← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

ما معنى هذا؟ باع هذا بعشرة دنانير، وجاء يوم السداد فقال له: ليس معي إلا دراهم. ننظر إلى السعر في هذا اليوم، يوم السداد، عشرة دنانير تساوي كم درهمًا؟ فهو يأخذ عند السداد من الدراهم ما يساوي تمامًا الدنانير العشرة، أي كأنه يأخذ عشرة دنانير غير منقوصة. وهذا " ما لم تفترقا وبينكما شيء "، أي لا بد من السعر الآن، ولا بد من القبض في المجلس. يعني لا نأتي ونحول في الذمة ثم ننصرف، وبعد ذلك نأخذ الدراهم، فلا بد إذن من أن نتسلم بسعر اليوم عند السداد، وفي الحال. شيء آخر، نحن عرفنا من قبل ما كان من شأن الزبير بن العوام ﵁، وكيف أن الله بارك في ماله. عبد الله بن الزبير كان في مكة، وأخوه مصعب كان في العراق، فكان بعضهم يأتي إلى عبد الله أحيانًا ويقول له: أنا ذاهب إلى العراق، ومعي نقود من الذهب أو الفضة، وأخشى عليها أن تضيع مني في الطريق، ثم يعرض عليه أن يأخذ منه نقوده في مكة، ليتسلم بدلا منها في العراق من أخيه مصعب، فيقبلها ابن الزبير، ويكتب له ورقة، فإذا وصل المسافر إلى العراق، ذهب إلى مصعب، وأبرز الورقة، ثم يأخذ المبلغ المكتوب فيها، والذي سلمه إلى ابن الزبير في مكة. الورقة هذه التي أعطاها عبد الله بن الزبير لذلك الرجل في مثل هذه الحالة، تسمى في الفقه الإسلامي "السَُفْتَجة"، وهذا نظير ما يحدث الآن؛ أذهب إلى البنك وأقول له: أريد جنيهات مصرية، أعطني شيكًا بتاريخ اليوم أو حوالة، فكأن القبض في المجلس قد تم. فكما تم مع عبد الله بن الزبير، (النقود من جانب، والسفتجة من جانب آخر) والآن أيضًا، النقود من جانب، والشيك أو الحوالة من جانب آخر، بشرط تاريخ اليوم وسعر اليوم. ولذلك مجمع البحوث بحث مسألة الحوالة هذه، وأفتى بأنها حلال. تأتي النقطة الأخرى، وهي: ما واجهنا بكثير من الأسئلة، مسألة الديون، أنا حولت كذا منذ كذا عام لفلان، وأريد أن آخذ منه الآن، نقول له: ماذا طلب منك؟ هل طلب منك ريالات، أم جنيهات مصرية؟ يقول: جنيهات مصرية. إذن هو مدين لك بكم؟ ألف جنيه مصري. إذن لك عنده ألف جنيه مصري.

стр. 2172

يقول هذا ألف جنيه مصري الآن، أحول كذا (ريال) ، ولكن وقتها كذا (ريال) ، لا شأن لنا بهذا، هو مدين بكذا، إذن يعطيك ألف جنيه مصري، وإذا أخذت جنيهًا واحدًا زيادة، فهو ربا. فإذا أردت أن تأخذ بالريالات يعطيك بسعر اليوم، وليس بسعر عام أو عامين. يقول المقرض: أنا دفعت وقتها ٤٠٠ ريال مثلاً، فآخذ الآن ٤٠٠ ريال. نقول له: انظر إلى القرض، أنت ماذا اقرضت؟ أقرضت ريالات؟ أم جنيهات؟ إذا كان ريالات تأخذ ريالات، وإن كان جنيهات تأخذ جنيهات. ولذلك نذكر هنا من عمل البنوك الإسلامية ما يتصل بموضوعنا، أشرنا من قبل إلى الاعتمادات المستندية. وقلنا بأنه أحيانًا، بعد النظر في المستندات، البنك عندما يدفع النقود للمصدر، قد يجد النقود لا تكفي، فيدفع مما معه جزءا من النقود، البنك الإسلامي يذكر صراحة أن هذا القرض حسن، والبنك الربوي يحسب هذا بفائدة، من يوم الدفع إلى يوم وصول المستندات، فإذا وصلت المستندات ولم يدفع يعتبر لهذا دينا بفائدة أعلى. أما البنك الإسلامي فيذكر صراحة أن هذا قرض حسن. البنك هنا عندما يدفع النقود للمصدر في دولة أخرى، قد يدفع عملة مختلفة عن التي يتعامل بها مع عميله. مثلا: بيت التمويل الكويتي يستورد أشياء من إنجلترا، المصدر هنا يريد الإسترليني، والبنك يتعامل بالدينار، ولا شأن له بالجنيه الإسترليني، ماذا يعمل؟ هناك وكيل على العميل، يدفع بالدينار الكويتي، ويقوم بعملية الصرف بالإسترليني، ويقيد الآن في الحال ما دفعه بالدينار الكويتي، بعد هذا إذا ارتفع الدينار أو انخفض، لا شأن له. يقول له: أنا دفعت لك مبلغ كذا بالدينار الكويتي، والمصدر طلب الثمن بالجنيه الإسترليني، فحولنا فالتحويل كان كذا، الآن لو أنني أريد أن أقرض أحدًا، وأخشى مثلاً من العملة هذه. أقرض بعملة أخرى، ولكن العملة التي أقرض بها هي التي آخذها عند السداد، لا أقرض بعملة وآخذ بأخرى، فإذا أخذت بأخرى، آخذ بسعر يوم السداد، وليس بسعر يوم الدفع. فلا بد أولاً أن أحدد القرض الآن بأي عملة؟ اختر العملة التي تشاء، ولكن المهم أنني ما دامت أقرضت، فلا أنظر إلى اختلاف سعر العملة بين يوم القرض وبين هذا اليوم، وإنما آخذ نفس العدد الذي أقرضته بسعر يوم السداد.

стр. 2173

عقدت عدة مؤتمرات، وبحث موضوع النقود وأحكام النقود، وأقرت الكثرة الكاثرة التي حضرت هذه المؤتمرات بأن العملة الورقية الحالية ينطبق عليها أحكام الصرف. ولذلك نجد بعض البنوك الربوية تتعامل بسعرين: بالسعر العاجل كذا، والسعر الآجل كذا، البنوك الإسلامية، إذا أردت أن تستبدل عملة منها، لا بد أن يكون في الحال، سعر الصرف، سعر اليوم كذا، لا تسمح بالتأجيل. ولهذا أيها الإخوة ما نسمع عنه من أعمال البورصة، وأن هناك شراء أو بيع عملة بالآجل، هذا نوع من الربا، لكي نتبادل عملة لا بد أن يكون الآن القبض في المجلس، فإذا لم يتم ذلك لسبب من الأسباب، أو ضرورة من الضرورات، أو ظرف من الظروف القاهرة، فهناك شيء يقوم مقامه، كما قامت السفتجة، بغير هذا نقع في الربا، والعياذ بالله. إذن مجمع البحوث الإسلامية، هيئة كبار علماء السعودية، مؤتمرات مختلفة. كل هؤلاء قالوا بأن هذه نقود؛ لأنها هي كذلك فعلاً، تقوم بدور النقود، وأن الاقتصاديين يعرفون النقود بالوظيفة بأنها هي كل ما يقوم بدور النقود. إذا وجدنا رأيا يعارض هذا، فإننا نقول: ما وجدنا رأيًا جماعيًا قط، وإنما وجدنا رأي فَردٍ، نتج عنه أشياء خطيرة للغاية، كيف هذا؟

стр. 2174

يأتي أحدهم لتحويل عملة - وهذا كان شائعًا لدرجة غير عادية في الكويت نتيجة فتوى معينة - يقول: أنا أريد أن أحول دنانير إلى جنيهات مصرية، فيسألونه: أتريد الآن؟ الدينار مثلاً بثلاثة جنيهات، أو بعد شهر: بزيادة عشرين قرشًا، أو بعد عام: أربعة جنيهات، وهكذا ... يزيد الثمن كلما زاد الأجل، معنى هذا أيها الإخوة أنها حيلة للوصول إلى الربا. يعني: هو أخذ بثلاثة جنيهات، مائة دينار بثلاثمائة جنيه، ثم قال له: بعد شهر مثلاً كم تبلغ فائدتها؟ ويرفع الفائدة، بعد عام، الفائدة كم؟ فيرفع الفائدة ... لا يقول له: فائدة، وإنما ما دام مؤجلاً فهو بسعر كذا، فجاءت فتوى بأن هذا حلال. فقلنا: إذا كان هذا حلالا، فما الربا إذن؟ أي حالة ربوية يمكن أن نحولها إلى بيع بهذه الطريقة، والفتوى قاست هذه المعاملة على السلم. ولكن معنى السلم: سعلة ونقود، النقود أولا والسلعة مؤجلة، وإنما هذه المعاملة: نقود بنقود، والنقود لا يكون فيها سلم، وإنما فيها قبض في المجلس، ولذلك السلم فيما يقوم به السعر ربا، والشبهة آتية من أن النقود مثل السلعة في نظر الذي أفتى بالحل، نقول له حينئذ: لا، السلعة نريدها ذاتها، نستعملها، نستفيد منها، أما الورقة هذه فلا قيمة لها إلا أنها مقياس لقيمة، ووسيلة للتبادل، أما في ذاتها فقد نجد ورقة مثل هذه نافعة أكثر منها (وأشار المحاضر إلى منديل من الورق) . إذن، هذه الفتوى كان لها أضرار خطيرة للغاية. والحمد لله تعالى أن الفتاوى الجماعية ظهرت، فأوقفتها عند حدها، وأبطلت ما جاءت به، وإلا لكانت كارثة. لذلك عندما رد على هذا رد ببيان الفتاوى الجماعية، وبالطبع مشكلات العصر لا تحل باجتهاد فردي، وإنما تحل باجتهاد جماعي. هذا والحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 2175

قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة: بـ. د/٧/٢- ١٤٠٦/٣ القرار السادس حول العملة الورقية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على البحث المقدم إليه في موضوع العملة الورقية وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه، قرر ما يلي: أولاً: أنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة. وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل. وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوم الأشياء في هذا العصر؛ لاختفاء التعامل بالذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية. وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه، فضلاً ونسيًا، كما يجرى ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا؛ باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسا عليهما. وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها. ثانيا: يعتبر الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس. وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلاً ونسيًا، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان.

стр. 2176

وهذا كله يقتضي بما يلي: (أ) لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما، نسيئة مطلقًا، فلا يجوز مثلاً بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلاً نسيئة بدون تقابض. (ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة ريالات سعودية ورقًا بأحد عشر ريالا سعوديا ورقًا، نسيئة أو يدا بيد. (جـ) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقًا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاث ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر، إذا كان ذلك يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاث ريالات سعودية ورق، أو أقل من ذلك أو أكثر، يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. ثالثًا: وجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة. رابعًا: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم والشركات، والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2177

المناقشة أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة ١٣ صفر ١٤٠٧/١٦ أكتوبر ١٩٨٦م الجلسة الصباحية الأولى الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نفتتح الجلسة الصباحية مستعينين بالله ، ونسألة التوفيق، وأن يلهمنا الصواب. وفي هذه الجلسة موضوعان: أحدهما: أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة. والثاني: سندات المقارضة، وقبل الشروع في أحكام النقود الورقية فإن معالي الشيخ عبد العزيز يحب أن يلقي على مسامعكم كلمة قصيرة فليتفضل.

стр. 2178

الشيخ عبد العزيز الخياط: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخوتي العلماء الأفاضل والأساتذة الكرام، أحببت أن أتحدث في أمرين حديثًا قصيرًا. الأمر الأول: أن هناك توجهًا وطلبًا وأملاً من هذا المجمع الكريم مجمع الفقه الإسلامي، وقد خاض في أبحاث قيمة عرضت عليه، واتخذ في بعضها قرارات مهمة، وقام بأصالة العلماء وتقواهم وعمق النظرة الاجتهادية في اتخاذ بعض القرارات التي ستتخذ، أو ستعلن في التوصيات الأخيرة، وهي قرارات مهمة. هناك توجه من أخوتى العلماء الأفاضل ومن بعض الكتاب في الأردن، أن يتوجه هذا المجمع الكريم في المستقبل في جلساته القادمة إلى العناية بالأبحاث في أمور تتعلق بحياتنا كما عرضت هذه الأمور. أن يهتم بأمور العقيدة، وأن يهتم بالأمور المتعلقة بالجهاد والأحكام الشرعية فيها. والأمور الاقتصادية والقضايا والمشكلات المهمة التي نحياها ونعيشها.

стр. 2179

ولذلك أرجو أن تقوم شعبة التخطيط بالتوجه والتوجيه إلى هذه النواحى لتقديم الأبحاث والدراسات في هذه الأمور، ولا سيما ونحن نواجه أيضًا بعض المشكلات الشرعية، المشكلات التي تحتاج إلى بيان حكم شرعي في جهادنا مع الأعداء، بالنسبة إلى أعدائنا في فلسطين، أعدائنا في أفغانستان، أعدائنا في لبنان، وفي بعض القضايا، مما يترتب عليه بعض المشكلات لا بد من بيانها، وأرجو أن نتقدم إلى لجنة التخطيط ببعض هذه الأمور لبحثها والتخطيط لها في المستقبل، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: وقد اجتمع في هذا المجلس الكريم جلة العلماء الأفاضل ممن لهم باع طويل في الاجتهاد والفقه والعمل، وقاموا بجهود مشكورة في الدعوى إلى الله وبيان الأحكام الشرعية في هذا الزمن العصيب الذي بعد فيه كثير من الناس عن الدين، والذين خشوا تنبه المسلمين وصحوتهم، فبدأوا بالعمل في أسلوب جديد للقضاء على العلماء، ومازلنا نذكر كيف استشهد عالم فاضل كبير من علمائنا هو وزوجته، ممن خدم الإسلام والمسلمين في أمريكا المرحوم إسماعيل الفاروقي، وكيف اعتدي عليها. وبالأمس القريب اعتدي أيضًا على عالم فاضل من زملائنا وأحبائنا كذلك الأستاذ الدكتور صبحي الصالح من علماء لبنان رحمة الله عليه.

стр. 2180

وفي هذا الصباح حقيقة تذكرت أخي الدكتور صبحي الصالح، كما ذكرت من قبل أخانا المرحوم إسماعيل الفاروقي، فأحببت فقط أن أنقل بعض مشاعري لأخوتي في هذا الصباح أقرع بها أذهانكم وقلوبكم، وفاضت أريحتي بأبيات أحببت أن أسمعكم إياها. كنت أذكر بعض أبيات لشاعر لبنان، فعلى نمطها خرجت معي هذه الأبيات. لا أريد توصية لكن لأذكركم بأن كل عالم منا يحمل الدعوة إلى الله معرض أن يكرمه الله بالشهادة في حمله لهذه الدعوة، وقد كرم الله إخواننا بالشهادة، وهي أمنية قد لا يستطيع كل إنسان أن ينالها. وأذكر بهذه المناسبة أن الشيخ عز الدين شيخ العلماء وسلطان العلماء في مصر، لما أراد نائب السلطنة أن يقتله جاء إلى بيته وطرق الباب وهو حامل للسيف، فرآه ابنه، فهرول إلى أبيه مذعورًا يقول له: يا أبتى، إن نائب السلطنة جاء ليقتلك، فكان جواب الشيخ عز الدين رحمة الله عليه أن قال: هون عليك يا بني، فإن أباك لم يبلغ بعد درجة الشهداء حتى يقتله نائب السلطان. فتلك كرامة نالها هؤلاء الإخوان قلت: ذكرتك يا صبحي ففاضت مدامعي وزادت هموم القلب تعسا على تعس وعادت بي الذكرى لعهد محب جديد الليالي كان أصفى من الورس ودهر قضيناه على الحب والرضى نفيق الجهاد المر في غمرة البؤس ذكرتك والسحر الخلوب بيانه وصوت الدعاة الحر في قوة الجرس فيا ويح نفسي كيف يقضى صديقنا على يد نذل مجرم القلب جبس لقولة حق في مجال تباعض وصيحة إيمان الخلي من الوكس أليس ضياع العلم إذا مات أهله وفقدان أهل الدين أنكى على النفس فيا أخوة الفقه والدين والهدى أذكركم صبحي وما كان في لوح الهدى منسي وعذرا إذا قصرت في الحزن والبكا فقد جفت دموع الحزن من سكتة الخرس وشكرا لكم وبارك الله فيكم.

стр. 2181

الرئيس: شكرًا لا فض فوك، نرجو من فضيلة الشيخ نزيه حماد أن يتفضل بالعرض لموضوع النقود الورقية وتغير قيمة العملة. الشيخ نزيه حماد: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. إن من أبرز المشكلات الاقتصادية المعاصرة التي تمس الفرد والجماعة في أغلب دون العالم اليوم مشكلة التضخم، وما يرافقه من تأثير كبير وخطير على القوة الشرائية للنقد، حيث تضعف هذه القوة وتقل، مما يؤدي إلى رخص النقود تجاه السلع والمنافع والخدمات التي تبذل عوضًا عنها. كما أن السياسة الاقتصادية لكثير من الدول الحاضرة قد تدعوها إلى تخفيض قيمة عملتها بالنسبة إلى بعض العملات الأخرى، أو بالنسبة إلى الذهب، فتخفضها بالقدر المناسب، وقد تدعوها على عكس ذلك إلى رفع قيمة عملتها فترفعها بالنسبة الملائمة.

стр. 2182

وهناك العديد من الدول المعاصرة تحظر التعامل بنقدها خارج حدود أراضيها وفق سياسة اقتصادية معينة، وتمنع بالتالي إخراجه منها إلى أية دولة أخرى، ولو حدث أن أخرج منها بصورة ما، فإنها تمنع إدخاله إليها ثانية. وقد تمنع بعض الدول التعامل بالذهب أو بأية عملة غير عملتها في داخل أراضيها، وتعتبر ذلك من قبيل النظام العام الذي لا تجوز مخالفته، وتجعل كل اتفاق على خلافه باطلا، وقد تلغي بعض الدول شيئا من عملاتها الرائجة تستبدلها بنقد آخر تصطلح على التعامل به ... إلى آخر ذلك من حالات وصور. هذا في نطاق السياسة الاقتصادية للدول، أما في مجالات المعاملات الفردية فكثيرًا ما يقرض المرء لغيره مبلغًا من المال إلى أجل معين؛ رفقا به، ومعونة له، ودفعا لحاجته، وتفريجا لكربته، فإذا ما حل أجل الوفاء وجد المقرض أن هذا المبلغ الذي عاد إليه أقل أو أكثر بقليل أو كثير من المبلغ الذي دفعه له قرضا، من حيث قوته الشرائية، أو من حيث قيمته بالنسبة إلى الذهب، أو بالنسبة إلى العملات الأخرى يوم أقرضه، وإن كان مماثلاً له في الكم والعدد.

стр. 2183

وكثيرًا ما يشتري التاجر بضاعة بنقد محدد مؤجل الوفاء إلى أمد متفق عليه، وعندما يحل الأجل ويحين وقت الأداء يجد كل واحد من المتبايعين أن المبلغ المتفق عليه قد اختلف حاله، من حيث القوة الشرائية، أو من حيث القيمة بالنسبة إلى الذهب، أو بالنسبة إلى العملات الأخرى عن الوضع الذي كان عليه وقت وجوبه في الذمة بالعقد. وفي كثير من البلدان الإسلامية جرى العرف بين الناس على جعل بعض مهر الزوجة أو أكثره أو كله دينًا مؤجلا في ذمة الزوج، لا يحل إلا بالموت أو الفرقة ويسمونه المهر المؤجل. وواقع الأمر في غالب حالات المهر المؤجل طرو التغير الفاحش على قيمة النقد الذي جُعل مهرًا، وصار دينا في ذمة الزوج عند حلوله، بالنظر إلى يوم ثبوته في الذمة. هذه بعض صور القضية، وللقضية تعلقات شائكة، وآثار خطيرة، وأبعاد كثيرة لا تكاد تحصى، وإنها لتمس الفرد والمجتمع والدولة في مجالات مختلفة وجوانب شتى، غير أن الذي يعنينا بحثه في هذا المقام ما يتصل بالمعاملات المالية عند تغير أحوال النقد، وأثر ذلك على الديون في الذمم أيا كان سببها ومنشؤها. وهذا الجانب في الحقيقة ونفس الأمر، وإن كان عظيم الأهمية وبالغ الخطورة في هذا العصر على الخصوص، فإن مبادئه وأسسه موجودة ومعروفة في تعامل المسلمين وفقههم، ولفقائهم في ذلك آراء ونظرات هامة جديرة بالعناية بها والإفادة منها، وبيان ذلك:

стр. 2184

أولاً: تغيرات النقود الذهبية والفضية: إن الدين الثابت في الذمة إذا كان عملة ذهبية أو فضية محدودة مسماة، فغلت أو رخصت عند حلول وقت الأداء، فلا يلزم المدين أن يؤدي غيرها؛ لأنها نقد بالخلقة، كما يعبر الفقهاء. وهذا التغير في قيمتها لا تأثير له على الدين البتة. وحتى لو زادت الجهة المصدرة لهذه العملة سعرها أو أنقصته، فلا يلزم المدين إلا ما جرى عليه العقد. ولو أبطلت السلطة المصدرة لهذه العملة التعامل بها، فإنه لا يلزم المدين سواها وفاء بالعقد؛ إذ هي المعقود عليها دون غيرها. وعلى ذلك نص الإمام الشافعي والمالكية في المشهور عندهم. وقال بعض المالكية: إذا أبطلت تلك العملة واستبدلت بغيرها فيرجع إلى قيمة العملة الملغاة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة ذهبًا. ثانيًا: تغيرات النقود الاصطلاحية: إذا كان الدين الثابت في الذمة نقدا بالاصطلاح لا بالخلقة، كسائر العملات الأخرى غير الذهبية والفضية، فطرأ عليه تغير عند حلوله، فعندئذ يفرق بين خمس حالات:

стр. 2185

الحالة الأولى الكساد العام للنقد: وذلك بأن توقف الجهة المصدرة للنقد التعامل به، فتترك المعاملة به في جميع البلاد، وهو ما يسميه الفقهاء بكساد النقد. ففي هذه الحالة لو اشترى شخص سلعة ما بنقد محدد معلوم، ثم كسد ذلك النقد قبل الوفاء، أو استدان نقدًا معلومًا ثم كسد قبل الأداء، أو وجب في ذمته المهر المؤجل من نقد محدد ثم كسد قبل حلوله، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول لأبي حنيفة: وهو أن النقد الذي كسد إذا كان ثمنًا في بيع، فإنه يفسد العقد ويجب الفسخ ما دام ممكنا؛ لأنه بالكساد خرج عن كونه ثمنًا؛ لأن ثمنيته ثبتت بالاصطلاح، فإذا ترك الناس التعامل به فإنها تزول عنه صفة الثمنية، فيبقى المبيع بلا ثمن، فيفسد البيع , أما إذا كان دينا في قرض، أو مهرا مؤجلاً، فيجب رد مثله ولو كان كاسدًا؛ لأنه هو الثابت في الذمة لا غيره. القول الثاني لأبي يوسف، والحنابلة على الراجح عندهم، والمالكية في غير المشهور: وهو أنه لا يجزئ رد المثل بعد ما كسد، ويجب على المدين رد قيمة النقد الذي وقع عليه العقد يوم التعامل من نقد آخر. وإنما اعتبرت القيمة يوم التعامل؛ لأنه وقت الوجوب في الذمة. والقول الثالث لمحمد بن الحسن الشيباني وبعض الحنابلة: وهو أنه يجب على المدين رد قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر وقت الكساد، أي في آخر نفاقها، وهو آخر ما تعامل الناس بها؛ لأنه وقت الانتقال إلى القيمة، إذ كان يلزمه برد مثلها مادامت نافقة، فإذا كسدت انتقل إلى قيمتها وقتئذ. الشيخ عبد الله البسام: هذا هو المشهور لمن؟ الشيخ نزيه حماد: مشهور المذهب. والقول الرابع للشافعية والمالكية على المشهور عندهم: وهو أن النقد إذا كسد بعد ثبوته في الذمة وقبل أدائه، فليس للدائن سواه، ويعتبر هذا الكساد كجائحة نزلت بالدائن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدين قرضا أو ثمن مبيع أو غير ذلك.

стр. 2186

الحالة الثانية الكساد المحلي للنقد: وذلك بأن يكسد النقد في بعض البلاد لا في جميعها، ومثله في عصرنا الحاضر العملات التي تصدرها بعض الدول وتمنع تداولها في خارج حدود أراضيها. وفي هذه الحالة إذا اشترى شخص بنقد نافق، ثم كسد في البلد الذي وقع فيه البيع قبل الأداء، فإن البيع لا يفسد، ويكون البائع بالخيار بين أن يطالبه بالنقد الذي وقع به البيع، وبين أخذ قيمة ذلك النقد من عملة رائجة، وهذا هو القول المعتمد عند الحنفية. وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا كسد النقد في بلدة واحدة فيجرى عليه فيها حكم الكساد العام في سائر البلاد، اعتبارًا لاصطلاح أهل تلك البلدة. الحالة الثالثة انقطاع النقد: وذلك بأن يفقد النقد من أيدي الناس ولا يتوفر في الأسواق لمن يريده. وفي هذه الحالة لو اشترى شخص سلعة بنقد معين ثم انقطع قبل أن يؤدي الثمن، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول للحنابلة ومحمد بن الحسن الشيباني وهو المفتى به في مذهب الحنفية: وهو أن على المشتري أداء ما يساويه في القيمة في آخر يوم قبل الانقطاع، لتعذر تسليم مثل النقد بعد انقطاعه، فيصار إلى بدله وهو القيمة. ومثل ذلك يقال في دين القرض وغيره. وإنما اعتبرت القيمة قبيل الانقطاع لأنه الوقت الذي ينتقل الوجوب فيه من المثل إلى القيمة.

стр. 2187

والقول الثاني لأبي يوسف: وهو أنه يجب على المدين أداء ما يساويه في القيمة يوم التعامل؛ لأنه وقت الوجوب في الذمة. والقول الثالث لأبي حنيفة: وهو أن الانقطاع كالكساد يوجب فساد البيع. والقول الرابع للشافعية والمالكية: وهو أنه إن أمكن الحصول على ذلك النقد مع فقده وانقطاعه فيجب الوفاء به، وإلا فتجب قيمته، سواء أكان دين قرض أو ثمن مبيع أو غير ذلك. الحالة الرابعة غلاء النقد ورخصه: وذلك بأن تزيد قيمة النقد أو تنقص بالنسبة إلى الذهب والفضة. ويعبر الفقهاء عن ذلك بالغلاء والرخص. وفي هذه الحالة إذا تغيرت قيمة النقد غلاء أو رخصًا بعد ما ثبت في ذمة المدين بدلا في قرض أو دين مهر أو ثمن مبيع أو غيره، وقبل أن يؤديه، فقد اختلف الفقهاء في ما يلزم المدين أداؤه على ثلاثة أقوال: القول الأول لأبي حنيفة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة: وهو أن الواجب على المدين أداؤه هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت دينا في الذمة، دون زيادة أو نقصان، وليس للدائن سواه. وقد كان القاضي أبو يوسف ذهب إلى هذا الرأي أولا ثم رجع عنه.

стр. 2188

والقول الثاني لأبي يوسف أخيرا وعليه الفتوى عند الحنفية: وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج، ففي البيع تجب القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض. والقول الثالث وجه عند المالكية: وهو أن التغير إذا كان فاحشًا فيجب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص. أما إذا لم يكن فاحشًا فالمثل. يقول الرهوني، معلنًا على قول المالكية المشهور بلزوم المثل ولو تغير النقد بزيادة أو نقص. يقول الرهوني: قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدًا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف. وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وتعليلاتها يلوح لي: (أ) أن الاتجاه الفقهي لإيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة، هو الأول بالاعتبار من رأي الجمهور الذاهبين إلى أن الواجب على المدين أداؤه إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت في الذمة، دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين: أحدهما: أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، والله يأمر بالقسط. والثاني: أن فيه رفعا للضرر عن كل من الدائن والمدين، فلو أقرضه مالا فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول أداء المثل عددًا تضرر الدائن؛ لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيبا بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة، حيث إن عيب العين المعينة هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها. ولو أقرضه مالا فزادت قيمته وأوجبنا عليه أداء المثل عددًا تضرر المدين لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ، والقاعدة الشرعية الكلية أنه لا ضرر ولا ضرار. (ب) أن الرأي الذي استظهره الرهوني من المالكية بلزوم المثل عند تغير النقد بزيادة أو نقص إذا كان ذلك التغير يسيرا، ووجوب القيمة إذا كان التغير فاحشا أولى في نظري من رأي أبي يوسف المفتى به عند الحنفية بوجوب القيمة مطلقا، وذلك لاعتبارين:

стр. 2189

أحدهما: أن التغير اليسير مغتفر قياسا على الغبن اليسير والغرر اليسير المغتفرين شرعًا في عقود المعاوضات المالية؛ من أجل رفع الحرج عن الناس، نظرًا لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، ولغرض تحقيق أصل تشريعي مهم؛ وهو استقرار التعامل بين الناس، بخلاف الغبن الفاحش والغرر الفاحش، فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات. والاعتبار الثاني: أن التغير اليسير مغتفر تفريعا على القاعدة الفقهية الكلية: أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، بخلاف التغير الفاحش، فإن الضرر فيه بين والجور فيه محقق. الحالة الخامسة التضخم والانكماش: وهذه الحالة لم يذكرها الفقهاء في كتبهم، ولم يتعرضوا لها في مدوناتهم؛ إذ لم يكن لها من الخطر في زمانهم مثل مالها في عصرنا الحاضر. وحقيقة هذه الحالة أن يطرأ التضخم أو الانكماش بعد الوجوب في الذمة وقبل الوفاء، بحيث تنخفض أو ترتفع القوة الشرائية للنقد الثابت دينا في الذمة تجاه السلع والمنافع والخدمات التي تبذل عوضًا عنه. والذي يستنتج من كلام الفقهاء في مسألة تغير النقود، أن التضخم أو الانكماش وحدهما لا تأثير لهما على الديون البتة، ولو حدث أن قارن التضخم أو الانكماش إحدى الحالات الآنفة الذكر، فإن الحكم يناط بتلك الحالة بغض النظر عن التضخم والانكماش الملازم أو العارض. هذا هو الحكم في الديون التي لا ارتباط لها عند وجوبها بالقوة الشرائية للنقد.

стр. 2190

أما الديون التي روعي في تحديدها قوة النقد الشرائية وقت الوجوب، ثم طرأ التضخم المالي وانخفضت تلك القوة الشرائية، فإنها تتغير بحسب نسبة التضخم الحادث، كما في دين النفقة إذا قدره القاضي وفرضه على من تجب عليه بالنظر إلى أسعار الأشياء التي يحتاجها مستحق النفقة وقت التقرير، ثم ارتفعت أسعار هذه الحاجيات في السوق، ففي هذه الحالة يحكم بتغير الدين تبعًا لتغير الوضع المالي للنقد؛ لأن القاعدة التي بني عليها تقدير النفقة إنما هي تحقيق الكفاية للمنفق عليه. وهذا المبلغ المقرر بعد طروء التضخم أصبح غير كاف للوفاء بالغرض المناط به، فلهذا يتغير الدين تبعًا لتغير مناطه، ويزاد مقداره وفقًا لنسبة التضخم الحادث. وعكس ذلك يقال في حالة طروء الانكماش في مثل هذه الواقعة، ومثل ذلك مرتبات الموظفين والجند والعمال إذا كان تقديرها لهم معتبرا بالكفاية، فإنها تتغير ارتفاعًا وانخفاضا بحسب الغلاء والرخص، وتبعا للتضخم والانكماش. نص على ذلك الماوردي في الأحكام السلطانية، وأبو يعلى في الأحكام السلطانية، وبدر الدين ابن جماعة في تحرير الكلام وغيرهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. هذه هي القضية الأولى المطروحة في الموضوع، وهناك عدة قضايا أخرى. هل يرى الرئيس أن أعرضها الآن أم بالتسلسل؟

стр. 2191

الرئيس: الذي نعرفه أن الذي لدينا قضيتان: إحداهما قضية تغير قيمة العملة وتفضلتم بها، والثاني أحكام النقود الورقية من حيث العلة، ومن حيث نظرية تكييفها الفقهي. الشيخ نزيه حماد: تحب نعاود الثانية؟ الرئيس: تفضل المفروض أن تكون هي الأولى. الشيخ نزيه حماد: هذه هي القضية الأولى التي طرحتها في الموضوع، أما الثانية فهي قضية اعتبار العملة الورقية نقدا قائما بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة؛ نظرًا لتحقق الثمنية فيه. وهذا ما اتجه إليه مجمع الفقه الإسلامي بمكة والأبحاث المقدمة في الموضوع، باستثناء بحث فضيلة الشيخ العثماني، فقد جعل العملة الورقية في حكم الفلوس الرائجة، وأثر ذلك الاختلاف يتضح فيما يلي:

стр. 2192

أولاً: في الجزم بعدم صحة بيع الجنس الواحد من العملة الورقية ببعض متفاضلا بإطلاق، فلا يجوز بيع عشرة ريالات سعودية ورقا بأحد عشر ريالاً ورقًا، ولو مع تعجيل البدلين، وهذا ما اتجه إليه مجمع الفقه الإسلامي بمكة وآراء الباحثين الكاتبين في الموضوع جميعهم. ثانيًا: يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا إذا كان يدا بيد، كبيع الدينار الأردني بالدولار الأمريكي مع التفاضل، إذا كان ذلك يدا بيد، ولا يجوز ذلك من غير تقابض. وهذا ما اتجهت إليه آراء الكاتبين في الموضوع باستثناء بحث فضيلة القاضي الشيخ العثماني الذي مال إلى رأي الحنفية في الفلوس الرائجة، فلم يشترط التقابض في المجلس من الطرفين، واكتفى بإيجاب تسليم أحد العاقدين بدله؛ لئلا تؤول المعاملة إلى بيع الكالئ بالكالئ. ثالثا: وجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة. وبهذا أخذ مجمع الفقه الإسلامي بمكة، واتجهت إلى ذلك آراء الباحثين في الموضوع، وهذه خلاصة الكلام في أحكام العملة الورقية وفي تغير النقود. وشكرًا. الرئيس: شكرًا، بسم الله الرحمن الرحيم ... الواقع أن الذي أمامنا هو بحثان: أحدهما الموضوع الأصل وهو أحكام النقود الورقية، والثاني: تغير قيمة العملة. أما الموضوع الأول وهو الثاني عرضا عند فضيلة الشيخ نزيه، فهو أحكام النقود الورقية، وركيزة البحث في هذا الموضوع تنطلق من أمرين: أما الأمر الأول فهو التصحيح لعليتها، وتعلمون أن لأهل العلم في هذا أقوالاً ثلاثة: القول الأول: أن العلية أو العلة هي الوزن، وهذه العلة منقوضة بالإجماع على إسلامها في الموزونات. والعلة الثانية: هي غلبة الثمنية، وغلبة الثمنية في الموضوع الواقع هي علة قاصرة لا تتجاوز النقدين الذهب والفضة. القول الثالث: هو مطلق الثمنية، ومطلق الثمنية عليه جماعة من أهل العلم ومن المحققين وهو الذي ذهب إليه عدد من المجامع العلمية والدراسات المعاصرة، وهو تعليل في الواقع بوصف مناسب؛ لأن النقدين كما تعلمون ليس لهما حد موضوع من الشارع، وإنما يحصلان بالقوة الاقتصادية والقوة السلطانية، وإنما من حيث تكييفها الفقهي فقد حصل في ذلك عدة نظريات لدى أهل العلم المتأخرين والمتقدمين، فالنظرية أو الاعتبار الأول: اعتبارها إسنادًا، وهذا أمر فيه من الضيق والحرج ما لا يخفى. والنظرية أو الاعتبار الثاني: اعتبارها عروض تجارة، وهذا فيه من التوسع وإفقادها لقيمتها الثمينة ما لا يخفى، إضافة إلى أنه يترتب على هذا إذا اعتبرناها عروض تجارة، فإنه لا تجب فيها الزكاة إلا إذا نوى صاحبها أو مالكها فيها التجارة.

стр. 2193

والنظرية الثالثة أو الاعتبار الثالث: إلحاقها بالفلوس. والرابعة: هو اعتبار هذه الأوراق النقدية ثمنا قائمًا بنفسه، وللعلامة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى بحث مستفيض بهذا. وقد ذهبت إليه لجنة الفتيا في الأزهر في ذلك الوقت. هذه الأشياء التي يمكن أن ينطلق منها البحث في موضوع أحكام النقود الورقية. وكان مجمع الفقه الإسلامي بمكة - كما تفضل الشيخ نزيه - قد أصدروا قرارهم في هذه الناحية فقط، إذ اعتبروا هذه الأوراق ثمنا قائما بذاتها، واعتبروا العلة هي مطلق الثمنية. والأمر على كلٍّ عُرضَ هنا الآن، وهو مطروح لمداولاتكم وآرائكم، وما يفتح الله به عليكم. أما تغير قيمة العملة فمع جلالة البحث الذي تفضل به الشيخ نزيه وعرضه للخلاف وحصره لمواطن الخلاف في هذه المسألة على اختلاف فروعها، إلا أنكم تلحظون أن المسألة من الأهمية بمكان، فإنها تنتظم عددا من أبواب الفقه فهي تنتظم باب النكاح وتنتظم كتاب المعاملات في عدد من أبوابه، كالبيع والقرض ونحوهما. وعلى كلٍّ الأمرُ في هاتين القضيتين مطروح على نظركم، وقد ترون مناسبًا أن نبدأ البحث في المسألة الأولى، وهي أحكام النقود الورقية، وشكرًا.

стр. 2194

الشيخ عبد الله بن بيه: الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. وبعد، فقد أعددت في هذه القضية بحثًا هو بين أيديكم بدأته بمقدمة قصيرة. الحمد لله الحي القيوم، العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحبه أهل العلم الصحيح والمنهج القويم، والذوق السليم. وبعد، فهذا بحث في نقود الكاغد، محذوف الشواهد، مطروح الزوائد، يحتوي إن شاء الله على بعض الفوائد، لا يدعي اقتناص الشوارد، ولا تقيد الأوابد، في مجال لم يترك الرواد فيه وشلا لوارد، صغته في شكل مسائل، وسلكت فيه سبيل أهل الفتوى في النوازل، لا أقول فيه كما قال الشاعر: كم ترك الأول للآخر بل أكتفى ... الرئيس: يا شيخ عبد الله هل ستقرءون البحث؟

стр. 2195

الشيخ عبد الله بن بيه: والله إذا اتسع الوقت أفضل أقرأه أو أختصره. الرئيس: نحن كما تعلمون حددنا منهجا معينا، وهو أن يكون العرض لواحد من الباحثين، ثم بعد ذلك أصحاب البحوث في المداولة والمناقشة. وفضيلتكم في رأس الذين كتبوا بحثا مستفيضًا في هذا الموضوع. فإذا كان لكم مناقشة في موضوع أحكام النقود الورقية وليس في تغير قيمة العملة لأن هذا موضوع ثان، نريد أن نخلص من هذا وندخل في الموضوع الثاني. الشيخ عبد الله بن بيه: نعم إذن سأحاول أن شاء الله إن أقدم جوابًا على المسألة مختصر: في مسألة النقود قمت أولاً بتعريف لغوي وتعريف اصطلاحي للنقود، التعريف اللغوي أعفيكم منه وكذلك التعريف الاصطلاحي فهو معروف. وقد قدم هذا التعريف جملة من الفقهاء الذين قدموا البحوث. ثم بعد ذلك قسمت مسألة النقود إلى مسائل.

стр. 2196

المسألة الأولى: تتعلق بحكم طبع النقود الورقية، وقلت: إن الجواز يخضع لضوابط تمنع إنزال الضرر بالناس لحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) ، وسقت على ذلك جملة من الأدلة. ختمت هذه المسألة الأولى بقولي: إلا أن ضابط الجواز هو ما ذكرناه سابقًا من عدم إلحاق الضرر بالناس في ممتلكاتهم ومعاملاتهم وعدم بخس أشيائهم، وتعريض اقتصادهم للفوضى والاضمحلال. فالأصل الجواز فيما سلم من ذلك، خصوصًا إذا عري عن سبب يجعل شبهة التحريم قائمة كنيابة النقود الورقية عن العين الغائبة، مما يؤدي إلى الصرف المؤجل، ومع ذلك فنحن نشاهد فوضى نقدية تتلاعب بأموال الناس، وتحيل أرصدتهم إلى أوراق من الكاغد لا قيمة لها، مما يجعل جوازها خاضعًا للقاعدة الشرعية المتمثلة في أن الحاجي ينزل منزلة الضروري كالإجارة، حيث خالفت القياس لورود العقد على منافع معدومة. فالحاصل أنها إذا لم تترتب عليها أضرار اقتصادية فهي جائزة. هذا أولاً في مسألة جواز طبع النقود الورقية. المسألة الثانية: تتعلق ببيع هذه النقود بعضها ببعض، هل يدخله الربا؟

стр. 2197

إذا كان بيع هذه النقود بعضها ببعض أو بالذهب والفضة يدخلهما الربا، كما يدخل في الذهب والفضة، أو لا يدخل فيهما الربا إلا ما يدخل في العروض، فما هو الحكم في هذه المسألة؟ هذه المسألة رأيت أن للعلماء فيها موقفين، قسمت مواقف العلماء إلى موقفين: الموقف الأول: يتمثل في انتفاء الربوية، وقد يختلف معتنقوه في التعبير عنه بسبب اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، بين مانع للقياس مكتفيًا بالنص، وهذا ما لم تشيروا إليه يا سيادة الرئيس، وهو موقف موجود كأساس في سائر الأصناف، وبين من لا يتخذ هذا الموقف المبدئي فهو يجيز القياس، إلا أنه ينفي وجود علة في هذا المكان بالذات، أو يعترف بوجود علة فيه غير أنه يدعي فيها القصور. واختصارا للبحث فإننا نجعل تحت هذا الموقف من يعتبرها كالفلوس، وهو ينفي الربوية عن الفلوس، ومن يجعلها كالعروض لأنه يثبت للفلوس نوعًا من الربوية لا يخضع لعلة الثمنية. أما الظاهرية فإن موقفهم ينسجم مع مذهبهم الذي يرفض القياس، ويرى في النصوص كفاية للقضايا المتجددة، ولهم ما لهم وعليهم ما عليهم. وقد نحا منحى الظاهرية في هذه المسألة جملة من العلماء، فمن السلف طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان. كما حذا حذوهم ابن عقيل من الحنابلة وأبو بكر الباقلاني من المالكية والأخير عن ابن رشد في البداية واللخمي أيضًا من المالكية عن أحمد بن علي المنجور في شرحه القواعد.

стр. 2198

ونصنف في نفس الاتجاه من يعلل علة لا تتناول النقود الورقية، كالوزن عند أبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه، ولا داعي لنقل كلام هؤلاء لوضوح كلامهم واشتهاره. كما نصف في نفس الاتجاه أيضًا من يعلل بالثمنية أو الثمنية الغالبية، وهو يصرح بأن هذه العلة قاصرة وليست صالحة للتعدية إلى غير محلها. وهؤلاء يجدر بنا أن نتعرض لبعض أقوالهم وآرائهم؛ نظرًا للالتباس الذي يوحي به التعليل بالثمنية. ونقف وقفة قبل أن نسترسل معهم لنشير إلى أني ذكرت هنا كلامًا لأبي بكر الباقلاني وهو قوله: أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثية، وهو كلام في موضوع آخر، إلا أنه له علاقة حميمة بهذا الموضوع يقول: وإذا لم يكن يشترط استناد الأمور إلى الأصول لم ينضبط الشرع، واتسع الأمر، ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتضاء حكمة الحكماء، فيصير ذوو الأحلام بمنزلة الأنبياء، إلى أن قال: ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون. ولعل الشافعية يفكرون مثل تفكير القاضي أبي بكر الباقلاني وإن كان إمام الحرمين قد اعترض عليه في موضوع لا يتعلق بهذا الموضوع، فنجد أن إمام الحرمين ناقش هذه المسألة بالعلة القاصرة، ورددها مرارا فقال: إذا استنبط القائس علة في محل النص وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا تتعداه، فالعلة صحيحة عند الإمام الشافعي ﵁. ونفرض المسألة في تعليل الشافعي: تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية، وهي خاصة بالنقدين لا تتعداهما، وقد أطال النفس، وناقش نفاة العلة القاصرة كالأحناف في هذه المسألة، وعرج على مسألة الفلوس أكثر من مرة قائلاً: ولقد اضطرب أرباب الأصول عند هذا المنتهى، ونحن نذكر المختار من طرقهم.. إلى آخر ما ذكره إمام الحرمين، وما ذكره السبكي في ذلك، وما ذكره النووي من اعتبارهما العلة قاصرة على النقدين. وتعرضت هنا للعلة القاصرة وعرفتها بما ذكره الآمدي وماذكره السبكي وما ذكره سيدي عبد الله في نشرالبنود، وما ذكره أبو حامد الغزالي حول العلة القاصرة، وبينت هنا ما هي هذه الثمنية. منحاهم صعب هم يقولون بالثمنية ويقولون: هي قاصرة، ونلاحظ حرصهم على التمثيل للعلة القاصرة بالنقدية أو الثمنية أو غلبة الثمنية أو كونها قيمة للأشياء، كل هذا يدل على أن المعللين بالثمنية أو غلبتها ويقولون بقصور العلة، يرون أنها ثمنية من نوع خاص. وهذا كقول البهوتي الحنبلي في زكاة الذهب والفضة في كتابه كشاف القناع: وهما الأثمان.

стр. 2199

ثانيًا: إن النقدية الشرعية كما سماها إمام الحرمين تعني فيما يبدو كون النقدين أثمانا بالخلقة، حيث تعتبر ثمنية غيرها ثمنية عارضة. ونرى أن علماء الفروع بنى كثير منهم على هذه النظرية، وذكرت كلامهم في النقدين. أما وجهة النظر الأخرى القائلة بالثمنية المتعدية، وجهة النظر الأخرى الفريق الآخر الذي يقول بالربوية، فهو الفريق الذي يقول بالثمنية المتعدية. وقد عبر عنها الغلبية الثمنية أي غلبة الاستعمال في التبادل أو مطلق الثمنية، ويمثلها المالكية لأن مالكًا ... وذكرت كلام مالك في ذلك، وهو كلام معروف عندكم، وذكرت أقوال المالكية. وقد بينت هنا طريقًا خاصًا وهو أن هذه المسألة مبنية على القاعدة المعروفة عند المالكية بقاعدة البينة. وهي إيجاد حكم بين حكمين، أو إيجاد حكم يستند إلى دليلين، قاعدة البينة إذا وجد دليلان راجحان يشبه حكم كل واحد منهما، ولم يتمحض شبهه لواحد منهما، فإن المالكية يبنون على ذلك قاعدة يسمونها بقاعدة البينية ذكرها الزقاق فقال: وبيع ذمي وعتق هل ورد الحكم بين بين كونه اعتقد كالبيع مع شرط يصح وبطل وحكم زنديق وشبهه نقل وذكرت كلام المنجور في شرحه للزقاق في مخطوطة لأحد تلاميذه التي هي عندي. وبنوها أيضًا على قاعدة حكم النادر: هل النادر يعتبر حكمه في نفسه أو يعتبر له حكم الغالب؟ وهل لم ندر حكم ما غلب وحكم نفس كالفلوس والرطب وكسلحفاة وقت ندرًا كذا مخالط وعكس ذكرًا ذكرت هنا كلام المنجور وهو كلام غير معروف لأنه مازال مخطوطًا عندما ذكر أن اللخمي يقول: هذا شرح غير معلل، وأن بعض العلماء "ابن بشير " ادعى الإجماع على التعليل، وأشهب قال: إن القائسين مجموعون على التعليل، ثم ذكر قول أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى أن العلة قاصرة في هذا الموضوع لا يعرف موضع توجد فيه العلة قاصرة في الأصول إلا في هذا الموضع بالذات. ثم بعد ذلك تعرضنا لكلام ميارة الذي أوجز فيه أقوال علماء المالكية الثمنية قبل الغلبة، وهو معروف عندكم. في النهاية أشرت إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وكلام أبي بكر بن العربي. كلام أبي بكر بن العربي الذي اعتبر أقوى كلام على الإطلاق عند المالكية. كلام أبي بكر ابن العربي يقول: إن الناس لو تعاملوا بالجلود، وذكر كلام مالك ثم قال: إنه رأى الناس يتعاملون في بغداد بالخبز، وجعل التعامل بالخبز كافيا لجعله ثمنا للأشياء، وهو من أقوى كلام ذكره علماء المالكية وقال: إن مالكا اعتبر المعنى، وأن هذا المعنى لم يتفطن له غير مالك، وتبعه جماعة من المالكية. فالمسألة يمكن أن تعامل بتحقيق المناط، وقد ذكرت تعريف القرافي لتحقيق المناط، بمعنى أن الثمنية لم تكن موجودة في ذلك الوقت ولم تكن غالبة، وحينما وجدت أو غلبت فيحقق المناط، ويقال بأنها أصبحت ربوية؛ لأن الثمنية أصبحت غالبة. وغلبة الثمنية عند المالكية ليست كغلبة الثمنية عند الشافعية، غلبة الثمنية عند الشافعية تعني أنها أصل الأثمان، كما عبر به المنجور قائلاً عن الشافعي: إنها أصل الإثمان، أصل الإثمان هو الذهب والفضة أو أنها ثمنية من نوع خاص؛ لأنها النقود الشرعية كما قال إمام الحرمين. هنا عبارات يجب التنبيه إليها في كلام الشافعية عند هذه القضية. في النهاية ذكرت بواعث الطرفين، وهذا فقد ساقه هذا.

стр. 2200

فتلخص مما مر قيام مذهبين أو موقفين من النقود الورقية: أولهما: موقف من يقول بعدم ربوية النقود أو على الأصح يذهب إلى عدمها؛ لأنه لا نص من الأقدمين في النقود الورقية، ولكنها مشمولة بالعموم وبالنص على المثيل، وهذا الموقف هو رأي أكثر العلماء كما أسلفنا. ويمكن إرجاع بواعثهم حسب رأينا إذا قرأنا كلامهم قراءه متأنية إلى ما يلي: أولاً: أن تحريم الربا أمر تعبدي لا تظهر له علة واضحة معقولة، فهو من قبيل الابتلاء والاختيار، وما كان من هذا القبيل يقتصر على محل الورود، والقرآن يشهد؛ لأن بعض التكاليف تأتي للابتلاء، كما في قوله : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فالتكاليف اختلف العلماء هي للامتثال أو الابتلاء. هذا معروف لديكم من كلام الأصولين. الباعث الأول هو الابتلاء. ثانيًا: إن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد في غيرهما، فهما معدنان نفيسان قابلان للكنز واختزان الثروة ويبقيان على الزمن، هذا من ناحية الخلقة. أما من ناحية الشرعية فيحرم اقتناء آنيتهما، ولا يجوز التحلي بهما للرجال غير ما استثنى الشارع، فهما أثمان بالخلقة، وهما أصل الثمنية، وهما النقدان الشرعيان. ثالثًا: صعوبة إبراز علة مقنعة سالمة من القوادح مطردة منعكسة. وقد قدمنا قول إمام الحرمين أنه لا شبهة فيها ولا إخالة. رابعًا: نوع من الخوف من التجاوز والافتيات على النصوص. نجد مثالاً له في ترجيح العلة القاصرة على المتعدية على رأي الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني إذا صح التعليل بهما. ومن رجح العلة القاصرة احتج بأنها متأيدة بالنص، وصاحبها آمن من الزلل في حكم العلة فكان، التمسك بها أولى. (البرهان إمام الحرمين) خامسًا: أن ثمنية غير النقدين ثمنية مستعارة ومعرضة للزوال في أي لحظة، ومن شأن هذا أن يجعل الثمنية فيهما صفة عارضة. سادسًا: إن التحريم تكليف، والتكليف يحتاج إلى ورود النص كحديث ((الطعام بالطعام)) الذي جعل الشافعي ﵀ يرجح علة الطعمية، ويسهل ذلك على أصحابه المترددين – هنا إمام الحرمين يتردد كثيرًا في وجود العلة وقد قبلها بسبب هذا الحديث – مترددين في قبول تعديها؛ ولأن جهة التحريم محصورة، وجهة الإباحة لا حصر لها، فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين ووجدت في شق الحصر فذلك، وإلا حكم فيها بحكم الآخر الذي أعفي من الحصر (إمام الحرمين أيضًا) .

стр. 2201

سابعًا: في الربا من الخطورة والتحريم ما لو كان قائمًا في هذه المسألة ما ترك بيانها، والله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، والفلوس كانت موجودة في زمن النبي ﷺ . أما الفريق الآخر فيعتضد بما يلي: أولاً: الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئًا لمفسدة، وتترك شيئًا فيه نفس المفسدة، فنظير الحرام حرام. (ابن القيم) . ثانيًا: التعليل أولى؛ لأنه أكثر فائدة وترك التعليل خشية، وما في ترجيح العلة القاصرة من الأمن ولا وقع له، فإنه راجح إلى استشعار خيفة لا إلى تغليب ظن وتلويح ملتقى من مسالك الاجتهاد. (إمام الحرمين) . ثالثًا: إعمال التعليل في أربعة من الستة وتركه في اثنين تحكم، أي ترجيح بلا مرجح. رابعًا: أن الغلبة الثمنية أصبحت واقعًا للنقود الورقية، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط، وليس إحداثًا لاجتهاد جديد، إلا بقدر ما يقتضيه تحقيق المناط؛ لأن الحكم كان موجود معلقًا، وقد تحقق شرطه في جزئية، فيجب إثبات الحكم. خامسًا: إن عدم إجراء الربا فيها تعطيل لحكم يتعلق بمسألة خطيرة من مسائل المعاملات. هذه والله أعلم هي بواعث الطرفين، ذكرتها كما هي، وذكرت أقوالهم كما هي، أمانة لا تبرأ من أمانة نقلي، حتى أكون أمينًا فيما نقلته عن الطرفين. وبعد هذا رأيي وهو رأي توقف في الحقيقة، أنا متوقف، رأيي هو التوقف. وبعد فإن تصفح كلام العلماء لا شك يساعد على تكوين رأي، وإعطاء صورة مميزة لأي موضوع، ذلك هو الهدف وراء مراجعة كلام الأقدمين والمتأخرين، ومقارنة أقوال المحلين والمحرمين. إلا أن النتيجة الأولى التي يمكن أن يخرج بها المرء بعد أن طالع أقوال الفقهاء هي ملاحظة الاضطراب الواضح عند أكثرهم في هذه المسألة. فلا يكاد أحدهم يبرم رأيا إلا كر عليه بالنقض، ولا يبسط وجها إلا عاد بالقبض. وهكذا دواليك حتى يقول القارئ: حنانيك بعض القول أهون من بعض. والفلوس إلا تكن عينا فإنها ليست غير عرض ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) ، والشبهة بدون شك قائمة؛ إذ حدها ما تجاذبته الأدلة، أو أشبه أصلين دون قياس علة مستقل. وهنا تجاذب هذه القضية العفو، وهو أصل يرجع إليه عند سكوت الشارع، وعدم ثبوت سبب أو قيام مانع لحديث: " وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئًا "، ثم تلا هذه الآية:

стр. 2202

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] أخرجة البراز في مسنده والحاكم من حديث أبي الدرداء ﵁، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال: إسناده صالح. والأصل الثاني: هو شبه النقود الورقية بالعين لوجود علة مظنونة وحكمة مقدرة، وقد أجمل الفخر الرازي حكمة الربا في أربعة أسباب: أولها: أنه أخذُ مال الغير بدون عوض. ثانيهما: إن في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاق الإشغال في الاكتساب؛ لأنه إذا تعود صاحب المال أخذ الربا خف عليه اكتساب المعيشة، فإذا فشى في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق؛ لأن مصلحة العالم لا تنتظم إلا بالتجارة والصناعة والعمارة. الثالث: أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض. الرابع: أن الغالب في المقرض أن يكون غنيًا وفي المستقرض أن يكون فقيرًا، فلو أبيح الربا لتمكن الغني من أخذ مال الضعيف. وعلله الشيخ ابن عاشور بأنه حكم معلل بالمظنة. إن كثرة العلل قد تدل على صعوبة التعليل، وفي التعليل بالمظنة خروج من المأزق، وكل ذلك يدل على صعوبة مركب القائسين وتوجه وجه حكم بين حكمين؛ لاشتباه الشبه في أوجه السالكين. فالشبهة تنشأ عن أسباب، منها: كون النص خفيًا، وورود نصين متعارضين، ومنها: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرًا. هذا كلام ابن رجب الحنبلي. ومعلوم إن موضوعنا لا يوجد فيه نص خفي أو ظاهر، فضلاً عن وجود نصين متعارضين، فهو بالطبع من النوع الثالث الذي يؤخذ من القياس، وقد اختلف فيه العلماء، فهو إذن شبهة، فما هو حكم الشبهة؟ وقد فسر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أحد قوليه الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام. وقال الماوردي: هي المكروه بين الحلال والحرام، والقول لابن رجب في جامع علوم الحكم، الماوردي لأنه عقبة بين الحلال والحرام، ذكر ذلك الشبراخيتي في شرحه على الأربعين النووية.

стр. 2203

فإذا كان الأمر على ما ذكرت، والإمام مالك يصرح بالكراهة، ومن أصول مذهبه هي قيام حكم بين حكمين، والأئمة الآخرون لا يكرهون، فإن المسألة فيما يبدو مسألة كراهة، والكراهة حكم من الأحكام الشرعية يجب أن يعاد إلى حياة المسلمين العملية في بيوعهم وأنكحتهم، فيمتاز أهل الورع عن غيرهم، ويترك لدى الحاجة مندوحة عن ارتكاب الإثم السافر، إلا أنها كراهة شديدة؛ كراهة تحريم، والله أعلم. ومذهبي في الحقيقة هو التوقف؛ لأننا لا يمكن أن نلغي مرة واحدة أقوال الأئمة بسبب علة مظنونة. هذه العلة قد تكر على أصلها بالإبطال، بحيث لو قلنا: إن الثمنية هي العلة، وإن الذهب والفضة لم يعودا الآن أثمانا للأشياء، معنى ذلك: إن الربا يبطل فيهما، والربا لن يبطل فيهما إلى قيام الساعة؛ لأنه هو موضوع النص، ولأن الإجماع وقع على ذلك، فكيف نقول بعلة تكر على أصلها بالبطلان، هذا لا يمكن مطلقًا. الله أعلم. الرئيس: شكرًا، في الواقع أن الذي يقرأ كلامكم يا شيخ أو يسمعه، فيكاد يقطع عن رأيكم أن العلة هي مطلق الثمنية، والتوقف سمعناه سماعًا فقط، هذا الذي يظهر؛ لأنه واضح الاتجاه في البحث هذا.

стр. 2204

الشيخ عبد الله بن بيه: سيدي الرئيس: لأنك لم تسمع بواعث الآخرين ذكرت بواعث الطرفين. الرئيس: لا؛ لأني قرأته، قرأت بحثكم ليس جديدًا عليّ أنا قرأته. الشيخ إبراهيم الغويل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. بعد أن استمعنا إلى تحرير موضوع المناقشة من السيد رئيس المجمع، ثم استمعنا لتصفح آراء الأقدمين في هذا البحث القيم من الشيخ ابن بيه، أعتقد أنه قد يكون من المناسب أن نلم ولو إلمامًا بالتصور العصري لقضية النقود الورقية بالذات تعرض في مجالين: تعرض في مجال تاريخ النقود، وتعرض في مجال وظائف النقود. في تاريخ النقود بدأت النقود أصلا بالذهب والفضة، ثم انتقلت إلى معادن أقل من ذلك، ثم إلى الورق، وهذا ينتظمه قانون يعرف بقانون " جريشم " الذي يقول الانتقال من الجيد إلى الرديء. وظائف النقود حينما كانت النقود تقوم على الذهب والفضة، وهما كما استمعنا في الأصل هنا العلة أو المحددون للثمينة في العالم، وفي تاريخ الإنسانية لم تكن أمامنا هذه المشاكل التي استمعنا إليها هذا الصباح حول قضية التضخم والانكماش؛ لأن النقود كانت في ذلك الوقت عبارة عن مقياس للسلع ووسيلة تبادل، حينما أضيفت قضية الاختزان، وهي التي حاربها الإسلام في منع اكتناز الذهب والفضة، بدأت البشرية تنظر إلى مرحلة جديدة غريبة، وهي التي يبدو لي أنها كانت مطروحة في الورقة الأساسية، قضية الاختزان مكنت للنقود مكانًا خاصًا، بحيث أصبحت لها وظيفة جديدة لم تعرفها البشرية قبل ذلك. فهي في الأصل مقياس للسلع، وأداة للتبادل، ومنع أن تكون وسيلة للاختزان، على التطور المعاصر والحديث أصبحت وسيلة اختزان، وأصبحت هذه هي العامل المهم، ولذلك لجأوا إلى قضية السبائك الذهبية بداية، ثم لجأوا إلى قضية الغطاء الذهبي الذي يوجد في المصارف، ثم أخيرًا هذا في السبعينات الآن أو أواخر الستينات، تمكنت أمريكا أن تلغي الغطاء الذهبي، وبالتالي لم يعد هناك مرجع ذهبي تقاس إليه النقود، فأصبحت الوسيلة التي كانت أساسا مقياسًا للسلع قابلة لأن تزيد وتنقص.

стр. 2205

المتر محدد بمائة سنتيمتر، ولا يقبل أحد أن أخرج على الناس غدًا لأقول لهم: اليوم المتر مائة وخمسة أو مائة وعشرة. ولا يقبلون أن أخرج عليهم بعد غد لأقول: لهم اليوم المتر خمسة وتسعون سنتيمترا، لا يقبل أحد، بل يضربون على يد من يخرج للناس يقول: الكيلو اليوم تسعمائة وخمسون جرامًا وغدًا ألف وخمسون جراما، ولكن أمكن للتلاعب في النقد أن يقبل الناس أن مقياس السلع يزيد وينقص، لذلك يظل الإسلام يقدم حلا للبشرية المعاصرة، كما قدم دوما حينما يقول: إن الأصل النقدان، هما النقدان الذهب والفضة، وإذا وجدت عملة ورقية فهي تسند أو تقاس إلى غطاء ذهبي في ذلك. هذه هي القضية التي سارت عليها أكبر معركة بين مدرستين كبيرتين في العالم المعاصر المدرسة الفرنسية والمدرسة الأمريكية، ودافع ديجول بشدة على قضية الغطاء الذهبي، ولكن أمريكا تمكنت أن تجر العالم إلى أن يكون غطاؤها هو الدولار وتلعب بالدولار كما تشاء، فتسقط مداخيل شعوب ودول وتزيد متى شاءت. فإذا نحن نملك حلاً وفقًا لما استمعنا من عرض آراء السابقين، ووفقًا للعرض القيم في تحرير موضع النقاش الذي قدمه السيد رئيس المجمع، أن نعود إلى النظر في العلية، ونؤكد على فكرة غالبية الثمنية على التعبير الذي لم يرغبه أستاذنا ابن بيه، ولكن أيضًا نقول، إنها علة قاصرة على الذهب والفضة، ولابد أن تقاس إليها النقود من جديد. أما أن انجررنا وراء علمية الأوراق النقدية في تاريخ الفكر سننجر إلى قضية الاختزان، والاختزان هو الذي أسس عليه فكرة سعر الفائدة وإباحة الربا، هذه هي القضية من وجهة النظر الحديثة والمعاصرة، وما أعتقد أنه يمكن للإسلام أن يقدمه إلى العالم المعاصر، وشكرًا.

стр. 2206

الرئيس: شكرًا، إضافة بسيطة لما تفضل به الشيخ إبراهيم من عدم وجود الغطاء لهذه الأوراق، وهو باب الإضافة، وإلا فالأمر فيه وضوح. هو أن هذه القضية لما درست في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية استحضروا محافظ مؤسسة النقد، فأخذوا منه تقريرًا يفيد على أنه ليس هناك غطاء، وأن هذه العبارة الموجودة تتعهد الحكومة الفلانية لإعطائها القوة السلطانية والقوة الاقتصادية فقط. وإلا فإنه في الحقيقة ليس لها غطاء من ذهب ولا فضة. الشيخ أحمد بازيع الياسين: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه وحده أستعين، الحقيقة، الإنسان عندما يريد أن يتكلم عن النقود الورقية وعن أحكامها وعن تغيرها، لابد أن يستشعر، وأن يضع أمامه موضوعًا متعلقًا بها، وهو موضوع الربا؛ لأنه لا ينفك عنها. فكتبت في هذه كلمة، وبينت الربا، والآيات القرآنية والأحاديث لا تخفى على فضيلتكم. ثم الذي يعنينا هنا أيضًا أن نبين ما هو حكم الفائدة المصرفية، هل هي ربا أم لا؟ وهذا انتهى منه العلماء والمسلمون وفقهاؤهم، أتيت أيضًا بالكلمة بقرارات المؤتمرات ومجامع البحوث، بأن الفائدة البنكية هي الربا المحرم شرعًا، أو من الربا المحرم شرعًا. ثم أتيت كإنسان يعمل في هذا العمل، وفي هذا الميدان منذ أربعين سنة، أقول بعد هذه القرارات التي مرت في الورقة: هل يأتي أحد ويقول: أعيدوا النظر، وجاروا العصر، وكونوا معتدلين، وعدلوا القرارات؛ لأن كل شيء ... بحث فقهاء المسلمين خمسين عاما وهم يبحثون هذا الموضوع، قتلوه بحثًا، وانتهوا به إلى حكم فقهي. ويقولون مجاراة للعصر: إن الفائدة البنكية ليست من الربا. ثم عرجت على النقد، وقلت: أليس بيع نقد بنقد بزيادة، سواء أكان آجلاً أم عاجلا ربا، فالأمة الإسلامية في الحقيقة مدعوة الآن، وبأكثر من أي وقت آخر لتصحيح المسار من منهج ربوي إلى منهج مشروع. ثم بينت بيوع النقد بالأجل وحرمته. وبينت ما ظهر لي في ست نقاط عن مضار التعامل بالربا وبالفائدة البنكية.

стр. 2207

أولاً: الوقوع فيما حرم الله، ثم أكل أموال الناس بالباطل. ثم بينت أن زيادة التكلفة على الحاجيات التي يحتاجها الناس بمقدار ما تحمل من فوائد بسيطة أو مركبة. ثم تركيز الثروة عند فئة قليلة من الناس غير منتجة تعيش على كدح الآخرين. وعند عجز المدين عن الوفاء يتراكن عليه الدين بزيادة الفائدة، مما يزيد من عجزه حتى يثقل كاهله، فإما يعلن إفلاسه، أو تستمر الفائدة بالزيادة حتى يركع ويبيع كل ما عنده ليسدد دينه وفوائده. الحقد والكراهية وما يؤدي إلى الفتن والحروب. تسلط الفئة الدائنة على المدينين وتسيير السياسة التي يفرضها الدائنون على مجتمعاتهم بما يتمشى مع مصالحهم، حتى ولو تضرر المجتمع. عند عجز المدينين عن الوفاء للفئة الدائنة تعجز الفئة عن تسليم الودائع لأصحابها عند حلولها، وبالتالي يعتبر الجميع في حالة إفلاس ثم النقود مثل ما قال أخي إبراهيم: النقود في الحقيقة - حسب ما ظهر لي كإنسان يعمل في هذا الميدان - وحدة قياسية للأثمان، بها قوتان: قوة اصطلاحية واعتبارية وسلطانية – كما قال فضيلة الأخ الرئيس – وقوة ثمنية. والوحدة القياسية ثابتة عندما تقاس مع ذاتها تساوي ذاتها تمامًا، كالوحدة القياسية الطويلة التي أشار لها الأستاذ ووحدة الأوزان، وإذا قلنا غير ذلك اختلت القواعد للوحدات القياسية، ويحصل الارتباك العظيم. ثم في موضوع الأحكام، يعني في أحكام الورق، لما قلنا: إنه يعني فيه قوتان ثمنية واعتبارية، إذن حل محل النقدين الذهب والفضة، فيأخذ حكمهما شرعًا تباعًا. وهذا في الحقيقة ما اتفق عليه علماء المسلمين، فيه الزكاة وفيه الحد، وفيه ما يصير على الذهب والفضة ينطبق على النقود الورقية، وهذا ما ذهب إليه جمهور فقهاء المسلمين في جميع مؤتمراتهم. لو أردنا أن نأخذ بموضوع القوة الشرائية؛ لأنه في الحقيقة الموضوعان متشابكان لا يمكن فكهما، هو موضوع واحد: الربا والنقود الورقية وتغيرها، إذا أخذنا وقلنا: القوة الشرائية بالنسبة للنقد إيجابا أو سلبا، هذه الحقيقة سنة كونية منذ أن خلق الله الخليقة، القياس ثابت، والمتغير هو المقيس. فلو أردنا أن نقول: واحد داين واحد بمبلغ من المال، ثم بعد سنة عندما أراد أن يستوفي هذا المال لا يأتي بالقوة الشرائية، طيب، أي قوة شرائية؟ لشراء الأراضي، يعني نقيسه بأي عين من الأعيان؛ لأن الأعيان تختلف منسوبة إلى النقد ضعفها من قوتها فيه مثلا بعض المواد الغذائية تختلف عن مواد البناء، تختلف عن العقارات، تختلف عن كثير، يعني ليس هناك نسبة محددة يمكن قياسها، وتنضبط بالنسبة إلى القوة الشرائية من ضعفها أو قوتها. ثم إذا قلنا: أحد داين أحد الإخوان ألف دينار مثلاً، ثم جئت في آخر السنة.

стр. 2208

فالعملية في الحقيقة كيف أعطيه ألفا وخمسة دنانير، هذا أوقعنا في الربا، أو أعطيه خمسة وتسعين. كيف أقيس هذه القوة، ليس هناك وحدة قياسية منتظمة لهذا الموضوع. وهذا أيضًا بحث في ليبيا من قبل فقهاء المسلمين، وأنا حضرته والقانونيون موجودون والفقهاء والمحاسبون والبنك المركزي، وانتهينا إلى قرار بأن ما ينطبق على الذهب والفضة من أحكام ينطبق على الأوراق النقدية. وهذا ما أدين الله عليه، وأشكركم، والسلام عليكم. الشيخ إبراهيم الغويل: شاء ربي أن يقدم الدليل الواقعي دائما أمام البشرية. حينما قدرت الدية في الإسلام قدرت بمائة رأس من الابل، ثم جاء الأحناف وقدروها بألف دينار ذهبية، قاسوا الألف دينار ذهبية كما كانت في ذلك العصر. واليوم مائة رأس من الابل ستجدونها سويًا هذا السر في وحدة القياس الثابتة في الذهب والفضة، إن اعتمدنا الغطاء الذهبي، وأمكننا أن نُذهب عن البشرية الخطر الذي دخلت فيه؛ لحفظنا لها وحدة قياس ثابتة. وشكرًا.

стр. 2209

الشيخ عبد العزيز الخياط: بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلى وأسلم على نبيه الكريم. شكرًا فضيلة الرئيس.. الحقيقة استمعتم إلى بحث الأستاذ نزيه حماد، وإلى بحث الأستاذ عبد الله، ثم إلى مداخلات الأستاذ إبراهيم والأستاذ بازيع، وكل أبدى وجهة نظر جيدة، والبحوث مستفيضة، لكني قبل أن أبين رأيي في بعض النقاط، حقيقة أؤيد ما ذهب إليه الدكتور إبراهيم حينما تحدث عن وظائف النقود، وأن المشكلات العالمية التي نعانيها الآن هي بسبب فقدان التعامل بالذهب والفضة. ومن المعلوم أن الفرس كانوا يتعاملون بالدرهم بالفضة، والرومان كانوا يتعاملون بالذهب، وأن الإسلام اعتبر الذهب والفضة أساسين في التعامل. هذا أمر أرجو الله أن تتمكن الأمة الإسلامية في دولها المتعددة، حين يشاء الله أن تصبح دولة واحدة ش، أو على الأقل شبه دولة واحدة في اتحادها وقوتها، فتعيد العمل بالذهب والفضة أساسًا، وننجو من جميع المشكلات التي نقع فيها الآن ويقع فيها العالم، إلا أنني بالرغم من هذا أحب أن أقول: هناك واقع نعانيه الآن، وإلى أن نتمكن من الخلوص من هذا الواقع السيئ الذي يحياه المسلمون، أقول: سواء كانت العلة هي القوت والطعام والقابلية للادخار، أو الثمنية، أو الوزن والكيل في الأشياء المحرمة في الحديث الشريف، سواء أكان ذلك هذا الرأي بالنسبة للعلة، أو في رأي بعض المحدثين العلماء أنه لا يعتبر أية علة لتحريم تعامل الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة والبر بالبر ... إلى آخر الحديث الشريف.

стр. 2210

فيعتبر التحريم بالنص أنه لا علة فيه، وأن الثمنية والوزن أو الادخار أو غيرها أنها أوصاف لذلك، بغض النظر عن هذا أرى أن هذه العلة على كل حال هي علة استنباطية، أي بالاجتهاد، فليس هناك نص على أن العلة الثمنية أو الادخار أو الوزن ... إلى غير ذلك. والاجتهاد معرض للخطأ وللصواب، ولسنا نحن ملزمين بأخذ رأي مجتهد بعينه، إلا من يشاء أن يأخذ رأي مجتهد. والرأي المجتهد ممكن أن يتغير طبعًا إذا تغير مناط الحكم، ولهذا إذا تغير وصف العلة وهي الثمنية للذهب والفضة الآن، وبإلغاء التعامل بالذهب والفضة أصبحتا سلعتين كأي سلعتين أخريين في التعامل القائم الآن، وزال عنهما وصف الثمنية، وإذا كنا كذلك فانتقل التعامل بالذهب والفضة إلى التعامل بالأوراق، وحلت الأوراق النقدية محلها في التعامل، فينطبق حينئذ عليهما ما ينطبق على الذهب والفضة، وهو ما أشار إليه الأستاذ البازيع حفظه الله، وما أشار إليه من القرارات التي اتخذت بهذا الشأن. وإذا جاز التفاضل في بيع الذهب والفضة جاز التفاضل في بيع الأوراق النقدية المختلفة، أما الأوراق من جنس واحد كالدينار الأردني بدينار أردني، كالدولار بالدولار، فلا يجوز التفاضل فيه كبيع الذهب بالذهب، وما اشترطه الفقهاء في ذلك فمعروف. أما الأوراق المالية النقود ممكن أن نتناول بعض أنواعها مع بعض الحكم إذا سمح لي بدقيقتين فضيلة الرئيس، فأنا لا أحب الإطالة.
следующие страницы →