← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

نجتمع اليوم ونحن نمثل نخبة من علماء الأمة ومفكريها لنتدارس قضايا العصر ومشاكل الحياة في محاولة لإيجاد حلول عملية لهذه المشاكل في ضوء شريعة الإسلام الغراء. فسلاحنا الوحيد في هذه المعركة المصيرية هو إيماننا بالله وتمسكنا بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واتباع سنة نبيه المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وبهذا السلاح نستطيع أن ندخل معركة الاستنباط والاجتهاد الجماعي مطمئنين لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . راجين من المولى أن يلهمنا من لطائف حكمته وفيوضات أنواره ما ينير لنا الطريق إلى الحق ويهدينا إلى سواء السبيل ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ صدق الله العظيم. وغني عن البيان أيها الإخوة الأفاضل أن أنظار الأمة موجهة إلينا وأن مآلها في إيجاد حلول عملية لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية معلقة علينا. ولأننا لا نستطيع أن نخيب آمالهم فينا ينبغي أن نتسلح بسلاح الإيمان ونتحلى بالصبر وسعة الصدر، ونبذل الغالي والرخيص في سبيل الوصول إلى الحق الذي يكفل لنا حياة شريفة وعزيزة في ظل القرآن الكريم، الذي قال فيه الحق : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . صاحب السمو وأصحاب المعالي والسعادة، قبل أن اختتم هذه الكلمة أريد أن أنوه بالجهود المشكورة التي يبذلها فضيلة الدكتور بكر أبو زيد رئيس المجمع وبالطريقة العملية التي أدار بها مداولاته في الماضي والتي نأمل أن يدير بها مداولاتنا في هذه الدورة وفي الدورات القادمة إن شاء الله، لكي نصل بسفينة بحثنا هذه إلى بر الأمان في إطار شريعتنا السمحة، كما أسجل شكرنا وتقديرنا لفضيلة الشيخ الدكتور الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع، نشكره على دقة التنظيم وحسن الأداء التي تتميز بها إدارته لشؤون الأمانة، على الرغم من قلة الموارد المالية، ولا شك أن الذي شد أزره في هذا هو إيمانه بالله، ووجود الشباب المؤمن الذي يقف وراءه وينفذ أوامره، فجزاهم الله عنا خير جزاء، وباسمكم جميعاً أشكر حكومة دولة الكويت وعلى رأسها أمير دولة الكويت وشعبه على دعوتهم الكريمة لاستضافة الدورة الخامسة لمجمع الفقه الإسلامي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. د/ عمر جاه

стр. 2767

رسالة صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية إلى معالي رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ معالي الأخ الكريم الدكتور بكر أبو زيد حفظه الله تعالى رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد انتهزت فرصة مشاركة الأخ الدكتور عبد السلام العبادي، في دورة المجمع التي ستعقد في جدة، فرغبت أن يحمل إليكم رسالتي للاطمئنان على صحتكم ولينقل إليكم خالص تحياتي وأطيب تمنياتي مقرونة بالدعاء إلى الله العلي القدير أن يديم عليكم الصحة والعافية، ويكلل جهودكم الخيرة بالتوفيق والنجاح، إنه سميع مجيب الدعاء. ولقد تابعت باهتمام بالغ الترتيبات الخاصة بانعقاد دورة المجمع الرابعة، وسررت بمواصلة هذه المؤسسة العلمية الدولية الإسلامية لمسيرتها، وعملها الدؤوب لأداء رسالتها في خدمة الإسلام والمسلمين، خاصة في مواجهة القضايا المستجدة التي تحتاج من علمائنا النظر والبحث، لإيجاد الحلول الناجعة على هدي من شريعتنا الإسلامية الغراء، ولقد لاحظت أن موضوعات دورتكم هذه تمتاز بالجدية والأصالة كتلك الموضوعات التي بحثت في دورة المجمع الثالثة التي عقدت في عمان، فالأمة الإسلامية جميعها أصبحت تنظر إليكم بعين الأمل والدعاء لأن يسدد الله خطاكم وليعينكم على الخروج بقرارات وتوصيات تلبي طموحات أمتنا الإسلامية وتحقق رجاءها في علمائها وفقهائها الأجلاء، فهي في هذه الأيام أحوج ما تكون إلى كل جهد خير يقدمه الفقهاء والعلماء إليها. فموضوعات أبحاثكم متنوعة وهامة، ووحدة الفكر والرأي والكلمة وجمع الصف لأمتنا الإسلامية هو كل ما نهدف إليه، في هذا الوقت الذي نرى فيه أمتنا مستهدفة في هويتها وتراثها الإسلامي. واللَّه نسأل أن يوفقنا في مسعانا وأن يأخذ بيدنا لما يحبه ويرضاه. حفظكم الله ورعاكم.

стр. 2768

رسالة صحاب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية إلى معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سماحة الأخ العزيز الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فيسرني أن يحمل رسالتي لسماحتكم الأخ الدكتور عبد السلام العبادي، بمناسبة مشاركته في ندوة مجمع الفقه الإسلامي، لينقل إليكم خالص تحياتي وأطيب تمنياتي مقرونة بالدعاء إلى الله العلي القدير، أن يديم عليكم الصحة والعافية، ويكلل جهودكم الخيرة بالتوفيق والنجاح. ولقد اطلعت على المعلومات الخاصة بانعقاد دورة المجمع الرابعة، فسررت كثيراً بمواصلة هذا المجمع العلمي الدولي الإسلامي لمسيرته الخيرة، بغية تحقيق الأهداف والغايات النبيلة التي أنشئ من أجلها، ولا شك بأن قيامكم على أمانته العامة له أكبر الأثر في نجاح قراراته وتوصياته، فرسالة هذا المجمع هي موضع اهتمام ومحط أنظار أمتنا الإسلامية التي ترجو من علمائها وفقهائها الأجلاء مساعدتها على جمع كلمتها في الرأي والفكر والصف، خاصة في هذا الوقت الذي نجد أمتنا مستهدفة من الطامعين في خيراتها وموقعها، والذين يخططون لبقائها في فرقة وعزلة، ويعملون ما أمكن لإضعاف إيمانها وتمسكها في عقيدتها، مستغلين نفوس الحاقدين والضعفاء والمندسين بين صفوفنا. نسأل العلي القدير وندعوه أن يسدد خطانا ويؤيد مسعانا جميعاً لكل ما فيه خير الإسلام والمسلمين آملين أن يوافينا الأخ الدكتور العبادي بعد عودته إن شاء الله بكل ما توصلتم إليه من قرارات وتوصيات، ونحن دائماً على العهد لتسخير ما نملك من أجل خدمة أمتنا الإسلامية وقضاياها. حفظكم الله ورعاكم.

стр. 2769

انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً إعداد معالي الدكتور محمد علي البار عضو الكليات الملكية للأطباء بلندن وجلاسكو وأدنبره مستشار قسم الطب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبية ـ جامعة الملك عبد العزيز بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وآله الطيبين وصحبه الميامين. أما بعد، فإن موضوع غرس الأعضاء موضوع حساس لأنه يتصل بالأحياء والأموات، وقد تقدم الطب في العشرين عاماً الماضية تقدماً كبيراً بحيث فتح آفاقاً جديدة في هذا الميدان وخاصة بعد ظهور مفهوم موت الدماغ، وبعد التقدم الجراحي الواسع، وبعد استحداث عقاقير جديدة فعالة في تثبيط جهاز المناعة الذي يقوم برفض الأعضاء المغروسة. وقد بحث الفقهاء الأجلاء هذا الموضوع بشكل من الأشكال منذ عهود بعيدة، عندما قام الأطباء بتوصيل العظام بعظام الأموات من بني البشر أو بعظام الحيوانات، وكانت هذه العظام الموصولة تفيد كثيراً، وإن كان الجسم يلفظها بعد فترة ويمتصها، وتأتي فائدتها من أنها تعمل كالسقالة التي يتم عليها البناء ثم تزال. وقد توالت الفتاوى في هذا الموضوع منذ ظهور نقل الدم، الذي يعتبر طبياً، جهازاً من أجهزة الجسم يحتوي على خلايا متنوعة. ثم اتسع النطاق مع ظهور عمليات زرع (غرس) الأعضاء المختلفة. وقد قسمنا هذا البحث إلى ثلاثة فصول لا بد منها: الأول: في تاريخ غرس الأعضاء. الثاني: في تعريفات وتصنيف غرس الأعضاء. الثالث: الموقف الفقهي من غرس الأعضاء. وفي نهاية الفصل الأخير ذكرنا الأسئلة التي يثيرها الأطباء العاملون في هذا الحقل. وذلك بعد حضور ندوة خاصة في هذا الموضوع نظمها المركز الطبي لنقل الكلى في الرياض في ٢٨ محرم ١٤٠٨ هـ (٢١/٩/ ١٩٨٧ م) وشارك فيها كاتب هذه السطور بإلقاء محاضرة أساسية عن مفهوم موت الدماغ بين الطب والدين والقانون، كما شارك في المناقشات التي تمت في موضوع غرس الأعضاء ومشاكله وصعوباته.

стр. 2770

تاريخ غرس (زرع) الأعضاء إن موضوع غرس الأعضاء ليس أمراً حديثاً يشهده القرن العشرون، كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، ولكنه أمر قديم عرفته البشرية بشكل من الأشكال البدائية، وفي بعض الأحيان بصورة متقدمة نسبياًَ. وقد عرف الإنسان في العصر البرونزي عملية التربنة Trephine وهي إزالة جزء من عظم القحفة (Cranium) نتيجة إصابة الرأس. وقد وصف جوثري في كتابه الطب (١) جمجمة أجريت لها عملية تربنة ثم أعيدت قطعة العظم المأخوذة بعد فترة وذلك منذ العصر البرونزي (وأوضح صورة تلك الجمجمة) . ويبدو من الحفريات القديمة أن المصريين القدماء عرفوا عمليات زرع الأسنان التي أخذها عنهم اليونان والرومان فيما بعد (٢) وتدل المكتشفات الأثرية على أن سكان الأمريكتين قد مارسوا زرع الأسنان قبل أن يعرفها الأوربيون، وكذلك عرف الأطباء المسلمون زرع الأسنان في القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) (٣) . وقد ورد في كتب السنة ((أن قتادة بن النعمان ﵁، أصيبت عينه يوم بدر ويرد في رواية يوم أحد فندرت حدقته فأخذها في راحته إلى النبي ﷺ ، فأخذها النبي ﷺ وأعادها إلى موضعها، فكانت أحسن عينيه وأحدهما بصراً)) أخرجه البيهقي وابن عدي والطبراني وأبو نعيم وأبو يعلى) (٤) . وهذا من معجزاته ﷺ . وهو أول زرع للعين Replatation (أو إعادة زرع)

стр. 2771

وقد وصف الجراحون الهنود القدماء عمليات بارعة في إصلاح الأنف والأذن المقطوعة أو المتآكلة نتيجة مرض. وقد وصفوا بدقة ترقيع الجلد ونقله من الخد إلى موضع الأنف سنة ٧٠٠ قبل الميلاد (كتاب سرسوتا سانهيتا) (١) . وقد انتشرت هذه الطريقة البارعة في استخدام الرقعة الذاتية من الهنود إلى غيرهم من الأمم، ووصلت إلى اليونان ثم الرومان. ثم نقلها الجراحون الأوربيون وبالذات تاجليكوزي الإيطالي (القرن السادس عشر الميلادي) ولا تزال هذه الطريقة تستخدم مع بعض التعديلات الطفيفة إلى اليوم. وفي عصر النبوة قام عرفجة بن أسعد ﵁ باتخاذ أنف من الفضة بعد أن أصيبت أنفه يوم كلاب، فلما أنتنت أمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب، فلم ينتن، ولا يدخل هذا في زرع الأعضاء بل يدخل في عمليات التجميل. وقد ذكرنا هذا لنوضح أن الجراحين العرب حتى في العهد القديم كانوا على براعة غير متوقعة في إجراء عمليات تجميلية. وتطورت زراعة الأعضاء وخاصة الزرع الذاتي Autograft في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. وفي عام ١٧٧٠ م استطاع Missa أن يقوم بعملية نقل وتر العضلة الباسطة للأصبع الوسطى إلى السبابة، وفي خلال القرن التاسع عشر تمت عمليات نقل الأوتار والعضلات والجلد والأعصاب والغضاريف والقرنيات والغدة الكظرية والدرقية والمبايض وأجزاء من الأمعاء والمثانة وذلك بالنسبة لحيوانات التجارب.

стр. 2772

أما بالنسبة للإنسان فقد تمت بنجاح خلال القرن التاسع عشر عمليات ترقيع الجلد، وخاصة الترقيع الذاتي Autograft كما تم الترقيع المتباين Allograft حتى إن ونستون تشرشل تبرع أثناء الحرب بقطعة من جلده لأحد زملائه وذلك عام ١٨٩٨. وفي القرن العشرين تكثف نشاط الجراحين بالنسبة لزرع القرنية في الفترة ما بين ١٩٢٥و ١٩٤٥ وانتشر كذلك نقل الدم بصورة واسعة. وبدأ زرع الكلى على مستوى الحيوانات عام ١٩٠٢ على يد أولمان Ulman في فيينا وفون دي كاستلو الذي نقل كلية من كلب إلى آخر. وقام جابوليه في فرنسا (ليون) بزرع كلية حيوان لإنسان، وبطبيعة الحال فشلت تلك العملية على الفور. واستطاع كاريل تلميذ جابوليه أن يحسن بشكل باهر عمليات توصيل الأوعية الدموية مما مكنه من إجراء العديد من عمليات نقل الأعضاء من فصيلة واحدة Allograft وبنجاح نسبي. وقام الجراح الأوكراني Yu Vorony عام ١٩٣٣ بأول عملية زرع كلية من إنسان لإنسان، واستمرت الكلية المنقولة في العمل لمدة ست ساعات فقط، وقد قام YO Vornoy بست عمليات مماثلة حتى عام ١٩٤٩، وكلها باءت بالفشل. وبدأ مورتون سيمونسون من الدينمارك في بداية الخمسينات دراسته لأسباب رفض الكلى وغيرها من الأعضاء.. وبدأت الدراسات تتوالى حول جهاز المناعة وأسباب الرفض، وفي عام ١٦٥٣ قام هامبرجر Hamburger في باريس بنقل كلية من أم إلى ابنها واستمرت الكلية في العمل لمدة ٢٢ يوما ثم رفضها الجسم.

стр. 2773

وبدأت الدراسات المكثفة للتغلب على عمليات الرفض التي يقوم بها جهاز المناعة. ومنذ بداية الستينات من القرن العشرين ظهرت عدة محاولات للتغلب على مشكلة الرفض Rejection للأعضاء المزروعة ... وتمثلت الوسائل في الآتي: ١) استخدام الأشعة للجسم بأكمله ... وسرعان ما اندثرت هذه الطريقة لخطورتها. ٢) استخدام العقاقير وبالذات Azathiopurine الذي ظهر عام ١٩٦١ واستخدم في عمليات زرع الكلى عام ١٩٦٢ ... وتبعه بعد ذلك البريدينزلون (من مشتقات الكورتيزون) ... وظل هذا العقار حجر الزاوية في معالجة مشكلة الرفض للأعضاء المزروعة حتى ظهر في ١٩٦٨ عقار سيكلوسبورين الذي فتح آفاقاً أمام زرع الأعضاء وحقق نجاحاً طبياً في مجال مشكلة الرفض. ٣) وبتحسن الوسائل الجراحية، وتحسن الديلزة Dialysis واكتشاف عقار السيكلوسبورين حققت عمليات زراعة الكلى نجاحاً كبيراً ومطرداً في مختلف أنحاء العالم. وفتحت مراكز متعددة لزراعة الكلى في مختلف الأقطار، حتى في البلاد النامية، رغم الكلفة العالية نسبياً لهذه العمليات، وتكلفة علاج مشكلة الرفض بالعقاقير الباهظة الثمن مدى الحياة. ولم تقتصر عمليات زرع الأعضاء بطبيعة الحال على الكلى وإنما شملت كل الأعضاء تقريباً ما عدا الدماغ. ولم تؤخذ الأعضاء من الأحياء والأموات فحسب، بل بدأ عهد جديد في أخذ الأعضاء والأنسجة من الأجنة. ومنذ ظهر مفهوم موت الدماغ وتقبلته الدوائر الطبية أولاً ثم القانونية وذلك في السبعينات وبداية الثمانينات في القرن العشرين تمكن الجراحون من أخذ الأعضاء وهي لا تزال في حالة جيدة بسبب التروية الدموية المستمرة حتى لحظة نزع العضو أو قبيله مباشرة. وقام مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في عمان صفر ١٤٠٧ أكتوبر ١٩٨٦ بإصدار قراره التاريخي بالاعتراف بموت الدماغ واعتباره مساوياً لتوقف القلب والتنفس توقفاً تاماً لا رجعة فيه. وبدأ بذلك عهد جديد له ميزاته وله محاذيره ومخاطره.

стр. 2774

تعريف وتصنيف (زرع) غرس الأعضاء التعريفات: غرس الأعضاء (زرع الأعضاء) : يقصد به نقل عضو سليم أو مجموعة من الأنسجة من متبرع Donner إلى مستقبل Recipient ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف. المتبرع Donner: هو الشخص أو الحيوان الذي تؤخذ منه الأعضاء. ويمكن أن يكون المتبرع إنساناً وهو الغالب، أو حيواناً وهو أمر أصبح نادر الحدوث بسبب عمليات الرفض القديمة. كذلك يمكن أن يكون المتبرع حياً، وذلك بالنسبة للأعضاء المزدوجة أو التي يمكن تعويضها مثل الدم ونخاع (نقي) العظام والجلد، أو ميتاً. وبما أن الأعضاء التي ستغرس ينبغي أن تكون في حالة جيدة وليست تالفة، لا بد أن تبقى هذه الأعضاء وهي تتلقى التروية الدموية عبر الدورة الدموية للشخص الذي مات.. أي لا بد أن يكون هذا الشخص قد مات نتيجة موت دماغه لا قلبه ... ويبقى القلب في هذه الحالات يضخ الدم بمساعدة الأجهزة والعقاقير.. ويشترط أن يبقى ضغط الدم في حدود ١٠٠ مم زئبق للضغط الانقباضي حتى تتم تروية الأعضاء تروية جيدة لحين عملية نقل هذا العضو أو الأعضاء المتبرع بها. المستقبل (المضيف) (Recipient (Hot: هو الجسم الذي يتلقى الغريسة (العضو) ويمكن أن يكون إنساناً أو حيواناً. وبالنسبة للإنسان لا بد من توافر عدة شروط في المستقبل من ناحية السن ونوعية المرض ومدى استفحاله ... إلخ. الغريسة (الرقعة) graft (Transplant) ويقصد به العضو المغروس، وجمعها غرائس. والغريسة إما أن تكون عضواً كاملاً مثل الكلية والكبد والقلب.. إلخ، أو تكون جزءاً من عضو كالقرنية (وهي الجزء الشفاف الخارجي من العين) أو تكون نسيجاً أو خلايا كما هو الحال في نقل الدم ونقي العظام وغرس جزر لانجرهان من البنكرياس.

стр. 2775

وتصنيف الغرائس تصنيفات عدة، وأول هذه التصانيف هي حسب طبيعة ترويتها الدموية، فهناك غرائس ذات تروية دموية مباشرة مثل القلب والكبد والكلية. وهناك غرائس لا تحتاج إلى أوعية دموية ترتبط مباشرة، مثل غرس طبقة من الجلد، وهناك غرائس لا تحتج مطلقاً إلى أوعية دموية مثل القرنية التي تصاب بالتلف إذا تخللتها الأوعية الدموية. وثاني هذه التصانيف هو تصنيف الغريسة حسب علاقتها بالجسم المستقبل وهي كالتالي: ١) غرائس ذاتية Auto Graft: وفي هذه الحالة تؤخذ الغريسة (العضو) من منطقة إلى منطقة أخرى في نفس الجسم. ويحدث هذا كثيراً في نقل الجلد وخاصة في الحروق. حين يقوم الجراح بنقل جزء من جلد المصاب من الجهة السليمة ليغطي الجزء المحروق. كذلك قد يستخدم الجراح غضاريف من الأضلاع التي تستخدم لسد الفجوة في العظام نتيجة استئصال ورم أو كسر كبير متهشم. ٢) غرائس متماثلة Isograft: ومثالها أن ينقل عضو من الأخ لأخيه التوأم المتماثل Identical twin والتوائم نوعان: أ) التوائم المتماثلة: وهي التي نتجت عن بويضة واحدة مخصبة ثم انقسمت إلى خليتين مستقلتين وأنتجت كل واحدة منها جنيناً. وهذه التوائم متماثلة في جميع الخصائص الوراثية. ب) التوائم غير المتماثلة: وهي التي نتجت عن تلقيح بويضتين أو أكثر في وقت واحد. وتم تلقيح كل بويضة بحيوان منوي. ولذا فهي مختلفة من الناحية الوراثية. ولا تتشابه إلا كما يتشابه الإخوة من أب وأم. وقد تكون إحداها ذكراً والآخر أنثى. وتتميز الغرائس المتماثلة بأنها لا تحتاج إلى عقاقير خفض المناعة؛ لأن الجسم لا يرفضها بل يعتبرها جزءاً منه. وهي بطبيعة الحال أفضل أنواع الغرائس، وأطولها عمراً وأكثرها فائدة، وأقلها تعرضاً للتلف، ولا تحتاج إلى استخدام عقاقير خفض المناعة.

стр. 2776

٣) الغرائس المتباينة Allugraft: وهي الغرائس التي تؤخذ من أشخاص مختلفين من جنس واحد ... أي من إنسان لإنسان أو من أرنب لأرنب.. وهكذا. ويدعى هذا النوع أحياناً الغريسة المتجانسة Homorgraft لحدوثة بين فصيلة متجانسة. وهذا النوع من الزرع هو الأكثر انتشاراً وقد يكون المتبرع حياً Living Donner أو ميتاً Cadaver Donner. وكلاهما يسبب رفض الغريسة (العضو المزروع) بواسطة المستقبل Recipient، ولذا لا بد من إعطاء العقاقير الخافضة للمناعة Immu-nosuppressants مدى الحياة، وفي ذلك من الخطورة ما فيه. ٤) الغريسة الغربية أو الدخيلة Xenograft: وهي الغرائس المنقولة بين جنسين أو فصيلتين مختلفتين.. ومثالها غرس عضو من كلب لقط أو من قرد لإنسان ... وقد وقع هذا كثيراً ولا يزال في مجال الحيوانات على سبيل التجارب، واستخدمت عظام الحيوانات للإنسان، وقد ذكر الفقهاء منذ أزمنة قديمة استخدام عضو الحيوان لتوصيل العظام. قال الإمام النووي في منهاج الطالبين (١) : " ولو وصل عظمه بنجس لفقد طاهر فمعذور وإلا وجب نزعه إن لم يخف ضرراً ظاهراً، وقيل: وإن خاف، فإن مات لم ينزع على الصحيح. وعلق الإمام الشربيني في مغني المحتاج (٢) على ذلك بقوله: " وظاهر هذا أنه لا فرق بين الآدمي المحترم وغيره. وهو كذلك ". وقال: " ولو صل عظمه " لانكساره مثلاً واحتياجه إلى الوصل (بنجس لفقد طاهر) الصالح للوصل، أو وجده، وقال أهل الخبرة: إنه لا ينفع ووصله بنجس (فمعذور) في ذلك تصح صلاته معه للضرورة ". وذكر القزويني في عجائب المخلوقات (٣) أن من خواص عظم الخنزير أنه يوصل بعظم الإنسان ويلتئم سريعاً ويستقيم من غير اعوجاج!!

стр. 2777

وبما أن العظام تبقى فترة طويلة بعد أن تموت حتى يمتصها الجسم ويحل محلها عظم جديد ولذا تعمل كسقالة Scaffolding لذا فإن عملية الرفض في العظام غير مهمة كثيراً، وقد قام الأطباء حديثاً بمحاولة زرع قلب قرد في طفلة، وأدى ذلك إلى رفض الجسم بسرعة لهذا القلب. لهذا يتجنب الأطباء عمليات الغرس من الحيوانات للإنسان، على الأقل في الوقت الراهن، ومع هذا فإن استخدام بعض أجزاء من الحيوان للإنسان أمر يستخدم حتى اليوم، ومثاله الأنسولين البقري أو الخنزيري الذي يستخدم لعلاج مرض البدل السكري (الديابيطس) أو استخدام صمامات القلب من البقر والخنازير لإبدال الصمامات التالفة في الإنسان، إذا لم يتمكن الجراح من إصلاح الصمام التالف، أو أخذ صمام من أوردة المصاب ذاته. وفي الوقت الراهن قل استخدام هذه الصمامات البقرية والخنزيرية مع التقدم الجراحي في هذا الميدان، وازدياد مقدرة الجراحين في إصلاح الصمامات المعطوبة.

стр. 2778

موضع الغرس: قد يوضع العضو المغروس (الغريسة) في مكان العضو التالف ويسمى هذا النوع الموضع السوي Ortho topic ومثاله غرس القلب والرئتين والكبد والقرنية. وقد تغرس الأعضاء في غير موضعها المعهود ويسمى ذلك الموضع المختلف Hetero topic ومثاله زرع الكلى التي توضع في الحفرة الحرقفية بدلاً من موضعها في الخاصرة. أنواع الغرس (الزرع) : لقد قام الأطباء بزرع مختلف الأعضاء والأنسجة، وأكثر هذه الأنواع شيوعاً نقل الدم، حيث تنقل ملايين اللترات من الدم سنوياً وينقذ بذلك مئات الآلاف من الأشخاص في كل عام. وفي الولايات المتحدة الأمريكية يتم نقل ١٢ مليون عملية نقل دم سنوياً (١) ونظراً لكثرة استخدام نقل الدم وعدم وجود أي مضاعفات خطيرة من نقله، إذا أعطي ضمن الشروط المعتبرة، فإن هذا الإجراء لا يذكر عادة ضمن موضوع غرس الأعضاء K وإن كان في الأصل داخلاً فيه. ويلي نقل الدم، استخدام الجلد وغرسه. وهو إجراء واسع الانتشار أيضاً وقليل المضاعفات وخاصة إذا كان ذاتياً (أي من نفس الشخص) . وانتشر في الوقت الراهن نقل الكلى (غرس الكلى) . وأنشئت مراكز في معظم بلدان العالم بما في ذلك ثلاثة مراكز في المملكة العربية السعودية التي تم فيها حتى الآن إجراء قرابة خمسمائة عملية نقل كلى تمت بنسبة نجاح كبيرة. كذلك ينتشر منذ زمن نقل القرنية، ومشاكل غرسها محدودة جداً؛ لأن القرنية لا تعتمد على التروية ورفضها محدود جداً. وتوجد مراكز لنقل القرنية في مصر والسعودية وبعض البلاد العربية الأخرى. ولا يزال غرس القلب قاصراً على الدول المتقدمة تقنياً لصعوبته البالغة وكلفته العالية، وإن كان قد تم في الأردن إجراء عمليات زرع قلب كما تم في الرياض بالمملكة العربية السعودية إجراء هذه العملية بنجاح. ويواجه غرس الكبد والرئتين مصاعب كثيرة حتى في البلاد المتقدمة تقنيا. وبدأ يحقق بعض النجاح بعد استخدام عقار السيكلوسبودين لمعالجة مشاكل الرفض ... وأنشئت مراكز عدة في مختلف الأقطار لزرع العظام ولا أظن أن هناك مشاكل عويصة لا يمكن التغلب عليها في هذا المجال، وكذلك أنشئت مراكز لنقل المفاصل، وهي لا تزال في مراحلها الأولى.

стр. 2779

أما نقل البنكرياس، أو بعض خلاياه، فقد حقق في الآونة الأخيرة نجاحاً مطرداً بعد فترة فشل طويلة. وحقق غرس نقي العظام نجاحاً طيباً بعد استخدام عقار السيكلوسبودين. وهناك موضوع غرس الأعضاء التناسلية والغدد التناسلية وما يثيره من مشاكل بالنسبة للمسلمين، وكذلك غرس الأجنة المجمدة وموضوع الرحم الظئر وما يعتورهما من مشاكل أخلاقية وقانونية ودينية. وقد فتح باب جديد مؤخراً، وهو تنمية الأجنة في المختبرات واستخدام أنسجتها للغرس في مختلف الأمراض، وهو باب جديد له مشاكله الأخلاقية والدينية العديدة. ولا يدخل في موضوع غرس الأعضاء إدخال أجزاء من المعادن أو غيرها مثل السيلكون والداكرون والتيفلون، ومثالها صمامات القلب الصناعية، وصمامات الأوعية الدموية، والأوعية الدموية الصناعية ... والمفاصل الصناعية والصفائح والمسامير التي توضح لتجبير العظام المكسورة. وفي العادة لا تدخل أيضاً الصمامات المستخرجة من الخنازير والبقر والتي تستخدم أحياناً لإصلاح صمامات القلب المعطوبة في الإنسان، ولا تذكر عادة ضمن موضوع غرس الأعضاء، وإن كانت في الأصل ضمن هذا الموضوع.

стр. 2780

فترة نقص التروية الدافئة Warm ischaemic Time: ويقصد بها المدة الزمنية التي يستطيع العضو أن يتحملها بعد انقطاع التروية الدموية عنه. ولا يستطيع الدماغ أن يعيش أكثر من أربع دقائق بدون تروية دموية، وربما يبدأ الفساد بعد دقيقتين فقط من توقف التروية الدموية عن الدماغ، ويستطيع القلب البقاء لعدة دقائق، أما الكلى فيمكن أن تصمد بدون تروية دموية لمدة أقصاها ٤٥ دقيقة. ويبقى الجلد لفترة زمنية طويلة نسبياً (١٢ ساعة) وكذلك القرنية. أما العظام والغضاريف فإنها تتحمل انقطاع الدم عنها لمدة يوم أو يومين. فترة نقص التروية الباردة Cold Ischaemic time: ويقصد بها المدة الزمنية التي يمكن أن يبقى فيها العضو بعد استقطاعه من الجسم ووضعه في محلول مثلج في درجة حرارة منخفضة. ويمكن للكلى أن تبقى دون فساد في درجة حرارة ٤ مئوية في محلول مبرد لمدة ٢٤ ساعة على الأكثر، وإذا استخدمت صدمات دفقية محددة بواسطة المحلول المبرد فإنه يمكن الاحتفاظ بالكلى لمدة ٧٢ ساعة دون حدوث نخر أنبوبي حاد Acute Tubular Necvosis ويمكن الاحتفاظ بالقلب في السوائل المبردة بالدفق الخاص لمدة ساعتين فقط. (١) أما الأنسجة والخلايا فيمكن الاحتفاظ بها تحت النتروجين السائل في درجة حرارة منخفضة جداً (٧٦ تحت الصفر) لمدة طويلة، ويمكن الاحتفاظ بالمني والأجنة المجمدة وغيرها من الأنسجة والخلايا لمدة عشر سنوات أو أكثر. وقد حددت القوانين في بعض البلاد الغربية وأستراليا أقصى مدة للاحتفاظ بالمني والأجنة المجمدة بعشر سنوات.

стр. 2781

ويمكن الاحتفاظ بالكبد بعد التبريد بواسطة المحلول المبرد بالدفق المحدد لمدة ٨ ساعات فقط وتبقى البنكرياس في مثل هذه الحالة لمدة ٧٢ ساعة Warm Ischaemic time Cold Ischaemic time بقاء الأعضاء دون تروية في درجة حرارة عادية بقاء الأعضاء بعد تبريدها بواسطة محلول مثلج بالدفق المحدد (أي بعد أخذها من الجثة أو الجسم) العضو دقائق ساعات الدماغ مدة أقصاها ٤ دقائق نهاية الحياة القلب مدة أقصاها بضع دقائق (يبرد موضعياً) ساعتان الكلى مدة أقصاها ٤٥ دقيقة ٧٢ ساعة الكبد ٨ دقائق ٨ ساعات البنكرياس مدة أقصاها ٢٠ دقيقة ١٢ ساعة كل البنكرياس ٧٢ ساعة جزء من البنكرياس الجلد ٢٤ ساعة العظام ٢٤ ساعة القرنية ٢٤ ساعة إذا كان الجلد مبرداً ٤٨ ساعة ـ وبطريقة ماكاري كوفمان ٤ أيام أما الحفظ بالتجميد فيمكث فترة طويلة ولكنه يحتاج إلى مستوى فني عال

стр. 2782

الموقف الفقهي من غرس الأعضاء رغم أن غرس الأعضاء يعتبر من المواضيع المستحدثة والمستجدة في القرن العشرين إلا أن بدايات هذا الموضوع قد تمت منذ عصور قديمة (١) . وأول ذكر لغرس الأعضاء أو إعادة غرس عضو لنفس الشخص الذي فقد ذلك العضو في التاريخ الإسلامي هو ((ما حدث لقتادة بن النعمان ﵁ الذي فقد عينه في معركة أحد (وفي رواية في معركة بدر) ثم أعادها النبي ﷺ فكانت أحسن عينيه وأحدهما بصراً.)) وتحدث الفقهاء منذ أزمنة متطاولة عن وصل العظام بعظم إنسان ميت أو عظم حيوان طاهر أو نجس، ومثال ذلك ما ذكره الإمام النووي في منهاج الطالبين حيث قال: " ولو وصل عظمه بنجس لفقد الطاهر فمعذور وإلا وجب نزعه" (٢) وما ذكره الخطيب الشربيني في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج من أن وصل العظم الذي انكسر بعظم آدمي (محترم أو غير محترم) جائز شرعاً متى قال ذلك أهل الخبرة. وكذلك جواز وصل العظم بعظم حيوان طاهر (مذكى) أو نجس (غير مذكى أو خنزير) متى ما قرر ذلك أهل الخبرة أو أن عظم الآدمي غير متوفر (٣) . وتحدث الفقهاء أيضاً في موضوع الغرس الذاتي منذ أزمنة بعيدة. ويذكر الدكتور محمد فوزي فيض الله أن الإمام النووي قرر في هذه المسألة وجهين: أحدهما لأبي إسحاق وقد استجازه، لأنه إحياء نفس بعضو، فجاز، كما يجوز أن يقطع عضواً إذا وقعت فيه الأكلة وذلك إحياء لنفسه، والآخر لا يجوز، لأنه إذا قطع عضواً منه كانت المخافة عليه أكثر" (٤)

стр. 2783

ومنذ ظهور مسألة نقل الدم كتب العديد من الفقهاء المحدثين فتاواهم في إباحته، نذكر منهم فضيلة الشيخ حسن مأمون (مفتي مصر) فتوى رقم ١٠٦٥، وفتوى الدكتور أحمد فهمي أبو سنة (بحث مقدم للمجمع الفقهي رابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة ١٤٠٥ وسبق نشره في مجلة التضامن) كما ظهر كتاب بعنوان نقل الدم وأحكامه الشرعية للشيخ محمد صافي (سورية حمص ـ مؤسسة الزعبي ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٣) وقد أباحت هذه الفتاوى وغيرها كثير، إجراء نقل الدم واعتبرته من أعمال البر والخير، وذلك لما فيه من إنقاذ حياة أشخاص كثيرين. وكذلك ظهرت كتابات وفتاوى متعددة في موضوع نقل الأعضاء وكلها قد أباحته، وكان لبعض هؤلاء بعض الشروط التي سنذكرها في حينها. ونذكر من هذه الفتاوى ما يلي كأمثلة فحسب: ١) فتوى فضيلة الشيخ محمد خاطر (في ٣ ذي الحجة ١٣٩٢/ ٣ فبراير ١٩٧٣) بإباحة سلخ جلد الميت لعلاج حروق الأحياء بفتوى رقم ١٠٦٩ واشترط في الإباحة الاقتصار على الموتى الذين لا أهل لهم، أو الموتى الذين أوصوا بذلك في حياتهم، أو الموتى الذين أذن أهلهم بذلك. ٢) فتوى فضيلة الشيخ حسن مأمون (٦ شوال ١٣٧٨ هـ/ ٤ إبريل ١٩٥٩ م) برقم ١٠٨٧ في إباحة نقل عيون الموتى إلى الأحياء، وأن ذلك جائز بإذن الموتى الذين لهم أهل أو الميت الذي أوصى بذلك، أو الميت الذي لا أهل له (بدون إذن) . ٣) فتوى الشيخ أحمد هريدي (٢٣ أكتوبر ١٩٦٦) برقم ٩٩٣ بجواز سلخ قرنية العين من ميت وتركيبها لحي، وذلك من الميت الذي لا أهل له، أو الميت الذي أذن أهله بذلك، أو الميت الذي أوصى بذلك قبل وفاته.

стр. 2784

٤) فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق في ١٥ محرم ١٤٠٠/ ٥ ديسمبر ١٩٧٩ برقم ١٣٢٣ بإباحة نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر، وقد أباح نقل الأعضاء بشروط تشبه الشروط السابقة المذكورة أعلاه (الميت الذي لا أهل له. أو الذي أذن أهله بذلك) وأما المتبرع الحي فتبرعه مقيد بأن لا يتبرع بعضو ينتج عنه هلاكه. ٥) بحث الدكتور أحمد فهمي أبو سنة المقدم إلى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (الدورة الثامنة ١٤٠٥ هـ) بعنوان حكم العلاج بنقل دم الإنسان أو نقل أعضائه أو أجزاء منها. ٦) فتاوى مقدمة لقسم الطب الإسلامي مركز الملك فهد للبحوث الطبية ـ جامعة الملك عبد العزيز بجدة ـ والأبحاث مقدمة من الشيخ السيد أحمد الشاطري والسيد عمر حامد الجيلاني والدكتور محمد عبد الجواد محمد. وجميعها أباحت نقل الأعضاء واعتبرته عملاً نبيلاً لإنقاذ حياة الكثيرين. ٧) بحث فضيلة الشيخ عبد الله البسام حول زرع الأعضاء والمقدم إلى المجمع الفقهي، رابطة العالم الإسلامي (الدورة الثامنة ١٤٠٥ هـ) وقد أباح الزرع بشروط عدم الإضرار بالمتبرع ضرراً بالغاً ولا يجوز التضحية بحياة المتبرع من أجل شخص آخر. ٨) بحث فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا قباني حول زرع الأعضاء والمقدم إلى المجمع الفقهي، رابطة العالم الإسلامي في الدورة الثامنة ١٤٠٥ هـ، وقد أباح أيضاً الزرع بشروط أهمها عدم حصول الضرر على المتبرع. ٩) الفتوى الصادرة u ن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت برقم ١٣٢/ ٧٩ (بتاريخ ٥ صفر ١٤٠٠ هـ ٢٤/١٢/ ١٩٧٩ م) . وقد أجازت اللجنة نقل الأعضاء سواء من الميت أو من الحي، على أنه إذا كان المنقول ميتاً جاز النقل سواء أوصى أم لم يوص. إذ إن الضرورة في إنقاذ الحي تبيح المحظور ويقدم الموصي له في ذلك عن غيره، كما يقدم الآخذ من جثة من أوصى أو سمحت أسرته بذلك عن غيره. أما إذا كان المنقول منه حياً، فإذا كان الجزء المنقول يفضي إلى موته كالقلب والرئتين أو فيه تعطيل له عن واجب كاليدين والرجلين معاً، فإن النقل يكون حراماً مطلقاً سواء أذن أم لم يأذن، أما نقل إحدى الكليتين أو العينين أو إحدى الأسنان أو بعض الدم فهو جائز بشروط الحصول على إذن المنقول منه.

стр. 2785

١٠) فتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بقرار رقم ٩٩ في ٦/١١/ ١٤٠٢ هـ والقاضي بإباحة نقل الأعضاء من المتبرع الحي أو من الميت. ١١) بحث الدكتور أحمد شرف الدين بعنوان الأحكام الشرعية للأعمال الطبية تناول فيه موضوع زرع الأعضاء وموت الدماغ ببحث مطول (إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م) . ١٢) قامت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع وزارة الصحة بالكويت بتنظيم ندوة تحت عنوان " الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي " في الفترة ما بين ٢٤ ـ ٢٦ ربيع الآخر ١٤٠٥ هـ (١٥ ـ ١٧ يناير ١٩٨٥ م) شارك فيها نخبة من الفقهاء والأطباء ودرست موضوع الدماغ ووافقت على اعتبار موت الدماغ موتاً للإنسان وارتأت زيادة بحث الموضوع في فترة لاحقة. ١٣) قام مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بدراسة مفصلة لموضوع موت الدماغ استغرقت دورتين إحداهما في جدة (١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م) والثانية في عمان (صفر ١٤٠٧ هـ، أكتوبر ١٩٨٦ م) . وصدر في نهايتها القرار التاريخي باعتبار موت الدماغ موتاً للإنسان، وقد نص القرار على الآتي: " يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عند ذلك، إذا تبينت إحدى العلامتين التاليتين: أ) إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. ب) إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطيل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل. وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة.

стр. 2786

وستتضح الأهمية البالغة لهذا القرار في موضوع غرس الأعضاء عند مناقشة نقل الأعضاء من الموتى. ١٤) قام مجمع الفقه الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي بدراسة موضوع موت الدماغ في الدورة الثامنة (١٤٠٥ هـ) والدورة التاسعة (١٤٠٦ هـ) ولكنه لم يصدر قراراً بهذا الشأن. ١٥) قدم محمد زين العابدين طاهر المدرس بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الأزهرية فرع أسيوط أطروحته لنيل درجة الدكتوراه بعنوان " نطاق الحماية الجنائية لعمليات زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي " درس فيها موضوع زرع الأعضاء بتفصيل وما يتبع ذلك من أحكام فقهية.. وإعادة الأعضاء المقطوعة حداً (كالسرقة) وهل يجوز إعادة وصلها إلى جسم الإنسان وانتهى إلى عدم الجواز. وقد أوضح الباحث جواز نقل الأعضاء من الأحياء المتبرعين بأعضائهم بشرط أن لا يسبب ذلك خطراً على حياتهم. وجواز نقل الأعضاء من الموتى، وقد جاءت الأطروحة في ٨٥٠ صفحة وأشرف عليها الأستاذ الدكتور يوسف محمد عبد المقصود والأستاذ حسنين صالح عبيد، ونال بها الباحث درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف. ١٦) قدم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بحثا قيماً بعنوان " انتفاع الإنسان بأعضاء إنسان آخر حياً أو ميتاً" إلى مجمع الفقه الإسلامي بجدة ليعرض في دورته الرابعة (١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٧ م) وأجاز نقل الأعضاء من الحي بشرط أن لا يضر ذلك بالمتبرع كما أجاز نقل الأعضاء من الموتى بإذن الورثة، ومن المحكوم عليهم بالإعدام وغير المحترم ومن لا ولي له. وتحدث عن موت الدماغ باعتباره نذيراً للموت ولم يعتبره موتاً. ولذا لا يجوز أخذ الأعضاء الحيوية قبل توقف القلب توقفاً تاماً. ١٧) قدم الدكتور محمد فوزي فيض الله بحثاً بعنوان (التصرف في أعضاء الإنسان " إلى ندوة وزارة الصحة الكويتية " الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية " ونشرتها مجلة الوعي الإسلامي في عددها رقم ٢٧٦ ذو الحجة ١٤٠٧/ أغسطس ١٩٨٧.

стр. 2787

وقد أجاز التبرع بالأعضاء من الحي بشرط عدم الإضرار بالمتبرع كما أجاز الاقتطاع من الميت بعد تحقق الوفاة (ولم يتحدث عن موت الدماغ) ومنع الاقتطاع لمجرد قرب الوفاة كالمحكوم عليه نهائياً بالإعدام، ولا يجوز شراء أعضاء إنسان آخر غير أنه إذا اضطر المريض ولم يجد من يتبرع له بذلك العضو جاز له شراؤه والإثم في ذلك على البائع. هذه مجموعة من الأبحاث التي تحت يدي ولا شك أن غيرها كثير في هذا الباب وتتلخص المشكلة فيما أحسب في الآتي: ١) الغرس (الزرع) من المتبرع الحي: أجمع الفقهاء الذين كتبوا في هذا الموضوع على جواز التبرع بالأعضاء بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى ضرر بالغ بالمتبرع، واعتبروا ذلك من الإيثار الذي حث عليه الإسلام. وقد جاء في فتوى لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية رقم ٣٢/ ٧٩ بتاريخ ٥ صفر ١٤٠٠/ ٢٤/١٢/ ١٩٧٩ جواز نقل الأعضاء من المتبرع الحي بشرط أن لا يفضي العضو المنقول إلى موت المتبرع كالقلب والرئتين مثلاً، أو فيه تعطيل له عن واجب كاليدين أو الرجلين معاً. أما نقل إحدى الكليتين أو العينين أو إحدى الأسنان أو بعض الدم فهو جائز بشرط الحصول على إذن المنقول منه. ويعتبر نقل الدم من الأمور التي تحدث يومياً. ولا ضرر فيها على المتبرع ما لم يكن يعاني من فقر دم بل فيه فائدة له ... وقد يحدث الضرر للمتلقي للدم، ولذا لا بد من توفر شروط عدة في الدم المنقول منها خلوه من الأمراض المعدية كالملاريا والزهري وفيروس الإيدز وفيروس التهاب الكبد من نوع B خاصة. ومنها مطابقة فصيلة الدم المنقول له.

стр. 2788

ويتحاشى الأطباء نقل عين أو يد أو رجل من شخص حي لأن في ذلك ضرراً بالغاً وهو أمر غير مقبول لديهم وإن أفتى به بعض الفقهاء. كما أنهم لا يقبلون المتبرعين بالكلى إلا إذا كانوا أقارب للمريض، رغم وجود عدد من المتبرعين الذين يلحون على الأطباء في قبول تبرعهم. ويتحاشى الأطباء أخذ الكلى من المتبرعين غير أقارب المريض للأسباب التالية: ١) احتمال وجود عملية بيع وشراء في الخفاء بين المتبرع والمريض. ٢) احتمال ندم المتبرع وخاصة إذا أصيبت كليته الباقية بمرض ما، وما يسببه من متاعب له ... وربما ذهب إلى الملتقي (المستقبل) للغريسة ونغص عليه حياته. ٣) هناك مجموعة من المساجين الذين أعلنوا استعدادهم للتبرع بكلاهم ... أملا في العفو عنهم وهناك احتمال مضايقة المتلقي وابتزازه مالياً فيما بعد. ٤) أن الكلى والأعضاء من الموتى يمكن أن تقوم مقام المتبرعين الأحياء. ولا ضرر في ذلك على أحد، بينما أخذ الأعضاء من الأحياء محفوف بالمخاطر وإن كانت نادرة الوقوع ... ويعتبر التبرع من غير الأقارب من الأحياء مماثلاً للأخذ من الأموات. وقد أجمع الفقهاء على عدم جواز بيع الأعضاء من الحر ... ولكنهم لم يذكروا جواز أخذها من المملوك، وهذه نقطة تحتاج إلى إيضاح. وعلى أية حال فإن عصر المماليك قد انتهى.

стр. 2789

ويعتبر الغرس من المتبرع الحي القريب للمريض ذا ميزات هي: ١) وجود تطابق في الأنسجة أكثر بكثير من غير الأقارب. ولذا تقل عمليات الرفض ... وهي بذلك أفضل من الزرع (الغرس) من المتبرع الحي البعيد أو من الأموات ... وأفضلها دون شك هو الزرع من التوائم المتماثلة حيث تتطابق الأنسجة تماماً ولا يحدث أي رفض مطلقاً. ٢) وجود الترابط بين الأقارب. والاطمئنان إلى عدم وجود عملية بيع وشراء، ٣) ندرة المشاكل التي تقوم بين المتبرع والمتلقي. ٤) وجود وقت كاف لإجراء فحص تطابق الأنسجة بين المتبرع والمتلقي (المستقبل) . وتوضح اللوائح أو القوانين أن المتبرع ينبغي أن يكون عاقلاً بالغاً ١٨ عاماً فما فوقها مدركاً تماماً لما يمكن أن يحدث من مخاطر ولو كانت على سبيل الاحتمال، وينبغي أن يكون متزناً نفسياً. وليس من حق الوالد أن يتبرع عن ولده القاصر ولا من حق الولي أن يتبرع عن وليه المجنون. وهذه نقطة للبحث بالنسبة للفقهاء الأجلاء، حيث لم أجد في الفتاوى الموجودة بين يدي من أولاها عنايته.

стр. 2790

الزرع من الموتى Cadaver Donner: يعتبر الزرع للأعضاء من الميت هو الإجراء الأكثر شيوعاً الآن. وذلك للأسباب التالية: ١) حدوث مفهوم موت الدماغ وانتشار استخدامه في معظم مناطق العالم: لقد ظهر لدى الأطباء مفهوم موت الدماغ وأول من نبه إليه المدرسة الفرنسية عام ١٩٥٩ ولكن هذا الموضوع لم يلق الاهتمام الجدير به إلا بعد أن انتشر استخدام الآلات الحديثة للإنعاش (جهاز المنفسة) وقامت مجموعة هارفارد بوضع شروط ومواصفات موت الدماغ عام ١٩٦٨ ثم تبعتها مجموعة مينسوتا عام ١٩٧١. ثم الكليات الملكية للأطباء في بريطانيا التي وضعت المواصفات عام ١٩٧٦. وأخذ الأطباء في مختلف أصقاع العالم يدرسون هذه المواصفات ويطبقونها بعد أن اتفقوا عليها ... وأخذت القوانين تعترف تباعاً بمفهوم موت الدماغ وأنه مساو لموت القلب. وقد أعلن مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في عمان في دورته الثالثة صفر ١٤٠٧/ أكتوبر ١٩٨٦ قبوله لمفهوم موت الدماغ وأنه مساو لموت القلب. وتأتي أهمية هذا المفهوم بالنسبة لنقل الأعضاء وغرسها أنه يتيح نقل الأعضاء وهي لا تزال حية تستطيع العمل ... إذ إن هذه الأعضاء تفسد وتموت وتصبح غير صالحة للنقل إذا توقفت عنها التروية الدموية لفترة تختلف من عضو لآخر. وتسمى هذه الفترة، فترة نقص التروية الدافئة Warm Ischaemic time ولا يستطيع الدماغ أن يعيش أكثر من أربع دقائق بدون تروية دموية، وفي معظم الحالات يبدأ الفساد بعد دقيقتين، أما القلب فيمكن أن يبقى لبضع دقائق، بينما يمكن للكلى أن تبقى لمدة أقصاها ٤٥ ـ ٥٠ دقيقة قبل أن تصبح ميتة ولا تصلح للزرع، ويمكن للجلد أن يبقى لبضع ساعات، أما القرنية فيمكن أن تبقى لـ ١٢ ساعة ... وتستطيع العظام والغضاريف أن تتحمل نقص التروية أو توقفها التام لمدة يوم أو يومين.

стр. 2791

وفي تعريف موت الدماغ لا بد من موت الدماغ بما في ذلك جذع الدماغ الذي به مراكز التحكم في التنفس والدورة الدموية.. ويمكن أن يستمر القلب في الضخ والرئتان في التنفس بعد إعلان موت الدماغ. وفي الغالب، يتوقف القلب تماماً عن العمل مهما أعطي من منشطات واستخدمت من الآلات بعد موت الدماغ بساعات أو أيام قلائل، ولكن هناك حالة موثقة استمرت ٦٨ يوماً بعد إعلان موت الدماغ. (١) (مجلة نيوإنجلند الطبية في ٧ يناير ١٩٨٢) . لهذا فإن الفقهاء الذين أباحوا نقل الأعضاء من الموتى بشرط توقف القلب تماماً عن العمل، يلعنون في الواقع العملي هذه الإباحة. إذ لا فائدة من نقل عضو فسد وتحلل. وهذه المشكلة تعتبر محلولة بالنسبة للفقهاء الذين قبلوا موت الدماغ باعتباره مساوياً لموت القلب. أما الفقهاء الذين لم يقبلوا بعد هذا المفهوم، فإنهم في الواقع لا يقبلون نقل الأعضاء. ٢) كثرة حوادث المرور في العالم: لقد ازدادت حوادث المرور في العالم أجمع ... ويرجع ذلك إلى زيادة في تناول الخمور والمخدرات وإلى تهور كثير من السائقين. وترجع منظمة الصحة العالمية WHO، نصف حوادث المرور في العالم أجمع إلى شرب الخمر. وفي فرنسا ترجع السلطات ٧٠ % من حوادث المرور لشرب الخمور. ويوضح الجدول التالي ضحايا حوادث المرور يلاقون حتفهم سنوياً في بعض البلدان: الولايات المتحدة ٦٠.٠٠٠ فرنسا ١١.٠٠٠ بريطانيا ١٠.٠٠٠ المملكة العربية السعودية ٣.٥٠٠ وفي الغالب فإن أكثر ضحايا حوادث المرور ممن هم في مقتبل العمر ولا يعانون من أي أمراض مزمنة وتكون وفاة عدد كبير منهم نتيجة موت الدماغ، وبالتالي فإنهم من أكثر المجموعات الصالحة لنقل الأعضاء.

стр. 2792

٣) النوبات الدماغية وأورام الدماغ: تحدث النوبات الدماغية ونزف الدماغ نتيجة انفجار أحد شرايين الدماغ، كما تحدث أورام دماغية، وفي هذه الحالات قد يموت الدماغ قبل موت القلب ... وفي كثير منها تصلح هذه الحالات لنقل الأعضاء. ٤) الغرس من الموتى ليست له أي مخاطر من الناحية الطبية: لا توجد أية محاذير بالنسبة للمتبرع الميت على عكس المتبرع الحي الذي قد يواجه بعض الأخطار المستقبلية عند التبرع بالكلية مثلاً. ونتيجة التقدم الطبي في استخدام عقاقير خفض المناعة فإن استخدام أعضاء الموتى الذين تبقى أعضاؤهم سليمة بواسطة التروية بأجهزة الإنعاش، يعتبر أمراً لا ضرر منه حتى على المستقبل (المتلقي) . وقد أمكن التوصل إلى درجة نجاح تبلغ ٨٥ بالمائة بالنسبة لزرع (غرس) الكلى في السنة الأولى ثم تفشل بعد ذلك خمس حالات من كل مائة سنوياً. وارتفعت كذلك نسبة نجاح عمليات زرع القلب والبنكرياس والكبد. وقد وصلت نسبة نجاح عملية زرع البنكرياس ٦٥ بالمائة في السنة الأولى بينما لم تكن تجاوز ٣٠ بالمائة قبل بضع سنوات. ٥) الزرع من الميت يوفر أعضاء عديدة لجملة من المرضى في وقت واحد: يمكن أخذ العديد من الأعضاء من متبرع واحد وخاصة في المراكز المتقدمة حيث يمكن أخذ القرنيتين والقلب والكبد والبنكرياس والكلى والجلد والعظام إلخ ... ومعظم المراكز المنتشرة حالياً لا تستطيع أخذ هذه الأعضاء.. وفي المملكة العربية السعودية يتم أخذ الكلى فقط. وليس هناك بطبيعة الحال أي تمثيل بالجثة في هذه الحالة. ٦) الزرع من الميت يوفر أعضاء يستحيل توفيرها من المتبرع الحي: وهي الأعضاء الأساسية مثل القلب والرئتين والكبد والبنكرياس.

стр. 2793

الشروط المفروض توافرها لنقل الأعضاء من الموتى: ١) أن تكون هناك وصية من الشخص قبل وفاته يعلن فيها تبرعه. وتصدر مراكز الكلى بطاقات خاصة يعلن فيها الشخص تبرعه بكليته حال الوفاة.. وبطبيعة الحال لا تؤخذ الكلى إلا من الذين يتوفون نتيجة ما يسمى موت الدماغ، وبحيث تبقى أعضاؤهم صالحة للاستعمال بواسطة أجهزة الإنعاش. ٢) في حالة عدم وجود وصية تشترط معظم البلدان موافقة الورثة على أخذ الأعضاء من ميتهم. وقد ذكرت ذلك معظم الفتاوى الصادرة من دار الإفتاء المصرية وفتوى لجنة الإفتاء في وزارة الأوقاف الكويتية وفتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية. وقد أفتى كثير من هؤلاء المفتين بجواز أخذ الأعضاء ممن لا أهل لهم، ويعتبر ولي الأمر في هذه الحالة وليه ... كما أصدرت لجنة الفتوى في الكويت رأيها بالسماح بأخذ الأعضاء عند الحاجة من الموتى حتى مع عدم موافقة ذويهم. وهو أمر لم تقره وزارة الصحة الكويتية والبرلمان الكويتي. وهناك سؤال يطرحه الأطباء هو: مَن مِن الورثة له حق السماح بأخذ الأعضاء من ميتهم؟ وهل يشترط موافقة جميع الأسرة أو الورثة أو يكفي في ذلك واحدة منهم؟ وهذا السؤال لم أجد له جواباً. وهو سؤال مطروح من الأطباء الذين يعملون في هذا الحقل حيث لا توجد أمور واضحة بهذا الخصوص في الوقت الراهن. ٣) في بعض البلاد مثل فرنسا وبعض دول أوربا يحق لولي الأمر أن يأمر باستقطاع الأعضاء من شخص توفي نتيجة موت الدماغ، بشرط أن لا يكون هذا الشخص قد أوصى في حياته بعدم أخذ أعضائه عند وفاته ... ولا يعتبر في هذه الحالة رضا الورثة ضرورياً. ٤) أن لا يكون المتوفى قد جاوز ٥٥ـ ٦٠ عاماً بالنسبة لزرع الكلى وأن لا يكون تجاوز خمسين عاماً بالنسبة لزرع القلب. ٥) أن لا يكون المتوفى مصاباً بضغط الدم وضيق الشرايين.

стр. 2794

٦) أن لا يكون مصاباً بالأمراض المعدية مثل السل (الدرن) ، التهاب الكبد الفيروسي من فصيلة B، الإيدز (مرض نقصان المناعة المكتسب) الزهري ... إلخ. ٧) أن لا يكون هناك ورم خبيثي في الجسم ما عدا ورم الدماغ أو أورام الجلد غير المنتشرة. ٨) أن لا يكون مصاباً بالبول السكري بدرجة شديدة تؤثر على أعضائه. ٩) أن لا يكون هناك إنتان في الجسم Seps. S أو في الدم Septicaemic. ١٠) أن يكون العضو المراد استقطاعه صالحاً. ففي حالة استقطاع الكلية مثلاً لا بد أن يتم تشخيص موت الدماغ أولاً من قبل فريق لا علاقة له بفريق زرع الأعضاء..وينبغي أن يبقى الميت تحت أجهزة الإنعاش لحين استقطاع الأعضاء ... وينبغي أن تكون الكلى تعمل بحيث تفرز البول بنسبة لا تقل عن ٦٠٠ ملليلتر يومياً وأن تفرز الكلى البول بمقدار ٢٠٠ ملليتر في الساعة الأخيرة قبل الاستقطاع. ويعطى الميت عقاقير تزيد إفراز البول مثل اللاسكي (فروسامايد Frusamide) مع المحاليل وأدوية رفع الضغوط بحيث لا يقل الضغط الانقباضي عن ٩٠ مم زئبق.. ولا بد أن يكون العضو المراد استقطاعه خالياً من الأمراض. ١١) أن تكون فصيلة الدم مطابقة للشخص الذي سينقل إليه العضو. ويجري فحص المقارنة المتصالب Cross matching لخلايا الدم الحمراء مع مصل الدم، وأن لا يكون هناك تعارض وتضاد بين دم المريض المتلقي (المستقبل) ودم الميت (المتبرع) . ١٢) لا يعد إجراء فحص مطابقة الأنسجة Tissue cross matching ضرورياً وإن كان مستحباً. وفي الغالب يكون من المتعذر إجراء هذا الفحص بالنسبة للجثث؛ لأن الفحص يتطلب وقتاً طويلاً نسبياً، بينما قد لا يبقى القلب ينبض بعد موت الدماغ إلا سويعات معدودة، وبما أنه من الضروري جداً الإسراع في أخذ الأعضاء قبل توقف سويعات معدودة، وبما أنه من الضروري جداً الإسراع في أخذ الأعضاء قبل توقف التروية الدموية فإن إجراء هذا الفحص لمطابقة الأنسجة يكون متعذراً في معظم الأحوال.

стр. 2795

ويجرى نقل الأعضاء من الموتى في بعض المراكز دون إجراء فحص مطابقة الأنسجة، وخاصة بعد التقدم في مجال العقاقير الخافضة للمناعة Immuno suppressants وبالذات بعد استعمال عقار السيكلوسبودين. الأسئلة المطروحة على الفقهاء الأجلاء: ١) بالنسبة للمتبرع الحي لا بد من تحديد مواصفات المتبرع الحي ... والأعضاء التي يجوز له التبرع بها. ٢) بالنسبة للموتى الذين لم يكتبوا وصية بالسماح باستقطاع أعضاء منهم: أ) هل يكفي أمر ولي الأمر في ذلك؟ ب) في حال موافقة الورثة. مَن مِن الورثة له حق الموافقة؟ وهل لا بد من موافقتهم جميعاً؟ أو الاكتفاء بالأقرب، الأب أو الابن مثلاً؟ ج) الموتى مجهولو الهوية والذين لا أهل لهم هل يجوز أخذ أعضائهم دون إذن؟ ٣) بالنسبة للأعضاء التي تستقطع وتزرع: هل يجوز استقطاع الأعضاء التناسلية؟ بالنسبة للمرأة التي تلفت مبايضها مثلاً هل يجوز لها أن تتبرع برحمها الذي لا فائدة منه، وتعطية لامرأة أخرى مبايضها سليمة ورحمها تالف؟ وهل يجوز استقطاع الأعضاء التناسلية (القضيب) مثلاً من الميت وزرعه في المجبوب؟ وهل يجوز نقل الخصيتين أو المبيضين أو إحداهما من الميت أو من الحي وزرعه في شخص آخر؟ وهي مشكلة خاصة حيث إن الحيوانات المنوية والبويضات ستعود إلى المتبرع لا للمتلقي. وهل يجوز استخدام الأجنة التي تستنبت وتؤخذ منها الأنسجة؟ وهناك أجنة فائضة من مشاريع أطفال الأنابيب يمكن أن تستنبت في المختبر إلى فترة معينة من العمر، وقد سمحت لجنة وارنك في بريطانيا التي عينها البرلمان البريطاني باستخدام الأجنة واستنباتها إلى اليوم الرابع عشر منذ التلقيح، باعتباره بداية لتكوين الجهاز العصبي. وهل يجوز نقل الأجنة الفائضة المجمدة إلى من يعانون العقم؟ وهناك فتاوى من المجامع الفقهية الموقرة تمنع دخول طرف ثالث في الإنجاب والمقصود بالطرف الثالث بويضة من متبرعة، حيوان منوي من متبرع، لقيحة، (جنين) جاهزة من متبرعين، استخدام الرحم الظئر (الأم المستعارة) ... إلخ. وهناك مجال جديد في زرع الأعضاء له مخاطره المستقبلية، فقد بدأ بالفعل زرع خلايا من الجهاز العصبي من الأجنة وزرعها لمعالجة بعض أمراض الجهاز العصبي.. كما تم بالفعل أخذ خلايا الغدة الكظرية (فوق الكلية) وزرعت في الدماغ لمعالجة مرض الشلل الرعاش (مرض باركنسون) . وإذا تطور هذا المجال فيمكن غرس خلايا عصبية في الجهاز العصبي والدماغ. وذلك قد يؤثر على شخصية المتلقي.. إذ إن التفكير والعاطفة والإرادة ... إلخ، مركزها في الدماغ. أو هكذا يبدو للعلم التجريبي في الوقت الراهن على الأقل. فهل تتأثر شخصية المتلقي بهذا الغرس؟ ٤) إعادة الغرس: بالنسبة للمحكوم عليهم بقطع اليد في السرقة أو القصاص، هل يجوز إعادة غرس (زرع) الجزء المستقطع؟ أفتى بعض الفقهاء بعدم جواز ذلك؟ لأن العبرة من إقامة الحد لم تتم في هذه الحالة، ومال بعضهم إلى أن الحكم قد نفذ ولا مانع من إعادة الجزء المستقطع. هذه بعض الأسئلة المطروحة على الفقهاء الأجلاء التي يرغب الأطباء في معرفة جوابها.

стр. 2796

انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً غرس الأعضاء في جسم الإنسان مشاكله الاجتماعية وقضاياه الفقهية إعداد معالي الدكتور محمد أيمن صافي أستاذ مساعد بقسم الجراثيم والمناعة كلية الطب/ جامعة الملك عبد العزيز مقدمة عن التداوي وصون النفس وقواعدها الفقهية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله خالق كل شيء، خالق الداء، وخالق الدواء، وجاعل لكل داء دواء، والذي أمرنا بالتداوي على لسان نبيه ﷺ القائل ((عباد الله، تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد هو الهرم)) . (أخرجه الشيخان) والقائل أيضاً ((إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام)) . [أخرجه أبو داوود) والقائل أيضا ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء)) . [أخرجه البخاري] فالإنسان مخلوق كرمه الله على سائر المخلوقات وشرفه بحمل الأمانة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] . وجدير بهذا الإنسان الذي حمل الأمانة التي رفضتها سائر المخلوقات أن يكون مؤتمناً على جسده وبدنه، فالجسد ملك لله خالق هذا الجسد، والإنسان لا يملك من هذا الجسد إلا الأمانة عليه، فهو أمين على جسده ومأمور بأن يحسن التصرف بهذه الأمانة ليحقق ما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فأمره الله أن يتداوى وألا يتداوى إلا بحلال طيب؛ لأنه لا شفاء بحرام إذ يقول ﵊ ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) أخرجه البخاري. وذلك لأن الحرام هو الخبيث الضار والحلال هو الطيب النافع إذ يقول الله ﷻ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الأعراف ١٥٧ وقد ميز الله الخبيث من الطيب إذ قال ﷻ ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ آل عمران: ١٧٩.

стр. 2797

وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الدواء بالخبيث)) رواه أبو داود. تلك هي حدود الله تؤمن للإنسان الصلاح والإصلاح وتبعد عنه الشر والفساد، فإن تجاوز الإنسان للحدود وتصرف في جسده بما يتعارض مع إصلاحه وصلاحه كان خائناً للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وكان تصرفه محرماً وباطلاً. ويتم اختيار الطيب دون الخبيث والصالح دون الفاسد والنافع دون الضار حسب القواعد الفقهية المتفق عليها: ١) وجوب صون النفس. ودرء المفاسد مقدم على طلب المنافع. ٢) الضرورات تبيح المحظورات. ٣) الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. ٤) يتم اختيار أهون الشرين. ٥) يتحمل الضرر الخاص بدفع ضرر عام. ٦) إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما. ٧) ما حرم أخذه حرم عطاؤه، وما حرم فعله حرم طلبه. فمثلاً أجاز جمهور الفقهاء شق بطن الأم التي هي في حال الاحتضار لاستخراج جنين حي أو ترجى حياته، كما أجازوا شق بطن الآدمي بعد وفاته لاستخراج ما ابتلعه أثناء حياته من أشياء ثمينة كالذهب والحلي والجواهر. ففي الحالة الأولى يتضح أن ضرر شق بطن الأم أقل من ضرر موت الجنين ولذلك روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما وهو شق بطن الأم، وشق بطن الأم هو أهون الشرين، وفيه أيضاً إزالة للضرر الأشد بارتكاب الضرر الأخف، أما في الحالة الثانية فضرورة إخراج الأشياء الثمينة والتي قد تكون ملك الغير أباحت المحظور وهو شق بطن الآدمي، وكذلك يلجأ إلى شق بطن الآدمي عندما يكون ضرر بقاء الأشياء الثمينة في جوفه أشد من ضرر فتح بطنه فيتم اختيار أهون الشرين ويراعى الضرر الأعظم بارتكاب الضرر الأخف ألا وهو شق البطن.

стр. 2798

نعم إن الدين الإسلامي كرم الإنسان حياً وميتاً، فحرم العبث بجثث الموتى والتمثيل بها، إلا أن الشريعة أجازت تشريح جثث الموتى عندما يكون تشريح الجثة وسيلة ضرورية للتعليم وإتقان مهنة الطب لتأهيل أطباء أكفاء يفيدون المجتمع الإسلامي، بل يجوز تشريح الجثث في الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة في الأمور الجنائية. فالإسلام كرم الإنسان حياً وميتاً فحرم التمثيل بالجثث، إلا أن تشريح الجثث من أجل العلم والطب الشرعي يخدم غرضاً نبيلاً، بعكس التمثيل بالجثة والذي يهدف إلى قطع أعضاء وأجزاء الإنسان لتشويه الجثة وللانتقام وإخماد الغضب وللسخرية والاستهزاء. فإجراءات التشريح والتمثيل واحدة شكلاً، وهي قطع أعضاء الجثة، إلا أن الغاية والنتيجة المرجوة مختلفة، فحسب القواعد الفقهية المذكورة سابقاً جاز التشريح وحرم التمثيل، واستناداً إلى هذه القواعد الفقهية أيضاً أجاز الفقهاء نقل أعضاء الميت إلى جسم آدمي حي هو بحاجة إلى الأعضاء. وجاءت هذه الفتوى بقرار هيئة كبار العلماء بالرياض رقم ٩٩ (في ٦/١١/ ١٤٠٢ هـ) . فجواز نقل أعضاء الموتى مشروط بالقواعد الفقهية السابقة إذ يجب أن يخدم غرضاً نبيلاً نافعاً، كأن ينقذ حياة المريض أو يشفيه من مرض عضال لا يتم شفاؤه (بإذن الله) إلا عن طريق نقل العضو، وقد ثبت أن نقل الأعضاء (ويعرف باسم غرس الأعضاء (١) يخدم الطب بشكل كبير.

стр. 2799

وغرس الأعضاء من الأساليب العلاجية المهمة جداً والتي أفادت في الشفاء (بإذن الله) من أمراض عضال كثيرة تستعصي على أساليب العلاج الأخرى، فاليوم هنالك ما يفوق عن مائة ألف عملية غرس كلية ثم إجراؤها في العالم لعلاج المراحل المتأخرة من أمراض الكلى، كما تم بنجاح إجراء العديد من عمليات غرس القلب (والرئة) محققاً نتائج طيبة (بإذن الله) لمرضى القلب والرئتين الذين كانت حالاتهم ميئوساً منها. وها هي عمليات غرس نقي العظام تجرى بنجاح لعلاج أدواء نقص المناعة وأدواء انحلال الدم الخطيرة، وغرس الكبد لعلاج العديد من أمراض تليف الكبد وغرس البنكرياس لعلاج بعض حالات مرض السكري وبعض أمراض عجز البنكرياس أو التهاباته المزمنة. أما غرس قرنية العين فقد طبقت في مجالات واسعة لإعادة الرؤية إلى المرضى (بإذن الله) . وبالرغم من أن التقدم العلمي والتقني أدى إلى تطور كبير في غرس الأعضاء إلا أنه خلق مشاكل أخلاقية وقضايا فقهية جديدة يجب حلها، ولذلك توخيت في بحثي هذا أن ألقي الضوء على بعض هذه القضايا والمشاكل التي نشأت والتي يمكن أن تنشأ (من جراء تطور غرس الأعضاء) وسأخص بالذكر منها ما يلي: أ) غرس الخصية. ب) غرس أعضاء الأجنة. ج) انتقال الإيدز عن طريق غرس الأعضاء. د) ضرورة غرس أعضاء الإنسان الحي ومشاكلها. وقد بدأت هذا البحث بموجز عن تعريف غرس الأعضاء وتاريخه؛ لما للتاريخ من أهمية لدى الباحث الفقيه، وأنهيته ببعض الاقتراحات التي أعتقد أنها ضرورية. وحيث إن البحث في موضوع غرس الأعضاء يحتاج إلى مادة علمية غنية (من جميع جوانب هذا الموضوع) يمكن الرجوع إليها عند الضرورة فقد كان لي شرف كتابة أول مرجع شامل باللغة العربية عن " غرس الأعضاء في جسم الإنسان " سأرفقه مع هذا البحث أملا أن يكون فيه ما يشبع الشغف وينير الدرب، وأن تكون فيه الإفادة لمن أراد المزيد حول هذا الموضوع. وعلى الإنسان أن يسعى وبالله التوفيق.

стр. 2800

تعريف غرس الأعضاء وتاريخه لا بد أولا أن أنوه وألفت الانتباه إلى وجوب استبدال عبارة " زرع الأعضاء " (الشائعة الاستعمال) بعبارة " غرس الأعضاء " تبعاً للمبررات الآتية: غرس الأعضاء يقصد به نقل عضو سليم من جسم متبرع (معطي، مانح) سواء كان إنساناً أو حيواناً أو أي كائن حي، وإثباته في الجسم المستقبل (الآخذ، المتلقي) ليقوم مقام العضو المريض في أداء وظائفه، وعبارة " غرس الأعضاء " هي التسمية الصحيحة وليس عبارة " زرع الأعضاء "؛ فقد اتفقت جميع معاجم اللغة العربية (لسان العرب والمحيط وغيرها) أن عبارة غرس في اللغة العربية تعني إثبات الشيء المغروس (الغريسة) في مكان الغرس، فيقال: غرس الشجر؛ أي: أثبته في الأرض. أما " الزرع" فهو طرح الزُّرعة " أي البذر " في الأرض فيقال: زرع الأرض أي ألقى فيها البذر، ويقال زرع الحب أي بذره، والاسم الزرع. وقد جاء في المصباح المنير أن " الزرع" هو ما استنبت بالبذرة، وبهذا نجد أن كلمة " غرس " أدق وأصح من كلمة " زرع " لاستعمالها في مجال نقل الأعضاء. بالإضافة إلى دقة المعنى نجد أن الاشتقاقات في كلمة غرس هي الأنسب لاستعمالها في مجال نقل الأعضاء، فنقول: " غريسة " للدلالة على العضو المغروس، وجمعها " غرائس" أي الأعضاء المغروسة. أما اشتقاقات كلمة " زرع " فهنالك " الزُّرعة " وهو البذر المطروح في الأرض وهنالك " زريعة " وهو ما بذر، وتطلق أيضاً على الشيء المزروع مثل الأرض المزروعة، وهنالك " الزريع " وهو ما ينبت في الأرض مما سقط فيها من الحب أيام الحصاد. وكلها غير مناسبة للدلالة على العضو المراد نقله، بعكس كلمة " غريسة " والتي تعني الفسيلة ساعة توضع حتى تعلق.

стр. 2801

وخير ما يؤيد ذلك أحاديث الرسول ﵊: عن جابر ﵁ قال: قال ﵊: ((ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة)) وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة)) . رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا طائر ولا شيء إلا كان له أجر)) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن. ومن هذه الأحاديث يتضح أن الزرع غير الغرس وأن الغرس مرتبط بالغريسة وهي الفسيلة كالشجر والنخل كما في حديث أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال: ((سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره بعد موته؛ من علم علماً أو كرى نهراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)) . ويقول ﵊: ((إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)) . وكثيرة هي الأحاديث التي تبين أن الغرس غير الزرع وأن الزرع يتعلق بالبذور والغرس يتعلق بالشجر والفسيلة.

стр. 2802

تاريخ غرس الأعضاء يقول علماء غرس الأعضاء إن عمليات غرس الأعضاء لم تبدأ إلا في أواخر القرن التاسع عشر. إلا أنه كما ((ورد عن النبي ﷺ في غزوة أحد حين أصيبت عين قتادة بن النعمان فأتى بها رسول الله ﷺ فردها عليه بيده، وكانت أصح عينيه وأحسنهما)) رواه الدارقطني وابن شاهين والبيهقي وقد اختلف أهل العلم في تصحيحه (زاد المعاد الجزء الثالث ص ١٩٨) . وهذه القصة تجعلنا نقول: إن أقدم وأسرع عمليات غرس العيون كانت بمشيئة الله على يد الرسول ﵊ وهي معجزة إلهية. إلا أن التاريخ لم يذكر شيئاً من غرس الأعضاء حتى أواخر القرن التاسع عشر إذ بدأت محاولات غرس الجلد في الحيوان على يد الجراح الفرنسي جاك لويس ريفيردين وحاول الطبيب روبسون عام ١٨٩٣ غرس البنكرياس في طفل. وبدأت أول عمليات غرس القرنية (رأب القرنية) في عام ١٩٠٥م وتنسب إلى الجراح التشيكوسلوفاكي (ادوارد دزيوم) أما عمليات غرس الكلى فقد بدأت أول تجاربها على الحيوان في عام ١٩٠٨ م على يد (ولمان) في فيينا. إلا أن تطور غرس الأعضاء حدث في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أجريت أول عملية ناجحة في غرس الكلى، وفي منتصف الستينات بدأت أولى عمليات غرس القلب والكبد والبنكرياس، وقد قفزت عمليات غرس الأعضاء قفزات رائعة في السنوات الأخيرة وما ذلك إلا نتيجة لتطور التقنية الجراحية ولاكتشاف مستضدات (انتيجين) التطابق النسيجي والآليات المناعية المسؤولة عن رفض الغرائس والتي يعود الفضل فيها إلى العالم الأمريكي اللبناني الأصل (مدَوَّر) أضف إلى ذلك اكتشاف عقار السايكلوسبورين المثبط للمناعة.

стр. 2803

وإلى الآن أصبحت معظم الأعضاء تغرس في جسم الإنسان مثل الجلد ونقي العظام والقرنية والكلية والقلب والرئتين والكبد والبنكرياس، وتفاصيل عمليات غرس كل عضو من هذه الأعضاء ومجالات تطبيقاتها وتطورها ومدى نجاحها مشروع بشكل مفصل في كتابنا غرس الأعضاء في جسم الإنسان (ص ١٢١ ـ ٢٥٧) وقد أدى غرس هذه الأعضاء إلى الشفاء من أمراض عضال مستعصية على أساليب العلاج المختلفة. ومما زاد في تطور عمليات غرس الأعضاء التقنية الحديثة التي يتم بواسطتها تجميد الأعضاء إلى درجات حرارة منخفضة جداً تصل إلى ١٧٠ درجة مئوية تحت الصفر، وبذلك يحفظ الأعضاء لمدة طويلة جداً إلى حين استعمالها، فعند الحاجة لاستعمالها تسخن إلى درجة حرارة الجسم فتعود إلى حالتها الطبيعية (والمبدأ العلمي وطريقة الحفظ بالتجميد مشروحة بالتفصيل في كتابنا غرس الأعضاء في جسم الإنسان (ص ٢٣ ـ ٢٤) . وبالرغم من أن التقدم العلمي والتطور الهائل في التقنيات المستخدمة في غرس الأعضاء أفاد كثيراً وأدى إلى خدمة البشرية إلا أنه من جهة أخرى وضعنا أمام قضايا فقهية جديدة ومشاكل أخلاقية نذكر منها ما يلي: أ- غرس الخصية: الخصيتان (في الذكر) والمبيضان (في الأنثى) هي الغدد التناسلية في الإنسان، وتعتبر كمصانع لإنتاج الخلايا التناسلية. فالخصية مصنع لإنتاج الحيوانات المنوية (إضافة إلى إفراز الهرمونات الذكرية) كما أن المبيض مصنع لإنتاج البويضات، إضافة إلى إفراز هرمونات الأنوثة. فمتى تنضج هذه الغدد؟؟ وهل يمكن استخدام غدة الأجنة كغرائس؟؟ وهل يتم إنتاج الخلايا التناسلية (النطاف والبويضات) بشكل كامل داخل الغدد التناسلية؟؟ وفي أي مرحلة من تطور الجنين يتم ذلك؟؟

стр. 2804

فالإجابة على هذه التساؤلات ستنير الطريق أمامنا لكي نفهم طبيعة غرس الخصية والمبيض وخاصة المأخوذة من الأجنة، ولكي يتم وضع الأحكام الشرعية. في بداية الأسبوع السابع لا يوجد في الجنين أعضاء تناسلية إلا أنه توجد حدبة تناسلية غير محددة الهوية (ذكورة أم أنوثة) . توجد بالقرب من منطقة الكلية بين الصلب (العمود الفقري والترائب) (الأضلاع) . إنه ابتداء من الأسبوع السابع من الحمل تبدأ الخصية بالنمو (قبل المبيض) ويظهر فيها نسيج خاص يكون ملفوفاً بغلاف أبيض يدعى اللفافة البيضاء، وتنمو الخصية (أو المبيض) في الحدبة التناسيلة (سابقة الذكر) وإنه يمكن في الأسبوع الثامن التعرف على الغدد التناسلية إن كانت خصية أم مبيضاً، وفي الأسبوع التاسع من الحمل تبدأ الأعضاء التناسلية الخارجية بالتميز بين الأنوثة والذكورة / وإنه في الأسبوع الثاني عشر تتميز الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل كامل أي في نهاية الشهر الثالث. وكما ذكرنا آنفاً يكون موضع الخصية قبل الشهر الثالث (في الأسبوع الثامن) بالقرب من موضع الكلية بين الصلب (العمود الفقري) والترائب (الأضلاع) ثم تنزل الخصية تدريجياً أثناء الحمل إلى أن تصل إلى الحوض في الشهر السابع وعلى عكس المبيض الذي يستقر في الحوض تتابع الخصية نزولها حتى إنها في الشهر التاسع من الحمل (الأسبوع ٣٦) تنزل إلى كيس الصفن خارج البدن. وقد ثبت أن النطاف متواجدة منذ بدء تطور الخصية إلا إنها تكون متواجدة بجدار القنيات المنوية بشكل خلايا أصلية (ينشأ منها كل النطاف طوال العمر الجنسي) ، إلا أن الخصية تكون خامدة هاجعة حتى سن البلوغ، وتحت تأثير هرمونات منطقة الوطاء (منطقة تحت السرير البصري، أو منطقة تحت المهاد (Hypothalamus) تبدأ الغدة النخامية بإرسال رسولها المنشط (المغذي) للغدد التناسلية فتتنبه الخلايا الأصلية (الأولية) الموجودة بجدار القنيات المنوية فتقوم من هجعتها الطويلة وتبدأ بالانقسام منذ تلك اللحظة.

стр. 2805

وبالرغم من أن النطاف متواجدة في الخصية منذ مرحلة الجنين وتكون متواجدة بجدار القنيات المنوية بشكل خلايا أصلية هاجعة (كامنة) فإنه لا يمكن اثبات أو نفي (١) . إن كان نقل خصية جنين إلى إنسان بالغ سيؤدي إلى خروج الخصية من هجعتها وبالتالي إلى نشاط الخلايا الأصلية وإنتاج النطاف تحت تأثير الغدد النخامية في الجسم. وقد ورد أن الخصية نفسها تفرز هرمونا ذكورة، وأنها ابتداء من الشهر الرابع من عمر الجنين تصبح قادرة على إفراز هرمونات الذكورة تحت تأثير غدة أمه النخامية، ولذلك يمكن بعد الشهر الرابع من عمر الجنين استخدام الخصية لغرسها في جسم إنسان بالغ وستقوم هذه الخصية بجميع وظائفها الهرمونية بشكل كامل تحت تأثير الغدة النخامية في الإنسان البالغ المتلقي للخصية، وقد ذكر ذلك الدكتور (ك. حنش) وهو صاحب أول عملية غرس خصية في الإنسان. فكما يذكر في كتابه الجنس والعقم (ص ٢٦٦) أنه غرس خصيتي جنين (٢) في شاب في العشرينات من عمره يشكو من غياب خصيتيه إلا أن غدته النخامية سليمة الوظائف، وبعد العملية بسبعة أيام بدأت تظهر على الشاب صفات الذكورة الثانوية وهكذا حتى أصبح الشاب ذا مظهر رجولي طبيعي ومن ثم بدأ يقذف وبدأ يمارس الجنس (٣) . إلا أن المؤلف لم يذكر شيئاً عن وصل الحبال المنوية في هذه العملية (؟!!) إذن فغرس الخصية هذه أفاد من الناحية الهرمونية؛ إذ استطاعت الخصية المغروسة من إفراز هرمونات الذكورة مما أدى إلى ظهور الصفات المذكورة أعلاه. فما رأي الشرع؟؟ لا بد أن الأمر يحتاج إلى استشارة أخصائي أمراض المسالك البولية والعقم وقد سألت الأستاذ الدكتور/ ربيع عبد الحليم أستاذ المسالك البولية في كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز فأفاد بأنه لا يوجد وصف لعلاج العقم بواسطة غرس الخصية فلا يعتقد بأن الخصية المغروسة تستطيع توليد النطاف إلا أننا لا نستطيع إثبات ذلك أو نفيه لأنه لا توجد أبحاث حول هذه النقطة والحالة التي ذكرها الدكتور/ حنش إنما تعني قدرة الخصية المغروسة على إنتاج هرمونات الذكورة، وعادة تغرس الخصية بدون وصل الحبال المنوية في حالات غرس الخصية الذاتي (انتهى رأي د. ربيع) .
следующие страницы →