← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19881–19920 · переход к 19886.

стр. 19881

الفصل الثالث أثر القرينة في إثبات جرائم القصاص ويتضمن: • تمهيد • المبحث الأول: أثر القرينة في إثبات القصد الجنائي. • المبحث الثاني: أثر القرينة في إثبات القسامة. • المبحث الثالث: أثر القرينة كدليل مجرد من غير قسامة. تمهيد غني عن البيان أن الشريعة الإسلامية قد كرمت النفس الإنسانية وكفلت احترامها وعدت حفظها وصيانتها من الضروريات التي قصدها المشرع الحكيم، فكان الاعتداء عليها من أكبر الجرائم وأعظم الحرمات، والشريعة إذ تحرم ذلك تعتبر أن الاعتداء على النفوس وإزهاقها اعتداء على المجتمع بأسره وتهديد لكيانه لما يؤدي إليه من إفناء للبشرية وزجها في بحر متلاطم من الدماء والمنازعات، وما يثيره في النفوس من حقد وكراهية، يقول تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] . ومن هنا جاءت شريعة الله بالقصاص وتعقب الجناة وإنزال العقوبات عليهم، وتولى المشرع الحكيم تقدير عقوبات القصاص في النفوس وما دونها، ومع تقدير هذه العقوبة ترك لأولياء القتيل- لما لهم من حق في دمه – حق التنازل والصفح عن القاتل إذا ما هدأت ثورتهم وسكن غضبهم، ولهذا لم تلحق جرائم القصاص بجرائم الحدود لغلبة حق العبد فيها.

стр. 19882

المبحث الأول أثر القرينة في إثبات القصد الجنائي ينقسم القتل عند جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية إلى عمد وشبه عمد وخطأ، ويجعله الإمام مالك قسمين: عمد، وخطأ (١) . فالقتل العمد هو الذي قصد الجاني إلى إحداثه، أي توفرت لديه نية القتل عند إقدامه على الجناية، ولما كانت العمدية صفة قائمة بالقلب لا يمكن الاطلاع عليها، اتخذ الفقهاء من القرائن ما يدل عليها، ومن ذلك ما ذكره فقهاء الحنفية من أن وسيلة القتل أي الآلة التي أستعملها الجاني في ارتكاب الجريمة تعد قرينة دال على توفر القصد الجنائي أو عدم توفره، ويتضح هذا من تعريفهم للقتل العمد بأنه: (أن يتعمد ضربه بآلة تفرق الأجزاء مثل سلاح ومثقل ولو من حديد، وما هو محدد من خشب أو زجاج أو حجر) (٢) . وجاء في حاشية الشلبي قوله: (قال في شرح الطحاوي: فالعمد ما تعمد قتله بالحديد كالسكين والسيف، أو ما كان كالحديد سواء كان له حدة يبضع بضعا أو ليس له حدة ولكنه يرض رضا كالعمود وسنجاة الميزان وغيرها، أو طعن بالرمح أو الإبرة أو الأشفى بعد أن يقع عليه اسم الحديد) (٣) .

стр. 19883

فأنت ترى هذا الربط الوثيق بين العمدية أي نية القتل والوسيلة المستخدمة في الجناية، فإذا كانت الوسيلة مما يقتل غالبا كهذه الأصناف التي ذكروها من حديد أو سيف أو رمح أو زجاج كان القتل قتلا عمدا لأن هذه الوسيلة قرينة على إرادة القتل، أما إذا كانت الآلة مما لا يقتل غالبا يكون القتل شبه عمد، لأن الوسيلة التي استعملها لا تدل على أن نية القتل كانت متوفرة، لأته قد يقصد الإيذاء من جرح أو غيره وقد يقصد القتل، ولما كان ذلك محتملا بأنه قصد القتل، وإيضاحا لما قررناه عنهم ننقل لك قول العلامة ابن عابدين: (لأن العمد هو القصد ولا يوقف عليه إلا بدليله، ودليله استعمال القاتل آلته فأقيم الدليل مقام المدلول، لأن الدلائل تقوم مقام مدلولاتها في المعارف الظنية الشرعية.. وهو صريح أنه يجب القصاص إن لم يذكر الشهود العمد، وبه صرح الإتقاني، وفيه أنه لا يقبل قول القاتل: لم أقصد قتله) (١) . وإلي هذا القول الذي يجعل الوسيلة المستخدمة في القتل قرينة على العمدية يذهب فقهاء الشافعية والحنابلة، فيقولون: أن القتل العمد لا يكون إلا بالآلة التي تقتل غالبا، أما إذا كانت الآلة مما لا يقتل غالبا، وكانت فقط تقتل كثيرا أو تقتل نادرا، فإن الجريمة لا تكون قتلا عمدا (٢) .

стр. 19884

أما الإمام مالك - ويوافقه في ذلك ابن حزم الظاهري (١) - فلا يقرن العمدية بالوسيلة، فهو يرى أن كل اعتداء عمد يؤدي إلى الموت يعتبر قتلا عمدا بصرف النظر عن الوسيلة التي استخدمت في هذا الاعتداء، فعلى المشهور من مذهبه أنه متى ما قصد الشخص العدوان بأي وسيلة كان هذا العدوان وأفضى عدوانه إلى الموت، كان هذا العدوان عمدا، قصد هذه النتيجة أم لم يقصدها، لأن العمدية لا يطلع عليها، فينبغي أن يؤخذ بجريرة عمله طالما أنه قصد الاعتداء (٢) . فالإمام مالك لم يعط فكرة الوسيلة المستخدمة في القتل كبير اهتمام وقصد الاعتداء وحده لا يكفي لإثبات القصد إلى القتل.

стр. 19885

المبحث الثاني أثر القرينة في إثبات القسامة القسامة في اللغة تطلق على معنيين، بمعنى الحلف، يقال: أقسمت إذا حلفت وبمعنى الحسن والجمال، يقال فلان قسيم الوجه، ورجل قسيم أي وسيم (١) . أما في اصطلاح الفقهاء: يقول الصنعاني: القسامة وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم على المدعي عليهم (٢) . وعند ابن عرفة المالكي هي: حلف خمسين يمينا أو جزأها على إثبات الدم (٣) . ويعرفها الحنفية بقولهم: (القسامة أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار فيها قتيل به أثر، فيقول كل واحد منهم ما قتلته ولا علمت له قاتلا) (٤) . يتضح من هذه التعريفات أن القسامة هي أيمان قدرها خمسون يمينا يحلفها إما أولياء القتيل يثبتون بها الدم على المدعى عليه كما هو مفهوم جمهور من يقول بها، أو يحلفها من وجد القتيل بين ظهرانيهم ينفون بها نسبة القتل إليهم وهو مفهوم الحنفية.

стр. 19886

والأصل في القسامة ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن نفرا من الأنصار انطلقوا إلى خيبر وتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلا، فقالوا لليهود: قتلتم صاحبنا فأنكروا فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقال لهم: تأتون بالبينة، فقالوا يا رسول الله: ما لنا بينة، قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة (١) . وفي روايات أخرى: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم، ويقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (٢) . ووجه الدلالة في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ شرع أيمان القسامة، فأجاز لأولياء القتيل الحلف لإثبات القتل. ويتضح فيها أيضا اعتماد المدعين على قرينة العداوة بين اليهود والأنصار مما دعاهم إلى توجيه تهمة القتل إليهم لاسيما وقد وجد القتيل بينهم، وأجاز النبي ﷺ الحلف على ذلك. خالف في الأخذ بالقسامة بعض الفقهاء منهم قتادة وأبو قلابة والبخاري بحجة أن القسامة تخالف أصول التشريع الإسلامي، إذ الأصل ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا أو شاهد حسًا، وأن النبي ﷺ تلطف بأولياء القتيل ليشعرهم أنه لا يلزم الحكم بها في الإسلام لأنها من أحكام الجاهلية (٣) . وأجيب على هذا القول بأن القسامة أصل قائم بنفسه قررته السنة النبوية الشريفة كسائر السنن المقررة للأصول، وأنه لا يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وللإنسان أن يحلف على غالب ظنه، والنبي ﷺ جعل لهم استحقاق دم القاتل كما يظهر في الأحاديث (٤) .

стр. 19887

دور القرينة في إثبات القسامة: القائلون بالقسامة قد اتفقوا على أن للقرينة تأثيرا كبيرا في إثباتها وإن اختلفوا في كيفية الأخذ بها، فجمهور القائلين بالقسامة يقولون إنها تجب مع اللوث الذي قد يكون قرائن قوية دالة على صدق دعوى المدعين، وفقهاء الحنفية لا يقولون باللوث ومع ذلك فهم يلجؤون للقرينة فلننظر آراءهم في ذلك. رأى الجمهور: يرى فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة أن القسامة لا تجب إلا مع اللوث فإذا كان هناك لوث، يحلف أولياء القتيل خمسين يمينا وبذلك يستحقون القود أي يقاد القاتل به عند مالك وأحمد والشافعي في القديم وابن حزم، وتجب الدية عند الشافعي في الجديد. أما اللوث عند الشافعية فهو ما يغلب الظن على صدق الدعوى, فيقول صاحب مغنى المحتاج: (اللوث قرينة حالية أو مقالية لصدق أي تدل على صدق المدعي) (١) . ومن اللوث عندهم وجود القتيل في محلة أعدائه لا يخالطهم غيرهم وإن كان يخالطهم غيرهم لا يكون ذلك لوثا، ومن ذلك أيضا وجود القتيل ومعه رجل معه سيف مخضب بالدم ليس هناك غيره، لأن الظاهر أنه قتله، ومنه لهج العام والخاص أن فلانا قتله، وغير ذلك من القرائن القوية ودلائل الأحوال (٢) . وفى مذهب المالكية لم يذكر الإمام مالك القرائن ضمن الأشياء التي اعتمدها لوثا، فقد اعتمد معاينة الرجل العدل والمرأة الواحدة والعبد والصبى، غير أن فقهاء المذهب قد بينوا أن القرائن تصلح أن تكون دليلاً تجب به القسامة.

стр. 19888

فقد نقل ابن فرحون في تبصرته قول المازري: وعندي أن الأظهر في الجواب أن القرائن تقوم مقام الشاهد، وقول ابن القاسم: لو رأى العدول المتهم يجرد المقتول ويعريه وإن لم يروه حين أصابه فإن هذا لوث تجب معه القسامة، وقول الجلاب: وإذا وجد مقتول ووجد معه رجل بقربة معه سيف أو في يده شي من آلة القتل وعليه آثار القتل فذلك لوث (١) . ويقول العدوي في هذا الشأن: (ولا يخفى أن قرائن الأحوال مما تفيد الظن القوي) . (٢) مفاد هذه الأقوال أن فقهاء المذهب المالكي اعتدوا بالقرائن التي تفيد الظن القوي لإثبات اللوث الذي هو شرط القسامة، غير أن هذا الاعتداد قد جاء متأخرا، إذ أن الإمام مالكا كان يرى اللوث هو فقط نقصان البينات. وما قدمناه من الاعتداد بالقرائن في إثبات القسامة يقول به فقهاء الحنابلة وذكروا من القرائن مثل ما قدمناه من الشافعية والمالكية، بل توسعوا في بعضها أكثر من فقهاء الشافعية، حيث لم يتمسكوا بقيد الشافعية من عدم اعتبار قرينة وجود المقتول في محله إذا كان في المحلة غير أعدائه، فيقولون يكون ذلك لوثا وإن وجد غيرهم (٣) .

стр. 19889

رأي الحنفية: أما فقهاء الحنفية فإنهم مع أخذهم بالقسامة لا يقولون بفكرة اللوث كما أنهم يجعلون اليمين على المدعي عليه، فلا يمين على المدعين إذ أن اليمين شرعت في جانب المنكر لقوله ﷺ : ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه)) (١) . كما أن اليمين ليست صالحة للاستحقاق فكيف يستحق بها الدم؟ ومن ثم فإنهم لا يوجبون في القسامة القود، وإنما الدية. وفقهاء الحنفية وإن كانوا لا يأخذون بفكرة اللوث إلا أنهم أخذوا بالقرينة فإنهم يقولون إنه إذا وجد القتيل في محلة قوم أو دارهم أو أرضهم، فهذا دليل على أن القاتل منهم، فالإنسان لا يأتي من محلة إلى محلة ليقتل طائعا مختارا فيها، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا القتل بقوتهم ونصرتهم. ولذلك يحلفون يمين القسامة على أنهم ما قتلوا ولا عرفوا له قاتلا، ثم يدفعون ديته صيانة لدمه من الهدر لوجود القتيل بين أظهرهم ولتقصيرهم في النصرة الواجبة عليهم. وعليه فتكون القرينة الوحيدة التي يشترطها فقهاء الحنفية هي وجود جثة القتيل في محلة فتقوم دليلا على أن القاتل منهم، يجب عليهم بذلك حلف أيمان القسامة. أما إذا وجد في محل عام كالمساجد والجسور والأنهار العامة فلا قسامة إنما تجب ديته في بيت المال (٢) . هذه هي آراء القائلين بالقسامة، وقد رأينا الدور الهام الذي تقوم به القرائن في إثبات القسامة سواء كانت على المدعين أو على المدعى عليهم، ذلك أن القسامة إنما شرعت لعدم وجود البينة الكاملة المباشرة على الفعل، فاحتاج إلى دلائل أخرى تغلب الظن وتفيد الحكم فكانت القرائن القوية هي التي تفيد هذا العلم. غير أن هذه القرائن التي تعرضنا لها لا يترتب عليها وحدها الحكم، إنما الحكم يترتب على القسامة التي يحلفها من وجبت عليه بناء على دلالة هذه القرائن، أما القرائن وحدها فهل يجوز الحكم بمجردها في الدماء إذا كانت قوية الدلالة؟ هذا هو ما سنعرضه الآن.

стр. 19890

المبحث الثالث أثر القرينة كدليل مجرد عن القسامة تعرض الفقهاء للقرينة كدليل يوجب القسامة كما تقدم، أما كونها دليلا منفصلا يترتب عليه حكم في دعوى الدم بغير أن تعضد بأيمان القسامة فلا نكاد نجد له أثرا واضحا في كتبهم، ولعل السبب في ذلك أن الشرع قد نص على القسامة حين تدل القرائن على القاتل، كما جاء في أحاديث القسامة المتقدمة، ومن ثم يكون الاعتداد بالقرينة وحدها أمرا زائدا لا مبرر له. ومع هذا فهناك من الفقهاء من يميل إلى إثبات جريمة القتل بالقرائن، فالقرينة قد تكون قوية الدلالة واضحة في إثبات الجريمة، وقد لا يؤول الأمر للقسامة فينبغي تحكيم القرائن حينئذ. وممن يقول بهذا القول الفقيه الحنفي ابن الغرس فقد نقلوا عنه قوله: (إن من جملة طرق القضاء القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به، فقد قالوا: لو ظهر إنسان من دار ومعه سكين في يده وهو متلوث بالدماء سريع الحركة، عليه أثر الخوف، فدخلوا الدار في الوقت على الفور، فوجدوا بها إنسانا مذبوحا بذلك الحين وهو ملطخ بدمائه ولم يكن في الدار غير ذلك الرجل الذي وجد بتلك الصفة وهو خارج من الدار يؤخذ به، وهو ظاهر إذ لا يمتري أحد في أنه قاتله, والقول بأنه ذبح نفسه أو أن غير ذلك الرجل قتله ثم تسور الحائط فذهب احتمال بعيد لا يلتفت إليه إذ لم ينشأ عن دليل) (١) .

стр. 19891

خلاصة رأى ابن الغرس أن الصفة المذكورة للمتهم والقرائن القائمة تدل دلالة واضحة على أنه قد ارتكب الجريمة، وأن أي احتمال آخر يقوم على غير ذلك لا دليل عليه بل هو في حكم الوهم، ولذلك لا بد أن يؤخذ الجاني ويقتص منه بهذه الدلائل. وقول ابن الغرس هذا إن كان يلقى معارضة شديدة من فقهاء المذهب حيث نجد الرملي يقول: إن هذا بعيد خارج عن الجادة ولم يعضده نقل معتبر في المذهب (١) . غير أن المتأخرين منهم لا يمانعون في القول به فها هو العلامة ابن عابدين يفتي بإعمال القرائن بعد أن ذكر قول ابن الغرس المتقدم، فهو إن كان لا يرى القصاص في مثل هذه الحالة ولكنه يقول إن فقهاء المذهب المتقدمين لم ينصوا على القرائن لأن أعرافهم كانت تختلف ولم يكونوا بحاجة إليها، وما دامت الأعراف قد تغيرت فينبغي أن يكون المعول عليها (٢) .

стр. 19892

ويبدو أن الخلاف في القرائن قد طرأ في صدر المذهب غير أنه لم يأخذ حظه من النقاش لتأتي أحكامه مفصلة كغيره من الأحكام، فقد نقل صاحب واقعات المفتين قوله: (لو أن رجلين كانا في بيت ليس معهما ثالث فوجد أحدهما مذبوحا، قال أبو يوسف، أضمن الآخر الدية، قال محمد: لا أضمنه لأنه يحتمل أن القتيل قتل نفسه، ويحتمل أن يكون قتله الآخر فلا أضمنه بالشك، ولأبي يوسف: أن الظاهر أن الإنسان لا يقتل نفسه فكان التوهم ساقطا، كما لو وجد في محلة لا يلتفت إلى هذا التوهم فكذا هذا) (١) . يتضح من هذا القول أن الإمام محمدا لم يجعل القسامة في هذه الواقعة بينما يضمن أبو يوسف المتهم بالدية، والظاهر أن الضمان بعد حلف أيمان القسامة.

стр. 19893

هذا ما كان في مذهب الحنفية، أما في مذهب المالكية، فإن الفقيه المالكي ابن فرحون يميل إلى ما ذهب إليه ابن الغرس، ويستفاد هذا الميل من قوله معددا القرائن التي يقول بها الفقهاء: (الأربعون: قال أصحابنا: إذا رأينا رجلا مذبوحا في دار والدم يجري وليس في الدار أحد ورأينا رجلا قد خرج من عنده في حالة منكرة علمنا أنه الذي قتله وكان لوثا يوجب القسامة أو القود للقرينة الظاهرة) (١) . يظهر من هذا القول أن ابن فرحون يرى أن الحكم في هذه الواقعة التي هي شبيهة بتلك التي أوردها ابن الغرس- هو إما القسامة وهو ما يقول به غيره من فقهاء المذهب، أو القود وهو ما يميل إليه هو، ويؤيد ذلك قوله في موضع آخر: (ومن اللوث الذي يوجب القصاص لو شهد شاهدان أنهما رأيا رجلا خرج مستترا في دار في حالة رثة، فاستنكرا ذلك، فدخل العدول من ساعتهم الدار فوجدوا قتيلا يسيل دمه، ولا أحد في الدار غيره وغير الخارج فهذه شهادة يقطع الحكم بها وإن لم تكن على المعاينة) . فقد عد هذه القرينة أي هيئة المتهم بالقتل كالشهادة على المعاينة وأوجب بها القصاص.

стр. 19894

وقد قدمنا القول عن فقهاء المالكية في مثل هذه القرائن أنها توجب القسامة، ولم أعثر على من يقول بقول ابن فرحون بإيجاب القصاص بالقرائن من غير قسامة، اللهم إلا ما يستنتج من قول الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير بصدد قول الدردير: إن تعدد اللوث لا يمنع القسامة بل هي واجبة رغم تعدد اللوث، يقول الدسوقي: (إن تعدد اللوث لا يغني عن القسامة ففيه نظر) ، فنستنتج من هذا التعليق أن الدسوقي يريد أن يجعل تعدد اللوث أي كثرة القرائن دليلا على الجريمة دون الحاجة إلى القسامة، فيوافق بذلك ما ذهب إليه ابن فرحون. وقد نسب الدكتور عبد المنعم البهي في كتابه من طرق الإثبات في الشريعة والقانون إلى الإمام ابن القيم أنه يقول بما قال به ابن الغرس (١) . ويرى إثبات القصاص بالقرينة من غير قسامة، ولكني لم أجد للإمام ابن القيم فيما اطلعت عليه من كتبه نصا يدل على ذلك، بل الذي رأيته عنه يدل على أنه يتفق مع جمهور الفقهاء في إعمال القرائن لإثبات القسامة فقط (٢) .

стр. 19895

ومن هنا يتضح أن القول باثبات القتل على المتهم بالقرائن المجردة هو من رأى ابن الغرس الحنفي وهو ما يميل إليه ابن عابدين ولكن لا يثبت بها القصاص. وهو رأى ابن فرحون والدسوقي من المالكية ووجهة نظرهم أن القرائن هي الأثر المتبقي من الحادث وتدل على الاحتمالات الضعيفة لا يؤبه لها. أما جمهور الفقهاء فإن حجتهم تختلف باختلاف مذاهبهم في إثبات الدماء عند تخلف الطريق الأصلي لإثباتها وهو إما الإقرار أو البينة، فالمالكية والشافعية والحنابلة يرون أنه لما تخلف هذا الطريق الأصلي للإثبات شرعت القسامة عندما تشير القرائن القوية إلى المتهم، فإذا حلف الأولياء على المتهم استحقوا دمه أو الدية على ما بيناه عنهم. فالقرائن من غير قسامة لا تكفي إذن على إثبات القتل عندهم. أما فقهاء الحنفية فيقولون: إن القرائن تحوطها احتمالات كثيرة ودعاوى الدماء مما يجب الاحتياط فيها فلا يعتمد على القرائن في إثباتها، والقسامة تجب على المدعى عليهم إذا وجد القتيل بين أظهرهم.

стр. 19896

رأينا في الموضوع: بعد هذا العرض لآراء الفقهاء ظهر أنا أن هناك ثلاثة اتجاهات عند تخلف أدلة الإثبات الأصلية في القتل ودلالة القرائن: أولا: فريق يرى الحكم بهذه القرائن لوضوح دلالتها وهم: ابن الغرس وابن فرحون، والدسوقي عند تكاثر القرائن، وابن عابدين على ألا توجب القصاص. ثانيا: فريق يرى أن القرائن بمجردها لا يحكم بها ولكن إذا عضدتها يمين المدعين وهي أيمان القسامة يحكم بها وهو رأى الجمهور. ثالثا: فريق يرى وجوب الاحتياط وألا يحكم بالقرائن للاحتمالات التي تكتنفها والقرينة الوحيدة عندهم أي الحنفية هي تواجد القتيل في محلة قوم فهؤلاء عليهم دية القتيل بعد حلف أيمان القسامة. وفي نظري أن قول الجمهور من حيث توجيه اليمين إلى المدعين في القسامة إذا ظهرت أمارات الاتهام أقرب للصواب من قول الحنفية، لأن القسامة قد شرعت تقوية للإثبات عند ظهور دلائل القتل ولم تكتمل الأدلة الأصلية لإثباته، فجاءت اليمين تقوية للادعاء ولذا جعلها الشارع خمسين يمينا تغليظا لشأن الدماء.

стр. 19897

ولا شك أن ذكر ابن الغرس وابن عابدين لهذه القرائن فلحاجة المذهب إلى مثل هذا النص، إذ أن مذهب الحنفية بتقييده ليمين القسامة وجعلها على المدعى عليهم وقصرهم علي أهل المحلة التي وجد بها القتيل تمشيا مع قاعدة اليمين على المنكر، يكون قد ضيق مجال العمل بالقسامة، وتبع ذلك ظهور حالات كثيرة لا يمكن فيها توجيه اليمين إلى أهل المحلة منها تلك الحالة التي ذكرها ابن الغرس فقد دلت القرينة على مرتكب الجريمة، فلا يكون هناك ثمة ما يدعو إلى تحليف أهل المحلة لظهور التهمة في غيرهم، ثم إن المذهب لا يترتب على هذا المتهم شيئا، وقد رأينا قول محمد والخير الرملي أنهما لا يضمناه شيئا للشك والاحتمال. ومذهب الحنفية بمنطقه هذا وأقيسته هذه وإن كان قريبا من المعاني الاجتماعية من حيث إنه جعل المسؤولية على أهل المنطقة أو الدائرة التي وجد فيها القتيل لتقصيرهم في المحافظة على الدماء في دائرتهم، إلا أنه قد يعجز عن الوفاء بما تتطلبه حماية الدماء وصيانتها من محاولة التعرف على الجاني وحصر التهمة بقدر الإمكان.

стр. 19898

ففكرة حصر التهمة على أهل المحلة إذا صلحت على أهل القرى والبادية حيث إنهم لا يستطيعون معرفة القاتل أو في إمكانهم ذلك، فإنها لا تصلح في مجتمع الحضر والمدن إلا في حدود ضيقة، ومع تعقيد الحياة وتطور أساليب الجريمة تقل جدوى حصر التهمة على أهل المحلة- وإلا فكيف نفعل بالقتلى الذين يوجدون في الطرقات أو في دور الحكومة أو في الدور الجديدة أو العمارات التي لم تسكن بعد، فهل ضمان كل ذلك في بيت المال؟. فليس أرجح من ذلك إلا القول بأنه إذا دلت أمارات الاتهام على شخص أو أشخاص جاز للأولياء أن يحلفوا أيمان القسامة طالما أن ظنهم قد وصل أغلبه أو تيقنوا من أنه القاتل. أما إذا لم يكن هناك أولياء، أو وجدوا ولم يرضوا بالحلف تورعا أو قصدا وعلم القاضي أن المتهم بما تدل عليه حاله وبشهادة القرائن التي لم يستطع المتهم أن يدحضها وقد حاصرته من كل وجه، كما لم يستطع أن يقدم أسبابا معقولة تلقي ظلالا من الشك على ارتكابه الجناية - وهذا ما يحدث كثيرا في الجرائم في عصرنا الحاضر. أقول: فإن قول المجيزين بالأخذ بالقرائن أوجه وأولى بالقبول. وفرق كبير بين قولنا أن القرائن لا تصلح دليلا للإثبات وبين عدها دليلا مع فسح المجال للمتهم كي يضعف دلالتها أو يشكك في قوتها. ومن ثم فإن القرائن تأتي في مرحلة متأخرة في نظام إثبات جرائم القصاص في الفقه الإسلامي، إذ إن الأدلة الأصلية- أعني الإقرار والبينة- مقدمة، ثم توجه أيمان القسامة عند نقصان الأدلة أو شهادة القرائن بحضور الأولياء، ثم القرائن عند انعدام الطريقين المتقدمين.

стр. 19899

الفصل الرابع أثر القرينة في إثبات الجرائم التعزيرية ويتضمن: المبحث الأول: أثر القرينة في الكشف على الجناة وإظهار الحق. المبحث الثاني: توقيع العقوبة التعزيرية بدلالة القرائن المبحث الأول أثر القرينة في الكشف على الجناة وإظهار الحق هنالك من الجرائم ما لا يدخل في نطاق الحدود، وكما لا يدخل في نطاق القصاص، إما لكونه يختلف عنها من حيث نوع الجريمة، أو لأنه قد فقد ركنا أو شرطا من أركان أو شروط الحدود والقصاص وأخرج عن نطاقها، ومع ذلك لم ينتف عنه وصف الجريمة (١) . هذا النوع من الجرائم يسمى جرائم التعزير، حيث ترك المشرع أمر تقدير عقوبتها لولي الأمر الذي يتوخى في هذا التقدير مقدار الجريمة المقترفة ومصلحة المجتمع الإسلامي.. ولذلك يعرف الفقهاء التعزير بأنه: (عقوبة غير مقدرة تجب حقا لله أو لآدمي لكل معصية ليس فيها حد ولا كفارة) (٢) . وعقوبة التعزير- كما يظهر من تعريف الفقهاء- قد تكون حقا لله تعالى كالإفطار في شهر رمضان، وقد تكون حقا للعباد كسرقة مال شخص من غير حرز، والاختلاس والانتهاب وعدم الوفاء بالدين وغيرها. والدعوى في التعزير دعوى عادية تتطلب طرق الإثبات المعروفة في الفقه الإسلامي من إقرار وبينة، والقرائن من الأدلة التي يرى الفقهاء جواز العمل والتعزير بموجيها.. ويتضح ذلك من مسلكهم في إعمال القرائن في الكشف عن الجناة وإظهار الحقوق مستندين في ذلك على بعض الدلائل نذكر منها: ١- عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن معاوية بن حيدة أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة (٣) . ورواية أبي هريرة أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة يوما وليلة استظهارا واحتياطا (٤) . ٢- ما رواه أبو داود عن أزهر بن عبد الله الحرازي أن قوما سرق لهم متاع فاتهموا أناسا من الحاكة فأتوا النعمان بن بشير صاحب رسول الله ﷺ فحبسهم أياما ثم خلى سبيلهم فأتوه، وقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان.. فقال: ما شئتم أن أضربهم فإن خرج متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهوركم مثل الذي أخذت من ظهورهم فقالوا: هذا حكمك قال: حكم الله وحكم رسول الله. (٥) . ٣- أن رسول الله ﷺ أمر الزبير ﵁ أن يمس بشيء من العذاب – أي ضرب – ابن أبي الحقيق عندما غيب ماله وادعى نفاذه وقال: أذهبته النفقات والحروب.. فقال رسول الله ﷺ : المال كثير والعهد قريب. (٦) .

стр. 19900

ووجه الدلالة من هذه الأحاديث – كما يستفاد من نصوص الفقهاء – أنه على القاضي ألا يهمل القرائن وشواهد الحال، وأنه لابد من حبس المتهم حتى تنكشف الحقيقة، وأنه إذا ظهرت أمارات الريبة على المتهم يجوز ضربه ليتوصل القاضي إلى الحق (١) . بيد أن الفقهاء قد قسما الناس في الدعوى إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: أن يكون المتهم في الدعوى معروفا بين الناس بالدين والورع والتقوى، أي أنه ليس ممن يتهم بما وجه إليه في الدعوى ... فهذا لا يقوم القاضي بحبسه أو ضربه ولا يضيق عليه بشيء.. بل قالوا لابد من تعزير من اتهمه صيانة لأعراض البرآء والصلحاء من تسلط أهل الشر والعدوان، وهذا القول مروي عن أبي حنيفة (٢) . الصنف الثاني: أن يكون المتهم مجهول الحال بين الناس، فهذا يقوم القاضي بحبسه حتى يكشف أمره، ومدة الحبس مختلف فيها بينهم، قيل ثلاثة أيام، وقيل شهرا، وقيل: يترك ذلك لاجتهاد ولي الأمر، وأجاز بعض الفقهاء ضرب مجهول الحال وامتحانه بغرض إقراره وإظهار الحق (٣) . الصنف الثالث: أن يكون المتهم معروفا بالفجور والتعدي كأن يكون معروفا بالسرقة قبل ذلك أو تكررت منه المفاسد، أو عرف بأسباب السرقة مثل أن يكون معروفا بالقمار، والفواحش التي لا تتأتى إلا بالمال وليس له مال، فهذه قرائن تدل على مناسبة التهمة له.. فهذا يضربه الوالي أو القاضي بغية التوصل إلى إقراره أو إظهار المال منه. هذا الحبس أو الضرب الذي هو من باب الوصول إلى الحق يسميه البعض سياسة، ويسميه الآخرون تعزيرا، وذلك لاختلافهم هل هو من عمل الوالي أو من عمل القاضي؟ (٤)

стр. 19901

فمن الواضح أن القرينة قد عملت على النحو المتقدم على إطلاق المعروف بالصلاح، ومنعت من تعويقه وتعطيله بالحبس.. بل إن مثل هذه الدعوى قد تؤدي إلى تعزير ومعاقبة من يقوم بها.. كما عملت القرينة كذلك على ضرب المتهم وحبسه حتى يقر بما ادعي عليه أو يظهر المال الذي أخفاه أو سرقه، وذلك لأن التهمة تناسبه وحاله بين الناس يغلب الظن على أنه فعل ما ادعي عليه يقول ابن الديري الحنفي: (والتهمة إذا قام دليلها عند المبتلى بالحادثة فأوجب ذلك غلبة الظن منه على أنه محل ما اتهم به فلا يستبعد أن يعتبر غالب الظن في ذلك.. يدل على هذا الأصل من السنة المأثورة وقول الفقهاء وإنما أعد السجن لذلك وما شاكله) (١) هذا خلاصة ما تقوم به القرائن في الكشف على الجناة وإظهار الحق، ولم يعترض على ذلك غير ابن حزم الظاهري حيث لم يجز حبس المتهم ... والفقهاء حينما نصوا على هذه الأحكام – وهي مس المتهم الذي تعددت سوابقه واشتهر بالفساد ونقب الدور والسرقات بشيء من الضرب بقصد التوصل إلى إقراره – كان هدفهم حماية الأمن ومنع الفوضى وإظهار قوة الحاكم وهيبته (٢) حتى لا يعتدي الأشرار على أموال ونفوس الآمنين- بيد أنه يجب النظر والتثبت في ذلك، فلا ينبغي أن يؤخذ كل منهم إذ أنهم حصروه في متعدد السوابق ومشتهر الفساد، كما أنهم استبعدوا من ذلك جرائم الحدود والقصاص، فلا يحق للقاضي أن يتوصل إلى ثبوتها عن طريق ضرب المتهمين وتنكيلهم ثم أن الفقهاء قد أبطلوا إقرار الشخص بما لم يرتكبه دفعا لما يقع عليه من إكراه، كما هو معروف في باب الإكراه في الشريعة.. هذا وقد أبى النعمان بن بشير ﵁ – صاحب رسول الله ﷺ أن يضرب المتهمين بالسرقة حينما لم تكن أدلة التهمة قوية – وقيد ابن القيم الضرب بظهور أمارات الريبة على المتهم. ولذا فإننا نقول يجب الاحتياط في موضوع ضرب المتهمين، حتى لا يحدث ما نراه في أقسام البوليس في وقتنا الحاضر من ضرب المتهمين ضربا عنيفا مما يؤدي إلى إقرار الشخص بما لم يجن تخلصا من التعذيب.. وإذا كان الاستقراء قد أظهر أن كثيرا من المتهمين من السراق وغيرهم يقرون تحت التهديد ويعترفون بوقائع الجريمة، إلا أننا نرى أن تكون هناك ضوابط للجوء إلى هذه الوسيلة حتى لا نكون أمام إقرار باطل شرعا.. وأهم هذه الضوابط في نظري: ١- أن يكون المتهم من متعددي السوابق المشتهرين بارتكاب مثل هذه الجريمة التي اتهم فيها. ٢- أن تقوم القرائن وأمارات الاتهام على أنه ارتكب هذه الجريمة. ٣- ألا يكون الضرب ضربا مؤذيا يؤدى إلى الجراح أو الكسر أو الإتلاف. ٤- ألا يلجأ المحقق إلى الضرب إلا بعض محاصرة المتهم بالأدلة التي تدينه، أو بعد استنفاد الوسائل الأخرى التي تؤدي إلى إقراره. ٥- أن يحقق القاضي من إقراره الذي صدر من المتهم إثر التهديد فإن تبين له أنه أقر ليتخلص من الضرب الذي وقع عليه رفضه، وإن كان إقرارا صحيحا مطابقا للقرائن أخذ به.

стр. 19902

المبحث الثاني توقيع العقوبة التعزيرية بدلالة القرائن بينا أن الفقهاء قد عولوا على القرائن في الكشف عن الجناة، وأنهم طلبوا من القاضي أن يتحرى ويحاول التوصل إلى إقرار المتهم طالما أن القرائن تشير إليه.. هذا الإقرار قد يحصل عليه القاضي كثيرا في الدعاوى المالية، كما إذا ادعى المتهم الإعسار وأخفى ماله مانعا الوفاء، ولكن هناك بعض الجنايات التي يمتنع الجاني فيها عن الإقرار، فهل يخلي القاضي سبيله أو يعزره مع وجود القرائن الدالة على ارتكابه الجريمة؟. أجاز الفقهاء عقوبة الجاني بالقرائن وتعزيره إذا كانت قوية الدلالة في الدعوى، على وجه الخصوص إذا كان المتهم من أهل التهمة ومعروفا بالتعدي والفساد وقد جاءت عبارات الفقهاء حافلة بالأمثلة على ذلك ننقل هنا قطوفا منها: جاء في عدة أرباب الفتوى في جواب له عن مسألة، حيث كان الرجل متهما ووجد بعض المتاع المسروق عنده بعد الثبوت فللحاكم الشرعي أن يأمر حاكم العرف بحبسه بل وضربه، قال مولانا فخر الدين قاضيخان: ومن يتهم بالقتل والسرقة وضرب الناس يحبس في السجن إلا أن يظهر التوبة (١) . وجاء في معين الحكام: (وقع في الأصل أن المدعى عليه إذا أنكر السرقة قال عامة المشايخ: الإمام يعزره، إذا وجد في موضع التهمة بأن رآه الإمام يمشي مع السراق أو رآه مع الفساد جالسا لا يشرب الخمر لكنه معهم في مجلس الفسق) (٢) .

стр. 19903

ومن القائلين بذلك الإمام ابن تيميه حيث يرى أنه لا سبيل إلى ردع المجرمين حتى يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم إلا بعقوبة هؤلاء وزجرهم، يقول ابن تيميه: (وأمر اللصوص وهو من المصالح العامة التي ليست من الحقوق الخاصة، فإن الناس لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم في المساكن والطرقات إلا بما يزجرهم في قطع هؤلاء ولا يزجرهم أن يحلف كل واحد منهم) (١) . ويقول ابن القيم: (فمن أطلق كل متهم وخلى سبيله أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقب الدور وتواتر السرقات ولاسيما مع وجود المسروق معه، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل أو إقرار اختيار وطوع فقوله مخالف للسياسة الشريعة) (٢) . وقد أيد ابن فرحون قول ابن القيم بإنزال العقوبة التعزيرية على المتهم الذي دلت القرائن على ارتكابه الجناية فقال: (فهل للقضاة أن يتعاطوا الحكم بما يرفع إليهم من اتهام اللصوص وأهل الشر والتعدي؟ وهل لهم الكشف عن أصحاب الجرائم وهل لهم الحكم بالقرائن التي يظهر بها الحق ولا يقف على مجرد الإقرار وقيام البينات؟ وهل لهم أن يهددوا الخصم إذ ظهر أنه مبطل أو ضربه أو سأله عن أشياء تدل على صورة الحال؟ فالجواب ما ذكره ابن قيم الجوزية الحنبلي من أن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع) (٣) . وتأييد مسلك ابن القيم في هذا الشأن هو ما صرح به كذلك صاحب معين الحكام الحنفي وقد ذكر نفس القول الذي نقلناه عن ابن فرحون (٤) .

стр. 19904

مبدأ (من أين لك هذا؟) يعتمد على القرائن: ومن أهم الدعاوى التي تعمل القرائن على إظهار الحق فيها دعاوى الكسب غير المشروع كما إذا ظهرت الأموال الطائلة للموظف العام بحيث لا تتناسب هذه الأموال مع ما يتقاضاه من مرتب ... فيكون ظهور الثروة الطائلة مع عدم مناسبتها لمرتبه قرائن تدل على أن هذا الموظف قد أستغل سلطة وظيفته وتقاضى كسبا غير مشروع.. إما عن طريق ما يتلقاه من رشاوى، وإما عن طريق اختلاس المال العام فكان للقاضي أن يتحقق عن مصادر هذه الثروة وهذا هو ما عرف بمبدأ من أين لك هذا؟. وقد سبق الفقه الإسلامي كل المذاهب والنظريات والقوانين في سن مثل هذا القانون لما عرفه من ضعف النفس البشرية أمام المال وفتنته.. فوضع بذلك أسس الرقابة على الأجهزة الحاكمة والمسؤولة حفاظا على المال العام ... فقد ذكرت كتب التاريخ أن الخليفة العبقري عمر بن الخطاب ﵁ قد تمسك بهذا المبدأ مع ولاته واتخذ من تكاثر أموالهم وزيادتها بصورة لا تتناسب مع ما يعطيه لهم من رواتب دليلا على أنهم أخذوا من مال المسلمين، فحاسبهم على ذلك وأخذ جزءا منها وأودعه بيت المال، بل ولم يقبل منهم الاحتجاج بأن هذه الزيادة ناتجة عن تجارة أو سهام أو غير ذلك. حكى البلاذري في فتوح البلدان قوله: (حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه لما قدم من البحرين قال له عمر: يا عدو الله وعدو كتابه أسرقت مال الله، قال لست عدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما ولم أسرق مال الله.. قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم؟.. قال: خيل تناسلت وعطاء تلاحق وسهام اجتمعت فقبضها منه) (١) .

стр. 19905

وحكى أيضا عن أبي الحسن المدائني عن عبد الله بن المبارك قال: كان عمر بن الخطاب يكتب أموال عماله إذا ولاهم ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك وربما أخذه منهم، فكتب إلى عمرو بن العاص: أنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن لك حين وليت مصر، فكتب إليه عمرو: أرضنا أرض مزدرع ومتجر فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه لنفقتنا، فكتب إليه إني قد خبرت من عمال السوء ما كفى، وكتابك إلى كتاب من قد أقلقه الأخذ بالحق.. وقد سؤت بنا ظنا، وقد وحهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك فاطلعه طلعة، وأخرج إليه ما يطالبك بها وأعفه من الغلظة عليك فإنه برح الخفاء فقاسمه ماله (١) . ويؤيد هذا عن عمر ما حكاه ابن كثير في البداية والنهاية أنه تكاثرت أموال خالد بن الوليد وتطاولت ثروته وكان واليا على الصائفة وحمص، حتى أنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة ألاف درهم.. فلما كان ذلك وسمع عمر بن الخطاب بعث إليه أبا عبيدة وأمره أن يقيم خالدا ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويعزله عن عمله.. فلما عاد خالد إلى المدينة أخذ عمر من ماله عشرين ألف درهم لبيت المال وأبقى له الباقي (٢) . ولا شك أن هذه القرينة قوية الدلالة فيما ترمي إليه حتى إن عمر بن الخطاب أعطاها قوة القرينة الشرعية القاطعة التي لا تقبل إثبات ما يناقضها، إذ لم يقبل منهم الدفع بأن هذه الأموال من تجارة أو غير ذلك بل عزل من عزل من الولاة، وصادر الأموال وردها إلى بيت المال.

стр. 19906

التعزير يثبت باقتناع القاضي بالجريمة: يتضح مما تقدم أن عقوبة التعزير تثبت زيادة على الأدلة المرعية في الإثبات في الفقه الإسلامي، تثبت كذلك القرائن التي تقنع القاضي بدلالتها على الدعوى، فإذا دلت القرائن وقامت الشواهد على المهتم ووصل إلى اعتقاد القاضي أنه قد اقترف الجريمة، لابد له من تعزيره ولا يقف منتظرا إقرارا أو إتمام البينة، وإلا لأفلت المجرمون والمفسدون من العقاب، ولعمت الفوضى واضطرب الأمن، ولتعذر إثبات كثير من الجرائم يعمد المجرمون إليها في حين غفلة وبعيدا عن نظر الشهود. فإذا كان الشارع في الفقه الإسلامي قد تشدد في إثبات العقوبة المقدرة في الحدود وتشدد في إثبات العقوبة المقدرة في الدماء فإنه قد أفسح المجال في إثبات عقوبة التعزير ليكمل بذلك ما بقي من عقوبات لجرائم لم ينص عليها أو نص عليها ودرئت العقوبة المقدرة لسبب اقتضى ذلك، فخرج بهذا التشريع الجنائي الإسلامي متزنا ومطردا ... ومتناسقا بالنظر إلى الجريمة والعقوبة وطريقة إثباتها.. نظر إلى جرائم الحدود والدماء وإلى آثارها الخطيرة في المجتمع فعمد إلى بيان عقوباته فشدد فيها ردعا لمقترفيها ثم بين طرق إثباتها حتى لا تكون هناك توسعة في إثباتها.. ثم لما تناقضت هذه الآثار الخطيرة للجريمة ترك أمر تقدير عقوباتها لولاة الأمر حتى يضع العقوبة المناسبة لكل جريمة في كل عصر في كل عصر، ولم يسلك في إثباتها ذلك المسلك الذي سلكه في غيرها حتى لا تضيق مسالك الإثبات فتكثر الجرائم ويتعذر الوصول إلى الجناة.

стр. 19907

ثم أننا قدمنا أن التعزير يمكن أن يكون عقوبة للجريمة التي نص الشارع على عقوباتها ولكن درء الحد فيها لعدم كفاية الأدلة التي تثبت الحد ولا شك أن هذا هو الصواب حتى لا تكون هناك جريمة لا عقوبة. وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالاهتمام هي أن مجال التعزير مجال رحب لكي نستفيد من التجارب العلمية الحديثة في الوصول إلى الجناة، فقد استحدثت أساليب الكشف الجنائي كثيرا من هذه الوسائل بالطرق العلمية والعملية وجعلت منها قرائن واضحة الدلالة على الجناة كقرينة بصمات الأصابع وقرائن تحليل الدم وغيرها.. نرى أن الفقه الإسلامي لإيمانه في الأخذ بها وسنبين وجهة النظر في ذلك عند المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون، وبعد أن نذكر جانبا من هذه القرائن العملية في فصل القانون.

стр. 19908

الفصل الخامس القرينة في القانون والمقارنة مع الفقه الإسلامي ويتضمن: • المبحث الأول: القرينة في القانون الجنائي الوضعي • المبحث الثاني: مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المبحث الأول القرينة في القانون الجنائي الوضعي تحتل القرائن في المواد الجنائية مقاما أكثر أهمية منه في المواد المدنية التي أصبح الدليل الكتابي فيها هو الأصل، وفي المقام الأول، وفي حين أن الشهادة والقرائن هي الدليل الاعتيادي في المواد العقابية، ذلك أن طبيعة الجرائم بوصفها أعمالا بشرية مادية تضر بالغير تتنافى مع الحصول معها على الدليل الكتابي إذ لا يتصور أن يعطى من يقع منه أو بسببه عمل مضر بالغير مستندا لمن وقع عليه الضرر، أو بمسؤوليته عنه بعد حصوله، ولذلك لم يبق مناص من إثباتها بالشهادة أو القرائن. هذا وقد يكون دور القرائن في الإثبات رئيسيا خاصة في الجرائم الغامضة التي تتسم بالسرية مثل جرائم القتل وجرائم الجاسوسية والمؤامرات والخيانة العظمى (١) .

стр. 19909

طبقا لهذه فقد استقر القضاء على اعتبار القرائن من الأدلة الأصلية في الدعاوى الجنائية، قضت بذلك محكمة النقض المصرية وأجازت للقاضي الاعتماد على القرائن وحدها إن لم يكن هناك دليل آخر.. وهو أيضا ما استقر عليه القضاء في السودان وعملت به محاكم الجنايات حتى التعديل الأخير للقوانين بما يوافق الشريعة الإسلامية (١) ، ومع أن القاعدة الأساسية للإثبات في المواد الجنائية هي حرية القاضي في تكوين عقيدته واقتناعه بالأدلة إلا أن القانون قد يتدخل في بعض الأحيان ويقرر مقدما أن بعض الوقائع تعتبر دائما قرينة على أمور معينة ولا يجوز للقاضي أن يرى غير ذلك، فمتى ما ثبتت تلك الوقائع يجب على القاضي أن يقرر ما قرره القانون، ومن هنا كانت القرائن في المواد الجزائية تنقسم إلى قسمين: ١- قرائن قانونية. ٢- قرائن إقناعية. أولا- القرائن القانونية: وهي القرائن التي نص عليها القانون وأوجب على القاضي العمل بها وهي على نوعين، قرائن قاطعة لا تقبل إثبات عكسها، وقرائن غير قاطعة أو بسيطة يجوز إثبات ما يناقضها.

стр. 19910

ومن أمثلة القرائن القانونية القاطعة: ١- يعتبر عدم بلوغ سن السابعة قرينة على عدم التمييز، وبالتالي قرينة على عدم وجود التصور الإجرامي لدي الصغير، فلا يعد فعله جريمة، وبناء على ذلك ليس للقاضي أن يقدر التمييز من عدمه في المتهم الذي لم يبلغ سن السابعة، حتى ولو كان لديه فعلا نوايا إجرامية في الواقعة المطروحة (١) . ٢- يعتبر علم الشخص بالقانون ولا يجوز له الاعتذار بجهله بعد نشره بالطرق القانونية، فلا يقبل دعواه أنه كان يجهل وجود قانون يعاقب على الفعل الذي وقع منه. ٣- ما نصت عليه المادة (٤٢) من قانون العقوبات السابق من أنه يفترض في الشخص الذي يرتكب الفعل وهو في حالة سكر أن لديه نفس العلم الذي يكون له وهو في غير حالة السكر. وفحوى هذه المادة هو أن العمل الذي يأتيه السكران أثناء سكره يعد إراديا أي مقترنا بعملية عقلية فلا يقبل منه الدفع بأنه عمل آلي غير واع، وذلك إذا كان السكر باختياره، أما إن كان ناشئا عن تعاطي مادة مسكرة رغم إرادته فلا يعد فعله كذلك. ٤- ومن القرائن القانونية التي لا تقبل إثبات العكس صحة الأحكام النهائية فتعد الأحكام النهائية صحيحة بحيث لا يجوز إثبات خطئها.

стр. 19911

ومن أمثلة القرائن القانونية البسيطة: ١- نصت المادة (٣٠) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أنه: (تكون الجريمة متلبسا بها إذا تبع المجني عليه مرتكبها أو تبعه العامة بالصياح إثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملا آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقا أو أشياء أخرى يستدل منها أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في ذلك الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك) . جعلت هذه المادة التلبس على نوعين: تلبس حقيقي وهو رؤية الجاني حال ارتكاب الجريمة بالفعل أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة ... وتلبس اعتباري وهو مشاهدته عقب ارتكابها بزمن قريب وقد تبعه المجني عليه، أو تبعته العامة بالصياح، أو وجدت منه أشياء يستدل منها أنه مرتكب الجريمة. ولا شك أن القرائن المذكورة في التلبس الاعتباري قوية الدلالة مما جعل القانون يعطيها حكم التلبس إلا أن هذه القرائن تقبل النقض بالدليل العكسي (١) . ٢- ومن القرائن التي تعد تلبسا بالجريمة ما نصت عليه المادة (٢٧٦) عقوبات مصري، من اعتبار شريك الزوجة الزانية متلبسا إذا ضبطت مكاتيب أو أوراق أخرى تفيد ذلك أو وجود المتهم في منزل مسلم في المحل المخصص للحريم، فإذا توفرت هذه القرائن كان شريك الزوجة متلبسا بالجريمة أي يعد مرتكبا للزنا ما لم يبرهن أن وجوده كان لسبب آخر أو يأتي من الدليل ما ينقص هذه النتيجة التي رتبها القانون.

стр. 19912

وجدير بالذكر أن القانون سواء أكان المصري أو السوداني السابق يحصر الزنا في حدود ضيقة، فلا زنا إذا كانت المواقعة في امرأة غير متزوجة تبلغ من العمر ثمانية عشر سنة وكانت المواقعة برضاها، ومواقعة المرأة في القانون السوداني الملغي لا تعد زنا إذا رضي بها الزوج أو تغاضى عنها. ويعلل شراح هذه القوانين بأن هذه الأحكام جاءت لحماية عقد الزوجية من الخيانة إذ أنه رباط مقدس يجب صيانته، ولما يترتب على خيانة الزوجة من إلحاق نسب أولاد غير شرعيين للزوج، ولذا كان الإثبات بالنسبة لشريك الزوجة يختلف عن إثبات الزنا عموما (١) . ٣- الصغير الذي تتراوح سنه بين سبع واثنتي عشر سنة فإن هناك قرينة قانونية على أنه ليست لديه نوايا إجرامية لعدم معرفته كنه أفعاله ونتائجها، ولكن هذه القرينة قابلة لإثبات العكس، فإذا ثبت فعلا أنه يعلم كنه فعله محيطا بالواقعة كما نص عليها القانون، فإن للقاضي أن يدينه في الجريمة وتوقيع العقوبة التأديبية عليه (٢) . ٤- ومن القرائن القانونية غير القاطعة في قانون العقوبات السوداني الملغى قرينة توفر القصد الجنائي في المواد التالية: (م٢٢) إذا جعل شخص شيئا شبه شيئا آخر، وكانت هذه المشابهة بحيث تخدع الغير فيفترض- إلى أن يثبت العكس – أن ذلك الشخص قصد من المشابهة خدع الغير ... و (م٤١٨) أن كل من يستعمل علامة ملكية كاذبة يفترض أنه فعل ذلك بقصد الغش والإضرار إلى أن يثبت العكس ... و (م٤٢٢) فيمن وضع علامة كاذبة على صندوق أو طرد يوهم بأنه يحتوي على بضائع معينة، وكذلك (م٣٦٢) الخاصة بتزييف الوصف.

стр. 19913

هذه القرائن جميعها قرائن قانونية متعلقة بالقصد الجنائي، وتنقل عبء الإثبات عدم وجوده على المتهم لأن القاعدة في القانون الإنجليزي الذي أخذ منه القانون السوداني السابق هي افتراض أن الشخص يقصد إلى وقوع نتائج فعله الطبيعة والمرجحة. وقد سلك القانون المصري هذا المسلك في جريمة القذف (م٢٠٣) عقوبات وافترض وجود القصد الجنائي عند القائل لعبارة القذف، ولابد لتبرئته من إثبات حسن النية أو صحة الوقائع الواردة في عبارة القذف، وكذلك المادة (٦٣) وفحواها اعتبار القصد الجنائي لدى الموظف العام عند وقوع الفعل المخالف للقانون فيما يتعلق بعمله إلا إذا ثبت عكس ذلك، وأيضا (م١٩٥) التي تقرر مسؤولية رئيس تحرير الجريدة مفترضا توافر القصد الجنائي لديه فيما ينشر فيها إذا جاء مخالفا للقانون. وهذه الافتراضات في القانون المصري جاءت استثناء من القواعد العامة التي تقضي بأن على الادعاء إثبات القصد الجنائي حيث يجب على المحكمة استظهار حقيقة القصد ولا تقول به لمجرد ثبوت الواقعة (١) .

стр. 19914

قرينة البراءة ومدى موافقتها للقول بأن الشخص يقصد النتائج الطبيعية لنشاطه: المقصود بقرينة البراءة هو أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته بحكم بات ... وأهم نتائج هذا القول هو وقوع عبء الإثبات على سلطة الاتهام ومعاملة المتهم على أنه برئ في المراحل التي تمر بها التهمة، وإذا حكم بإدانته فيجب أن يبنى الحكم على الجزم واليقين، وبالتالي يفسر الشك لصالح المتهم (١) . فإلى أي مدى يتفق هذا القول وما ذهب إليه القانون السوداني السابق المستمد من القانون الإنجليزي من أن الشخص البالغ العاقل يقصد النتيجة الطبيعية والمرجحة لنشاطه؟ فاعتبر بذلك وقوع النشاط الإجرامي قرينة على توافر القصد الجنائي كما عده كذلك القانون المصري في بعض المواد وجعله استثناء من القاعدة العامة. يرى بعض القانونيين أن الأخذ بقاعدة افتراض وجود القصد الجنائي وغيرها قرينة عامة أو قرينة في بعض الجرائم فيه خرق لقاعدة: أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، كما أن فيه خرقا لقاعدة أخرى هي أن: على المدعي أن يثبت الجريمة في حق المتهم تطبيقا لمبدأ البينة على المدعي (٢) .

стр. 19915

إلا أن شراح القانون يرون أنه لا تناقض بين هذا القول وقرينة البراءة.. والمقصود هو نقل عبء الإثبات في بعض مراحل المحاكمة من الادعاء إلى المتهم لإثبات براءته، لأنه قد ثبت أن فعل المتهم الإرادي هو الذي تسبب في إدانته ومع ذلك فإن للمتهم أن يدحض هذا الدليل كلية فيثبت براءته، أو أن يبين أن القتل لم يحصل عمدا، وإنما حصل الخطأ، أو لسبب عارض، أو دفاعا عن النفس أو غير ذلك من الظروف التي تجعله غير متعمد، كما أن للمتهم أن يدخل الشك علي دليل إدانته بما يبديه من دفاع وحجج، ومتى ما نجح في إلقاء ظلال من الشك على أدلة الادعاء، فيكون من حقه البراءة لأنها الأصل (١) . فإذا قدم الاتهام أدلته التي يرى أنها تدين المتهم وتجرم فعله، وأن هذه الدلائل مسندة إلى المتهم، وهذا ما تقرره قرينة البراءة انتقل عبء دحض هذه الأدلة إلى المتهم، وبنجاحه في ذلك تثبت براءته، لا تعارض إذن بين قرينة البراءة وقاعدة أن الإنسان يقصد النتائج الطبيعية والمرجحة لفعله، فكل من قام بفعل ينبغي أن يفترض أنه قصد إتيان هذا الفعل، ويقع عليه عبء إثبات عدم القصد.

стр. 19916

ثانيا: القرائن الإقناعية: القرائن الإقناعية هي الظروف والملابسات التي تكشف الواقعة، والتي يستنتج منها القاضي ما يطابق عقله ويرتاح إليه ضميره، وتسمى أيضا بالقرائن الموضوعية، وقد ذكرنا أن القاعدة في الإثبات في المواد الجزائية هي حرية القاضي في تكوين اقتناعه وما يشترط في الإثبات بالقرائن الإقناعية هو أن يكون ما بنى عليه الحكم يؤدي عقلا إلى صحة ما انتهى إليه القاضي، وأن يكون القاضي قد ألم به إلماما شاملا يهيئ له أن يمنحه التمحيص الكافي، الذي يدل على أنه قام بما ينبغي عليه من تدقيق البحث لمعرفة الحقيقة كما يشترط أن يكون لهذا الدليل أصل في أوراق الدعوى (١) .

стр. 19917

ومن أمثلة القرائن الإقناعية: بضبط ورقة مع المتهم بها رائحة الأفيون كقرينة على ارتكابه لجريمة إحراز مخدر (١) ، أو مشاهدة عدة أشخاص يسيرون في الطريق مع من يحمل المسروقات ودخولهم معه في منزله واختفاؤهم فيه كقرينة على اشتراكهم في جريمة السرقة (٢) ، أو وجود بصمة أصبع المتهم أو آثار قدميه في مكان الجريمة كقرينة على مساهمته فيها (٣) ، أو العثور عند تفتيشه على ذخيرة أو سلاح ناري من النوع الذي استخدم في جريمة القتل، أو ظهور علامات الثراء عليه كقرينة على اختلاسه المال، أو تعدد سوابقه في نوع معين من الجرائم كقرينة تكميلية على ارتكاب الجريمة الجديدة (٤) . والقرائن الإقناعية كثيرة لا تدخل تحت حصر وليس فيها شيء يمكن عده قاطعا، ومن تطبيقات الحكم بالقرائن في القضاء السوداني ما قضت به المحكمة في قضية حكومة السودان ضد (توماس باركر نيكول) ، التي تتلخص وقائعها في أن المتهم والمجني عليه وزوجة المجني عليه من الرعايا الأجانب المقيمين بالسودان، وكان للمتهم علاقة عاطفية بزوجة المجني عليه التي كانت تستعد للسفر مع زوجها لمغادرة السودان.

стр. 19918

توصلت المحكمة إلى أن المتهم أراد أن يعطل السفر بغية استمرار تلك العلاقة مع زوجة المجني عليه فقام بإرسال طرد وقد وضع بداخله مادة مفرقعة، فانفجرت المادة عند فتحها مما أدى إلى إصابة المجني عليه بجروح شديدة، وأهم القرائن التي بنت عليها المحكمة حكمها بإدانة المتهم ما يلي: ١- خبرة المتهم ومعرفته بعمل المفرقعات. ٢- معرفة المتهم للطباعة على الآلة الكاتبة وقد كان الرد مكتوبا بالآلة الكاتبة. ٣- وجد مع المتهم ظرفان من نوع الظرف الذي وجد بداخله الطرد. ٤- وجد مع المتهم ورقة طباعة وورق إلصاق وسلك نحاس وسلك حديدي أثبت التحليل أنها من النوع المستخدم في الطرد والمفرقع. ٥- وجد بحيازة المتهم عيارات نارية أثبت التحليل أن المفرقع كان يحتوي على نوعها. ٦- شهادة الخادمة على أن العلاقة بين المتهم وزوج المجني عليه كانت أكثر من علاقة عادية أو صداقة (١) .

стр. 19919

ومن القضايا التي اعتمدت عليها محكمة الجنايات على القرائن في إدانتها للمتهم قضية حكومة السودان ضد (عبد الرحيم شرف الدين عبد الله) ، والتي حكمت فيها على المتهم بالقتل تحت المادة (٢٥١) عقوبات سوداني (السابق) مؤسسة الحكم على القرائن الآتية: ١- اعتراف المتهم بأن القميص الذي وجد المجني عليه ممسكا به هو قميصه وكان يرتديه يوم الحادث. ٢- أثبت التحليل المعملي أن بالقميص دم آدمي مما يدل على أن القميص تلطخ بدم القتيل أثناء المشاجرة بينهما. ٣- تعرف الكلب البوليسي على المتهم دون تردد أو جهد (١) . بعض القرائن التي استحدثتها العلوم الحديثة: أدخل العلم الحديث- في سبيل مكافحته للجريمة صورا من القرائن خاصة في مجال الإثبات في المواد العقابية، ولقد علق القضاء عليها أهمية كبيرة في حصر التهمة والتوصل إلى الجاني ونذكر من هذه القرائن العلمية:

стр. 19920

١- بصمات الأصابع: من الحقائق الثابتة أن شكل بصمة أي أصبع من أصابع الإنسان لا يتغير رسمها على الإطلاق ومدى الحياة، فقد يتغير حجم البصمة بنمو الجسم، ولكن شكل خطوطها ورسمها وما بها من مميزات يبقى ثابتا، كما أنه قد ثبت أنه لا يوجد بين ملايين البشر شخصان تتماثل بصمات أصابعهما، وهذه هي الحقيقة التي تضفي على البصمات أهميتها. هذه الخطوط البارزة تكون دائما في حالة رطوبة لما تفرزه غدد العرق المنتشرة بسطحها من مواد دهنية تحوي الماء وبعض الأملاح، فإذا ما وضع الإنسان يداه أو أصبعه على جسم آخر فإن أثره ما بالخطوط من إفرازات يبقى على سطح هذا الجسم متخذا شكل الخطوط بالتحديد فيقوم المعمل الجنائي برفع هذه البصمات ومضاهاتها مع بصمات أصابع المتهم. وقد عمل القضاء على اعتبار أثر البصمة في مكان الجريمة قرينة على مساهمة الشخص في الجريمة، فلا تثريب على القاضي إن هو اعتبر البصمة دليلا لإدانة المتهم وذلك إذا لم يستطع تفسير وجود بصمته في مكان الجريمة تفسيرا معقولا يقتنع القاضي باستبعاده كدليل (١) . وبالرغم من أن القاضي في المواد الجنائية له الحرية الكافية في تكوين قناعته إلا أن محكمة الاستئناف في السودان قد قضت بأن اعتبار البصمة وحدها في إدانة المتهم من غير وجود أدلة أخرى تعضدها لا يجوز وقد ذكرت المحكمة في قضية حكومة السودان ضد (فخري فتحي) تعليلا لهذا القول: إن المحكمة لا تنكر أهمية البصمة وموافقتها لبصمة المتهم، ولكن الشك يدور حول ما إذا كان المتهم هو الذي قام بكسر المنزل، وقام بارتكاب جريمة السرقة، فهذه أشياء تحتاج إلى دليل آخر (٢) .
следующие страницы →