وقد بينت الوقائع العديدة أن عليا ﵁ وهب من التوسم والفراسة ما قل أن وهب غيره مثله، وكان لذلك يقضي، وعمر ﵁ حاضر، وربما نقض قضاء عمر فلا ينكر عليه عمر ولا أحد من الصحابة، أليس هذا تسليم بأنه أقضاهم.
على أنه ليس في الحديث تفضيل بعض الصحابة على بعض كما يوهم كلام ابن تيمية، وإنما هو تمييز مواهب كل واحد منهم عن مواهب الآخر، وبيان للخصائص التي أكرمهم الله بها، بيانا قد يكون فيه بعض الإيحاء إلى ما ينبغي أن يضطلع به كل واحد منهم من مهام ومسؤولية المجتمع الإسلامي الناشيء، وأن يصار به إلى كل واحد منهم عند الحاجة، وأن يرجح به رأي كل واحد منهم إن اختلف مع صاحب له أو معهم جميعا في ما هو من اختصاصه، وقد أشار لذلك ابن عبد البر ﵀ (١) فقال: فضل رسول الله ﷺ جماعة من أصحابه بفضائل خص كل واحد منهم بفضيلة وسمة بها، وذكره فيها، ولم يأت عنه- ﵇ أنه فضل منهم واحد على صاحبه بعينه من وجه يصح، ولكنه ذكر من فضائلهم ما يستدل به على مواضعهم ومنازلهم من الفضل والدين والعلم، وكان ﷺ أحلم وأكرم معاشرة، وأعلم بمحاسن الأخلاق، من أن يواجه فاضلا منهم بأن غيره أفضل منه، فيجد من ذلك في نفسه، بل فضل السابقين منهم وأهل الاختصاص به على من لم ينل منازلهم، فقال لهم: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))
стр. 19672
تعليق: هذا الحديث روي من طرق عن أبي سعيد الخدري- ﵁ – لكنه عن أبي هريرة في رواية عند مسلم والنسائي وابن ماجه من الستة. وقد أطال المزي في تحفة الأشراف، ج: ٣، ص: ٣٤٢- ٣٤٣- وابن حجر – فتح الباري، ج:٧، ص: ٢٨- ٢٩- في بذل أقصى ما يمكن من جهد لإثبات أن روايته عن أبي هريرة وهم، وحاول المزي توقيرا لمسلم أن يقصر وهم مسلم في روايته له عن أبي هريرة على أنه ليس في حفظه، ولكن انساق إليه قلمه وهو يكتب لما علق بذهنه من كثرة روايات أبي صالح عن أبي هريرة، كما ذكر أن أحد رواة سنن ابن ماجه ذكر أبا سعيد بدلا من أبي هريرة في رواية ابن ماجة، ولست أدري لماذا كل هذا الجهد الذي يبذله المزي وابن حجر، وهما يسلمان كما يسلم غيرهما أن أبا صالح روى عن أبي هريرة كما روى عن أبي سعيد، وربما كان أكثر رواية عن أبي هريرة منه عن أبي سعيد، ومن شأن الصحابة أن يروي بعضهم عن بعض، ويسندون ما رووه مباشرة إلى رسول الله ﷺ فلو فرض أن الحديث لم يسمعه عن رسول الله ﷺ غير أبي سعيد، فهل يبعد أن يكون أبو هريرة سمعه من أبي سعيد، ثم لماذا كل هذا الجهد في توهيم مسلم والنسائي وابن ماجه إذا أسندوه إلى أبي هريرة، ولم يبذلا مثله في تحرير إذا كان خالد بن الوليد سب أبا بكر أو عبد الرحمن بن عوف- ﵃ جميعا- وقد اختلف رواة الحديث في ذلك، أما كان تحرير هذا أولى من بذل الجهد المضني في توهيم مسلم والنسائي وابن ماجه جميعا؟.
وهذه طرق هذا الحديث.
стр. 19673
أما حديث أبي سعيد، فرواه:
الطيالسي - المسند، ص: ٢٩٠- ٢٩١، ح: ٢١٨٣- فقال:
حدثنا شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) .
وعنه الترمذي - الجامع الكبير، ج: ٦، أبواب المناقب، ب (١٣٢) فيمن سب أصحاب النبي ﷺ ، ص: ١٦٨- ١٦٣، ح: ٣٨٦١- فقال:
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، فذكره.
وتعقبه بقوله:
هذا حديث حسن صحيح.
стр. 19674
وابن أبي شيبة- الكتاب المصنف، ج:١٢، ك: الفضائل، ب: (٢١٠٠) ما ذكر في الكف عن أصحاب النبي ﷺ ، ص: ١٧٤- ١٧٥، ح: ١٢٤٥٤- فقال:
حدثنا معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
وأحمد - المسند، ج: ١٧، (طبعة مؤسسة الرسالة) ، ص: ١٣٧- ١٣٨، ح: ١١٠٧٩- فقال:
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، فذكر الحديث.
و ج: ١٨، ص: ٨٠، ح: ١١٥١٦- فقال:
حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
- ح: ١١٥١٧-: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ مثله.
- ح: ١١٥١٨-: حدثنا أبو النضر، حدثنا شعبة مثله.
و ص: ١٥٢، ح: ١١٦٠٨:
حدثنا هاشم، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، فذكره.
والبخاري- الصحيح، ج: ٣، ك (٦٢) فضائل أصحاب النبي ﷺ ، ب (٥) قول النبي ﷺ : ((لو كنت متخذ خليلا)) ، ص: ١١٣٠، ح: ٣٦٧٣- قال:
حدثنا آدم بن إياس، حدثنا شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت ذكوان
يحدث، فذكره.
стр. 19675
ثم علقه، فقال:
تابعه جرير، وعبد الله بن داود، وأبو معاوية، ومحاضر، عن الأعمش.
ومسلم - الصحيح، ج: ٤، ك (٤٤) فضائل الصحابة، ب (٥٤) تحريم سب الصحابة- ﵃، ص: ١٩٦٧- ١٩٦٨، ح: ٥١٤١- فقال:
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أحدا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) .
وأبو داود - السنن، ج: ٤، ك: السنة، ب: في النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ ، ص: ٢١٤، ح: ٤٦٥٨- فقال:
حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش،عن أبي صالح،فذكره.
وعبد بن حميد- المنتخب، ج:٢، ص: ٨٠، ح: ٩١٦- فقال:
حدثني أحمد بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
وابن أبي عاصم- كتاب السنة، ج:٢، ص: ٤٧٨- ٤٧٩، ح: ٩٨٨- فقال:
حدثنا عباس بن الوليد النرسي، حدثنا بشر بن منصور، عن سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، فذكره.
стр. 19676
- ح: ٩٨٩: حدثنا عباس، حدثنا بشر بن منصور السلمي، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي ... )) مثله.
- ح: ٩٩٠-: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي ... )) مثله.
والترمذي - المصدر السابق، ح: ٣٨٦١ (مكرر) - فقال:
حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن النبي ﷺ نحوه.
وأبو يعلى- المسند، ج: ٢، ص: ٣٤٢، ح: ١٠٨٧- فقال:
حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا داود بن الزبرقان، حدثنا محمد بن جحادة، عن أبي صالح، فذكره.
و ص: ٣٩٦، ح: ١١٧١-:
حدثنا زهير، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
و ص: ٤١١، ح: ١١٩٨-:
وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره.
стр. 19677
والطبراني- المعجم الصغير (الروض الداني) ، ج:٢، ص: ١٧٦، ح: ٩٨٢- فقال:
حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي بمصر، حدثنا محمد بن الصباح الدولابي، حدثنا داود بن الزبرقان، عن محمد بن جحادة، عن أبي صالح، فذكره.
وابن حبان- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، علاء الدين الفارسي، ج: ١٥، ك (٦١) إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة ... ، ص: ٤٥٥، ح: ٦٩٩٤- فقال:
أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
و– ج: ١٦، ص: ٢٣٨، ح: ٧٢٥٣:
أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان، بالرقة، قال: حدثنا موسى بن مروان، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
و ص: ٢٤٢، ح: ٧٢٥٥:
أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة وأبو معاوية، عن الأعمش، عن ذكوان، فذكره.
وأبو نعيم- ذكر أخبار أصبهان، ج:٢، ص: ١٢٢- فقال:
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعيد، حدثنا محمد بن سهل بن المرزبان، حدثنا الحسين بن الحسن الخياط، حدثنا إبراهيم بن أيوب، حدثنا أبو مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
стр. 19678
والبيهقي- السنن الكبرى، ج: ١٠، ك: الشهادات، ب: ما ترد به شهادة أهل الأهواء، ص: ٢٠٩- فقال:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي، ببغداد، وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، بنيسابور، وأبو جعفر محمد بن علي الشيباني بالكوفة، قالوا: حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
والخطيب- تاريخ بغداد، ج: ٧، ص: ١٤٤، عند ترجمته لثابت بن شعيب أبو القاسم، ت: ٣٥٩٦- فقال:
أخبرنا عبد العزيز بن علي، أخبرنا ثابت بن شعيب بن كثير أبو القاسم، في التوميين، حدثنا محمد بن محمد بن عمرو الجارودي البصري، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عوانة عن الأعمش، عن أبي صالح، فذكره.
والبغوي- شرح السنة، ج: ١٤، ك: فضائل الصحابة، ب: فضائل الصحابة- ﵃، ص: ٦٩، ح: ٣٨٥٩- فقال:
أخبرنا الإمام أبو علي بن الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر الكوفي العبسي، ح
وحدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد بن حامد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم المعروف بأبي محمد بن أبي نصر، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدة الأطرابلسي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار أبو إسحاق بالكوفة، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ ، ح
وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة وأبو معاوية، عن الأعمش، عن ذكوان، فذكره.
стр. 19679
وأما حديث أبي هريرة فرواه:
مسلم - المصدر السابق، ح: ٢٥٤٠- فقال:
حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك أحد مد أحدهم ولا نصيفه)) .
والنسائي - السنن الكبرى، ج: ٥، ك (٧٦) المناقب، ب (٦٠) مناقب أصحاب النبي ﷺ .، ص: ٨٤، ح: ٨٣٠٩/١- فقال:
أخبرنا حفص بن عمر، قال: أخبرنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن أبي صالح، فذكره.
وابن ماجة- السنن، ج: ١، المقدمة، ص: ٥٧، ح: ١٦١- فقال:
حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا جرير، ح
وحدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع،
وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية.
جميعا عن الأعمش، عن أبي صالح فذكره
стр. 19680
وهذا من معنى قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) ومحال أن يستوي من قاتله رسول الله ﷺ مع من قاتل عنه. وقال رسول الله ﷺ لبعض من لم يشهدوا بدرا - وقد رآه يمشي بين يدي أبي بكر -: ((تمشي بين يدي من هو خير منك؟)) (٢) وهذا لأنه قد كان أعلمنا ذلك في الجملة لمن شهد بدرا والحديبية، ولكل طبقة منهم منزلة معروفة وحال موصوفة.
قلت:
وفي تمييز رسول الله صلى الله عليه سلم بين الصحابة باختصاص كل واحد منهم، توجيه بديع، وتأديب لطيف لأمته بأن يعرف كل واحد من ذوي الاختصاص منها موقعه ومهمته ومسؤوليته، ولا يتجاوز ما يسره الله له إلى ما يسره الله لغيره، وبذلك تنتفي أسباب التنافس وتنازع البقاء بينهم.
стр. 19681
الأساس الشرعي للاستدلال بالقرائن:
لا نعلم في كتاب الله نصا يمكن اعتباره أساسا لتشريع الاستدلال بالقرائن إثباتا أو نفيا.
وقد حاول بعضهم أن يستدل أو يستأنس بما جاء في القرآن الكريم من شهادة الشاهد من أهل امرأة العزيز في قضية تبادل الاتهام بينها وبين يوسف ﵇ وبقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ واستدلال رسول الله ﷺ بهذه الآية على اعتبار القيافة قرينة إثبات (١) في نصوص أخرى، وهذان النصان أقربهما سببا إلى تلك المحاولات، لذلك ارتأينا أن نقف عندهما لنبين مواقع الإيهام من الاستناد إليهما.
أما شهادة الشاهد من أهل امرأة العزيز في تبادل الاتهام بينها وبين يوسف ﵇ فلا يستقيم الاستدلال بها، لسببين:
السبب الأول: أنها لم ترد تبيانا لشرع، وإنما وردت تبيانا لواقع، وأن يوسف ﵇ لم يكن عند استعباده رسولا، وإن كان في ما نرجح نبيا، وآية ذلك أنه حين حاور صاحبيه في السجن قال لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
(٢) فهو قد صرح بأن الله علمه، لكن لم يصرح بأن الله كلفه بالتبليغ، ولا بأن الله علمه غير ما أنزل إلى آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب- ﵈، بل بين صراحة أنه اتبع ما أنزل إليهم، وترك ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فالذي علمه الله إياه هو تأويل الأحاديث ومعرفة أشياء من الغيب، وهذان أمران ليسا من التشريع في شيء، أما ما هو من التشريع، بل أساس له، هو العقيدة، ويوسف- ﵇ في ذلك متبع لآبائه غير متلق شيئا منه مباشرة من الوحي الإلهي.
стр. 19682
وما من شك في أنه أرسل من بعد ذلك، فقد جاء في القرآن الكريم من مجادلة مؤمن آل فرعون لقومه، قوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (١) وهذا صريح في أنه قد أرسل، لكن متى كانت رسالته؟.
ما من شك من أنها كانت بعد محنته من امرأة العزيز، ونكاد نجزم بأنها كانت بعد أن ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٢) ولعلها بعد وفاة أبيه يعقوب، فقد كان يعقوب رسولا إلى قومه، وقومه هم قوم يوسف، وقد لا يتناسب أن يرسل رسولان معا إلى قوم من الأقوام إلا ما كان من الثلاثة الذين أرسلوا إلى القرية ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (٣) .
والسبب الثاني: أن التشريع الإلهي قبل عهد موسى- ﵇ كان منحصرا في إثبات وحدانية الله، ، والدعوة إلى توحيده، والزجر من عبادة الأوثان وغيرهما مما كان يعبد من دونه ﷻ ، وفي بعض الشرائع كشريعة هود وشريعة صالح- ﵉ شروع في لفت الانتباه إلى ما خلق الإنسان لأجله أو ما يجب أن يضبط حياته في الدنيا من إعمار الأرض، وعدم اقتراف ما من شأنه الإفساد فيها، أو الإضرار بالغير، دون تفصيل لشيء من ذلك، أو تبيان لضوابطه ومعالمه.
стр. 19683
واستمر الأمر على هذا المنوال إلى ما بعد إبراهيم- ﵇ ففي شريعة شعيب ﵇ نشأت معالم وضوابط لبعض جوانب من المعاملات التجارية والمالية، ثم جاءت شريعة موسى لتشمل جوانب أخرى مما نسميه في هذا العصر بـ (شرائع المعاملات وشرائع الأحوال الشخصية) ، أما شريعة إبراهيم نفسه فقد ظلت منحصرة في التأكيد على إثبات وحدانية الله والدعوة إلى توحيده والزجر عن عبادة الأوثان والنجوم، وغير ذلك مما كان يتخذ آلهة أو شركاء لله.
ونكاد نجزم بأن رسالة يوسف لم تخرج عن هذا النطاق، بل لعلها انحصرت في تأكيد هذه المعاني والتذكير بها، والعمل على نشرها في مصر الذي كان يسود فيها يومئذ تأليه الأشخاص، تأليها مطلقا، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١) وهذا يبين أنه لم تكن في زمن يوسف في مصر ولا في غيرها، شريعة إلهية تبين ضوابط ومعالم التعامل بين الناس في معايشتهم أو أعمالهم أو منازعاتهم، وإنما كان ذلك موكولا إلى ما صنعوه بأنفسهم من أعراف أو تشريعات.
فالزمن والظرف الذي كانت فيه شهادة الشاهد من أهل امرأة العزيز، وثبوت براءة يوسف من اتهامها له بأن ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ (٢) برهانان على أن ما جرى يومئذ كان اعتماداً على العرف أو التشريع الوضعي الذي كان سائداً في عهد الهكسوس (٣) وهو العهد الذي وقعت فيه قصة يوسف، وفي ذلك العهد لم يكن يسود في مصر شرع إلهي. (٤) .
стр. 19684
والظاهر أن مجال رسالة يعقوب – ﵇ – لم يكن يشملها، وإنما كان منحصراً في بني إسرائيل أو في إبراهيم، لأن الأسر التي حكمت مصر في ذلك العهد ومن قبله كانت وثنية، وليس في التاريخ ما يدل على أنها واجهت تشريعاً إلهياً بالقبول أو الرفض، وإنما المواجهة ابتدأت من عهد يوسف، وهو يدل على أن رسالة يوسف كانت أوسع مجالاً من رسالة يعقوب.
مهما يكن، فإن تلك الشهادة وما نتج عنها من تبرئة يوسف – ﵇ – ليست مما يشمله القول بـ (أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه) وهو ما يقول به الجمهور وهو الحق.
وأما استدلال رسول الله ﷺ بقوله في سورة الحجر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ فإنما ينحصر في التعبير بالمتوسمين باعتبار التوسم قد يهدي إلى الحقيقة، وليس باعتباره تشريعاً من الله للاهتداء إليها، لأن موضوع الآية لا علاقة له بالقيافة، ولا بالفراسة، فالضمير في قوله تعالي: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ معاده مجموع قصة إبراهيم وضيفه، وبشارتهم له، ثم إخبارهم إياه بما أرسلوا به إلى لوط، ثم أدائهم الرسالة إليه، ثم ما وقع بعد ذلك لقوم لوط من ألوان العذاب، وما بقي من آثارهم وآثار ما وقع لهم شاهداً، خالداً للاعتبار، والتعبير (لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) أريد به - والله أعلم بأسرار كتبه – التنبيه إلى أن تلك الآيات في مجموعها وجميعها إنما يحسن تدبرها والاعتبار بها من أوتي القدرة على اكتشاف الحقائق والعبر من الآثار والعلامات، ولعل هذا المعنى من بعض ما وجه إليه رسول الله ﷺ عائشة والذين من بعده حين استشهد بهذه الآية الكريمة، في موضوع القيافة، فهو تنبيه إلى صحة الاستدلال بها حين تصدق، لا إلى شرعيته.
стр. 19685
أما السنة النبوية فهي المصدر الحق للعمل بالقرائن أما حين تنعدم البينة، أو حين تتعارض البينتان أو البينات، فيتعين ترجيح إحداها، ولعل أهم قضية تتمثل فيها القرينة وسيلة استدلال مما ورد في السنة النبوية واضطرب فيه الناس اضطرابا شديدا، قضية الحمل المشبوه.
والمستند المستفيض الذي اعتمده طائفة من الفقهاء وتأوله آخرون، واختلف هؤلاء وأولئك اختلافا شديدا في الاستدلال به، والاستنباط منه، قول عمر ﵁ في خطبته المشهورة (١) : (الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن، إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف) .
وقد اعتبرنا هذا القول من أدلة السنة، أنه ورد ذكر رسول الله ﷺ في خطاب عمر، وكان يؤكد فيه أن مجموع ما قاله مستمد من الكتاب والسنة، وليس في كتاب الله رجم، وإن جاء في خطاب عمر أن آية الرجم كانت مقروءة في كتاب الله ثم نسخ لفظها وبقي معناها، ولنا من ادعاء عمر هذا الموقف ليس هذا مجاله، إنما الذي يعنينا هنا من خطابه ﵁ جملة (إذا قام الحمل) فالذين اعتمدوا هذه الجملة واعتبروا الحمل بينة، وفرعوا عنها أحكاما لم يحاولوا التوفيق بينها وبين ما ورد عن عمر نفسه من تصرفات مع حوامل، لو طبق عليهن هذه الجملة التي اعتمدها جمهرة من الفقهاء كما لو كانت منفصلة عن أي دليل آخر، لكان تصرفه معهن إقامة الحد عليهن، لكنه لم يفعل ذلك، فوضح من تصرفه أن الحمل ليس في ذاته بينة قاطعة إلا إن برئ من كل شبهة، وأحاطت به القرائن والأدلة على إنه نتيجة الإقدام الاختياري على الفاحشة وممارستها ممارسة كاملة، أما إذا كان وقع في ظروف وملابسات لم تجتمع فيه المواصفات التي ألمعنا إليها آنفا فهو ليس بينة ولا قرينة، وفيما يلي طائفة مما ورد عن عمر في ذلك.
стр. 19686
١- حديث اليمانية التي استكرهت فحملت:
قال عبد الرزاق (١) : عن ابن عيينة، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، أن أبا موسى كتب إلى عمر في امرأة أتاها رجل وهي نائمة، فقالت: إن رجلا أتاني وأنا نائمة فوالله ما علمت حتى قذف في مثل شهاب النار، فكتب عمر: تهامية قد تنومت، قد يكون مثل هذا، وأمر أن يدرأ عنها الحد.
وقال ابن أبي شيبة (٢) : حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: قال أبو موسى: أتيت -وأنا باليمن- امرأة حبلى، فسألتها، فقالت: ما تسأل عن امرأة حبلى ثيب من غير بعل، أما والله ما خاللت خليلا ولا خادنت خدنا منذ أسلمت، ولكن بينا أنا نائمة بفناء بيتي، والله ما أيقظني إلا رجل رفعني وألقى في بطني مثل الشهاب ثم نظرت إليه مقفى ما أدري من هو من خلق الله، فكتب فيها إلى عمر، فكتب عمر: ائتني بها وبناس من قومها، قال: فوافيناه بالموسم، فقال -شبه الغضبان-: لعلك قد سبقتني بشيء من أمر المرأة؟ قال: قلت: لا، وهي معي وناس من قومها، فسألها، فأخبرته كما أخبرتني، ثم سأل قومها، فأثنوا خيرا، قال: فقال عمر: شابة تهامية قد نومت، قد كان يفعل، فمارها وكساها، وأوصى قومها خيرا.
وقال البيهقي (٣) : أخبرنا أبو حازم الحافظ وأبو نصر بن قتادة، قالا:" أنبأ أبو الفضل بن خميرويه الكرابيسي، أنبأ أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، حدثنا شعبة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري، قال: أتي عمر بن الخطاب - رضي الله -عنه بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت، قالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل رمى في مثل الشهاب، فقال عمر- ﵁: يمانية نؤومة شابة، فخلى عنها ومتعها.
стр. 19687
٢-حديث المرأة التي استكرهت فحملت في منى:
قال ابن أبي شيبة (١) : حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: بينما نحن بمنى مع عمر، إذا امرأة ضخمة على حمار تبكي، قد كاد الناس أن يقتلوها من الزحام، يقولون: زنيت، فلما انتهت إلى عمر، قال: ما يبكيك؟ إن امرأة ربما استكرهت، فقالت: كنت امرأة ثقيلة الرأس، وكان الله يرزقني من صلاة الليل، فصليت ليلة ثم نمت، فوالله ما أيقظني إلا رجل قد ركبني فرأيت إليه مقفيا ما أدري من هو من خلق الله، فقال عمر: لو قتلت هذه خشيت على الأخشبين النار ثم كتب إلى الأمصار أن لا تقتل نفس دونه.
وقال البيهقي (٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأ شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: إنا بمكة إذ نحن بإمرأة اجتمع عليها الناس حتى كاد أن يقتلوها وهم يقولون: زنت، فأتي بها عمر الخطاب ﵁ وهي حبلى، وجاء معها قومها فأثنوا عليها بخير، فقال عمر: أخبريني عن أمرك، قالت: يا أمير المؤمنين، كنت امرأة أصيب من هذا ليل، فصليت ذات ليلة ثم نمت، وقمت ورجل بين رجلي قذف في مثل الشهاب، ثم ذهب، فقال عمر- ﵁: لو قتل هذه من بين الجبلين أو الأخشبين- شك خالد - لعذبهم الله، فخلى سبيلها وكتب إلى الآفاق: أن لا تقتلوا أحدا إلا بإذني.
٣-حديث صاحبة مرغوش:
قال الشافعي (٣) : أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن يحيى بن حاطب حدثه، قال: توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكان له أمة نوبية قد حبلت وصلت وهي أعجمية لم تفقه، فلم يرعه إلا بحبلها وكانت ثيبا، فذهب إلى عمر فحدثه، فقال عمر: لأنت الرجل لا تأتي بخير، فأفزعه ذلك. فأرسل اليها عمر، فقال: أحبلت؟ فقالت: نعم من مرغوش بدرهمين، فإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، قال: وصادف عليا وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشيروا علي، قال: فكان عثمان جالسا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن بن عوف: قد وقع عليها الحد، فقال: أشر علي يا عثمان، قال: قد أشار عليك أخواك، فقال: أشر علي أنت، فقال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه، فجلدها عمر مائة جلدة وغربها عاما.
وقال عبد الرازق (٤) :
عن ابن جريج، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه، قال: توفي عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم يرع إلا حبلها وكانت ثيبا، فذهب إلى عمر فزعا، فحدثه، فقال له عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير، فأفزعه ذلك، فأرسل إليها، فسألها، فقالت: حبلت؟ قالت: نعم من مرغوش بدرهمين، وإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، فصادف عنده عليا وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشيروا علي، قال: وكان عثمان جالسا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال: أشر علي يا عثمان، فقال: قد أشار عليك أخواك، قال: أشر علي أنت، قال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها فجلدت مائة ثم غربها، ثم قال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم.
стр. 19688
وقال (١) : عن معمر، قال: أخبرني هشام، عن أبيه، أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب جاء إلى عمر بأمة سوداء كانت لحاطب، فقال لعمر: إن العتاقة أدركت هذه وقد أصابت فاحشة وقد أحصنت، فقال له عمر: أنت الرجل لا يأتي بخير، فدعاها عمر فسألها عن ذلك، فقالت: نعم، من مرغوش بدرهمين، وقال غيره من مرغوش، وهي حينئذ تذكر لا ترى به بأسا، فقال عمر لعلي وعبد الرحمن وعثمان وهم عنده جلوس: أشيروا علي، قال علي وعبد الرحمن: نرى أن ترجمها، فقال عمر لعثمان: أشر علي، فقال: قد أشار عليك أخواك، قال: أقسمت عليك إلا ما أشرت علي برأيك، قال: فإني لا أرى الحد إلا على من علمه وأراها تستهل به كأنها لا ترى به بأسا، فقال عمر: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه، فضربها مائة وغربها عاما.
ثم قال: (٢) عن الثوري، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن حاطب، عن أبيه، قال: زنت مولاة له يقال لها مركوش، فجاءت تستهل بالزنا، فسأل عنها عمر عليا وعبد الرحمن بن عوف، فقالا: تحد، فسأل عنها عثمان، فقال: أراها تستهل به كأنها لا تعلم، وإنما الحد على من علمه، فوافق عمر، فضربها ولم يرجمها.
وأشار إليه البخاري تعليقا (٣) فقال: وقال عمر - وعنده علي وعبد الرحمن وعثمان - ماذا تقول هذه؟ قال عبد الرحمن بن حاطب: فقلت: تخبرك بصاحبها الذي صنع بها.
стр. 19689
وقال البيهقي (١) :
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن يحيى بن حاطب حدثه، قال: توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له أمة نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم ترعه إلا بحبلها وكانت ثيبا، فذهب إلى عمر ﵁ فحدثه، فقال: لأنت الرجل لا تأتي بخير، فأفزعه ذلك، فأرسل إليها عمر ﵁ فقال: أحبلت؟ فقالت: نعم من مرغوش بدرهمين، فإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، قال: وصادف عليا وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فقال: أشيروا علي، وكان عثمان ﵁ جالسا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال: أشر علي يا عثمان، فقال: قد أشار عليك أخواك، قال: أشر علي أنت، قال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه، فقال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه، فجلدها عمر- ﵁ مائة وغربها عاما.
стр. 19690
وأسانيد هذه الآثار كلها سلاسل ذهبية، عبد الله بن إدريس بن محمد الكوفي، أخرج له الستة، وعاصم بن كليب، أخرج له مسلم والأربعة، وأبوه كليب بن شهاب أخرج له البخاري في (رفع اليدين) والأربعة، وعلي بن الأقمر أخرج له الستة، وعبد الملك بن ميسرة العامري الكوفي الزراد أخرج له الستة، والنزال بن سبرة الهلالي العامري الكوفي أخرج له البخاري والترمذي في الشمائل والنسائي.
جميع هذه الآثار تدل على أن عمر ﵁ -حين قال: (الحمل أو الاعتراف) إنما أراد باعتبار الحمل والاعتراف بينة إذا لم تصحبهما ملابسات أو ظروف تجرد دلالتهما من قوة البينة وتصرفها إلى قرائن نفي إن لم نقل إلى دلالة إثبات البراءة.
стр. 19691
ولقد أبدع الأستاذ عبد القادر عودة- ﵀ في التمييز بين الأحوال التي يكون فيها الحمل بينة وبين التي لا يكون فيها بينة، بل يكون قرينة نفي أو دليل إثبات البراءة.
فقال ﵀ (١) : القرينة المعتبرة في الزنا هي ظهور الحمل في امرأة غير متزوجة أو لا يعرف لها زوج.
ويلحق بغير المتزوجة من تزوجت بصبي لم يبلغ الحلم، أو بمجبوب، ومن تزوجت بالغا فولدت لأقل من ستة أشهر.
والأصل في اعتبار قرينة الحمل دليلا على الزنا، قول أصحاب النبي ﷺ وفعلهم، فعمر- ﵁ -يقول: الرجم واجب على كل من زنا من الرجال والنساء، إذا كان محصنا، إذا أقامت بينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف.
وروي عن عثمان ﵁ أنه أتي بامرأة ولدت لستة أشهر كاملة، فرأى عثمان أن ترجم، فقال علي: ليس لك عليها سبيل، قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) .
стр. 19692
وروي عن علي ﵁ أنه قال: (يا أيها الناس، إن الزنا زنيان، زنا سر وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أو من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحمل والاعتراف) .
هذا قول الصحابة، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم فيكون إجماعا.
والحمل ليس قرينة قاطعة على الزنا، بل هو قرينة تقبل الدليل العكسي، فيجوز إثبات أن الحمل حدث من غير زنا، ويجب درأ الحد عن الحامل كلما قامت شبهة في حصول الزنا، أو حصوله طوعا، فإذا كان هناك مثلا احتمال بأن الحمل كان نتيجة وطء بإكراه أو بخطأ، وجب درء الحد، وإذا كان هناك احتمال بأن الحمل حدث دون إيلاج لبقاء البكارة امتنع الحد، إذ قد تحمل المرأة من غير إيلاج بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها أو بفعل غيرها أو نتيجة وطء، خارج الفرج.
ويرى أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه إذا لم يكن دليل على الزنا غير الحمل، فادعت المرأة أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، فلا حد عليها، فإذا لم تدع إكراها ولا وطأ بشبهة فلا حد عليها أيضا ما لم تعترف بالزنا، لأن الحد أصلا لا يجب إلا ببينة أو بإقرار
стр. 19693
تعليق: قال ابن قدامة، المغني، ج: ١٠، ص: ١٨٦- ١٨٧، ف: ٧٢٠١:
فصل: وإذا حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد، لم يلزمها الحد بذلك، وتسأل فإن ادعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا لم تحد، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: عليها الحد إذا كانت مقيمة غير غريبة، إلا أن تظهر أمارات الإكراه بأن تأتي مستغيثة أو صارخة، لقول عمر ﵁: (والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا، إذا قامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف) . وروي أن عثمان. أتي بامرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال علي: (ليس لك عليها سبيل) . قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها، وعن عمر نحوه من هذا.
стр. 19694
وروي عن علي ﵁ أنه قال: (يا أيها الناس، إن الزنا زنيان، زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي) ، وهذا قول سادة الصحابة، ولم يظهر في عصرهم مخالف فيكون إجماعا.
ولنا أنه يحتمل من وطء إكراه أو شبهة، والحد يسقط بالشبهات، قد قيل: أن المرأة تحمل من غير وطء، بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها أو فعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر، فقد وجد ذلك، وأما قول الصحابة فقد اختلفت الرواية عنهم، فروى سعيد، حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا هشام، أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد، وقال ابن عبد البر - الاستذكار، ج: ٢٤، ص:٦٤- ٦٥، ف: ٣٥٤٠١- في تعقيبه على الجزء الذي رواه مالك من خطاب عمر، ونقلناه عنه في الأصل وأحلنا عليه في التعليق.
стр. 19695
وأما الحمل الظاهر للمرأة ولا زوج لها يعلم، فقد اختلف العلماء في ذلك.
- ف: ٣٥٤٠٢-: فقالت طائفة: الحبل والاعتراف والبينة سواء في ما يوجب الحد في الزنى، على حديث عمر هذا في قوله: إذا قامت عليه البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، فسواء في ذلك في ما يوجب الرجم على من أحصن فوجبت التسوية بذلك.
- ف: ٣٥٤٠٣-: وممن قال ذلك: مالك بن أنس في ما ذكر عنه ابن عبد الحكم وغيره، وذكره في (موطئه) قال: إذا وجدت المرأة حاملا، فقالت: تزوجت أو استكرهت، لم يقبل ذلك منها إلا بالبينة على ما ذكرت، إلا أن تكون جاءت تستغيث وهي تدمي، أو نحو ذلك من فضيحة نفسها، فإن لم يكن ذلك، أقيم عليها الحد.
- ف: ٣٥٤٠٤-: وقال ابن القاسم: إذا كانت طارئة غريبة، فلا حد عليها.
- ف: ٣٥٤٠٥-:وهو قول عثمان البتي.
- ف: ٣٥٤٠٦: وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا حد عليها، إلا أن تقر بالزنى أو يقوم عليها بذلك بينة.
- ف: ٣٥٤٠٧-: ولم يفرقوا بين طارئة، وغير طارئة، لأن الحمل دون إقرار ولا بينة ممكن أن تكون المرأة في ما ادعته من النكاح أو الاستكراه صادقة، والحدود لا تقام إلا باليقين بل تدرأ بالشبهات.
- ف:٣٥٤٠٨-: فإن احتج محتج بحديث عمر المذكور، وتسويته فيه بين البينة والإقرار والحبل، قيل له: قد روي عنه خلاف ذلك من رواية الثقات أيضا.
-
стр. 19696
- ف: ٣٥٤٠٩: وروى شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة، وساق قصة عمر والمرأة الضخمة الحبلى التي أثبتناها في النص وأحلناها على مصادرها في التعليق آنفا.
ثم قال- عند تعقيبه على ما ورد في باب (المغتصبة) من الموطأ من قول مالك- ص: ١١١- ١١٢، ف: ٣٥٦٢٥-:
قد مضى القول في هذا الباب من باب الرجم عند قول عمر بن الخطاب: الرجم في كتاب الله حق على من زنت من الرجال والنساء إذا أحصن، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، فجعل وجود الحبل كالبينة أو الاعتراف، فلا وجه لإعادة ما قد مضى، إلا أن نذكر طرفا هنا ونقول: إنه قد روي عن عمر خلاف ما رواه مالك عنه، وإن كان إسناد حديث مالك أعلى، ولكنه محتمل التأويل.
-ف: ٣٥٦٢٦-: وروى عبد الرزاق، وساق الأثر الذي نقلناه عنه آنفا رقم: ١٣٦٦٤.
-ف:٣٥٦٢٧-: وعن ابن عيينة، وساق الأثر الذي نقلناه عنه آنفا رقم: ١٣٦٦٦.
-ف: ٣٥٦٢٨: وروي عن عمر أيضا أنه أتي بامرأة حبلى بالموسم، وساق الأثر الذي نقلناه آنفا. .
стр. 19697
تتفق هذه الوقائع الثلاثة، واقعة المرأة اليمانية التي أبلغ عنها عمر عامله باليمن، فاستجلبها إليه، فلما استوضحها أمرها واطمأن إلى ما أقرت به وأوضحته، مارها وأوصى بها قومها خيرا.
وواقعة المرأة التي جاءت، أو جئ بها إلى عمر في الموسم وهو بمنى فلما استوضحها شأنها، ووصفته له اطمأن إلى قولها وصدقها، حتى لقد أشفق من أن تحل عقوبة الله بمن في الموسم لو رجمها، ثم خشى أن يحدث لغيرها مثل ما حدث لها فيتعجل بعضهم ولا يتثبت، فيقيم عليها الحد، فكتب إلى الأمصار ألا يقام الحد دون إذنه.
ثم واقعة الجارية السوداء صاحبة مرغوش، التي أباحت نفسها بدرهمين، وكأنها لم تفعل شيئا، إذ رأت ذلك عملا طبيعيا ليس مما ينسحب عليه تشريع.
وفي الواقعتين الأوليين درأ عمر الحد عن صاحبتيهما بقرينة الإكراه- إن شئت فقل بشبهة الإكراه – تعضدها قرينة حسن السلوك، وفي الواقعة الثالثة، درأ الحد عن صاحبة مرغوش، ولكن عزرها، ومدار هذا التمييز بينها وبين الأخريين إلى أنها لم تكن مكرهة، بل أقرت بأنها فعلت باختيارها، فسقطت شبهة الإكراه وقرينة حسن السلوك، وإنما كانت جاهلة بحكم ما فعلت، فتعينت شبهة الجهل، ولكن تصاحبها قرينة الفعل الإختياري، فدرأ عنها الحد لشبهه الجهل، وعزرها بقرينة الاختيار.
стр. 19698
وفي هذه الوقائع الثلاث، كان للقرائن أثرها في الحكم، ففي الأوليين درأت كل عقاب، وفي الثالثة درأت الحد وقضت بالتعزير.
وكذلك تكون القرائن المؤثرة في تكييف الحكم في الجريمة ذات الصلة بالمجتمع، أو التي توصف بأن فيها حق الله، فعند انتفاء المساس الاختياري بحق الله وبمصلحة المجتمع، ترتفع عقوبة الحدود، ولا تستبدل بأي عقوبة أخرى، أما عند ثبوت شبهة الاختيار مع انتفاء شبهة العلم، وهي مصدر القصد إلى المساس بحق لله ومصلحة المجتمع، فإن عقوبة الحدود ترتفع، لكن تستبدل بعقوبة التعزير.
ومدار جميع هذه الأحوال على فعالية القرينة عند ثبوتها ورجحانها عن كل دليل سواها، أو انتفاء الأدلة غيرها.
ويشبه أن يكون هذا الاعتبار مستند الثوري في ما روى عبد الرزاق (١) قال: عن الثوري في التي تقول: غصبت نفسي، يدرأ عنها الحد وإن كان حمل.
إذا اعتمد دعوى الاغتصاب مع وجود الحمل دون أن يوجب على المدعية الإدلاء بحجة أنها اغتصبت بناء على الغالب من أن المرأة التي تقر بالاغتصاب، لا يكون إقرارها به ابتغاء النجاة بنفسها من عقوبة فاحشة اقترفتها، فظهر أثرها عليها، مع أن هذا الاحتمال وارد ورودا قويا، إلا أنه يدفع بقرينة وقوع ما ادعي اغتصابا في مجتمع إسلامي سليم فضلا عن قاعدة درء الحدود بالشبهات.
وقريب من هذه الوقائع، ما روي عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر في درء الحد عن المستكرهة، وما روي عن عمر في درء الحد عن المضطرة درءا كاملا، وفي استبداله بالتعزير.
стр. 19699
أما المستكرهة:
ما روي عن رسول الله ﷺ : قال ابن أبي شيبة (١) : حدثنا معتمر بن سليمان الزرقي، عن حجاج، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: استكرهت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فدرأ عنها الحد.
وعنه البيهقي (٢) قال:
وأخبرنا علي بن حمدان، أنبأ أحمد بن عبيد، حدثنا الأسفاطي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وساق الأثر.
وما روي عن أبي بكر ﵁:
قال ابن أبي شيبة (٣) :
حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، أن رجلا أضاف أهل بيت فاستكره منهم امرأة، فرفع ذلك إلى أبي بكر، فضربه ونفاه، ولم يضرب المرأة.
وما روي عن عمر ﵁:
قال مالك (٤) :
عن نافع، أن عبدا كان يقوم على رقيق الخمس، وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق فوقع عليها، فجلده عمر بن الخطاب ونفاه، ولم يجلد الوليدة، لأنه استكرهها.
وعنه البيهقي (٥) قال:
أخبرنا أبو أحمد المهرجاني، أنبأ أبو بكر بن أحمد المزكي: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك، عن نافع، أن عبدا كان يقوم على رقيق الخمس وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق، فوقع بها، فجلده عمر بن الخطاب ﵁ ونفاه، ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها.
وقال (٦) : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك، وساق الأثر.
وقال ابن أبي شيبة (٧) :
حدثنا حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر أتي بإماء من إماء الإمارة استكرههن غلمان من غلمان الإمارة، فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء.
стр. 19700
وأما المضطرة:
قال عبد الرزاق (١) :
عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رفقة من أهل اليمن نزلوا الحرة، ومعهم امرأة قد أصابت فاحشة، فارتحلوا وتركوها، فأخبر عمر خبرها، فسألها، فقالت: كنت امرأة مسكينة لا يعطف علي أحد بشيء، وما وجدت إلا نفسي، قال: فأرسل إلى رفقتها، فردوهم، فسألهم عن حاجتها فصدقوها، فجلدها مائة، وأعطاها وكساها، وأمرهم أن يحملوها معهم.
وقال (٢) أخبرنا ابن جريج، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، أنه حدث أن امرأة من أهل اليمن قدمت في ركب حاجين، فنزلوا بالحرة، حتى إذا ارتحلوا ذاهبين تركوها، وجاء رجل منهم عمر، فأخبره أن امرأة منهم قد زنت، وهي بالحرة، فأرسل عمر إليها فسألها، وساق بقية القصة.
ثم قال (٣) :أخبرنا ابن جريج، قال: حدثني محمد بن الحارث بن سفيان، عن أبي سلمة بن سفيان، أن امرأة جاءت عمر بن الخطاب، فقالت: يا أمير المؤمنين، أقبلت أسوق غنماً فلقيني رجل، فحفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم أصابني، فقال عمر: قلت ماذا؟ فأعادت، فقال عمر: - ويشير بيده – مهر، مهر، ويشير بيده كلما قال، ثم تركها.
وقال (٤) : عن ابن عيينة، عن الوليد بن عبد الله، عن أبى الطفيل، أن امرأة أصابها جوع، فأتت راعياً فسألته الطعام، فأبى عليها حتى تعطيه نفسها، قالت: فحثى لي ثلاث حثيات من تمر، وذكرت أنها كانت جهدت من الجوع، فأخبرت عمر، فكبر وقال: مهر، مهر، مهر، كل حفنة مهر، ودرأ عنها الحد.
وقال (٥) : أخبرنا ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب، أتي بامرأة لقيها راع بفلاة من الأرض وهي عطشى فاستسقته فأبى أن يسقيها إلا أن تتركه فيقع بها، فناشدته الله، فأبى فلما بلغت جهدها أمكنته، فدرأ عنها عمر الحد بالضرورة.
стр. 19701
بين هذه الوقائع الثلاثة تشابه واختلاف، فالاغتصاب إكراه، والمغتصبة مضطرة، كما أن الجوع اضطرار، والجائعة التي سلمت نفسها مستكرهه، لأن الذي سلمته نفسها أكرهها على ذلك، والمحتاجة التي اشتدت بها الحاجة، والظاهر أنها لم تبلغ درجة الجوع القصوى، لم تجد غير نفسها فبذلتها، يمكن اعتبارها مستكرهة نوعاً من الاستكراه من حيث أن من بذلت له نفسها أكرهها على ذلك لقاء ما يبذل لها من ثمن، ويمكن اعتبارها مضطرة اضطراراً من الدرجة الثانية – إن صح التعبير – لأنها لم تبلغ الحال التي تشرف بها على الهلاك، ولكنها بسبيلها إليها.
ومن ناحية أخرى، يمكن اعتبار بطلان هذه الوقائع الثلاث مجرد مدعيات أو زاعمات ينسحب عليهن احتمال الصدق والكذب، وتصديقهن ينهض على قرائن, وقد يصعب احتمال ادعاء الاستكراه أو الاغتصاب في عهد رسول الله ﷺ إذ يمكن أن ينزل وحي بتكذيب المدعية، وفي هذه الحال فاعتبار هذه الصعوبة، إن لم نقل الاستحالة، هي القرينة التي أثبتت أهليتها لدرء العقوبة عنها.
стр. 19702
أما الضيف الذي استكره امرأة من البيت الذي أضافه، والعبيد الذين استكرهوا إماء من إماء الإمارة، فاحتمال عدم الاستكراه في الفريقين بعيد أو منعدم، بيد أنه أقل صعوبة أو استحالة من احتماله في المستكرهة في عهد رسول الله ﷺ لكن القرينة التي درأت العقوبة عن هذين الفريقين، هي في التي استكرهها ضيفها، وقوع الاستكراه في بيت الإضافة، وما من شك في أنها لم تكن وحيدة كل الوقت في البيت، بل كان معها غيرها، لكن قد تكون وحيدة عند الاستكراه، أو ادعاء الاستكراه، فرجح الاستكراه لأبي بكر، فدرأ عنها الحد. أما إماء الإمارة، فيكاد يكون مستحيلاً أن يسلمن أنفسهن جميعاً لأولئك العبيد، ثم يدعين الاستكراه، إلا في حال تصور مؤامرة جماعية بين أولئك العبيد وأولئك الإماء، وهو تصور غير مستحيل، إلا إذا اعتبرنا أثر الخوف من عمر ﵁ – في نفوس الجميع، فضلا عن إماء وأعْبُد الإمارة، فالقرينة التي درأت العقوبة عنهن هي ما اطمأن إليه عمر من صحة الادعاء، واستحالة أو بعد أي احتمال غيره.
وفي هذه الأحوال الثلاث، يكون درء الحدود بالشبهات عاملاً أساسياً في نجاة الفرقاء الثلاث من العقوبة، ولا كذلك اليمانية التي اعترفت بأنها بذلت نفسها مختارة اختياراً جزئياً بسبب الحاجة، فثبوت الحاجة بشهادة رفقتها الذين صدقوها في دعواها، خففت عنها الحد، فنقلته من الرجم إلى الجلد، لأنها لم تكن بكراً، فيكون حدها الجلد، وآية ذلك أنها لم تدع الافتراع، ولا شهد ببكارتها رفقتها، بيد أن عمر – ﵁ رأى في حاجتها التي ألجأتها إلى ابتذال نفسها قرينة اعتبرها في تحويل عقوبة الرجم إلى عقوبة الجلد. وفي تصرفه هذا – ﵁ – قاعدة جليلة يتعين اعتبارها، وهي اعتبار حال من تثبت إدانته بجريمة من جرائم الدرجة الأولى، وهي جرائم الحدود، وتحكيمها في تعيين نوع الحد الذي يعاقب به، فإذا اعتبرنا الثيب محصنة، فإن تحويل عمر حد الرجم إلى حد الجلد في عقابه لها، إقرار لهذه القاعدة الجليلة التي يتعين اعتبارها.
стр. 19703
يتبين من هذا أن القرائن قد تكون مثبتة لرفع العقوبة عن الجاني، وقد تكون صارفة للعقوبة المتعينة عن الجناية من حدها الأقصى إلى حد أدنى، وأحياناً إلى الحد الأدنى.
وهذا المعنى يتعين وجوباً التزامه في هذا العصر في الدول الإسلامية التي تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، لاسيما الحدود.
وشبيه- من بعض الوجوه – بأحاديث الضرورة هذه، الأثر الذي رواه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب من قضاء عمر في أعبد لحاطب سرقوا، والأثر رواه مالك في موطئه (١) وعنه الشافعي (٢) ، وعبد الرزاق (٣) والبيهقي (٤) عن غير طريقه.
قال مالك – واللفظ للزهري -:
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن رقيقاً لحاطب بن أبى بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: إني أراك تجيعهم، والله، لأغرمنك غرماً يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم، قال عمر: أعطه ثمانمائة درهم.
стр. 19704
وقال عبد الرزاق:
عن ابن جريج، قال: حدثني هشام بن عروة، عن عروة، أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أخبره عن أبيه، قال: توفي حاطب وترك أعبُداً، منهم من يمنعه من ستة آلاف، يعملون في مال الحاطب بشمران (١) فأرسل إلي عمر ذات يوم ظهراً وهم عنده، فقال: هؤلاء أعبدك سرقوا، وقد وجب عليهم ما وجب على السارق وانتحروا ناقة لرجل من مزينة اعترفوا بها، ومعهم المزني، فأمر عمر أن تقطع أيديهم، ثم أرسل وراءه فرده، ثم قال لعبد الرحمن بن حاطب: أما والله لولا أنى أظن أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو أن أحدهم يجد ما حرم الله عليه لأكله، لقطعت أيديهم، ولكن والله – إذا تركتهم – لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال للمزني: كم ثمنها؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة، قال: أعطه ثمانمائة.
وقال:
عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن غلمة لأبيه عبد الرحمن بن حاطب سرقوا بعيراً فانتحروه، فوجد عندهم جلده ورأسه، فرفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب، فأمر بقطعهم فمكثوا ساعة، وما نرى إلا أن قد فرغ من قطعهم، ثم قال عمر: علي بهم، ثم قال لعبد الرحمن، والله إني لأراك تستعملهم ثم تجيعهم، وتسيء إليهم حتى لو وجدوا ما حرم الله عليهم لحل لهم، ثم قال لصاحب البعير: كم كنت تعطي لبعيرك؟ قال: أربعمائة درهم، قال لعبد الرحمن: قم، فأغرم لهم ثمانمائة درهم.
стр. 19705
وقال البيهقي:
أخبرنا أبو زكريا بن أبى إسحاق وأبو سعيد بن أبى عمرو، قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا أبو أحمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الحمن بن حاطب، قال: أصاب غلمان لحاطب بن أبي بلتعة بالعالية ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها واعترفوا بها، فأرسل إليه عمر، فذكر ذلك له وقال: هؤلاء أعبُدك قد سرقوا، انتحروا ناقة رجل من مزينة، واعترفوا بها، فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم أرسل بعدما ذهب فدعاه، وقال: لولا أني أظن أنكم تجيعونهم حتى أن أحدهم أتى ما حرم الله- – لقطعت أيديهم، ولكن والله لئن تركتهم لأغرمنك فيهم غرامة توجعك، فقال: كم ثمنها، للمزني، قال: كنت أمنعها من أربعمائة، قال: فأعطه ثمانمائة.
فدرأ عمر – ﵁ – الحد عن الأعبد، وغرم مولاهم ثمن الناقة مضاعفاً، وما من شك عندنا، في أن أساس درء الحد عن الأعبد اعتبار قرينة الجوع مسقطة للمسؤولية عنهم، وأن أساس مضاعفة الغرامة على حاطب اعتبار مسؤوليته الجزئية ناتجة عن قرينة الإهمال لأعبده، وعدم إعالتهم إعالة كافية، تصرفهم عن البحث عما يسد رمقهم.
стр. 19706
ومن عجيب أن يقول مالك – ﵀: (وليس على هذا العمل عندنا في تضعيف القيمة، ولكن مضى أمر الناس عندنا على أنه إنما يغرم الرجل قيمة البعير أو الدابة يوم يأخذها) ولا بما حاول ابن التركماني في (جوهره) (١) وابن عبد البر في (استذكاره) (٢) أن يدعما به رأي مالك ومن سلك سبيله، ويحتجا له، فحكم عمر يشمل ثلاثة أحكام:
الأول: درء الحد عن الأعبد الذين سرقوا اعتباراً لقرينة الجوع.
الثاني: تغريم سيد الأعبد قيمة الناقة المسروقة لصاحبها بقيمتها التي صدق عمر صاحبها إذ قال إنه امتنع من قبولها لناقته.
الثالث: إنزال عقاب بحاطب صاحب الأعبد الذين سرقوا، بمثل قيمة الناقة المسروقة، أما لماذا دفعها إلى صاحب الناقة، ولم يحتفظ بها لبيت مال المسلمين؟ فهي تعويض لصاحب الناقة، عما أصابه من ألم نفسي حين وجد ناقته قد نحرت، وما تحمله من عنت بالمجيء إلى عمر متعدياً إياه على السارقين، ولعله قد أضاع في ذلك وقتاً وجهداً قد يعودان عليه بكسب.
стр. 19707
أما ادعاء المظاهرين لمالك نسخ هذا الأثر بما زعموه من إجماع على خلافه، فيدفعه أن قضاء عمر لم يكن مجرد اجتهاد منه، وإنما هو تطبيق لنص ثابت عن رسول الله ﷺ في حديث طويل لعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وجليّ أنه لا التفات إلى ما يحاول البعض أن يريبوا به في أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس هذا مجال الوقوف مع هؤلاء لدمغ ما يحاولونه مما لو قبلناه لضاع عنا الكثير من العلم، واضطررنا في كثير من الأحكام إلى ترك السنة النبوية والقول بالرأي، أعاذنا الله من ذلك.
وحديث عمرو بن شعيب هذا أخرجه:
أحمد (١) وأبودواد (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) والحاكم (٥) والدارقطني (٦) والبيهقي (٧) والبغوي (٨) واللفظ لأحمد في أولى رواياته له:
стр. 19708
حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: ((معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها)) قال: الضالة من الغنم؟ قال: ((لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها)) قال: الحريسة (١) التي توجد في مراتعها؟ قال: ((فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المِجَنّ)) قال يا رسول الله، فالثمار، وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: ((من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنه فليس عليه شيء، ومن احتمل، فعليه ثمنه مرتين وضرباً ونكالاً، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن)) قال: يا رسول الله، واللقطة نجدها في سبيل العامرة؟ قال: ((عرّفها حولاً، فإن وجد باغيها فأدها إليه، وإلا فهي لك)) قال: ما يوجد في الخرب العادي؟ قال: ((فيه وفي الركاز الخمس)) .
стр. 19709
وقال ابن عبد البر (١) - عند تعقيبه على حديث مالك المرسل، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي ((لا قطع في ثمر ... )) الحديث -:
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي وعبيد بن عبد الواحد البزار، قالا: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا يحيى بن أيوب والليث بن سعد، قالا: حدثنا محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال: ((من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه، وقال عبد الله: غرامة مثله، ثم اتفقا: ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. زاد الترمذي: ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة)) .
стр. 19710
ومن طرائف ابن عبد البر قوله معقباً على هذا الحديث- إذ لم يستطع ادعاء ضعفه أو تجريحاً في سنده -: (ففي هذا الحديث كلمة منسوخة وهي قوله: وغرامة مثليه) إلى آخر ما قال، ولسنا ندري كيف تنسخ كلمة واحدة من حديث وتبقى بقيته صحيحة، ثم إذا كانت فيه كلمة منسوخة هي كلمة (مثليه) ؛ فماذا يقول في ما رواه هو في آخر هذا الحديث من إدارج محمد بن إسماعيل الترمذي في روايته له، إذ قال: (زاد الترمذي: ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) ولم يجرح هذا الإدارج، لقد كان عليه أن يقول أيضا أن كلمة (العقوبة) منسوخة، فتكون في الحديث كلمتان منسوختان بزعمه، هي كلمة (مثليه) وكلمة (والعقوبة) والكلمتان وردتا في روايات سابقة، الأولى: كلمة (مثليه) وردت في معظم الروايات السابقة لهذا الحديث، والثانية كلمة (والعقوبة) التي أطلقنا عليها وصف (الإدارج) من الترمذي (محمد بن إسماعيل) وهي في الواقع ليست إدارجا إلا من ناحية اللفظ، أما من ناحية المعنى فهي مماثلة لكلمة (النكال) الواردة في روايات أحمد رقم: ٦٦٨٣- ٦٨٩١- ٦٩٣٦، التي سقناها آنفا، وفي رواية النسائي المماثلة لها (١) .