← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19776–19815 · переход к 19781.

стр. 19776

وابن أبي شيبة- الكتاب المصنف، ج: ١٠، ك: الحدود، ب (١٤٨٠) في رجل يوجد منه ريح الخمر، ما عليه؟، ص: ٣٧- ٣٨، الأثر:٨٦٧٧- من طريق ابن أبي ذئب، مختصرا، فقال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، أن عمر كان يضرب الحد. والبخاري- الصحيح، ج: ٤، ك (٧٤) ، ب (١٠) الباذق، ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة، ص: ١٧٩٦- تعليقا، فقال: وقال عمر: وجدت من عبيد الله ريح شراب، وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته. وأخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، قال ابن حجر - فتح الباري، ج: ١٠، ص: ٥٧: عن ابن عيينة، عن الزهري، سمع السائب بن يزيد يقول: قام عمر على المنبر، فقال: ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابا، وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر حددتهم، قال ابن عيينة: فأخبرني معمر، عن الزهري، عن السائب، قال: فرأيت عمر يجلدهم. والبيهقي- المصدر السابق، ص: ٣١٥- فقال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب- ﵁ خرج فصلى على جنازة، فسمعه السائب يقول: إني وجدت من عبيد الله وأصحابه ريح شراب، وأنا سائل عما شربوا، فإن كان مسكرا حددتهم، قال سفيان: فأخبرني معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد أنه حضره يحدهم.

стр. 19777

وقد حاول بعضهم أن ينكر اعتبار الرائحة قرينة، اعتمادا على ما حاول عبيد الله بن عمر أن يتملص به. من إقامة الحد عليه، إذ ادعى أنها ليست رائحة خمر، وإنما هي رائحة الطلاء، وكأنه يجهل أو يتجاهل ما كان مجمعا عليه يومئذ، من اعتبار كل مسكر خمر وكل خمر حرام فقال هؤلاء: إن من الفاكهة ما تكون رائحته من آكلها كرائحة الخمر، وبذلك ناقضوا أنفسهم وهم لا يشعرون، فهؤلاء أنفسهم القائلون بأن الخمر هو عصير العنب فحسب، وأن الحد لا يقام على من شرب غيره إلا إذا سكر، فوقعوا من تناقضهم في مأزق مضحك، فالرائحة المنبعثة من آكل العنب لا تشبه رائحة عصير العنب إذا صار خمرا، لأنها تكون عندئذ حادة جدا، لا كرائحة آكل العنب فاكهة، وكان الأولى بهؤلاء أن يلبسوا على الناس دينهم بالقول بأن الرائحة المنبعثة قد تكون رائحة شارب الخل، لكنهم لم يفعلوا، ولله الحمد.

стр. 19778

وإنما وقفنا مع اعتبار رائحة الخمر قرينة يقام الحد على من انبعث منه، لأن هذا الاعتبار ينسحب أيضا- وإن كان بشكل قد لا يبلغ إيجاب الحد، بل ينحصر أثره في إيجاب التعزير - على من ضبط حاملا بين أمتعته قوارير مملوءة خمرا، أو ضبطت في منزله، لا سيما في المرافق التي يوضع فيها عادة ما هو مهيأ للاستهلاك، مثل وسائل التبريد، إذ لا ريب في أن وجود قوارير خمر مع شخص يحمله أو في منزله أو في أمتعته وهو مسافر، أو ضبطه يشتري خمرا من خمارة أو بقال يبيع الخمر، أو مما يعرض على الركاب في الطائرات أو في القطارات، قرينة تبلغ حد القرينة القاطعة- حسب التعبير القانوني الحديث- على أن له علاقة بالخمر، فإن لم يكن شاربا لها، فهو معد أو حامل لها لغيره، وحسبه ذلك ليتأهل للتعزير، ثم إذا وجدت لديه قارورة خمر مفتوحة في ثلاجة منزله، فمن العسير أن تقبل منه دعوى أنه لا يشرب الخمر، وإنما أعدها لضيوفه، لا سيما إذا لم يكن ممن قد يستضيف غير المسلمين، إذ ليس من كبار التجار، ولا من كبار رجال الأعمال الذين يتعاملون مع غير المسلمين. والذي نراه أن من وجدت في منزله قارورة خمر مفتوحة، يقام عليه الحد، لأنها قرينة على أنه يشرب الخمر، وإن لم تنبعث من فمه رائحة عند العثور عليها، إلا إذا وجدت قرينة أخرى ترجح احتمال أن يكون شخص آخر جار له أو صديق قد تركها عنده، فإن وجدت هذه القرينة، وجب تعزيره. وجميع أنواع المسكرات سواء في ذلك، ما كان منه عصير عنب، وما كان عصير شعير أو تمر أو ذرة أو تفاح، أو أي نوع من الفاكهة، أو مركبا من عصير من عدد من الفواكه، أو غيرها، إلا إذا أثبت التحليل الكيميائي أنه خال من المادة المسكرة (الكحول) .

стр. 19779

وعندنا أنه لا يقبل ممن وجد عنده أي نوع من المسكرات، أو انبعثت منه رائحة له، أن يزعم أنه متأول على مذهب العراقيين، ومن لف لفهم من أصحاب الرأي، بما حاولوا ادعاءه تأولا من الفرق بين عصير العنب وغيره، من تعلات لاستباحة الأنبذة، وما ترتب عنها من مفاسد اجتماعية لا حصر لها، كانت من اهم أسباب انهيار الخلافة العباسية، لأننا نرى أنه إذا كان لأولئك الأولين يومئذ عذر في أن حديث ((كل مسكر حرام)) ((وكل مسكر خمر وكل خمر حرام)) ((وما أسكر كثيره فقليله حرام)) لم يثبت عندهم واعتبروه آحاديا وزعموا أنهم لا يعملون بأحاديث الآحاد، ولم تتبين لهم استفاضته أو تواتره لتوزع رواته، نتيجة للفتوحات وتحكم المسافة يومئذ بين الأقطار، وفي التواصل العلمي، فإن هذا العذر لا وجود له اليوم، وقد يسر الله لنا- وله الحمد والشكر كما يحبه ويرضاه- جمع مختلف روايات الحديث النبوي الشريف، مهما تعددت أسانيدها، وتمحيص تلك الأسانيد بعيدا عن المؤثرات الشخصية والسياسية. فكان مما قامت علينا به الحجة القاطعة، أن حديث ((كل مسكر خمر وكل خمر حرام)) وما شاكله، إن لم يكن متواترا لفظا ولا معنى، فلا أقل من أنه مستفيض استفاضة ترتفع به عن أن يكون مجرد آحادي، فتنقطع الحجة بذلك حتى على من يحاول التملص من الالتزام بالسنة النبوية، بادعاء عدم حجية الحديث الآحادي.

стр. 19780

وبيان ذلك أن حديث ((كل مسكر حرام)) رواه ثمانية من الصحابة: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن قيس الأشعري أبو موسى، وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وعبد الله بن عباس الحبر، وقرة بن إياس أبو معاوية، وعائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين. وانفرد عبد الله بن عمر بن الخطاب برواية حديث ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) . ولا نراه إلا النص الأوفى لحديث ((كل مسكر حرام)) وحديث ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) ، رواه سبعة من الصحابة، هم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص خال رسول الله ﷺ ، وخوات بن جبير، وزيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين (١) . ورجال أسانيد هذه الأحاديث جميعا ممن لم تثبت عليهم تهمة الكذب، وممن تكلم فيهم مثل: أبي معشر وعبد الرحمن بن زياد بن نعم، وزياد ابن أبي الجصاص لم يتهموهم بالكذب، وإنما وصفوهم بالوهم وباضطراب الأسانيد، إلا ما كان من قول نصر بن طريف أبي جزء: (أبو معشر أكذب من في السماء ومن في الأرض) (٢) ، وهو قول مردود عليه، ولا نريد أن ننقل ما قال فيه من اشتدوا عادة في التجريح، حسبنا ما قاله فيه ابن عدي (٣) في آخر ترجمته له وهو الملتزم دائما بالاعتدال واجتناب القول السئ، والتزام الأسباب إلى تبرئة من تكلموا فيه، ما أمكنه بعد أن نقل جملة من أقوالهم فيه، وأسند إليه طائفة من الأحاديث: (ولأبي جزي غير ما ذكرت من الحديث من المناكير وغيره، وربما يحدث بأحاديث يشارك فيها الثقات، إلا أن الغالب على روايته أنه يروي ما ليس محفوظا، وينفرد عن الثقات بمناكير، وهو بين الضعف، وقد أجمعوا على ضعفه) .

стр. 19781

فمن ينبغي أن يقال عنه (أكذب من في السماء ومن في الأرض) نصر بن طريف أبو نجيح بن عبد الرحمن السندي أبو معشر؟!. ويتحصحص لنا من كل هذا أن حديث ((كل مسكر خمر وكل خمر حرام)) وما في معناه، لا ينزل عن مستوى المتواتر، إلا عند من يشترط فيه شروطا ما أنزل الله بها من سلطان، وإن كانوا جمهرة الأصوليين. ونتيجة لذلك، فإن كل أثر لتعامل شخص ينتسب للإسلام مع الخمر على اختلاف أنواعه يعتبر قرينة يترتب عليها حكم إما بتعزيره، إن لم تشر إشارة راجحة إلى تلبسه بشرب الخمر، أو بإقامة الحد عليه إن أشارت إلى تلبسه.

стр. 19782

الحيازة قرينة رأينا أن نفرد الحيازة بعنوان خاص مع أننا نراها من (الأمارات) ليس لما أبدأ فيه الفقهاء ومجتهدو التشريع الوضعي وأعادوا من صور الوقائع والحكم عليها طبقا لما توفر لمجتهدي الفقه الإسلامي من أحاديث نبوية شريفة اطمأنوا إليها واعترض لهم من أشكال وقائع واقعة أو متصورة، ولما توارثه الوضعيون من أعراف وأنظمة وتصورات وقائع أو مواصفاتها واجتهادات في الحكم عليها، فهذا البحث لا يتسع لمناقشة ما ملؤوا به الصفحات العديدة من تصورات وأحكام، وليس ذلك من شأنهم. ولكن لنوع من الحيازة لم نقف على من عارض له مع خطره، لما يترتب عليه من أحكام جلها ليس من تشريعات الأحوال الشخصية ولا من تشريعات المعاملات والشؤون المالية، بل من صميم التشريع الجنائي. بيد أننا قبل ذلك، نقف هنا عندما أبدأوا فيه وأعادوا، من تحديد المدة التي يتعين انقضاؤها لثبوت الحيازة. واستند مجتهدو الفقه الإسلامي فيه إلى أحاديث رويت عن رسول الله ﷺ جلها لا سبيل إلى الإربة في أنها نصوص تشريعية، فهي بلا مراء مصادر للتشريع في هذا المجال. بيد أن من اعتمدوها وفرعوا عنها أحكاما، أغفلوا عاملا هاما وجوهريا، كان ينبغي أن يلتزموه في تأويلها، ولعلهم التزموه في أزمانهم وظروفهم، وهي شبيهة بنسب متفاوتة بالعهد النبوي وظروفه، ولكن متفقهة هذا العصر درجوا على اجترار وترجيع مقولاتهم دون أن يلتفتوا إلى التغيير الجوهري الذي أحدثته المرحلة الحضارية للإنسان في مجموع ظروفه المعاشية، وأبرزه في هذا المجال تحول الكوكب الأرضي- وقريبا تحول المجموعة الشمسية- إلى ما يشبه العلبة الصغيرة، يتواصل الناس بين أصقاعها آلاف المرات في ثواني معدودات، فكيف يخضع تحديد مدة الحيازة في هذه الظروف للأساس الذي كان يخضع له يوم كان الانتقال من مكة إلى المدينة يستلزم مدة ما بين ثلاثة أيام وسبعة أيام، وكانت الرسالة قد يرسلها أحد فيرزق بولده، ولم يكن حين إرسالها متزوجا قبل أن تصل إلى من أرسلها إليه.

стр. 19783

ما من شك في أن تحديد مدة الحيازة وتعيين مواصفاتها، بل وتصور بعض أشكالها، تجب إعادة النظر فيها لتتطابق الأحكام والصيغ التي ينتهي إليها مع مقتضيات هذه الظرف الذي تغيرت فيه حياة البشر تغيرا جوهريا، وبدون ذلك تتعطل الكثير من الحقوق، وليس هذا مجال بسط القول في هذا الشأن. ونعود إلى ما نقصد إليه من التعرض لقرينة الحيازة في هذا البحث، لا سيما ما يترتب عنها من أحكام تتصل بالتشريع الجنائي، وهذا مثال لهذا النوع من الحيازة: لو أن شخصا وجد عنده سلاح في المسجد أو في مجمع من الناس، في ظرف لا توجد فيه أية علامة على احتمال حدوث ما يخل بالأمن فيه، أو في حافلة للركاب، أو في القطار، أو في طائرة، أو في باخرة، فلما سئل عن هذا السلاح، زعم أنه ليس ملكا له، وإنما هو ملك لغيره ممن ليس حاضرا معه في ذلك المكان وذلك الزمان، فهل تعتبر دعواه أم ترفض؟ ويعتبر حائزا لذلك السلاح حيازة ملك أو تصرف، مع ما يترتب عن هذا الاعتبار من احتمالات وأحكام؟ ولو صدقناه أو جاء بقرينة على وجاهة احتمال صدقه، فإن ذلك لا ينفي التساؤل عن علة حمله ذلك السلاح في ذلك المكان في ذلك الظرف. ولو كان شريكا مع غيره في غرفة من غرف الباخرة، أو على كرسي من كراسي الطائرة أو الحافلة، أو جليسا لغيره في المسجد أو المحفل، فادعى أن السلاح ليس ملكا له، وإنما هو ملك لشريكه أو جليسه ذلك، وأنكر الشريك أو الجليس أية علاقة بذلك السلاح، وعن الفحص الكيميائي، وجدت بصماته على ذلك السلاح، ولم توجد بصمات شريكه، فكيف يكون الحكم. ثم لو وجدت بصمات شخص آخر غيره وغير شريكه، فكيف يكون الحكم. ثم لو وجدت بصمات شخص آخر غيره وغير شريكه، وتبين أنه كان يمسك ذلك السلاح حين وضعه بين ثيابه أو في أمتعته بلفافة، فمن يكون المالك لذلك السلاح، إذ أن تحديد مالك السلاح يبتدئ منه تحديد المسؤولية الجنائية، لا سيما إذا كان من وجد عنده السلاح مشبوها أو مراقبا من المسؤولين على حفظ الأمن.

стр. 19784

فإن اعتبرنا وضع اليد قرينة على الحيازة واعتبرناه المالك أو المتصرف في ذلك السلاح تعين اعتبار من وجدت بصماته عليه، شريكا في مسؤولية حمل السلاح في مكان وظروف لا تتعين فيها الحاجة إلى حمله، وما يترتب عن ذلك من احتمال القصد الجنائي. وإذا كان الشخص مريبا، فإن من وجدت بصمات أصابعه على ذلك السلاح، يتعين وضعه في قائمة المشبوهين باعتباره مزودا له به تزويد تمليك أو تزويد تيسير لمهمة اتفقا عليها وتولى أمر تنفيذها حامله. وإذا ضبط هذا السلاح عند حامله في مكان محاط بكل وسائل الاحتراس، من تسرب ما من شأنه الإخلال بالأمن إلى داخله، برزت تهمة تهريب السلاح والتحايل على وسائل الأمن لسبب غير مشروع، وهي المرحلة الأولى للاتهام بمحاولة استعمال العنف لقصد جنائي سواء كان الغصب أو القتل العمد. ويترتب على هذا الاتهام تقصي القرائن ومحاولة الاهتداء إلى البينات التي تؤدي إلى تكييف الجناية المقصودة أو المشتبه في القصد إليها، طبقا للزمن والظرف اللذين ضبط فيهما السلاح، مما قد يؤدي إلى إثبات القصد الجنائي المخل بالأمن العام، إما لطمع في مال أو لدافع شخصي لجناية من جنايات الحق العام أو للحرابة، وهي احتمالات ثلاث، لكل منهما حكمها سواء على من ضبط عنده السلاح أو على من قامت الشبهة بمشاركته له، أو تآمره معه لوجود بصماته على ذلك السلاح، أو لوجود السلاح مقرونا بوثيقة تثبت ملكيته له، مثل وثيقة الشراء أو دفع قيمته.

стр. 19785

لكن لو فرضنا أن من وجدت بصماته على السلاح أو وثيقة تثبت ملكيته له ممن لا يتطرق الشك إلى نزاهته، ولا سبيل إلى الاشتباه فيه، فبرز احتمال سرقة ذلك السلاح منه، ولم يكن قد أبلغ ذوي الاختصاص عن أنه قد سرق منه، فهل يتعين صرف النظر عن اتهامه وحصر الاتهام في من وجد معه السلاح أو اعتباره مشتبها فيه لملكيته الثابتة له. هذه وأمثالها تصورات وأسئلة تنطلق من مبدأ الحيازة قرينة ما لم تثبت قرينة أرجح منها أو بينة على أنها لا تدل على الملكية. ومما يترتب على هذه الصورة، الترجيح بين قاعدة درء الحدود بالشبهات وقاعدة ثبوت الحيازة بوضع اليد. ولا يعنينا هنا أن تكون حيازة ملك أو حيازة القدرة على التصرف، وهما نوعان من الحيازة يتعين التمييز بينهما لتصور ما ينتج عنها من أحكام وحقوق. في مثل هذه الأحوال يتبادر التعارض بين قاعدة الحكم بظواهر وقاعدة اعتبار القرائن أدلة، منها ما يعتمد ومنها ما يستأنس به عند انعدام البينات.

стр. 19786

ويصير بنا البحث في هذا الموضوع إلى تحرير القول في موضوع البصمات، هل هي قرائن، فإن تكن قرائن فهل هي من نوع القيافة أو من نوع الأمارات، في ما يكون فيه الفرق بين الأمارة والقيافة مثل رائحة الخمر وآثار الدم على ثياب المشتبه فيه أو سلاحه، والحمل عند غير المتزوجة أو الغائب عنها زوجها من أمد بعيد. الذي يتراءى لنا أنها أقرب إلى القيافة، لكن هل اعتبارها قرينة في مثل اعتبار القيافة؟ هذا محل نظر يرد تحريره إلى الخبراء، فإذا تبين أن بصمات شخص لا تتماثل تماثلا تاما مع بصمات شخص آخر، أو يندر ندرة شديدة أن تتماثل، أمكن اعتبار قوتها في الدلالة مشاكلة لقرينة القيافة في مثل الأقدام، كقصة زيد بن حارثة وابنه أسامة (١) . أما إذا تبين أن تماثل بصمات شخصين أيسر من تماثل أقدام شخصين وإن كانا من نسب قريب، انحصر اعتبار البصمات قرينة في أنها شبهة قد تساعد المحقق في قضية مالية أو جنائية على الاهتداء إلى وسيلة يستطيع بها اكتشاف الحق أو الحقيقة لا أكثر.

стр. 19787

ويترتب على ذلك، التساؤل هل الأمي والأعمى إذا وجد توقيعه على وثيقة ببصمة من أصبعه، وغالبا تكون من الإبهام، تعتبر تلك الوثيقة حجة له أو عليه أم لا؟. إن تأكد من الخبراء ذوي الاختصاص في أوصاف أعضاء الإنسان وآثارها وارتسامها بالتصوير أو اللمس، عدم أو ندرة تماثل بصمات شخصين، وجب اعتبار تلك الوثيقة ملزمة له أو عليه، أما إن لم يتأكد ذلك منهم، كان في اعتبارها نظر، وإن كان الفقهاء والمشرعون الوضعيون قد أثاروا مثل هذه الشبهة في اعتبار الخط وثيقة، لكن هذه الشبه تضاءلت – ولعلها زالت تماماً – بتقدم الخبرة في تمييز الخطوط إلى درجة تبلغ نتائجها – أو تكاد – حد اليقين. فإن أمكن للخبراء أيضاً تمييز البصمات بهذه الدرجة وجب اعتبار تلك الوثيقة وثيقة قانونية له أو عليه.

стр. 19788

يترتب عن هذا كله، تحديد المسؤولية الجنائية لمن وجدت بصماته على سلاح استعمل في جريمة وهو غائب زماناً ومكاناً عن مكان وقوع الجريمة، غيبة لا لبس فيها، ولا يمكن احتمال وجوده عند وقوع الجريمة وشهوده لها، ثم رجوعه إلى حيث كان بعيداً. فإذا تأكد اعتبار البصمات قرينة مؤثرة، تعين اعتباره مسؤولاًً مسؤولية كلية أو جزئية حسب ما تدل عليه قرائن أخرى في تلك الجريمة، إذ لو تأكدت غيبته زماناً ومكاناً عند وقوعها غيبة قاطعة لا ريب فيها، فكيف يتأكد أنه بعيد عن تدبيرها وتيسير الأداة التي استعملت فيها. بيد أنه إذا لم توجد قرينة أخرى تؤكد اشتراكه في المسؤولية وادعى أن السلاح سرق منه، ولم يكن من ذوي الشبهات، كان توجيه المسؤولية إليه – وإن جزئيا – أمراً لا يخلو من تعسف. بيد أنه إن أمكن هذا الاعتبار في السلاح، فقد لا يمكن في الحقيبة توجد عند شخص مملوءة بالمتفجرات، تحايل على الإفلات بها من الرقابة البشرية والتقنية، ووضعها مع أمتعته في الطائرة أو في القطار، أو حملها بيده وفيها بصمات غيره، أو في داخلها مع المتفجرات شيء من أمتعة غيره. لا مراء في احتمال السرقة وارد في هذه الصورة أيضاً، لكنه يبدو أبعد منه في الصورة الأخرى.

стр. 19789

وشبيه بهذه الصور، حيازة منقول مما يستعمل عادة، تتعارض مع قرائن تدل على ملكية غير من وجد في حوزته له، لكنها قرائن لا ترقى إلى مستوى البينات، فهل تكون دليلاً على السرقة؟. ما من شك في أن من وجدت قرائن على أنه المالك له، قد أعلن سرقته منه ترجح اعتبار المنقول مسروقا، ونقول (ترجح) ، لأنه قد يدعي من وجد عنده، أنه اشتراه من غيره أو من مالكه الذي يدعي سرقته. أما إذا لم يدع من تدل قرائن على ملكيته له سرقته؟ فهل يعتبر وضع اليد دليلاً شرعياً على انتقال الملكية منه إلى من وجد عنده. تتجلى هذه الصورة في السرقة من بعض المحلات التجارية الكبرى التي لا يتيسر اكتشاف السرقة فيها، لوفرة البضائع الموجودة، وغالباً ما تكون لبضائعها علامات خاصة بها تعين مصدرها على سبيل الإعلان والإشهار، بيد أنها لا تبيع إلا بمصاحبة كشف الحساب لما تبيع، ولم يوجد كشف الحساب عند من وجد لديه شيء من مبيعاته، ولم يستطع إثبات شراء ما وجد لديه أو الحصول عليه بهبة، أو غيرها من الوسائل المشروعة، وهو من المشبوهين، فهل تبرؤه الحيازة من شبهة السرقة، فينجو من قطع يده بناء على درء الحدود بالشبهات. في ذلك نظر، لأن قاعدة درء الحدود بالشبهات إنما يتعين تطبيقها حين يكون المشتبه فيه ليس من المريبين، بيد أن تطبيق الحدود أيضاً في غير الخمر، لا يجوز بالقرائن، وفي مثل هذه الحال يتعين حبس من وجد لديه المنقول وهو من المريبين إلى أن يثبت مصدره أو براءته، فلا تقطع يده ولا تخوله قرينة الحيازة حق ملكية ما وجد لديه.

стр. 19790

بقيت شبهة أخرى في اعتبار قرينة الأمارات، وهى ما صارت إليه بحوث المختصين في محاربة الجريمة، من استحداث أجهزة تسجل انفعالات المتهم عند التحقيق معه، فهل يعتبر ما تسجله قرائن معتمدة. لسنا ندري إن كان في إمكان هذه الأجهزة أو من يستعملونها، التمييز في ما تسجله بين رسوم الانفعالات الخوف ورسوم انفعالات الحذر، فلا مراء في أن المشتبه فيه – مهما يبلغ جأشه أو يقينه ببراءته قوة – يستشعر الخوف على الأقل من أن ينحرف التحقيق عن جادة الحق فيوجه إليه الاتهام، فإذا لم يتيسر التمييز في ما تسجله هذه الأجهزة بين انفعالات الخوف وانفعالات الحذر، كان اعتبار تسجيلاتها وسيلة للتظلم بقدر ما يمكن أن تكون وسيلة للكشف عن الجريمة وتعيين المجرم. يضاف إلى ذلك أن الالتجاء إلى هذه الأجهزة لا يجوز في الشريعة الإسلامية، إلا في مواجهة من عرف بالإجرام أو قوي الاشتباه فيه، لأنه مجرم يملك من الذكاء والمكر ما يفلت به عادة من إثبات الإجرام عليه، لأن الإقرار نفسه، أو بالأحرى الاعتراف – وهي العبارة التي يجب استعمالها في التشريع الجنائي – إذا صدر في ظرف لا يمكن اعتباره اختيارياً كحال التهديد أو إغلاظ المحقق للقول على المتهم أو التلويح باستعمال العنف، لا يعتبر اعترافاً ملزماً، إلا أن يصر عليه صاحبه أمام القضاء حين يزول كل أثر لذلك الظرف ويصبح الاعتراف اختيارياً محضاً بناء على قاعدة (درء الحدود بالشبهات) . بيد أن هذا ينحصر في الحدود لما له من أثر بعيد عميق على مستقبل حياة المتهم وعلى المجتمع قاطبة، أما في ما دون الحدود، من موجبات التعزير، فالشأن فيه مختلف، فلو طبق مبدأ درء الحدود بالشبهات تطبيقاً عاماً شاملاً، لأفلت الكثير من الجناة مما من شأنه أن يردعهم عن الإساءة لأنفسهم وللمجتمع.

стр. 19791

ومع ذلك، فإن الالتجاء عند التحقيق في جناية ما إلى إجراء عملية جراحية، يترتب عنها فقد المتهم لكل قدرة على كتمان ما في نفسه، أو إلى التخدير، أو إلى استعمال التنويم المغناطيسي قد لا يمكن القبول به إلا عند التحقيق مع كبار المجرمين ذوي السوابق التي لا ريب فيها، وإن كانت النتائج التي ينتهي إليها التحقيق بهذه الوسائل، يتعذر – إن لم يكن يستحيل – اعتبارها من البينات، بل لا تعدو أن تكون قرائن. ونعود على موضوع الحيازة، لكن في غير ما يتصل منها بالجانب الجنائي، إذ من الحيازة أنماط بعضها لم يكن في عصر الفقهاء الأولين ولم يتيسر لهم تصورها، فلا نكاد نجد لها ركزاً في اجتهاداتهم، وبعضها كانت له بدايات في عهودهم وكانت لهم اجتهادات في تلك البدايات، بيد أنهم لم يتصوروا تطورها، فأصبحت اجتهاداتهم متجاوزة أو كالمتجاوزة، وبعضها كان في تلك العهود الأولى ولم يتطور كثيراً إلا في أشكاله، ومع ذلك لا نجد له عندهم من العناية مثل ما عالجوا به الأنماط المتجاوزة.

стр. 19792

فمن هذه الأنماط، ما أبدأوا فيه وأعادوا من طرائق الحكم في ما قد يختصم فيه الزوجان عند الطلاق، من أثاث ومتاع البيت، وهذا النمط من الشراكة بين الزوجين، لم تعد له اليوم أهميته في القديم، إنما الذي أصبح الأهم وتجب دراسته، هو ما قد يكون بينهما من شراكة في أموال، أغلى من مجرد الأثاث ومتاع البيت والملابس والحلي العادي، مثل أن تكون لأحدهما قطعة أرض، وفي الفترة الحميمية بينهما، اتفقا على إقامة عقار فيها، والجانب الذي يملك قطعة الأرض، لا يملك المال اللازم للبناء، فتولى الجانب الآخر الإنفاق على البناء. وفي هذا العصر الذي أخضعت فيه العقارات أو الأملاك الثابتة للتسجيل والتوثيق في مؤسسات التوثيق العقاري ومؤسسات الضرائب ومؤسسات الإنارة والتزويد بالماء، لا مناص من أن يكون العقار المبني موثقاً باسم أحدهما أو كليهما، فإن لم يوثق البناء، أصبح حكمه حكم قطعة الأرض التي أقيم عليها، وهي بالضرورة موثقة، وفي كلتا الحالتين، توثيق البناء أو اعتبار توثيق الأرض، هل يعتبر هذا التوثيق هو الفيصل في إثبات ملكية أحد الطرفين للعقار المبني كله، عند إصراره على عدم الاعتراف بشراكة الطرف الآخر اعتماداً على قاعدة وضع اليد. وفي هذه الحال، سيكون الطرف المحروم من حقه، سواء كان صاحب الأرض أو صاحب المال الذي انفق على البناء، مظلوماً. وإذا كان صاحب الأرض هو المتمسك بالملكية بناء على الوثيقة التي في يده لملكية الأرض، فبأية وسيلة يستطيع الجانب الذي أنفق على البناء إثبات حقه في العقار، وإذا وثق العقار باسم الذي أنفق على إقامته، فبأية وسيلة يستطيع صاحب الأرض إثبات حقه فيه، لاسيما إن كانت الأرض غير موثقة في الجهة المختصة بتوثيق الأرض.

стр. 19793

لا نكاد نجد تصوراً لهذا النمط في ما بين أيدينا من مصادر الفقه الأول، واعتماد قرينة الحيازة فيه ظلم كبير، لذلك يجب عدم اعتبارها والبحث في كيفية إنشاء العقار منذ اللبنة الأولى، للتمييز بين ملكية الأرض وإثباتها لمستحقها، وبين ملكية البناء، وطريق البحث ميسور إذا كان الجانب المالك للأرض عاجزاً عن الإدلاء بأية حجة على أنه كان يملك من المال ما يواجه نفقة البناء، في حين أن الجانب الآخر في وضع مالي يشهد بأنه القادر على مواجهة تلك النفقات. ومن الجانب الآخر لهذا النمط، يتعين التثبت من أساس الاتفاق بين الجانبين عند الشروع في البناء، هل لدى الجانب الذي تولى الإنفاق عليه ما يثبت أنه ملك الأرض بالشراء أو الهبة أو التعويض بشيء آخر. فإن استطاع أن يثبت ذلك، سقط كل ادعاء للجانب الآخر. أما إن لم يستطع، ثبتت شراكتهما في العقار، ووجب إخضاعه للمخارجة، بأن يتولى أحدهما تعويض الآخر عن حقه، أو للبيع وقسمة قيمته بينهما طبقا للتمييز بين قيمة الأرض وقيمة البناء، وهذا يعني أن الحيازة أصبحت غير ذات موضوع في هذا النمط. ونمط آخر، وهو في هذه المرة في المنقول، وصورته: أن يشتري الزوج مقدارا من الحلي كبيرا، سواء كان ذهبا أو جواهر، احتياطا لاضطراب في عملة البلد، أو إخفاء لجانب من المال، فرارا من دفع الضرائب، أو من قرض إجباري تفرضه الدولة، فإذا وقع الطلاق واعتمدنا مقولة جمهرة الفقهاء، بأن الحلي عرفا يعتبر من ممتلكات الزوجة ظلمنا الزوج، لكن كيف يستطيع التمييز بين ما هو من ممتلكات الزوجة وما هو ليس من ممتلكاتها، والمدخر كله حلي، واعتماد مبدأ الحيازة والاختصاص لا ينصف الزوج.

стр. 19794

لا مناص من اعتبار أمرين: العرف والقدرة المالية لكلا الطرفين، فبالعرف يمكن تمييز ما هو عادة في بيئتهما مما تملكه الزوجة، إما بهدايا منه أو بهدايا من أهلها أو صديقاتها، وما لا يمكن اعتباره من هذا القبيل، لكن العرف وحده لا يتكفل بالإنصاف الدقيق لهما، فيتعين الرجوع إلى وثائق شراء ذلك الحلي إن وجدت، وهنا أيضا يبرز إشكال. فلو أن الزوج كان يشتري ذلك الحلي باسم زوجته أو اعتمادا على ما كان بينهما من حميمية عندئذ، فكيف يمكن تحكيم وثائق الشراء، هنا يتعين المصير إلى القدرة المالية لكلا الطرفين، فبها وحدها مساندة بالعرف، يمكن تمييز ما هو من حق الزوج وما هو من حق الزوجة، وقد لا يكون التمييز دقيقا، لكنه الأقرب إلى الإنصاف. وفي هذه الحال، يسقط اعتماد الحيازة أيضا. ونمط آخر قريب من هذا، وهو إذا التجأ الزوج، لإخفاء جانب من ماله، إلى شراء عقارات بأسماء زوجته وأبنائه أو أقاربه، ثم شجر بينه وبينهم خلاف، فإن اعتمدنا الحيازة، كان كل مالك وثيقة بعقار، مالكا له شرعا، أو قضاء، باعتبار أن حكم القضاء ليس دائما هو الحكم الشرعي الحق وقانونا، ويصبح مالك الحق ضحية لهذا الخطأ الشكلي، وإذن فلا مناص من الالتجاء إلى البحث في موارد من بأيديهم هذه الوثائق، فإن أمكنهم إثبات قدرتهم على امتلاكها، اعتمدت الحيازة بجانب ما يقدمون من أدلة أو قرائن قاطعة. وإن لم يستطيعوا إثبات قدرتهم على امتلاكها، واستطاع المالك الحق إثبات قدرته وحده، سقط اعتبار الحيازة، إلا إذا أثبتوا تملكها بهبة منه، وهذا يكاد يكون مستحيلا في ما تكون قيمته مرتفعة جدا، تتجاوز ما يمكن أن يهبه أحد، حتى وإن كان غاية في الكرم. وفي هذه الحال، يتعين تحكيم العرف، وتسقط الحيازة، لا سيما إذا أثبت المالك الحق أنه إنما وثق تلك العقارات بأسماء حملة الوثائق، تهربا من ضرائب أو قروض إجبارية، أو ما شاكل ذلك، بأن يكون من التجار الكبار أو رجال الأعمال الكبار أو المضاربين في الأسواق المالية، وتحمل بإثبات ذلك جميع العواقب المترتبة عليه من جزاءات وعقوبات يفرضها القانون على من يتهرب من الضرائب، أو يفرضه الشرع الإسلامي على مانع الزكاة. أو من يخفي ماله في حالة حاجة بيت مال المسلمين إليه، أو في الظروف الحربية التي يجب استنفار أموال المسلمين لتمويلها وتجهيزها.

стр. 19795

ونمط آخر من سقوط الحيازة، وفي هذه المرة كان سقوطها أمام قرينة أضعف منها في الظاهر، لولا أن المصلحة المرسلة والمصلحة العامة يجعلانها أقوى، تلك هي الطريقة التي عامل بها عمر بن الخطاب ﵁ بعض عماله ممن اشتبه في أنهم تأثلوا مالا أثناء عملهم، ما كان ليجتمع لهم لو اقتصرت مواردهم على أرزاقهم وما يصيبون من الفئ والغنائم. ونورد ثلاثة أمثلة لهذه الطريقة. المثال الأول: ما صنعه مع أبي هريرة ﵁ حين استعمله على البحرين، فلما قدم عليه، اشتبه في أنه تأثل مالا قد لا يكون من حله، فصادر منه عشرة آلاف أو اثني عشر ألفا تعليق: هذا الأثر أخرج عبد الرزاق - المصنف، ج: ١١، ب: الإمام راع، ص: ٣٢٣، الأثر: ٢٠٦٥٩- طرفا صالحا منه، واللفظ له: عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه! قال أبو هريرة: لست عدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل لي تناتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت علي، فنظروه فوجدوه كما قال، قال: فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله، فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد طلب العمل من خير منك يوسف؟ قال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، أخشى ثلاثا واثنين، قال له عمر: أفلا قلت خمسا؟ قال: لا، أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حكم، ويضرب ظهري وينتزع مالي، ويشتم عرضي.

стр. 19796

وأخرجه: ابن سعد- الطبقات الكبرى، ح: ٤، ص: ٣٣٥- ٣٣٦- مطولا، فقال: أخبرنا عمرو بن الهيثم، قال: حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين، فذكره. أخبرنا هوذة بن خليفة وعبد الوهاب بن عطاء ويحيى بن خليف بن عقبة وبكار بن محمد، قالوا: حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، فذكره. أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة، فذكر طرفا منه. وأبو يوسف - كتاب الخراج، ص: ١١٤- طرفا منه، قال: وحدثني المجالد بن سعيد، عن عامر، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، فذكره. وأبو عبيدة – كتاب الأموال، ص: ٣٦١، أثر: ٦٦٨- طرفا منه، فقال: وحدثنا معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين، فذكره. الأثر: ٦٦٩-: وحدثنا يعقوب بن إسحاق، عن زيد بن إبراهيم التستري، عن ابن سيرين، فذكره.

стр. 19797

وابن زنجويه- كتاب الأموال، ج:٢، ص: ٦٠٥- ٦٠٧، الأثر: ٩٩٦- مطولا، فقال: قال أبو عبيد، وأخبرنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين، فذكره. الأثر: ٩٩٧-: أخبرنا بكر بن بكار، أخبرنا أبو حرة، حدثنا محمد، فذكره. الأثر: ٩٩٨: حدثنا محاضر، عن مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، قال: قال عمر لأناس من أصحاب محمد، فذكره. وابن عبد الحكم- فتوح مصر وأخبارها، ص: ١٤٨- ١٤٩- مطولا، فقال: حدثنا أسد بن موسى، حدثنا سليمان بن أبي سليمان، عن محمد بن سيرين، فذكره. وأبو نعيم- حلية الاولياء، ج: ١، ص: ٣٨٠- ٣٨١- طرفا منه، فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن إسحاق شاذان، حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن الصامت، حدثنا يحيى بن العلياء، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، فذكره.

стр. 19798

المثال الثاني: ما صنعه مع خالد بن الوليد ﵁ حين عزله- في قصة مثيرة- وصادر منه اثني عشر ألفا تعليق: القصة نقلها الذهبي- سير أعلام النبلاء، ج: ١، ص: ٣٨٠- في ترجمته لخالد بن الوليد، ت: ٧٨- من كتاب سيف بن عمر، وكأنه تحرج منها، فقال عن رجاله، قال: كان عمر لا يخفى عليه شيء من عمله، وإن خالدا أجاز الأشعث بعشرة آلاف، فدعا البريد، وكتب إلى أبي عبيدة أن تقيم خالدا وتعقله بعمامته، وتنزع قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث؟ أمن مال الله أم من ماله؟ فإن زعم أنه من إصابة أصابها، فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله، فقد أسرف، واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله، ففعل ذلك، فقدم خالد على عمر فشكاه، وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله يا عمر إنك في أمري غير مجمل، فقال عمر: من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفا، فلك تقوم عروضه، قال: فخرجت عليه عشرون ألفا، فأدخلها بيت المال، ثم قال: يا خالد، والله إنك لكريم علي وإنك لحبيب إلي، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء. قلت: وقد تكلموا في سيف ورجاله كما تكلموا في غيره من الإخباريين، لكن سيفا أخرج له الترمذي من الستة- الجامع الكبير، ج: ٦، أبواب المناقب، ب (٥٩) ، ص: ١٧٢- حديثاً (٣٨٦٦) ، أخرجه أيضا الخطيب- تاريخ بغداد، ج: ١٣، ص: ١٩٥- في ترجمة مغيرة بن محمد المهلبي، ت: ٧١٧٣. والطبراني في – المعجم الأوسط، ج: ٩، ص: ١٦٧، ح: ٨٣٦٢- والمزي في تهذيب الكمال، ج: ١٢، ص: ٣٢٧- عند ترجمته لسيف بن عمر، ت: ٢٦٧٦. وقال عنه ابن عدي- الكامل في الضعفاء، ج: ٣، ص ١٢٧٢- في آخر ترجمته له – بعد أن ساق طائفة من أقوالهم فيه، وأسند إليه أحاديث كدأبه في من يترجم لهم: ولسيف بن عمر أحاديث غير ما ذكرت، وبعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة، لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. قلت: لكن خبر سيف هذا يشهد له ما فعله عمر مع أبي هريرة، وما فعل مبعوثه بأمر منه محمد بن مسلمة مع عمرو بن العاص، وسيأتي.

стр. 19799

المثال الثالث: ما فعله محمد بن مسلمة مع عمرو بن العاص حين كان واليا على مصر بأمر من عمر بن الخطاب ﵃ جميعاً - إذ قاسمه ماله (١) .

стр. 19800

وفي هذه الأمثلة من الفقه، أن ولي الأمر الأعلى (أمير المؤمنين) له ألا يعتبر الحيازة، وإن قدم حائزها بينات على سلامة السبل التي تأثل منها ماله، بل يعتبر ما هو أبعد من ذلك، فالذي يلي أمرا من أمور المسلمين، له رزقه ورزق عياله وكسوته، وأن يتزوج إن يكن عازبا من مال المسلمين، وليتخذ خادما، وأن يتخذ مسكنا، لكن عليه لقاء ذلك، أن يقف كل وقته وجهده وهمه لأمور المسلمين، فإذا تأثل مالا أكثر مما يمكن أن يوفره من رزقه المقرر له من بيت مال المسلمين، كان معنى ذلك أنه بذل من جهده ووقته وهمه نصيبا كبيرا أو صغيرا ليس ملكا له، وإنما هو ملك للمسلمين، وعلى هذا الاعتبار- في ما يتراءى لنا اعتمد عمر والمصلحة المرسلة والمصلحة العامة للمسلمين، هما القاعدتان البارزتان لاجتهاداته، لاسيما في المجال السياسي- في هذه الأمثلة وفي غيرها من تصرفاته مع عماله، فأبطل اعتماد الحيازة وعدم وجود أية شبهة في ما في أيديهم من المال، مسوغين لهم أن يحتفظوا بما تأثلوه، وبهذا سبق عمر من جاؤوا من بعده بقرون، فشرعوا ما سموه (قانون من أين لك هذا؟) لأن هؤلاء اعتمدوا في ما وضعوا من أحكام وضوابط على مجرد التأكد من أن المسؤول أمام تشريعهم عن تقديم البينات على مصادر ماله، ليس مطلوبا منه إلا أن يثبت براءته من الارتشاء واستغلال النفوذ، فإن أثبتها، فلا جناح عليه إن صرف من جهده ووقته وهمه جانبا وقد يكون الجانب الأكبر في استثمار ما بيده من مال اجتمع له من رزقه الشهري أو ورث بعضه، استثمارا ألحقه بزمرة كبار رجال الأعمال وكبار التجار والمترفين، مع أن ما صرفه من جهد ووقت وهم، ليس ملكا له، وإنما هو ملك للدولة التي يعمل لها، حصلت عليه منه برضاه واختيار لقاء الرزق الشهري الذي يتقاضاه، وغالبا ما يكون هو الذي سعى إليها بمختلف الوسائل، يلتمس أن توليه من أمرها لقاء ذلك الرزق، وشتان بين شريعة العباد وشريعة الله.

стр. 19801

الفراسة قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)) تعليق: هذا الحديث روي عن أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة الباهلي وثوبان وابن عمر. حديث أبي سعيد الخدري، رواه: البخاري - التاريخ الكبير، ج: ٧، ص: ٣٥٤، عند ترجمته لمصعب بن سلام، ت: ١٥٢٩- فقال: قال أحمد بن سليمان: حدثنا مصعب بن سلام، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ : ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] . وعنه الترمذي - الجامع الكبير، ج: ٥، أبواب تفسير القرآن، ب (١٦) (ومن سورة الحجر) ، ص: ٢٠٠، ح: ٣١٢٧- فقال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن أبي الطيب، حدثنا مصعب بن سلام، فذكره. وتعقبه بقوله: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. وقد روي عن بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ . قال: للمتفرسين. والطبري- جامع البيان، ج: ١٤، ص: ٤٦- فقال: حدثنا محمد بن عمارة، قال: حدثني حسن بن مالك، قال: حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، فذكره. حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، قال: حدثنا محمد بن كثير، مولى بني هاشم، قال: حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد، عنه رسول الله ﷺ بمثله. والعقيلي- كتاب الضعفاء الكبير، ج: ٤،ص: ١٢٩- فقال: ومن حديثه ما حدثناه محمد بن أحمد الأنطاكي، حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، فذكره.

стр. 19802

حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، حدثنا سفيان، عن عمر بن قيس الملائي، قال: كان يقال: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله- وهذا أولى. وعنه الخطيب البغدادي- تاريخ بغداد، ج: ٣، ص: ١٩١- ١٩٢، عند ترجمته لمحمد بن كثير، ت: ١٢٣٤- فقال: أنبأنا محمد بن أحمد العتيقي، قال: نبأنا يوسف بن أحمد بن يوسف الصيدلاني- بمكة- حدثنا محمد بن عمرو بن موسى العقيلي، وساق رواية العقيلي الثانية. والطبراني- المعجم الأوسط، ج: ٨، ص: ٤١٠- ٤١١، ح: ٧٨٣٩- فقال: حدثنا محمود، قال: حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا محمد بن كثير الكوفي، عن عمرو بن قيس، فذكره. وتعقبه بقوله: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن قيس إلا محمد بن كثير ومحمد بن أبي مروان، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد. وأبو عبد الرحمن السلمي- طبقات الصوفية، ص: ١٥٦- فقال: حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا بكير بن أحمد الحداد الصوفي- بمكة- حدثنا الجنيد بن محمد أبو القاسم الصوفي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير الكوفي، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد- ﵁ –قال: قال رسول الله ﷺ : ((احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله تعالى)) وقرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ . قال: للمتفرسين.

стр. 19803

وأبو نعيم- حلية الأولياء، ج: ١٠، ص: ٢٨١- ٢٨٢- فقال: ومن مسانيد حديثه ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ بها، فذكره. حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ مثله. والخطيب البغدادي- المصدر السابق- فقال: حدثنا أبو القاسم الأزهري، حدثنا أحمد بن إبراهيم البزاز، حدثنا محمد بن الحسين بن حميد، حدثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي، حدثنا موسى بن زياد، حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ .قال: (للمتفرسين) . كذا قال في هذا الحديث عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، والأول محفوظ، وهو غريب من حديث عطية العوفي، عن أبي سعيد، لا نعلم رواه عنه غير عمرو بن قيس الملائي. وتفرد به محمد بن كثير، عن عمرو، وهو وهم، والصواب ما رواه سفيان عن عمرو بن قيس الملائي، قال: كذا يقال: اتقوا فراسة المؤمن، وساق الحديث كذلك.

стр. 19804

و ج: ٧، ص: ٢٤١- ٢٤٢، عند ترجمته للجنيد بن محمد، ت: ٣٧٣٩- فقال: أخبرني أبو سعد الماليني- قراءة- أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن أحمد بن مقبل البغدادي، حدثنا جعفر بن محمد الخلدي، حدثنا الجنيد بن محمد بن الحسن بن عرفة، ح وأخبرني الحسين بن علي الطناجيري، أخبرنا عبد الله بن عثمان الصفار، حدثنا ابن مخلد، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير الكوفي، عن عمرو بن قيس الملائي، فذكره. وحديث أبي أمامة الباهلي، رواه: الطبراني - المصدر السابق، ج: ٤، ص: ١٦٠، ح: ٣١٧٨- فقال: وبه، حدثني معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) . وتعقبه بقوله: لا يروى هذا الحديث عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاوية. وكرره في – المعجم الكبير، ج: ٨، ص: ١٠٢، ح: ٧٤٩٧- فقال: حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، فذكره. وابن عدي- الكامل، ج: ٦، ص: ٢٤٠١- ٢٤٠٢، عند ترجمته لمعاوية بن صالح- فقال: حدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان – بمصر- حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، فذكره.

стр. 19805

وتعقبه بقوله: وهذا عن راشد بن سعد بهذا الإسناد، لا يرويه عنه غير معاوية بن صالح. وعند أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، كتاب طويل ونسخة حسنة. وأبو نعيم- المصدر السابق، ج: ٦، ص: ١١٨- فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، فذكره. والقضاعي- مسند الشهاب، ج: ١، ص: ٣٨٧- ٣٨٨، ف: ٤٣٣، ح: ٦٣٣- فقال: أخبرنا هبة الله بن إبراهيم الخولاني، أنبأ علي بن الحسين القاضي، حدثنا أبو عروبة، حدثنا محمد بن عوف، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، فذكره. والبيهقي- الزهد الكبير، ص: ١٥٩- ١٦٠، ح: ٣٥٨- فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق يعني الصغاني- حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، فذكره.

стр. 19806

وابن عبد البر - جامع بيان العلم وفضله، ج: ١، ص: ١٩٦- فقال: حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، فذكره. والخطيب البغدادي- المصدر السابق، ج: ٥، ص: ٩٩، عند ترجمته لأحمد بن محمد المؤدب، ت: ٢٥٠٠- فقال: أخبرنا طلحة بن علي الصقر الكتاني، حدثنا أبو الحسين أحمد بن عيسى بن الحكم المقرئ الحربي- إملاء- حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن المستلم بن حيان، حدثنا محمد بن رزق الله أبو بكر، حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، فذكره. وحديث ثوبان، رواه: الطبري - المصدر السابق، ص: ٤٦- ٤٧- فقال: حدثني أبو شرحبيل الحمصي، قال: حدثنا سليمان بن سلمة، قال: حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، قال: حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، قال: حدثنا وهب بن منبه، عن طاوس بن كيسان، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله)) . وأبو نعيم- المصدر السابق، ج:٤، ص: ٨١- فقال: حدثنا أبي ﵀، حدثنا محمد بن إسحاق الطبري، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا مؤمل بن سعيد بن يوسف، حدثنا أبو العلاء أسد بن وداعة الطائي، قال: حدثني وهب بن منبه، عن طاووس، عن ثوبان، قال: قال النبي ﷺ : ((احذروا دعوة المؤمن وفراسته، فإنه ينظر بنور الله وينظر بالتوفيق)) . وتعقبه بقوله: غريب من حديث وهب، تفرد به مؤمل عن أسد.

стр. 19807

وحديث ابن عمر، رواه: الطبري - المصدر السابق- فقال: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا الفرات بن السائب، قال: حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله)) . وأبو نعيم- المصدر السابق، ج: ٤، ص: ٩٤- فقال: حدثنا حبيب بن الحسن، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكن، حدثنا أحمد بن محمد بن عمرو اليمامي، حدثنا عمارة بن عقبة، حدثنا فرات بن السائب، فذكره. وتعقبه بقوله: غريب من حديث ميمون، لم نكتبه إلا من هذا الوجه. قلت: وقد زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع، وحاول أن يجرح جميع أسانيده، انظر ابن الجوزي- الموضوعات، ج: ٣، ص: ١٤٥- ١٤٨-. وتعقبه السيوطي في- اللآلي المصنوعة، ج: ٢، ص: ٣٢٩- ٣٣٠- فساق مزاعمه واحدة واحدة. ثم قال: قلت- القائل السيوطي: الحديث حسن صحيح. أما حديث ابن عمر، فأخرجه ابن جرير في (تفسيره) - وساق سنده كما نقلناه آنفا- فبرئ اليماني من عهدته. وأما حديث أبي سعيد، فأخرجه البخاري في (تاريخه) - وساق سنده كذلك. وأخرجه الترمذي - وساق سنده كذلك. فلم ينفرد به محمد بن كثير، ومصعب قال أبو حاتم: محله الصدق، ووثقه ابن معين.- انظر الرازي- الجرح والتعديل، ج: ٨، ص: ٣٠٧- ٣٠٨، ت: ١٤٢٥- وتاريخ يحيى بن معين برواية الدوري، ج: ٣، ص: ٣١٦، ت: ١٥٠٥، وص: ٤٢٣، ح: ٢٠٦٩. فقال: محمد بن كثير شيعي، لا بأس به. قلت: في عبارة السيوطي هذه خلل، ويظهر أن كلمة أو جملة سقطت من العبارة للناسخ أو الطابع. ومهما يكن، فإن محمد بن كثير الكوفي وثقه ابن معين فعلا. انظر تاريخ ابن معين برواية الدوري، ج: ٣، ص: ٤٧٨، ت: ٢٣٣٢- وكذلك الرازي- انظر الجرح والتعديل، ج: ٨، ص: ٦٨- ٦٩، ت: ٣٠٨- لكن ابن أبي حاتم روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قوله: سألت أبي عن محمد بن كثير الذي يحدث عن ليث- يعني ابن أبي سليم- والحارث بن حصيرة، فقال: خرقنا حديثه ولم نرضه.

стр. 19808

ثم قال السيوطي: وله متابع آخر عن عمرو بن قيس أخرجه ابن مردويه في تفسيره من طريق محمد بن مروان عن عمرو بن قيس به. ولعمرو بن قيس متابع عن عطية- يعني العوفي- أخرجه أبو نعيم في (الطب) . حدثنا جعفر بن محمد بن الحسين الخراز الكوفي، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، حدثنا يحيى بن الحسين، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد به. قلت: الحديث سبق أن سقناه من طرق غير طريق أبي نعيم في (الطب) وعطية العوفي أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ، كما أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه في (سننهم) ، وضعفه بعضهم ومنهم أحمد. لكن قال فيه يحيى بن معين: صالح- انظر عن مقولاتهم فيه، المزي- تهذيب الكمال، ج: ٢٠، ص: ١٤٥- ١٤٩، ت: ٣٩٥٦. وقال ابن عدي- الكامل، ج: ٥، ص: ٢٠٠٧- بعد أن ساق طائفة من أقوالهم فيه، وأسند إليه حديثا: ولعطية عن أبي سعيد الخدري أحاديث عداد عن غير أبي سعيد، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعد من شيعة الكوفة. قلت: لعل هذا هو المرتكز الحقيقي للذين ضعفوه. ثم قال السيوطي: وأما حديث أبي أمامة، فإنه بمفرده على شرط الحسن، وعبد الله بن صالح لا بأس به. وللحديث طريق آخر عن ثوبان. وساق سند ابن جرير له، وقد نقلناه آنفا عنه وعن أبي نعيم.

стр. 19809

ولا عبرة بما جدف به الألباني في توهية هذا الحديث، فلئن كان إسناد حديث ثوبان معلولا بأسد ومؤمل وسليمان، فإنه يتقوى ويعتضد وتزول عنه شائبة الوضع والضعف بالروايات الأخرى لحديث ((اتقوا فراسة المؤمن)) . على أن اشتدادهم في التحامل على رواة حديث ثوبان، مرده إلى أن الثلاثة شيعة، وربما من غلاة الشيعة، والحديث لا علاقة له- من قريب ولا من بعيد- بالتشيع ولا بأي هوى سياسي. لهذا نرى أن ما أجهد به نفسه الألباني لتعضيد ابن الجوزي، عنت لا مسوغ له ولا طائلة من ورائه، فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن في مجموع طرقه، فضلا عن أن مجتهدين يعتد باجتهادهم قبلوه واعتمدوه. وإذا وجد حديث بأسانيد شتى، وإحدى طرقه واهية، مهما بلغت درجتة وهيا، أو حتى إن كانت إحداها موضوعة ثابتة الوضع، فإن هذا لا يجرح أسانيده كلها ولا يغمز في الاستدلال به. فلو ذهبنا مع الألباني في موقفه من هذا الحديث، لا طرحنا كثيرا من العلم وانصرفنا عن العمل بالسنة إلى العمل بالرأي، أعاذنا الله من الضلال.

стр. 19810

كان الأحرى أن ندمج الفراسة في الأمارات، فهي مصدرها وعمادها، لكن أفردناها لأنها قد تعتمد أو قد يصدر صاحبها عن أمارات غير ملموسة ولا متصورة، إنما هي سمات أو ملاحظات يستشفها من وهبه الله ميزة الفراسة، وقد لا يستطيع التعبير عنها تعبيرا دقيقا، ومع ذلك، تؤثر في تصرفاته وأحكامه. ونحسب من هذا القبيل ما روي عن عمر (١) وعلي (٢) وأبي مسعود الأنصاري (٣) وأبي الدرداء (٤) وأبي هريرة (٥)

стр. 19811

من أنهم يلقنون بعض من يتهم عندهم- أو يشهد عليه- بالسرقة، أن يقول: لا، فيخلوا سبيله رغم الشهادة أو قوة أمارات الاتهام. ومن عجب أن الذين ساقوا آثار عنهم في هذا المجال وهموا وأوهموا أن تصرفهم هذا يندرج في نطاق درء الحدود بالشبهات، وهو وهم له وجاهته، لكن يصرف عنه أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع كل من يتهم لديهم، وإنما كانوا يفعلونه مع البعض، بل إن عمر ﵁ فعل ما يخالفه، فقد أتي بسارق، فقال: والله ما سرقت قط قبلها، فقال: كذبت، ما كان الله ليسلم عبدا عند أول ذنبه، فقطعه (١) .

стр. 19812

وعمر هذا هو الذي أتي برجل فسأله أسرقت؟ قال: قل: لا، فقال: لا، فتركه ولم يقطعه (١) . وما من مسلم يرتاب في أن صدور أصحاب رسول الله ﷺ ومنهم بعض الخلفاء الراشدين، يلقنون المتهم أو المشهود عليه للسرقة أن ينكر من دون سبب، والشبهة التي قد يستند إليها أولئك الواهمون الموهمون، هي الفراسة وليس غيرها. وقد يكون مصدرها التوسم في المتهم أو المشهود عليه إنه اضطر اضطرارا، فليست فيه سيما المجرم (٢) . كما روي عن عمر ﵁، وهو من هو شدة في دين الله- أنه أتي بسارق قد اعترف، فقال عمر: إني لأرى يد رجل ما هي بيد بسارق، فقال الرجل: والله ما أنا بسارق، فأرسله عمر، ولم يقطعه (٣) . وقد يكون الظرف كما كان شأن عمر في عام الرمادة، إذ أوقف قطع يد السارق لما أصاب الناس يومئذ من شدة الجوع والحاجة، وفعله هذا مشهور تناقلته جميع مدونات الآثار والأحكام. ومن يتأمل ما روي في هذا المجال من آثار عن صدور الصحابة وبعض الخلفاء الراشدين، يتبين أنهم اعتمدوا الفراسة قرينة لدرء الحكم على المتهم أو المشهود عليه في حد من الحدود.

стр. 19813

وهذا يعني أن الفراسة قرينة إثبات عدم الأهلية للحكم، وليست قرينة الأهلية للحكم، إلا ما كان من أثر عمر الذي أشرنا إليه آنفا حين قال لمن أقسم لديه- وقد أتي به متهما بالسرقة- أنه لم يسرق: (ما كان الله ليسلم عبدا عند أول ذنبه) . وعمر ﵁ من أفرس الناس، فلو تصرف فيه سيما خير أو اضطرارا أو كان في ظرف استثنائي، لما قطعه، كما لم يقطع غيره ممن كانت فراسته فيهم دالة على إثبات عدم أهليتهم للحكم عليهم. لكن إذا كانت فراسة الحاكم في متهم لديه بحد من الحدود، تحمله على اعتباره مجرما، ولم تكن التهمة مستندة على ضبطه متلبسا، ولا على شهادة موجبة لإقامة الحد، ولا على إقرار اختياري ثابت منه، انحصر تأثيره في أنها تبيح له- وربما توجب عليه- أن يلجأ إلى وسائل حمل المتهم على الاعتراف الاختياري أو الاعتراف المقترن بتقديم ما يثبت صحة الاعتراف، مثل المال المسروق أو وصف السرقة كيف وقعت، وتعيين ووصف المكان الحريز الذي سرقت منه، فإن لم تجد هذه الوسيلة في انتزاع الاعتراف الاختياري أو المقترن بحجج تثبته من المتهم، وجب عليه إطلاقه، وجاز له وضعه تحت الرقابة. وفي كثير مما عرضنا له في هذا البحث من الآثار في الحكم بالأمارات، أنماط مما يدخل في نطاق الفراسة.

стр. 19814

قرائن قاطعة لا يجوز اعتمادها في إقامة الحدود ظهرت في هذا العصر أحوال، لولا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، لكانت أقوى من الشهادة على من اتسم بها، فالشهادة يمكن أن يكون فيها تزوير من شهود لهم على من شهدوا عليه ثارات أو أحقاد، ويمكن أن يكون فيها خطأ في المشاهدة، لكن هذه الأحوال قل ألا تكون موجبة لإقامة الحدود على من ظهرت عليه، فالمصاب بمرض الزهري والمصاب بمرض فقد المناعة المكتسبة (السيدا) لاسيما إذا لم يكن متزوجا أو إذا أصيب وهو غائب عن زوجته غيبة طويلة، أو كان متزوجا فظهر عليه ولم يظهر على زوجته من قبله- إذ لو ظهر من بعده، لكان بعدوى منه- من الصعب عدم اعتبار إصابته ناتجة عن غير ممارسة جنسية غير مشروعة، وحتى وإن كانت بالعدوى فممن جاءته هذه العدوى؟. الأرجح الذي يبلغ درجة اليقين، أن الإصابة كانت نتيجة لممارسة جنسية غير مشروعة، ومع ذلك، فسواء اعترف أو لم يعترف، لا يجوز إقامة الحد عليه محصنا أو غير محصن، وإن أجمع كل أطباء الدنيا على أن الإصابة كانت من ممارسة منه، وليست بعدوى من غيره من طريق غير الطريق الجنسي المباشر، كالتقبيل وما شابه ذلك، لأن أولئك الأطباء المجمعون لا يعتبرون شهودا في الشريعة الاسلامية، إذا لم يشهدوا العملية عند وقوعها ولم يصفوها وهي واقعة كيف شهدوها ولم يثبتوا أنها وقعت وقوعاً كاملا موجبا للحد، وأنى لهم أن يثبتوا ذلك؟

стр. 19815

وليس أمام الحاكم المسلم في مثل هذه الحال، إلا تعزير المريض، لكن بعد أن يشفى إن كتب له الشفاء، أما قبل شفائه، فلا يعزر المريض، لأن التعزير قد يزيد من مرضه. بل إن على الأطباء والخبراء الذين يثبتون الإصابة ومصدرها علميا، أن يكتموا ذلك عن غير المريض ما استطاعوا، حفاظا على سمعة الأسرة وصيانة لموقعها الاجتماعي وإكراما للمجتمع الإسلامي من إشاعة الفاحشة فيه. وقريب من هذا، البنت تزف إلى زوجها، فيتبين أنها ليست عذراء، ويثبت الطبيب أو الخبير أو الخبيرات أن زوجها صادق في ما ادعاه عليها. لكن هذه قد يختلف شأنها بعض الشأن عمن أصيب بمرض جنسي، لأن العذرة قد تزول من غير ممارسة جنسية، فلو سقطت البكر على قدميها من مكان مرتفع أو مارست رياضة تستعمل فيها الأقدام أو النصف الأسفل كله، فقد تزول عذرتها، كما يمكن أن تزول عذرتها بممارسة جنسية، لكن لم تبلغ مواصفاتها الحد الموجب لإقامة الحدود. ومع ذلك، فمن الواجب على الطبيب أو الخبير أو الخبيرات، أن يكتموا أمرها حفاظا على أثارة من كرامة لها وصيانة لمستقبلها الاجتماعي من أن يتأثر تأثرا يجعل حياتها غير مريحة، فإن يكن زوجها كريما فحفظها، كان أرجى له عند الله أن يحفظه وأن يستر ما قد اقترف أو يقترف من ذنوب. وإن أبى ذلك، فهو من حقه، لكن يجب أن يتعلل في الطلاق بعلة أخرى يفتعلها افتعالا لا تصيب كرامة المتهمة ولا تؤثر في مصيرها، لما ثبت عن رسول الله ﷺ ثبوتا متواترا من الأمر بالستر في الحدود، وثبت مثل ذلك عن كبار الصحابة، وتناقلته جميع مدونات الأحاديث والآثار.
следующие страницы →