← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19706–19745 · переход к 19711.

стр. 19706

ومن عجيب أن يقول مالك – ﵀: (وليس على هذا العمل عندنا في تضعيف القيمة، ولكن مضى أمر الناس عندنا على أنه إنما يغرم الرجل قيمة البعير أو الدابة يوم يأخذها) ولا بما حاول ابن التركماني في (جوهره) (١) وابن عبد البر في (استذكاره) (٢) أن يدعما به رأي مالك ومن سلك سبيله، ويحتجا له، فحكم عمر يشمل ثلاثة أحكام: الأول: درء الحد عن الأعبد الذين سرقوا اعتباراً لقرينة الجوع. الثاني: تغريم سيد الأعبد قيمة الناقة المسروقة لصاحبها بقيمتها التي صدق عمر صاحبها إذ قال إنه امتنع من قبولها لناقته. الثالث: إنزال عقاب بحاطب صاحب الأعبد الذين سرقوا، بمثل قيمة الناقة المسروقة، أما لماذا دفعها إلى صاحب الناقة، ولم يحتفظ بها لبيت مال المسلمين؟ فهي تعويض لصاحب الناقة، عما أصابه من ألم نفسي حين وجد ناقته قد نحرت، وما تحمله من عنت بالمجيء إلى عمر متعدياً إياه على السارقين، ولعله قد أضاع في ذلك وقتاً وجهداً قد يعودان عليه بكسب.

стр. 19707

أما ادعاء المظاهرين لمالك نسخ هذا الأثر بما زعموه من إجماع على خلافه، فيدفعه أن قضاء عمر لم يكن مجرد اجتهاد منه، وإنما هو تطبيق لنص ثابت عن رسول الله ﷺ في حديث طويل لعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وجليّ أنه لا التفات إلى ما يحاول البعض أن يريبوا به في أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس هذا مجال الوقوف مع هؤلاء لدمغ ما يحاولونه مما لو قبلناه لضاع عنا الكثير من العلم، واضطررنا في كثير من الأحكام إلى ترك السنة النبوية والقول بالرأي، أعاذنا الله من ذلك. وحديث عمرو بن شعيب هذا أخرجه: أحمد (١) وأبودواد (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) والحاكم (٥) والدارقطني (٦) والبيهقي (٧) والبغوي (٨) واللفظ لأحمد في أولى رواياته له:

стр. 19708

حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: ((معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها)) قال: الضالة من الغنم؟ قال: ((لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها)) قال: الحريسة (١) التي توجد في مراتعها؟ قال: ((فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المِجَنّ)) قال يا رسول الله، فالثمار، وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: ((من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنه فليس عليه شيء، ومن احتمل، فعليه ثمنه مرتين وضرباً ونكالاً، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن)) قال: يا رسول الله، واللقطة نجدها في سبيل العامرة؟ قال: ((عرّفها حولاً، فإن وجد باغيها فأدها إليه، وإلا فهي لك)) قال: ما يوجد في الخرب العادي؟ قال: ((فيه وفي الركاز الخمس)) .

стр. 19709

وقال ابن عبد البر (١) - عند تعقيبه على حديث مالك المرسل، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي ((لا قطع في ثمر ... )) الحديث -: حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي وعبيد بن عبد الواحد البزار، قالا: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا يحيى بن أيوب والليث بن سعد، قالا: حدثنا محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال: ((من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه، وقال عبد الله: غرامة مثله، ثم اتفقا: ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. زاد الترمذي: ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة)) .

стр. 19710

ومن طرائف ابن عبد البر قوله معقباً على هذا الحديث- إذ لم يستطع ادعاء ضعفه أو تجريحاً في سنده -: (ففي هذا الحديث كلمة منسوخة وهي قوله: وغرامة مثليه) إلى آخر ما قال، ولسنا ندري كيف تنسخ كلمة واحدة من حديث وتبقى بقيته صحيحة، ثم إذا كانت فيه كلمة منسوخة هي كلمة (مثليه) ؛ فماذا يقول في ما رواه هو في آخر هذا الحديث من إدارج محمد بن إسماعيل الترمذي في روايته له، إذ قال: (زاد الترمذي: ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) ولم يجرح هذا الإدارج، لقد كان عليه أن يقول أيضا أن كلمة (العقوبة) منسوخة، فتكون في الحديث كلمتان منسوختان بزعمه، هي كلمة (مثليه) وكلمة (والعقوبة) والكلمتان وردتا في روايات سابقة، الأولى: كلمة (مثليه) وردت في معظم الروايات السابقة لهذا الحديث، والثانية كلمة (والعقوبة) التي أطلقنا عليها وصف (الإدارج) من الترمذي (محمد بن إسماعيل) وهي في الواقع ليست إدارجا إلا من ناحية اللفظ، أما من ناحية المعنى فهي مماثلة لكلمة (النكال) الواردة في روايات أحمد رقم: ٦٦٨٣- ٦٨٩١- ٦٩٣٦، التي سقناها آنفا، وفي رواية النسائي المماثلة لها (١) .

стр. 19711

ومضاعفة الغرامة نوع من النكال، ولو كانت منسوخة أو كان النكال منسوخا لما ضاعف عمر العقوبة على حاطب حين سرق أعبده، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ما فعل، فكان حكمه بمثابة إجماع منهم، ونظن أن أي عاقل لا يمكن أن يزعم أن عمر والصحابة معه كانوا يجهلون نسخ النكال أو الغرامة، وكانوا يقدمون على إيقاع الغرامة- وهي كما قلنا آنفا نوع من النكال- من عمر على حاطب وهم يعلمون أنها منسوخة، غفر الله لأبي عمر، ولمن قال مثل قوله. وقوله (١) - معقبا على حديث رافع بن خديج- وله علاقة من بعض الوجوه بحديث عمرو بن شعيب: حديث عمرو بن شعيب أصل عند جمهور أهل العلم في مراعاة الحرز واعتباره في القطع، ثم ساق الحديث من طريق أبي داود الذي أشرنا إليه آنفا. ثم قال: (٢) : والذي عليه جمهور العلماء القول بهذين الحديثين- يعني حديث عمرو بن شعيب وحديث رافع بن خديج- على ما ذكرنا عنهم، وكذلك لا أعلم أحدا قال بتضعيف القيمة غير أحمد بن حنبل. ثم قال: قوله في هذا الحديث: فعليه غرامة مثليه، منسوخ بالقرآن والسنة، فالقرآن، قول الله – : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ (٣) ولم يقل: بمثلي ما عوقبتم به، وقضى النبي ﷺ فيمن أعتق شقصا له في عبد بقيمته قيمة عدل، ولم يقل بمثلي قيمته ولا بتضعيف قيمته، وقضى في الصحفة بمثلها، لا بمثليها.

стр. 19712

قلت: يشير إلى حديث أنس بن مالك (١) وعائشة (٢) ﵄ في قصة غيرة عائشة من صفية أو أم سلمة (٣) ﵅.

стр. 19713

ولفظ حديث أنس (١) : أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا حميد، قال: قال أنس: كان النبي ﷺ عند إحدى أمهات المؤمنين، فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام، فضربت يد الرسول، فسقطت القصعة، فانكسرت، فأخذ النبي ﷺ الكسرتين، فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام، ويقول: ((غارت أمكم! كلوا)) ، فأكلوا، فأمر حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول، وترك المكسورة في بيت التي كسرتها. ولفظ حديث عائشة (٢) : حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عبد الواحد، عن أفلت بن خليفة قال أبو سفيان: يقول: فليت- عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: بعثت صفية إلى رسول الله ﷺ بطعام قد صنعته له وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتى استقلني أفكل، فضربت القصعة، فرميت بها، قالت: فنظر إلى رسول الله ﷺ فعرفت الغضب في وجهه، فقلت: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت: قال: ((أولى؟)) قالت: قلت: وما كفارته يا رسول الله؟ قال: ((طعام كطعامها وإناء كإنائها)) .

стр. 19714

وما نظن ابن عبد البر ﵀ يبيح لنفسه أن يقارن فعل عائشة ﵂ -الناشيء عن شدة حبها لرسول الله ﷺ وشدة غيرتها من شريكاتها أمهات المؤمنين _رضي الله عنهن- لاسيما من صفية، هذه الجديدة المتباهية عليهن- إن ثبت أنها صفية- بفعل سارق دفعه الجوع أو أي إغراء إلى سرقة ما لا تبلغ قيمته ثمن المجن، وما جعل رسول الله ﷺ عقابه تغريمه مثلي ما سرق، فشتان بين الأمرين، سعي في سبيل الاستئثار بحب رسول الله ﷺ ، وعمل أقل ما يوصف به أنه تصرف في مال الغير بغير حق، فكيف يكون الحكم في الأمرين واحد. أما دعوى ابن عبد البر وغيره نسخ كلمة (مثليه) اعتمادا على قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فاحتجاج عجيب، فلو سلمنا أن كلمة (مثليه) منسوخة وحدها من حديث عبد الله بن عمرو دون سائر الحديث، فكيف يمكن النسخ بهاتين الآيتين، ذلك بأن سورة البقرة من أول ما نزل بعد الهجرة، وآية ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ نزلت في غزوة الحديبية حين منعت قريش رسول الله ﷺ وأصحابه من أداء العمرة (٢) . ونزلت سورة النحل أو جلها في مكة، ومن الآيات التي نزلت في المدينة على قول بعضهم، آية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ قالوا: إنها نزلت بعد غزوة (أحد) حين هم رسول الله ﷺ أن يثأر لحمزة ﵁ -من الذين مثلوا به من المشركين، والآيتان كلتاهما نزلتا قبل أن يتزوج رسول الله ﷺ صفية ﵂ وقبل أن تكون عائشة ﵂ قد بلغت أشدها واستوت، بحيث تقدم على البطش بصحفة بعثتها شريكتها إلى رسول الله ﷺ فكيف يستقيم القول بأن الآيتين، وحكم رسول الله ﷺ على عائشة بتعويض صحفة شريكتها بمثلها، نواسخ لكلمة في حديث عبد الله بن عمرو.

стр. 19715

يضاف إلى هذا لفظ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أنه ﵁ سمع المزني يسأل رسول الله ﷺ وعبد الله بن عمرو لم يسلم إلا بعد السنة السابعة، فكيف تنسخ آية نزلت في غزوة الحديبية في السنة السادسة، وأخرى نزلت في غزوة (أحد) التي كانت في الشهر الثاني والثلاثين من الهجرة كلمة من حديث كان مورده في السنة السابعة أو بعدها بقليل، هل يمكن أن ينزل الناسخ قبل وقوع المنسوخ؟!. لقد أطلنا الوقفة مع ابن عبد البر لما في دعواه من أعاجيب، منشؤها محاولة أتباع المذاهب الانتصار لأقوال أئمتهم، وإن اضطرهم ذلك إلى إغفال القرائن التاريخية التي تدمغ ما يستظهرون به من حجج وبراهين، لكن قبل أن نترك ابن عبد البر، نورد كلاما شريفا بديعا للموفق بن قدامة (١) قال: ﵀ مناصرا قول أحمد، ﵀، المطابق لحديث عبد الله بن عمرو، ﵁: قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه، واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذا الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال ثم نسخ ذلك. ولنا قول النبي ﷺ وهو حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله، أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للفسخ بالاحتمال من غير دليل عليه، وهو فاسد بالإجماع، ثم هو فاسد من وجه آخر، لقوله: ((من سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع)) فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه، وهذا يبطل ما قاله. وقد احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين انتحر غلمانه ناقة رجل من مزينة، مثلي قيمتها ... إلخ.

стр. 19716

قلت: ونضيف إلى هذا القول البديع لموقف ابن قدامة ملاحظة لابد منها، وهي أن ابن عبد البر ادعى الإجماع على نسخ كلمة (مثليها) ثم أقر بأن أحمد لم يقل به، فكيف يستقيم هذا الإجماع، إلا أن يكون الإجماع عند ابن عبد البر إجماعا مذهبيا، أو مرادفا (لقول الجمهور) مهما يكن، فإجماعات ابن عبد البر معروفة، وهي غرائبه. وإنما اضطررنا اضطرارا إلى هذه الوقفة المستطيلة بعض الشيء مع ابن عبد البر، لموقفه من حديث عبد الله بن عمرو، لأن هذا الحديث عندنا- والله أعلم بأسرار شريعته وخفايا تصرف من اصطفاهم بإلهامه من عباده- هو الأساس الذي قام عليه تغريم عمر ﵁ -لأعبد حاطب، وقام عليه من حكم بمثل حكمه بعده، فهو أساس لأحكام ليست اجتهادية، وإنما هي تطبيقية لحديث نبوي شريف ثابت صحيح, وحكم عمر هو السند التطبيقي لاعتبار القرينة رافعة للحد في بعض الأحيان، وإن كانت مثبتة لحق الله أو ما يسميه واضعو القوانين الوضعية (الحق العام) . فقد يسقط حق الفرد أو يحكم في شأنه بالأخف، لكن حق الله أو (الحق العام) على لغة رجال القانون لا يسقط. والشرع الإسلامي أشد حرصا على حق الله أو (الحق العام) منه على حقوق الفرد، لأن حماية المجتمع أهم من حماية الفرد، والقاعدة الأساسية في تشريعات الأحكام هي رعاية مصلحة المجتمع أولا، وإن كانت رعايتها على حساب الفرد.

стр. 19717

العلامات والأمارات قرائن شرعا. ثبت في السنة النبوية الشريفة أن رسول الله ﷺ اعتمد العلامات والأمارات مصادر للشهادة، وبينات في الأحكام، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١)) ) الحديث تعليق: أخرجه: أحمد - المسند، ج: ١٨ (ط: مؤسسة الرسالة) ، ص: ١٩٤، ح: ١١٦٥١. وهذا لفظه: حدثنا سريج، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان)) قال الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] . و ص: ٢٥١، ح: ١١٧٢٥- قال: حدثنا حسن، حدثنل ابن لهيعة، حدثنا دراج، فذكره. والترمذي - الجامع الكبير، ج: ٤، أبواب الإيمان، ب (٨) ما جاء في حرمة الصلاة، ص: ٣٦٤، ح: ٢٦١٧- قال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، وذكر الحديث.

стр. 19718

وتعقبه بقوله: هذا حديث غريب حسن. و ج: ٥، أبواب تفسير القرآن، ب (١٠) ومن سورة التوبة، ص: ١٧١- ١٧٢، ح: ٣٠٩٣- قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، وساق الحديث. وابن ماجة- السنن، ج: ١، ك (٤) المساجد والجماعات، ب (١٩) لزوم المساجد وانتظار الصلاة، ص: ٢٦٣، ح: ٨٠٢- قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، فذكره. والدارمي- السنن، ج:١، ك (٢) الصلاة، ب (٢٣) المحافظة على الصلوات، ص: ٢٩٥، ح: ١٢٠٣- قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، فذكره. وابن خزيمة- الصحيح، ج: ٢، ك: الإمامة في الصلاة ... ، ب (٢٥) الشهادة بالإيمان لعمار المساجد ... ، ص: ٣٧٩، ح: ١٢٠٥- قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، اخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، فذكره. وعبد بن حميد- المنتخب، ج: ٢، ص: ٨٢، ح: ٩٢١- قال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج، فذكره. وابن حبان- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، علاء الدين الفارسي، ج: ٥، ك: الصلاة، ب (٩) فضل الصلوات الخمس، ص:٦، ح: ١٧٢١- قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن سلم، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، وساق الحديث. والحاكم- المستدرك، ج: ١، ك: الصلاة، ص: ٢١٢- ٢١٣- قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ بحر بن نصر، قال: قرئ على ابن وهب، أخبرك عمرو بن الحارث، ح وأخبرنا أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أنبأ عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج فذكره.

стр. 19719

وتعقبه بقوله: هذه ترجمة للمصريين، لم يختلفوا في صحتها أو صدق رواتها، غير أن شيخي الصحيح لم يخرجاه. وقال الذهبي: دراج كثير المناكير. وعنه البيهقي - السنن الكبرى، ج: ٣، ك: الصلاة، ب: فضل المساجد..ص: ٦٦. و ج: ٢، ك: التفسير، ص: ٢٣٢: حدثنا دعلج بن أحمد السجزي، حدثنا أحمد بن بشر بن سعد المرثي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، فذكره. وتعقبه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. قلت: هذا من أعاجيب (الإمام ... ) الذهبي، يقول عن هذا الحديث أول مرة (دراج له مناكير) ثم ينسى أو يغير رأيه، فيقول عنه بنفس اللفظ والسند: (صحيح) فأين ذهبت مناكير دراج؟. وأخرجه: ابن عدي- الكامل، ج:٣، عند ترجمته لدراج أبو السمح، ص: ٢٨١- حدثنا علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا عمرو، عن دراج، وساق الحديث.

стр. 19720

وقال في آخر ترجمته: وسائر أخبار دراج- غير ما ذكرت من هذه الأحاديث- يتابعه الناس عليها، وأرجو- إذا أخرجت دراج وبريته من هذه الأحاديث التي أنكرت عليه- أن سائر أحاديثه لا بأس بها، ويقرب صورته ما قال عنه يحيى بن معين، يعني بذلك ما ذكره في صدر ترجمته له من قوله: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: قلت ليحيى ابن معين: دراج أبو السمح، قال: ثقة. وانظر تاريخ الدارمي، ص: ١٠٧، س: ٣١٥. وص: ١٠١٣- عند ترجمته لرشدين بن سعد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الغزي، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا رشدين، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، فذكره. ثم قال في نهاية الترجمة: وهو مع ضعفة يكتب حديثه. وأبو نعيم- حلية الأولياء، ج: ٨، عند ترجمته لعبد الوهاب بن وهب، ص: ٣٢٧- قال: حدثنا محمد بن الحسن اليقطيني، حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم المقدسي، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، فذكره. والبغوي – معالم التنزيل، ج: ٣، ص: ١٩- قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن التسوي، حدثنا أحمد بن الحسن الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن الفرج الحجازي، حدثنا بقية، حدثنا أبو الحجاج المهدي، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الهيثم، فذكره. .

стр. 19721

ومنه حديث جابر بن عبد الله ﵁: (أردت الخروج إلى خيبر) وفيه: ((إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية، فضع يدك على ترقوته)) تعليق: اللفظ لأبي داود- السنن، ج: ٤، ك: الأقضية، ب: في الوكالة، ص: ٣١٤، ح: ٣٦٣٢. وسنده: حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن ابن أبي إسحاق، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وهذا طرف من حديث طويل، أشار إليه البخاري تعليقا- الصحيح، ج: ٢، ك (٨٧) فرض الخمس، ب (١٥) ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ص: ٩٦٤- فقال: وما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر. ووصله ابن حجر في تغليق التعليق- ج: ٣، ص: ٤٧٦- ٤٧٧- فقال: وأما ما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر، فذلك في الحديث الذي قرأته على فاطمة بنت المنجا، عن سليمان بن حمزة، عن محمود وأسماء وحمير ابني إبراهيم بن منده، أن محمد بن أحمد بن عمر، أخبرهم: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد علي السمسار، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري، حدثنا عمي- هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد- حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، فذكر الحديث بطوله، وليس من شأننا في هذا المجال، وفيه: ((إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقا)) قال: فلما وليت دعاني، فقال: ((خذ منه ثلاثين وسقا، فوالله ما لآل محمد بخيبر تمرة غيرها، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته)) الحديث. وأخرجه الدارقطني في سننه- ج: ٤، ك: المكاتب، ب: الوكالة، ص: ١٥٤، ح: ١- فقال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري، حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن أبي نعيم يعني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول اله ﷺ وهو في المسجد، فسلمت عليه، فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فأحببت التسليم عليك بأبي أنت وأمي يكون ذلك آخر ما أصنع بالمدينة، قال: فقال لي: ((إذا أتيت وكيلي بخيبر، فخذ منه خمسة عشر وسقا)) قال: فلما وليت دعاني، فقال لي: ((خذ منه ثلاثين وسقا، فوالله ما لآل محمد بخيبر تمرة غيرها، فإن ابتغى منك آية، فضع يدك على ترقوته)) وذكر باقي الحديث. .

стр. 19722

ومنه حديث وائل بن حجر: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل فتجللها بثيابه، فقضى حاجته منها، وذهب، وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا فذهب الرجل في طلبه، فانتهى إليها قوم من الأنصار، فوقعوا عليها، فقالت لهم: إن رجلا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاؤوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه، قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا هو، فقال للمرأة: ((اذهبي قد غفر الله لك)) وقال للرجل قولا حسنا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجمه؟ فقال: ((لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم)) تعليق: هذا لفظ أحمد - المسند، ج: ١٠، ص: ٣٥٣، ح: ٢٧٣٠٩- قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، قال حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، فذكره.

стр. 19723

وأخرجه: أبو داود - السنن، ج:٤، ك: الحدود، ب: في صاحب الحد يجيء فيقر، ص: ١٣٤، ح: ٤٣٧٩- فقال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن امرأة خرجت على عهد النبي ﷺ تريد الصلاة فتلقاها رجل فتجللها، فقضى حاجته منها، فصاحت، وانطلق فمر عليها رجل، فقالت: إن ذاك فعل بي كذا وكذا، ومرت عصابة من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، فأتوها به، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به النبي ﷺ فلما أمر به قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، فقال لها: ((اذهبي فقد غفر الله لك)) وقال للرجل قولا حسنا. قال أبو داود: يعني الرجل المأخوذ- وقال للرجل الذي وقع عليها: ((ارجموه)) ، فقال: ((لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم)) . والترمذي – الجامع الكبير، ج: ٣، أبواب الحدود، ب (٢٢) ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا، ص: ١٢٢- ١٢٣، ح: ١٤٥٤- قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، قال: حدثنا سماك بن حرب، فذكره.

стр. 19724

وتعقبه بقوله: هذا حديث حسن غريب صحيح، وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. والنسائي – السنن الكبرى، ج:٤، ك (٦٧) الرجم، ص: ٣١٣- ٣١٤، ح: ٧٣١١/٣- قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني، قال: حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة- وهو القناد- عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد العتمة، وهي تعمد إلى المسجد، مكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوي عدل فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه وسبقهم الآخر، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال لها: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به النبي ﷺ فأخبرته وقع عليه، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أعينها على صاحبها، فأدركني هؤلاء فأخذوني، قالت: كذب، هو الذي وقع علي، فقال رسول الله ﷺ : ((انطلقوا به فارجموه)) فأقبل الرجل من الناس، فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع الخبر عند رسول الله ﷺ الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة، فقال لها: ((اذهبي فقد غفر الله لك)) وقال للذي أغاثها قولا حسنا، فقال: الرجم للذي يعترف بالزنا فإن رسول الله ﷺ قال: ((إنه قد تاب إلى الله)) . .

стр. 19725

قلت: في هذا الحديث من قواعد الحكم ثلاث: ١- اعتبار وجود شخص وحده قريب من موقع الجريمة، قرينة على أنه مقترفها. ٢- اعتبار استغاثة من وقعت عليه الجريمة دليلا على أنه أكره عليها. ٣- اعتبار الإقرار الاختياري ممن لم يكن مشتبها فيه بأنه هو الجاني، رغبة منه في إظهار الحق وتبرئة من كان الاتهام متجها إليه بقرينة، قرينة على حسن توبته، وعلى أنه قد تاب قبل القدرة عليه، وهو لذلك معفو عنه، مرفوع عنه العقاب، غير متابع بحق الله ولا بحق العباد. وشبيه بهذا الحديث، ولعله أصل له، ما ذكره ابن القيم (١) من قضاء الحسن ﵇ بين يدي أبيه علي بن أبي طالب ﵁ ويأمر منه، إذ قال: ومن قضايا علي-﵁ أنه أتي برجل وجد في خربه بيده سكين متلطخ بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله، فقال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما ذهبوا به، أقبل رجل مسرعا، فقال: يا قوم، لا تعجلوا، ردوه إلى علي، فردوه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنا قتلته، ولم تقتله، قال: يا أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه وأنا واقف، وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت أن لا يقبل مني، وأن يكون قسامة، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله، فقال علي: بئس ما صنعت، فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب، خرجت إلى حانوتي في الغلس، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي، أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي، فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه، فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال: أغواني إبليس، فقتلت الرجل طمعا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق، فقال للحسن: ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) فخلى علي عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال.

стр. 19726

وهذا إن كان وقع صلحا برضا الأولياء- فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم، فالمعروف من أقوال الفقهاء: أن القصاص لا يسقطه، فيتعين استيفاؤه. وبعد، فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي، وقد وقع نظير هذه القصة في زمن رسول الله ﷺ إلا أنها ليست بقتل) . قلت: لم يسند ابن القيم هذا الأثر، ولم نقف له على سند، ولا وجدناه في مظانه من المصادر الموثقة للحديث والآثار، ولكن أثرا وثقه ابن القيم لا يمكن اعتباره إلا صحيحا. فقل في الفقهاء مثل ابن القيم- ﵀ تثبتا واستيعابا وتحقيقا بل يكاد يكون فريدا في بعض أبواب الفقه، أما ما أشار إليه من استشكال الفقهاء إن كان علي ﵁ فعل ذلك برضا أولياء القتيل أم بدون رضاهم، ومن أقوالهم أن القصاص لا يسقط بذلك لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه، ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه، فيرده- بل أكاد أقول فيدمغه- ما للإمام من الحق الكامل في تقدير الوقائع وظروفها والقضاء فيها- أيا كانت- طبقا لما يبلغ إليه اجتهاده من أنه الذي يقتضيه العدل والمصلحة العامة.

стр. 19727

ورحم الله ابن القيم إذ يقول (١) : فهاهنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوداث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع. ومن له ذوق في الشريعة، وإطلاع على كمالاتها وتضمينها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمها فيها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة. قلت: وما أشكل على بعض الفقهاء من قضاء الحسن ﵇ بمشهد من أبيه علي- ﵁ وبأمر منه في هذه القضية هو عين الفقه بمقاصد الشرع الإسلامي، لو تدبره هؤلاء بعيدا عن القواعد الشكلية التي قعدوها ثم ألزموا بها أنفسهم وغيرهم، بل ألزموا بها شريعة الله. وبيان ذلك أن عليا ﵁ حين أمر بقتل من وجد قريبا من المقتول وفي يده خنجر ملوث بالدم، ولم يوجد معه غيره في ذلك المكان، اعتمد القرينة الواضحة وهي: وجوده وحيدا، قريبا من المقتول، ووجود خنجر ملوث بالدم في يده، والحالة التي وجد فيها إذا وقف إلى جانب الضحية مشفقا من حالها، لكن من وجدوه، وعليا الذي أتوه به، اعتبروا أن وقفته وقفة المجرم القاتل الذي أذهلته جريمته فوقف لا يدري ما يفعل، أو أبطرته جريمته فوقف وقفة المتشفي أمام ضحيته.

стр. 19728

ثم لما أعيد إليه مع المقر بأنه الجاني، لم يتردد ﵁ أن يقول: (بئس ما فعلت) استنكارا لإقراره بالقتل، مع وجود ما يثبت صحة إقراره معه. ولما حكم الحسن ﵇ في القضية معتمدا الآية الكريمة من سورة المائدة: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أقره علي على حكمه، اعتبارا- في ما يتراءى لنا والله أعلم بما في ضمير علي والحسن- أولا: بأن القتل لم يكن مقصودا لذاته، وإنما كان وسيلة إلى شيء آخر هو المال الذي لم يجد القاتل إليه سبيلا غير القتل، فهو لذلك وإن يكن عمدا يكاد يكون من شبه العمد، لانعدام القصد إليه لذاته. وثانيا: إن اعتراف القاتل بجريمته اعترافا اختياريا، مع العلم اليقيني بأن جزاءه القتل، وأنه مقتول لا محالة، يشهد بأنه إن يكن مبتلى بالسرقة طمعا أو هواية، فهو ليس من الوالغين في الدماء، وبأن له ضميرا دينيا يهيمن عليه في أحرج الأوقات، وهو الذي دفعه إلى الاعتراف مختارا، وهو يرى- وجميع الظروف من حوله تشهد شهادة حاسمة- أنه قد نجا حتى من مجرد أن يشتبه فيه، فاقترافه جريمة القتل لا يمكن أن يعتبر اقترافا متعمدا، مستوفيا جميع عناصر العمد، وأوصافه، واعترافه الاختياري بها دليل حاسم على أنه عنصر صالح، ليس من مصلحة المجتمع أن يفقد مثله لمجرد إشفاء غيظ أقارب المقتول، وأن العفو عنه يجعل منه في المجتمع وله، رمزا متحركا، ناطقا لمعنى العقوبة والمقصد منها في شريعة الله، فليس من شرع الله الانتقام، وإنما الشرع إصلاح المجتمع، وإن على حساب الفرد.

стр. 19729

وثالثا: إرساء قاعدة من الحكم قد تخفى على الكثير، وهي أن الإمام الأعظم- إذا كان ملتزما التزاما كاملا بتطبيق شريعة الله على وعي شامل بمقاصدها- يملك أن يتجاوز بأحكامه ما قد يعتبر من المظاهر هو العدل والإنصاف، إذا رآه يتنافى مع المقاصد الحقة للشريعة، إلى ما يراه المقاصد الحقة لها، فيتصرف في ما هو من حقوق الأفراد- وإن بغير رضاهم- بما لا يفقدهم حقوقهم، وإن كان لا يستجيب لمواجدهم الظرفية العابرة، في حين ينصف المجتمع ويستجيب لحقه العام. وذلك بأن حكم البيعة التي في عنقه تلزمه الحفاظ على حقوق المجتمع بأشد مما تلزمه مراعاة المواجد الظرفية للأفراد، لكن على أن يوافق بين مقتضيات مراعاة حقوق المجتمع وبين الحد الضروري لمراعاة حقوق الأفراد، وذلك ما فعله علي ﵁ وهو الملهم الموفق في هذه القضية، إذ ودى القاتل من بيت المال، فكفل حقوق ورثة المقتول في نطاقها النافع، نفعا ماديا، عمليا من بيت مال المسلمين الذين من أجلهم أغفل اعتبار مواجد أولئك الورثة ومشاعرهم. وهذا نسق من الفقه بديع، كان على الفقهاء الذين استشكلوا الحكم في هذه القضية أن يستشرفوه، إذن، لما أربكهم ما وقعوا فيه من إشكال.

стр. 19730

بقيت نكتة أخرى نحرص على إبرازها، وهي تفسير الحسن ﵇ للآية الكريمة من سورة المائدة، تفسيرا أغفله مفسرو المأثور، وبعيد ألا يكون قد بلغهم، فقد اضطربوا في تفسيرها اضطرابا عجيبا، جرد الآية مما قد يستنبط منها من أحكام لإغناء التشريع، وحماية المجتمع الإسلامي، وصيانة أرواح أبنائه، وهي أن قوله : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ بعد قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ إنما هو إتمام لصورة كاملة بنظر الشرع إلى المجتمع الإسلامي، بل والإنساني، فقاتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض يجب قتله لأنه خطر على المجتمع الإسلامي والإنساني والإنساني كله، فهو لذلك وإن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا، لأن جرأته علي حياة نفس، تعني جرأته علي الحياة قاطبة، وأنه كما اعتدى على نفس قد يعتدي على أنفس شتى، بل لو استطاع لاعتدى على الناس جميعا، لأن النفس الشريرة لا ينحصر شرها في حد ولا في ظرف، فالشر حياتها، به تحيى وبه تتحرك، وبه تتصرف. يقابل ذلك أن النفس الخيرة التي تعمل على إنقاذ نفس أشرفت على الهلاك، يكون عملها موازنا ومماثلا لإحياء المجتمع الإسلامي والإنساني كافة، فكما عملت على إنقاذ نفس مشرفة على الهلاك، انطلاقا من فطرتها الخيرة، ستعمل- ما بقيت على قيد الحياة- على إكرام حياة المجتمع الإسلامي والإنساني كافة، بالرعاية والصيانة والحماية والافتداء، والله أعلم بأسرار كتابه ومقاصد شريعته.

стр. 19731

ومن عجائب أقضية علي – ﵁ – بالأمارات، ما روي عن ابن عباس (١) : وردت على عمر بن الخطاب واردة قام منها وقعد وتغير وتربد (٢) ، وجمع لها أصحاب النبي ﷺ فعرضها عليهم، وقال: أشيروا عليّ، فقالوا جميعاً: يا أمير المؤمنين، أنت المفزع (٣) وأنت المنزع (٤) ، فغضب عمر، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥) فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما عندنا مما تسأل عنه شيء، فقال: أما والله إني لأعرف أبا بجدتها (٦) ، وابن بجدتها، وأين مفزعها، وأين منزعها، قالوا: كأنك تعني ابن أبي طالب، قال عمر: لله هو، وهل طفحت (٧) حرة بمثله وأبرعته، انهضوا بنا إليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أتصير إليه؟ يأتيك، فقال: هيهات، هناك شجنة (٨) من بني هاشم، وشجنة من الرسول، وأثرة من علم، يؤتى لها ولا يأتي، (في بيته يؤتى الحكم) (٩) ، فاعطفوا نحوه، فألفوه في حائط له، وهو يقرأ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١٠) ويرددها ويبكي، فقال عمر لشريح: حدث أبا حسن بالذي حدثتنا به، فقال شريح: كنت في مجلس الحكم، فأتى هذا الرجل، فذكر أن رجلا أودعه امرأتين حرة مهيرة (١١) وأم ولد، فقال له: أنفق عليهما حتى أقدم، فلما كان في هذه الليلة، وضعتا جميعا إحداهما ابنا، والأخرى بنتا، وكلتاهما تدعي الابن وتنتفي من البنت من أجل الميراث، فقال له: بم قضيت بينهما؟ فقال شريح: لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتكم بهما، فأخذ علي تبنة من الأرض فرفعها، فقال: إن القضاء في هذا أيسر من هذه، ثم دعا بقدح، فقال لإحدى المرأتين: احلبي، فحلبت فوزنه، ثم قال للأخرى: احلبي، فحلبت فوزنه، فوجده على النصف من لبن الأولى، قال لها: خذي أنت ابنتك، وقال للأخرى: خذي أنت ابنك، ثم قال لشريح: أما علمت أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام، وأن ميراثها نصف ميراثه، وأن عقلها نصف عقله، وأن شهادتها نصف شهادته، وأن ديتها نصف ديته، وهي على النصف في كل شيء، فأعجب به عمر إعجابا شديدا، ثم قال: أبا حسن، لا أبقاني الله لشدة لست لها، ولا في بلد لست فيه.

стр. 19732

وتعقبه السيوطي بقوله: أبو طالب علي بن أحمد الكاتب في جزء من حديثه (١) وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني

стр. 19733

تعليق: أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحماني، اختلفوا فيه، واستفاضت الرواية عن أحمد بتجريحه تجريحا يبلغ أحيانا التكذيب، انظر مثلا الخطيب- تاريخ بغداد، ج: ١٤، ص: ١٦٧- ١٧٧، ت:٧٤٨٣- والرازي- الجرح والتعديل، ج: ٩، ص: ١٦٨- ١٧٠، ت: ٦٩٥- وابن عدي- الكامل، ج: ٧، ص: ٢٦٩٣- ٢٦٩٥. لكن روي عنه أيضا قوله: لا بأس به، أو ما شاكل ذلك- انظر المراجع السابقة- واضطربت الرواية فيه من ابن نمير، فروي عنه توثيقا، وروي عنه تجريحه- انظر المراجع السابقة- واستفاضت الرواية بتوثيقه عن ابن معين- انظر المراجع السابقة- وابن محرز- معرفة الرجال، ج: ١، ص: ١٠٤، ت: ٤٧٠- والتاريخ لابن معين، برواية الدوري- ج: ٣، ص: ٢٧٠، ت: ١٢٧٣- وكان ابن معين معنيا بتقصي أخباره وأخبار أبيه، يدل على ذلك ما روي عنه- المرجع السابق، ص: ٢٩٧، ت: ١٢٠٤- من قوله: أبو يحيى الحماني، كان من أصل خوارزم. لكن روى عنه ابن الجنيد في سؤالاته- ص:٤٧٦، ت: ٨٣٤- ما يبدو متناقضا مع ما استفاض عنه توثيقه، إذ قال: قلت ليحيى: حدثنا الحماني، عن الفضل بن شهاب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ – قال: من لبس نعلا صفراء، لم يزل ينظر في سرور، ثم قرأ ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] . فقال يحيى: هذا كذاب. قلت: لم يأت في سؤالات ابن الجنيد ذكر ليحيى الحماني إلا في هذه الفقرة، والعبارة قد توهم أن الإشارة في (هذا) إلى الحماني، لكن هذا الأثر روي أيضا عن غير طريق الحماني، منسوبا إلى الفضل بن الربيع والفضل بن شهاب، واضطرب الرواة في كلام ابن معين تعقيبا عنه، فنقل عنه أنه قال: (كذب) وأنه قال: (كذاب) وكل من الفضل بن شهاب والفضل بن الربيع، عن ابن جريج، فيه كلام، لذلك نرجح أن جواب ابن معين لابن الجنيد ليس فيه تجريح للحماني، وإنما التجريح الذي فيه للفضل بن شهاب، وبهذا ينتفي التناقض عما روي عن الحماني.

стр. 19734

وقد وقف ابن عدي والبخاري من الحماني موقفا أقرب إلى العدل. قال ابن عدي- المصدر السابق-:يحيى الحماني، وتكلم فيه أحمد كما ذكرت، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين حسن الثناء عليه وعلى أبيه، وذكر أن الذي تكلم فيه تكلم عن حسد، ولم أر في مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير فأذكرها، وأرجو أنه لا بأس به. وقال البخاري- الضعفاء الصغير، ص: ٢٥١، ت: ٣٩٨-: يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو زكريا، يتكلمون فيه، عن شريك وغيره، سكتوا عنه. وقال- في التاريخ الكبير، ج: ٨، ص: ٢٩١، ت: ٣٠٣٧-: يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو زكريا الحماني، عن شريك، وقيس بن الربيع، ويزيد بن عطاء، وخالد بن عبد الله، يتكلمون فيه، رماه أحمد وابن نمير. وقال في تاريخه الصغير، ج:٢، ص: ٣٢٨-: ومات فيها- أي سنة: ثمان وعشرين ومائتين- يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، كوفي، كان أحمد وعلي يتكلمان فيه.

стр. 19735

قلت: ذكر عن أحمد أنه جرحه تقليدا لعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي الذي اتهمه بنقل أحاديث من كتب تركها عنده من رواية سليمان بن بلال، ثم ادعى سماعها من سليمان، وفي هذا الاتهام- إن صح- وصم للحماني بالتدليس، وبخيانة الأمانة، إذ فض أختام كتب السمرقندي بدون إذنه، وتركها أمانة عنده، والسمرقندي ليس ممن يتهم، وإن كان البخاري لم يرو عنه، وذكره في تاريخه الصغير: ج: ٢، ص:٣٦٧- في من مات سنة خمس وخمسين ومائتين، ولم يقل عنه شيئا، في حين أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي. والظاهر أن هذه العلة التي نقل عن أحمد أنه اعتل بها في شدته على الحماني، إنما هي تعلة تجنب بها الإفصاح عن العلة الحقيقية، فأحمد ﵀ كان شديد على أهل الأهواء، ملتزما بتوقير الصحابة جميعا مهما كان من تصرفات بعضهم، وكان الحماني يتهم بالتشيع، وكان يجهر بتجريح معاوية، والإنكار على عثمان، وفي بعض ما نقل عنه- إن صح- في هذا الشأن، جرأة كان ينبغي أن يصون نفسه منها، فعثمان ﵁ من العشرة المبشرين بالجنة، وممن جاء في القرآن الكريم النص صراحة برضوان الله عليهم من أهل بيعة الرضوان ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] ، وهو ﵁ مشمول بهذا النص وإن لم يحضر البيعة، لأنه كان موفدا من رسول الله ﷺ إلى مكة لمفاوضة قريش، فلا سبيل لأحد إلى الحديث فيه، وما أخذوا عنه من بعض تصرفاته- إن يكن غير واضح التناسق مع نصوص الشريعة أو مع عمل رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده- فهو من شأنه مع الله، وهو معفو عنه برضوان الله عليه، وبتبشير رسول الله ﷺ إياه بالجنة، فلا مجال لأي مسلم صحيح الإسلام صادق الإيمان، أن يتحدث فيه أو عنه إلا بالخير.

стр. 19736

أما معاوية، فالأفضل الإمساك عنه، لأن رسول الله ﷺ استكتبه بعض الوحي أحيانا، وفي غير الوحي من شؤونه، ولأنه رأى رسول الله ﷺ وقضى فترة من حياته قريبا منه، ولا نحسب أن عينا رأت رسول الله ﷺ وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ستمسها النار، أما ما كان منه، لا سيما انشقاقه عن علي ﵁ وحربه معه، ورفضه بيعته، وما تلا ذلك إلى إرغام الناس على البيعة لابنه يزيد، فأمره إلى الله، ولولا كتابته لرسول الله ﷺ والفترة التي عاشها قريبا منه لكان للمسلمين معه موقف ... ولكن مرة أخرى لا نظن أن عينا رأت رسول الله ﷺ وتشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمدا رسول الله، ستمسها النار. .

стр. 19737

قلت: إذا صح هذا الأثر (١) ، فإن عليا ﵁ اتخذ من اختلاف كمية حليب المرأتين، وهو أمارة لا غير- قرينة اعتمدها في حكمه، وقد يتفق العلم الحديث مع علي في اعتبار هذا الاختلاف، وقد لا يتفق معه، لكن عليا على أية حال، اعتمده، والذي يعنينا من اعتمادنا له أنه ﵁ اعتبر الأمارة قرينة صالحة للاستدلال في الحكم عند فقدان أية بينة أو قرينة ترجحها. ومنها ما نقله المزي (٢) من غير إسناد- عن أبي بكر بن عياش، قال: عن عاصم، عن زر بن حبيش: جلس رجلان يتغذيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغذاء بين أيديهما، مر بهما رجل، فسلم، فقال: اجلس للغذاء، فجلس وأكل معهما، واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضا مما أكلت لكما ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الأرغفة الخمسة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: والله لا رضيت منه إلا بمر الحق، فقال علي ﵁: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة دراهم، فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، هو يعرض على ثلاثة، فلم أرض، وأشرت علي بأخذها، فلم أرض، وتقول الآن: إنه لا يجب لي في مر الحق إلا درهم؟ فقال له علي: عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، ولا يجب لك في مر الحق إلا درهم، فقال له الرجل: فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل، فتحملون في أكلكم على السواء؟ قال: بلى، قال: فأكلت أنت الثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية وبقى له سبعة، وأكل لك واحد من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرجل: رضيت الآن.

стр. 19738

والقرينة التي اعتمدها علي ﵁ في هذا الحكم الذكي البديع، هي اعتبار العدد المستخلص من القسمة التي لا يتعين غيرها في هذا الموقف، وما يدل عليه من أمارة، فلا سبيل إلى معرفة المقدار الذي أكله الأعرابي من خبز صاحب الثلاثة أرغفة، والذي أكله من خبز صاحب الخمسة أرغفة، والأعرابي دفع لهما ثمانية دراهم على عدد الأرغفة التي وجدها عندهما والتصور السليم أنه استهلك من مجموع الأرغفة استهلاكا متماثلا، أو غير قاصد إلى أرغفة هذا أو أرغفة ذاك، والاستنتاج الصحيح، ولا يصح أي استنتاج غيره، هو ما انتهى إليه علي ﵁ من تقسيم الأرغفة إلى أربع وعشرون جزءا، وقسمتها إلى ثلاثة، فلا يكون لصاحب الأرغفة الثلاثة أكثر من درهم واحد، إذ لا يتصور أن يكون الأعرابي استهلك من أرغفة صاحب الثلاثة مثل ما استهلك من أرغفة صاحب الخمسة، بل المتصور أن يكون صاحب الأرغفة الثلاثة قد استهلك من أرغفة صاحب الخمسة، ومع هذا فلا يمكن الجزم بشيء، وحكم علي ﵁ حكم بقرينة الأمارة، ولا سبيل إلى غيره. وقد تكون رائحة الخمر أبرز الأمارات التي قضى بها أصحاب رسول الله ﷺ ومن أوثق ما ورد في هذا الشأن، صنيع ابن مسعود ﵁ في القصة التي رواها الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: كان ابن مسعود بالشام، فقالوا: اقرأ علينا، فقرأ سورة يوسف، فقال رجل من القوم: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: ويحك، والله قد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال لي: ((أحسنت)) ، فبينا هو يراجعه، وجد منه ريح خمر، فقال عبد الله: أتشرب الرجس، وتكذب بالقرآن؟ لا أقوم حتى تجلد الحد، فجلد الحد

стр. 19739

تعليق: أخرجها عبد الرزاق - المصنف، ج:٩، ك: الأشربة، ب: الريح، ص: ٢٣١، ح: ١٧٠٤١- واللفظ له. وأخرجها: الحميدي- المسند، ج: ١، ص: ٦٢، ح: ١١٢- فقال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، فذكره. وأحمد - المسند، ج:٦، (مؤسسة الرسالة) ، ص: ٧١، ح: ٣٥٩١- فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنه قرأ سورة يوسف بحمص، فقال رجل: ما هكذا أنزلت! فدنا منه عبد الله فوجد منه ريح الخمر، فقال: أتكذب بالحق، وتشرب الرجس؟! لا أدعك حتى أجلدك حدا، قال: فضربه الحد، وقال: والله لهكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ والبخاري- الصحيح، ج:٤، ك (٦٩) فضائل القرآن، ب (٨) القراء من أصحاب النبي ﷺ ، ص: ١٦١٣، ح: ٥٠٠١- فقال: حدثني محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، فذكره. ومسلم - الصحيح، ج:١، ك (٦) صلاة المسافرين وقصرها، ب (٤٠) فضل استماع القرآن ... ، ص: ٥٥١، ح: ٨٠١- فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش فذكره. والنسائي - السنن الكبرى، ج:٥، ك (٧٥) فضائل القرآن، ب (٥٦) قول المقرئ للقارئ: أحسنت، ص: ٢٩، ح: ٨٠٨٠/١- فقال: أخبرنا علي بن خشرم، قال: أنبأ عيسى، عن الأعمش، فذكره. والبزار- البحر الزخار (المسند) ، ج: ٤، ص: ٣١٦، ح: ١٤٩٩- فقال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، فذكره. و ج: ٥، ص: ١٧٨، ح: ١٧٧٥: حدثنا أحمد بن سنان، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، أن عبد الله كان بحمص، فقرأ سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت، قال: ثم شم منه ريح الخمر، فقال: تشرب الرجس وتكذب الوحي.

стр. 19740

وأبو يعلى – المسند، ج: ٨، ص: ٤٧٨، ح: ٥٠٦٨- فقال: حدثنا عبد الغفار، حدثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: أتيت حمص، فقال لي نفر منهم: يا أبا عبد الرحمن، اقرأ علينا، فقرأت سورة يوسف، فقال لي رجل: ما هكذا أنزلت، قفلت له: ويحك، والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال: ((أحسنت)) قال: فبينا أنا أراده بالكلام، إذ وجدت منه ريح الخمر، فقلت له: أتشرب الرجس وتكذب بالقرآن؟ لا جرم، لا تبرح حتى أجلدك حدا، فجلدته حدا. و ج: ٩، ص: ١٢٢، ح: ٥١٩٣: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا محمد بن خازم، حدثنا الأعمش، فذكره. والطبراني- المعجم الكبير، ج:٩، ص: ٣٤٤، ح: ٩٧١٢- فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن الأعمش، فذكره. والبيهقي- السنن الكبرى، ج: ٨، ك: الأشربة والحد فيها، ب: من وجد منه ريح شراب ... ، ص: ٣١٥- فقال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل، حدثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، فذكره. .

стр. 19741

وقد أثار بعض الفقهاء والمتفقهة شبهات حول هذا الأثر، منها: كيف تولى ابن مسعود ﵁ بنفسه الأمر بإقامة الحد على ذلك الذي وجد منه رائحة الخمر، أو وجدها منه بعض أصحابه على اختلاف الروايات. مع أن إقامة الحد والأمر به من خصائص المسلمين، أو من ينوبه، وحاولوا بهذه الشبهة أن يريبوا في هذا الأثر، وهي محاولة ساذجة، إذ تقوم على إهمال حقيقة كانت قائمة في ذلك العهد، ما كان ينبغي أن تخفى على أحد، وهي أن صدور أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في عهد الخلفاء الراشدين، يقوم الواحد منهم مقام الخليفة، دون أن يكون بحاجة إلى أحد منهم في تنفيذ شرع الله وإقامة حدوده. وربما نقض أحدهم أمر الخليفة بمشهد منه، فلا يعترض عليه، وأكثر ما كان يحدث ذلك من علي في عهد عمر ﵄ وكان عمر ينزل عند مشورتهم، وابن مسعود ﵁ في مقدمة هؤلاء الصدور، ثم إن الواقعة لا يحتمل أن تكون وقعت في عهد عمر، فما كان أحد كان يجرؤ في عهده وأبو عبيدة عامر بن الجراح على الشام، أو يزيد بن أبي سفيان، أو حتى معاوية نفسه، على أن يشرب الخمر، ولا يتحرج في أن تشتم رائحته منه إذا شهد مجامع الناس، وإن كانوا من العامة، فكيف بمجمع يشهده أو يتصدره مثل عبد الله بن مسعود.

стр. 19742

ونكاد نجزم بأن هذه الواقعة وقعت في عهد عثمان ﵁ إذ كان معاوية الحاكم المطلق في الشام، ليس لعثمان معه إلا الاسم من الناحية العملية، وكان بين ابن مسعود وعثمان ما كان من خصام، فهو لذلك لا يرجع إليه، فضلا عن أن يرجع إلى معاوية، وما كان معاوية ليجرؤ على اعتراض أمر يصدره ابن مسعود وأمثاله ممن لم يزالوا أحياء من صدور أصحاب رسول الله ﷺ . ولا نعرف لابن مسعود سفرا إلى الشام في عهد عمر، وعلقمة راوي الواقعة من صدور أصحاب ابن مسعود، وقد توفي ﵀ ما بين اثنين وستين وخمس وستين من الهجرة، ومع أن بعضهم قال إنه عمر تسعين سنة، فالراجح أنه كان يلازم صحبة ابن مسعود منذ عهد عمر، على أن مدرسة الكوفة التي كان محورها ابن مسعود، إنما ترعرعت لأوائل عهد عثمان، لهذا كله، نرى بأن تلك الشبهة التي أثاروها لا سبيل إلى اعتبارها. أما أن الخبر خبر آحاد، فشبهة لا ينبغي الالتفات اليها، لأننا لو اطرحنا أحاديث وأخبار الآحاد، لاضطرنا إلى أن نحكم الرأي في معظم أحكام شريعة الله، وهذا هو الضلال المبين.

стр. 19743

وتصرف ابن مسعود هذا، يقرر قاعدة قول تقطع كل متأول أو متفقه، وهي أن الرائحة- وإن تكن قرينة لا ترقى إلى درجة شهادة الشهود أو الإقرار الاختياري، فهي قرينة قاطعة معتمدة في إقامة حد الله علي شارب الخمر، دون حاجة إلى البحث عن وسيلة للإشهاد عليه أو لحمله على الإقرار، بل إنها في تقديرنا حجة، ولا يجب نقضها، كما يمكن نقض الشهادة بالنكول أو الإقرار بالعدول عنه، وادعاء صدوره اضطرارا. ولم يكن ابن مسعود- ﵁ ولا من معه بحاجة إلى اكتشاف ما إذا كانت الرائحة التي وجدوها من ذلك الشارب رائحة خمر من عصير عنب أو غيره، حسبهم أنها ما اعتبروه خمرا مسكرا، وفي ذلك تطبيق لما ورد عن رسول الله ﷺ من طرق لا مجال إلى الغمز فيها من قوله: ((كل مسكر حرام))

стр. 19744

تعليق: الحديث من رواية ابن عمر. أخرجه: ابن أبي شيبة - الكتاب المصنف، ج: ٧، ك: الأشربة، ب: من حرم المسكر ... ، ص: ١٠١، ح: ٣٧٩٢- قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((كل مسكر حرام)) قال: وقال ابن عمر: كل مسكر خمر. وص: ١٠٤- ١٠٥، ح:٣٨٠٢-: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، فذكره. وأحمد - المسند، ج:٨، (طبعة مؤسسة الرسالة) ، ص: ٢٦٨، ح: ٤٦٤٤- فقال: حدثنا يحيى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، فذكره. والترمذي - الجامع الكبير، ج: ٣، أبواب الأشربة، ب (٢) ما جاء كل مسكر حرام، ص: ٤٤١، ح: ١٨٦٤- فقال: حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عمرو، فذكره.

стр. 19745

وتعقبه بقوله: هذا حديث حسن، وقد روي عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه وكلاهما صحيح..ورواه غير واحد عن محمد بن عمر عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه، وعن أبي سلمة عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . .. .. .. .. والنسائي - السنن الكبرى، ج: ٣، ك (٤١) الأشربة، ب (٢٤) تحريم كل شراب أسكر، ص: ٢١٣، ح: ٥٠٩٧/١ – فقال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمرو، فذكره. وابن ماجة- السنن، ج:٢، ك (٣٠) الأشربة، ب (٩) كل مسكر حرام، ص: ١١٢٣، ح:٣٣٨٧- فقال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا يحيى بن الحارث الذماري، سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يحدث عن أبيه، فذكره. وأبو يعلى- المسند، ج:١٠، ص: ١٨٩، ح: ٥٨١٦- فقال: حدثنا محمد بن بكار أبو عبد الله، حدثنا أبو معشر، عن نافع، فذكره. وابن حبان- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، علاء الدين الفارسي، ج:١٢، ك (٤١) الأشربة، ص: ١٩٦، ح: ٥٣٧٥- فقال: أخبرنا عبد الله بن محمود بن سليمان السعدي بمرو، قال: حدثنا حبان بن موسى السلمي، قال: أخبرنا عبد الله، عن ابن عجلان، عن نافع، فذكره.
следующие страницы →