← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19811–19850 · переход к 19816.

стр. 19811

من أنهم يلقنون بعض من يتهم عندهم- أو يشهد عليه- بالسرقة، أن يقول: لا، فيخلوا سبيله رغم الشهادة أو قوة أمارات الاتهام. ومن عجب أن الذين ساقوا آثار عنهم في هذا المجال وهموا وأوهموا أن تصرفهم هذا يندرج في نطاق درء الحدود بالشبهات، وهو وهم له وجاهته، لكن يصرف عنه أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع كل من يتهم لديهم، وإنما كانوا يفعلونه مع البعض، بل إن عمر ﵁ فعل ما يخالفه، فقد أتي بسارق، فقال: والله ما سرقت قط قبلها، فقال: كذبت، ما كان الله ليسلم عبدا عند أول ذنبه، فقطعه (١) .

стр. 19812

وعمر هذا هو الذي أتي برجل فسأله أسرقت؟ قال: قل: لا، فقال: لا، فتركه ولم يقطعه (١) . وما من مسلم يرتاب في أن صدور أصحاب رسول الله ﷺ ومنهم بعض الخلفاء الراشدين، يلقنون المتهم أو المشهود عليه للسرقة أن ينكر من دون سبب، والشبهة التي قد يستند إليها أولئك الواهمون الموهمون، هي الفراسة وليس غيرها. وقد يكون مصدرها التوسم في المتهم أو المشهود عليه إنه اضطر اضطرارا، فليست فيه سيما المجرم (٢) . كما روي عن عمر ﵁، وهو من هو شدة في دين الله- أنه أتي بسارق قد اعترف، فقال عمر: إني لأرى يد رجل ما هي بيد بسارق، فقال الرجل: والله ما أنا بسارق، فأرسله عمر، ولم يقطعه (٣) . وقد يكون الظرف كما كان شأن عمر في عام الرمادة، إذ أوقف قطع يد السارق لما أصاب الناس يومئذ من شدة الجوع والحاجة، وفعله هذا مشهور تناقلته جميع مدونات الآثار والأحكام. ومن يتأمل ما روي في هذا المجال من آثار عن صدور الصحابة وبعض الخلفاء الراشدين، يتبين أنهم اعتمدوا الفراسة قرينة لدرء الحكم على المتهم أو المشهود عليه في حد من الحدود.

стр. 19813

وهذا يعني أن الفراسة قرينة إثبات عدم الأهلية للحكم، وليست قرينة الأهلية للحكم، إلا ما كان من أثر عمر الذي أشرنا إليه آنفا حين قال لمن أقسم لديه- وقد أتي به متهما بالسرقة- أنه لم يسرق: (ما كان الله ليسلم عبدا عند أول ذنبه) . وعمر ﵁ من أفرس الناس، فلو تصرف فيه سيما خير أو اضطرارا أو كان في ظرف استثنائي، لما قطعه، كما لم يقطع غيره ممن كانت فراسته فيهم دالة على إثبات عدم أهليتهم للحكم عليهم. لكن إذا كانت فراسة الحاكم في متهم لديه بحد من الحدود، تحمله على اعتباره مجرما، ولم تكن التهمة مستندة على ضبطه متلبسا، ولا على شهادة موجبة لإقامة الحد، ولا على إقرار اختياري ثابت منه، انحصر تأثيره في أنها تبيح له- وربما توجب عليه- أن يلجأ إلى وسائل حمل المتهم على الاعتراف الاختياري أو الاعتراف المقترن بتقديم ما يثبت صحة الاعتراف، مثل المال المسروق أو وصف السرقة كيف وقعت، وتعيين ووصف المكان الحريز الذي سرقت منه، فإن لم تجد هذه الوسيلة في انتزاع الاعتراف الاختياري أو المقترن بحجج تثبته من المتهم، وجب عليه إطلاقه، وجاز له وضعه تحت الرقابة. وفي كثير مما عرضنا له في هذا البحث من الآثار في الحكم بالأمارات، أنماط مما يدخل في نطاق الفراسة.

стр. 19814

قرائن قاطعة لا يجوز اعتمادها في إقامة الحدود ظهرت في هذا العصر أحوال، لولا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، لكانت أقوى من الشهادة على من اتسم بها، فالشهادة يمكن أن يكون فيها تزوير من شهود لهم على من شهدوا عليه ثارات أو أحقاد، ويمكن أن يكون فيها خطأ في المشاهدة، لكن هذه الأحوال قل ألا تكون موجبة لإقامة الحدود على من ظهرت عليه، فالمصاب بمرض الزهري والمصاب بمرض فقد المناعة المكتسبة (السيدا) لاسيما إذا لم يكن متزوجا أو إذا أصيب وهو غائب عن زوجته غيبة طويلة، أو كان متزوجا فظهر عليه ولم يظهر على زوجته من قبله- إذ لو ظهر من بعده، لكان بعدوى منه- من الصعب عدم اعتبار إصابته ناتجة عن غير ممارسة جنسية غير مشروعة، وحتى وإن كانت بالعدوى فممن جاءته هذه العدوى؟. الأرجح الذي يبلغ درجة اليقين، أن الإصابة كانت نتيجة لممارسة جنسية غير مشروعة، ومع ذلك، فسواء اعترف أو لم يعترف، لا يجوز إقامة الحد عليه محصنا أو غير محصن، وإن أجمع كل أطباء الدنيا على أن الإصابة كانت من ممارسة منه، وليست بعدوى من غيره من طريق غير الطريق الجنسي المباشر، كالتقبيل وما شابه ذلك، لأن أولئك الأطباء المجمعون لا يعتبرون شهودا في الشريعة الاسلامية، إذا لم يشهدوا العملية عند وقوعها ولم يصفوها وهي واقعة كيف شهدوها ولم يثبتوا أنها وقعت وقوعاً كاملا موجبا للحد، وأنى لهم أن يثبتوا ذلك؟

стр. 19815

وليس أمام الحاكم المسلم في مثل هذه الحال، إلا تعزير المريض، لكن بعد أن يشفى إن كتب له الشفاء، أما قبل شفائه، فلا يعزر المريض، لأن التعزير قد يزيد من مرضه. بل إن على الأطباء والخبراء الذين يثبتون الإصابة ومصدرها علميا، أن يكتموا ذلك عن غير المريض ما استطاعوا، حفاظا على سمعة الأسرة وصيانة لموقعها الاجتماعي وإكراما للمجتمع الإسلامي من إشاعة الفاحشة فيه. وقريب من هذا، البنت تزف إلى زوجها، فيتبين أنها ليست عذراء، ويثبت الطبيب أو الخبير أو الخبيرات أن زوجها صادق في ما ادعاه عليها. لكن هذه قد يختلف شأنها بعض الشأن عمن أصيب بمرض جنسي، لأن العذرة قد تزول من غير ممارسة جنسية، فلو سقطت البكر على قدميها من مكان مرتفع أو مارست رياضة تستعمل فيها الأقدام أو النصف الأسفل كله، فقد تزول عذرتها، كما يمكن أن تزول عذرتها بممارسة جنسية، لكن لم تبلغ مواصفاتها الحد الموجب لإقامة الحدود. ومع ذلك، فمن الواجب على الطبيب أو الخبير أو الخبيرات، أن يكتموا أمرها حفاظا على أثارة من كرامة لها وصيانة لمستقبلها الاجتماعي من أن يتأثر تأثرا يجعل حياتها غير مريحة، فإن يكن زوجها كريما فحفظها، كان أرجى له عند الله أن يحفظه وأن يستر ما قد اقترف أو يقترف من ذنوب. وإن أبى ذلك، فهو من حقه، لكن يجب أن يتعلل في الطلاق بعلة أخرى يفتعلها افتعالا لا تصيب كرامة المتهمة ولا تؤثر في مصيرها، لما ثبت عن رسول الله ﷺ ثبوتا متواترا من الأمر بالستر في الحدود، وثبت مثل ذلك عن كبار الصحابة، وتناقلته جميع مدونات الأحاديث والآثار.

стр. 19816

وبعد، فيكاد يكون هذا البحث منحصرا على أثر القرائن في الجنايات، وقد قصدنا إلى ذلك عن عمد وسبق إصرار- على حد تعبير القانونيين - لأن القرينة في الجنايات أفعل، وجل آثارها إثبات عدم الأهلية للحكم على المتهم. أما القرينة في الأحوال الشخصية والشؤون المالية، فقد تضاءل تأثيرها وضاق مجالها، حتى لتوشك أن تنمحي في هذا العصر، بما بلغه تقدم التشريع الوضعي والأنظمة المالية، من ضبط ودقة توثيق، بحيث أصبحت الحاجة إلى الاستدلال بالقرائن بالغة الندرة بالقياس مع ما كانت عليه قديما يوم لم تكن ضوابط ولا وسائل توثيق كالتي وجدت الآن. ثم لأن ضلالات الذين يزعمون أنهم دعاة الانبعاث الإسلامي، عملت على تشويه صورة الإسلام في أعين المسلمين وغير المسلمين، فقدمته كما لو كان سوطا وضعه الله على أبشار عباده وسيفا على رؤوسهم وأيديهم. فكأن تطبيق الشريعة الإسلامية ينحصر أو ينحصر جله في تطبيق الحدود على الناس، والله أرحم وأرأف بعباده من أن يجعل دينه الذي ارتضاه لهم مجرد سوط على أبشارهم وسيف على رقابهم وأيديهم. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل محمد الحاج الناصر

стр. 19817

المصادر مرتبة على الترتيب الهجائي لكنى أو أسماء الشهرة للمؤلفين، ولم نذكر أسماء المحققين كما هو متواضع عليه الآن، لأن جلهم- مع الأسف- مما يتعين ستره، إشفاقا عليه وإكراما للعلم والعلماء. • ابن أبي شيبة، الكتاب المصنف، الدار السلفية – الهند. • ابن أبي عاصم، كتاب السنة، المكتب الإسلامي- بيروت – دمشق. • ابن أبي يعلى، طبقات الحنابلة، دار إحياء الكتب العربية- القاهرة. • ابن الأثير الجوزي، أسد الغابة، دار الفكر، بيروت. • النهاية، المكتبة الإسلامية- بيروت. • ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع – الرباط. • منهاج السنة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع- الرباط. • ابن الجارود، غوث المكدود (المنتقى) ، دار الكتاب العربي- بيروت. • ابن الجنيد، السؤالات، مكتبة الدار- المدينة المنورة. • ابن الجوزي، الموضوعات، المكتبة السلفية- المدينة المنورة. • ابن حبان، الصحيح (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب علاء الدين الفارسي) ، مؤسسة الرسالة- بيروت. • ابن حجر العسقلاني، تغليق التعليق، المكتب الإسلامي- بيروت- دمشق. • فتح الباري، الطبعة الأميرية- القاهرة. •

стр. 19818

• ابن حنبل (الإمام) ، المسند، دار الفكر- بيروت ومؤسسة الرسالة- بيروت. • ابن خزيمة، الصحيح، المكتب الإسلامي- لبنان. • ابن دريد، جمهرة اللغة، مكتبة الثقافة الدينية- القاهرة. • ابن زنجويه، كتاب الأموال، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية- الرياض. • ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر- بيروت. • ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر- تونس. • ابن عبد البر، الاستذكار، دار قتيبة للطباعة والنشر- دمشق - بيروت. ودار الوعي- حلب - القاهرة. • الاستيعاب على هامش الإصابة، مطبعة السعادة- مصر. • التمهيد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – المملكة المغربية. • جامع بيان العلم وفضله، دار الكتب العلمية- بيروت. • ابن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها، مدينة ليدن (نسخة مصورة) . • ابن عدي الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، دار الفكر- بيروت. • ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، مجمع اللغة العربية- دمشق. • ابن قدامة، المغني، دار الفكر- بيروت. • ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين، دار الفكر- بيروت. • بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي- بيروت. • الطرق الحكمية، دار الجيل- بيروت. • ابن ماجة، السنن، دار الفكر- بيروت. •

стр. 19819

• ابن معين، التاريخ (برواية الدوري) ، جامعة الملك عبد العزيز- مركز البحوث وإحياء التراث الإسلامي (طبعة مصورة) . • معرفة الرجال، مجمع اللغة العربية- دمشق. • ابن منده، كتاب الإيمان، مؤسسة الرسالة- بيروت. • ابن منظور، لسان العرب، دار الفكر- بيروت. • أبو داود السجستاني، السنن، دار الفكر، بيروت. • أبو داود الطيالسي، المسند، دار المعرفة- بيروت. • أبو عبد الله الحاكم، المستدرك، دار المعرفة- بيروت. • معرفة علوم الحديث، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت. • أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية، مكتبة الخانجي- القاهرة. • أبو عوانة، المسند (المستخرج على صحيح مسلم) ، مكتبة السنة- بيروت. • أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء، دار الكتب العلمية- بيروت. • ذكر أخبار إصبهان، دار الكتاب الإسلامي (طبعة مصورة عنها) . • أبو هلال العسكري، الفروق في اللغة، دار الآفاق الجديدة- بيروت. • أبو يعلى الموصلي، المسند، دار المأمون للتراث- دمشق. • أبو يوسف، كتاب الخراج، دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت. • أحمد نشأت، رسالة الإثبات، لم يذكر اسمها ولا مكان الطبع، ويظهر أنها طبعة مسروقة. • جيرار كورنو (ترجمة منصور القاضي) ، معجم المصطلحات القانونية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت. • سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، دار الفكر- بيروت. • سعيد بن منصور، السنن، دار الكتب العلمية- بيروت. • عبد بن حميد، المنتخب، دار الأرقم- الكويت. • عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المصنف، المكتب الإسلامي- بيروت. • عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، مؤسسة الرسالة- بيروت •

стр. 19820

• مالك، الموطأ (برواية أبي مصعب الزهري، مؤسسة الرسالة- بيروت. • وبرواية الحدثاني، دار الغرب الإسلامي- بيروت. • وبرواية الشيباني، المكتبة العلمية- بيروت. • وبرواية الليثي، دار الغرب الإسلامي- بيروت. • وكيع، أخبار القضاة، عالم الكتب- بيروت. • ول ديورنت (ترجمة د. زكي نجيب محمود) قصة الحضارة، لجنة التأليف والترجمة- القاهرة. • الأزهري، تهذيب اللغة، الدار المصرية للتأليف والترجمة- القاهرة. • البخاري، التاريخ الكبير، دار الكتب العلمية- بيروت. • الصحيح، المكتبة العصرية- صيدا- بيروت. • الضعفاء الصغير، عالم الكتب، بيروت. • البزار، البحر الزخار (المسند) ، مكتبة العلوم والحكم- المدينة المنورة. • البغوي، شرح السنة، المكتب الإسلامي- بيروت. • معالم التنزيل، دار الفكر- بيروت. • البوصيري، إتحاف الخيرة المهرة، مكتبة الرشد- الرياض. • البيهقي، دلائل النبوة، دار الكتب العلمية- بيروت. • الزهد الكبير، مؤسسة الكتب الثقافية- بيروت. • السنن الكبرى، دار الفكر- بيروت. • شعب الإيمان، دار الكتب العلمية- بيروت. • معرفة السنن والآثار، جامعة الدراسات الإسلامية- كراتشي- باكستان. ودار قتيبة- دمشق - بيروت. ودار الوعي- حلب - سورية. ودار الوفاء- المنصورة - القاهرة. •

стр. 19821

• الترمذي، الجامع الكبير، دار الغرب الإسلامي- بيروت. • العلل الكبير، مكتبة النهضة العربية- بيروت. • الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان - بيروت. • الجوهري، الصحاح، دار العلم للملايين- بيروت. • الجوهري، مسند الموطأ، دار الغرب الإسلامي- بيروت. • الحميدي، المسند، عالم الكتب- بيروت. • الحميضي، القضاء ونظامه في الكتاب والسنة، المملكة العربية السعودية - جامعة أم القرى. معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي. مركز بحوث الدراسات الإسلامية- مكة المكرمة. • الخطيب، تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية- بيروت. • الدارقطني، السنن، دار المحاسن للطباعة- القاهرة. • الدارمي، السنن، دار القلم- دمشق. • الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة- بيروت. • الرازي، الجرح والتعديل، دار الكتب العلمية- بيروت. • الزمخشري، أساس البلاغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة. • السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، دار إحياء التراث العربي- بيروت (طبعة مصورة) . • السيوطي، اللآلي المصنوعة، دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت. • الشافعي، كتاب الأم، دار الكتب العلمية- بيروت. • المسند، دار الكتب العلمية- بيروت. • الطبراني، المعجم الكبير، مطبعة الامة- بغداد. • المعجم الأوسط، مكتبة المعارف- الرياض. • المعجم الصغير (الروض الداني) ، المكتب الإسلامي- بيروت. ودار عمان - عمان. •

стр. 19822

• الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف- القاهرة. • جامع البيان، دار الفكر- بيروت. • الطحاوي، شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة- بيروت. • شرح معاني الآثار، دار الكتب العلمية- بيروت. • الطرسوسي، مسند عبد الله بن عمر، دار النفائس- بيروت. • العقيلي، كتاب الضعفاء الكبير، دار الكتب العلمية- بيروت. • الفراهيدي، كتاب العين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات- بيروت. لجنة إحياء التراث الإسلامي- القاهرة. • الفيروز أبادي، بصائر ذوي التمييز، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. • القرافي، الإحكام، مكتب المطبوعات الإسلامية- حلب - سورية. • الفروق، دار المعرفة – بيروت- لبنان. • القشيري، الصحيح، دار إحياء التراث العربي- بيروت. • الكنى والأسماء، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. • القضاعي، المسند، مؤسسة الرسالة- بيروت. • المزي، تحفة الأشراف، المكتب الإسلامي- بيروت. • والدار القيمة- بمباي- الهند. • تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة- بيروت. • المقدسي، الأحاديث المختارة، مكتبة النهضة الحديثة- مكة المكرمة. • المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، دار الفكر المعاصر- بيروت. • ودار الفكر- دمشق. • النسائي، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية- بيروت. • السنن الصغرى (المجتبى) ، مكتب المطبوعات الإسلامية- حلب - سورية. • الهروي، غريب الحديث، دار الكتاب العربي- بيروت. • كتاب الأموال، دار الشروق- بيروت- القاهرة. • الهيثمي، كشف الأستار عن زوائد البزار، مؤسسة الرسالة- بيروت. • مجمع الزوائد (بغية الرائد) ، دار الفكر- بيروت. • الواحدي، أسباب النزول، دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة. • ومؤسسة علوم القرآن- بيروت.

стр. 19823

الطرق الحكمية في القرائن كوسيلة إثبات شرعية إعداد الدكتور حسن بن محمد سفر أستاذ نظم الحكم الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز قسم الدراسات الإسلامية والمشرف العام على مكتب وزير الحج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي قضى بالحق وهو العليم الحكيم، أقام سمواته وأرضه بالعدل، وأنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، حكيم في قضائه، عدل في جزائه. والصلاة والسلام على من أنزل عليه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: فإن الحكم بين الناس وفصل القضاء مقامه عظيم وشأنه كبير ومنزلته عالية، ففيه تحصيل المصالح والمنافع للأمة، وفيه قضاء على الفوضى والتظالم، حيث يحسم الحكم التنازع بين الخصوم وفي ذلك رضاء للخالق والخلق. لذلك نجد أن الشريعة الإسلامية اهتمت بأمر الحكم وولاية القضاء وما يتصل بها من آداب وأحكام كما اهتمت بوسائل إثبات الحق وطرقه. وإن من طرق الإثبات الشرعية، أو طرق الحكم التي يعتمد عليها القضاة في النظام الإسلامي ويعول عليها، وسائل الإثبات الشرعية التي يستقرى في التنظيم القضائي في الدولة الإسلامية طرقها لمعرفة الحق، وإبطال الباطل، وإن منها وسيلة (القرائن) . وهذا البحث الفقهي المتواضع المقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثانية عشرة يتطرق بالبحث والاستقراء إلى وسيلة القرينة كوسيلة شرعية لإثبات الحق، سميته: (الطرق الحكمية في القرينة كوسيلة إثبات شرعية) ..وقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى خمسة أمور:

стр. 19824

الأمر الأول في تعريف القرينة تعريف القرينة: من المسلم به أنه لكل شيء حقيقة يقوم عليها..وطبيعة يتميز بها عن غيره، حتى يأخذ شكله العام. وبهذه الحقيقة تتباين الأشياء وتتميز ... وتظهر الخصائص ... وهذا يقتضي منا تعريف القرينة عند علماء اللغة وفقهاء الشريعة. ١- تعريف القرينة لغة: القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، يقال: فلان قرين لفلان، أي مصاحب له، ويقال: اقترن الشيء بغيره أي صاحبه، ويقال: قرنت الشيء بالشيء وصلته به. ويقال: قرينة الرجل أي زوجته، لمصاحبتها له. وسميت القرينة بهذا الاسم، لأن لها نوعا من الصلة بالشيء. أو الأمر الذي يستدل بها عليه (١) . وجاء في غريب القرآن (٢) : الاقتران كالازدواج في كونه اجتماع شيئين، أو أشياء في معنى من المعاني. قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .

стр. 19825

٢- تعريف القرينة في الاصطلاح: عرّف الفقهاء القدامى القرينة بأنها: الأمارة.. أو العلامة.. وهذا تعريف بالمراد، ولعل السبب في تعريفها هو وضوح معناها وعدم خفائها.. وبناء على ذلك نستطيع أن نقول: عرّفوها بأنها الأمارة المعلومة التي تدل على أمر مجهول على سبيل الظن. وعرفها المتأخرون من الفقهاء بتعريفات مختلفة: فعرفها الشريف الجرجاني (١) بأنها أمر يشير إلى المطلوب. وعرفها الأستاذ مصطفى الزرقاء (٢) بأنها كل أمارة ظاهرة تقارن شيئا خفيا وتدل عليه. وهذان التعريفان غير جامعين، لأنه يدخل فيهما القرينة عند الفقهاء وعند غيرهم.. وشرط التعريف أن يكون جامعا مانعا، ومن ثم نستبعد هذين التعريفين. كما عرفها الشيخ فتح الله زيد بقوله: هي الأمارة التي نص عليها الشارع أو استنبطها أئمة الشريعة باجتهادهم واستنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال (٣) . وهذا التعريف أيضا لا يصلح لاقتصاره على بيان طرق ثبوتها وسبيل وجودها، فبقي معناها خفيا غير مبين. ونستطيع أن نقول بأن القرينة هي: الأمارة التي نص عليها الشارع أو استنبطها الفقهاء باجتهادهم، أو استنتجها القاضي (٤) من وقائع الدعوى وأقوال الخصوم.

стр. 19826

الأمر الثاني في أقسام القرينة أقسام القرينة: تنقسم القرينة إلى عدة أقسام باعتبارات شتي.. كل قسم منها يقوم على اعتبار خاص. وسنقوم بإيراد هذه الأقسام موجزة حسب طبيعة البحث، ثم نقوم بعد ذلك بتوضيح ما أجملناه. فهي تنقسم إجمالا بالاعتبارات الآتية: أ - تقسيمها باعتبار مصدرها ب- تقسيمها باعتبار علاقتها بمدلولاتها. ج- تقسيمها باعتبار قوة أدلتها وضعفها. أ- أقسام القرينة باعتبار المصدر: تنقسم القرينة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أنواع: ١- قرائن منصوص عليها في الكتاب والسنة.. وقد وردت قرائن متعددة فيها. وسنذكر بعض الأمثلة: أولا- ما ورد في القرآن الكريم: - قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦-٢٧] . فقد ادعت امرأة العزيز أن يوسف ﵇ راودها عن نفسها، وأنه حاول جذبها إليه وهي حاولت الفرار من أمامه، وحاول الإمساك بها، فقطعت قميصه، نتيجة دفعها وعدم الوصول إلى ما يبتغيه ويريده منها. وحيث لا بينة لأحدهما على صدق دعواه حيث كذبها يوسف في ادعائها، فجعل شق القميص وتمزيقه قرينة على صدق أحدهما بحيث لو كان من الأمام تكون هي صادقة في ادعائها. لأنه يكون قد طلبها فامتنعت منه وحاولت إبعاده عنها والدفاع عن نفسها وشرفها وعفتها.. وإن كان من الخلف تكون كاذبة في ادعائها، لأنه حاول الهرب والفرار فأمسكته من الخلف فحاول التخلص منها فقطعت قميصه.. ولما تبين أن القد من الخلف صدر الحكم بأن يوسف صادق فيما ادعاه وهي كاذبة في ادعائها (١)

стр. 19827

ثانيا بعض الأمثلة التي وردت في السنة: - قول الرسول ﷺ : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) (١) فقد جعل ﷺ الفراش قرينة لإثبات نسب الولد من الزوج صاحب الفراش، فإذا أنجبت المرأة المتزوجة يكون الولد لزوجها، أما التي لا زوج لها فيكون مصيرها إقامة الحد عليها، لأن عدم وجود زوج لها قرينة على زناها لأن الحمل لابد له من رجل في حياتها، إلا إذا ادعت الإكراه أو غيره. - قول الرسول ﷺ ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن..)) قالوا: وكيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت)) (٢) فالنبي ﷺ جعل السكوت من جانب البكر دليلا على رضاها، واعتمد على قرينة السكوت في الرضا. ثالثا – قرائن منصوص عليها في كتب الفقه: من اجتهاد الفقهاء (القرائن الفقهية) أن الفقهاء رضوان الله عليهم قد استخرجوا بعض القرائن نتيجة اجتهادهم، وسجلت في كتب الفقه والمؤلفات الخاصة بوسائل الإثبات. ومن أمثلتها (٣) : - إبطال بيع المريض مرض الموت لوارثه إلا إذا أجازه بقية الورثة، لأن هذا التصرف قرين على الإضرار ببقية الورثة، وإلحاق الخير بالمشتري، لأنه خصه بشيء وقد يكون حاباه في الثمن فأضر بقية الورثة. - قبول قول الصبيان في الهدايا التي يرسلها بعض الناس معهم. رابعا- القرائن القضائية: وهي التي يستنبطها القاضي بحكم ممارسته القضاء ومعرفته لأحكام الشريعة الغراء. وهذا النوع من القرائن لا يسير على منهج واحد، ولكنه يختلف من قاض لآخر نتيجة قدرة القاضي على الاستنباط، واختلاف القضايا وظروفها وملابستها. مثال هذا النوع ما أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى)) .

стр. 19828

قال الإمام النووي: (ولم يكن مراده أن يقطعة حقيقة، وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم، فلما تميزت بما ذكرت عرفها) (١) . لأنه وجد عندها الشفقة والخوف على الصغير فعلم أنها أمه، لأن الأم كل الذي يهمها أن يعيش ولدها، بصرف النظر في يد من يكون في يدها أم في يد غيرها. ب - أقسام القرائن باعتبار علاقتها بمدلولها: إن القرائن تنقسم باعتبار العلاقة بينها وبين ما تدل عليه إلى نوعين: النوع الأول- قرائن عقلية: وهي التي تكون العلاقة بينها وبين مدلولاتها ثابتة ومستقرة، والتي يقوم العقل باستنتاجها في جميع الظروف كالعثور على وجود رماد في مكان، فإنه يكون قرينة على سبق وجود النار في هذا المكان، لأن النار دائما تخلف الرماد. فجعل الرماد قرينة على وجود النار. النوع الثاني- قرائن عرفية: وهي التي تقوم العلاقة بينها وبين ما تدل عليه على العرف فالعرف هو الذي يدل. ومثال ذلك: امرأة ادعت إكراها على الزنى وقامت القرائن على صدقها، كأن تكون بكرا وجاءت تدمي فإن حد الزنى يسقط (٢) ولا يقام عليها، لوجود قرينة على صدقها، كما أن الحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 19829

جـ- أقسام القرينة باعتبار قوة دلالتها: النوع الأول- قرائن ذات دلالة قوية: (القرائن القطعية) : والمقصود بها القرائن الواضحة التي تجعل الأمر في حيز المقطوع به. ونصت المادة (١٧٤١) من مجلة الأحكام أن (القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين، أي التي لا تحمل الشك بل يقطع بها) (١) . مثال ذلك: إذا خرج أحد من دار خالية خائفا مدهوشا، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل في الدار ورؤي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت، فإنه يشتبه في كونه قاتل ذلك الشخص، ولا يلتفت إلى الاحتمالات الوهمية الصرفة كأن يكن الشخص المذكور ربما قتل نفسه أو قتله آخر وهرب، لأن وجود السكين بيده، ويداه ملطختان بالدم قرينة قوية على أنه هو القاتل، فكل ذلك قرائن تؤيد ارتكابه لجريمة القتل. النوع الثاني- قرائن ذات دلالات ضعيفة: والمقصود هو ما يحتمل الشيء وغيره احتمالا ليس ببعيد ويختص بترجيح إحدى اليدين المتنازعتين، فالقرينة تحتمل شيئين لا مرجح لأحدهما على الآخر. ففي تلك الحالة تكون دلالة القرينة ضعيفة مشكوك فيها. مثال ذلك: أن يقع نزاع بين الزوجين على متاع البيت، فيقضى فيه للرجل بما يناسب الرجال وللمرأة بما يناسب النساء (٢) مع العلم أنه قد يكون كله ملكا للزوج أو للزوجة، ولكن لما انعدم الدليل عملنا بالقرينة الضعيفة، فما يحتمل أنه للرجل ألحقناه به، وما يحتمل أنه للمرأة ألحقناه بها. النوع الثالث- قرائن ذات دلالة ملغاة: وهي أن تتعارض قرينتان وتكون إحداهما أقوى من الأخرى، وبالتالي تكون القرينة المرجوحة منهما ملغاة لا يعتد بها ولا يلتفت إليها. كأن يتنازع مالك الدار مع خياط يعمل في داره على آلة خياطة فإنه يحكم بها للخياط. ولا يلتفت إلى المالك، لأن قرينة اليد عورضت بقرينة أقوى وهي أن هذه الأشياء غالبا تكون مملوكة للخياط، فألغينا القرينة الضعيفة وهي قرينة اليد وطرحناها ولم نعمل بها.

стр. 19830

الأمر الثالث في حجية القرائن حجية القرائن: إن المطلع والباحث في كتب فقه المذاهب الأربعة يتضح له بكل جلاء ووضوح أن الفقهاء رضوان الله عليهم لم يذكروا القرائن صراحة في باب البينات، ولم يفردوا بحثا مستقلا كبقية وسائل الإثبات (الإقرار- الشهادة - اليمين) . لكنهم بالرغم من ذك أخذوا بها في مسائل كثيرة.. وإن وقف منها بعض الفقهاء موقفا حذرا، أو صرحوا بعدم الأخذ بها، وبعدم اعتبارها دليلا من أدلة الإثبات التي يعتمد عليها ويعمل بمقتضاها. وعلى ذلك نستطيع القول بأن الفقهاء اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: أن القرائن تعتبر طريقا من طرق الإثبات، ويجوز الاعتماد عليها واعتبارها حجة ودليلا من أدلة الإثبات المعتمدة، ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء (١) . وقد استدلوا على ذلك بالقرآن والسنة والمعقول.

стр. 19831

ففي القرآن آيات كثيرة منها: ١- قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] فلقد نص ابن فرحون على اعتبار القرينة حجة في الإثبات (١) . فقد دلت هذه الآية الكريمة أن سيدنا يعقوب ﵇ لم يقتنع بدعوى أولاده أن الذئب افترس يوسف وقضى عليه، وأنه لا ذنب لهم في ذلك، بل اتهمهم بأن أنفسهم سولت لهم أمرا آخر. وأن دعوى الذئب كاذبة لا أساس لها من الصحة، وذلك لوجود قرائن تدل على كذبهم وهي (٢) : أنه لما تفحص القميص لم يجد تمزيقا ولا أثر لأنياب الذئب، فاستدل بذلك على كذبهم وأن دعواهم باطلة لا أساس لها من الصحة، ولا من الواقع، لأنه لو أكله الذئب لخرق قميصه ومزقه تمزيقا ظاهرا لا خفاء ولا غموض فيه، لأنه لم يصل إلى اللحم إلا بتمزيق الثياب. أ - أن يعقوب ﵇ لما أنكر قصة الذئب تناقضوا في كلامهم، فقال بعضهم لقد قتله اللصوص..فأنكر عليهم هذا القول، لأن اللصوص ما قتلوه إلا لأخذ ملابسه وما معه، فكيف يتركوا القميص الذي هو الأساس الأول للسرقة. ٢- قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦- ٢٨] . ففي هذه الآية دليل واضح على العمل بالأمارات، حيث إن الشاهد قد استدل بقرينة قد القميص من قبل أو دبر على صدق أحدهما وكذب الآخر. ٣- قال تعالى: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] .

стр. 19832

فهذه الآية الكريمة تفيد بأن أخوة يوسف ﵈ علقوا الجزاء على ما تثبت به التهمة، فحين سئلوا عن جزاء من تثبت السرقة في حقه..ردوا بأن جزاءه كجزائه عندنا وهو أن يؤخذ رقيقا (١) . كما علقوا هذا الجزاء على ثبوت التهمة، وثبوت التهمة يكون بوجود الصواع داخل الرحل، لأن وجوده في الرحل قرينة وعلامة على أن السارق هو الذي أخفاه في رحله..وهذا دليل على مشروعية العمل بالقرائن. ٤- قال الله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] . فهذه الأدلة المستفادة من القرآن الكريم تفيد العمل بالقرائن واعتبارها حجة يعمل بها ودليلا من أدلة الإثبات التي يعتمد عليها، ويبني عليها القاضي حكمه. أما السنة فأحاديث متعددة منها على سبيل المثال: ١- ما رواه البخاري ومسلم (٢) أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر. فقال لهما الرسول ﷺ ((هل مسحتما سيفكما..؟)) قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال ((كلاكما قتله)) ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. فنظره ﷺ في السيفين إنما هو ليرجح القاتل بما يراه من أثر الطعان، وصبغ الدم وإنما خص أحدهما بسلبه.. حيث أنه بفحص السيفين ترجح عنده أن صاحب هذا السيف هو الذي قتله، لأن سيفه أنفذ من سيف الآخر وعليه يكون قوله كلاهما قتله تطيبا لنفس الآخر من حيث إن له بعض المشاركة.. وبذلك يثبت جواز الاعتماد على القرائن في الحكم بين الناس حيث دل الدم على السيفين بأنهما اشتركا في قتله وإنما خص معاذ بن الجموح بالسلب، لأن سيفه كان أعمق في جسم أبي جهل بدليل الدم الزائد. فالنبي ﷺ عمل بالقرينة هنا وهو أن غور سيف أحدهما أكثر من الآخر قرينة على أنه القاتل، لأن سيفه أنفذ وهو الذي يتحقق به القتل غالبا.

стр. 19833

٢- قول الرسول ﷺ : ((لا تنكح الأيم)) (١) حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن.. فقالوا: يا رسول الله، وكيف أذنها..؟ قال: ((أن تسكت)) (٢) . فالنبي ﷺ جعل سكوتها قرينة على الرضى، لأن حياءها يمنعها من التصريح بالقبول، وتجوز الشهادة عليها بانها رضيت.. وهذا من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن (٣) . وأما المعقول: فقد استدلوا على حجية القرائن بالمعقول من وجوه: أ- إن ترك العمل بالقرائن يؤدي إلى تضيع الحقوق، ويعطي الفرصة للمجرمين لتحقيق مصالحهم ومآربهم الفاسدة، وهذا لا يتمشى مع قصد الشارع من المحافظة على حقوق وردع المجرمين؛ لأن عدم العمل بها يؤدي إلى إضاعة الحقوق، وتعطيل كثير من الأحكام، والإسلام يرفض ذلك. جاء في الطرق الحكمية (٤) : (فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية، فقد عطل كثيرا من الأحكام، وضيع كثيرا من الحقوق..) . ب_ إنه من غير المعقول أن يلغي الشارع اعتبار القرائن مع أنه أقر ما هو أقل منها دلالة في الإثبات لاسيما إذا علمنا أن مقصود الشارع تحقيق العدل بين الناس. وهو لا يتحقق إلا إذا اعتمد على القرائن وغيرها من طرق الإثبات الأخرى في الإثبات حتى لا تضيع الحقوق، وينتصر الظلم. كما ثبتت القرائن بأقوال الصحابة وأفعالهم من ذلك.

стр. 19834

قال ابن القيم (١) وقد حكم عمر ﵁ والصحابة معه برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد. وروي عن علي ﵁ أنه قال (٢) : يا أيها الناس إن الزنا زنيان. زنا سر، وزنا علانية، وزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحمل أو الاعتراف. فعلي ﵁ جعل ظهور الحمل قرينة على الزنا، وهذا دليل على مشروعية القضاء بالقرائن. وأنه حجة ووسيلة يتوصل بها إلى إثبات الحقوق لأصحابها ومعاقبة الظالمين (٣) القول الثاني: إن القرائن لا تعتبر حجة، ولا تصلح دليلا من أدلة الإثبات، ولا يجوز الاعتداد بها شرعا ولا العمل بمقتضها، وبالتالي لا يثبت بها أي حق من الحقوق ولا تكون وسيلة من وسائل الإثبات. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجصاص (٤) ، وبعض المالكية كالقرافي، وبعض المعاصرين كالشيخ علي قراعة ﵀.

стр. 19835

فقد جاء في الفروق (١) للقرافي: (كما أن قرائن الأحوال لا تثبت بها الأحكام والفتاوى) ، وإن حصلت ظناً أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد، لأن الشرع لم يجعلها كالفتوى والقضاء. وقال خير الدين الرملي من فقهاء الحنفية: (حجج الشرع ثلاثة وهي البينة أو الإقرار أو النكول) .. ثم قال: (إن الحكم بغير واحد منها لا يجوز) (٢) . وقد استدلوا على ذلك بالسنة والمعقول. فالسنة أحاديث منها: ١- ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها)) (٣) . ٢- فالنبي ﷺ يخبرنا بأنه لو كان يجوز العمل بالقرائن واعتبارها دليلا مشروعا من أدلة الإثبات، لأقام الحد على هذه المرأة لما ثبت عنده من أمارات على زناها. ولكن النبي ﷺ أهدر هذه القرائن ولم يعمل بها، فدل ذلك على عدم مشروعية القرائن، وعدم العمل بها، والاعتداد بها كدليل من أدلة الإثبات، لأنه لو كان يجوز الإثبات بالقرائن ما ترك الرسول ﷺ الحكم عليها بالحد.

стр. 19836

واعترض على هذا الاستدلال بأننا لا نسلم بأن الرسول لم يعمل بالقرائن في جميع الأحوال بل استبعدها هنا ولم يحكم بها، لأنها كانت ضعيفة وليست بالقوية التي يحتج بها، وبما أنها قرينة ضعيفة فتكون شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وشتان ما بين أنه استبعد قرينة ضعيفة وبين أنه لم يعمل بها. وإن سلمنا بجواز الاستدلال بالحديث فهذا خاص بإثبات الزنا دون بقية المعاملات فيجوز الاحتجاج بالقرائن فيما عدا الحدود، لأن طبيعة الحدود أنها تسقط بالشبهة، أما المعاملات وغيرها فلا يطبق عليها هذا المبدأ. وأما المعقول: فقالوا بأن القرائن ليست مطردة ولا منضبطة لاختلافها قوة وضعفا، ومن كان على هذا الشكل لا يصح الاحتجاج به. كما أن القرائن قد تبدو قوية ثم يعتريها الضعف. وكذلك فإنها تقوم على الظن والتخمين، والظن ليس دليلا، والقرآن ندد باتباع الظن فقال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٨] ، وقال رسول الله ﷺ ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) (١) . الرأي الراجح: بعد استعراض أدلة القائلين بحجية القرائن، وأدلة المانعين يظهر لنا بكل جلاء ووضوح بأن الرأي القائل بحجية القرائن، والعمل بها وأنها طريق من طرق الإثبات هو الرأي الراجح الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح له الضمير، ويشعر الإنسان معه بالاطمئنان حيث يستطيع بها إقامة العدل بين الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها، وذلك لما يلي: ١- إن أدلة المانعين أدلة ضعيفة واهية لا تصلح للاستدلال، بخلاف أدلة القائلين بالحجية فإنها أدلة قوية، ولم يوجه إليها من النقد ما يوهنها أو يضعف شأنها. ٢- أن القول بحجية القرائن هو الأرجح حتى لا تضيع الحقوق ويتمادى المعتدون في سلبها، وبذلك يتفشى الظلم وييأس الناس من أخذ حقوقهم أو رد الظلم الواقع عليهم.

стр. 19837

الأمر الرابع في أهمية الأخذ بالقرائن أهمية الأخذ بالقرائن: (بعد أن ظهر لنا أن القضاء بالقرائن أصل من أصول الشريعة، سواء في حالة وجود البينة أو الإقرار أم في حال فقد أي دليل من دلائل الإثبات. فقد تمنع القرينة سماع الدعوى كادعاء فقير معسر إقراض غني مؤسر، وقد ترد البينة أو الإقرار في حال وجود التهمة مثل قرابة الشاهد للمشهود له، أو كون الإقرار في مرض الموت، وقد تستخدم القرينة دليلا مرجحا أثناء تعارض البينات مثل وضع اليد ونحوه.. وقد تعتبر القرينة دليلا وحيدا مستقلا إذا لم يوجد دليل سواها، مثل رد دعوى الزوجة القاطنة مع زوجها بعدم الإنفاق عليها في رأي المالكية والحنابلة) (١) .اهـ فمن ذلك نستخلص أن القرائن تفيد في حالات عدة منها: ١- القرينة تمنع سماع الدعوى. ٢- القرينة ترد البينة أو الإقرار حال وجود تهمة. ٣- تستخدم القرينة كدليل مرجح أثناء تعارض البينات. ٤- تعتبر القرينة دليلا وحيدا مستقلا إذا لم يوجد دليل سواها. ذكر ابن القيم في الطرق الحكمية: أن من أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية فقد عطل كثيرا من الأحكام وضيع كثيرا من الحقوق. ومن توسع وجعل اعتماده عليها دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد (٢) .

стр. 19838

الأمر الخامس في الإثبات بالقرائن المستحدثة ومواقف الفقه الإسلامي منها الإثبات بالقرائن المستحدثة: من المعلوم بالضرورة أن المتبع للجريمة في العصور المختلفة يعلم أن المجرمين كانوا في العصور الأولى يرتكبون جرائمهم بوسائل بسيطة يسهل على رجال المباحث والأمن اكتشافها بسهولة ودون تعب ونصب ... ونتيجة للتطور الهائل والثورة العلمية التي وصلت إليها المعرفة تفنن المجرمون في طرق مختلفة لارتكاب جرائمهم. وكذلك رجال الأمن تفننوا في طريقة معرفة الجناة بوسائل حديثة تتناسب مع تطور الجريمة والمجرمين. وهذا موضوع متشعب الجوانب، متعدد الأطراف، والذي يهمنا منه هو معرفة حكم الفقه الإسلامي في القرائن المستحدثة التي نشأت مع تطور الجريمة ولم تكن معروفة عند سلفنا الصالح من الفقهاء، ولم تعرف إلا في هذا القرن، وسنحاول بيان الحكم الشرعي في القرائن الآتية: ١- البصمات. ٢- آثار الأقدام. ٣- الكلاب البوليسية. ٤- تحليل الدم والبول. ٥- التصوير الفوتوغرافي. ٦- تسجيل الصوت.

стр. 19839

أولا- آثار البصمات: البصمات: هي عبارة عن خطوط بارزة دقيقة يتخللها فراغ، وتوجد فوق باطن اليد، وأطراف الأكف والأصابع. ولقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن لكل إنسان بصمة خاصة به. وهذه البصمات لا يمكن أن تتطابق مع شخصين حتى ولو كانا توأمين (١) . وهذه معجزة إلهية تدل على قدرته وأنه الخالق فقد قال الله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٣-٤] . قيمة البصمات في الأثبات من الناحية الشرعية: بالطبع لم يتعرض سلفنا الصالح للإثبات بطريق البصمات، لأنها لم تعرف في عصرهم وإنما عرفت في دول أوروبة سنة (١٨٩٠م) .. ولكن يمكن القول بأن موقفهم من بقية القرائن ينسحب على البصمات فنقول: ١- جرائم الحدود لا تثبت بهذه القرينة، وإن كان يجوز القبض على صاحبها والتحقيق معه، لأنه ربما تظهر الحقيقة ويعرف الجاني، وتقام عليه العقوبة. ٢- جرائم غير الحدود والدماء فيمكن معرفة رأيهم بما ذكروه في القرائن المعروفة في عصرهم وقد توسعوا في الأخذ بها، وبعض العلماء في عصرنا قال: تعتبر دليلا من أدلة الإثبات.

стр. 19840

ثانيا- آثار الأقدام: إن من أهم الوسائل التي يستطيع بها رجال الأمن القبض على الجناة ومعرفتهم لاسيما في جرائم السرقة والقتل وجود آثار لأقدام الجناة في مكان الجريمة وهذه القرينة كانت معروفة عند العرب قديما، وكانت تسمى بالقيافة كما أن لها أصل في الشريعة الإسلامية فقد أخرج البخاري عن أنس ﵁ الله عنه أنه قال: (إن نفر من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوا على الإسلام فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: ((أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها)) قالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا فقتلوا راعي رسول الله ﷺ واطردوا النعم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأرسل في آثارهم فأدركوا فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا) (١) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ اعتمد آثار الأقدام في البحث عن الجناة حتى جيء بهم إليه، فلو لم تكن آثار الأقدام دليلا لتركه الرسول ﷺ . قيمة آثار الأقدام في الإثبات: ما سبق ذكره في البصمات يقال هنا.. كما أن وجود آثار أقدام شخص في محل وقوع الجريمة لا يلزم منه ارتكابه لهذه الجريمة، لجواز أن يكون وجوده لسبب آخر.. بل يمكن أن يكون قرينة تخول لرجال الأمن القبض على صاحبها والتحقيق معه.

стр. 19841

ثالثا - الكلاب البوليسية: من القرائن الحديثة ما توصل إليه رجال الأمن أنه بالمستطاع التعرف على المجرمين بواسطة الكلاب البوليسية عن طريق حاسة الشم القوية التي تمتاز بها الكلاب المدربة تدريبا قويا.. ولقد دلت التجارب على فاعليتها في التعرف على الجناية، ولذلك اعتبرها رجال القانون وسيلة للتعرف على الجناة (١) . أما في الشريعة الإسلامية: من المعروف أن الشريعة الإسلامية شددت في الإثبات في مجالي الحدود والقصاص.. وعلى ذلك فإنها لا تعتبر دليلا للإثبات ولكنها قرينة تسوغ لرجل الأمن القبض على الجاني والتحقيق معه. رابعا- تحليل الدم والبول: إذا وجد على ملابس المتهم أو في محل الجريمة بقعة دم أو بول في مكان الجريمة، فيمكن تحليلها وتعتبر قرينة على إدانة المتهم، ومن ثم يمكن التحقيق مع المتهم، والقبض عليه. ولكن بالرغم من ذلك لا يجوز التعويل عليها وحدها لتوقيع العقاب على المتهم وإن كان الفقه الإسلامي لا يمانع في التعويل على التحاليل الطبية في الدلالة على شخصية الجاني.. وقد وجدت آثار كثيرة مروية عن الصحابة في ذلك (٢) .

стр. 19842

خامسا-التصوير (الفوتوغرافي) : والمقصود التقاط الصورة أثناء ارتكاب الجريمة، وتصور المسألة هي فيما لو أقام شخص دعوى على شخص بأنه قد سرق حانوته وليس هناك بينة ولا اعتراف إلا صورة يدعي المدعي أنه التقطها للمتهم وهو يقترف جريمة السرقة، فهل تؤخذ هذه الصورة كقرينة لإدانته؟ للإجابة على هذا التساؤل نقول بأن الفقهاء أبانوا أن دلالة الصورة على أن صاحبها قد سرق دلالة ضعيفة واهية لا تقوم عليها حجة ولا تصلح أساسا يعتمد عليه القضاة في إثبات حد السرقة على المصور. ذلك أنه يحتمل أن تدبلج الصورة وتستخدم لأغراض كثيرة كما هو معمول به اليوم في دور المسارح والسينما، وفي هذا تزوير وتمويه يدل دلالة واضحة على نسفها كدليل أو قرينة، ومن ثم لا يمكن الاستدلال بها أو الأخذ بها في القضاء الإسلامي كوسيلة شرعية (١) ، إضافة إلى أن فيها تجسس وكشف للعورات. سادسا- تسجيل الصوت: والمقصود به استخدام الأجهزة في تسجيل الصوت على شرائط تحفظ ثم يبرزها المدعي كقرينة لإدانة المدعى عليه. ففقهاء الشريعة أبانوا أن هذه قرينة واهية وضعيفة وذلك لوجود تقليد في الأصوات وتشابه وتماثل وهذا ما أثبتته دور المسارح والتمثيليات فقد يزور ويقلد الصوت إضافة إلى ما فيه من استراق السمع وجريمة التجسس وهو ما نهى عنه الشارع الحكيم. وخلاصة القول في ذلك أنها قرائن ضعيفة لا يعتد بها ولا تعتبر حجة فالمعتبر ما وافق روح الشريعة ومقاصدها في المحافظة على استقرار العباد وأمنهم والمحافظة على أعراضهم وحرماتهم.. قال الشيخ ابن القيم ﵀: (إن الله سبحانه أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة وما يسره من الدين على لسان رسوله ﷺ وسهله للأمة عن الدخول في الآصار والأغلال وعن ارتكاب طرق المنكر والخداع) (٢) ، وبعد أن ذكر أمثلة عديدة لما أغنانا الله به عن غيره مما هو غير مشروع قال: (وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية عن طرق المكر والاحتيال) (٣) ، فهو بهذا يرى أن الاعتبار هو للطرق التي رسمها الشرع لا لطرق أهل المكر والتزوير والتدليس والاحتيال والتقليد والتمويه.

стр. 19843

خاتمة بعد استعراض أقوال الفقهاء وأدلتهم، وذكر نماذج عملهم بالقرائن يتضح لنا ما يلي: ١- إن الفقهاء مجمعون على الأخذ بالقرائن في الجملة، وإن اختلفوا في التفصيل..فمنهم من ذكرها صراحة واعتبرها وسيلة من وسائل الإثبات ومنهم من ذكرها في مسألة.. وفي هذا يقول الشيخ محمود شلتوت (١) : (ومما ينبغي المسارعة إليه أن الناظر في كتب الأئمة يجد أنهم مجمعون على مبدأ الأخذ بالقرائن في الحكم والقضاء وأن أوسع المذاهب في الأخذ بها هو مذهب المالكية ثم الحنابلة ثم الشافعية ثم الحنفية، ولا يكاد مذهب من المذاهب الإسلامية يخلو من العمل بالقرائن حتى بالنسبة لمن أنكرها) . ٢- إن القرائن في النظام القضائي الإسلامي ليست مقصورة على القرائن الشرعية بل تشمل كل أمارة يمكن استنباطها. ٣- إن القرائن أصل مستقل جاء الدليل الشرعي بتقريرها وإثباتها. ٤- إن العمل بالقرائن له أهمية عظمى لا يستطيع أحد إنكاره، خصوصا عندما لا يثير دليل آخر فنكون في أمس الحاجة إليها، لأنها توصلنا إلى الحقيقة وإنصاف المظلوم. ٥- إن القرائن منها ما نص الشارع عليها، وفي تلك الحالة يجب على القاضي العمل بمقتضاها كقرينة للفراش في قول الرسول ﷺ : الولد للفراش. ٦- إن العمل بالقرائن يحتاج إلى رجحان العقل وصفاء الذهن، والتثبت فيها وعدم التعجل في الحكم بها. ٧- إن القرائن دليل من أدلة الإثبات التي لا يجوز إهمالها، بل اعتبرها الشارع الحكيم، وعمل بها الرسول وصحابته. ٨- إن العمل بالقرائن فيه إثراء للفقه الإسلامي، وإعطاء الدليل العملي على صلاحية الفقه الإسلامي لأن تستنبط منه الأدلة. هذا ما حاولت إيضاحه وبيانه، أسأل الله التوفيق والسداد.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.. وكتبه الدكتور حسن بن محمد سفر

стр. 19844

المراجع والمصادر أولا- المعاجم والمصطلحات الفقهية: ١- الكليات لأبي البقاء. دمشق -إحياء التراث العربي. ١٩٨٢م. ٢- دستور العلماء: لعبد النبي تكري- بيروت – مؤسسة الأعظمي. ٣- التعريفات: للشريف الجرجاني- بيروت – دار الكتب العلمية. ٤- طلبة الطلبة: للإمام النسفي –بيروت – دار القلم. ٥- المطلع على أبواب المقنع: لأبي عبد الله شمس الدين الفتح البعلي الحنبلي - بيروت – المكتب الإسلامي. ٦- مقدمة في بيان المصطلحات الفقهية على المذهب الحنبلي. علي بن محمد الهندي – مكة – مطابع قريش. ٧- التعريفات الفقهية: للإمام المفتي محمد عميم الإحسان المجددي – حيدر آباد كراتشي. ٨- الدر النقي من شرح ألفاظ الخرقي: للإمام أبي المحاسن يوسف الحنبلي – جدة - دار المجتمع. ٩- معجم المصطلحات الفقهية في الفقه القضائي الإسلامي: حسن بن محمد سفر. ١٤١٨هـ.

стр. 19845

ثانيا- الفقه الإسلامي: ١- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: للإمام ابن القيم الجوزية، المطبعة السلفية. ٢- كشف القناع على متن الإقناع: للإمام البهوتي – مكة المكرمة. ١٣٩٤هـ. ٣- المغني: للإمام ابن قدامة. ٤- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: للإمام الرملي مع حاشية أبي الضياء علي الشبراملسي. ٥- الأحكام السلطانية: للإمام الماوردي. ٦- الاختيار لتعليل المختار: للإمام الموصلي. ٧- البحر الرائق شرح كنز الدقائق: للإمام ابن نجيم. ٨- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: للإمام الكاساني. ٩- شرح غرر الأحكام: للإمام ملا خسرو الحفني مع حاشية الشرنبلالي- إستنبول. ١٠- الفتاوى الهندية.. لمحمد أدرنك، دار المعرفة بيروت. ١١- معين الحكام فيما يتردد بين الخصوم من الأحكام: للإمام الطرابلسي- مصر ط٢. ١٢- شرح ميارة تحفة الحكام: للإمام محمد بن أحمد ميارة، المكتبة التجارية. ١٣- البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار: للإمام المرتضى، المكتبة الخانجية. ١٤- حاشية رد المحتار وتكملتها على الدر المختار: للإمام ابن عابدين، دار الفكر- بيروت.

стр. 19846

١٥- رسائل ابن نجيم الحنفي. تحقيق خليل الميس، دار الكتب العلمية- بيروت. ١٦- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: للإمام ابن فرحون، دار الكتب العلمية- بيروت. ١٧- العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام: للإمام الكناني مطبوع على هامش تبصرة الحكام. ١٨- وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد مصطفى الزحيلي، دار البيان – دمشق ط١، ١٩٨٢م. ١٩- نظرية الدعوى بين الشريعة وقانون المرافعات: محمد نعيم ياسين، مطبوعات وزارة الأوقاف الأردنية – عمان. ٢٠- طرق القضاء في الشريعة الإسلامية لأحمد إبراهيم، المكتبة السلفية. ٢١- الإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي لإبراهيم الفائز- بيروت، المكتب الإسلامي١٤٠٣هـ. ٢٢- القرائن ودورها في الإثبات في الفقه الجنائي: للدكتور أنور محمود دبور، دار الثقافة العربية، ١٤٠٥هـ- القاهرة. ٢٣- نظام القضاء وطرق الإثبات والمرافعات الشرعية للدكتور حسن بن محمد سفر،١٤١٩هـ

стр. 19847

٢٤- نظام إثبات الدعوى وأدلته في الفقه الإسلامي والقانون: للمستشار علي رسلان- الإسكندرية، دار الدعوة، ١٤١٧هـ. ٢٥- أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية، دراسة وموازنة: للعلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد – بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٦هـ، ط. الأولى. ٢٦- درر الحكام شرح مجلة الأحكام: علي حيدر- بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١١هـ، ط. الأولى. ٢٧- الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية على مذهب المالكية: تأليف العلامة سيدى محمد عبد العزيز جعيط- تونس، مكتبة الاستقامة، ط. الثانية. ٢٨- تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام: لمحمد بن عيسى بن المناصف- تونس، دار التركي للنشر، ١٩٨٨م. ٢٩- القضاء ونظام الإثبات في الفقه الإسلامي، والأنظمة الوضعية: د. محمود محمد هاشم، جامعة الملك سعود- الرياض، ١٤٠٨هـ. ٣٠- أصول المحاكمات الشرعية والمدنية: أستاذنا محمد مصطفى الزحيلي- دمشق. دار الكتاب، ١٤١٢هـ. ٣١- قانون المرافعات وإجراءات التقاضي: د. أحمد عبد العزيز الألفي- الرياض، معهد الإدارة العامة، ١٣٩٣هـ. ٣٢- الادعاء العام والمحاكمة الجنائية وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية: د. عمار النجار، معهد الإدراة العامة- الرياض، ١٤١٧هـ.

стр. 19848

دور القرائن والأمارات في الإثبات إعداد الدكتور عوض عبد الله أبو بكر أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون جامعة الخرطوم الفصل الأول التعريف بالقرينة وما تفيده من علم وهو يتضمن: • المبحث الأول: التعريف بالقرينة. • المبحث الثاني: العلم المتحصل من القرائن. المبحث الأول التعريف بالقرينة معنى القرينة لغة: القرينة جمعها قرائن، قارن الشيء يقارنه وقرانا، اقترن به وصاحبه، وقارنته قرانا، صاحبته، وقرينة الرجل امرأته، وسميت الزوجة قرينة، لمقارنة الرجل إياها، والقران المصاحبة كالمقارنة، وقرينة الكلام ما يصاحبه، ويدل على المراد به، والقرين المصاحب، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، في الحديث ((ما من أحد إلا وكل به قرينه)) (١) ، أي مصاحبه من الملائكة والشياطين (٢) .

стр. 19849

معنى القرينة اصطلاحا: الباحث في القرينة في كتب الفقه الإسلامي القديمة لا يجد لها نظرية واضحة تتجلى فيها تعريفاتها، وضوابطها، كما تتوافر ذلك لبعض أدلة الإثبات الأخرى، كالإقرار والبينة، وإنما جاء الكلام فيها مبعثرا ومتفرقا على أبواب الفقه المختلفة، وربما يرجع ذلك إلى أن القرينة لم تحظ باتفاق الفقهاء على صلاحيتها كدليل للإثبات. ولهذا فإنني لم أعثر فيما اطلعت عليه من هذه الكتب على تعريف للقرينة إلا ما ورد في كتاب التعريفات للجرجاني حيث يقول: القرينة أمر يشير إلى المطلوب (١) ، وما نقله العلامة ابن نجيم المصري الحنفي عن ابن الغرس من قوله: (من جملة طرق القضاء القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به) (٢) ، ثم جاء في مجلة الأحكام العدلية من أن: (القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين) (٣) . وبالنظر إلى هذه التعريفات نجد أن التعريفين الأخيرين قد اقتصرا على القرينة القاطعة وذلك بذكرهما لقيد- بحيث تصيره في حيز المقطوع به- في أولهما، ولقيد- القاطعة- في ثانيهما، بينما خلا تعريف الجرجاني من هذا القيد- ولعل ذلك مرده إلى أن التعريفين الأخيرين يتحدثان عن القرينة كدليل للإثبات، والقرينة التي تصلح دليلا للإثبات هي القرينة القاطعة، أي الواضحة الدلالة على ما يراد إثباته.

стр. 19850

ثم إن هذه التعريفات وإن اختلفت كلماتها، إلا أنها تتفق على أن القرينة أمر أو أمارة أي علامة تدل على أمر آخر وهو المراد، بمعنى أن هناك واقعة مجهولة يراد معرفتها فتقوم هذه العلامة أو مجموعة العلامات بالدلالة عليها، وهو لا يختلف عن المعنى اللغوي لأن هذه العلامات تصاحب الأمر المجهول فتدل عليه، أي تدل عليه لمصاحبتها له. مثال ذلك: أن يرى شخص يحمل سكينا ملطخة بالدماء وهو خارج من دار مهجورة خائفا، يرتجف، فيدخل شخص أو أشخاص تلك الدار على الفور فيجدون آخر مذبوحا لفوره مضرجا بدمائه وليس في الدار غيره- فالمراد معرفته، هو شخصية القاتل، والعلامات التي تدل عليه هي خروج ذلك الرجل وبتلك الهيئة التي تحمل على الاعتقاد أنه القاتل وذلك عند عدم اعترافه أو قيام البينة على القاتل، فالاعتراف والبينة دليلان يتناولان الواقعة المجهولة مباشرة، أما العلامات فإنها تدل عليها دلالة، أي يؤخذ منها بالدلالة والاستنتاج حكم الواقعة المجهولة. ومن الواضح في هذا المثال أيضا، أن الاستدلال على شخصية القاتل استنتاجا من هذه العلامات المذكورة أمرمنطقي ومعقول، فالارتباط وثيق بين خطوات الاستنتاج، والنتيجة المستنتجة، ولا عتب على القاضي إذن إذا بنى حكمه بناء على هذه الوقائع مطمئنا على سلامة استنتاجه..أما إذا لم يكن الاستدلال قائما على علامات واضحة، أو أسباب مقنعة، بحيث يظهر بوضوح الارتباط بين خطوات الاستنتاج والنتيجة، فمن العسير التسليم للقاضي بسلامة الحكم..ولهذا فقد منع الفقهاء القاضي من بناء حكمه على القرائن الضعيفة التي تتسع فيها دائرة الاحتمال والشك، كما منعوه من بناء حكمه على الفراسة التي تختفي فيها خطوات الاستنتاج (١)
следующие страницы →