام إنسانيًّا، أي منسجمًا مع التقدم الأخلاقي لا متعارضًا معه، وهذا له مجاله الرحب من الحديث.
стр. 18485
وعليه: فإن العلمانية تفقد أي مسوغ لها في الإطار الإسلامي، وإنما حمل لواءها الاستعمار وعاونه بعض المسيحيين والمسلمين المتفرجين، ورفعوا لواء الإصلاح ونجحوا في ما قاموا به على اختلاف في درجات النجاح، ولكن النتيجة لم تكن إلا التخلف وربط مسيرة الأمة بعجلة الغرب، وفقدان الأمة جل خصائصها الإيجابية، وتحكم الطغاة فيها بمختلف الألوان.
الفرع الثالث - الإسلام والسيادة في الدولة:
اتضح من البحوث السابقة أن الإسلام يعتبر نفسه هو المسؤول الأول والأخير عن نظام الحكم في الأمة المسلمة، ولذا لا يبقى أي شك في أن السيادة في تصور الإسلام لله تعالى باعتباره المولى الحقيقي، وبهذا الاعتبار نستطيع أن نقرر منطقية الحكم الإسلامي ووجدانيته.
ولذا فلسنا مع الدكتور (عبد الحميد متولي) في رده العنيف على طرح (مشكلة السيادة) في البحوث الإسلامية، مدعيًا أنها نظرية نشأت في ظروف فرنسية، وأن الظروف التي دعت لطرح المشكلة هي ظروف أوروبية محضة وقد زالت فعلًا، ومؤكدًا أن العلماء المسلمين لم يبحثوها، وأن بحثها الحديث يولد أضرارًا منها: نسبة بعض الأخطاء إلى بعض الخلفاء والعلماء، ومنها ادعاء الثيوقراطية للنظام الإسلامي، مع أن الثيوقراطية في نظر علماء الغرب تعتبر الشكل المعروف للدولة في حياة البشرية في حالتها البدائية، كما أنها تعني في بعض صورها (نظرية التفويض الإلهي) التي استند إليها السلاطين لتسويغ استبدادهم. وأخيرًا يقول: (مما تقدم يتبين أن الإسلام في غير حاجة إلى إثارة تلك المسألة، أو المشكلة التي تؤدي إثارتها إلى حل مشكلة من مشكلاته، وإنما تؤدي إلى خلق مشكلة جديدة، الإسلام عنها في غنى) (١) .
والواقع: أننا لم نتفهم كيف عادت هذه المسألة أمرًا غير ذي بال، وكيف لم تكن مطروحة لدى المسلمين، بالرغم من أنهم جميعًا استدلوا على صحة ما يقولون بدليل شرعي، يثبت في نظرهم أن الله منح السيادة لهذا الشخص مباشرة، أو لمن يصل إلى هذا المنصب عن طريق معين وبشروط معينة، ولو كان ذلك عن طريق انتخاب الأمة أو أهل الحل والعقد.
стр. 18486
إننا إذا عزلنا الحاكم عن هذه المسألة لم يكن يملك فرض أي حكم عام، ولعل وضوح كون السيادة في الإسلام لله هو الذي صور للدكتور المذكور أن المسلمين لم يعرفوا هذا المبدأ.
أما ما ذكره من الأخطاء (في تصوره) فليست إلا أخطاء في البحث أو النسبة، وكشفًا لفضائح كان ينبغي أن تكشف كما في مجال عمل بعض حكام السوء والمتملقين لهم. وواضح أن النظام الإسلامي يختلف تمام الاختلاف عن الثيوقراطية الغربية، وقد أشار إلى ذلك المودودي في كتابه.
نعم، لم يكن هناك إلا نزاع صوري بين من جعل حق السيادة لله - من السنة - كالمودودي، ومن جعلها حقًا للأمة - كالخفيف - فإن هذا الأخير أيضًا إنما يتصورها حقًا للأمة بإعطاء الله هذا الحق لها، إذ يستدل على مبدأ الشورى بمثل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] و ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] مع فرض أن المولى هنا في مقام التشريع لا الإخبار عن حق مسبق للأمة، بل حتى لو كان يخبر فإنما يخبر عن جعل إلهي مسبق لهذا الحق للأمة.
وعلى أي حال فالانفاق الإسلامي حاصل على أن حق السيادة لله لا غير، وإنما يبحث عمن أعطاه الله هذا الحق.
خامسًا: أما ما ذكر من قبل بعض القادة العلمانيين فهو أمر غريب حقًا. ذلك أننا إذا استندنا إلى هذا المنطق تجاهلنا:
أولًا: كل التعاليم الإسلامية الداعية إلى الحكم الإسلامي، وإقامة نظام الحياة الاجتماعية على أساس ديني:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] .
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧
стр. 18487
وتناقصنا مع إيماننا:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] .
وثانيًا: فإن إسرائيل لم تقم على منطق سوى السيف والقوة والاعتداء، ومثل هذا التقول يكاد يعطيها الحق في القيام، باعتبار أنه يشكل الدليل التالي:
إسرائيل تقوم على أساس الدين الواحد.
وفكرة كون الدين أساسًا للحياة هي فكرة صائبة، فإسرائيل تقوم على حق.
في حين أن الواقع في المسألة الإسرائيلية:
١ - أنها لا تؤمن بأي دين حتى اليهودية، وليست سوى قاعدة استعمارية استكبارية زرعها الكفر ليفجر المنطقة الإسلامية، ويسوقها إلى أهدافه الرخيصة.
٢ - أنها لم تستند في قيامها إلى مثل هذا المنطق، استنادًا حقيقيًّا، بحيث يفسح لها المجال في القيام، وإنما كانت ذريعة سبقتها القوة والغصب.
٣ - إن فلسطين هي أرض إسلامية منذ مئات السنين وحتى اليوم، فلا بد أن يدعو هذا المنطق (منطق قيام الحكم على أساس ديني) إلى قيام حكومة إسلامية فيها، خصوصًا إذا علمنا أن أكثر يهودها قد جاءوا من أماكن أخرى، وأن أكثر أهاليها الحقيقيين قد شردوا في البلاد الأخرى.
وثالثًا: إذا كان هناك من يستغل مبدأ صحيحًا ويطبقه تطبيقًا خاطئًا فهل هذا يعني أن نرفع أيدينا عن المبدأ الصحيح؟
فمثلًا: إذا كان من ادعوا (المهدوية) في التاريخ أناسًا منحرفين؛ فهل هذا يعني أن نرفع أيدينا عن الإيمان بفكرة (المهدوية) التي كثرت الروايات وتواترت على صحتها، لا لشيء إلا لأن بعض الأشخاص استغلوها غاية الاستغلال؟ أو فلنقل: إن كان هناك أنبياء مزيفون فهل هذا يلزمنا بعدم الإيمان بمبدأ النبوة مطلقًا؟
стр. 18488
نموذج متطرف من كتابات العلمانيين
في ختام حديثنا عن العلمانية رأينا أن نقدم نموذجًا واحدًا من كتابات العلمانيين العرب، وهو نموذج يطفح بالإلحاد، رغم ادعاء صاحبه بأنه لا يتنافى والحقائق الدينية، وينافح ويكافح في سبيل تأصيل الفكرة العلمانية، وبنائها على أسس فلسفية، مدعيًا أن المنطق العقلي يرفض أن يكون الدين والحقائق الدينية (حتى لو قبلناها ولم نناقش فيها) أساسًا للنظام الاجتماعي، في حين لا يمانع من قيام العقل الإنساني الناقص، أو قيام الماركسية أو الرأسمالية مثلًا ببناء مثل هذا النظام. وسنبدأ حديثنا بالإشارة إلى مباحث كتاب (الأسس الفلسفية للعلمانية) لعادل ضاهر، ثم نعقب عليه باختصار مشيرين إلى بعض نقاط الضعف التي يزخر فيها رغم كونه من أنضج الكتب العلمانية.
في مطلع الكتاب، يؤكد الكاتب على مبدأ (أسبقية العقل على النص، ص٥) ، وينعى على أولئك الذين يلتمسون مبررًا للعلمانية من الدين، ويرى أنهم يقعون في تناقض.
ويعلن أن العلمانية قد تراجعت أمام الدين في حياتنا، ويعلل ذلك: بأنها لم تقم في سياق حركة نقدية شاملة، لذلك نشأت هشة، وسرعان ما هُزمت.
ويؤكد أنه يسعى لبيان قدرة الإنسان بمفرده لتحديد موقفه من الحياة بعيدًا عن الدين، وأن العوامل المعرفية والميتا أخلاقية والميتا سياسية تؤكد ذلك، وأنه لا يمكن - عقلًا - أن تكون المعارف الاجتماعية العلمية مشتقة من المعرفة الدينية، وهذا يعني أن علينا أن نؤول كل النصوص القرآنية والدينية، التي تدل على العلاقة بين المعرفتين (الدينية والاجتماعية) ، لتعود العلاقة علاقة تاريخية محضة، لها مبرراتها التاريخية لا مبرراتها المفهومية والمنطقية.
وفي مطلع بحثه يفترض إمكان المعرفة الدينية - وإن كان يشكك فيها في الأصل - كما يفترض إمكان المعرفة الاجتماعية ليدرس العلاقة بينهما.
وقبل أن يدرس هذه العلاقة يرد على بعض العلمانيين والإسلاميين جَعْلَهُم الظروف الغربية المناخ المناسب لنشوء العلمانية، الأمر الذي لا يسمح لها بالظهور في التربة الإسلامية (ص٤٣) ، مذكرًا بأن هناك معاصرة بينهما لا غير، وأن جوهر العلمانية هو رفض وجود أي مرجع تشريعي سوى العقل الإنساني، ومهما تصورنا من مرجعية (مرجعية الوحي، نظام الكنيسة، دار الإفتاء ... ) فإنها تتنافى مع العلمانية، حتى ولو كانت بمستوى الهيمنة الروحية على الأفراد (ص٥١) .
стр. 18489
ويؤكد أن الالتزام السياسي يجب أن لا يأتي إلا من العقل الإنساني، بعيدًا عن الدين، وأن اللجوء إلى الاعتبارات الدينية لإضفاء الشرعية على الدولة مرفوض مبدئيًّا (ص٥٢) .
ويرى أن بعض الكتاب الإسلاميين يقعون في تناقض حينما يؤمنون بـ (الدولة الإسلامية) ، كما يؤمنون بأهمية (العقل العملي) ، نعم لو أن شخصًا اقتضى العقل العملي لديه أن كل ما يقول به الدين في الحياة الاجتماعية صحيح؛ فلا يمكن حرمانه من لقب (العلمانية) (ص٦١) .
ويؤكد: أن العلمانية اللينة هي التي تدعو إلى إقامة دولة لا دينية على أساس من اعتبارات اجتماعية أو نفسية أو سياسية أو تاريخية، أو على أساس أنها لا يمكن أن تكون ديمقراطية إذا كانت دينية، ويصنف العلمانيين الذين يستندون إلى النصوص الدينية إلى هذه (الليونة) ، أما العلمانية الصلبة والأصلية فهي تلك التي تقيم تناقضًا عقليًّا بين المفهومين، فتؤكد أن المعرفة الاجتماعية لا يمكن أن تجد أساسها الأخير في المعرفة الدينية (ص٧٣) ، وأن المعرفة القيمية العلمية تسبق بطبيعة الحال المعرفة الدينية، ويعتبر هذه المقولة هي أطروحة الكتاب (ص٧٤) ، ولا يرى ذلك منافيًّا للإيمان بالله.
وتقوم فكرته الفلسفية على قضيتين، هما:
المعرفة الدينية يجب أن تكون ضرورية، والمعرفة العلمية الاجتماعية يجب أن تكون جائزة (أي تحتمل البدائل المتنوعة) ولا يمكن أن تكون القضية الجائزة مستنتجة من القضية الضرورية عقلًا.
ويدخل هنا في بحث مطول عن وجود الله وصفاته سواء صفات الذات أو صفات الفعل - دون أن يميز بينها - مناقشًا الإطلاق في هذه الصفات، فالقدرة المطلقة لا تشمل المستحيلات، ولا تشمل الأمور غير العقلانية أيضًا.
وربما دخل في البحث الفلسفي الموجود عن تقدم الماهية على الوجود أو العكس.
стр. 18490
كما يبحث في المعرفة العملية، ويرى أنها مكونة من أمرين: علمي وأخلاقي معياري، لينتهي إلى أنه لا يمكن إضفاء طابع الضرورة على الأحكام الأخلاقية (ص١٥٦) ، وهذا يشمل حتى المبادئ الأخلاقية الأساسية كمبدأ العدالة والحرية والمنفعة، فهي غير مطلقة، لأنها قد تتعارض فيتم تقييدها، وهكذا يصل إلى ما يسميه بالمقولة المنطقية الأساسية، وهي أنه لا يمكن اشتقاق الجائز من الضروري، والقرآن لا يمكن أن يعطينا معرفة علمية جائزة (ص١٧١) ، ولا يمكن اشتقاق معرفة معيارية من أي خطاب ديني (ص١٧٥) ، متعرضًا بشكل سطحي جدًّا إلى قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) وقاعدة: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، معتبرًا القاعدة الأخيرة تحصيل حاصل لا يحتاج منا إلى وحي.
وعن العلاقة بين الأخلاق والدين: يطرح مسألة التحسين والتقبيح العقليين، ليؤيد فكرة المعتزلة والإمامية القائلين بأن الحُسن والقُبح ذاتيان، ويستنتج أن العقل يسبق الوحي بل يعتمد عليه الوحي.
وفي ما يسميه بالأطروحة الأبستمولوجية الثانية يفترض أن الإنسان قادر على تكوين المعرفة الاجتماعية، ولكن هناك معوقات تمنعه من استكمال المعرفة الأخلاقية من قبيل:
(الأنانية والميول والعجز عن التنبؤ، والطبيعة الخاطئة) ، ثم يسعى لبيان إمكانية غلبة الإنسان على هذه الموانع متسائلًا: لماذا نقبل أن تقف هذه عقبة أمام المعرفة العملية دون أن تمنع من تكون المعرفة الدينية؟
وفي نص آخر يتحدث عن موجبات طاعة الله، ويحصرها في كونه حاكمًا وكونه مالكًا، ليؤكد على أن هاتين الحيثيتين لا تؤديان إلى الالتزام المطلق بعد أن كانت هناك اعتبارات عقلانية، لينتهي إلى جعل المرجع النهائي هو (الاعتبارات العقلانية) (ص٢٨١) ، ويطرح في مسألة الالتزام الديني شبهات من قبيل:
أولًا - الدين إنما يعرفنا واجباتنا الأولية لا واجباتنا بالفعل وهي مقيدة بالظروف الزمانية والمكانية.
ثانيًا - إن واسطتنا في الإطاعة هي النصوص، وهي لا تنفع إلا إذا تطابقت مع الاعتبارات العقلانية.
ثالثًا: إن رجوعنا إلى الله عن طريق هذه النصوص هو أصعب من رجوعنا مباشرة إلى هذه الاعتبارات، لتعرضها للتحريف.
وهو في الواقع يعمل جاهدًا على نفي مرجعية الوحي، والعودة إلى ما يسميه بالاعتبارات العقلانية في عملية التشريع كلها.
стр. 18491
ويطرح هنا ما يمكن أن يطرحه المؤمنون من افتراضات ليناقشها وهي:
إذا كان النص قطعي الثبوت، وإذا كانت النبوة ثابتة، وإذا كان الوحي يعني الطريقة المباشرة (غير الاستدلالية) للمعرفة، فأمر الله معروف ولا شك فيه (ص٢٩٢) . ويركز في المناقشة على عملية (الوحي) ، ويحاول أن يحللها مثيرًا شبهة توهم النبي للوحي، وهي شبهة قديمة معروفة تحاول أن تبقي على صدق النبي فيما يقوله، ولكنها تشكك في المدعى من جهة أن هناك فرقًا بين الإحساس بالألم، وما يبدو أنه إحساس بالألم.
ومن هنا فهو يؤكد أن الوحي ليس من مقولة الحدس، ولا من مقولة الحس، لينتهي إلى أنه (تجربة داخلية) لدى النبي، وهذا يعني بالتالي فقدان أثر العصمة، لأن معطى الوحي يمثل تمازجًا بين معطى الله والنوازع الداخلية للنبي، ثم إن الذي يميز عملية الوحي ودقتها هو العقل.
ثم يؤكد أنه لما لم تكن هناك مقولة للتمييز بين الأنبياء الصادقين والكاذبين سوى العقل فالمرجع إذن العقل.
الإسلام والعلمانية:
وفي هذا الفصل يعمل على جعل العلاقة مجرد تقارن تاريخي لا غير، ويعمل في هذا الفصل أيضًا على مناقشة ما يطرحه من قضايا، من قبيل:
١ - أن الله يأمر بتنظيم الحياة السياسية، ولا يمكنه إلا أن يكون آمرًا بذلك.
٢ - أن الله يأمر بالنظام رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية.
٣ - أن المسلم هو وحده المأمور بإقامة الدولة الإسلامية.
٤ - أن الإنسان عاجز عن تنظيم حياته بمفرده.
وهي قضايا يطرحها نيابة عن القائلين بأطروحة الصحوة الإسلامية، ثم يبدأ بالإيراد عليها بإيرادات من قبيل:
أ - أن الظروف هي التي جرت الرسول إلى التقنين، فلو لم يعاند أهل مكة ولم يهاجر النبي إلى المدينة لكان هناك احتمال آخر (وهي قضية يرددها علمانيون آخرون من قبيل الدكتور سروش) .
ب - أن الإسلام صفة عامة لكل الأديان، ولو كان يلازم الدولة لما وجدنا المسيحية مثلًا ترفض الفكرة.
جـ - الإشارة إلى قاعدته؛ أن الجائز لا ينتج من الضروري.
د - أن ثبات النظام مع تغير الظروف مستحيل، ولا يأمر الله بالمستحيل، وهنا يهاجم القائلين بمسألة خلود النظام هجومًا مرًّا (ص٢٣٩) .
كما يهاجم فكرة (لا اجتهاد مع النص) وفكرة (أن النصوص المطلقة يجب العمل بها وفق إطلاقها) ، ثم يعمل على التشكيك في النصوص القرآنية (ص٣٣٩) .
стр. 18492
ويفرق بشكل غريب بين إطلاق النص وإطلاق مضمونه وهو القاعدة، ثم يطرح فكرة (واجبات الوهلة الأولى) ، ولعله يقصد بها فكرة الواجبات بالعنوان الأولي، التي يمكن أن تتغير بطرح العنوان الثانوي.
ويحاول طرح فكرة (تحريم لحم الخنزير لضرره) ، فإذا زال الضرر حل ذلك.
ويعتبر الإيمان بالمصالح المرسلة نقضًا لإطلاق الأحكام الإلهية.
ويعمل على التفريق الاعتباطي بين القواعد العامة كحرمة شهادة الزور وحرمة القتل، والأخرى كجلد الزانية وإرث الأنثى، فيرى إمكان ثبات الأولى دون الثانية.
وأخيرًا: يطرح فكرة (الطبيعة الكونية للإسلام) ، مستبعدًا كل ما يراه أنه يعارضها، ويستفيد من كلام بعض الكتاب الإسلاميين أن الإسلام جاء بتوجيهات عامة وكليات، أن مرادهم هو الإيمان بالمبادئ المعيارية (ص٣٥٠) ، إلا أنه يستدرك على ذلك أيضًا باعتبار:
١ - أن هذه المبادئ ليست ذات مضمون سياسي، ولا تبنى به المؤسسات الاجتماعية.
٢ - أن العمل بها هو عمل بالعقل لا بالوحي، لأننا إذا أردنا أن نجعلها كونية كان علينا أن نجردها من خصوصياتها الإسلامية، فهي تتنافي مع مبدأ أن الإسلام هو وحده المكلف بإقامة الدولة الإسلامية، وإلا كان علينا أن نؤمن بالنسبية الأخلاقية.
وأخيرًا يطرح فكرة أن استقلالية الإنسان في تعقله، وفي كينونته الأخلاقية، تتعارض مع فكرة الدولة الدينية لينتهي إلى غرضه الأصلي من الكتاب، وهو الاعتماد على العقل المجرد من الدين في صياغة الحياة.
وإذا كان لنا أن نلاحظ على الكاتب بشكل موجز قلنا:
أولًا: إن الكتاب رغم ما يبدو فيه من اتباع للمنهج العلمي المنطقي يفقد الكثير من المصداقية المنطقية، وخصوصًا عند محاولته المغالطة.
فإن أهم ما يعتمد عليه هو قوله: إن القضية الضرورية لا تنتج القضية الجائزة، جاعلًا إياها قضية منطقية صدقت مقدماتها، فلابد أن تصدق نتائجها بنفس المستوى. وليس الأمر كذلك، فإنه يريد من القضية الضرورية (القضية الدينية العقائدية) وهي قضية ضرورية قطعية حتمًا، أما القضية العملية الاجتماعية فلها حلول عديدة ولا إلزام بالحل الواحد.
стр. 18493
ونلاحظ هنا:
١ - أن الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته لا يستلزم مطلقًا الإيمان بوحدة النظام الاجتماعي بكل أبعاده رغم اختلاف الظروف والمكان، فمن الجائز منطقيًّا أن الله تعالى يخير الإنسان بين حلول متعددة لمشكلته الاجتماعية، والفقهاء كلهم يطرحون فكرة الواجب التخييري، وفكرة القاعدة التي تتعدد مصاديقها التنفيذية، بل من الجائز أن يبيح الله للإنسان أن يعمل فكره وعقله في منطقة معينة ليملأها بتشريعاته المتغيرة. وهو ما عبر عنه المرحوم الشهيد الصدر بمنطقة الفراغ التشريعي، أو ما يمكن أن يسمى بالمنطقة الولائية، أو منطقة المباحات - كما أشرنا لذلك في بحث مستقل - ولا يتنافى كل ذلك مع ضرورية القضية الدينية، وبهذا ينهار أساس استدلاله الفلسفي في مجمل الكتاب، فليست القضية هي من الشكل الأول المنطقي ليقال إن ضرورية المقدمات تنتج ضرورية النتائج.
٢ - أن القضية الاجتماعية قد تكون ضرورية، وذلك إذا كانت المشكلة مشكلة ثابتة لا تغير فيها، وكان حلها ثابتًا لا تغير فيه، فليس أمامنا إلا الحل الثابت للمشكلة الثابتة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بمنطق الكاتب اسم القضية الضرورية.
فالمشكلات الإنسانية التي تعود إلى الفطرة، وهي ما نعتقد أنه العنصر الثابت في حياة الإنسان، هي مشكلات ثابتة، وسبل علاجها قد تكون ثابتة لا تغير فيها، كما أن الحقائق الفيزيائية هي حقائق ثابتة، فعلاجها إذن هو العلاج الثابت الذي لا يتغير بتغير الظروف والأماكن، ويمكن أن نضرب لهذه أمثلة من قبيل:
أ - وجوب الصلاة وباقي أنماط العبادات لإشباع حاجة الإنسان الثابتة للتدين والارتباط بالمطلق.
ب - النهي عن قتل الإنسان.
جـ - النهي عن كل أنماط الظلم.
د - النهي عن الخمر لأنها مضرة دائمًا بالإنسان من وجوه شتى.
هـ - النهي عن أكل لحم الخنزير لعلاقته السلبية بالحياة الإنسانية (ولا نعلم نحن أبعاد هذه العلاقة) .
و النهي عن الغرر والغش في المعاملة.
وغير ذلك.
стр. 18494
هذا وقد صادر الكاتب على المطلوب حين ادعى أن المعرفة العقلية الكاملة ممكنة، فالمدعى أن المعرفة الاجتماعية الكاملة غير ممكنة؛ لأنها تعني معرفته بكل الغايات الإنسانية بتفاصيلها، ومعرفة كل الوسائل الموصلة إلى تلك الغايات، وهي أيضًا غير ممكنة للعقل، فكيف نفترض ابتداء إمكان هذه المعرفة العملية؟
ثانيًا: أن الهدف الذي يرمي إليه هو فصل الدين عن الحياة، من خلال افتراض أن العقل والمبادئ المعيارية تتقدم رتبة على الوحي، فهي كافية لتنظيم شؤون الحياة.
ونحن نعلم أن العقل هو نبي الباطن - كما يقال: عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر ﵉:
( ... يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة؛ فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ﵈ وأما الباطنة في العقول ... ) (١) - وبه تتم المعرفة الدينية سواء كان عقلًا نظريًّا أي المبادئ الأولية الضرورية كاستحالة التناقض ومبدأ العلية، أو كان عقلًا عمليًّا، كما في مسألة إطاعة الخالق تعالى.
ولكن المشكلة تكمن في أن العقل لوحده لا يقدر على معرفة كل العلاقات الإنسانية فيما بينها أولًا، والعلاقات الإنسانية بالطبيعة، والعلاقات بين الماضي والحاضر والمستقبل، والعدالة الدقيقة في الإشباع المتوازن للحاجات الإنسانية، وبالتالي كل السبل للوصول إلى الكمال الإنساني (الذي تعبر عنه النصوص الإسلامية بالتقرب من الله) ، ولذا يحتاج الإنسان إلى الدين وتعاليمه وذلك:
أ - لكي ينمي العقل نفسه ويهديه إلى الأسلوب التكاملي الأفضل.
ب - لكي يوضح له ما أبهم عليه من علاقات، وما ينبغي أن يصنعه لمواجهة كل المواقف، ومنها المواقف الأخلاقية التفصيلية التي قد يمكن أن يعلم أصولها إجمالًا. والحقيقة أن السير الطبيعي الذي يصوره الدين يتم على النحو التالي:
(الذات الإنسانية المنطوية تدرك - عبر العقل - الحقائق الدينية لتصل من خلالها إلى الخطة الحياتية الكاملة التي تسير بها نحو التكامل) .
стр. 18495
فالعقل بمبادئه يقود الإنسان إلى الله، وضرورة طاعته، والله بفضله وكونه الخير المطلق بمقتضى علمه وقدرته ولطفه يرسم للإنسان كل معالم حياته الفردية التشريعية، وكل الحلول الأنجح لمشكلاته ليسير هذا نحو الغاية.
وبتعبير آخر: العقل نبي الباطن الذي يرشده إلى خالق الكون، ونبيه هو عقل الخارج الإنساني الذي يبلغه الخطة الإلهية للحياة.
فأين التناقض؟ ولماذا نعتبر أسبقية العقل تعني أن العقل هو كل شيء في الحياة؟ وهل يمكن أن نعتبر السراج الكاشف عن المنظار كاشفًا عن كل العوالم التي يكشف عنها المنظار، فلا حاجة إذن للمنظار، ونكتفي نحن بالسراج؟ وبهذا ينهار الأساس الثاني الذي سعى له الكاتب وأكده مئات المرات، وهو دلالة أسبقية العقل على الوحي والنبوة على استقلالية الإنسان في كل حياته.
إن الأوامر الإلهية قد تكون أوامر إرشادية لحكم العقل الذي قد يغفل عنه الإنسان نتيجة طغيان النوازع الحسية عليه، ولكنها لا تعني التكرر والمرجعية العقلية، بل تعني الانسجام بين الدين والفطرة الإنسانية، وتبيين مكنونات هذه الفطرة التي قد يعمى عنها الإنسان.
كما أننا قد نعبر عن أن الإرادة الإلهية بمقتضى عدلها ولطفها تنسجم مع الاعتبارات العقلانية، ولكن هذا لا يعني تقييد الإرادة المطلقة، فهي مطلقة لا يحدها شيء، ولكنها بمقتضى العدل واللطف لا تأمر الإنسان إلا بما يصلحه ويحقق له تكامله، ولا يعني هذا المرجعية العقلية بقدر ما يعني الانسجام مع الفطرة والواقع الإنساني. بالإضافة إلى أن هذه الإرادة تتعلق بكثير مما يجعله الإنسان بعقله من المصالح والألطاف، فلا يمكن الاستغناء عنها مطلقًا واعتبار الأوامر الدينية أمرًا مكررًا. فالمغالطة تكمن في جعل العقل الإنساني مدركًا لكل الغايات والمبادئ والعلاقات الواقعية وأساليب العلاج، وهي قضية معلومة البطلان، وما أكثر المجهولات في الحياة.
стр. 18496
إننا نؤمن كالكاتب بأن الحسن والقبح ذاتيين للأشياء، ولا نوافق على مقولة أن الحسن آتٍ من تحسين الشارع؛ لأن هذه المقولة كما قال الكاتب تواجه مشكلات عديدة طرحها بإشهاب ليسجل انتصاره دون أن يذكر الفكرة القائلة بالحسن الذاتي للأشياء، فهي تكون حسنة حتى لو لم يوجد المكلف نفسه.. وإنما الذي ننعاه على الكاتب أن العقل العملي يدرك حسن بعض القضايا العامة من قبيل إدراكه لحسن العدالة مطلقًا، فهي معيار دائمي (لا يمكن خلطه مع بعض المعايير التي تمتلك حسنًا أوليًّا للوهلة الأولى كالمنفعة والحرية) ، وكذلك إدراكه لحسن طاعة المولى الخالق الحاكم المالك، وهي مفاتيح تنقلنا إلى عالم العلم الإلهي والطاعة لله، حيث تنكشف أمام العقل نفسه آفاق الحسن بتفاصيلها، ليسجل عجزه أمام الله تعالى، ويركع له ويسجد.
ثالثًا: بغض النظر عن العلاقة بين المعرفتين، لنفرض أن المعرفة العملية ممكنة إلا أن هناك مسألة الطاعة لله الآمر بالنظم الاجتماعية المختلفة التي لا نستطيع إنكارها، فنحن إذ نعرف الله تعالى بكل صفاته، ونعرف الإسلام بأبعاده، لا يمكننا أن نعصي الله تعالى بأوامره بعد أن كانت النصوص ثابتة، والنبوة معصومة، والله تعالى هو الآمر.
إن الكاتب هنا يطرح الكثير من القضايا لنفي هذه العلاقة:
١ - يدعي أن بعض الكتاب قد رفضوا وجود نظم إسلامية للحياة، أو ذكروا أن هناك مبادئ عامة كلية لا غير.
٢ - يدعي أن الله أعطى الإنسان القدرة على المعرفة الكاملة بالمعايير الأخلاقية التي يعرف الله بها، وهذا لا ينسجم مع مسألة إقامة المجتمع على أساس من التعاليم الإسلامية؛ لأن ذلك لا يبقي مجالًا لإعمال العقل والعمل باستقلاليته.
٣ - يعمل بشتى الأساليب على التشكيك في ثبوت النصوص، وفي إطلاق النصوص، وفي سلامة الوحي من الخداع والوهم، ثم يؤكد أنها لو تمت فإنما تعطينا واجباتنا (لأول وهلة) والذي نسعى إليه هو واجباتنا الفعلية.
стр. 18497
٤ - يعمل على الإشكال في مسألة اقتضاء حاكمية الله وملكية الطاعة له.
ونلاحظ على هذا الأسلوب:
١ - أن الأمر الثاني قد تمت الإجابة عليه، وأكدنا أن قدرة العقل على معرفة الله ولزوم إطاعته، لا تستلزم مطلقًا قدرته على المعرفة العملية بكل الغايات الإنسانية والوسائل التي تحققها، على أن الشارع المقدس يبقي للعقل مجالات واسعة للإبداع والابتكار العلمي، بل مجالات للإبداع التشريعي في الجانب المتغير من حياة الإنسان، وكذلك في انتخاب الأسلوب التطبيقي للحكم الشرعي، فلا يؤدي إذن القول بإقامة الحياة على أساس من شريعة الله لتعطيل العقل الإنساني، وإنما لسد عجزه في المعلومات، وتقوية نشاطه الفعال في المجالات الإنسانية. من المعوقات التي ذكرها الكاتب في أطروحته الأبستمولوجية الثانية حقيقة قائمة، ولكن يجب أن يضاف إليها جهل الإنسان بأكثر المعلومات والعلاقات الدخيلة في شكل نظام، بل هو يجهل ذاته نفسها، فكيف يمكنه التغلب على هذه النقائص؟
والغريب أنه يقول إذا كانت هذه معوقات عن المعرفة العملية فلماذا لا تعيق المعرفة الدينية؟ متغافلًا عن أن المعرفة الدينية هي من مقتضيات الفطرة بميولها نحو التدين، ونزوعها نحو الكمال، وبإمكاناتها العقلية الكلية، فهي تكفي للوصول إلى الله، وهذا شيء يختلف عن معرفة كل أبعاد النظام الاجتماعي والتشريعي للإنسان.
٢ - النقاش في الأمر الأول صغروي، فنحن ندعي أن النظم التي طرحها الإسلام هي نظم متكاملة وشاملة لمجمل المشكلات الحياتية، وتمتلك كل مقومات (النظام) ، فهي أبعد من أن تكون مجرد تعلميات كلية ومبادئ عامة، وقد رأينا الكاتب نفسه لا يكتفي بهذه الحجة التي منحها هؤلاء له، وإنما يعمل على انتزاع الخصيصة الإسلامية لهذه المعايير، وتجريدها من خصوصياتها لتنسجم مع ما يسميه بـ (الكونية الإسلامية) ، وكأن الكونية الإسلامية لا تنسجم حتى مع طرح المعايير الكلية بخصوصياتها الإسلامية.
إن التعامل المنطقي يقتضي أن نناقش القضية على المستوى الإنساني فنقول: هل تستطيع هذه المبادئ أن تطبق على المستوى الإنساني العام؛ بغض النظر عن الاختلافات العرقية أو اللغوية أو المكانية أو الزمانية أم لا؟ بدلًا من أن نفترض ضرورة تطبيقها مع حذف صفتها الإسلامية.
إنها معايير تنسجم مع الفطرة الإنسانية، وهي واحدة في الجميع لأن الفطرة هي الشاخص الإنساني الأول.
والغريب أنه يدعي أن رجوعنا إلى الاعتبارات العقلانية هي أسهل من الرجوع إلى النصوص، وقد أشرنا من قبل إلى أن الاعتبارات العقلانية مبتلاة بمعوقات كثيرة، تجعل المعرفة العلمية الكاملة شبه مستحيلة، بل مستحيلة فعلًا.
стр. 18498
٣ - أما مسألة الوسيلة إلى الله تعالى وأوامره فنلاحظ فيها:
أ - أن الكاتب أغفل الأمور المعلومة لدى المسلمين، أو ما نسميه ببديهيات الفقه، وكذلك ما تجمع عليه الأمة الإسلامية، فلا يبقى أي مجال للتشكيك، لأنها معلومة (والحجية ثابتة للعلم) ، وكذلك أغفل النصوص المتواترة المعلومة أيضًا في طليعتها النصوص القرآنية. أما النصوص غير المتواترة فقد ركز عليها مشككًا وطارحًا فكرة التحريف، ومشككًا في الدلالة والظهور، إلا أن علم أصول الفقه الإسلامي قد حل هذه المشكلات وفقًا لأسسه المتينة، فليس لنا أن نشكك في حجية خبر واحد بعد أن كانت سيرة العقلاء الممضاة شرعًا على العمل به، وليس لنا أن نقيد ظهورًا مطلقًا بشكل اعتباطي إلا أن تقوم قرينة متصلة أو منفصلة على ذلك حسب القواعد المعروفة التي لا مجال للحديث عنها هنا.
كما أنه ليس لنا أن نخترع من أنفسنا ملاكات معينة للأحكام، وإنما نتبع في ذلك ما يصرح به الشرع العظيم فضلًا عن أن نقوم بانتخاب أحكام معينة لا تنسجم مع أذواقنا، لإعطائها صفة مؤقتة، وتفقد بذلك خلودها.
ب - إن ما يسميه بـ (واجبات الوهلة الأولى) أمر مبهم، فقد يقصد أنها واجبات لأول وهلة، أي واجبات بدوية سرعان ما تفقد وجوبها، وهو أمر سخيف لا محصل له، وقد يقصد بها ما نسميه نحن بالواجبات الأولية، أي الواجبات التي تأتي في حد ذاتها على المكلفين (ما لم يعارضها عنوان ثانوي) كوجوب الصلاة، وحرمة الخمر، وإذا جاءت هناك عناوين ثانوية كالحرج والاضطرار والتزاحم مع الواجبات الأهم، قدمت هذه العناوين الثانوية وصارت واجبات فعلية، فهذه أيضًا لها قواعدها الرصينة وهي تعبر عن مرونة الشريعة، وكذلك يتقدم الأمر الصادر من ولي الأمر، وهو الأمر الحكومي، على العناوين الأولية المباحة - في تفصيل يذكر في محله - فلا يشكل هذا الجانب أية مشكلة تشريعية.
جـ - والأغرب من كل ذلك ما يصرح به من أن إطلاق النص لا يستلزم القاعدة المتضمنة فيه، وما النص إلا كاشف عن مضمونه ومعرف له.
د - والإيمان بالمصالح المرسلة لا يعبر عن نقض لنظام الأحكام الإلهية، وإنما يعبر عن مرونة تشريعية، حيث يلجأ ولي الأمر إلى ما تقتضيه المصالح في إطار المقاصد الشرعية، وفي إطار المؤشرات التي يمنحه الشارع إياها، يلجأ لعلاج الحالات المتغيرة بإصداره الأحكام المصلحية، ونحن هنا لا نؤمن برجوع الفقيه إلى ذلك.
стр. 18499
هـ - أما فكرة (الاجتهاد في قبال النص) فهي فكرة غريبة عن الإسلام، ولا معنى لأن يعمل الإنسان رأيه في قبال النص الإلهي المعصوم، إنه بذلك ينقض إيمانه بالنص الديني وعصمته، ويقع بالتالي في تناقض في إيمانه.
و أما التشكيك في عملية الوحي فهو أمر مرفوض تمامًا، وهي فكرة غربية غريبة على الروح الإسلامية، إن الوحي حضور قطعي لدى النبي، وهو بدوره يوصله إلى الأمة دونما أي تصرف ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ، أما فكرة التجربة الداخلية فقد انطلقت في الغرب وتأثر بها المفكرون المسلمون، وهي أمور لو شككنا فيها شككنا في كل النبوة، والمفروض أننا اطمأننا بعصمة الرسول إما مطلقًا أو على الأقل في مجال التبليغ (كما هو رأي بعض المسلمين) .
ز - وقد ذكر أننا لا نستطيع التعامل مع النصوص إلا إذا تطابقت مع الاعتبارات العقلانية فلا ندري ماذا يقصد بها، فإن قصد أن النص يخالف في ظهوره معلومة قطعية عقلية من قبيل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وحينئذ يجب تأويله، فهو أمر صحيح ولكنه لا علاقة له بالجانب التشريعي أولًا، وتقل موارده ثانيًا، وليس في المجالات التشريعية ثالثًا.
وإن قصد أن النص قد يخالف ما تستحسنه ظنوننا وأذواقنا واعتباراتنا العرفية فلا قيمة لهذه الاستحسانات بعد أن كانت مبتلاة بالمعوقات التي ذكرها هو، وفي طليعتها الجهل الإنساني بالحقائق.. نعم لو بلغت هذه الاعتبارات حدًّا واسعًا، وامتدت امتدادًا تاريخيًّا إلى عصر النص، وشكلت قرينة عرفية عليه، ولم يكن هناك ردع شرعي لها، أمكن القول بأنها قد تقيد ظهور النص وإطلاقه، ولكن ذلك لا يؤدي إلى ما يريده الكاتب من جعل الاعتبارات العقلانية مرجعًا للنصوص.
وهكذا نجد أن هذه الشبهات تتساقط الواحدة بعد الأخرى، ويبقى السبيل إلى معرفة أوامر الله تعالى سليمًا بوجه عام.
стр. 18500
أما ادعاء أن الرجوع إلى الاعتبارات العقلانية أسهل من الرجوع إلى النصوص فقد قلنا إنه غريب سخيف، وأنَّى لهذه الاعتبارات المبتلاة بضعفها أن توصلنا - عبر التجربة الاجتماعية - إلى المعرفة العلمية المطلوبة وقد أشرنا لهذا من قبل.
والحقيقة أن من يدرك الفرق بين التجربة الطبيعية والتجربة الاجتماعية يلاحظ عجز الإنسان عن الوصول إلى المعرفة الاجتماعية الشاملة الدقيقة (١) .
ح - وحَول مشألة الالتزام الإلهي:
يرى الكاتب أن صفة القدرة الإلهية لا تكفي للإلزام بطاعة أوامر الله، حتى ولو كانت إرادته خيرة دائمًا، إلا أن تقود الإنسان إلى ذلك اعتباراته العقلانية.
ومن هنا فما الذي يقودنا للإلزام؟ يطرح هنا فكرة الحاكمية الإلهية للعالم، وفكرة الخالقية والمنعمية، وفكرة المالكية الإلهية للعالم، ويناقشها بأنها جميعًا تتحرك في إطار الاعتبارات، فالتشكيك إذن ينصب على عنصر الإلزام الإلهي.
والحقيقة أن كل تلك الأفكار تعود إلى فكرة أعلى منها هي فكرة المولوية الإلهية. فالله تعالى هو المولى الحقيقي للإنسان، والإنسان بالتعبير الديني هو العبد المحض لهذا المولى الحقيقي، ويكمن سيره التكاملي في عبوديته التكاملية، ولذا أطلق على الأعمال التي تنظم مظاهر هذه العلاقة اسم (العبادات) .
стр. 18501
وينطلق الإلزام في مقام المولوية من حكم العقل القطعي الإلزامي (وهو من أهم الاعتبارات العقلانية) بلزوم طاعة المولى الحقيقي، والعمل بأوامره المعلومة، واستحقاق الثواب والعقاب على أساس من هذه الطاعة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن احتمال إرادة المولى الحقيقي - أيضًا - ملزم للطاعة لدى العقل، ولا يحتاج الأمر إلى التحقق قطعًا من صدور الأمر الإلهي؛ يقول الشهيد الصدر متحدثًا عن أن البحث عن الحجية هو بحث عن حدود المولوية:
(لأن المولوية عبارة عن حق الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملا
كات؛ كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية، ولكن حق الطاعة له مراتب، وكلما كان الملاك آكد كان حق الطاعة أوسع.. وقد تكون مولوية المولى أوسع دائرة، بأن كانت منعميته بدرجة عليها حق الطاعة حتى في المشكوكات والمحتملات من التكاليف.. ومظنوني أنه بعد الالتفات إلى ما بيناه لا يبقى من لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حق التكاليف الموهومة) (١) .
رابعًا: مما يردده الكاتب كثيرًا: مسألة استحالة أن يكون هناك نظام خالد، لأن الظروف الزمانية المكانية متغيرة، فحتى لو جاء الأمر الإلهي بذلك فهو مستحيل ومخالف للمعايير العقلانية فيجب رفضه أو تأويله.
وهذا الإشكال معروف وقديم، ويكفي أن نشير إلى أن الكتَّاب الإسلاميين أجابوا عليه في بحوث مفصلة، وخلاصة الرد عليه هو:
إن الجوانب الإنسانية ليست كلها متغيرة، وإنما بعضها ثابت والآخر متغير، أما الجانب الثابت فيشمل مثلًا الجوانب الفطرية الثابتة في الإنسان، ومنها الثوابت الأخلاقية التي يؤكد عليها الكاتب، ومنها الحقائق الفيزياوية الكونية الثابتة أيضًا.
وعلاج هذه الجوانب يبقى ثابتًا.
أما الجوانب المتغيرة فيجب مواجهتها بعناصر مرنة (هي بدورها الكلي تشكل قواعد ثابتة) ، وللإسلام تخطيطه الواسع في هذا المجال يشمل:
أ - الإيمان بتقسيم الأحكام إلى أولية وثانوية وحكومية.
ب- تعيين المجالات المتطورة وتعيين دور الحاكم في ملئها، مع ملاحظة اختلاف الظروف الزمانية والمكانية.
стр. 18502
جـ - إعطاء بعض القواعد الثابتة التي تتغير مصاديقها بتغير الظروف، من قبيل قاعدة (منع الإسراف) و (إعداد القوة) و (ضرورة العمل على رفع المستوى المعاشي للأفراد للوصول بهم إلى حد الغنى) ... وأمثال ذلك.
د - فتح باب الاجتهاد لاستيعاب مختلف الظروف في أطر معينة ثابتة.
وبهذا نؤمن أن فكرة استحالة خلود النظام وهي من الأفكار الأساسية في الكتاب فكرة باطلة، وللتفصيل هنا مجال.
خامسًا: هذا، وهناك مجالات كثيرة للفقه نعرض عنها، ولكن نشير إلى أنه يستند إلى هذه النصوص المسيحية المحرفة ليؤكد أنها لا تتدخل في الحياة الاجتماعية، ويعتبر ذلك نقضًا على تدخل الإسلام في هذه الحياة، باعتبار أن الإسلام يشمل كل الأديان التوحيدية، فلماذا نقض هذا الأمر في المسيحية؟ والحقيقة هي أن الأديان كلها تتدخل في الحياة الاجتماعية وتصوغها، فطبيعة الدين ذلك وحتى المسيحية المحرفة نجدها تنظم الحياة وإن لم تصلنا كل النصوص الدالة على ذلك إلا أن بعض نصوصها يؤكد ذلك.
وكذلك نشير إلى أن فكرة تأثير الظروف على دعوة الرسول ﷺ ، وأنها دفعته للفكرة العالمية أو (الفكرة الاجتماعية) وأمثال ذلك، هذه الفكرة تتناقض مع ما آمنا به سلفًا من نبوة النبي ﷺ وقدسية الوحي، والغريب أن نجد بعض المدعين للإسلام يستجيبون لمثل هذه التشكيكات من قبيل (الدكتور سروش في إيران) في مقاله المعروف عن (الصراطات المستقيمة) .
وكذلك نشير إلى فكرة: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، والتي اعتبرها تحصيل حاصل، مؤكدين أن الفهم العام لها يختلف تمامًا عما فهمه هو، فهذا النظام هو نظام الإشراف على عملية تطبيق الشريعة الإسلامية ومقاصدها على الصعيد الفردي والاجتماعي، وليست الرقابة الاجتماعية مما يمكن أن يوصف بأنه تحصيل حاصل إلا أن يفسر المعروف بالمعايير الأخلاقية، وتكون الجملة لديه (علينا الالتزام بما علينا الالتزام به) ، كلا، فالقاعدة هي إلزام الأفراد والجماعات بواجباتها الدينية، وليست كما يتصور.
آية الله محمد علي التسخيري.
стр. 18503
الديمقراطية والعلمانية
وحقوق الإنسان
المرجعية الغربية والمرجعية الإسلامية
إعداد
الأستاذ إبراهيم بشير الغويل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
أولًا - في الديمقراطية
١- في كون أن المرجعية الغربية المستندة إلى الأصول التاريخية الاجتماعية الغربية، هي مرجعية لـ (البرلمانية) وليست للديمقراطية: إن المرجعية الغربية المستندة إلى تاريخ أوروبا وتطورها هي مرجعية لـ (البرلمانية) ، وليست مرجعية للديمقراطية.
الديمقراطية من المفردة الأغريقية (Democrat) ، وهي كلمة مركبة من: (Demos) أي الناس أو الجماهير، و (Keratin) أي يحكم، فهي أن يحكم الناس أو الجماهير. أما ما تم في أوروبا متوافقًا مع نشأة (المدينة البرجوازية) فهو (البرلمانية) ، و (المدينة - البرجوازية) قد نشأت في (برج) (Burghe) مهجور لإقطاعية دُمرت وانتهت، وهجرها أو هُجِّر (قِنها) بعد أن قُضي على (السيد) الإقطاعي، وإلى هذا الـ (برج) (Burghe) المهجور لجأ عدد من (المغامرين) الفارين من الإقطاعيات، والذين سمعوا عن - أو عاينوا - تجربة الحرية، ولم يعودوا يقبلون حياة (القِن) لأنفسهم!!.
ولقد اتخذ هؤلاء المغامرون من (البرج) ملجأ يحتمون به ليلًا، ويتخذونه نهارًا سوقًا لتبادل المنتجات بين الإقطاعيات المجاورة، وما لبث هؤلاء (المغامرون) أن صاروا تجارًا، يشترون من المنتجين فيستوفون، ثم يبيعون إلى مستهلكين فيُخسِرون، واتسع (البرج) إلى (مدينة) ، واتسعت أطماع هؤلاء المغامرين التجار، وسعوا للاتفاق مع أحد الإقطاعيين ليتوجوه ملكًا، وسعوا أن يلتف حوله عدد من الإقطاعيين - مُكَوِّنين الطبقة الأرستقراطية - على أن يعترف (الإقطاعي - الملك) و (الأرستقراطيين) بموطئ قدم لهؤلاء (المغامرين - التجار) المستقرين بـ (برج) صار إلى (مدينة برجوازية) .
وقد اكتفى هؤلاء (البرجوازيون) بتوسيع نطاق المشاركة إلى هذا المدى، دون أن تمتد هذه المشاركة إلى كل الناس، ولقد أثبت سير الأحداث في تجربتهم - فيما بعد - أن نطاقًا متسعًا من المشاركة للناس هو قانون طبيعي في نهاية المطاف، إلا أن الثورات الأوروبية لم تكن تستهدف - ولم تحقق - صيغة مشاركة كل الناس.
стр. 18504
وفي البرلمانية البريطانية - مثلًا - التأم شمل كبار الملاك أو الإقطاعيين السابقين الذين التفوا حول الإقطاعي الأكبر الذي صار ملكًا، وصاروا هم مَن عُرِف بالأرستقراطيين - مع التجار أو مع الطبقة الجديدة (البرجوازية) ، تحت سقف واحد، مفتتحين عصر الرأسمالية (التجارية) بكل مطامعها في الداخل، وبكل أعمال القرصنة والاستعمار فيما عُرف بعصر الاكتشافات الأوروبية وعصر الاستعمار - وما أبادوا من أجناس واسترقوا من الأجناس وسرقوا ثالثة -، وكان على العمال (البروليتاريا) أن يكافحوا طويلًا حتى يأخذوا لهم مكانًا تحت ذلك السقف، ومن هنا كان تعدد الأحزاب تصويرًا لواقع طبقي حقيقي. والأهم أن الرأسمالية الغربية بمنهجية الصراع لم تكن رسالة إنسانية لجميع الناس في نظام محرر، بل كانت رسالة مُحَرَّرَةً من كل مبدأ إنساني، وموجهة لخدمة رأس المال على حساب رأس سواه.
وكما لم تكن هذه الطبقة الجديدة (البرجوازية) في مدينتها البرجوازية تتوجه إلى ديمقراطية حقة تحتوي كل الناس - كل الطبقات في بلادها -، لم تكن في نظامها العالمي الجديد (Nauveau Order Seculum) تفكر في غير السيطرة والقهر.
وقد استطاعت هذه الطبقة (البرجوازية) وقد وجدت أمامها السفينة المحيطة - وهي عطاء معرفي علمي (بشري) واكبت به كفايات الإنسان العربي المسلم، الذي كان يمسك بمقود التطورات في العالم، إلى أن دخلته هذه الطبقة الجديدة (البرجوازية) الطاغية، التي تحول كل شيء إلى سلاح صراع وسيطرة - أن تحولها (أي أن تحول السفينة المحيطة) إلى سلاح للسيطرة على ممرات التجارة الدولية، ولتتمكن من خلال هذه السيطرة أن تحول ممرات التجارة الدولية من ممرات إلى (مضايق) ! أو قل (مغلقات) ! تمنع المرور منها، لتحشر الآخرين بعيدًا عن الانطلاق إلى آفاق العالم الجديد، وإن كانت تبحر بسفينة عربية، وخرائط عربية، بل وتركب الحصان العربي! مما جعل أحد الكتاب يقول: إن الحصان العربي قد وصل إلى أمريكا، ولكن فارسه العربي الشهم لم يصل!
وكم خسر العالم بعدم وصول (الفارس العربي) الشهم الذي دائمًا حمل مشروعًا حضاريًّا، وكم خسر العالم بوصول فرقة الخيالة الأسبانية إلى المكسيك ومعها الحصان العربي، دون فارسه! ولقد كان الحصان العربي الذي أربك الهنود الحمر أكثر مما سواه، ولم يكن عليه الفارس العربي الشهم، بل كان عليه (كورتيز) الذي تقدم لإبادة هنود الأزتيك والأنكا، وليقضي على حضارتهم.
стр. 18505
وكم خسر العالم بوصول القرصان البريطاني ذي الرجل الخشبية! والذي صار فيما بعد - بعد أن أباد شعوبًا وسرق ثروات - ضابطًا وسيمًا! في بدلة رسمية، يذرع المحيط على رأس أساطيل مسلحة بالمدافع، ويرفع علم بريطانيا على كل أرض تطؤها قدماه القذرتان.
ولقد أباحت هذه الطبقة (البرجوازية) لنفسها انتهاك جميع الحقوق الإنسانية لغير الأوروبيين، فأبادت الهنود الحمر، وهجرت الملايين من الأفارقة ليموتوا في رحلة العبودية، إلى تاريخ استعماري أسود، إلى قصف اليابان بالقنابل الذرية، إلى آخر قائمة فظائعهم في فلسطين والجماهيرية والعراق.
وفي (المدينة - البرجوازية) حققت هذه الطبقة الجديدة مَركَزَة الدولة باتخاذها أحد الإقطاعيين ملكًا، (وانضم إليه عدد من الإقطاعيين الأصغر الذين التفوا مكونين الطبقة الأرستقراطية) ، ودفعت الطبقة الجديدة (البرجوازية) بمركزية الدولة تحت نظرية السيادة التي تقول بتسلط الإقطاعي - الذي اتخذوه ملكًا - على جميع الإقطاعيات في الداخل، وتقول برفض التسلط البابوي من الخارج؟!
стр. 18506
وإذا كانت الطبقة الجديدة قد حققت مركزة الدولة، ودفعت بها، فإنها ظلت حريصة ألا تدفع بالديمقراطية إلى الأمام، أو أن تدفع بالسلطة إلى الشعب، واكتفت بـ (البرلمانية) أو (النيابة الافتراضية) التمثيلية ... إلخ. وأحيت التقليد الروماني للإمبراطور (أغسطس) ، فجعلت من الجيش مؤسسة محترفة، وليس جيشًا شعبيًّا، وكل هذا - مع البيروقراطية - واقتصاد القلة، بل اقتصاد الطبقة المتطفلة، التي ستكون الطبقة المترفة، والتي بدأت طبقة مترصدة لمن أتى بمنتجاته، لكي تستوفي إذا اكتالت وتُخسِر إذا كالت أو وزنت، طبقة تعتمد على معادلة (نقود - منتجات - نقود زيادة، أي ن - م - ن+) بدلًا من معادلة (منتجات - نقود - منتجات أخرى) ، وهذه المعادلة الأخيرة هي المعادلة التي تلت مرحلة مقايضة منتجات بأخرى (منتجات - منتجات أخرى) ، وهكذا كان التطور الاقتصادي من المقايضة (منتجات بمنتجات أخرى) إلى (منتجات فنقود فمنتجات أخرى) إلى (نقود - منتجات - نقود زيادة) ، إلى مرحلة الرأسمالية المالية (أو نقود - نقود زيادة) ؟!
هذه هي الأصول التاريخية الاجتماعية لهذه التي سموها أسماء (ما أنزل الله بها من سلطان) ؛ من ديمقراطية غير مباشرة إلى ديمقراطية نيابية، إلى برلمانية، وهي بهذا الاسم الأخير أحق.
والبرلمانية، بأصل الكلمة نفسها (Parliaments) ، إنما تعني المناقشة وعقد مؤتمر من أجل الاتفاق على نقطة أو نقاط محددة مع عدو!.
والبرلمانية الغربية بالأصل كانت طبقيًّا دمويًّا، ثم انقلبت إلى صراع حزبي ضار، يبدأ بمعركة انتخابية ضارية، يتصارع فيها عمالقة جدًّا - من الإقطاعيين وأصحاب رأس المال، وأخيرًا الاتحادات العمالية -، وهي معركة شرعية في الغرب؛ لأنها تجري بين خصوم متكافئين داخل مجتمع فاحش الثراء، تزداد ثروته ضخامة كل يوم! أما في مجتمع يزداد فقرًا كل يوم - مثل مجتمعنا العربي - فإن هذه المعركة ليست شرعية أصلًا، بسبب غياب الخصوم المتكافئين من جهة، وتدخل الاختيارات الرأسمالية المالية الدولية (الاستثمارية) من جهة أخرى.
стр. 18507
إن الانتخابات البرلمانية والحزبية لا تعني في واقعنا العربي المعاصر سوى مسرحية أوروبية مترجمة، يحضرها جمهور محدود جدًّا من المثقفين المغتربين!
هذا هو تاريخهم، وهو مفارق لتاريخنا، وإن الكثير من حلولهم إنما هي لمشكلات قد نشأت في ظل علاقات وظروف كانت تحيط بهم، وهي غير مشكلاتنا، غير علاقاتنا، غير ظروفنا، بل إنها تنطلق من منطلقات، وتسير في مسارات، وتستهدف أهدافًا، غير منطلقاتنا، وغير مساراتنا، وغير أهدافنا.
وكم يطول الحديث لو أننا أردنا أن نحلل تاريخهم ومدى مفارقته لتاريخنا، ولكن يكفينا أن نذكر أن تاريخهم هو تاريخ منهجية الصراع والاختيارات الأوروبية الحديثة قد جاءت صادرة عن فلسفة الصراع ومُمَنهِجَةً له اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا عبر تاريخ أوروبا - الذي حاولت أن تمده إلى العالم كله -، وأرقى أداء سياسي تقدمه لنا أوروبا لا يتجاوز في الأصل منهجيتها في الصراع، فمن هذا الصراع نشأت (البرلمانية) الإنكليزية، ومنه نبعت فكرة الطبقة البرجوازية في الثورة الفرنسية، ومنه أيضًا نبع فكر صراع الطبقات الماركسي ... إلخ.
وعلى ما أوضحنا، فإن نظريتهم في (السيادة) هي من روحية الصراع بين الإقطاعي الأكبر الذي توجوه ملكًا، وبين الإقطاعيين الصغار الذين مازالوا يصارعون هذا الإقطاعي الأكبر - ومن التف حوله من إقطاعيين سابقين، صاروا يكونون الطبقة الأرستقراطية -، وكذلك مَن تحالف معهم من الطبقة الجديدة (البرجوازية) ، وليواجه كل هؤلاء (الأعداء) المتحالفين مَن لازال يصارعهم في الداخل، والباب الذي لازال يحاول فرض هيمنته عليهم، وهم يصارعونه.
ومن هنا جاءت نظريتهم في (السيادة) تقول: إن (السيادة) هي إخضاع الجميع في الداخل، وهي رفض أي سيطرة من الخارج.
стр. 18508
ومن هنا أيضًا جاءت نظريتهم في العقد الاجتماعي كما صوره هوبز خاصة، وكذلك وثائقهم، من العهد الأعظم، إلى وثيقة الحقوق، إلى إعلانات حقوق الإنسان، وحديثهم عن فصل السلطة والكبح والموازنة بين السلطات ... إلخ - كل هذا قد جاء من روحية أو منهجية الصراع بين ملوك يدعون أنهم يملكون حقًا إلهيًّا للتحكم في رقاب عباد الله وبين مجموعة من البرجوازيين - الذين عرضنا لكيفية تكوينهم، وما قاموا به من قهر واستغلال وتفريق طبقي وعنصري في الداخل والخارج، والذين كان أكبر همهم أن يشاركوا بقسط مع الملوك والأرستقراطيين، ولم يكن يهمهم احتواء كل الناس في الداخل والخارج.
بل إن (كرومويل) قائد الثورة في (إنكلترا) كان يبدي ازدراء لفكرة المساواة نفسها، وكان يسمي الدعاة إليها (المُسَوِّين) ، ولقد اختار أن يصفيهم قبل أن يصفي الملك! تمامًا كما اختارت الثورة الفرنسية أن تصفي (بأبيف) الذي كانت مرافعته - في المحاكمة التي أُجريت لتصفيته - هي ما عُرف بـ (بيان المتساوين) .
ولقد أثبت سير الأحداث فيما بعد أن نطاقًا متسعًا من المشاركة لكل الناس هو قانون طبيعي في نهاية المطاف.
стр. 18509
٢ - في الديمقراطية الحقة، واختلاف مرجعيتها عن (البرلمانية) :
إن الديمقراطية الحقة هي الديمقراطية المباشرة، وهي الهيكل التنظيمي السياسي الوحيد اللائق بالإنسان المكرم، وإن الإنسانية على اختلاف دروبها منتهية إليها في آخر المطاف، كما انطلقت منها في المبتدأ.
إن تشكيل لجنة أو تأليف مجلس أو عقد اجتماع بين أفراد المجتمع الواحد هو في طبيعة الأشياء، إنه الأمر العفوي الذي تُبادئ به الشعوب عندما تأخذ الأمور مجراها على الطبع والسجية وهدي العقل الطبيعي.
كل نظريات العقد الاجتماعي - عدا ما جاء به (هوبز) متوافقًا مع المنهجية الصراعية الغربية - تقوم على هذا الافتراض، على المبادأة الأولى إلى التجمع وتأليف الجمعية الأساسية الذي يحدث إذ ينتقل الأفراد إلى حالة الاجتماع، في بدء الاجتماع البشري، وعند تلاشي الدولة، وفي الثورات الشعبية، وفي فراغ السلطة، عند انهيار النظام، وعندما تنحل الأوضاع إلى عناصرها، وتعود إلى بداياتها، يؤلف الناس، وهم أكفاء، لجنة أو مجلسًا أو جمعية يدعونها (Ecclesia) أو (دار الندوة) أو (Committee) أو (Congress) أو (Soviet) أو مؤتمرًا.
وإذا كانت الديمقراطية في أول تجربة لها في أثينا كانت ديمقراطية مباشرة.
وإذا كانت مدينة الرسول ﷺ قد شهدت تجربة الشورى باعتبارها فرضًا عينًا على كل بالغ عاقل راشد مكلف كالصلاة والإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] ، ومن خلال توزيع المدينة إلى أحياء، يتشاور كل في ما يخصه، ويبعث برباعته - أو المؤتمن من الربعة - ليشارك مع (أولى) أمر (منا) في تنسيق القرار العام وتخطيطه، وتدبير أمر تنفيذه.
إذا كان ذلك كذلك، فإن (جان جاك روسو) قد قال منذ أكثر من مائتي سنة بأقوى منطق وأنصع بيان:
(إن السيادة لا يمكن أن يفترض أن أحدًا ما يمثلها؛ لأنها لا يجوز التخلي عنها، وهي في جوهرها تقوم بالإرادة، والإرادة لا يمكن افتراض تمثيلها أبدًا، فهي هي أو هي غيرها، ولا وسط بينهما. وكل قانون لم يوافق عليه الشعب نفسه هو لاغٍ وليس بقانون، والشعب الإنجليزي يعتقد أنه حر، ولكنه مخطئ في اعتقاده، إنه لا يكون حرًا إلا في أثناء انتخاب أعضاء البرلمان، فإذا تم انتخابهم فهو عبد، بل ليس له من الأمر شيء) .
стр. 18510
وفي المنطق المحض، إذا وجد التمثيل السياسي، فإن الهيئة الممثلة، أو المجلس، أو البرلمان، يتمتع بسلطان السيد.
ومبدئيًّا، الذي يمارس السلطة هو في وضع أفضل من الذي يفوضها تفويضًا افتراضيًّا أو يتخلى عنها، ولو إلى حين.
وإن نظامًا قائمًا على المشاركة هو خير وأشد ديمقراطية من نظام قائم على التمثيل.
إن الديمقراطية المباشرة، وإن الشورى للجميع، هي الديمقراطية الحقة، هي الديمقراطية الأصلية، هي الديمقراطية باختصار.
ولكن كيف نفعل، وقد افتقد الناس الهمة والاعتزاز الذي كان يعبر عنه ببيان أمثال بركليس عند الإغريق، أو الإمام علي كرم الله وجهه عند العرب والمسلمين؟
في خطبة شهيرة صور (بركليس) عظمة أثينا ووطنية أبنائها، وبرر حضارتها أمام الناس، فقال:
(إن شكل حكومتنا لا يدخل في مناقشة مع مؤسسات الآخرين) .
(نحن لا نقلد جيراننا وإنما نحن لهم مثال) .
(أنّا نُدعى بحق ديمقراطية، لأن الحكم للكثرة لا للقلة ... ) .
وفي تلك الخطبة، أرسل بركليس ذلك الادعاء العريض المدوي في التاريخ:
(وبكلمة واحدة أقول: إن أثينا مدرسة اليونان) .
أما الإمام علي كرم الله وجهه فقد قال - وهو يَسْتَحِثّ قومه لقتال معاوية، الذي أرادها مُلكًا عضوضًا -: (سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين، يتخذهم الناس أربابًا، ويتخذون عباد الله خولًا! وما لهم دولًا) .
وقد سبق لربعي بن عامر - وهو يحدد طبيعة ما يريده الإسلام من الناس - أن قال: (إن الله ابتعثنا لنُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها) .
стр. 18511
٣ - في التأسيس لمرجعية مشتركة للديمقراطية الحقة (المباشرة) أو الشورى:
إذن.. إذا كنا نبحث عن ديمقراطية حقة، ونبحث عن مرجعية مشتركة لهذه الديمقراطية الحقة، فلابد أن تكون ديمقراطية لكل الناس، أو ديمقراطية مباشرة، أو شورى بالمعنى الحق للشورى باعتبارها فرضًا عينًا - بتعبيرات أصول الفقه الإسلامي - على كل مكلف - كالصلاة - وباعتبارها - في اللسان العربي المبين، وبالمنهج الصحيح (١)
стр. 18512
في فهم مفرداته - تعني في معناها العام، هي الاستخراج والاجتناء والأخذ من مواضع متعددة! وهو اجتناء واستخراج لما هو حسن، والحسن إما ظاهر بيّن، وإما أن يستبينه من لم يظهر لأول وهلة من خلال العرض والإظهار والإشارة إليه وتقليب الأمور.
ومن هنا نجد في العربية: شار العسل، بمعنى استخرجه من الوقبة أو اجتناه وأخذه من خلاياه ومواضعه، ونجد فيها: الشارة والشورة، بمعنى الحسن الهيئة واللباس، ونجد فيها: الشور بمعنى عرض السخاء وإظهاره، ونجد فيها: المشوار وشار الدابة، وذلك من خلال عرض الدابة إذا أجراها لتعرف قوتها، وإذا قلبها ليستبين مواضع الحسن فيها، كما أن وتر المنداف الذي يقلب به القطن أو يشور به القطن، يسمى مشورة، ومثل هذا شار الفحل الناقة، بمعنى كرفها فنظر إليها لاقح هي أم لا، والشوار: متاع البيت ومتاع الرجل، والشورة: الجمال الرائع، ثم نجد أيضًا: أشار إليه وأشار عليه، بمعنى أومأ على شيء ما بالمشيرة (الإصبع) أو بالكف أو بالعين، وبمعنى الإشارة إلى الرأي والإشارة به على المستشير.
وخلاصة القول فيها: أن العربي حين يسمع الشورى، ويسمع أنها من صفات الجماعة التي استجابت لربها وأقامت الصلاة، ويسمع أنها (بينهم) ، أن العربي حين يسمع ذلك يدرك أن المطلوب هو أن الجماعة التي استجابت لربها كما تقيم صلاتها تتشاور في أمورها، وتحاول استخراج وانتقاء أفضل الآراء التي تمكنها من العزم أو الإجماع، ثم تولي الأمور إلى مجموعة (منها) ، وتتوكل على الله وهو نِعمَ الوكيل.
والشورى باعتبارها صفة من صفات الجماعة التي استجابت لربها تلزم في كل الأمور العامة والخاصة، حتى إنها مطلوبة في حالة الطلاق والنظر في إتمام الرضاعة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وكل ذلك في حدود ألا تكلف نفس إلا وسعها، ودون مضارة، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، والقرآن الكريم الذي اتخذ من (الشورى) - منذ العهد المكي - صفة من صفات الجماعة التي استجابت لربها، وقد جاء فيه أيضًا (في العهد المدني، وعقب معركة أُحُد! أي في الوقت الذي كان يمكن لأي حاكم - حتى الحاكم العصري - أن يتخذ من الهزيمة مبررًا لإعلان حالة الطوارئ - بل شبه ديكتاتورية! أو ديكتاتورية كاملة بمناسبة حالة الحرب والهزيمة) التأكيد بأن: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
стр. 18513
فالقرآن يتخذ من (الشورى) صفة من صفات الجماعة، ويلزم (أولي الأمر منها) إلزامًا، ومن هنا كان التطبيق الرسولي في قيام جماعة المسلمين على (الشورى) في عامة شؤونهم، ولا قيد إلا الالتزام (بالإطار المرجعي) أو (أول مرجوع إليه) ، والبحث عن الصواب في قول المتشاورين ليقدم كل منهم ما لديه من خبرات. ألا ترى أنه يوم بدر - بعد أن تم التأكد من أنه لا وحي في اختيار موقع نزول الجماعة - تمت الإفادة من أهل الخبرة، بينما يوم أُحُد - حين لم يكن من وحي ولم يتقدم أحد بخبرة محددة - أخذ برأي الأغلبية، والذين كانوا من الشبان، وكان الخروج مع أنه لم يكن من رأي الرسول ﷺ ، وحين كانت الهزيمة جاء النص يؤكد: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ؛ فالشورى من أهم دعائم الجماعة الإسلامية، ومن أبرز صفاتها، وقد وردت (الشورى) بين الاستجابة لله وإقامة الصلاة من جانب، والإنفاق من جانب آخر.
وقد علق القرآن المثل الأعلى أمام المسلمين، وقدم رسول الله ﷺ الأنموذج التطبيقي، لكي يسير المسلمون في يسير الأمور وخطرها على الشورى، وحتى تصير نهجًا عامًا للمسلمين في كل أمورهم.
ولابد هنا من وقفة عند الأنموذج التطبيقي الرسولي في المدينة، ولعل من المناسب أن أذكر هنا (الصحيفة) أو (الكتاب) الذي أصدره الرسول ﷺ فور قدومه المدينة ورسم فيها، أو فيه، منهاج معالجة المشكلات بنهج مفتوح - بل (أنهج متنوعة، تنوع الأحياء والقبائل - يحكمه، ويحكمها، أن تكون الشرعة التي يشرع منها ويبدأ بها متفقًا عليها وموافقًا عليها، إنها شريعة الجماعة، أو الشارع الذي يفتح على عدة (أنهج) على رأي إخوتنا في تونس.
فهم: ((أمة واحدة من دون الناس، وإن بينهم النصرة على من داهم يثرب)) وما عدا هذا الالتزام بالدفاع ((وإن بينهم النصرة على من داهمهم)) ، فإن الالتزامات أخذت أسلوب توزيع الأعباء على أهل الأحياء والذاتيات المتميزة، وعلى أن يكون بين أفراد كل حي أو ذاتية متميزة بروابط خاصة، ((فالمهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون ما بينهم بالمعروف والقسط بالمؤمنين)) ، ثم يذكر قبائل المدينة وأحياءها؛ قيجعل كل حي ذاتية متميزة، ويقر أفراده على الروابط الخاصة التي تربطهم، (وفي هذا الصدد يذكر أحياء: بني عوف وبني الحارث، وبني جشم، وبني النجار، وبني عمر بن عوف ... إلخ) ، وبعد ذلك يذكر المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، في صورة حقوق مشتركة، وواجبات واحدة، وميزات متساوية، وعلائق متحدة.
стр. 18514
ثم يأتي الحديث عن يهود المدينة الذين يكونون لبنة من لبنات هذه الجماعة الجديدة، فيذكر أحياءهم كما ذكر أحياء الأنصار: (يهود بني عوف ويهود بني الحارث ويهود بني النجار ... إلخ) ، ويتحدث عما لليهود بعضهم مع بعض من روابط خاصة وعلائق متميزة، ثم يذكر ما يجمعهم مع المؤمنين من روابط ومسؤوليات وحقوق وواجبات تقتضيها وحدتهم أو اتحادهم في هذه الجماعة الجديدة؛ فهم (أمة واحدة من دون الناس) ، ولكن مع تأكيد أنه - وإن يكن اليهود أمة مع المؤمنين - (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) ، وأن لليهود النصرة والمساواة بالمسلمين (غير مظلومين ولا متناصر عليهم) .
وأخيرًا، وبعد أن أعلنت الصحيفة التكافل بين الموسرين والمعسرين، أوجبت الالتزام بوحدة المسؤولية في الأمنين الداخلي والخارجي، ووزعت الأعباء المالية في حالة الدفاع، وحرمت الجريمة فيما بين أهل الصحيفة، وعاقبت عليها دون استثناء، (بعد كل هذا) نصت الصحيفة على الشريعة التي تحسم النزاع فيما بين أهل الصحيفة في كل حدث يحدثون.
وفي هذا الهيكل التنظيمي لمدينة رسول الله ﷺ نجد البذور الأولى لكيفية ممارسة الشورى جماهيريًّا، وِفق مبدأ (الحي الجماهيري) والذاتيات المتميزة والمتمايزة - وليست ذات الامتيازات.
ونجد كل التأييد للتجربة الجماهيرية فيما تم - فيما بعد - بعد بناء الجامع، ثم انتشار الجوامع - وفق قاعدة عدم تعدد الجوامع داخل أي حي أو ذاتية متميزة - لتكون وحدات تجمع شعبي منتشرة على طول القاعدة الشعبية وعرضها، وعليها يتوزع الأفراد، بحيث يكون كل - في النهاية - منتميًّا إلى جامع من الجوامع.
وفي الجامع كما كان معروفًا كانت تتم المشاورة واستجماع الإرادة الجماعية أو العزم أو الإجماع، فالجوامع أداة تنظيم وتضامن، وهي تؤدي وظيفة دستورية ذات أهمية عظمى في ترتيب القاعدة الشعبية وشوراها، وتقديم مَن يُسمَّون أهل العقد والحل، أو المقدمين من الجماعة أو الأمناء ... إلخ.
ومن هؤلاء، ومن المقدمين أو الأمناء أو أهل الثقة من كل حرفة أو مهنة ... إلخ، يتكون (أولو الأمر) ، وتكون (أولو الأمر) الذين كانوا إلى جانب رسول الله، وكان يرد إليهم في الأمر شؤون الأمن أو الخوف ... إلخ.
إذن، في كل جامع كانت تجري الشورى، وكان يتم تقديم جماعة يثق فيهم مجموع أهل الحي ويأتمنوهم على أمورهم، وفي كل جامع كبير على مستوى أكبر من الحي - وقد يجمع عدة أحياء أو قرية - كانت تتم مشاورة في أمر أوسع نطاقًا أو أكثر أهمية، وكانت تقدم طائفة من أهل العقد والحل أو المقدمين المؤتمنين وأهل الثقة، ومن مجموع المقدمين والمؤتمنين وأهل الثقة من أصحاب الحرف والمهن وما إليها يترشح في كل إقليم (أولو الأمر) .
فالإسلام - بحق - هو الشرع الجماعي، ومن هنا حتى في شؤون الإدارة لم يعرف إلا الإدارة الجماعية، ومن خلال الجماعة، فلا ولي فرد أو وصي، ولا ولاية ولا وصاية.
стр. 18515
الجماعة بعضها أولياء بعض، والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، والذين يقدمون (من)
لا (في) ولا (على!) الجماعة إنما هم (أولو) - لا أولياء، فما بالك بـ (ولي) أمر (من) الجماعة.
و (أولو) من مادة (أول) ، فـ (أولو) هم الأوائل المقدمون من الجماعة، والذين عهد لهم أو أولي إليهم أن يقوموا بتنفيذ ما عزمت عليه الجماعة بعد تشاورها، ثم هم (من) الجماعة، وليسوا (على) ، بل ولا (في) الجماعة، فلا ولي ولا ولاية، فنحن لسنا قصرًا. فحين يكون الإسلام شرع الجماعة يكون الشرع الجماعي هو الحاكم.
وفي الجامع لا يجتمع المسلمون عبثًا، لا يجتمعون ليكونوا غائبين عن شؤون الجماعة!.
إن المسلمين يجتمعون في جامعهم لشوراهم، وليقدموا من يعهدون إليه (أو يولونه ثقتهم) ، فقط لينفذ ما عزموا عليه (أو أجمعوا عليه) من أمر.
فالإسلام أقام المجتمع لا على الركيزة المعنوية - الأدبية أو الأخلاقية - وحدها، بل أيضًا على الركيزة الطبيعية، وهي الجماعة للتنفيذ. والشعوب بالأصل مخولة في إدارة مصالحها على قاعدة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ .
فسلطة الجماعة في حد ذاتها تضمن تطبيق الشرع تلقائيًا، وبهذا يكون الإسلام شرعًا للجماعة متى أدركنا أنه شرع جماعي، وما أعظمه من شرع وثق بـ (الناس) وبـ (الجماعة) وبـ (الجمهور) و (السواد) .
وقد يكون هنا موضع وقفة لمواجهة ما تم من تحريف - واقعًا وفكرًا - لإظهار الإسلام وكأنه أمر يخص الفرد دون الجماعة، بل إن أمر التحريف وصل - وعلى المستوى الفكري أيضًا - للقول بأن الإسلام - بل والقرآن - لا يقيم وزنًا للأكثرية أو الجماعة أو الجماهير، أو بتعبيرهم (العامة) و (الدهماء) ! وما إلى ذلك من العبارات التي تحمل في طياتها معنى التحقير لكل ما هو جماعي!.
стр. 18516
٤ - في أن حكم كل الناس أو الجماعة أو الجمهور أو الأغلبية لا يكفي، وحديث عن الشريعة: في الوقت الذي أكدنا فيه على الشورى، وما تعني من سلطة الجماعة، أكدنا أن سلطة الجماعة تضمن تطبيق (الشريعة) - شريعة الجماعة - تلقائيًّا.
وعلينا هنا أن نوضح الحاجة، بل الضرورة للشريعة، وما هي الشريعة؟ وما يثيره هذا البحث من قضايا ومشكلات.
إن الحاجة للشريعة، والتي وصلت إلى درجة الضرورة، نبعت من كيفية التوفيق بين حق كل الناس؛ وكل من الناس. في ممارسة حقوقه التي ولد بها، وولدت معه.
وبتعبير متكافئ فإن الحاجة للشريعة، والتي وصلت إلى درجة الضرورة، نبعت من إشكالية:
(الحرية والنظام، كيف التوفيق؟)
وما الحرية إلا (المجال) الذي يمارس فيه كل الناس حقوقهم كأناسي، ولدوا بهذه الحقوق، وحقوق الإنسان هي مجسدة فيه؛ فالإنسان له رأس، فله الحق أن يتفكر ويعقل، وله أذنان، فله الحق أن يسمع، وأن تصل إليه كل المعلومات المسموعة ليتبع أحسنها، وله عينان، فله أن يطلع ويمتد بصره إلى أقصى الآفاق، وله أنف، فله حق استنشاق الهواء النقي بعيدًا عن كل تلوث، وله شفتان، فله أن يتحدث ويقول، وله قلب، فله أن يحب، وأن ينبض قلبه بكل الحب والمشاعر الخيرة، وله بطن، لا بد أن تتلقى لقيمات تسد أودها، وله يدان يعمل بهما، فله حق العمل، وله رجلان، فله أن يسعى في الأرض وينتقل ... إلخ.
ولكنه لكي يمارس (أي الإنسان) هذه الحقوق، عليه أن يعرف أن للآخرين نفس الحقوق، وبالتالي فإن خير ممارسة للحقوق هو أن تكون بعدل (والعدل إعطاء بمساواة) . فممارسة الحقوق، وبعدل، وهي أعلى المستويات التي تتيحها الحرية.
стр. 18517
- فما السبيل إلى ذلك؟.
- وما السبيل إلى منع مجاوزة حدود العدل (ومجاوزة حدود العدل هي الفساد - على ما قالت العرب) ؟.
والجواب - قولًا واحدًا - هو التنظيم القانوني العقلاني والآمر، ومن المقرر أن القاعدة القانونية لها جانب عقلاني (Rational) في تنظيمها أمر من الأمور، ولها جانب آمر (Imperative) ، وهذا الجانب الأخير هو الذي يعطيها قوة الإلزام والنفاذ.
على أنه في ثقافتنا (العربية - الإسلامية - القرآنية التقدمية) فإننا نتصور أن التنظيم الموضوعي العقلاني (بمعنى الذي يعقله العقل، وقد لا ينشئه!) هو الأهم، ويكون الجانب الآمر هو ما تجد العقول نفسه مضطرة لقبوله، والعقل مضطر لقبول الحق.
فثقافتنا (العربية الإسلامية القرآنية - التقدمية) تستند إلى (شريعة) والشريعة في اللسان العربي - وبالمنهج الذي سبق إيضاحه في فهم اللسان العربي - تعني المنطلقات المبدئية أو الأطر المرجعية، فشريعة الماء أو مشرعة الماء هي المواضع التي ينحدر منها.. أو هي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون، (ويقول الأزهري: ولا تسميها العرب شرعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار.. أو يكون ظاهرًا يستقي منه) - مثل هذا.. شرعت في هذا الأمر شروعًا: أي بدأت فيه بدءًا، والشارع: الطريق الأعظم الذي يشرع فيه الناس كافة، ودور شارعه -: إذا كانت أبوابها شارعة في الطريق.. أو دنت إلى الطريق وقربت من الناس.. وهذا كله راجع إلى الظهور والإشراف عليه، وقريب منه شراع السفينة لظهوره والشروع في المسير، وكونه مشرعًا نحو وجهة.
فالبدء في السير على أساس من سبق التوجه نحو وجهة شاملة وعظيمة.. هو ما يحدد معنى الشريعة، وهي شريعة محددة ومنهاج مفتوح، أو مناهج مفتوحة.. وكما يقول إخواننا في تونس عن الشارع: (إنه يفتح على عدة أنهج) .
فالشريعة بهذا المعنى هي بحث فيما يعرف في الدراسات المعاصرة بالمشروعية العليا فوق القوانين والدستور (Super Legality - Legalite Superieure) ، لعل أحدث المدارس في هذا الموضوع هي المدرسة التي تتبنى نظرية المؤسسات (Theory De L'institution) ، وقد بدأها العميد (هوربو) وصاغها تلميذه (Renard) وهو يعتبر القانون الطبيعي مجموعة قواعد هذا القانون الطبيعي تنبع من القانون السرمدي، أي من الحكمة الخالقة، أي الله .
ولا يمكن لشريعة المجتمع أن تكون محل صياغة من لجنة أو مجلس.. إذ كيف تملك إرادة البعض أن تقيد إرادات الآخرين، وأن تسمو عليهم وتفرض عليهم القواعد والنصوص (هذا رأي العميد دوجي) وشريعة بهذا المعنى في أصول الفقه عندنا هي بحث في أول رجوع إليه، وأول مرجوع إليه هو القرآن.. قولًا واحدًا بين جميع الأصوليين.
وهنا، قد يكون من المناسب أن أفرق لبعض رجال الفكر الإسلامي، ولبعض رجال الفكر القانوني أيضًا بين شريعة المجتمع باعتبارها نظرًا في أساس، أو مقياس للقانون، أو نظرًا في قانون القانون.. وبين الحديث عن مصادر القانون، وهنا، وقد يكون من المناسبات أيضًا أن أفرق لبعض رجال الفكر الإسلامي، ولبعض رجال الفكر القانوني، بين قضية أساس النظام القانوني، وبين قضية أساس السلطة وسندها.. فالحديث عن الشريعة هو غير الحديث عن الشورى، كما أنه غير الحديث عن مصادر التشريع!
فالشورى هي أساس السلطة، والقرآن هو أساس التشريع، أما المصادر التشريعية فللمسلمين أن يفيدوا من كل ما تسمح لهم خبراتهم ومعارفهم الإفادة منه، إذا تم بتشاور بينهم، ولم يصادم شريعتهم، أو الأسس والمقاييس والإطار المرجعي.
стр. 18518
هي المنطلقات والمسارات العريضة والوجهة، التي نستقيها من الدين، والدين واحد وإن تعددت الرسالات تعدد الأقوام.. والدين القيم هو الدين الذي يقوم بكل جوانب النفس البشرية والمجتمع البشري، وهو (أي الدين) الذي يأخذ بالعرف والمعروف، وبما يتوافق مع الفطرة.
وهكذا تقام القواعد على القواعد، وتجتمع عوامل ثلاثة، كلها تقتضي أن يشعر الإنسان بالمثل العليا شعورًا واحدًا. لا يختلف عليه إملاؤها، فهو في ما تمليه الجبلة أو الفطرة (أو القانون الطبيعي) ، في مثل ما يمليه العرف والمعروف، في مثل ما يمليه الدين القيم.
وهكذا فإن قانونًا هذا أساسه - أو شريعته - سيلتقي فيه الجانب الآمر (Imperative) ، مع الجانب الآمر العقلاني أو الإقناعي (Rational) .
وعلى ما أوضحنا، وما هو معروف، فإن القانون له جانبان: جانب آمر (Imperative) ، وجانب عقلاني أو إقناعي (Rational) ، وهو الذي يتضمن تنظيمًا للواقعة على نحو معين. فإذا جاء هذا التنظيم مؤسسًا على شريعة هي فطرة الله في الناس، وناموسه في هذا الكون، وحقائقها سافرة تزاحم البديهيات - أي المعايير التي يعقلها الإسلام لأول وهلة - ...
стр. 18519
وإذا جاء هذا التنظيم مؤسسًا على شريعة تأخذ بالعرف، وتأمر بالمعروف، مما هيئ الإنسان على أن يحيا به، وله ملكات فهمه والتجاوب معه.. وإذا جاء هذا التنظيم مؤسسًا على شريعة هي بصائر كاشفة، جاء بها رسل لم تكن مهمتهم إلا إرشاد الناس إلى ما خفي عنهم من تلك الحقائق وتبصيرهم بها، فيعقلها القلب، وتنقشع الغيوم وتتبدد الجهالة، فيكون ما فيها من الحق هو الضرورة التي يوجبها أسفار الحقائق، على مثال ما يلزمه أحدنا إذا رأى أمامه طريقين: أحدهما واضح الاستقامة، والآخر كثير الحفر والعثرات.
إن هذا التنظيم، المؤسس على شريعة تلتقي فيها الفطرة مع العرف مع الدين القيم، هو تنظيم تحكمه حقائق عليا، هي مثل قوانين الطبيعة في استعلائها، فاستعلان قانون الأجسام الطافية - مثلًا - للمهندس الذي يصمم السفن يلزمه قطعًا - باستعلانه واستعلائه - أن يجعله أساس قواعد تصميمه، ولا يجعل له خيارًا في مخالفته ألبتة، والمهندس حين يمتثل لهذا لا يلتزمه راغمًا أو ضجرًا، وإنما يمثله قرير العين راضيًّا، ولا يسيغ أن يتحول عنه بأي حال، لأنه قانونًا قطعي الثبوت، قطعي الدلالة.
وفي سلطة الشعب - كل الشعب - إنما يأتي أي تنظيم من هذا القبيل - بالإضافة إلى تأسيسه على (شريعة المجتمع) التي ذكرنا - مستندًا إلى الشورى - وديمقراطية مباشرة، يباشرها كل الناس - (والعزم) أو الإجماع، الذي يتم التوصل إليه بناء على الحجة والإقناع، وتأسيس على مرجعية وسوابق ونصوص ... إلخ.
وهكذا، فإن القوانين في مثل هذا المجتمع القائم على سلطة الجماهير، والتي تجد شرعيتها في شريعة تقوم على الفطرة، وتأخذ بالعرف، والدين القيم، لابد أن تكون (هذه القوانين) قائمة على الحجة والبرهان، وهي آمرة بإقناعيتها!. ومن هنا كانت طاعة أولي الأمر - و (أولي الأمر) جمع لا مفرد له من جنسه، وهو من مادة (أول) ، أي الأوائل الذين (نولي) - أو نسند - لهم تنفيذ ما تشاورنا فيه، وأجمعنا عليه، وهم ليسوا (ولي) أو (أولياء) ، أمر علينا؛ بل هم (أولو) أمر منا، وليسوا علينا - غير متعارضة مع الإقناع الحر والاختيار الإرادي، فالشورى أولًا، ثم العزم أو الإجماع - فإن لم يكن (عزم) أو إجماع، فرأي الجماعة أو السواد أو الجمهور.. - ثم نكلف من ينفذ، ونختاره (منا) ، من بين صفوفنا، فيكون من الأول، المقدمين، أو (منا) ، من بين صفوفنا، فيكون من الأول المقدمين أو (أولي) أمر، من أولي لهم التنفيذ، تنفيذ ما عزمنا أو أجمعنا عليه؛ فهي ليست طاعة لشخصه، ولكنه ينفذ أمرنا، الذي تم التشاور فيه بيننا، وجاء محكومًا بإجماعنا، وغير خارج عن شريعة المجتمع.
стр. 18520
ثانيًا - في العلمانية
واستبدال (التوحيد) بها في المرجعية الإسلامية
واستغناء المرجعية الإسلامية عنها
إن المرجعية الإسلامية باستنادها إلى معيار أو إطار مرجعي، هو ما شرع من الدين مما وصى به نوحًا، ومرورًا بأبي الأنبياء إبراهيم، وموسى، وعيسى، وانتهاء بمحمد ﷺ وعلى أخويه: موسى وعيسى، وعلى سائر الأنبياء والرسل، أفضل الصلاة والسلام ...
إن هذه المرجعية الإسلامية باستنادها إلى أن الدين واحد، وإن تعددت رسالات الرسل إلى أقوامهم.
وإن هذه المرجعية الإسلامية باستنادها إلى أن رسالة كل الرسل كانت الإسلام في جانبه التوحيدي الأساسي، مع تنوع في بعض المعالجات.
وإن هذه المرجعية الإسلامية باستنادها إلى أن الرسالة الخاتمة إنما جاءت مصدقة لما هو أساسي، ومهيمنة - أي مستوعبة وشاملة - للمعالجات المتنوعة.
إن هذه المرجعية الإسلامية تقدم تأسيسًا أكثر تجذرًا وأعمق مما حاولت (العلمانية) أن تقدم، لكي يهتم الناس بهذا العالم الذي يعيشون، ولكي يتحرروا من الأوهام التي كانوا يتوهمون، فيأخذوا في التعامل مع الطبيعة - بحثًا واستعمالًا - بعد أن يبعدوا أوهام الأشباح التي في الطبيعة، وأوهام عدم قداسة الحياة الدنيا، وأوهام مزاعم ملوك يحكمون بحجة أنهم سلالة إله من الآلهة!!.
والعَلمانية - بفتح العين - من الاهتمام بهذا العالم، والآن (Seculum) ، وهي تستهدف تحرير الإنسان من الخضوع للطبيعة، كما تستهدف تحرير الإنسان من الشعور بعدم القداسة وهو يعالج مشكلات حياته، كما تستهدف تحرير الإنسان من سيطرة ادعت لنفسها احتكار المعرفة أو السلطة ... إلخ.