← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19846–19885 · переход к 19851.

стр. 19846

١٥- رسائل ابن نجيم الحنفي. تحقيق خليل الميس، دار الكتب العلمية- بيروت. ١٦- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: للإمام ابن فرحون، دار الكتب العلمية- بيروت. ١٧- العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام: للإمام الكناني مطبوع على هامش تبصرة الحكام. ١٨- وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد مصطفى الزحيلي، دار البيان – دمشق ط١، ١٩٨٢م. ١٩- نظرية الدعوى بين الشريعة وقانون المرافعات: محمد نعيم ياسين، مطبوعات وزارة الأوقاف الأردنية – عمان. ٢٠- طرق القضاء في الشريعة الإسلامية لأحمد إبراهيم، المكتبة السلفية. ٢١- الإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي لإبراهيم الفائز- بيروت، المكتب الإسلامي١٤٠٣هـ. ٢٢- القرائن ودورها في الإثبات في الفقه الجنائي: للدكتور أنور محمود دبور، دار الثقافة العربية، ١٤٠٥هـ- القاهرة. ٢٣- نظام القضاء وطرق الإثبات والمرافعات الشرعية للدكتور حسن بن محمد سفر،١٤١٩هـ

стр. 19847

٢٤- نظام إثبات الدعوى وأدلته في الفقه الإسلامي والقانون: للمستشار علي رسلان- الإسكندرية، دار الدعوة، ١٤١٧هـ. ٢٥- أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية، دراسة وموازنة: للعلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد – بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٦هـ، ط. الأولى. ٢٦- درر الحكام شرح مجلة الأحكام: علي حيدر- بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١١هـ، ط. الأولى. ٢٧- الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية على مذهب المالكية: تأليف العلامة سيدى محمد عبد العزيز جعيط- تونس، مكتبة الاستقامة، ط. الثانية. ٢٨- تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام: لمحمد بن عيسى بن المناصف- تونس، دار التركي للنشر، ١٩٨٨م. ٢٩- القضاء ونظام الإثبات في الفقه الإسلامي، والأنظمة الوضعية: د. محمود محمد هاشم، جامعة الملك سعود- الرياض، ١٤٠٨هـ. ٣٠- أصول المحاكمات الشرعية والمدنية: أستاذنا محمد مصطفى الزحيلي- دمشق. دار الكتاب، ١٤١٢هـ. ٣١- قانون المرافعات وإجراءات التقاضي: د. أحمد عبد العزيز الألفي- الرياض، معهد الإدارة العامة، ١٣٩٣هـ. ٣٢- الادعاء العام والمحاكمة الجنائية وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية: د. عمار النجار، معهد الإدراة العامة- الرياض، ١٤١٧هـ.

стр. 19848

دور القرائن والأمارات في الإثبات إعداد الدكتور عوض عبد الله أبو بكر أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون جامعة الخرطوم الفصل الأول التعريف بالقرينة وما تفيده من علم وهو يتضمن: • المبحث الأول: التعريف بالقرينة. • المبحث الثاني: العلم المتحصل من القرائن. المبحث الأول التعريف بالقرينة معنى القرينة لغة: القرينة جمعها قرائن، قارن الشيء يقارنه وقرانا، اقترن به وصاحبه، وقارنته قرانا، صاحبته، وقرينة الرجل امرأته، وسميت الزوجة قرينة، لمقارنة الرجل إياها، والقران المصاحبة كالمقارنة، وقرينة الكلام ما يصاحبه، ويدل على المراد به، والقرين المصاحب، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، في الحديث ((ما من أحد إلا وكل به قرينه)) (١) ، أي مصاحبه من الملائكة والشياطين (٢) .

стр. 19849

معنى القرينة اصطلاحا: الباحث في القرينة في كتب الفقه الإسلامي القديمة لا يجد لها نظرية واضحة تتجلى فيها تعريفاتها، وضوابطها، كما تتوافر ذلك لبعض أدلة الإثبات الأخرى، كالإقرار والبينة، وإنما جاء الكلام فيها مبعثرا ومتفرقا على أبواب الفقه المختلفة، وربما يرجع ذلك إلى أن القرينة لم تحظ باتفاق الفقهاء على صلاحيتها كدليل للإثبات. ولهذا فإنني لم أعثر فيما اطلعت عليه من هذه الكتب على تعريف للقرينة إلا ما ورد في كتاب التعريفات للجرجاني حيث يقول: القرينة أمر يشير إلى المطلوب (١) ، وما نقله العلامة ابن نجيم المصري الحنفي عن ابن الغرس من قوله: (من جملة طرق القضاء القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به) (٢) ، ثم جاء في مجلة الأحكام العدلية من أن: (القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين) (٣) . وبالنظر إلى هذه التعريفات نجد أن التعريفين الأخيرين قد اقتصرا على القرينة القاطعة وذلك بذكرهما لقيد- بحيث تصيره في حيز المقطوع به- في أولهما، ولقيد- القاطعة- في ثانيهما، بينما خلا تعريف الجرجاني من هذا القيد- ولعل ذلك مرده إلى أن التعريفين الأخيرين يتحدثان عن القرينة كدليل للإثبات، والقرينة التي تصلح دليلا للإثبات هي القرينة القاطعة، أي الواضحة الدلالة على ما يراد إثباته.

стр. 19850

ثم إن هذه التعريفات وإن اختلفت كلماتها، إلا أنها تتفق على أن القرينة أمر أو أمارة أي علامة تدل على أمر آخر وهو المراد، بمعنى أن هناك واقعة مجهولة يراد معرفتها فتقوم هذه العلامة أو مجموعة العلامات بالدلالة عليها، وهو لا يختلف عن المعنى اللغوي لأن هذه العلامات تصاحب الأمر المجهول فتدل عليه، أي تدل عليه لمصاحبتها له. مثال ذلك: أن يرى شخص يحمل سكينا ملطخة بالدماء وهو خارج من دار مهجورة خائفا، يرتجف، فيدخل شخص أو أشخاص تلك الدار على الفور فيجدون آخر مذبوحا لفوره مضرجا بدمائه وليس في الدار غيره- فالمراد معرفته، هو شخصية القاتل، والعلامات التي تدل عليه هي خروج ذلك الرجل وبتلك الهيئة التي تحمل على الاعتقاد أنه القاتل وذلك عند عدم اعترافه أو قيام البينة على القاتل، فالاعتراف والبينة دليلان يتناولان الواقعة المجهولة مباشرة، أما العلامات فإنها تدل عليها دلالة، أي يؤخذ منها بالدلالة والاستنتاج حكم الواقعة المجهولة. ومن الواضح في هذا المثال أيضا، أن الاستدلال على شخصية القاتل استنتاجا من هذه العلامات المذكورة أمرمنطقي ومعقول، فالارتباط وثيق بين خطوات الاستنتاج، والنتيجة المستنتجة، ولا عتب على القاضي إذن إذا بنى حكمه بناء على هذه الوقائع مطمئنا على سلامة استنتاجه..أما إذا لم يكن الاستدلال قائما على علامات واضحة، أو أسباب مقنعة، بحيث يظهر بوضوح الارتباط بين خطوات الاستنتاج والنتيجة، فمن العسير التسليم للقاضي بسلامة الحكم..ولهذا فقد منع الفقهاء القاضي من بناء حكمه على القرائن الضعيفة التي تتسع فيها دائرة الاحتمال والشك، كما منعوه من بناء حكمه على الفراسة التي تختفي فيها خطوات الاستنتاج (١)

стр. 19851

المبحث الثاني العلم المتحصل من القرائن ظهر من التعريف المتقدم أن الفقهاء أطلقوا لفظ- القاطعة- علي القرينة التي دلت على ما يراد الحكم فيه دلالة واضحة، بيد أن الأصوليين قد أطلقوا العلم القطعي بمعنين. الأول: هو العلم الذي يحصل من غير تأمل ونظر أو استدلال، أو الذي يحصل من غير واسطة تفضي إليه.. ويسمى عندهم بالعلم الضروري ومثال ذلك: الأوليات، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، أو لا يجتمع الضدان، وكذا ما يخبر به متواتر، كعلمنا بوجود مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وعلمنا بالخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة- ووسائل العلم الضروري: العقل، والخبر المتواتر والحواس الخمس. الثاني: ما يعرف بالنظر والتأمل والاستدلال، ويسمى عندهم بالعلم النظري.. ويقول الغزالي في المستصفى: (النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك وتختلف فيه الأحوال فيعلمه بعض الناس دون بعض ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر ولا يعلمه من ترك النظر قصدا، وكل علم نظري، فالعالم به قد يجد نفسه فيه شاكا ثم طالبا ونحن لا نجد أنفسنا شاكين في وجود مكة المكرمة ووجود الشافعي ﵀ طالبين لذلك) (١) . ويقول ابن برهان البغدادي: (إن العلم النظري هو الذي يكون بينه وبين النظر ارتباط معقول..كقول القائل: العالم لم يسبق الحوادث فهو حادث، فالعالم إذا حادث.. فبين قولنا: العالم حادث، وبين المقدمتين المذكورتين ارتباطا معقول ومناسبة ظاهرة..والعلم الحاصل بأخبار التواتر ليس بينه وبين الأخبار ارتباط) (٢) .

стр. 19852

ولا شك أن القرينة القاطعة كما يطلق عليها الفقهاء – من قبيل ما يفيد العلم الثاني، بمعنى أن القرينة القاطعة تفيد علم طمأنينة الذي هو أقل درجة من الضروري أو اليقيني، وفوق الظن فهي التي تؤدي إلى اطمئنان القلب بحيث يغلب على الظن دلالتها على المراد المجهول، فيطرح احتمال عدم دلالتها، وغالب الظن ملحق باليقين وتبنى عليه الأحكام الشرعية وتسميتها بالقطع نتج من تطابق آحادها واجتماعها على معنى واحد وهو المراد، مما أدى إلى القطع بصدق دلالتها، غير أننا إذا أفردنا النظر إلى مفرداتها كل على حده ما حصل لنا العلم بصدقها، ولكن عند الاجتماع يحصل العلم بالمجموع. ولعل من أظهر الأقوال على هذا المعنى قول ابن قدامة الحنبلي في كتابه روضة الناظر: (ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة القرائن وكيفية دلالتها فنقول: لا شك إننا نعرف أمورا ليست محسوسة، إذ نعرف من غيرنا حبه لإنسان، وبغضه إياه وخوفه منه، وخجله..وهذه أحوال في النفس لا يتعلق بها الحس، قد يدل عليها دلالات آحادها ليست قطعية بل يتطرق إليها الاحتمال، لكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف ثم الثاني والثالث يؤكده، ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال إلى أن يحصل القطع باجتماعها كما أن قول كل واحد من عدد التواتر محتمل منفردا، ويحصل القطع بالاجتماع، فإنا نعرف محبة الشخص لصاحبه بفعل المحبين من خدمته وبذل ماله وحضور مجالسه لمشاهدته وملازمته في تردداته وأمور من هذا الجنس، وكل واحد منها إذا انفرد يحتمل أن يكون لغرض يضمره لا لمحبته، لكن تنتهي كثرة هذه الدلالات إلى حد يجعل العلم القطعي بحبه) (١) .

стр. 19853

ومن هنا يتضح أنه كلما تكاثرت القرائن، وتضافرت على أمر معين يقوي بعضها بعضا.. مما يؤدي إلى اتضاح المجهول وانكشافه فتكون خير معين للقاضي في تأسيس حكمه.. وبالطبع كلما قلت القرائن وضعفت صارت دلالتها غير مقنعة ويشوبها الاحتمال والشك: ولا يجوز للقاضي أن يؤسس حكمه على الشك الذي يستوي فيه الطرفان بحيث لا يميل القلب إلى جانب أو طرف، وهنا يكون حكمه مشوبا ومعيبا. غير أن بناء الأحكام على مجرد القرائن في الأحكام الجنائية في الفقه الإسلامي يحتاج إلى تأن وتفصيل- فالدعاوى الجنائية في الفقه الأسلامي تنقسم إلى طوائف ثلاثة: دعاوى حدية، ودعاوى قصاص، ودعاوى تعزيرية، وتأثير القرائن في كل طائفة من هذه الطوائف مختلف، وهذا ما ستكشفه الصفحات التالية إن شاء الله تعالى.

стр. 19854

الفصل الثاني أثر القرينة في دعاوى الحدود وهو يتضمن: • المبحث الأول: أثر القرينة في الحدود عند الفقهاء. • المبحث الثاني: رأينا في الموضوع. المبحث الأول أثر القرينة في الحدود عند الفقهاء الحد لغة: أصل الحد في اللغة: المنع والفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر والجمع حدود، وحد الشيء من غيره وحدده: ميزه، وحد كل شيء: منتهاه لأنه يمنعه عن التمادي والمعاودة وأحدت المرأة إذا امتنعت عن الزينة ... وأمر حدد: أي منيع حرام لا يحل ارتكابه (١) . الحد اصطلاحا: الحد يعني عند فقهاء الشريعة الإسلامية: العقوبة التي تكون خالص حق الله تعالى، أو يكون حق الله تعالى فيها غالبا، فيعرفون الحد في الاصطلاح بأنه (العقوبة المقدرة حقا لله تعالى) فلا يسمى القصاص حدا لأن حق العبد فيه غالب، ولا يقال عن التعزير إنه حد لأن العقوبة فيه غير مقدرة بنص شرعي (٢) . وقد حصر الفقهاء جرائم الحدود في السرقة وعقوبتها على من تثبت عليه بقطع اليد، والحرابة وعقوبتها القطع من خلاف، والزنا وعقوبته الجلد مائة على غير المحصن والرجم للمحصن، والقذف وعقوبته الجلد ثمانين، وشرب الخمر وعقوبته ثمانون أو أربعون عند البعض، والردة عن الإسلام وعقوبتها القتل.

стр. 19855

وقد أولى الشارع الحكيم هذه الحدود عناية لما تنطوي عليه جرائمها من الآثار الاجتماعية الخطيرة، حيث إن تفشيها في المجتمع يعني انحلاله واضطراب كيانه، وأن في اقترافها تفويتا للمصالح الضرورية الخمس التي قصد الشارع المحافظة عليها. يقول الغزالي: (إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة ... وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب، إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسب والأنساب، وإيجاب زجر النصاب والسراق، إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معايش وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق) (١) . ولما كانت للحدود هذه الأهمية في حفظ المصالح الضرورية للمجتمع، وهي حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال- نص المشرع الحكيم على عقوبتها، وجعلها في أغلب الأحوال عقوبة صارمة مشددة قد تصل إلى القتل أو إلى قطع عضو معين من الجسم، حتى تكون العقوبة سبيلا لردع من تسول له نفسه هتك الأعراض أو تقويض دعائم الفضيلة أو تفويت شيء من مقاصد الله ومصالح الخلق.

стр. 19856

وفي مقابلة هذه العقوبة الصارمة المشددة أحاط المشرع الكريم إثبات جرائم الحدود بشيء من التدقيق والحذر، وزاد في أمر التثبيت والنظر دون ما هو معهود في غيرها من الجرائم أو الدعاوى، بل إنه في بعضها زاد من عدد الشهود حتى يلائم التشدد في الإثبات شدة العقوبة المقدرة على مقترنها. فمع هذه الشدة في العقوبة وهذا الحذر في الإثبات هل تفيد القرائن في إثبات الحدود، وهل جعلها الشرع طريقا لإثباتها؟ لم يأخذ بالاعتداد بالقرائن في إثبات الحدود إلا مالك وأصحابه وابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ورواية عن الإمام أحمد، وهو أيضا المستفاد من قول ابن الغرس- من فقهاء الحنفية- حيث قال: (القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به) فلم يفصل بين الحد وغيره مما يدل على أنه أراد التعميم. أما جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية فيقولون إن الحدود لا تثبت بالقرائن، ولا تثبت إلا بما حده الشرع من طرق وليست القرائن من بين هذه الطرق. بيد أن القائلين بجواز إثبات الحدود بالقرائن لم يتركوا الاقتناع بقوة القرائن لفهم القاضي واستنباطه، إنما نصوا على قرائن معينة ذكروها على سبيل الحصر، وقالوا بجواز إثبات الحد بهذه القرائن، أما غير هذه القرائن فلا يثبت بها الحد، والقرائن التي نصوا عليها هي: قرينة الحمل في الزنا، والتعريض مع دلالة الحال في القذف، والرائحة والسكر والقئ في الخمر، ووجود المسروق مع السارق في جريمة السرقة.

стр. 19857

أولا- قرينة الحمل في حد الزنا: الأصل أن حد الزنا يثبت على مقترفه بالاعتراف أو بشهادة أربعة رجال عدول يرون الفعل رؤية محققة، أما القرينة، فقد قال مالك: (الأمر عندنا في المرأة توجد حاملا ولا زوج لها فتقول قد استكرهت، أو تقول تزوجت، إن ذلك لا يقبل منها، وإنما يقام عليها الحد، إلا أن يكون لها على ما ادعت من النكاح بينة أو على أنها استكرهت، أو جاءت تدمي إن كانت بكرا، أو استغاثت حتى أتيت وهي على ذلك الحال، أو ما أشبه هذا من الأمر الذي تبلغ بها فضيحة نفسها، فإن لم تأت بشيء من هذا أقيم عليها الحد، ولم يقبل منها ما ادعت من ذلك) (١) . ويثبت الحد في قول خليل: (بحمل في غير متزوجة وذات سيد غير مقر به، لم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة) (٢) . ويقول المواق في شرح قول خليل المتقدم: (في الموازية لا يجب رجم ولا جلد إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما بإقرار لا رجوع بعده إلى قيام الحد، أو يظهر بحرة غير طارئة حمل ولا يعرف لها نكاح، أو بأمة لا يعرف لها زوج وسيدها منكر لوطئها، وبشهادة كما أخبر الله ، ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة، اللخمي، فإن ظهر بامرأة حمل وادعت أنه من غصب وتقدم لها ذكر ذلك، أو أتت متعلقة برجل أو كان سماعا واستشكت ولم تأت متعلقة به لم تحد إن ادعته على ما يشبه، وإن ادعت على رجل صالح حدت، وتعزر إن لم تسم من استكرهها إن كانت معروفة بالخير) (٣) .

стр. 19858

يستفاد من هذه النقول من فقهاء المالكية أنهم يثبتون الحد بظهور الحمل عند المرأة التي لا زوج لها، أو الأمة التي لا زوج لها، وكان سيدها منكرا لوطئها، ولا يصرف عنها الحد إلا إذا أتت ببينة على نكاحها، أو بينة على إكراهها، أو قامت القرائن على الإكراه، ومن القرائن التي تدل على أنها فعلا مكرهة أن تأتي متعلقة به بشرط أن يكون ذلك الرجل ممن يتهم بمثل ذلك، فإن كان معروفا بالصلاح لا يسمع قولها وتحد. وثبوت حد الزنا بالحبل قال به شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في تأييده: (وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة وهو مذهب أهل المدينة، فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها، كاحتمال كذبها وكذب الشهود) (١) . وسار على ذلك ابن القيم: (وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة والحبل على الشرب والزنا أولى من البينة قطعا، فكيف يظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين) (٢) . والفقهاء المجيزون لإثبات حد الزنا بالقرينة لم يذكروا إلا قرينة الحبل مما يدل على أنهم لم يطلقوا العمل بالقرائن، ولم يتركوا إثبات الزنا لاقتناع القاضي فلو دلت قرائن أخرى غير قرينة الحبل على الزنا لم يأخذ بها، كما إذا وجدا في لحاف واحد، وكانت حالتهما تدل على أنهما ارتكبا موجب الحد، أو إذا احتملها وغاب بها وادعت أنه وطئها وأنكر هو لا يثبت الحد ولو اقتنع القاضي بدلالة هذه القرائن على الزنا (٣) .

стр. 19859

والمانعون للإثبات بالقرائن في الحدود لاينكرون أن الحمل يكون من وطء ولكن لا يرونه لإثبات الحد في المرأة التي لا بعل لها ولا سيد، لوجود الشبهة والاحتمالات التي تكشف هذه القرينة، والحد يدرأ بالشبهة، فقد تكون مكرهة على الزنا، أو ربما يكون قد وطئها في غير الفرج فدخل ماؤه في الفرج فحبلت، والإجماع أن الحد لا يكون عن وطء في الفرج المحرم أو ربما في حمام فيه امرأة واقعت زوجها فسرت إليها النطفة، أو ربما حملت بواسطة المصل المستعملة لنقل نطفة الرجل (١) . والقرينة عند هؤلاء إن كانت لا تصلح لإثبات الحد للشبهة التي تدرأ الحد، كما إذ شهد أربعة بزناها وشهد أربع من النسوة بأنها عذراء، فإنها لا تحد لشبهة بقاء العذرة الظاهرة في أنها لم تزن، ووافق في ذلك ابن حزم الظاهري بتفصيل يرجع إليه في كتابه المحلى، وخالف المالكية وقالوا يثبت الحد ولا تدرؤه هذه القرينة (٢) .

стр. 19860

ثانيا- التعريض مع قيام القرائن بإرادة القذف: إذا رمى شخص آخر بزنا يوجب الحد، كقوله يا زاني، أو زنيت، أو ينفي نسبه كقوله: لست لأبيك، أو أنت ابن حرام، وغير ذلك في إلحاق هذا العار بالمقذوف، فقد اتفقوا على وجوب الحد، لأن لفظ القذف صريح فيما قذفه به، أما إذا لم يكن اللفظ صريحا، فهل تكفي القرائن الدالة على إرادة إلحاق هذه الصفة به؟ يقول فقهاء المالكية: إن التعريض بالقذف إذا دلت القرائن على أنه أراد به القذف كوجود خصومه بين القاذف والمقذوف، أو كان في مشاتمه أو في حال الغضب فإنه يحد به لأنه أفهم المقصود وأراد به القذف. جاء في حاشية العدوي تعليقا على قول الخليل: (أو عرض غير أب إن أفهم) قوله: (إن أفهم أي أفهم القذف بتعريضه بالقرائن كخصام ولو زوجا لزوجته، ومفهوم الشرط عدم حده إن لم يفهم التعريض قذفا) (١) . ويقول الخرشي: (أعلم أن التعريض المفهم لأحد الثلاثة المتقدمة وهي الزنا واللواط ونفي النسب عن الأب أو الجد كالتصريح بذلك، فإذا قال: ما أنا بزان فكأنه قال: يا زاني، أو قال: أما أنا فلست بلائط فكأنه قال: يا لائط أو قال: أما أنا فأبي معروف فكأنه قال له: أبوك ليس بمعروف، على قائل ذلك كله وجوب الحد) (٢) .

стр. 19861

ولا حد في التعريض بالقذف عند الحنفية والشافعية والظاهرية وإحدى الروايتين عند أحمد، أما رواية الأثرم عن أحمد ففيه الحد (١) . وتتلخص أدلة المانعين لإثبات الحد بالتعريض في أن الله تعالى قد فرق بين التعريض والتصريح بالخطبة فأباح التعريض ومنع التصريح في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ، فدل على أنهما لا يستويان فلا يعطى أحدهما حكم الآخر (٢) .. ثم إن النبي ﷺ لم يوجب الحد على من عرض بنفي ولده، كما رواه البخاري من رجلا قال لرسول الله ﷺ أن له ولدا أسود، فكان رده ﷺ : لعل ابنك هذا نزعه عرق (٣) . وعمدة أدلة المثبتين للحد بالتعريض هو أن الكناية والتعريض مع وجود القرينة الصارفة للمعنى إلى أحد محتملاته كالتصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بالكناية، وهنا وجب الحد لوجود القرينة الدالة على إرادة القذف. ثم إن سلفنا الطيب كانوا يوقعون الحد على من عرض بالقذف، فقد أثر ذلك عن عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز ﵃ (٤) .

стр. 19862

ولعل من الأقوال الحكيمة التي تدل على بعد الأفق وسعة النظر وقوة الحجة في هذا الموضوع ما ذكره ابن القيم ﵀ مؤيدا إثبات الحد بالتعريض إذا دلت القرائن على ذلك: (وأما الذي قال يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحا ولا كناية، وإنما أخبره بالواقع مستفتيا عن حكم هذا الولد أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ ، وقرب له الحكم بالمشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح الصدر له، ولا يقبله على إغماض، فأين في هذا ما يبطل حد القذف بقول من يشاتم غيره، أما أنا فلست بزان وليست أمي بزانية ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجع وأنكى من التصريح وأبلغ في الأذى، وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، فهذا لون وذلك لون، وقد حد عمر بالتعريض في القذف ووافقه الصحابة أجمعون.. وروى ابن جريج أن عثمان كان يحد في التعريض وذكره ابن أبي شيبة وكان عمر بن عبد العزيز يحد في التعريض وهو قول أهل المدينة والأوزاعي وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية واللفظ إنما وضع لدلالته على المعنى فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن لتعبير اللفظ كثير فائدة) (١) .

стр. 19863

ثالثا- قرينة الرائحة والسكر والقيء في حد الخمر: يسير فقهاء المالكية على منهجهم في إثبات الحد بالقرائن، فيقولون: إن من انبعث من فمه رائحة الخمر وجب عليه الحد، ذلك لأن الرائحة قرينة على شربها، بل ويقولون إن الرائحة أقوى في دلالتها على شرب المسكر من الشهادة بالرؤية، إذ أن الرؤية لا يعلم بها حال المشروب أمسكر هو أم غير مسكر، أما الرائحة فتوضح ذلك وتحدده. ويقول فقهاء المالكية أيضا: إن الحاكم إذا رأى من شخص تخليطا في المشي أو ترنحا كما يفعل السكران فلا بد له من التحقق من حاله فإن وجد ذلك من شرب أقام عليه الحد،، لأن الحاكم برؤيته لهذا الفعل قد بلغه الحد فلا بد له من التأكد منه وإقامته (١) . وإلى إثبات الحد بقرينة الرائحة أو بقرينة القيء أو السكر يذهب الإمام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وقالا: إنه من المأثور عن الخلفاء الراشدين وهو الذي اصطلح عليه الناس (٢) . أما جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة فلا يرون ثبوت حد الخمر بمجرد الرائحة، أو بتقايؤها، فقد يكون مكرها، أو جاهلا أنها خمر فقد يظن أنها ماء أو ربما تمضمض بها فقط، فمع قيام هذه الاحتمالات لا يثبت الحد (٣) .

стр. 19864

قرينة وجود المسروق مع السارق: وحد السرقة يثبت بالإقرار والبينة التي هي شهادة رجلين، أما ثبوته بالقرائن فمختلف فيه.. ومن القائلين بثبوته بالقرائن الإمام ابن قيم الجوزيه الذي يرى أن وجود المسروق عند المتهم وضبطه في حيازته أبلغ دليل على ارتكابه الجريمة وأصدق من دلالة الإقرار والشهادة لأن الإقرار والشهادة خبران يتطرق إليهما الكذب، أما وجود المال المسروق معه لا يتطرق إليه أي شبهة. يقول ابن القيم: (ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، وهذه قرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال معه نص صريح لا تتطرق إليه شبهة) (١) . وروي عن الإمام أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات: الأولى: إذا وجد المسروق مع المتهم وقال أنه ملكي إذ كان وديعة عنده أو رهنا أو هبة لي أو غصبه مني أو من أبي أو بعضه لي، فالقول مع المسروق منه مع يمينه لأن اليد ثبتت له، فإن حلف سقطت دعوى السارق ولا قطع عليه لأنه يحتمل ما قال ولهذا أحلف المسروق منه. الثانية: أنه يقطع لأن سقوط القطع بدعواه يؤدي أن لا يجب قطع سارق فتفوت مصلحة الزجر. الثالثة: أنه إن كان معروفا بالسرقة قطع لأنه يعلم كذبه وإلا سقط عنه القطع. ويرجح ابن قدامة الرواية الأولى ويقول: إنها الأولى لوجود الشبهة (٢) . ولا يرى ابن حزم الظاهري القطع لمجرد وجود المسروق معه ويرى أن الحكم بذلك حكم بالظن (٣) كما أنه إذا ادعى ملكية المسروق وإن ثبت خلاف دعواه لا يقطع عند الشافعية والحنفية وتسمى شبهة الملك ويسميه الشافعي السارق الظريف (٤) .

стр. 19865

نكتفي بهذا القدر من استعراض مذاهب الفقهاء من الأخذ بالقرائن في الحدود..وقد رأينا أن جمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية يرون أنه لا مجال لأعمال القرائن في إثبات الحدود وإن كانت تصلح لدرء الحد الثابت كما في قرينة وجود البكارة في المرأة بعد ثبوت الزنا عليها ... أما فقهاء المالكية وابن تيمية وابن القيم..وابن الغرس ورواية عن أحمد فقالوا: إنه يجوز إثبات الحدود ببعض القرائن التي ذكروها على سبيل الحصر وهي قرينة الحبل في المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، وقرينة الرائحة والسكر والقيء في الخمر، والتعريض إذا دلت الحالة الظرفية على إرادة القذف ووجود المال المسروق مع السارق عند بعضهم. ولكل من هذين الفريقين أدلة تؤيد مذهبه وتسند موقفه، ونعرض هنا أدلة كل فريق، ثم نناقش هذه الأدلة لعلنا نستطيع الوقوف إلى جانب أحدهما على أساس استقامة الدليل معه أو موافقته للمصلحة. أدلة المجوزين: أولا: روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (الرجم واجب على كل من زنا من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) متفق عليه (١) . فظهور الحبل في المرأة التي لا زوج لها ولا سيد قرينة على ارتكاب الزنا إذ أن الحمل لا يأتي إلا عن جماع. ثانيا: روى مالك في الموطأ أنه قال: بلغني أن عثمان ﵁ أتي بامرأة ولدت لستة أشهر فأمر برجمها فقال له علي ﵁: ما عليها الرجم لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، وقال أيضا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، فالحمل مدته ستة أشهر (٢) . وهذا يدل على أنه كان يريد رجمها بقرينة الحمل. ثالثا: روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: زنا العلانية أن يظهر الحمل، أو الاعتراف فيكون الإمام أول من يرمي (٣) .

стр. 19866

رابعا: ما أخرجه مالك عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته فجلده عمر الحد تاما (١) . فأقام عمر الحد برائحة الخمر، والرائحة ما هي إلا قرينة على شربها. خامسا: روي عن علقمة أنه قال: كنت بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا نزلت، فقال عبد الله: والله قرأتها على رسول الله ﷺ فقال: ((أحسنت)) ، فبينما هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر، فقال: ((أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟)) فضربه الحد (٢) . سادسا: ما أخرجه مسلم عن حصين بن المنذر الرقاشي أن عثمان ﵁ أمر عليا بحد رجل شهد أحد الشاهدين أنه رآه يشربها، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها (٣) . سابعا: ما أخرجه أبو داود من أنه ﷺ أمر برجم المتهم بالزنا حين أدرك عند المرأة واعترف أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: بل هو الذي زنا بها، حتى قام رجل آخر واعترف بأنه الزاني، أما الذي وجد عندها فقد كان مغيثا لها (٤) . قال ابن القيم: وهذا لوث وإعمال للقرينة في الحدود (٥) . ثامنا: الإجماع: قالوا إن الصحابة قد عملوا بالقرائن فيما تقدم وكانت قضاياهم تشتهر وتذاع، ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف، فيكون إجماعا على العمل بالقرائن في الحدود (٦) .

стр. 19867

أدلة المانعين: أولا: عن عروة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : ((لو كنت راجما أحدا بغير قرينة رجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها)) (١) . هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة في عدم إقامة الحد بالقرينة لأن النبي ﷺ لم يقم الحد بها مع وجودها. ثانيا: ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس أنه قال: شرب رجل الخمر فسكر فلقي يميل في الفج- أو وجد يتمايل في الطريق- فانطلق به إلى النبي ﷺ فلما حاذى دار العباس انفلت ودخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: أفعلها؟ ولم يأمر فيه بشيء (٢) . ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يقم الحد على الرجل بسكره، مع أن السكر قرينة على تناول الخمر. ثالثا: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من إهمالهم للعمل بالقرائن في الحدود. روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن امرأة رفعت إليه ليس لها زوج، وقد حملت، فسألها عمر فقالت: أنا امرأة ثقيلة الرأس، وقع على رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد (٣) . وروى عن البراء عن صبرة عن عمر أنه أتي بامرأة فادعت أنها أكرهت فقال: خل سبيلها وكتب إلى أمراء الأجناد ألا يقتل أحد إلا بأذنه (٤) . رابعا: أن القاعدة في الحدود هي أنها تدرأ بالشبهات لقول الرسول ﷺ ((ادرءوا الحدود)) (٥) ، وفي رواية أخرى عن عقبة بن عامر الجهني أنه ﵊ قال: ((إذا اشتبه عليه الحد فادرأ ما استطعت)) (٦) ، ورواية عن عائشة عنه ﷺ قال: ((ادرءوا الحدود ما استطعتم عن المسلمين فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)) (٧) ، وفي رواية أخرى يقول ((ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا)) (٨) . فالقرائن تحوطها احتمالات كثيرة وشبهات وجب درء الحد بها، وإقامة الحد بالقرائن إقامة له مع وجود الشبهة.

стр. 19868

مناقشة أدلة الفريقين: بالنظر إلى أدلة الفريقين نلاحظ أن الأدلة التي أوردها المجوزون للإثبات بالقرائن في الحدود تعتمد في أكثرها على آثار من عمل الصحابة رضوان الله عليهم والحديث المسند إلى رسول الله ﷺ والذي رواه أبو داود ذكره ابن القيم في تأييد مذهبه إلا أنه أورد معه الاضطراب في متنه، والاضطراب المذكور هو ورود رجم الذي اعترف بالزنا في رواية، وفي رواية أخرى أنه لم يرجمه، ويرى ابن القيم أن هذا هو الاضطراب ربما كان هو الذي دعا الإمام مسلما أن يستبعده مع أن الحديث على شرطه (١) . والحديث في ظاهره يدل على أن النبي ﷺ قد أثبت الزنا بالقرينة حيث أنه أمر برجم الذي وجد عند المرأة فاتخذ من قرينة قول المرأة وضبط المتهم عندها واعترافه بأنه كان مغيثا لها قرينة على أنه الزاني. إلا أن بعض شراح الحديث يضعف هذا القول ويرى أنه ربما كان هناك وهم من الراوي وأن الرسول ﷺ لم يأمر فعلا برجم الرجل الذي اتهمته بالزنا، أو أن هذا ما أختص به رسول الله ﷺ حيث أمر برجم ذلك الرجل بالرغم من عدم ثبوت الجريمة عليه ليكون ذلك أدعى لمقترف الجريمة بالاعتراف. يقول ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي (وفي هذه حكمة عظيمة، وذلك أن النبي ﷺ إنما أمر به ليرجم قبل أن يقر بالزنا، وإن لم يثبت عليه ليكون ذلك سببا في إظهار النفسية حين خشي أن يرجم من لم يفعل وهذا من غريب استخراج الحقوق ولا يجوز ذلك لغير رسول الله ﷺ لأن غيره لا يعلم من البواطن ما علم هو ﷺ بإعلام الظاهر بالباطن له بذلك) (٢) .

стр. 19869

وجاء في حاشية عون المعبود بهامش سنن أبي داود: (ولا يخفى أنه – أي الحديث – بظاهره مشكل، إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح بينة بل هي التي تستحق أن تحد حد القذف، فلعل المراد فلما قارب أن يأمر به وذلك قاله الراوي نظرا إلى ظاهر الأمر حيث أنهم أحضروه عند الإمام، والإمام اشتغل بالتفتيش عن حاله) (١) . ومما يؤيد هذا التأويل تدقيق الرسول الكريم ﵊ مع اعتراف بالزنا وتحريه عنه وإعراضه عنه حتى أقر أربع مرات (٢) ، فلا يستقيم ذلك مع إقامة الحد على المنكر في هذه الواقعة. إلا أن من اعتمد على هذا الحديث ربما يقول إن تحري الرسول ﷺ وتدقيقه ليتأكد من أنه ارتكب موجب الحد، ولذلك كان يسأله لعلك قبلت أو ضاجعت، مما يدل على أنه أراد التأكد (٣) . هذا فيما يتعلق بالحديث النبوي، أما آثار الصحابة رضوان الله عليهم التي ذكرها المجوزون، فإن مذهب الصحابي قد اختلف الفقهاء في لزوم العمل به ولكنهم متفقون على أنه إذا صح الحديث يعمل به ويطرح قول الصاحبي إذا عارضه (٤) .

стр. 19870

وعلى هذا يمكن القول بأن الآثار التي وردت عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ من أنهم جلدوا حد الخمر بمجرد قرينة الرائحة أو قرينة القيء قد أورد المخالفون لهم ما يعارضها، وذلك ما ورد مرفوعا عن النبي ﷺ أنه لم يأمر بحد من وجد سكران يتمايل، والسكر أيضا قرينة على تناول الخمر بل هي أبلغ في دلالتها من القيء، إذ أن من تقيأ الخمر ربما شربها جاهلا فلما علم بها أراد أن يخرجها، والسكر لا يدل على ذلك، فكان التمسك بالحديث المرفوع أولى من مذهب الصحابي. كما أنه قد ورد عن الصحابة ما يدل على عدم اعتدادهم بقرينة القيء في إثبات حد الخمر، فقد أورد البيهقي: أن الجارود سيد عبد القيس رفع إلى عمر ﵁ أمر قدامة بن مظعون واليه على البحرين ليقيم عمر حد الخمر على قدامة فقال عمر للجارود: من شهد معك؟ قال: أبو هريرة فدعا أبا هريرة فقال: بم تشهد؟ قال: لم أراه شرب ولكني رأيته سكران يقيء فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقام الجارود يطلب إقامة الحد عليه، فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ قال: بل شهيد، قال: فقد أديت الشهادة، هذا ولم يحد عمر حتى جاءت زوجة قدامة وشهدت على زوجها فأمر به (١) . فقد أقام الحد على قدامة بشهادة الجارود وزوجة قدامة ولم يأخذ بقول أبي هريرة أنه رآه يتقيأ. هذا وقد حاول المانعون للعمل بالقرينة في الحدود تأويل هذه الأحاديث المأثورة عن الصحابة وصرفها عن ظاهرها، فيقول النووي في تأويل ما ورد عن عثمان ﵁ بحد الشارب بمجرد القيء قوله: (وقد يجيب أصحابنا عن هذا بأن عثمان ﵁ علم شرب الوليد فقضى بعلمه في الحدود – قال: وهذا تأويل ضعيف) (٢) .

стр. 19871

ويقول البيهقي عن حديث ابن مسعود المتقدم: (ويحتمل أن عبد الله بن مسعود لم يجلده حتى ثبت عنده شرب ما يسكر ببينة أو اعتراف) (١) . أما عن الأثر المنقول عن عمر ﵁ بحد المرأة بقرينة الحمل فقد ذكرت أقوال في تأويله، وصرفه عن ظاهرة، منها قول الطحاوي: (عن مقصود عمر إذا كان الحبل من زنا وجب الرجم فيه، وهو كذلك، ولكن لابد من ثبوت كونه من زنا ولا ترجم بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه، لأن عمر لما أتى بالمرأة وقالوا إنها زنت وهي تبكي فسألها ما يبكيك؟ فأخبرت أن رجلا ركبها وهي نائمة، فدرأ عنها الحد) (٢) . قال في فتح الباري عن هذا التأويل: (ولا يخفى تكلفه، فإن عمر قابل الحبل بالاعتراف، وقسيم الشيء لا يكون قسمه، وإنما اعتمد من لا يرى الحد بمجرد الحبل قيام الاحتمال بأنه ليس من زنا محقق، وأن الحد يدفع بالشبهة) (٣) ، يقصد بذلك أن عمر ﵁ جعل الحبل في مقابلة الاعتراف أو البينة ولا وجه لذكر الحبل في قول عمر إذا كان الزنا قد ثبت بطريق غيره. ويقول المرحوم الشيخ أحمد إبراهيم: (ربما كان هذا سياسة من عمر لظروف اقتضت ذلك، وللإمام أن يعمل ما فيه المصلحة مهتدياً بهدي الشرع) (٤) . ولكن ليس في هذا الخبر ما يدل على أن عمر جعل ثبوت الحد عن طريق قرينة الحمل بطريق السياسة، وأن البينة والاعتراف من غير طريق السياسة، فعمر قد جعل البينة والاعتراف والحبل طرقا لإثبات الزنا وموجب الحد، ولم يبق إلا أن يقال إن هذا هو مذهب عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 19872

بقي من أدلة المجوزين قولهم: إن الصحابة لم ينكروا على من عمل بها من الصحابة فكان هذا إجماعا منهم. يقول الصنعاني في سبل السلام: (واستدل الأولون بأنه قاله عمر على المنبر ولم ينكر، فينزل منزلة الإجماع، قلت: ولا يخفى أن الدليل هو الإجماع لا ما ينزل منزلته) (١) . ويقول الشوكاني في نيل الأوطار: (والحاصل أن هذا من قول عمر، ومثل هذا لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونه قاله في مجمع من الصحابة، ولم ينكر عليه لا يستلزم أن يكون أجماعا، كما بينا ذلك في غير هذا الموضوع من هذا الشرح، لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف، لاسيما والقائل بذلك عمر وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة) (٢) . ومقصود قول الصنعاني والشوكاني هو أنه لابد من الإجماع فعلا، وسكوتهم على قول عمر لا يعد إجماعا، وبذلك لا تتحقق دعوى الإجماع التي قالوها. هذا فيما يتعلق بأدلة المجوزين أما إذا نظرنا إلى أدلة المانعين للعمل بالقرينة في الحدود، فنجد أنها قد اعتمدت على جانب غير يسير من الحديث النبوي الشريف، فالحديث الذي رواه ابن ماجه مرفوعا حديث قال عنه في الزوائد: (إسناده صحيح ورجال ثقات) (٣) ويعضده أيضا ما ورد في الصحيح عن ابن عباس حينما سئل في حديث اللعان أهي التي قال عنها رسول الله ﷺ : لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه؟ فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء، وفي رواية لا، تلك امرأة أعلنت (٤) ، أي اشتهر وشاع عنها الفاحشة، ولكن لم يثبت ببينة أو اعتراف، قال النووي: (ففيه أنه لا يقام الحد بمجرد الشياع والقرائن، بل لابد من بينة أو اعتراف) (٥) .

стр. 19873

وكذلك فإن أدلته تعتمد على قاعدة درء الحدود بالشبهات المستفادة من أحاديث الرسول ﵊، هذه الأحاديث وإن كان هناك مطعن في صحتها (١) ، إلا أن جماهير علماء الأمة تلقتها بالقبول، ولم يعترض على القاعدة المستفاد منها إلا ابن حزم الظاهري الذي يشكك في القول بدرء الحد بالشبهة، مستندا في ذلك إلى ضعف رواية الأحاديث من جهة، ومن جهة أخرى يقول أن درء الحدود بالشبهات معناه تعطيل الحدود وعدم إقامتها، ويرى أنه إذا ثبت الحد فلا يصح أن يدرأ بشبهة، والله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم أورد أمثلة كثيرة لاختلال هذه القاعدة عند فقهاء المالكية والحنفية (٢) . والواقع أن قول الإمام ابن حزم حري بالتأمل، خاصة وأننا نرى أن فكرة الشبهة في الفقه الإسلامي – بالصورة التي هي عليها الآن- أدت إلى تمييع النصوص، حتى سرى الشك في قابلية الحدود للتطبيق في النظام الإسلامي، وذلك فإنه في اعتقادي – وقد سبقني إلى هذا القول بعض البحاثين المعاصرين (٣) –، أن موضوع الشبهة الدارئة للحد تحتاج إلى كثير من الضبط بحيث تؤدي دورها في درء الحد عمن سارت الشكوك حول اقترافه للجرم، لا لتعطيل الحدود، وإيقاف تنفيذها لمجرد إقحام نظرية لا يؤيد الواقع العملي منها الكثير من نتائجها مثال ذلك: ما يقال: إن السارق من بيت المال لا يقام عليه الحد لأن للسارق حقا في بيت المال، مع أن الحكمة من حد السرقة هو إضفاء الطابع العام على الملكية الخاصة، ومن هنا يقول الكثير من الفقهاء: إنه حق لله تعالى فيكون من المناقض لقصد الشارع أن نقول للسارق حق في المال العام وهذا يكفي لدرء الحد عنه فتسقط بذلك الحماية للمال العام وتقيمها على الأموال الخاصة. انظر (تبين الحقائق وشرح كنز الدقائق) :٣/٢٢١. ومثال ذلك أيضا شبهة الحرز فالرجل نائم في المسجد ويضع ثوبه تحت رأسه فإذا سرق الثوب من تحت رأسه قطع السارق لأنه سرق من حرز، وإذا تقلب الرجل وهو نائم وانفلت الثوب من تحت رأسه فسرقه السارق لا يقطع لأنه شيء غير محرز، المهذب:٢/٢٧٩. ومن ذلك أيضا: شبهة العقد عند أبي حنيفة تدرأ عنه الحد إذا كان على علم بالتحريم أم لم يعلمه فهو لا شك تعطيل للحد في غير ما سبب واضح خاصة مع علمه بالتحريم، فالحق كما قال ابن قدامة الحنبلي: أن الإقدام على هذا الفعل من أعلم بمواطن التحريم يشكل في حد ذاته جريمة، فكيف يكون ارتكاب جريمة هو سبب لإباحة ارتكاب جريمة أخرى بدلا من أن يكون سببا لتشديد العقوبة. المغني: ٨/١٨٢؛ وانظر كذلك فتح القدير: ٣/٤؛ وتبيين الحقائق: ٣/١٧٩. .

стр. 19874

وبذلك تستفيد الأمة في قوانينها وتشريعاتها من الثروة الفقهية التي خلفها فقهاء الإسلام، فلا تكو سببا في تعطيل النصوص وإيقاف فاعليتها. على أن هذه القاعدة – قاعدة درء الحدود بالشبهات – تقرر أصلا هاما فحواه ما قررته قاعدة أخرى نص عليها الفقهاء وهي أن الأصل في الإنسان البراءة – أو الأصل في الذمة البراءة – والجريمة ما هي إلا أمر مخالف لهذا الأصل، وذلك فإن كل من يدعي خلاف هذا الأصل فعليه أن يقوم بإثبات ما ادعاه إثباتا واضحا جليا بعيدا عن كل ريب أو شك. فإذا قامت الشكوك وساورت الاحتمالات واكتنفت الشبهات، فينبغي الرجوع إلى الأصل المحقق وهو البراءة فهذا تقرير لما عرف أخيرا من أن الشك يفسر لصالح المتهم، ولهذا كان قول رسول الله ﷺ : فإن الإمام لإن يخطيء في العفو خير من أن يخطيء في العقوبة، فإن تنفيذ الحد مع قيام الشبهة والشك خطأ، أولى منه الرجوع إلى أصل البراءة.

стр. 19875

المبحث الثاني رأينا في الموضوع بعد هذا العرض لأدلة الفريقين ومناقشتها، فالذي يظهر لي هو قوة أدلة المانعين للعمل بالقرينة في إثبات الحدود وظهورها فيما أوردت من أجله، فقد اعتمدت على أحاديث صحيحة في محل النزاع وعلى قاعدة اتفقوا عليها في الحدود، وهو ما يستفاد كذلك من منهج الشارع في الحدود، فقد وردت جرائم الحدود في الإسلام على سبيل الحصر، وتولى الشارع تقدير عقوبتها فلم يترك للإمام مجالا لتقدير هذه العقوبة ثم حدد طرق للإثبات تختلف في أكثر صورها عن إثبات الحقوق الإخرى، معنى ذلك أن الشارع قد سلك في إثبات الحدود مسلكا معينا، فالاحتمال بهذا المسلك إخلال بنظامه. كما أن من يتبع إثبات جرائم الحدود في الفقه الإسلامي يجد عدم تشوف الشارع إلى إثباتها فها هو الرسول ﵊ يعرض عمن اعترف بالزنا حتى يقر عنده أربع مرات ثم بعدها يسأله بما يدل على إرادة تلقينه الرجوع عن هذا الإقرار، حتى أخذ بعض الفقهاء من ذلك ضرورة تكرار الاعتراف أربع مرات، أو تلقينه الرجوع عنه. ولا شك أن من حكمة الشارع في ذلك أن التوسع في إثبات مثل هذه الجرائم فيه إشاعة للفاحشة الأمر الذي ربما يترك في القلوب استهانة بها وتقليلا من شأنها مما يسهل ارتكابها خاصة وأن فيها جرائم تتعلق بالأعراض التي يجب صيانتها وحفظها.

стр. 19876

ثم أن القرينة لو كانت طريقا لإثبات الحدود فليس هناك أقوى من شهادة ثلاثة من الرجال برؤية الزنا رؤية كاملة للفعل ثم يشهد الرابع بأنه لم ير الفعل إنما رأى ما يدل عليه من أرجل مرفوعة وغير ذلك، ومع هذا لم يحد عمر بن الخطاب ﵁ من اتهم به بل حد الشهود حد القذف (١) ، فهذه قرينة ظاهرة لم يأخذ بها عمر، اللهم إلا أن يقال: إن طريق الشهادة في الإثبات غير طريق القرينة، فمن اتخذ طريق الشهادة، فيجب عليه أن يكمله كما ورد في الشرع، ومن اتخذ القرينة، فالإثبات بها للإقناع بدلالتها وظهورها على الحد، بغض النظر عن أن شهادة الثلاثة أكثر دلالة منها، كما ورد عن عمر القول بالرجم بالحبل. على أننا حين نقول بقوة أدلة المانعين للعمل بالقرينة في الحدود وظهورها فيما ذهبوا إليه وهو ما يراه الشارع مراعاة لمصلحة المجتمع بعدم التوسع في إثباتها- لا نغلق الباب على مصراعيه بهذا القول أمام الرأي الآخر ونمنع إعمال القرائن مطلقا، فهذا الترجيح جاء من جهة قوة الدليل وظهور دلالته، ولا شك أن هذا أمر اجتهادي تضاربت فيه الآراء واختلفت، وقد تقدم قول الشوكاني بأن هذا أمر اجتهادي، فكل قال بما يرى صلاحه للمجتمع مستلهما في ذلك روح التشريع وقصد الشارع.

стр. 19877

وفي مجتمعاتنا الحديثة حيث شاعت الفاحشة وانتهكت الأعراض وسفكت الدماء ونهبت الأموال لا راد يرد المجرمين ولا رادع يردعهم وصارت القوانين بسهولتها وسيلة لحماية الإجرام لا للحد منه، ولا يخفى أن شدة العقوبة في الفقه الإسلامي كانت ولا تزال في البلاد التي تطبق جانبا من هذه العقوبات، لها أثرها الفعال في الحد من الجريمة والتقليل من خطر المجرمين لما تبعثه في النفوس من رهبة وخوف. فإذا كان الأمر كذلك ورأى علماء المسلمين المختصون ضرورة تطبيق الحدود إذا ثبتت بالقرائن كقرينة الحمل في الزنا، مراعين في ذلك مصلحة المجتمع حيث أصبح من المستحيل إثبات مثل هذه الجرائم بشهادة الشهود، كما انعدم الضمير والوازع الديني الذي يجعل من الشخص مقرا بذنب ارتكبه، فأدى ذلك إلى فقد الخوف من العقوبة وزالت هيبتها، كما ارتفعت نسبة البغايا وكثر عدد الأولاد غير الشرعيين، وأصبح للسرقات شبكات وعصابات تستطيع مراوغة أقوى أجهزة لحفظ الأمن، وضرب الفساد أطنابه في جميع المرافق، مما أدى إلى اضطراب المجتمع وانقلاب نظامه. أقول: إذا رأى علماء المسلمين ذلك فلا مانع عندي طالما قائدهم ما يحقق مصلحة المجتمع، ولكن بشرط ضبط القرينة في هذا المجال وضبط الشبهات التي ترد عليها بحيث لا يخرج من الإطار العام لمقاصد الشرع الشريف. خصوصا وأن المتتبع لآراء المجيزين للعمل بالقرينة يرى أنهم لم يطلقوا العنان للقاضي في تكوين رأيه في الدعوى من أي دليل يعرض عليه، إنما نصوا على قرائن معينة ظاهرة الدلالة على أن المتهم قد ارتكب موجب الحد ما لم يستطع ذلك المتهم أن يورد شبهة تلقي ظلالا من الشك في أنه قد اقترف الجرم، فإذا استطاع ذلك درىء عنه الحد للشبهة.

стр. 19878

ولا يؤخذ على هذا القول- أي القول بالأخذ بالقرائن الظاهرة التي نص عليها- خروجه عن الدليل القوي وانسياقه وراء دليل أقل قوة منه، فقد ذكرت أن هذا موضوع اجتهادي، وموضوع الاجتهاد من شأنه أن تختلف فيه الآراء، ثم إنه سبق لعلمائنا بمصر والسودان أن خرجوا عن الرأي القوي إلى رأي أضعف منه بما رأوا أنه يحقق المصلحة، فقد أجازوا الوصية للوارث وخرجوا عن رأي الجمهور والأحاديث الصحيحة التي تمنع ذلك، وذهبوا إلى رأي ضعيف عزوه إلى بعض المفسرين وهو رأي أبي مسلم الأصفهاني، والأمر في قضيتنا أقوى بكثير مما ذكر، فإنهم إن خرجوا عن الرأي القوي فإنما يأخذون بقول عمر وعثمان ﵄ ومالك وأصحابه وابن تيمية وابن القيم وأحد أقوال الإمام أحمد، وقول ابن الغرس من فقهاء الحنفية، كما أنه لا يخرج عن قصد الشارع الحكيم بعدم التوسع في إثبات الحدود إذ أنه لا يجيز العمل بمطلق القرائن إنما قرائن معينة ينص عليها تظهر فيها قوة الدلالة على ارتكاب موجب الحد، ولم يستطع المتهم أن يذكر شبهة تدرأ عنه الحد.

стр. 19879

وعلى كل حال فإن القول بوجوب إثبات الحد بالقرائن الظاهرة يمكن أن يؤسس على قواعد وأدلة أحسبها قوية وعملية- وهى: الأولى: أن مقصود المشرع الحكيم من هذه الحدود هو حماية المجتمع وبقاء صلاحه بحفظ أعراض الخلق وأبشارهم وأموالهم ونسلهم وعقولهم ولا يتم ذلك إلا بإقامة هذه الحدود وتنفيذ عقوبتها. الثانية: إن تمكين الشبهة الدارئة إلى هذا الحد عند الفقهاء يؤدي إلى عدم تطبيق هذه الحدود أصلا، فكل حبلى بلا زوج قد تدعي الإكراه، وأي دعوى غير الإكراه تستطيع أن تدفع بها شناعة فعلها وعارها، كما أن كل سارق قد يدعي ملكية المسروق، أو عدم الإحراز، وسارق المال العام قد يتعلل بشبهة الملك وماله فيه من حق، وكل قاذف يستطيع أن يصل إلى غرضه بالكناية والتعريض، فتهتك بذلك أعراض الناس وأستارهم، وينفرط عقد المجتمع ويختل نظامه، فقولنا في كل ذلك، وأكثر منه شبهة أنه تمنع ثبوت الحد فكأننا نقر بهذا القول، أن هذه الحدود مجرد نظريات غير قابلة للتطبيق. ثم هل نرد أصلا مقطوعا به وهو مقصد الشارع في حفظ الضروريات وبقاء صلاح المجتمع بقاعدة معترض على ثبوتها، كما قدمناه عن ابن حزم الظاهري وشروح الدارقطني.

стр. 19880

الثالثة: إن مقصود الشارع من عدم التوسع في إثبات الحدود وهو المستفاد من منهجه المتشدد في طرق إثباتها – هذا المقصد – لا يفوت بإثباتها بالقرائن، إذ أننا لا نقول مطلق القرائن، إنما هي قرائن منصوص عليها على سبيل الحصر. الرابعة: أن الأدلة المتفق عليها والتي نصبت لإثبات الحدود – أعني الإقرار والبينة – لا تفيد القطع واليقين بأن المتهم قد أتى بموجب الحد ومع ذلك فقد رتب المشرع الحكيم الحكم عليها لإفادتها غلبة الظن، وغلبة الظن هذه تتوفر مع القرائن، وعلى وجه الخصوص القرائن المنصوص عليها، فلا وجه للاختلاف فيها والعلم المتحصل في الجميع واحد وهو غلبة الظن. الخامسة: إن قوة القرينة أو ضعف دلالتها على المطلوب كثيرا ما تتضح أثناء نظر الدعوى، فإذا استطاع المتهم أن يذكر سببا معقولا يؤدي إلى إضعاف غلبة الظن التي تتوفر للقاضي بهذه القرائن يسقط اعتبارها ولا وجه للحكم بها، ولكن إسقاطها والقول بوجود الشبهة فيها من غير أن يذكر المتهم أسبابا معقولة غير صحيح عندي. السادسة: إن تغير الزمان وفساده كان سببا رحبا عند الفقهاء لتغيير كثير من الأحكام، ولعله يكون قاعدة منطقية في أمرنا هذا تستوجب إعادة النظر عند المانعين، فإن تطور الجريمة وأساليبها يؤدي حتما إلى تطور الإثبات فيها.

стр. 19881

الفصل الثالث أثر القرينة في إثبات جرائم القصاص ويتضمن: • تمهيد • المبحث الأول: أثر القرينة في إثبات القصد الجنائي. • المبحث الثاني: أثر القرينة في إثبات القسامة. • المبحث الثالث: أثر القرينة كدليل مجرد من غير قسامة. تمهيد غني عن البيان أن الشريعة الإسلامية قد كرمت النفس الإنسانية وكفلت احترامها وعدت حفظها وصيانتها من الضروريات التي قصدها المشرع الحكيم، فكان الاعتداء عليها من أكبر الجرائم وأعظم الحرمات، والشريعة إذ تحرم ذلك تعتبر أن الاعتداء على النفوس وإزهاقها اعتداء على المجتمع بأسره وتهديد لكيانه لما يؤدي إليه من إفناء للبشرية وزجها في بحر متلاطم من الدماء والمنازعات، وما يثيره في النفوس من حقد وكراهية، يقول تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] . ومن هنا جاءت شريعة الله بالقصاص وتعقب الجناة وإنزال العقوبات عليهم، وتولى المشرع الحكيم تقدير عقوبات القصاص في النفوس وما دونها، ومع تقدير هذه العقوبة ترك لأولياء القتيل- لما لهم من حق في دمه – حق التنازل والصفح عن القاتل إذا ما هدأت ثورتهم وسكن غضبهم، ولهذا لم تلحق جرائم القصاص بجرائم الحدود لغلبة حق العبد فيها.

стр. 19882

المبحث الأول أثر القرينة في إثبات القصد الجنائي ينقسم القتل عند جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية إلى عمد وشبه عمد وخطأ، ويجعله الإمام مالك قسمين: عمد، وخطأ (١) . فالقتل العمد هو الذي قصد الجاني إلى إحداثه، أي توفرت لديه نية القتل عند إقدامه على الجناية، ولما كانت العمدية صفة قائمة بالقلب لا يمكن الاطلاع عليها، اتخذ الفقهاء من القرائن ما يدل عليها، ومن ذلك ما ذكره فقهاء الحنفية من أن وسيلة القتل أي الآلة التي أستعملها الجاني في ارتكاب الجريمة تعد قرينة دال على توفر القصد الجنائي أو عدم توفره، ويتضح هذا من تعريفهم للقتل العمد بأنه: (أن يتعمد ضربه بآلة تفرق الأجزاء مثل سلاح ومثقل ولو من حديد، وما هو محدد من خشب أو زجاج أو حجر) (٢) . وجاء في حاشية الشلبي قوله: (قال في شرح الطحاوي: فالعمد ما تعمد قتله بالحديد كالسكين والسيف، أو ما كان كالحديد سواء كان له حدة يبضع بضعا أو ليس له حدة ولكنه يرض رضا كالعمود وسنجاة الميزان وغيرها، أو طعن بالرمح أو الإبرة أو الأشفى بعد أن يقع عليه اسم الحديد) (٣) .

стр. 19883

فأنت ترى هذا الربط الوثيق بين العمدية أي نية القتل والوسيلة المستخدمة في الجناية، فإذا كانت الوسيلة مما يقتل غالبا كهذه الأصناف التي ذكروها من حديد أو سيف أو رمح أو زجاج كان القتل قتلا عمدا لأن هذه الوسيلة قرينة على إرادة القتل، أما إذا كانت الآلة مما لا يقتل غالبا يكون القتل شبه عمد، لأن الوسيلة التي استعملها لا تدل على أن نية القتل كانت متوفرة، لأته قد يقصد الإيذاء من جرح أو غيره وقد يقصد القتل، ولما كان ذلك محتملا بأنه قصد القتل، وإيضاحا لما قررناه عنهم ننقل لك قول العلامة ابن عابدين: (لأن العمد هو القصد ولا يوقف عليه إلا بدليله، ودليله استعمال القاتل آلته فأقيم الدليل مقام المدلول، لأن الدلائل تقوم مقام مدلولاتها في المعارف الظنية الشرعية.. وهو صريح أنه يجب القصاص إن لم يذكر الشهود العمد، وبه صرح الإتقاني، وفيه أنه لا يقبل قول القاتل: لم أقصد قتله) (١) . وإلي هذا القول الذي يجعل الوسيلة المستخدمة في القتل قرينة على العمدية يذهب فقهاء الشافعية والحنابلة، فيقولون: أن القتل العمد لا يكون إلا بالآلة التي تقتل غالبا، أما إذا كانت الآلة مما لا يقتل غالبا، وكانت فقط تقتل كثيرا أو تقتل نادرا، فإن الجريمة لا تكون قتلا عمدا (٢) .

стр. 19884

أما الإمام مالك - ويوافقه في ذلك ابن حزم الظاهري (١) - فلا يقرن العمدية بالوسيلة، فهو يرى أن كل اعتداء عمد يؤدي إلى الموت يعتبر قتلا عمدا بصرف النظر عن الوسيلة التي استخدمت في هذا الاعتداء، فعلى المشهور من مذهبه أنه متى ما قصد الشخص العدوان بأي وسيلة كان هذا العدوان وأفضى عدوانه إلى الموت، كان هذا العدوان عمدا، قصد هذه النتيجة أم لم يقصدها، لأن العمدية لا يطلع عليها، فينبغي أن يؤخذ بجريرة عمله طالما أنه قصد الاعتداء (٢) . فالإمام مالك لم يعط فكرة الوسيلة المستخدمة في القتل كبير اهتمام وقصد الاعتداء وحده لا يكفي لإثبات القصد إلى القتل.

стр. 19885

المبحث الثاني أثر القرينة في إثبات القسامة القسامة في اللغة تطلق على معنيين، بمعنى الحلف، يقال: أقسمت إذا حلفت وبمعنى الحسن والجمال، يقال فلان قسيم الوجه، ورجل قسيم أي وسيم (١) . أما في اصطلاح الفقهاء: يقول الصنعاني: القسامة وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم على المدعي عليهم (٢) . وعند ابن عرفة المالكي هي: حلف خمسين يمينا أو جزأها على إثبات الدم (٣) . ويعرفها الحنفية بقولهم: (القسامة أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار فيها قتيل به أثر، فيقول كل واحد منهم ما قتلته ولا علمت له قاتلا) (٤) . يتضح من هذه التعريفات أن القسامة هي أيمان قدرها خمسون يمينا يحلفها إما أولياء القتيل يثبتون بها الدم على المدعى عليه كما هو مفهوم جمهور من يقول بها، أو يحلفها من وجد القتيل بين ظهرانيهم ينفون بها نسبة القتل إليهم وهو مفهوم الحنفية.
следующие страницы →