Полный текст (22 276 стр.). Показаны 18516–18555 · переход к 18521.
стр. 18516
٤ - في أن حكم كل الناس أو الجماعة أو الجمهور أو الأغلبية لا يكفي، وحديث عن الشريعة: في الوقت الذي أكدنا فيه على الشورى، وما تعني من سلطة الجماعة، أكدنا أن سلطة الجماعة تضمن تطبيق (الشريعة) - شريعة الجماعة - تلقائيًّا.
وعلينا هنا أن نوضح الحاجة، بل الضرورة للشريعة، وما هي الشريعة؟ وما يثيره هذا البحث من قضايا ومشكلات.
إن الحاجة للشريعة، والتي وصلت إلى درجة الضرورة، نبعت من كيفية التوفيق بين حق كل الناس؛ وكل من الناس. في ممارسة حقوقه التي ولد بها، وولدت معه.
وبتعبير متكافئ فإن الحاجة للشريعة، والتي وصلت إلى درجة الضرورة، نبعت من إشكالية:
(الحرية والنظام، كيف التوفيق؟)
وما الحرية إلا (المجال) الذي يمارس فيه كل الناس حقوقهم كأناسي، ولدوا بهذه الحقوق، وحقوق الإنسان هي مجسدة فيه؛ فالإنسان له رأس، فله الحق أن يتفكر ويعقل، وله أذنان، فله الحق أن يسمع، وأن تصل إليه كل المعلومات المسموعة ليتبع أحسنها، وله عينان، فله أن يطلع ويمتد بصره إلى أقصى الآفاق، وله أنف، فله حق استنشاق الهواء النقي بعيدًا عن كل تلوث، وله شفتان، فله أن يتحدث ويقول، وله قلب، فله أن يحب، وأن ينبض قلبه بكل الحب والمشاعر الخيرة، وله بطن، لا بد أن تتلقى لقيمات تسد أودها، وله يدان يعمل بهما، فله حق العمل، وله رجلان، فله أن يسعى في الأرض وينتقل ... إلخ.
ولكنه لكي يمارس (أي الإنسان) هذه الحقوق، عليه أن يعرف أن للآخرين نفس الحقوق، وبالتالي فإن خير ممارسة للحقوق هو أن تكون بعدل (والعدل إعطاء بمساواة) . فممارسة الحقوق، وبعدل، وهي أعلى المستويات التي تتيحها الحرية.
стр. 18517
- فما السبيل إلى ذلك؟.
- وما السبيل إلى منع مجاوزة حدود العدل (ومجاوزة حدود العدل هي الفساد - على ما قالت العرب) ؟.
والجواب - قولًا واحدًا - هو التنظيم القانوني العقلاني والآمر، ومن المقرر أن القاعدة القانونية لها جانب عقلاني (Rational) في تنظيمها أمر من الأمور، ولها جانب آمر (Imperative) ، وهذا الجانب الأخير هو الذي يعطيها قوة الإلزام والنفاذ.
على أنه في ثقافتنا (العربية - الإسلامية - القرآنية التقدمية) فإننا نتصور أن التنظيم الموضوعي العقلاني (بمعنى الذي يعقله العقل، وقد لا ينشئه!) هو الأهم، ويكون الجانب الآمر هو ما تجد العقول نفسه مضطرة لقبوله، والعقل مضطر لقبول الحق.
فثقافتنا (العربية الإسلامية القرآنية - التقدمية) تستند إلى (شريعة) والشريعة في اللسان العربي - وبالمنهج الذي سبق إيضاحه في فهم اللسان العربي - تعني المنطلقات المبدئية أو الأطر المرجعية، فشريعة الماء أو مشرعة الماء هي المواضع التي ينحدر منها.. أو هي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون، (ويقول الأزهري: ولا تسميها العرب شرعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار.. أو يكون ظاهرًا يستقي منه) - مثل هذا.. شرعت في هذا الأمر شروعًا: أي بدأت فيه بدءًا، والشارع: الطريق الأعظم الذي يشرع فيه الناس كافة، ودور شارعه -: إذا كانت أبوابها شارعة في الطريق.. أو دنت إلى الطريق وقربت من الناس.. وهذا كله راجع إلى الظهور والإشراف عليه، وقريب منه شراع السفينة لظهوره والشروع في المسير، وكونه مشرعًا نحو وجهة.
فالبدء في السير على أساس من سبق التوجه نحو وجهة شاملة وعظيمة.. هو ما يحدد معنى الشريعة، وهي شريعة محددة ومنهاج مفتوح، أو مناهج مفتوحة.. وكما يقول إخواننا في تونس عن الشارع: (إنه يفتح على عدة أنهج) .
فالشريعة بهذا المعنى هي بحث فيما يعرف في الدراسات المعاصرة بالمشروعية العليا فوق القوانين والدستور (Super Legality - Legalite Superieure) ، لعل أحدث المدارس في هذا الموضوع هي المدرسة التي تتبنى نظرية المؤسسات (Theory De L'institution) ، وقد بدأها العميد (هوربو) وصاغها تلميذه (Renard) وهو يعتبر القانون الطبيعي مجموعة قواعد هذا القانون الطبيعي تنبع من القانون السرمدي، أي من الحكمة الخالقة، أي الله .
ولا يمكن لشريعة المجتمع أن تكون محل صياغة من لجنة أو مجلس.. إذ كيف تملك إرادة البعض أن تقيد إرادات الآخرين، وأن تسمو عليهم وتفرض عليهم القواعد والنصوص (هذا رأي العميد دوجي) وشريعة بهذا المعنى في أصول الفقه عندنا هي بحث في أول رجوع إليه، وأول مرجوع إليه هو القرآن.. قولًا واحدًا بين جميع الأصوليين.
وهنا، قد يكون من المناسب أن أفرق لبعض رجال الفكر الإسلامي، ولبعض رجال الفكر القانوني أيضًا بين شريعة المجتمع باعتبارها نظرًا في أساس، أو مقياس للقانون، أو نظرًا في قانون القانون.. وبين الحديث عن مصادر القانون، وهنا، وقد يكون من المناسبات أيضًا أن أفرق لبعض رجال الفكر الإسلامي، ولبعض رجال الفكر القانوني، بين قضية أساس النظام القانوني، وبين قضية أساس السلطة وسندها.. فالحديث عن الشريعة هو غير الحديث عن الشورى، كما أنه غير الحديث عن مصادر التشريع!
فالشورى هي أساس السلطة، والقرآن هو أساس التشريع، أما المصادر التشريعية فللمسلمين أن يفيدوا من كل ما تسمح لهم خبراتهم ومعارفهم الإفادة منه، إذا تم بتشاور بينهم، ولم يصادم شريعتهم، أو الأسس والمقاييس والإطار المرجعي.
стр. 18518
هي المنطلقات والمسارات العريضة والوجهة، التي نستقيها من الدين، والدين واحد وإن تعددت الرسالات تعدد الأقوام.. والدين القيم هو الدين الذي يقوم بكل جوانب النفس البشرية والمجتمع البشري، وهو (أي الدين) الذي يأخذ بالعرف والمعروف، وبما يتوافق مع الفطرة.
وهكذا تقام القواعد على القواعد، وتجتمع عوامل ثلاثة، كلها تقتضي أن يشعر الإنسان بالمثل العليا شعورًا واحدًا. لا يختلف عليه إملاؤها، فهو في ما تمليه الجبلة أو الفطرة (أو القانون الطبيعي) ، في مثل ما يمليه العرف والمعروف، في مثل ما يمليه الدين القيم.
وهكذا فإن قانونًا هذا أساسه - أو شريعته - سيلتقي فيه الجانب الآمر (Imperative) ، مع الجانب الآمر العقلاني أو الإقناعي (Rational) .
وعلى ما أوضحنا، وما هو معروف، فإن القانون له جانبان: جانب آمر (Imperative) ، وجانب عقلاني أو إقناعي (Rational) ، وهو الذي يتضمن تنظيمًا للواقعة على نحو معين. فإذا جاء هذا التنظيم مؤسسًا على شريعة هي فطرة الله في الناس، وناموسه في هذا الكون، وحقائقها سافرة تزاحم البديهيات - أي المعايير التي يعقلها الإسلام لأول وهلة - ...
стр. 18519
وإذا جاء هذا التنظيم مؤسسًا على شريعة تأخذ بالعرف، وتأمر بالمعروف، مما هيئ الإنسان على أن يحيا به، وله ملكات فهمه والتجاوب معه.. وإذا جاء هذا التنظيم مؤسسًا على شريعة هي بصائر كاشفة، جاء بها رسل لم تكن مهمتهم إلا إرشاد الناس إلى ما خفي عنهم من تلك الحقائق وتبصيرهم بها، فيعقلها القلب، وتنقشع الغيوم وتتبدد الجهالة، فيكون ما فيها من الحق هو الضرورة التي يوجبها أسفار الحقائق، على مثال ما يلزمه أحدنا إذا رأى أمامه طريقين: أحدهما واضح الاستقامة، والآخر كثير الحفر والعثرات.
إن هذا التنظيم، المؤسس على شريعة تلتقي فيها الفطرة مع العرف مع الدين القيم، هو تنظيم تحكمه حقائق عليا، هي مثل قوانين الطبيعة في استعلائها، فاستعلان قانون الأجسام الطافية - مثلًا - للمهندس الذي يصمم السفن يلزمه قطعًا - باستعلانه واستعلائه - أن يجعله أساس قواعد تصميمه، ولا يجعل له خيارًا في مخالفته ألبتة، والمهندس حين يمتثل لهذا لا يلتزمه راغمًا أو ضجرًا، وإنما يمثله قرير العين راضيًّا، ولا يسيغ أن يتحول عنه بأي حال، لأنه قانونًا قطعي الثبوت، قطعي الدلالة.
وفي سلطة الشعب - كل الشعب - إنما يأتي أي تنظيم من هذا القبيل - بالإضافة إلى تأسيسه على (شريعة المجتمع) التي ذكرنا - مستندًا إلى الشورى - وديمقراطية مباشرة، يباشرها كل الناس - (والعزم) أو الإجماع، الذي يتم التوصل إليه بناء على الحجة والإقناع، وتأسيس على مرجعية وسوابق ونصوص ... إلخ.
وهكذا، فإن القوانين في مثل هذا المجتمع القائم على سلطة الجماهير، والتي تجد شرعيتها في شريعة تقوم على الفطرة، وتأخذ بالعرف، والدين القيم، لابد أن تكون (هذه القوانين) قائمة على الحجة والبرهان، وهي آمرة بإقناعيتها!. ومن هنا كانت طاعة أولي الأمر - و (أولي الأمر) جمع لا مفرد له من جنسه، وهو من مادة (أول) ، أي الأوائل الذين (نولي) - أو نسند - لهم تنفيذ ما تشاورنا فيه، وأجمعنا عليه، وهم ليسوا (ولي) أو (أولياء) ، أمر علينا؛ بل هم (أولو) أمر منا، وليسوا علينا - غير متعارضة مع الإقناع الحر والاختيار الإرادي، فالشورى أولًا، ثم العزم أو الإجماع - فإن لم يكن (عزم) أو إجماع، فرأي الجماعة أو السواد أو الجمهور.. - ثم نكلف من ينفذ، ونختاره (منا) ، من بين صفوفنا، فيكون من الأول، المقدمين، أو (منا) ، من بين صفوفنا، فيكون من الأول المقدمين أو (أولي) أمر، من أولي لهم التنفيذ، تنفيذ ما عزمنا أو أجمعنا عليه؛ فهي ليست طاعة لشخصه، ولكنه ينفذ أمرنا، الذي تم التشاور فيه بيننا، وجاء محكومًا بإجماعنا، وغير خارج عن شريعة المجتمع.
стр. 18520
ثانيًا - في العلمانية
واستبدال (التوحيد) بها في المرجعية الإسلامية
واستغناء المرجعية الإسلامية عنها
إن المرجعية الإسلامية باستنادها إلى معيار أو إطار مرجعي، هو ما شرع من الدين مما وصى به نوحًا، ومرورًا بأبي الأنبياء إبراهيم، وموسى، وعيسى، وانتهاء بمحمد ﷺ وعلى أخويه: موسى وعيسى، وعلى سائر الأنبياء والرسل، أفضل الصلاة والسلام ...
إن هذه المرجعية الإسلامية باستنادها إلى أن الدين واحد، وإن تعددت رسالات الرسل إلى أقوامهم.
وإن هذه المرجعية الإسلامية باستنادها إلى أن رسالة كل الرسل كانت الإسلام في جانبه التوحيدي الأساسي، مع تنوع في بعض المعالجات.
وإن هذه المرجعية الإسلامية باستنادها إلى أن الرسالة الخاتمة إنما جاءت مصدقة لما هو أساسي، ومهيمنة - أي مستوعبة وشاملة - للمعالجات المتنوعة.
إن هذه المرجعية الإسلامية تقدم تأسيسًا أكثر تجذرًا وأعمق مما حاولت (العلمانية) أن تقدم، لكي يهتم الناس بهذا العالم الذي يعيشون، ولكي يتحرروا من الأوهام التي كانوا يتوهمون، فيأخذوا في التعامل مع الطبيعة - بحثًا واستعمالًا - بعد أن يبعدوا أوهام الأشباح التي في الطبيعة، وأوهام عدم قداسة الحياة الدنيا، وأوهام مزاعم ملوك يحكمون بحجة أنهم سلالة إله من الآلهة!!.
والعَلمانية - بفتح العين - من الاهتمام بهذا العالم، والآن (Seculum) ، وهي تستهدف تحرير الإنسان من الخضوع للطبيعة، كما تستهدف تحرير الإنسان من الشعور بعدم القداسة وهو يعالج مشكلات حياته، كما تستهدف تحرير الإنسان من سيطرة ادعت لنفسها احتكار المعرفة أو السلطة ... إلخ.
стр. 18521
وعلينا أن نذكر أن الإسلام يرفض عبادة غير الله، ولا يشرك به من شيء أو شخص، فهو يعلن تسخير كل ما في الكون للإنسان، ويحرر الإنسان من الخضوع للطبيعة، كما أن الإسلام يستنكر تحريم زينة الله التي أحلها لعباده، ويستنكر تحريم الطيبات، ويؤكد حلها، وفي الإسلام لا احتكار لمعرفة أو سلطة أو ثروة، ولا رجال دين! ولا حكومة إلهية، بل حكومة كل الناس وشورى بينهم ويقدمون (أولي) أمر (منهم) - فلا وصاية (عليهم) أو (فيهم) !!!.
ودعوة التوحيد تستهدف المساواة بين الناس، في الاعتبار الإنساني، وفي البقاء في المستوى الإنساني، وفي المشاركة في خصائص الإنسانية من الصواب والخطأ، فليس هناك في نظر الإسلام مكان في جماعة المؤمنين، أو في المجتمع الإسلامي، لنزاع حول السلطة، على أساس أن بعض المجموعات في المجتمع تتميز عن المجموعات الأخرى.
ومع أن انتقال العلوم الإسلامية وتعلم اللسان العربي أثرا بدرجة كبيرة على العقائد المسيحية (وحتى مارتن لوثر كان وليد الأثر الإسلامي على أوروبا) ولكن النهضة الفكرية والعلمية ظهرت في أوروبا كحركة علمانية!.
وعلى كلٍّ، فإن الثورة العلمية والثورة الجمهورية اللتين ظهرتا في أوروبا إنما كانتا نابعتين من عين الثورة الإسلامية التوحيدية!، ولكن الغرب أعطى هاتين الثورتين صبغة علمانية! فأفقدهما ذلك الأساس الفكري القائم على التوحيد الذي يحرر الناس من الأوهام، ويقيم في الواقع الاجتماعي قيم الحرية والمساواة والتآلف والتآخي والوحدة.
стр. 18522
وقفة لابد منها، (مفهوم التوحيد) :
وهنا نرى، وقبل أن نواصل، ومن أجل أن نواصل ونتابع هذا التاريخ، ضمن حركة التاريخ العام للإنسانية، نرى أن نقف عند مفهوم التوحيد لما يمثله من كونه المعيار الأول أو (Para-Meter) أو المعلمات التي تمكننا من وضع رسم بياني صحيح لحركة التاريخ، ولما يمثله من كونه محور الارتقاء في تاريخ الإنسانية - والذي قاده الأنبياء والرسل، وكان محمد ﷺ خاتمهم، وبعدهم استدارت حركة التاريخ، لتقودها أمة العرب ومن حولها قوميات العالم الإسلامي، وبادئ ذي بدء، يهمنا أن نقول - والحق نقول:
إن الأنبياء والرسل بما حملوا من دين واحد، وإن تنوعت رسالاتهم تنوع أقوامهم، إنما كانوا يرسون أسس التوحيد، قال رسول الله ﷺ : ((خير ما دعوت إليه أنا والأنبياء من قبلي: شهادة أن لا إله إلا الله)) .
ولقد كان هذا هو القاسم المشترك لدعوة كل نبي رسول، ثم تنوعت المعالجات وفقًا لانحراف أو انحرافات كل قوم، وجاء محمد ﷺ بالرسالة الخاتمة المؤكدة والمصدقة لهذا القاسم المشترك، وهي أيضًا الرسالة التي تعطي جماعًا لما تفرق في الرسالات الأخرى، فتكون مهيمنة عليها، فالقرآن مصدق لما قبله ومهيمن عليه!.
وحجر الأساس في القرآن هو علاقة الإنسان بربه، وتوحيده بالربوبية! وبالتوحيد يتم استجماع مشاعر الولاء في نفس الإنسان، وترد إلى الإله الواحد الأحد، الذي لا إله غيره، وبهذا يتحرر الإنسان من كل عبودية لأي شيء! ولأي إنسان أو أي مخلوق!، وبهذا التوحيد - الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها - لا تذهب مشاعر التدين - كما يحدث في غيبة التوحيد - إلى الولاء المشتت بين أرباب متفرقين من الخلق، فتكون الدكتاتورية والظلم الرأسمالي أو الاستبداد الطبقي ... إلخ.
стр. 18523
والإيمان بكلمة (لا إله إلا الله) ينعكس (روحيًّا - أخلاقيًّا، ونفسيًّا - اجتماعيًّا) في صورة قيمتين أساسيتين هما: الحرية والمساواة، بما لهما من آثار في المجال الاقتصادي والسياسي.
وقد انعكست كلمة (لا إله إلا الله) عند علي كرم الله وجهه في قوله: (لا تكن عبدًا لغير الله) ، وفي الأثر: (لا تكن عبدًا لغير الحق، فإن عبد الحق حر)
، كما انعكست كلمة (لا إله إلا الله) عند عمر ﵁ في قولته المشهورة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ... ) ، فهي حرية لي وللآخرين.
والعبودية هي تهيئة الإنسان لما يصلح له من قيام بأمانة الخلافة والتعمير، فهي تحرير الإنسان من الخضوع أو التبعية لأي شيء! ولأي شخص.
وهذه التهيئة تؤكد، كما يؤكد هذا التحرير، أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن إخوته من عباد الله مستخلفون في الأرض.
وهذه التهيئة، وهذا التشديد على الإنسان باعتباره خليفة الله في أرضه وأكرم خلقه وأفضلهم، هي - وهو - ما أهل الإنسان للقيام بدور أداء الرسالة التي اؤتمن عليها في التعمير ...
ويتلاقى مع كل هذا، مفهوم تسخير الكون للإنسان، والتسخير سوق الشيء إلى الغرض المقصود منه قهرًا (قارن العبادة، باعتبارها تهيئة الإنسان للقيام بالغرض المقصود منه اختيارًا!!) .
وكون هذا الكون مسخرًا للإنسان - سواء بمعنى كون الكون مسخرًا ومنقادًا للمسخر له (أو للإنسان) ، أو بمعنى كون الكون مسخرًا بحيث يكون سببًا لحصول ما ينفع للإنسان متى علم السنن واستخدامها - يؤكد تحرير الإنسان من المخاوف الطبيعية، ويقتضيه إقامة نظره على التفكر والتعقل والعلم بنواميس الكون.
كما أنه يلتقي مع ما تقدم من مفاهيم التوحيد والعبودية لله، بما تعنيه من حرية الإنسان وحرية الآخرين، كما يلتقي مع استخلاف الإنسان واستخلاف الآخرين، والكون أيضًا مسخر له ولأخوته الآخرين، وليس الآخرون مسخرين! بل هو وهم شركاء في المائدة التي سخرها الله، فلابد من كفالة حق الجميع في حد الكفاية - وهو غير حد الكفاف - وعدل وتضامن وتكامل وتراحم ...
стр. 18524
وخلاصة القول في هذا التأصيل: إننا نرى في مفاهيم الإسلام والتوحيد، وما يتفرع عن ذلك من مفاهيم العبودية أو تهيئة الإنسان لما يصلح له من استخلاف وائتمان على تعميرها والقيام بدور أداء رسالة، ومع تسخير الكون ... إلخ.
إننا نرى في كل ذلك خير تأصيل فكري عميق الجذور وأصيل للثورة العلمية والثورة الديمقراطية الحقة! ديمقراطية كل الشعب، بل والديمقراطية الاجتماعية أيضًا.
ولهذا فإننا نرى أنه يوجد لدينا في كل ما ذكرنا خير تأصيل وتأسيس فكري عميق الجذور لهذا المشروع الحضاري العربي الإسلامي التقدمي، الذي لابد من أن يستجيب لمطالب النضال الحديث والمعاصر لأمتنا في: ١ - الديمقراطية، ٢ - والاشتراكية، بما تعني من كفاية - هي نتيجة لتنمية حقة في مواجهة التخلف أو النمو المشوه والتابع -! وعدل في مواجهة الاستغلال والظلم، ٣ - والوحدة القومية، ٤ - والأخوة والتضامن الإسلامي، وتعارف وتعايش وعدم انحياز، ٥ - بل، وحياد إيجابي.. هو شهادة الحق برسالة حضارية للإنسانية كلها ... إلخ.
فالإله الواحد يقدم الأساس:
١ - للكون الواحد.
٢ - المتسق القوانين.
٣ - الذي تتساوي فيه الوحدات المتنوعة.
وهذه هي المنظومة العلمية التي هي أساس كل علم، فالعلم يقوم على قوانين منسجمة تحكم الكون والحياة، وهي قوانين ينظمها قانون شامل واحد، وهي في نفس الوقت سارية في ألوان الوجود.
والإله الواحد هو الأساس:
١ - لوحدة النفس الإنسانية، ووحدة المجتمع الإنساني.
٢ - وتحكم النفس، وتحكم المجتمع، سنن الله المتسقة.
٣ - والتي تسري على جميع الأفراد، فهم وحدات متساوية، تمامًا أمام قوانين متسقة واحدة!
стр. 18525
وهذه هي الترجمة للمنظومة العلمية، والمقامة على أساس من التوحيد والإسلام، إلى مفهوم ديمقراطي مباشر، حيث الفرد لا يمكن أن يحسب بأقل من واحد، كما أن هذا الفرد الواحد لا يمكن أن يحسب بأكثر من واحد!.
وحيث الجميع عباد الله وإخوة فيما بينهم، وكلٌّ منهم يتولى أمر الآخر ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ، فالمسؤولية مقررة من الأفراد تجاه المجتمع، ومن المجتمع تجاه الأفراد، والشرائع والنظم هي لمجتمع أخوة متضامنين ليس في واحد من البشر أكثر من واحد، ولا واحد أقل من واحد، وأن الجميع سواء في موقفهم أمام القانون الأعلى عليهم وعلى كل شيء، وكل شيء مسخر لهم.
والله الواحد الأحد هو وحده ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوًا أحد، والناس بعد ذلك أشباه وأنداد - كلهم مخلوقون وكلهم عباد - وكل شيء مسخر لهم، وهم سادة مكرمون بفضل الله ونعمته، متى علموا وأقاموا مجتمعهم على شكر النعمة بالعمل، وكان العمل أساس ترقيتهم درجات (الدرجات تعني أن هناك حدًا أدنى مكفولًا هو مستوى خط الحياة، أو مستوى حد الفكاية، ويتم الارتقاء منه درجة درجة! والدرجات ليست طبقات، بل هي مفتوحة للترقي ... إلخ) ، وليكون هذا الترقي ابتلاء أو امتحانًا، والله الغني عن العالمين يقسم بين الناس، وهم من نقطة الإخاء شركاء في الموارد والثمرات والأموال التي هي في المجتمع - وفي أيدي المؤمنين - أموال الله، وعلى أساس أن هذه المشاركة تعني بالوازع والالتزام أن يعود (فائض الحاجة) أو العفو في يد كل فرد إلى أيدي إخوته الآخرين في المجتمع الذي يتحرك بالعلم، ويتحرك فيه الكل بالديمقراطية المباشرة، نحو أهداف الكفاية والعدل، مع انفتاح إنساني بقوميات متعارفة من أجل وحدة حقة من خلال التنوع، وتنوع إلى وحدة وتوحيد!. وهذا هو الأساس العلمي والمفهوم الجماهيري والمضمون الاجتماعي لفهمنا للإسلام.
стр. 18526
ونقف الآن عند معنى الشهادة بأن محمدًا ﷺ رسول الله وخاتم النبيين والرسل:
فإن إعلان انتهاء نظام النبوة والرسالة هو الإيذان بأن الإنسانية قد بلغت سن الرشد، مرحلة تحمل الأعباء.
فيوم أن اكتمل الدين باختتام الرسالة التي بلغها محمد ﷺ كانت البشرية قد امتحنت كل طاقاتها وصهرت معدنها، بدءًا بالخطيئة الأولى والتوبة منها، ومرورًا بمعركة هابيل وقابيل، وتجربة كل جيل من بعدهم أو كل قرن أو قوم، وما عرفوا من أمر ما سبقهم إليه جيل أو قرن أو قوم من قبل! تمامًا كما يحدث مع ابنك الصغير؛ يكون جنينًا ويمر في خلقه بأطوار، ويأتي عليه حين من الدهر لا يكون شيئًا مذكورًا، ثم طفلًا، حتى يتعلم الأسماء كلها!، ويبدأ بعد ذلك في دخول مرحلة التفكير والجدل ومسؤولية الاختيار، ويواجه التجربة، ويخوض المعركة، وحتى إذا ما اشتد عوده وبلغ رشده، تكون النصيحة الخاتمة، وعليه أن يشق طريقه، خيره له وشره عليه!.
وكان محمد ﷺ هو كلمة السماء الأخيرة إلى الإنسانية الراشدة، وكان العقل بعد ذلك، وبفضل ذلك، قد أصبح حرًا مختارًا، يتوجه بهدي القرآن الذي هو شرعة محدودة ومنهاج مفتوح.
وإن العقل هو الذي يدرك الحق والعدل والخير العام.
إن العقل قد يخطئ، ولكنه قادر على أن يدرك الخطأ ويصحح الخطأ، والنصوص لا تلزم الإنسان إلا بمقدار ما يعقلها الإنسان، ومن هنا كانت تلك القاعدة التي تقول: (بناء أصول الدين في العقائد، وحكمة التشريع، على إدراك العقول لها واستبانتها لما فيها من الحق والعدل ومصالح العباد) ، على أن المعتقدات أمر ذاتي نفسي، ولا تتصور إلا هكذا، وكون الإنسان مؤمنًا أو غير مؤمن لا يدركه حقيقة إلا الإنسان، وإلا الخالق جل وعلا، ومن أجل هذا ترك أمر المعتقدات وأمر العبادات إلى الاجتهادات الشخصية التي يقوم بها الإنسان بنفسه لنفسه!.
стр. 18527
ويعلِّق الأستاذ الدكتور خلف الله بهذا الصدد قائلًا - بحق -: (إن العبادات أمر شخصي، يحدد العلاقة بين الإنسان وخالقه، ومن حق هذا الإنسان أن يحدد بنفسه موقعه من خالقه، وإلا كان كالأنعام أو أضل سبيلًا ... ) ، وقد قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: (إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد ما لم يسنده إلى المعصوم)
، ويعلق الشيخ رشيد رضا على هذا القول بقوله: يعني في مسائل الدين البحتى: العبادات والحلال والحرام.
... وإذا كان هذا هكذا في شؤون المعتقدات والعبادات فإنه بالمثل، ومن باب أولى، أن تكون أمور الحياة الدنيا، وبخاصة الجماعية منها، كالسياسة والحرب، محل اجتهادات الإنسان، مع فارق أنها لكونها لا ترتبط بالإنسان وحده، وإنما ترتبط به باعتباره عضوًا في جماعة، ومن هنا كان الاجتهاد فيها اجتهادًا جماعيًّا، مادام العائد فيها يعود على الجماعة كلها إن خيرًا وإن شرًّا وإن نفعًا وإن ضرًّا.
وخلاصة القول: أنه باكتمال الدين واختتام الرسالة قد تم تحرير الإنسان لا من الآلهة الخرافية فحسب، بل ومن سيطرة مزعومة لكهنوت الله أو وصاية لمن يسمون رجال الدين! ولقد أنكر القرآن على رجال الكهنوت الدور الذي يلعبونه! حتى ولو كان لمصلحة الدين، ولقد أنكر القرآن على الناس اتباعهم الأحبار والرهبان، واتخاذهم أربابًا لهم يحللون ويحرمون!.
... وهكذا عاد الأمر شورى، وعادت الشورى صفة من صفات المسلمين يمارسونها في كل أمر من الأمور العامة، وحتى شؤون الأسرة تكون عن تشاور في كل أمر، حتى ولو كان يبدو صغيرًا كأمر فطام رضيع!.
وليكن هذا مدخلنا للفقرة التالية:
وقد يكون هنا هو الموضع المناسب لأن نوضح أنه ربما لا يكون مجرد مصادفة أن تكون رسالة الإسلام، وهي رسالة كل الرسل ليست إلا دعوة الناس إلى التوحيد وإرصاد الجهود لجعل الإنسان موحدًا، مع نشر روح الوحدة والأخوة والألفة والانسجام.
ولقد كان للشرك استيلاء فكري واستعلاء في قديم الزمان، حتى إن السياسة كانت تقوم على دعائم الشرك، فكان الملوك في قديم الزمان يحكمون بحجة أنهم سلالة إله من الآلهة!.
стр. 18528
ويعتقدون بحلول ذات الإله في أنفسهم، أو أنهم ظِل الله في الأرض، أو أن دمهم دم أزرق يختلف عن باقي البشر، إلى آخر الخرافات التي أراد الله لها أن تنتهي إلى أبد الآبدين على يد خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ؛ فكان أن استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض باكتمال الدين وإتمام النعمة وارتضائه لنا الإسلام دينًا.
وإن انقلابًا عظيمًا في التاريخ الإنساني قد حدث، وأخذ طريقه لإحداث رجع وصدع في كل السماوات والأرضين، يوم أن قطعت وشيجة الشرك، وقطعت بالتالي عن السلطة والحكم، فصار بعد ذلك أمرًا سياسيًّا بحتًّا..
ولقد كان ذلك أول انقلاب في التاريخ الإنساني المعلوم، ونخص بالذكر هنا أثرين من آثار هذا الانقلاب الكامل المحيط بجميع نواحي الحياة، أولهما: أن الناس لما علموا أن الله هو إله واحد، وما عداه مخلوق ومحكوم، ماتت عقلية تقديس مظاهر الطبيعة والأشياء التي كانت آلهة تُعبد ويُسجد لها، وأصبحت خادمة للإنسان، فشاء أن يعرف كنهها وحقيقتها ويستعملها لحاجاته، كان هذا الانقلاب الفكري الذي قضى على عهد الأوهام والأساطير، وافتتح عصر العلم الحديث!. والثاني: هو أنه انقرض به عهد الملوكية على مستوى فكري، وبدأ عصر الجمهورية الديمقراطية، ولما علم من أن الناس سواء، وليس من إنسان له صفة الألوهية، فلم يبقَ لأحد حق الحكم الإلهي على الأرض!!.
وانطلق هذان الانقلابان (أو الأثران العظيمان، من آثار الانقلاب العظيم الكامل المحيط بجميع نواحي الحياة) من المدينة، ثم وصلا إلى دمشق فبغداد وإسبانيا وصقلية، حتى انتشرا في معظم أفكار العالم.
على كلٍّ، فإن عمل الثورة الذي بدأ في العالم الإسلامي انتشر في أوروبا. غير أن هذا العمل قد تعرض لتغيير عندما وصل إلى أوروبا، وقد كان هذا العمل ظهر إلى الوجود في العالم الإسلامي تحت أثر الإسلام، ولكن أوروبا لم تكن مسلمة، فقامت بتطوير هذا العمل بإعطائه أساسًا علمانيًّا! مع أن انتقال العلوم الإسلامية وتعليم اللغة العربية أثر بحد كبير على العقائد المسيحية، (وحتى مارتن لوثر كان وليد الأثر الإسلامي على أوروبا مباشرة) ولكن النهضة العلمية والفكرية ظهرت في أوروبا كحركة علمانية) .
стр. 18529
وهكذا، فإن الثورة العلمية والثورة الجمهورية اللتين ظهرتا في أوروبا إنما كانتا نابعتين من عين الثورة الإسلامية، ولكن الغرب أعطى هاتين الثورتين صبغة علمانية!! فأفقدهما ذلك الأساس الفكري القائم على التوحيد الذي يحرر الناس من الأوهام، ويقيم في الواقع الاجتماعي قِيَم الحرية والمساواة والتآلف والتآخي والوحدة.
وإذا كان البعض يرى أن المادية وحدها هي التي أزاحت عن كاهل الإنسان المخاوف من القوى الطبيعية التي كان يرجعها لقوى بعد طبيعته! وعلمته أن يؤثر بتقديره في الحياة الدنيا! ويركز طاقاته على تحسينها، كما ألهبته الكبرياء البشري وتوكيد الذات.
وإذا كان البعض يرى هكذا، فمن حقنا أن نقول لهذا البعض وإلى الجميع نقول، والحق نقول:
إن الإسلام هو الذي أزاح عن كاهل الإنسان المخاوف من الآلهة الخرافية والقوى بعد الطبيعة الأخرى، يوم أن علمه أن له إلهًا واحدًا هو رب كل العالمين، وهو رحمن رحيم، وأنه جاعل آدم نبيه خليفة في الأرض، وأن كل ما في الأرضين والسماوات مسخر للإنسان، وما على الإنسان إلا إعمال عقله، ليعقل ويربط ظواهر هذا الكون التي تحكمها قوانين منسجمة ينظمها قانون واحد، هو القانون الساري في كل ألوان الوجود، مما يمكن الإنسان من أن يفيد ويؤثر بتقديره وعلمه، بما يعود عليه ويؤتيه في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ... إلخ. والآيات القرآنية واضحة الدلالة في أن جزاء الإنسان أو أجره وثوابه متوقفان على ما يحصل عليه من علم، وما يقوم به من عمل، وهو حين يعمل صالحًا يحيا في هذه الدنيا حياة طيبة، ويدخل في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار.
стр. 18530
ثالثًا
في نظرتنا لـ (حقوق الإنسان)
ومدى اختلاف مرجعيتنا الإسلامية عن مرجعياتهم!!
دون انتقاص لجهود أحد لإظهار حقيقة أن الإسلام (سيظهر) على الدين كله، فإننا نرى أن الطريقة التي قام بها - في هذا الصدد - (المسلمون الليبراليون) في مرحلة مبكرة من عصر النهضية، ولا زالت متواصلة، وهي تقديم الدليل من الآيات - أو الأحاديث - على أن ما يتحدث به أهل الغرب - وخاصة الليبراليين منهم - هو موجود عندنا، يؤسفنا أن نقول إننا نرى أن هذا ليس (إظهار) للإسلام، بقدر ما هو سوق للمسلمين للسير (تبعًا) للغرب، رغم ثقتنا بحسن نيات من يقومون بهذا الجهد.
ونحن نقول هنا بأنه يمكننا تقديم الدليل من القرآن، ويمكن تعزيزه بالعديد من الأحاديث، على مناصرتنا لمبادئ حقوق الإنسان.
إلا أننا نعتقد أنه لدينا طريقة أفضل، وهي أكثر تأصيلًا لمناصرتنا الحقيقية لحقوق الإنسان، وأكثر تجذُّرًا في رؤيانا للكون والحياة والإنسان، وأكثر جدية وجدة.
فنحن مَن يرى - وهي رؤية صحيحة وحقة وفقًا للقرآن الذي يرى أيضًا - أن الإنسان له فطرة - أو قواعد طبيعية - تحكمه، وأنه خلال مسيرته عززها بما أنكر من منكر وعرف من معروف، فشكل عرفه الذي جاء الدين آمرًا بالأخذ به، فكان الدين القيم آخذًا بالعرف، آمرًا بالمعروف، متناغمًا مع الفطرة أو القواعد الطبيعية.
وما مسيرة الإنسان إلا مواجهة وإنكار لأي خروج عن القواعد الطبيعية، وإقامة القواعد الظالمة، على يد فرعون أو ملئه، وعلى يد قارون أو مترفين، أو كاهن أو كهنوت، إنها حرب (الله - والناس) ضد الاحتكار في المُلك والمِلْك والمعرفة.
стр. 18531
ومن هنا، فنظرتنا في السلطة لا ترى أن الملوك أنصاف آلهة، أو ظل لله في الأرض، أو تجري في عروقهم دماء زرقاء، إلى آخر الخرافات التي سادت عقب تجمع مجموع الإقطاعيين إلى جانب إقطاعي كبير، واختياره ملكًا، واستمرار ادعائهم - وهم وإن لم يعودوا إقطاعيين، فقد صاروا أرستقراطيين! - إنهم يتميزون عن الآخرين ...
ونحن لا نشارك طبقة (البرجوازيين) الذين تكونوا في (برج) مهجور، هربوا إليه من الإقطاع، يجتمعون به ليلًا، و (يتاجرون) به نهارًا، حتى اتسع وصار (مدينة برجوازية) .
نحن لا نشاركهم الاعتراف بسلطة الملوك، و (الأرستقراطيين) من حولهم، ونكتفي بالمطالبة بنصيب معهم، تحت قبة (برلمان) - هو بلفظة (PaRliament) يعني لقاء أعداء لحسم بعض النقاط! -، ونتخذ درعًا يقينًا من استبدادهم من (دستور) أو (فصل سلطات) أو (وثائق حقوق الإنسان) .
فالأصل عندنا: ١ - أن السلطة لمجموع الناس، ولا نيابة عنهم ولا (ولي) يتولى أمورنا وكأننا قُصَّر، فالجماعة هي التي تقرر و (تعزم) ، أو (تجمع) أمرها في (جامعها) وفي (جمعها) . ٢ - ثم هي التي تقدم الأول (أولي) - وهو من غير مادة ولي - الأمر (منها) ، وليسوا (عليها) أو (فيها) .. ٣ - وتحكمها (شريعة) تحدد المنطقات، والمسارات، والوجهة، وهي شريعة قائمة على الفطرة، آخذة بالعرف - آمرة بالمعروف، وتكتمل بالدين القيم، فالجماعة أو الجمهور أو السواد هم الذين يقررون وفقًا لهذه الشريعة، وفقًا للفطرة، وفقًا للأعراف والمعروف، وفقًا للدين القيم ...
وبهذا لا مجال لطغيان أو ظلم أو استبداد أو احتكار، فرؤيانا غير رؤياهم التي تجعل البرجوازيين يزاحمون (الأرستقراطيين) ، ثم يظلمون (البروليتاريا) ، فتزاحمهم (البروليتاريا) لتفرض ديكتاتوريتها، ويكون الحكم دائمًا يعني قهرًا فرديًّا أو حزبيًّا أو طبقيًّا، واستغلالًا وحكرة ...
стр. 18532
إن رؤيانا هي رؤيا (مجتمع كل الناس) بالناس، ومن أجل الناس، والله هو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، لا إله إلا هو.
و (لا إله إلا الله) هي خير ما دعا لها نبينا ورسولنا الخاتم - الذي كان القرآن ذكرًا له ولقومه، فكان شهيدًا علينا لنكون شهداء على الناس - وكذلك دعا له مَن سبقه من الأنبياء والرسل، وهي تعني ألا نعبد إلا الله، فلا يستعبدنا أحد، ولا نستعبد أحدًا، وتعني أننا خلفاء في الأرض - كل منا خليفة مؤتمن على ما سخر لنا، وهذا الذي سخر لنا إنما سخر لنا جميعًا؛ فالمال مال الله، ونحن عباد الله، ويقسم بيننا بالسوية، فالعدل (وهو إعطاء بمساواة) هو المطلوب أولًا، ثم يكون الإقساط (وهو إعطاء كل ذي حق حقه) في جزاء كل عمل، ولا عمل بدون جزاء، ولا جزاء بدون عمل: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (بسرقة عمل الآخرين) ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (بمصادرة رأس مالكم الذي جاء جزاء عمل سابق) ، وعلينا ألا ننسى نصيب العجزة الذي حرموا نتيجة عجزهم، وعلينا ألا ننسى الفضل بيننا..
وبهذا يكون التعمير والعطاء، ويكون التقدم ماديًّا ومعنويًّا، وبهذا يقوم مجتمع الأخوة، الذي تسوده الألفة والمودة، ويقوم على التشاور والتعارف والحوار ...
стр. 18533
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا إله إلا الله
فلا تكن عبدًا لأحد غير الله ولا تستعبد إخوتك الآخرين
من عباد الله
وهذا معنى أنك خليفة الله في الأرض وهذا معنى أن عباد الله جميعًا مستخلفون
والكون كله مسخر لك وهم ليسوا مسخرين لك بل إنكم في تراحم وتضامن وتعارف
ومن هنا عليك بالعلم والعمل بفعالية ومن هنا عليك العطاء والعطاء معنوي ومادي
وهذا ما يحقق البناء والتعمير وهذا ما يحقق بناء شبكة العلاقات الإنسانية
وهذا هو الإسلام
كما أوضحه رسول الله ﷺ
* * *
ما هو تاريخنا الحضاري
стр. 18534
_________
стр. 18535
منحنى الحضارة العربية الإسلامية الأولى.
.. منحنى الحضارة المسيحية الغربية.
... النهضة العربية الحديثة.
(١) محور الارتقاء والتقدم، والذي يمثل البعد الأهم والمتجاهل في النظر إلى التاريخ الإنساني، وهو المحور الذي مثل المرحلة الأولى والأساسية من مسيرة بني آدم - والتي قادها الأنبياء والرسل.. وخاتمهم محمد رسول الله ﷺ .
(٢) تمثل القمة التي وصل إليها التطبيق الرسولي.. عند إكمال الدين.. وإتمام النعمة.. واختتام النبوة بوفاة رسول الله ﷺ .
(٣) هي لحظة الاختيار و (مفترق الطرق) التي تقف فيها الإنسانية المعاصرة، فهل سترتفع إلى المستودى السامق الذي رسمه القرآن.. كما جاء به رسول الله.. وعلى أن يكون على مستوى العصر؟!
أما الرسم البياني فهو لـ (الحضارة العربية الإسلامية الأولى) و (الحضارة المسيحية الغربية) !!!
стр. 18536
* * *
ملاحظات
١ - هذه المحاولة الأولى في حقبتنا المعاصرة لتقديم تفسير لـ (تاريخنا الحضاري) إذ أنه كان خاضعًا لتفسير يقوم على المركزية الغربية.
وقد استطاع الغرب أن يجعل نفسه مركز التاريخ بأن جعل حركة التاريخ، يحكمها بُعدٌ واحدٌ هو بُعد الامتداد الزمني الذي حدد بدايته وجعل امتداده معيارًا للتقدم، فكل حقبة تلت ما قبلها هي أكثر تقدمًا!!! وبالتالي فإن القرن العشرين هو الأكثر تقدمًا في كل التاريخ البشري، وهم في القمة في هذا القرن؛ فهم في قمة التاريخ الحضاري!.
٢ - وهذه المحاولة - محاولتنا - تقول: إن التاريخ له بُعدان أو محوران، بُعد الامتداد الزمني وبتحديد مختلف عما حدده الغرب، وبُعد أو محور هو معيار الارتقاء والتقدم؛ وحركة التاريخ الحضاري داخل هذين المحورين تحدد في شكل رسم بياني قد لا يعطي صفة الارتقاء والتقدم لكل زمن منها، وقد يكون لها من الفضل - إن لم يزد - عن المتأخرين.
٣ - وهذه المحاولة تقول: إن التاريخ الإنساني وصل إلى قمة الارتقاء والتقدم بكمال التوحيد وتمامه، فيتخذ من إكمال الدين وإتمام النعمة واختتام النبوة بداية لمرحلة استقلال العقل مع حفظ المكانة لتلك المرحلة التي قادها الأنبياء والرسل - بدعوة التوحيد: خير ما قلت أنا والأنبياء من قبلي كلمة ((لا إله إلا الله))
وكان ختامها على يد محمد ﷺ يوم أن تلا قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ويومها أعلن انتهاء النسيء والتلاعب بالأشهر واستدارة الزمان كيوم أن خلق الله السماوات والأرض.
٤ - وهذه المحاولة توضِّح أن حركة التاريخ الحضاري لأمتنا داخل هذين المحورين قد وصلت إلى القمة بكمال الدين وتمامه، واختتام النبوة، وإن ما اعتراها من نقص فيما بعد إنما هو نقص قياسًا إلى القمة التي قصرت عنها، لا قياسًا إلى الإطار التاريخي العام، وهذا يمكن من نقد تاريخي موضوعي لحركة التاريخ الحضاري لأمتنا، وذلك بالمقارنة النسبية لحقب تاريخنا العربي الإسلامي بلحظة الكمال (ك) وما بعد الكمال (ب ك) ، ومقارنة هذه الحُقَب بتاريخ العالم، التي تحدث وسط الزمان الممتد؛ مع تمكيننا من نقد الذات دون تلذذ بإيذائها! ومواجهة ما حدث من نقص لأمور الحكم والمال والاجتماع؛ تمهيدًا لتصحيحها.
٥ - وهذه المحاولة توضح أن النقص الذي اعترى استمرارية التجربة الكاملة - وهو نقص بدأ بعد كمال - لم يعنِ التدهور منذ أول يوم، بل استمرت مع النقص إلى أن وصلنا إلى نقطة علا فيها معدل النقص على القوة؛ فظهر التدهور.
стр. 18537
٦ - وهذه المحاولة توضح الخطأ الذي وقعت فيه محاولات النهضة الحديثة لأمتنا، وما زالت واقعة فيه محاولاتنا المعاصرة؛ إذ لم تنتهِ إلى أن محاولاتنا يجب أن تكون للارتفاع وليس العودة، فالعودة عبر الزمن مستحيلة إلى المستوى السابق الذي رسمته لحظة الكمال وليس أي مستوى آخر دونه، وعلى أن يكون على مستوى عصرنا وعالمنا في هذا العصر.
٧ - وإن أمتنا لقادرة أن تنقذ نفسها وتنقذ الآخرين باختيار الخير لنفسها، وإلى الإنسانية كلها، يوم أن تقدم الاختيار الخير وسط ما تطرحه التكنولوجيا من تساؤلات: فتكنولوجيا الحرب صارت تطرح سؤال: أحرب أم سلام؟ أفناء أم بقاء؟ وتكنولوجيا الزراعة صارت تطرح سؤال: أاستمرار لنظام يقوم على الاستغلال وسوء التوزيع، أم إقامة نظام عالمي جديد يحقق الكفاية للجميع والعدالة في التوزيع؟ وتكنولوجيا المواصلات، وقد صغرت العالم إلى قرية، صارت تطرح سؤال: أاستمرار العنصرية والتفرقة أم تعايش وتعارف وتآخ؟، وتكنولوجيا الاتصالات والإعلام صارت تطرح سؤال: أتدفق إعلامي من جانب واحد، أم تحاور وتشاور وبحث عن الحق والحقيقة؟
ومجموع الاختيارات هي اختيار ثقافة عدوانية تؤدي إلى الحروب إذا ما استمر الاستغلال وسوء التوزيع والتجويع والعنصرية، أو اختيار ثقافة سلام يقوم على الكفاية والعدل والتحاور والتشاور.
وإننا لنملك الاختيار الخير والحل النهائي، ولقد كان رسول الله ﷺ شهيدًا علينا لنكون شهداء على الناس.
الأستاذ إبراهيم بشير الغويل.
стр. 18538
الإسلام في مواجهة العلمنة
العرض - التعقيب والمناقشة
العرض
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
موضوع هذه الجلسة الصباحية المباركة بإذن الله تعالى هو: (الإسلام في مواجهة العلمنة) ، وهو ثاني الموضوعات المطروحة للدراسة، وفيه عدة أبحاث هي بين أيديكم: نستمع أولًا إلى الشيخ محمد علي التسخيري. تفضل.
الشيخ محمد على التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.
أنا لا أستطيع أن أتحدث بشكل مباشر عن الموضوع إذ كان يفترض أن يعرض له سماحة الشيخ القرضاوي. كما لا أستطيع أن أتحدث عن المقالات الأخرى، وسوف أتحدث عن مقالي فقط.
في هذا الموضوع مقالات متعددة تناول كل منها جانبًا من هذه الجوانب، وأعتقد أنه علىَّ ترك الجوانب التي تتعرض لظروف نشوء العلمانية في الغرب وعدم توفر الظروف الموضوعية لحضور العلمانية وتحولها إلى اتجاه فكري وعملي عندنا في العالم الإسلامي، ولا أقول في الشرق. أترك هذا الموضوع لإخواني الأعزاء وسوف يتحدثون عنه - إن شاء الله - بعدي، وسأركز فقط على نموذج علماني متطرف وفلسفي في عالمنا العربي. هذا النموذج يبين لنا كل التوجهات الفكرية العلمانية في عالمنا وحق الموضوع.
هذا النموذج هو كتاب (الأسس الفلسفية للعلمانية) لعادل ظاهر، وسوف نجد أن هذا الكاتب يحاول أن يصف كل الأسس التي تقوم عليها النظرية الاجتماعية الإسلامية ببحث يبدو وكأنه بحث فلسفي معمق إلا أنه فيه كثير من المغالطة. وأود أن أركز في بحثي على هذا الكتاب وعلى هذه الآراء لأنها في الواقع مجمع الآراء الأخرى في مجال العلمنة.
стр. 18539
في مطلع الكتاب يؤكد الكاتب على مبدأ (أسبقية العقل على النص) ويردد هذا الموضوع بشدة فيقول: إن الذي يوصلنا إلى الدين هو العقل، والذي يوصلنا إلى الله هو العقل، والذي يبين الحسن والقبح هو العقل. فالعقل هو المرحلة الأولى. لماذا إذن نترك المنبع الأول لنستمد نظامنا الاجتماعي من المنبع الثاني أو من المرحلة الثانية وهي الدين. هذه الفكرة يركزها في طول كتابه بشكل دقيق. ثم يعلن أن العلمانية قد تراجعت أمام الدين في حياتنا، لكنه يعلل ذلك بأنها لم تقم في سياق حركة نقدية شاملة لذلك نشأت هشة وسرعان ما هزمت. ويؤكد أنه يسعى لبيان قدرة الإنسان بمفرده لتحديد موقفه من الحياة بعيدًا عن الدين، وأن العوامل المعفية والميتا أخلاقية والميتاسياسية تؤكد ذلك، وأنه لا يمكن عقلًا أن تكون المعارف الاجتماعية العلمية مشتقة من المعرفة الدينية، وهذا يعني أن علينا أن نؤول كل النصوص القرآنية والدينية التي تدل على علاقة بين المعرفتين الدينية والاجتماعية لتعود العلاقة مجرد علاقة تاريخية محضة لها مبرراتها التاريخية ولها مبرراتها المفهومية والمنطقية.
وفي مطلع بحثه يفترض إمكان المعرفة الدينية وإن كان يشكك فيها في الأصل، كما يفترض إمكان المعرفة الاجتماعية ليدرس العلاقة بينها.
لا أريد أن أقرأ بحثًا وإنما أريد أن أبين النقاط الأساسية.
عادل ظاهر يركز على أمرين مهمين هما:
الأول: أسبقية العقل على الدين، وهذا يعطيه أسبقية المصدر ويقول: لماذا لا نأخذ بالعقل نظامًا للاجتماع؟ هذه نقطة يركز عليها كثيرًا. ويركز أيضًا على مسألة يسميها منطقية ويبحثها ربما في عشرات الصفحات لتركيزها هذه المسألة هي أن القضية الضرورية لا يمكنها أن تنتج قضية جائزة. هناك بحث منطقي صحيح يقول: إذا كانت المقدمات ضرورية فإن النتيجة سوف تكون ضرورية. وهو يطبق هذه القضية المنطقية في مجال يخلط فيه كثيرًا، فيقول: ألستم تعتقدون أن الإيمان بالله والإيمان بالمعتقدات الإسلامية قضية ضرورية؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف يُنتج الإيمان بالله إيمانًا بنظام اجتماعي له بدائل يعني نظام اجتماعي جائز، جائز التعاونية والتبديل وليس نظامًا ضروريًّا؟.
стр. 18540
إذن هكذا يدعي أن العقل يعرف من اليوم الأول أن الإيمان بالله لا يمكن أن يؤدي إلى الإيمان بنظام اجتماعي يضعه الإسلام للحياة. يركز على هذه القضية كثيرًا وسوف أشير إلى نقطة خطأ في هذه المسألة وهي أساس البناء الفلسفي الذي يسخر بقوة في كتابه المفصل لبناء ما يريده عليه.
القضية الأخرى، هي التي أشرت إليها، قضية أن العقل يسبق الوحي، فلماذا لا نعود إلى العقل في تنظيم حياتنا مادام هو يرينا الدين؟ لماذا نترك العقل ونعود إلى الدين في تنظيم حياتنا؟!
إن أخطر ما في الكتاب أنه لا يتعرض إلى العقيدة الدينية مباشرة. وهو لا يقول أنا أنكر الله ولا يقول أنا أنكر المعرفة الدينية، وإنما يقول إن العلاقة بين المعرفة الدينية والمعرفة الاجتماعية علاقة ضرورية لذلك يجب أن يكون النظام الاجتماعي ضروريًّا والحل أنه غير ضروري، يعني يقبل البدائل في ذلك. وكأنه يريد أن يقول مادام العقل هو السراج الذي يهدي للدين، فلماذا نترك السراج ونتمسك بما كشف عنه السراج؟
ثم بعد هذا يأتي ليناقش أصول المعرفة الدينية مبتدئًا أولًا بالنصوص الإسلامية. يناقش إطلاقات هذه النصوص، ويناقش قضية عدم إمكان الاجتهاد في مقابل النصوص يراها قضية - وأعتذر إذا كنت أعبر يعني الناقل لكلمة الكفر لا يتصف به - هو يقول: إن قضية منع الاجتهاد في مقابل النص قضية سخيفة ويناقش هذه الإطلاقات بشكل كامل، بمعنى أنه يركز على النصوص فيناقش مدلولاتها، وربما يضع شيئًا في غاية من الغرابة عندما يقول: فرق بين إطلاق النصوص وإطلاق مضمون النصوص. وهذا أمر غريب جدًا.
فهو إذن يركز أولًا على النصوص الإسلامية ثم يعبر بهذه النصوص إلى سند النص، يقول: ارتباط هذه النصوص بالوحي في طريقة العقبات والأشواك الكثيرة، فيأتي بكل التشكيكات التي تُطرح في مسائل السند ... وبقاء الحديث في الصدور، كل هذه الأمور يطرحها لكي يقف في طريق وصول النصوص إلى الوحي.
стр. 18541
وبعد أن ينتهي من هذه الحالة ويكثف إشكالاته هنا يركز على الوحي نفسه، يقول: الوحي أيضًا قضية غامضة. ويقول: علينا أن نفرق بين الإحساس بالألم - هذا تعبيره - وما يبدو أنه إحساس بالألم. يعني هناك فرق بين الإحساس النبوي بالوحي وما يبدو أنه إحساس بالوحي. فهو يركز على عنصر الوحي ويحلل ويحاول أن يظهر بشكل منطقي علمي، والحقيقة أن الذي منحه هذه القدرة هو قبول بعض المفكرين الإسلاميين أو المنتسبين إلى الإسلام بنظرية غريبة تجعل الوحي محصورًا لتفاعل وجداني بين العطاء الإلهي والتجربة الداخلية للإنسان. يقولون: إن الوحي لا يأتي طائعًا ويمر عبر روح النبي إلا قليلًا وإنما يدخل في العمق الإنساني ويتفاعل مع المعطيات الإنسانية ثم يخرج وهو مبتلى بالصيغة الإنسانية. ومعنى ذلك - كما أقول - النتيجة تتبع المقدمات، إذا كانت السلسلة فيها حلقة ضعيفة فإذن السلسلة كلها ضعيفة لا ريب. الوحي إذا كان مبتلى بعطاء إنساني فَقَدَ قدسيته، وهذا هو الذي يركز عليه هؤلاء، فمع الأسف قَبِلَه إِقبالٌ في نظريته متأثرًا بالغرب وقَبِلَه حتى بعض المفكرين في إيران، نحن عندنا اليوم رجل يكبرونه كثيرًا في الساحة العالمية ويعلنون أنه مفكر كبير الدكتور (سروش) ، هذا الرجل أيضًا يركز على هذه النقطة ويحاول أن يقول: إن هناك عطاء خارج النفس النبوية ولكنه يتفاعل مع النفس فيخرج عطاء مزيجًا بين العطاء الإلهي والعطاء البشري، حينئذ يكون الضعف البشري محتملًا في هذا العطاء.
وهذه نقطة يركز عليها عادل ظاهر كثيرًا ويحاول أن يشكك في الوحي. بعد عملية الوحي يقول: لو افترضنا أن النصوص صدقت إطلاقاتها ولو افترضنا أن النصوص صحت نسبتها للوحي ولو افترضنا أن الوحي بقي سالمًا بكماله دون أن يضيف من عندياته شيئًا يكون السؤال المطروح هو: لماذا تجب طاعة الله؟ لنفرض أن الله تعالى هو الذي أمر، (لاحظوا هذه النقطة) لماذا تجب طاعة الله في هذا المعنى؟ هل الله تعالى محتاج إلى طاعتنا؟ يضع إشكالًا معروفًا قديمًا والذي يتحدث عنه الكلاميون الإسلاميون في سر وجوب الطاعة الإلهية.
стр. 18542
إذن تلاحظون أنه يسير مع الحلقات فردًا فردًا ومرحلة مرحلة ليحاول التشكيك في كل محور ومنبع العطاء الديني.
بعد كل هذا يطرح مقولات من قبيل أن الظروف، وأعتذر إذا كنت أتكلم وأنقل هذا المعنى لكن لكي نقف في محفل علمي على ما يقوله، إنه يقول: إن الإسلام صفة عامة للأديان، ومعنى ذلك أن كل الأديان هي إسلام. فلماذا كانت المسيحية ترفض النظام الاجتماعي؟ هو يبني إذن على مقدمات منحرفة. فنفس المسيحية لا تبني على رفض النظام الاجتماعي وليس المراد أن الإسلام هو كل الأديان. وهو يقول إن النظام الإسلامي نظام ثابت فكيف يستوعب الظروف المتغيرة؟ التغير سنة حياتية.
يطرح مسألة الإيمان بالمصالح المرسلة ويقول: الإيمان بالمصالح يعني نفي ونقض إطلاق الأحكام الإلهية.
ثم آخرًا يركز على هذه النقطة ويقول: الإسلام يريد أن يحكم العالم، وما دام أنه يريد أن يحكم العالم فيجب ألا يملك نظامًا اجتماعيًا.. وغير ذلك. وأنا هنا أريد أن أذكر بالنقاط التالية في جوابه والموضوع عندكم موجود.
النقطة الأولى: إن الضروري لا ينتج الجائز هذه مغالطة كبرى. أن الإيمان بالله تعالى ووحدانيته وصفاته لا تستلزم مطلقًا الإيمان بنظام اجتماعي غير مرن. ليس هناك ملازمة عقلية بين الإيمان بأن الله تعالى موجود بكل الصفات الإلهية الجلالية والكمالية وبين أن يكون النظام الاجتماعي الذي يأتينا من الله تعالى طبق علمه ورزقه وفضله على الكون يجب أن يكون هذا نظامًا اجتماعيًا لا تغيير فيه ولا تبديل وليس فيه نوع من أنواع الحياة هناك مواربة لتمرير قضية منطقية وقضية اجتماعية، الله تعالى بكل ما يصلح للإنسان رأى أن هذه الخيارات هي الأفضل للإنسان في حياته الاجتماعية. أين المنافاة للمنطق في هذا المعنى؟ وبهذا يسقط البناء الذي بني عليه هذا الكتاب، وهذا كتاب خطير - كما قلت - يجب أن نعرفه. كما يجب أن نعرف المشكلة وأن نردها بقوة. وهذا هو الأساس الفلسفي الذي بني عليه الكتاب.
النقطة الثانية المهمة: أنتم تعرفون أن العلماء أباحوا مسألة الواجب التخييري. الواجب التخييري هو خيارات في إطار معين لحل مشكلة معينة وهم أشاروا إلى هذا المعنى بشكل واضح.
стр. 18543
النقطة الثالثة: مسألة أن العقل يسبق الوحي. الحقيقة أن العقل هو الجسر الذي يعبر عليه الإنسان من سجنه الذاتي إلى الإيمان بالخارج ومنه إلى الإيمان بالله تعالى وبالحقيقة من وجوب المطلق. العقل يوصل الإنسان إلى الله بلا ريب ولكنه سراج يوصل الإنسان إلى الحقيقة الكبرى. وإذا أردنا أن ننزل البحث إلى مستوى التمثيل فإن العقل سراج يوصل الإنسان إلى منظار ينظر منه إلى الكون كله وإلى الوجود كله، فهل نستغني بالسراج الذي يدلنا على المنظار العظيم عن المنظار؟ المنظار الحقيقي الذي يكشف لنا الكون بكل أبعاده وكل العلاقات، وكل هذه الأمور يجب أن تكون لدى المشرع حتى يستطيع أن يبني النظام الاجتماعي. أيضًا هذه مغالطة كبيرة جدًا في قضية أن العقل هو الذي يدلنا على الله، فإذن نرجع إلى العقل. العقل سراج وظيفته أن يوصلنا إلى الله، إلى الدين وإلى الحقيقة، أما الدين فهو النظرة العامة إلى الكون كله. وهذه أيضًا سر المغالطة في هذه الفكرة وأعتقد أننا لا نستطيع أن نكتفي - كما قلنا - بالمصباح عن المنظار العظيم أو عن الرؤية الضخمة التي يفتحها إيماننا بالدين.
النقطة الرابعة: مسألة النصوص. هنا أيضًا أمام العلماء لا يمكن البحث فالنصوص حُلت مشكلتها، هناك إطلاقات وهناك أصول الفقه توضح الإطلاقات والتقييدات والعموميات والتخصيصات والعلاقات بين هذه الإطلاقات. ليست هناك مشكلة. علماؤنا في علم أصول الفقه حلوا كل ما يمكن أن يطرح من سؤال حول الإطلاقات وحول العموميات ولا يمكننا أن نقول يجب أن نفتح مجالًا للاجتهاد في مقابل النص. معنى النص أنه لا يحتمل التغيير. معنى (نص) أنه لا يحتمل الخروج عليه، ومعنى الاجتهاد في مقابله يعني رفض النص ومحق النص.
أعتقد أن علماءنا حلوا مشكلة النصوص بأروع ما في أصول الفقه ولذلك نركز على علم أصول الفقه.
أيها السادة: أنا أعتقد أن الإنسان لن يكون متفقهًا - لا أقول فقيهًا - إلا إذا برع في علم أصول الفقه واستطاع أن يقف على كل أبعاد هذا العلم في مباحث ألفاظه، وفي مباحث المفاهيم، وفي مباحث المشتقات، وفي مباحث الحجية، وفي مباحث التعارض والتعاود والتراجيح. يجب أن نعمق هذا العلم حتى لا تأتي من هذه الشبهة.
стр. 18544
النقطة الخامسة: مسألة الوحي. نحن نعتقد أن للوحي قدسية كبرى، وأي خدش فيها هو خدش لكل الإسلام، لو رأيتم ما قاله سلمان رشدي وهجومه على الوحي هنا وهناك لعرفتم أنه يظهر الهجوم الرئيسي للعلمانية لكل الموحدين في الأرض. هم يحاولون أن يشككوا في قدسية الوحي. الوحي وحي طاهر، ونفس نبية طاهرة توصف الحقيقة بشكل كامل من الله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] . الوحي يبقى طاهرًا كما هو دون حاجة لمثل هذه النظريات الغربية أو المتأثرين بها. فتشبيهه باطل وليس في محله.
تبقى مسألة الطاعة في الأخير وهي مسألة بحثها كلاميونا وعلماؤنا بحثًا منذ أول انطلاقة هذا العلم. الله تعالى مالك هذا الكون، الله تعالى مولى هذا الكون فهو المولى الحقيقي الوحيد لهذا الكون. الطاعة هي الحالة الطبيعية المنطقية للعبد أمام مولاه. المولوية هنا مولوية رفيعة حتى أنني رأيت بعض العلماء - وأنا أميل إلى هذه النظرية - يقول: ليس فقط علينا إطاعة الأوامر التي نقطع بصدورها من الله حتى ما نحتمل أن المولى يريده منا، فإن مولوليته عظيمة إلى الحد الذي يدفعنا إلى العمل بكل ما نحتمل أن نقوم به للمولى تعالى، ويسمي ذلك حقًّا مولويًّا، المرحوم الشيخ الصدر.
إذن العلماء عندنا حلوا هذه المشكلة. هناك إلزام عقلي منطقي طبيعي للعبد الحقيقي تجاه الولي الحقيقي الذي كل وجوده منه. فلا مجال للتشكيك مطلقًا في هذا المعنى وعلم الكلام بنى نظرياته بشكل واضح على هذا الحقيقة.
стр. 18545
أما التشكيكات الأخرى فلا أعتقد أننا بحاجة كثيرة إلى ردها فمسألة الإيمان بالمصالح المرسلة في الواقع هو عمل بالشريعة ومقاصدها. ليس الإيمان بالمصالح المرسلة نفي للشريعة وإنما هو تطبيق لهذه الشريعة ولأهدافها ولمقاصدها في محله.
مسألة الاجتهاد في مقابل النص. قلنا إن أي اجتهاد في مقابل النص يعني محقًا للنص، طبيعة النص تنفي أي اجتهاد في مقابله.
مسألة أن الإسلام نظام ثابت لا يمكنه أن ينظم الحياة المتطورة، أيضًا أساتذتي يعلمون أن هذه شبهة حلها الإسلام بمرونته. الإسلام عالج جوانب ثابتة في الحياة الإنسانية بعلاجات ثابتة، فالخمر حرام لأنه مضر على الإطلاق، والربا حرام مطلقًا لأنه مضر على الإطلاق، والزنا حرام؛ لأنه مضر على الإطلاق، ولكنه في المجالات المتغيرة في علاقة الإنسان بالطبيعة، حتى في علاقة الإنسان أحيانًا مع إنسان آخر، هناك جوانب متغيرة تتبع تحول وتعقد الحياة الاجتماعية، الإسلام وضع لها أطرًا وقواعد وفسح المجال لولي الأمر ليقوم بتنظيم الأمور على ضوء المستجدات ووفقًا لأضواء كاشفة يقدمها لولي الأمر ليعمل بها وليملأ هذه المناطق، منطقة المباحات وما إلى ذلك.
أعتذر من سماحة الرئيس إذا كنت قد أطلت قليلًا ولكني أعتقد أنني قد عرضت أصولًا لشبهاتهم وأكدت أن هذه الأصول كلها مما يقبل التفنيد.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا لتربية جيلنا وتربية جماهيرنا فضلًا عن تربية العلماء لأنهم مربون والحمد لله، تربيتهم على الفكر الإسلامي الحق لئلا يتأثروا بهذه الدعوات العلمانية الإلحادية. وفقكم الله، والسلام عليكم.
стр. 18546
التعقيب والمناقشة
الشيخ عكرمة صبري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأخ الرئيس؛
الأخوة الأفاضل؛
العلماء الأكابر؛
إن موضوع العلمنة هو أصلًا موضوع وافد من الغرب، وإذا أردنا الاختصار نقول: إنه مشروع غربي يقصد منه السيطرة على العالم ليس إلا، واحتواء الدول التي تعتبر من دول العالم الثالث. لقد كانت العلمنة رد فعل تجاه ممارسات رجال الدين المسيحي الذين استأثروا بالسلطة الروحية والسياسية معًا. ولم يكن للدين المسيحي نظام شامل لمناحي الحياة، وبالتالي فشلوا في إداراتهم لشؤون السلطة فظهرت بعد ذلك أسواق متعددة للتحرر من سيطرة رجال الدين المسيحي.
وابتكر الغربيون الديمقراطية، أي حكم الشعب بالشعب من الشعب بديلًا عن النظام (الثيوقراطي) الذي كان متبعًا في الكنيسة، إذ لا وساطة بين الإنسان وخالق الإنسان من الإنسان، فالناس يحلون مشكلاتهم بأسلوب جمعي، اتفقوا على تسميته (بالديمقراطي) ووضعوا له مجالس نيابة منتخبة ومؤسسات ونقابات تدعمه وتردفه بالخبرات والمعارف، لكن هذا النظام الديمقراطي لم يستطع أن يحدد لنفسه إطارًا معرفيًّا، إذ قام الشيوعيون بتبني النظام الديمقراطي، وقام الرأسماليون بتبنيه أيضًا على ما بينهما من تصادم، فكل نظام أخذ يفسر الديمقراطية على ضوء معرفته ونظريته للحياة.
وقد نهض مفكرون غربيون ينقضون هذا النظام ويقولون: إن إبعاد الدين عن الحياة إنما يعني إبعاد الرقيب الداخلي للإنسان في الإنسان عن مجال عمله وتحويله إلى حيوان غريزي لا هَمَّ له سوى الارتواء من الملذات، ويرون أن الخواء الروحي قد ولد عند الغربيين شعورًا بالتفاهة، مما جعلهم ينظرون إلى الحياة، حياة الإنسان باستخفاف، فأقدم شبابهم على الانتحار، وأقبل ساستهم على استعمار الشعوب الأخرى وإذلالها، ونهب خيراتها، وكانت هناك جرائم ما عرفتها البشرية بهذه الكثرة، إذ قام الغرب على سبيل المثال بقتل الملايين من الأفارقة خلال حملات الاستعمار للقارة السوداء، إذ كان كل من يخالف الرجل الغربي الأبيض يلقى في البحر حتى تأكله أسماك القرش، وكل من كان يمرض أو يصاب بوعكة كان يجري التخلص منه بإلقائه في البحر، وجرت باسم الديمقراطية أكبر عملية استعباد في التاريخ حيث تحولت القارة الآسيوية والأوربية وقارة أستراليا إلى قارات مستعمرة، وجرى قتل كل من يقاوم الرجل الأبيض، ففي أستراليا تمت إبادة كل سكانها الأصليين تقريبًا، وهذا ما جرى للسكان الأمريكيين الأصليين الذين سُموا بالهنود الحمر، ناهيك عن فترات الاستعمار الطويلة لآسيا وإفريقيا.
стр. 18547
لقد رأت العلمانية أن كل مخطط من مخططات الحياة الإنسانية في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية.. يجب أن يصدر عن عقل الإنسان المجرد عن رواسبه التي هي نتاج تفاعل مادي مع وقائع مادية، وهذا يؤكد على أن العقل لا يستطيع وحده أن يدير السلطة وشؤون العالم.
ويتضح من هذا أن العلمانية تجعل الدين شأنا منقطعًا عن شؤون الحياة، فالدين لله، وللفرد أن يرسم هذه العلاقة ويحددها بمعزل عن هموم الحياة.
إذ لابد من الإحاطة بالدولة لتحل محلها الشركات العابرة للقارات، بما تمتلكه من مليارات الدولارات والجنيهات والتوظيفات والامتيازات التي تدخل من أبواب كثيرة أشهرها السوق الحرة، وحرية انتقال رؤوس الأموال وتوظيف العمالة مما يجعل الدولة وبخاصة فيما يسمى بدول العالم الثالث شريكًا سالبًا في هذه العملية، حيث تشترط الدول القوية شروطًا ظالمة منها إغلاق بعض المصانع أو الشركات أو تخفيض العملة، حتى تحصل على بعض القروض أو الإعانات. وهذا ما حصل فعلًا في أندونيسيا من تخفيض العملة وما صاحبه من أحداث لا تخفى عليكم.
إن فصل الدين عن الدولة يجعل رجال السياسة بدون أخلاق همُّهُم الوحيد الوصول إلى الغايات بغض النظر عن الوسائل، أما في الإسلام فالوسيلة والغاية متلازمتان، بروح من الفضيلة وإعلاء شأن الإنسان؛ فالإنسان في هذا الكون موضع عناية واهتمام، لا يجوز امتهانه أو إذلاله، ولعل قول عمر بن الخطاب ﵁ في هذا الشأن مازال يجلجل في أعماق التاريخ:
(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا) .
إن المسلمين يرون بأن عهود الإسلام كانت عهود التنوير، عهود البزوغ الحضاري، وأنهم بدون الإسلام ما كانوا يرتقون، وأن نوابغهم قد ظهروا في رعاية الإسلام وتعاليمه، وأن الإنسانية قد كسبت بالإسلام أكثر مما كسبته خلال عهود التاريخ السابقة.
стр. 18548
ومن هنا نقول مع (كولن ولسون) المفكر البريطاني المعروف: إن إنسان هذا العصر صار تافهًا أو لا منتميًّا كما سماه في كتابه، وذلك لأنه شبع جسديًّا وخسر روحه. وأتيت بهذا القول لأبين أن هناك من الغربيين من انتقد التوجه الديمقراطي والابتعاد عن الناحية الروحية. ولا يمكن للإنسان أن يسترد روحه إلا بالإسلام، فإن الإسلام هو المكافئ الآخر للجسد، وبدون هذا التوازن الذي يحدثه الإسلام بين الجسد والروح، بين الدين والحياة لا يمكن للإنسان أن يستعيد حريته، بل سيصير عبدًا لما يبتكره من آلات، حيث تنتقل إليه روح الآلة وسلوكها وبهذا يتحول إلى مستجيب لما ابتكر لا قائد له وهذا أكبر الخسران، والله يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] .
أخلص إلى بعض المقترحات، آمل أن تكون موضع دراسة واهتمام من الإخوة المشاركين.
١ - إبراز مشروع إسلامي نهضوي شامل يشرح قيم الإسلام الثابتة عبر وسائل العصر وبخاصة شبكات المعلومات.
٢ - إبراز كيان إسلامي جغرافي يمتد على أكبر رقعة من العالم الإسلامي بقيادة تأخذ بالحسبان أن عصر الأقاليم الصغيرة قد انتهى، وأن عصر التكتلات الكبرى قد بدأ، وأن التأخر عن الوصول إلى محطات الكبار تعني الموات والاندثار. وهذا ما أشار إليه الأخ عبد اللطيف وربط ما بين الوحدة ومحاربة العلمنة، وفعلًا هناك ارتباط وثيق بين معالجتنا للعلمنة عن طريق الوحدة.
٣ - إبراز كيان اقتصادي إسلامي متكامل يرتكز على منظومة نقدية واحدة تدخل سلة العملات الصعبة وسوق التجارة الدولية كشريك للدولار والجنيه والروبل والين والفرنك ولتكن الدينار أو الدرهم.
٤ - النهوض بمشروع إسلامي عملاق يترجم الكنوز المعرفية الإنسانية للفكر الإسلامي وما يحمله من نجاعة في إشفاء الأمراض الاجتماعية المعاصرة.
٥ - السعي نحو إنشاء منظومة إعلامية إسلامية لها وكالات قطرية تنقل أخبار الأمة إلى سواها من الأمم، وتقوم مع تسويق المعلومة الصحيحة عن الإسلام والمسلمين. وهذا قد بُدئ به من قبل المحطات الفضائية في بعض الدول العربية.
٦ - إبراز فلسفة تربوية إسلامية وفق رؤية واضحة تشرح وتؤسس لمناهج المدارس والجامعات ومراكز البحوث؛ من أجل صياغة واحدة وخطاب تربوي واحد.
٧ - شرح المفاهيم التي تتردد في معرض المباهاة، مثل: التعددية ولابد من بيان الإسلام وموقف الإسلام من هذه التعددية والضوابط لهذه التعددية لا أن نطلقها على علاتها، وكل ذلك من خلال الحرية الواعية والمسؤولة وخلق حوافز الإبداع، دون تشدد أو استمداء.
بهذه المقترحات يمكن صياغة رد إسلامي على المشروع الغربي الذي يُعدُّ منذ قرون، وليس تنفيذ هذه المقترحات بالأمر المستحيل والله مع العلماء العاملين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم.
стр. 18549
الشيخ وهبة الزحيلي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد؛
فينبغي أن نعلم علمًا دقيقًا وشاملًا أن في هذا العالم لا يوجد إلا إسلام أو لا إسلام، وأن الغرب والشرق كليهما جماعات وأفرادًا يسيرون في مستنقع الإلحاد وعدم الاعتراف بوجود الدين الإلهي السماوي، ويعلم هؤلاء علمًا يقينًا أن الحصن المتين الذي يمثل الدين الإلهي إنما هو الإسلام، صرحوا بذلك في كتبهم وعلى ألسنة ساستهم وفي مختلف المجالات، ولذلك فهم يركزون على تفريغ الإسلام من محتواه، وتخليص العالم مما يسمى بالوحدة الإسلامية، ومما نعانيه الآن من مخططات التفكير الإلحادي في هذه البلاد العربية الإسلامية.
وحينئذ ينبغي أن نعلم أن الطريق الذي سلكوه لتفريغ الإسلام من محتواه إنما هو مجرد العقل، ليس العقل السديد والراجح والصحيح، وإنما العقل الموالف للأهواء والشهوات والنزعات التي تجعل لهؤلاء الساسة والمفكرين والاقتصاديين مرتعًا لكي يحققوا مصالحهم الذاتية ورغباتهم الجانحة ويعصفون بكل الحواجز التي تقف أمامهم والحاجز الرهيب في تقديرهم إنما هو الإسلام. ولكن مع الأسف حينما أرادوا أن يشعلوا نار الفتنة بين المسلمين عن طريق هذه الكتب وهذه النظريات، مرة تنال من كتاب الله، ومرة تنكر السنة النبوية، ومرة تشكك في وجود عقلية إسلامية سديدة، ونحن أمام كل هذه التحديات ينبغي أن نرد عليها ردًا إجماليًّا يتناول تنفيذ الأسس التي توهم السطحيون بأنها أسس علمية سديدة ويمكن الاعتماد عليها.
بالأمس طُرح للنقاش موضوع الوحدة، وأرى أنه يجب الابتعاد عن تكرار ما كتب وقيل في هذا الموضوع منذ أكثر من خمسين عامًا دون أن يصل المفكرون الإسلاميون إلى صياغة واحدة تتفق مع العصر الحالي، فكيف ندعو إلى الوحدة مثلًا والتطبيع مع العدو الإسرائيلي والذل والخضوع والخنوع لدول الاستكبار العالمي إنما هو المهيمن على الساحة الإسلامية؟
أما في قضية العلمانية فينبغي أن ندرك أنه المخطط الخبيث لأن يكون البديل عن الإسلام سواء في النظام السياسي أو النظام الاقتصادي أو الاجتماعي، وينبغي بعد تفنيد شبهات هؤلاء العلمانيين (وهم الطريق إلى الإلحاد) وإحياء كل ما هو سماوي ووحي إلهي أن يكون لنا موقف حازم كموقفنا السابق في هذا المجمع المشرف ضد فرق البهائية والقاديانية وما اتخذناه من قرارات بخصوصها. ينبغي ألا يقل قرارنا بشأن العلمنة عن تلك الأحكام التي أصدرناها بخصوص البهائية والقاديانية بل يزيد، وأن يكون لنا موقف حازم تجاه العلمنة باعتبارها البديل المراد ليحل محل الإسلام، وإذا لم نعِ هذه الحقيقة فلن يكون لقرارتنا أي مردود أو احترام في الوسط الإسلامي والعربي.
وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18550
الشيخ الشيباني:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد؛
فإنني أؤكد ما قاله فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وفضيلة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، نيابة عن الجميع في شكر دولة البحرين أميرًا وحكومة وشعبًا، على ما قاموا به من حُسن الاستقبال وكرم الضيافة، وجزا الله دولة البحرين خيرًا، وأسبغ الله عليها نعمه ظاهرة وباطنة.
ثم إنني أشكر المحاضرين فقد أفادوا وأجادوا، فجزاهم الله خيرًا، إنني أقول: إن موضوعنا مساء أمس - وهو الوحدة الإسلامية - لا يتحقق في نظري إلا بالابتعاد عن موضوع هذا اليوم وهو العلمانية.
فإذا كانت العلمانية من أهدافها عزل الدين عن الحياة الإنسانية حيث لا يكون للدين مجال في الثقافة والتربية، فإن علينا ونحن نسعى لوحدة الأمة الإسلامية أن نربي أولادنا تربية إسلامية.. وقد تمكن ذلك من قلوبهم ... وذلك بما يعملون به ... وبذلك تبنى ثقافتنا على أسس إسلامية كريمة.
وكذلك أيضًا التشريع. إن الدعامة الأولى في الوحدة أن تكون الأمة الإسلامية ملتزمة في جميع شؤونها بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة؛ كالأحوال الشخصية والبيوع والقصاص والحدود وما إلى ذلك. إذا فعلنا هذا تتحقق الوحدة بيننا - إن شاء الله - ونكون قد امتثلنا لقول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
لذا يجب علينا أن نحاسب أنفسنا - وحاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك - بتطبيق الشريعة الإسلامية وهي شريعة الله وتطبيق القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أحاديث الرسول ﷺ الصحيحة، فمن فعل هذا أفاد وأجاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18551
الشيخ ثقيل الشمري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها العلماء الفضلاء؛
كما تعلمون أن العلمانية هي دعوى لإبعاد الدين عن الحياة بمعنى ألا يكون للدين توجيه في سلوك الناس ولا في سلوك الأفراد وأمور التربية وأمور التشريع وغيرها من أمور المسلمين. هذه الدعوة العلمانية الخبيثة التي نراها في وسائل الإعلام وفي مناهج التعليم وفي مسائل التشريع ودعوتهم لتحرير المرأة من دينها وبيتها وحشمتها وأنوثتها، كل ذلك وسيلة من وسائل العلمانية التي يدعون إليها.
لذلك نرى أن كثيرًا من بلاد المسلمين قد تأثرت بدعوة العلمانية، هذه الدعوة الخبيثة التي يروج بها كثير من أبناء المسلمين، ونرى ذلك ظاهرًا في مناهج التعليم والدعوة إلى إبعاد كل ما يشير إلى الدين أو كل ما يؤخذ من الإسلام. هذه الدعوة التي نراها ونسمعها ونشاهدها تحييد الدين عن حياة المسلمين، وللأسف تأثر كثير من المسلمين بهذه الدعوة، ولذلك نقترح على مجمعكم الموقر أن يخرج بقرار أو بتوصية للبلاد الإسلامية ببيان خطر العلمانية على عقيدة الأمة، وأن العودة للكتاب والسنة وأخذ مناهجنا الاجتماعية والتعليمية والتشريعية والتنظيمية منهما - أي الكتاب والسنة - هو من أكثر الوسائل وأعظمها ردًّا على هذه العلمانية الخبيثة.
كما أنني أشكر السادة العلماء الفضلاء الذين تحدثوا عن العلمانية في موضوع اليوم وإن كنت أرى - من وجهة نظري - أن كثيرًا من الأبحاث كان بعيدًا عن موضوع العلمانية، فلم تكن سوى مباحث كلامية فلسفية قديمة قد تتوافق مع العلمانية في شيء منها، ولكن دون أن تتفق في كثير من مناهجها أو في طريقة عرضها وفي شبهها التي تثيرها.
العلمانية أصبحت منهجًا ومصطلحًا ظاهرًا في هذا العقد يعتمد على إبعاد الأمة عن ثقافتها وسلخها عن هويتها، وعن دينها وعقيدتها بوسائل عملية، ومن هذه الوسائل العملية - كما ذكرنا - مناهج التعليم ووسائل الإعلام وقضية التشريع والتنظيم والتقنين؛ حتى إن كثيرًا من بلاد المسلمين قد أخذت قوانينها وأنظمتها منها فأصبح المسلمون عندما يجمعون القوانين يجمعون قوانين قد لا تفيد بلدانهم، ولكن ليقولوا أنهم أخذوا من الغرب ما أخذوا. فيؤتى بالقانون المدني أو القانون التجاري أو قانون العقوبات أو القانون الجزائي، ثم نجد كثيرًا من مواد هذه القوانين لا تطبق في بلاد المسلمين لما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ولأنها لا تناسب أوضاع الناس ومع ذلك ترجمها المسلمون وأتوا بها.
هذه أيها الإخوة من وسائل العلمانية العملية التي يريدون بها أن يسيطروا على الأمة، هذا ما أردت قوله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18552
الدكتور عمر جاه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أشكر معالي الرئيس، وأشكر الإخوة الذين قدموا بحوثًا في هذا الموضوع.
وأود أن أنبه أن معالجة هذه القضية تحتاج إلى معرفة القضية وأساسها، ويحضر في ذهني ما سبق أن أصدره الفكر الإسلامي حينما تحدى الفلاسفة قديمًا، الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية والمعرفة بالله وما يتعلق بذلك، وأذكر منهم أبا حامد الغزالي حينما تحداهم بدراسة منهجية شاملة وكتب مقاصد الفلاسفة، وأعتقد أننا في هذا المجمع العلمي ملزمون بمجابهة هذا التحدي الخطير. وأريد أن أشير إلى مفهوم العلمنة أو العلمانية، وأنا مازلت بحاجة إلى مزيد من التوضيح، هل الكلمة العَلمانية لا العِلمانية؟ وهناك من ينطقها عِلمانية وهم كثير وفعلًا عَلمانية بمعنى الكلمة.
وأريد أن أشير إلى الكلمة الدينية التي توجب منها هذا المعنى وهي ( ... ) باللغة اللاتينية بمعنى أن له معنيين أساسيين، معنى وقتي ومعنى محلي. ومعنى الكلمة (الآن، وهنا) . إذًا هذا تعريف للعلمنة وليس العِلمانية. وأستشهد بأحد علماء الفلسفة الأستاذ الذي كلف من المجلس الكنسي العالمي بأن يدرس هذا الموضوع ويأتي بتعريف دقيق، يقول: إن العلمنة أو (العلمانية) يعني تخليص الإنسان (تحرير الإنسان) من العقيدة الدينية أولًا، وثانيًا: تحريره من سيطرة الإيمان بالغيبيات. ونحن نعرف أن أصل ديننا هو أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهذه أمور غيبية نؤمن بها ولا نراها. وكذلك تحرير الإنسان من الدين. هذا هو التعريف الذي جاء به هذا الأستاذ إذا كُنا نريد أن نواجه هذا الموضوع ينبغي أن نقرر من البداية أن هذا المذهب كفر بالله. إذن لا مجال لهذه الفلسفة.
стр. 18553
ثانيًا: وهو الأخطر، هذه فلسفة وهي عقيدة الآن. عقيدة مرتبطة ببعض الأمور وهي التحديث أو الحداثة وهي عبارة عن مجملة واحدة، وكلنا يعرف أن الفلسفة الحالية في الغرب هي التي تفسر وتوجه منهاج البحث العلمي سواء الاقتصادي أو السياسي أو التطبيقي، هي فلسفة مادية تؤمن بأن هذا العالم قديم ومستقل، وهذا العالم يمثل نظامًا كاملًا يتطور ويتجدد من موجب قانون داخلي ذاتي فيه. إذن ينبغي أن لا نضيع وقتنا، فهذه فلسفة، وهي الفلسفة التي تدير الأمور في الغرب، ولا تجد في الغرب الآن من المفكرين من يتجرأ وينطق بأن هذا العالم مخلوق. عندهم شيء يسمونه بـ ( ... ) من يعتقدون هذا مخلوق، هذا مرفوض، ولا يؤمنون بأن هناك وحي.
الشيخ التسخيري ذهب إلى تفصيلات كثيرة لتفنيد ما ذهب إليه هذا المجرم الذي يعني باستخراج استنباطات علمية واهية. والحقيقة أن هذا المذهب وهذا المنهج يحتاج إلى من يتحداه بالعلم. ينبغي على هذا المجلس أن يقرر ويعين ويكون فرقة من الباحثين يدرسون هذا الموضوع كما بحثه أبو حامد الغزالي في مذهب الفلاسفة، ويكتبونه ويفندونه ويخلصونه منها.
لا تحتاج إلى مداواة فهو مذهب كفر وينكر وجود الله ووجود القرآن الكريم وينكر وجود نبينا محمد ﷺ . إذن ليس له مجال في دولنا الإسلامية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18554
الدكتور شوقي دنيا:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وصحبه ومن والاه.
بالنسبة لموضوع هذا الصباح وهو: (الإسلام في مواجهة العلمنة) أو: (العلمنة في مواجهة الإسلام) ولا أدري هل هناك فارق جوهري بين التعبيرين أم لا؟ ولكنني على أية حال ومن خلال ما قرأت من الأبحاث المقدمة الطيبة وما استمعت إليه من الكلمات الطيبة هي الأخرى أرى أن هناك جوانب من الأهمية الانتباه إليها:
القضية الأولى: بالعلمنة من حيث النشأة ومن حيث ما يراد لها حاليًا.
أما من حيث نشأتها فهي قضية غربية محضة، نشأت في الغرب ونمت وترعرت وكانت لها ملابساتها ولها ظروفها، ولها ما لها وعليها ما عليها، وأثمرت ثمرات إيجابية بالنسبة لهم، وأثمرت ثمرات سلبية بالنسبة لهم. كثرة حديثنا عن عيوبها وما فعلته فيهم قد لا يكون الأولى بالرعاية هنا وفي بلادنا الإسلامية هم بأنفسهم أخذوا يدركون ذلك.
القضية الثانية: تتعلق بما يُراد للعولمة اليوم أن تكون نموذجًا عالميًّا تدخل به العولمة العصر الحاضر فيما يتعلق بها. هذه هي قضيتنا. هي نموذج غربي، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لكن أن تطبق عندنا وأن يراد لها أن تهيمن وتسيطر فهذه هي القضية وهذا هو مربط الفرس. والمواجهة الجادة لهذه القضية - في اعتقادي - لا تكون بالخطب ولا بالمواعظ ولا بالكلمات الكبيرة ولا بأن الإسلام يحاربها ولا بأنها تحارب الإسلام، هذا كله شيء بدهي ومفروغ منه؛ لكننا أمام قضية تحتاج إلى مواجهة إيجابية ومواجهة فعالة ومواجهة جادة لا تكون بمجرد الشجب، وإنما بمنهج علمي موضوعي: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . سبل ووسائل متعددة نصَّت عليها الآية الكريمة نحن للأسف نركز على بعضها ونترك البعض الآخر.
стр. 18555
إن هناك أسسًا علمية وموضوعية ينبغي أن نعيها وأن نعمل من خلالها لمواجهة هذا النموذج الذي يُراد له أن يُهيمن علينا، وبعد أن هيمن عليهم وكان له ما له وعليه ما عليه. كيف نواجه هذا النموذج الذي نعرف جميعًا أنه مخالف للإسلام نصًا وروحًا وعقيدة وشريعة. أنا في تصوري أن الأمر جاهز، ويطلب من مجمع الفقه ومن كل المؤسسات العلمية والثقافية الإسلامية أن تقف موقفًا لا ينتهي عند القرارات والشجب والنصائح، وإنما ينبغي أن نتبنى خططًا عملية علمية لهذه المواجهة قد تكون بتفريغ الكثير من علماء المسلمين في تخصصاتهم المختلفة لتبين كيف يواجه الإسلام هذا النموذج. ففي المجال الاقتصادي كيف يواجه الإسلام هذا الخطر، ذلك أن للعلمنة مستنداتها وضلائعها الاقتصادية، فهي نهج للتقدم وهي نهج للتنمية، ومن المؤسف أن واقعهم يؤيد ما يقولونه وأن واقعنا يؤيد ما يقولونه عنا وهو أننا متخلفون. وأسهل سبب يعزون إليه تخلفنا هو الإسلام. لقد تقدموا بتركهم للدين أما نحن فقد تخلفنا لتركنا الدين، ولا ينبغي أن نقف عند المظاهر وظواهر المسائل. لابد من تكوين هيئات علمية وثقافية وبحثية في مختلف المجالات وفي مختلف الدول للتصدي الفعلي لهذا النموذج الغربي الذي يُراد له أن يكون نموذجًا عالميًّا.
فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي على سبيل المثال طُرحت قضية الاقتصاد الإسلامي منذ سنوات عديدة، طُرِحَت على البساط النظري والفكري وعلى البساط العملي والتطبيقي، كمواجهة عملية لهذا النموذج العلماني الذي يُراد له إبعاد الدين كلية عن شؤون الدولة وقوقعته في المجال الروحي.
إلى أي مدى نجح هذا العمل في مواجهة هذا البعد؟ هل نجح عمليًّا؟ هل نجح علميًّا ونظريًّا؟ هل هناك رجال يفهمون الهدى الإسلامي الاقتصادي الفهم الجيد الذي يواكب متطلبات العصر ويأتيه ويستطيع أن يأخذ بيديه من كبواته المتعددة؟ سؤال مطروح ينبغي لنا جميعًا معشر العلماء والمهتمين أن ندرسه.
следующие страницы →