وخير ما يؤيد ذلك أحاديث الرسول ﵊: عن جابر ﵁ قال: قال ﵊: ((ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة)) وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة)) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا طائر ولا شيء إلا كان له أجر)) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.
ومن هذه الأحاديث يتضح أن الزرع غير الغرس وأن الغرس مرتبط بالغريسة وهي الفسيلة كالشجر والنخل كما في حديث أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال: ((سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره بعد موته؛ من علم علماً أو كرى نهراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)) .
ويقول ﵊: ((إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)) .
وكثيرة هي الأحاديث التي تبين أن الغرس غير الزرع وأن الزرع يتعلق بالبذور والغرس يتعلق بالشجر والفسيلة.
стр. 2802
تاريخ غرس الأعضاء
يقول علماء غرس الأعضاء إن عمليات غرس الأعضاء لم تبدأ إلا في أواخر القرن التاسع عشر.
إلا أنه كما ((ورد عن النبي ﷺ في غزوة أحد حين أصيبت عين قتادة بن النعمان فأتى بها رسول الله ﷺ فردها عليه بيده، وكانت أصح عينيه وأحسنهما)) رواه الدارقطني وابن شاهين والبيهقي وقد اختلف أهل العلم في تصحيحه (زاد المعاد الجزء الثالث ص ١٩٨) .
وهذه القصة تجعلنا نقول: إن أقدم وأسرع عمليات غرس العيون كانت بمشيئة الله على يد الرسول ﵊ وهي معجزة إلهية.
إلا أن التاريخ لم يذكر شيئاً من غرس الأعضاء حتى أواخر القرن التاسع عشر إذ بدأت محاولات غرس الجلد في الحيوان على يد الجراح الفرنسي جاك لويس ريفيردين وحاول الطبيب روبسون عام ١٨٩٣ غرس البنكرياس في طفل. وبدأت أول عمليات غرس القرنية (رأب القرنية) في عام ١٩٠٥م وتنسب إلى الجراح التشيكوسلوفاكي (ادوارد دزيوم) أما عمليات غرس الكلى فقد بدأت أول تجاربها على الحيوان في عام ١٩٠٨ م على يد (ولمان) في فيينا.
إلا أن تطور غرس الأعضاء حدث في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أجريت أول عملية ناجحة في غرس الكلى، وفي منتصف الستينات بدأت أولى عمليات غرس القلب والكبد والبنكرياس، وقد قفزت عمليات غرس الأعضاء قفزات رائعة في السنوات الأخيرة وما ذلك إلا نتيجة لتطور التقنية الجراحية ولاكتشاف مستضدات (انتيجين) التطابق النسيجي والآليات المناعية المسؤولة عن رفض الغرائس والتي يعود الفضل فيها إلى العالم الأمريكي اللبناني الأصل (مدَوَّر) أضف إلى ذلك اكتشاف عقار السايكلوسبورين المثبط للمناعة.
стр. 2803
وإلى الآن أصبحت معظم الأعضاء تغرس في جسم الإنسان مثل الجلد ونقي العظام والقرنية والكلية والقلب والرئتين والكبد والبنكرياس، وتفاصيل عمليات غرس كل عضو من هذه الأعضاء ومجالات تطبيقاتها وتطورها ومدى نجاحها مشروع بشكل مفصل في كتابنا غرس الأعضاء في جسم الإنسان (ص ١٢١ ـ ٢٥٧) وقد أدى غرس هذه الأعضاء إلى الشفاء من أمراض عضال مستعصية على أساليب العلاج المختلفة. ومما زاد في تطور عمليات غرس الأعضاء التقنية الحديثة التي يتم بواسطتها تجميد الأعضاء إلى درجات حرارة منخفضة جداً تصل إلى ١٧٠ درجة مئوية تحت الصفر، وبذلك يحفظ الأعضاء لمدة طويلة جداً إلى حين استعمالها، فعند الحاجة لاستعمالها تسخن إلى درجة حرارة الجسم فتعود إلى حالتها الطبيعية (والمبدأ العلمي وطريقة الحفظ بالتجميد مشروحة بالتفصيل في كتابنا غرس الأعضاء في جسم الإنسان (ص ٢٣ ـ ٢٤) .
وبالرغم من أن التقدم العلمي والتطور الهائل في التقنيات المستخدمة في غرس الأعضاء أفاد كثيراً وأدى إلى خدمة البشرية إلا أنه من جهة أخرى وضعنا أمام قضايا فقهية جديدة ومشاكل أخلاقية نذكر منها ما يلي:
أ- غرس الخصية:
الخصيتان (في الذكر) والمبيضان (في الأنثى) هي الغدد التناسلية في الإنسان، وتعتبر كمصانع لإنتاج الخلايا التناسلية. فالخصية مصنع لإنتاج الحيوانات المنوية (إضافة إلى إفراز الهرمونات الذكرية) كما أن المبيض مصنع لإنتاج البويضات، إضافة إلى إفراز هرمونات الأنوثة.
فمتى تنضج هذه الغدد؟؟ وهل يمكن استخدام غدة الأجنة كغرائس؟؟ وهل يتم إنتاج الخلايا التناسلية (النطاف والبويضات) بشكل كامل داخل الغدد التناسلية؟؟ وفي أي مرحلة من تطور الجنين يتم ذلك؟؟
стр. 2804
فالإجابة على هذه التساؤلات ستنير الطريق أمامنا لكي نفهم طبيعة غرس الخصية والمبيض وخاصة المأخوذة من الأجنة، ولكي يتم وضع الأحكام الشرعية.
في بداية الأسبوع السابع لا يوجد في الجنين أعضاء تناسلية إلا أنه توجد حدبة تناسلية غير محددة الهوية (ذكورة أم أنوثة) . توجد بالقرب من منطقة الكلية بين الصلب (العمود الفقري والترائب) (الأضلاع) . إنه ابتداء من الأسبوع السابع من الحمل تبدأ الخصية بالنمو (قبل المبيض) ويظهر فيها نسيج خاص يكون ملفوفاً بغلاف أبيض يدعى اللفافة البيضاء، وتنمو الخصية (أو المبيض) في الحدبة التناسيلة (سابقة الذكر) وإنه يمكن في الأسبوع الثامن التعرف على الغدد التناسلية إن كانت خصية أم مبيضاً، وفي الأسبوع التاسع من الحمل تبدأ الأعضاء التناسلية الخارجية بالتميز بين الأنوثة والذكورة / وإنه في الأسبوع الثاني عشر تتميز الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل كامل أي في نهاية الشهر الثالث. وكما ذكرنا آنفاً يكون موضع الخصية قبل الشهر الثالث (في الأسبوع الثامن) بالقرب من موضع الكلية بين الصلب (العمود الفقري) والترائب (الأضلاع) ثم تنزل الخصية تدريجياً أثناء الحمل إلى أن تصل إلى الحوض في الشهر السابع وعلى عكس المبيض الذي يستقر في الحوض تتابع الخصية نزولها حتى إنها في الشهر التاسع من الحمل (الأسبوع ٣٦) تنزل إلى كيس الصفن خارج البدن. وقد ثبت أن النطاف متواجدة منذ بدء تطور الخصية إلا إنها تكون متواجدة بجدار القنيات المنوية بشكل خلايا أصلية (ينشأ منها كل النطاف طوال العمر الجنسي) ، إلا أن الخصية تكون خامدة هاجعة حتى سن البلوغ، وتحت تأثير هرمونات منطقة الوطاء (منطقة تحت السرير البصري، أو منطقة تحت المهاد (Hypothalamus) تبدأ الغدة النخامية بإرسال رسولها المنشط (المغذي) للغدد التناسلية فتتنبه الخلايا الأصلية (الأولية) الموجودة بجدار القنيات المنوية فتقوم من هجعتها الطويلة وتبدأ بالانقسام منذ تلك اللحظة.
стр. 2805
وبالرغم من أن النطاف متواجدة في الخصية منذ مرحلة الجنين وتكون متواجدة بجدار القنيات المنوية بشكل خلايا أصلية هاجعة (كامنة) فإنه لا يمكن اثبات أو نفي (١) . إن كان نقل خصية جنين إلى إنسان بالغ سيؤدي إلى خروج الخصية من هجعتها وبالتالي إلى نشاط الخلايا الأصلية وإنتاج النطاف تحت تأثير الغدد النخامية في الجسم.
وقد ورد أن الخصية نفسها تفرز هرمونا ذكورة، وأنها ابتداء من الشهر الرابع من عمر الجنين تصبح قادرة على إفراز هرمونات الذكورة تحت تأثير غدة أمه النخامية، ولذلك يمكن بعد الشهر الرابع من عمر الجنين استخدام الخصية لغرسها في جسم إنسان بالغ وستقوم هذه الخصية بجميع وظائفها الهرمونية بشكل كامل تحت تأثير الغدة النخامية في الإنسان البالغ المتلقي للخصية، وقد ذكر ذلك الدكتور (ك. حنش) وهو صاحب أول عملية غرس خصية في الإنسان. فكما يذكر في كتابه الجنس والعقم (ص ٢٦٦) أنه غرس خصيتي جنين (٢) في شاب في العشرينات من عمره يشكو من غياب خصيتيه إلا أن غدته النخامية سليمة الوظائف، وبعد العملية بسبعة أيام بدأت تظهر على الشاب صفات الذكورة الثانوية وهكذا حتى أصبح الشاب ذا مظهر رجولي طبيعي ومن ثم بدأ يقذف وبدأ يمارس الجنس (٣) . إلا أن المؤلف لم يذكر شيئاً عن وصل الحبال المنوية في هذه العملية (؟!!) إذن فغرس الخصية هذه أفاد من الناحية الهرمونية؛ إذ استطاعت الخصية المغروسة من إفراز هرمونات الذكورة مما أدى إلى ظهور الصفات المذكورة أعلاه.
فما رأي الشرع؟؟ لا بد أن الأمر يحتاج إلى استشارة أخصائي أمراض المسالك البولية والعقم وقد سألت الأستاذ الدكتور/ ربيع عبد الحليم أستاذ المسالك البولية في كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز فأفاد بأنه لا يوجد وصف لعلاج العقم بواسطة غرس الخصية فلا يعتقد بأن الخصية المغروسة تستطيع توليد النطاف إلا أننا لا نستطيع إثبات ذلك أو نفيه لأنه لا توجد أبحاث حول هذه النقطة والحالة التي ذكرها الدكتور/ حنش إنما تعني قدرة الخصية المغروسة على إنتاج هرمونات الذكورة، وعادة تغرس الخصية بدون وصل الحبال المنوية في حالات غرس الخصية الذاتي (انتهى رأي د. ربيع) .
стр. 2806
فالأمر بهذه الصورة يتلخص بوجود عملية غرس خصية غريبة للاستفادة من هرموناتها لمعالجة المرضى (الذين يشكون من غياب أو عطب الخصيتين) من الناحية الهرمونية لاستعادة صفاتهم الذكرية بدون إنتاج نطاق.
وأود بهذا الصدد أن أفترض حالة من نسيج الخيال والافتراض العلمي، فلو فرضنا جدلاً أنه في عملية غرس خصية جنينية تم توصيل الحبال المنوية واستطاعت الخصية من إفراز النطاف فهل يسمح شرعاً بغرس الخصية لعلاج المرضى الذين يئسوا من حياتهم بسبب غياب الخصية عندهم؟ هل يسمح بهذا ونحن نعلم أن إنتاج النطاف محصور بالخصية ليس إلا، فالخصية هي المصنع المتكامل الذي ينتج النطاف ولا تحتاج لعملها هذا إلا أوامر من الغدة النخامية، ولا تحتاج إلى أية مواد خارجية تدخل في تصنيع النطاف، وهذا يعني أن الإنسان الذي يتلقى الخصية لا دخل له في إنتاج النطاف سوى أن غدته النخامية ترسل أوامر بواسطة رسلها الكيماوية (الهرمونات) إلى الخصية الغريبة المغروسة، ثم تقوم الخصية بإنتاج النطاف ذاتياً طوال فترة العمر الجنسي، فالنطاف من الخصية.. والخصية ملك الرجل المتبرع ... فلمن يكون الأولاد؟ فإذا كان الجواب إنهم لصاحب الخصية (وهو الأرجح) ، فهل يا ترى يسمح بغرس الخصية مع جعل نسب الأبناء لصاحب الخصية؟؟ أم يا ترى نحرم غرس الخصية (وهو الأرجح) ؟! لأن ذلك كما يبدو إنما هو تلقيح بويضة الزوجة بنطفة غير نطفة الزوج وهذا حرام لأنه ينطوي ضمن دائرة الزواج الذي يستخدم طرفاً ثالثاً ألا وهو نطفة غريبة.
فكما أسلفت فإني طرحت هذه الحالة لإثارة الجدل العلمي فقط.
стр. 2807
ب- غرس أعضاء الأجنة:
غرس أعضاء الأجنة أخذ طريقه حديثاً إلى عالم " غرس الأعضاء "، وقبل الخوض بشرحه لا بد أولاً من إلقاء الضوء على تطور الجنين واكتمال أنسجته وأعضائه فكيف يتطور الجنين؟ نقطة البدء هي التقاء البويضة مع النطفة (التلقيح) ويتم التلقيح في الثلث الأول من قناة فالوب وتحتاج البيضة الملقحة إلى ستة أيام كي تصل إلى الرحم، وعند وصولها إلى الرحم تكون بشكل التوتة فتنفرز في جدار الرحم وتستمر في تطورها لتصبح بشكل القرص في الأسبوع الثالث، ومن الأسبوع الثالث وحتى نهاية الأسبوع السابع (أربعة أسابيع تقريباً) يحدث التطور السريع للجنين ويتحول إلى شكل متميز وتتشكل جميع الأعضاء: الجلد والشعر والأظفار والجهاز العصبي والعضلات والعظام والأوعية الدموية والأمعاء والكبد والمرارة والبنكرياس والحنجرة والرئتين والقلب. وفي منتصف الأسبوع السادس يصبح له خفقة قلب الإنسان العادي ويكون بطول ١.٥ سم. أما الغدد التناسلية الخصيتان (ذكر) والمبيضان (أنثى) فتنشأ من حدبة تناسلية تكون غير محددة الهوية في بداية الأسبوع السابع وعندها تبدأ هذه الحدبة بالنمو لتعطي إما خصية (ذكر) أو مبيضاً (أنثى) فيصبح بالإمكان التعرف على الغدد التناسلية أذكرية هي (الخصية) أم أنثوية (المبيض) ؟ ومن نهاية الأسبوع السابع وحتى الأسبوع الثاني عشر (أربعة أسابيع تقريباً) تكون مرحلة نمو فقط إذ إنه في الأسبوع الثامن يصبح للجنين الشكل الإنساني المتميز حيث تكونت معظم الأعضاء والأجهزة بصورتها الشبيهة بما هي عليه عند المولود ويكون طوله ٣ سم تقريباً ووزنه ٢ غ وله جفون مغلقة وأصابع وأسنان، وفي الأسبوع الثاني عشر يصبح طوله ٧.٥ سم تقريباً ووزنه ١٤٠ غ وأجهزته مكتملة وإن كانت لم تبدأ في أداء دورها وواجبها.
стр. 2808
في الشهر الثالث من نمو الجنين، يكون التخلق الجنسي أكثر وضوحاً، فالمهبل والرحم يبدأان في التكون، ويبدأ القضيب في البروز وتتكون الكليتان والمثانة ومجاري البول ويبدأ الجنين بإفراز البول بكميات ضئيلة، ويكون الدماغ في غضون الأسبوع العاشر مثله عند الولادة وفي نهاية الأسبوع الثاني عشر (نهاية الشهر الثالث) تتميز الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل كامل. ويستمر نمو الجنين حتى إن نهاية الشهر الخامس يصبح الجنين درجة من كمال النمو واكتمال الأعضاء حتى ليكاد الإنسان يظن أن الجنين يستطيع أن يحيا خارج الرحم ولكن هذا ليس إلا من قبل الأوهام، فالجنين في هذا العمر لا تكتب له الحياة عادة، فالرئتان والبشرة وجهاز الهضم ليست قادرة بعد على العمل المنوط بها خارجاً. والجنين في هذا العمر صغير يبلغ طوله بحدود ثماني بوصات (٢٠ سم تقريباً) ووزنه ٢٢٥ غراماً، أما أصغر عمر يستطيع الجنين متى بلغه أن يحيا خارج الرحم هو ٢٥ أسبوعاً ويكون وزنه بحدود ٤٥٠ غراماً.
نعم لقد بدأ استخدام أجنة الإنسان في مجالات غرس الأعضاء، فكما أسلفت هناك حالة غرس خصيتي جنين أجراها الدكتور/ كمال حنش وذكرها في كتابه الجنس والعقم، وقد نجحت العملية وكانت نتائجها جيدة (١) ، وهي أول عملية غرس خصية في العالم، بالإضافة إلى عملية غرس خصيتي الجنين الناجحة، هنالك أيضاً عمليات غرس الغدة السعترية (التيموس) من الأجنة إلى أطفال يعانون من نقص في المناعة نتيجة غياب أو عطب الغدة السعترية. ومن الثابت أن الغدة السعترية مسؤولة عن تطور بعض خلايا المناعة. وأن غيابها يؤدي إلى نقص في المناعة. ولقد أبدت النتائج تحسناً ملحوظاً في مناعة الأطفال المرضى، وتعتبر هذه العملية من الإجراءات المأمولة لعلاج أمراض نقص المناعة الخلوية عند الأطفال، وكذلك تم غرس بعض خلايا بنكرياس الجنين التي تفرز الإنسولين لمعالجة نوع من أنواع السكري وقد وجد بعض التحسن عند استعمال خلايا مجمدة فقط، وكذلك هنالك محاولات لغرس بعض خلايا الأجنة لدماغ الإنسان لعلاج مرض باركنسون.
стр. 2809
كل هذه الأمثلة تؤكد استعمال أعضاء وخلايا الأجنة في علاج الأمراض المستعصية، وإن كان الأمر ذا فائدة طبية إلا أنه يضعنا أمام قضايا فقهية وقضايا أخلاقية.
فالجنين كائن حي ذو حياة نباتية بادئ الأمر إلى أن تنفخ فيه الروح، ونفخ الروح يكون بعد أربعين يوماً حسب رأي بعض الفقهاء أو أو بعد مائة وعشرين يوماً حسب رأي البعض الآخر من الفقهاء، فهل يا ترى يجوز استعمال الجنين في المداواة (غرس الأعضاء) ؟
بعد أن عرفنا أن أعضاء الجنين تستعمل عادة بعد الشهور الثلاثة الأولى (إذ تكون الأعضاء قد تطورت، فمثلاً يجب استئصال الخصية من جنين عمره أكثر من أربعة شهور) أي بعد نفخ الروح (١٢٠ يوماً على أكثر الاحتمالات) ؟ فإذا كان الشرع أجاز استخدام أعضاء الموتى للأمور العلاجية.. فهل الأمر كذلك في بعض حالات استخدام الجنين؟؟ فمثلاً عندما تشتكي الأم من بعض أمراض المشيمة أثناء الحمل (انسلاخ المشيمة) فلا بد عندها من التضحية بحياة الجنين لإنقاذ حياة الأم ... فإن كان عمر الجنين أقل من ٢٥ أسبوعاً فلا حياة له ترتجى إن هو أخرج من الرحم ... فما المانع من استخدام هذا الجنين في مجالات علاجية كغرس الأعضاء؟ ... إلا أن الأمر يجب أن يكون ضمن ضوابط شرعية.. لمنع المشاكل الأخلاقية التي يمكن أن تنشأ عن سوء استخدام الأجنة، فبعض النسوة قد يلجأن إلى الحمل بغية استخدام الجنين لعلاجهن أو علاج أقربائهن ... أو قد يجبرن على ذلك من قبل أزواجهن إضافة إلى تأجير الأرحام التي انتشرت في المجتمعات الغربية ووصل الأمر (١) . (حسب تقرير جريدة " المسلمون " العدد ١٤٢) أو سيصل إلى إنتاج الأجنة في الأرحام المستأجرة.. وإضافة إلى كونها ظاهرة اجتماعية وأخلاقية كبيرة الخطورة فإنها بالوقت نفسه تشكل خطراً لانتشار أمراض خطيرة كمرض الإيدز (كما سيتم شرحه لاحقاً) .
стр. 2810
جـ- انتقال الإيدز عن طريق غرس الأعضاء:
الإيدز " مرض نقص المناعة المكتسب " مرض خطير يوصف بأنه طاعون العصر الذي يفتك بصاحبه دون رحمة، فما أن يصاب إنسان به حتى تغزوه الإنتانات الكثيرة (الانتهازية) وتتدهور صحته ويموت خلال خمس سنوات.
ظهر هذا المرض في أواخر السبعينات من هذا القرن، لكن لم يعرف باسم " الإيدز " إلا في أوائل الثمانينات ١٩٨١، وبعد ذلك اكتشف أن سبب هذا المرض هو فيروس ينتمي إلى مجموعة الفيروسات المتراجعة Retrovirueses والذي أطلق اسم HTLV.III، وهذه الكلمة اختصار لعدة كلمات هي Human T-Lymphocyte virus وقد أطلقه الباحثون الأمريكيون بينما استعمل الفرنسيون اسماً آخر LAV وهو اختصار الكلمات Lymphadenopathy- assocociated virus إلا أن الاسم الجديد الذي يوحد الاسمين السابقين معاً هو HIV وهو اختصار الكلمات Human Immunodeficiency Viruses
يهاجم هذا الفيروس الخلايا اللمفاوية (تي) المساعدة (T٤) T-helper Iymphocytes بشكل رئيسي فيفتك بها ويخربها وبذلك تنعدم المناعة في الجسم ويصبح المريض عرضة لغزو الإنتانات (العدوى) الانتهازية الفتاكة، كما يصاب المريض بسرطان كابوس ويموت خلال خمس سنوات.
ينتشر هذا المرض بين الممارسين للشذوذ الجنسي، وبين مدمني المخدرات، وبين المهاجرين من جزر هايتي، وبين سكان الحزام الأفريقي، وبين مرضى الناعور (هيموفيليا) وقد أطلق على هذه المجموعات اسم مجموعات خطر الإيدز. بالإضافة لهؤلاء الناس ينتقل هذا المرض عن طريق الاتصال الجنسي الطبيعي بين الذكر والأنثى إذا كان أحد الطرفين مصاباً أو حاوياً على فيروسات المرض، كما ينتقل عبر المشيمة من الأم إلى الجنين، كما ينتقل عن طريق الرضاعة. وموضوع انتقال وانتشار الإيدز واسع ويحتاج إلى تفصيل واف، وهناك تفصيل كاف وواف في كتابنا " الإيدز مرض العصر ". ولكن ما يهمنا في موضوعنا الآن هو علاقة الإيدز بغرس الأعضاء. فالسؤال الذي يطرح هو هل ينتقل الإيدز عن طريق غرس الأعضاء؟
حقيقة الأمر أن عمليات غرس الأعضاء تتضمن إجراءين اثنين يتدخلان في نقل مرض الإيدز، وهما نقل الدم، وغرس العضو المطلوب نقله، إضافة إلى إمكانية انتقال الإيدز عند استعمال أنسجة الأجنة.
стр. 2811
١) نقل الدم:
من الإجراءات المهمة التي تجرى قبل عمليات غرس الأعضاء هو نقل الدم، فمنذ عام ١٩٧٣ أصبح مؤكداً أن نقل الدم للمريض الذي ستجرى له عملية غرس الأعضاء تعطي نتائج جيدة في رفع معدل بقاء الغريسة وفي تخفيض حدوث رفض الغريسة.
ويوجد شرح كاف وواف لتأثر نقل الدم في تحسين نتائج غرس الأعضاء في فصل غرس الكلية (ص ٢٠٧) من كتابنا " غرس الأعضاء في جسم الإنسان " وقد ثبت مما لا يدع مجالاً للشك أن فيروس الإيدز ينتقل عن طريق نقل الدم، ولا تتعلق العدوى (عن طريق نقل الدم) بكمية الدم المنقولة فيكفي أن تكون كمية قليلة جداً من الدم ملوثة بفيروس الإيدز حتى تتم العدوى، بل إن دخول أثر قليل من الدم الملوث عن طريق وخز الإبرة الملوثة يكفي لحدوث العدوى، كما ثبت أن فيروس الإيدز ينتقل بواسطة نقل أحد مشتقات الدم مثل العامل الثامن والذي ينقل عادة إلى مرض الناعور (الهيموفيليا، وهو سوء تجلط الدم) ولهذا نجد أن هؤلاء المرضى هم مجموعات خطر الإيدز، في مجال غرس الأعضاء يتلقى المريض قبل عملية الغرس عدة وحدات من الدم قد تصل إلى خمس وحدات، بهذا يتبين إمكانية حصوله على الدم من عدة متبرعين وبذا يزيد احتمال الإصابة بمرض الإيدز.
وقد أصبح كشف فيروسات الإيدز من الإجراءات التي تجرى في معظم المختبرات الطبية، وتعتمد الطريقة على كشف الأضداد النوعية للفيروس antibodies في المصل.
وهنالك العديد من الطرق المستعملة لهذا الغرض المذكورة في ص (١٠٨ ـ ١١٤) من كتابنا غرس الأعضاء في جسم الإنسان.
стр. 2812
٢) غرس الأعضاء:
قبل عام ١٩٨٥ لم يكن يعرف أن الإيدز ينتقل عن طريق نقل أعضاء الإنسان من شخص إلى آخر. ففي أيلول (سبتمبر) من عام ١٩٨٥ ظهر أو تقرير عن انتقال مرض الإيدز جراء غرس كلية مأخوذة من مريض مصاب بمرض الناعور (الهيوفيليا) . وقد تأكد هذا عندما أعلن فريق طبي ألماني أن فيروس الإيدز ينتقل عن طريق غرس الكلى المأخوذة من متبرعين مصابين بالإيدز، ونفى هذا الفريق أن يكون سبب ظهور الإيدز في مرضاهم المستقبلين لغرائس الكلى ناتجاً عن نقل الدم الذي أجري لهؤلاء المرضى، فقد كانت كل وحدات الدم المنقولة سليمة وخالية من الفيروس، بينما كانت كل الكلى المنقولة لمرضاهم مأخوذة من متبرعين مصابين بالإيدز، وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن سبب انتقال مرض الإيدز هو الكلى المغروسة، وثبت حديثاً أن مرض الإيدز ينتقل عن طريق غرس الجلد، وحتى عن طريق الجلد المحفوظ بواسطة التجميد.
إذن لا بد من إجراء فحوصات كشف فيروسات الإيدز وأضدادها على المتبرعين بالأعضاء المختلفة. وقد جاءت توصية من منظمة الصحة العالمية بضرورة إجراء فحوصات كشف فيروس الإيدز في المتبرعين بالدم والسائل المنوي والأعضاء والأنسجة ويجب استبعاد المتبرعين من مجموعات خطر الإيدز.
стр. 2813
٣) غرس أنسجة الأجنة:
لقد أدى التطور التقني والعلمي في مجال غرس الأعضاء إلى غرس أنسجة الأجنة وقد ثبت أن هذه الأعضاء الجنينية تؤدي الغرض المطلوب إضافة إلى أنها أقل عرضة للرفض من قبل الجسم المستقبل.
ولهذا فإن المريضات قد يطلبن إجهاضهن أو يكرهن على الإجهاض من قبل أزواجهن واستخدام أعضاء وأنسجة الجنين في المداواة. والأعظم من ذلك نشوء فكرة إنتاج أجنة عن طريق المومسات والعاهرات بنطاف أجنبية ومن ثم إسقاط الجنين واستخدامه في غرس الأعضاء (جريدة المسلمون: العدد ١٤٢ ـ الجمعة ١ ربيع الأول ١٤٠٨ هـ) .
وقد ثبت انتقال فيروس الإيدز من الأم إلى الجنين، ونحن نعلم أن نسبة كبيرة من العاهرات والبغايا والمومسات يحملن فيروس الإيدز، أضف إلى ذلك أن كثيراً من الشاذات جنسياً يرغبن في الحمل ولكن ليس عن طريق الجماع فيلجأن إلى تأجير أرحامهن من أجل إنتاج الأجنة وهؤلاء الشاذات هن من أخطر مجموعات مرض الإيدز.
ومن هنا يتضح خطورة استعمال أنسجة الأجنة في نقل مرض الإيدز، مع العلم أن تجميد الجنين سيؤدي إلى حفظ الفيروس ويضمن بقاءه في الأنسجة، وما يجب قوله: إن الأجنة قد تستخدم أيضاً في تصنيع مستحضرات التجميل، وقد نشرت جريدة " المسلمون " تقريراً كاملاً عن هذا الإجراء وفي ذلك خطورة كبيرة (١) لأنه لم يثبت أن طريقة تحضير مستحضرات التجميل تؤدي إلى تخريب فيروس الإيدز في حالة وجوده في أنسجة الأجنة، وبذلك توجد خطورة كبيرة لانتقال مرض الإيدز عن طريق مستحضرات التجميل.
وقد يحتج البعض بأن شركات تحضير مستحضرات التجميل تؤكد سلامة المستحضرات من جميع الكائنات الممرضة وخاصة فيروس الإيدز، إلا أننا نتساءل عن مدى صحة هذه التصريحات وخاصة فيما يخص المستحضرات التي تصدر خصيصاً إلى البلاد الإسلامية، وقد قرأنا أكثر من مرة عن إرسال مواد غذائية منتهية الصلاحية أو ملوثة أو ذبائح غير شرعية مكتوب عليها أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية، فالمجتمعات الغربية بعد أن باعت أخلاقياتها أصبح بالإمكان أن تفعل كل شيء " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".
стр. 2814
د- ضرورة غرس أعضاء الإنسان الحي ومشاكلها:
كثير من أعضاء الإنسان لا يمكن الحصول عليها من متبرعين أحياء؛ وذلك لأنها أعضاء فردية في الجسم وذات وظائف حيوية ضرورية مثل القلب والكبد والبنكرياس والدماغ ... فلا بد من الحصول عليها من جثت الموتى حديثي الولادة.. أما الأعضاء غير الفردية مثل الكلية فمن الممكن أن يتبرع بها الأحياء، إذ إن الآدمي الحي يستطيع أن يعيش بكلية واحدة سليمة. ولقد أجاز السادة الفقهاء الأجلاء استعمال أعضاء جثث حديثي الوفاة (حسب قرار هيئة كبار العلماء في الرياض رقم ٩٩ بتاريخ ٦/١١/ ١٤٠٢ هـ) كما أن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الذي انعقد في عمان أقر موت الدماغ (١) كدليل على موت الإنسان، ولا شك أن تلك القرارات قد ساعدت كثيراً في تذليل كثير من الصعوبات التي تقف في وجه التداوي بواسطة غرس الأعضاء. فإن كان التقدم العلمي قد ذلل بعض الصعوبات التقنية إلا أن الصعوبات الاجتماعية تعتبر من أهم الصعوبات ... فالصعوبات الأساسية تتمثل في الحصول على الأعضاء وليست في التقنية، فالصعوبات التقنية لم تعد مشكلة في الوقت الحاضر مع هذا التقدم الهائل في التقنيات الحديثة، فقد أصبح بالإمكان أجراء عمليات غرس معظم أعضاء الجسم، وأصبح بالإمكان التغلب على رفض الجسم للغرائس بواسطة اختيار التبرع المناسب وبواسطة استخدام الأدوية المخمدة للجهاز المناعي، وقد ارتفع معدل الحياة بشكل ملحوظ في أكثر أنواع غرس الأعضاء (ومن أراد المزيد حول التقنيات الحديثة وتأثيرها فليرجع إلى كتابنا غرس الأعضاء في جسم الإنسان) إلا أن المشكلة والصعوبة الكبيرة التي يواجهها المهتمون في هذا المجال هو قلة المتبرعين، فلو عرفنا أن عدد المحتاجين (٢) لغرس الكلى في المملكة يصل إلى ما يزيد عن ٦٠٠ مريض سنويا وأن كل الأقارب لا تشكل سوى ١٠ % من الاحتياج فسيحتاج الأمر إلى استيراد الكلى من الخارج.. إلا أن الكلى المستوردة من الخارج تشكل خطراً كبيراً لنقل مرض الإيدز كما تم تفصيله سابقاً، أضف إلى ذلك أنها لا تغطي سوى ٥ % من احتياجات المملكة. وبالرغم من أن القرارات الفقهية سابقة الذكر قد ساعدت كثيراً إلا أن المشكلة ما زالت قائمة.
стр. 2815
والضرورة شديدة وملحة للحصول على الأعضاء من متبرعين أحياء، ونحن أمام قضية فقهية اجتماعية في الوقت نفسه. فإنقاذ حياة مريض الكلى يتوقف كلية على وجود المتبرعين الأحياء ... فالأمر لم يعد يقتصر فقط على إجازة التبرع بالكلى ... بل يجب التشجيع على ذلك. معتمدين على تعاليم ديننا الحنيف التي تحث على الإيثار والتكافل الاجتماعي والتعاون والتضحية ... وخاصة أن استيراد الكلى من الخارج (وإن كان يشكل فقط ٥ %) يشكل خطورة لجلب مرض الإيدز ... فيجب الانتقال من مرحلة تحليل استخدام أعضاء الأحياء إلى مرحلة الحض والتشجيع على ذلك ... وها نحن أمام تجربة جليلة وجيدة ألا وهي الحض على التبرع بالدم، فالدم (ومشتقاته) لم تعد حالياً تستورد من الخارج، بل أصبح يعتمد على التبرع داخل المملكة.. وقد ساعد كثيراً التوعية والجوائز التشجيعية.. فالأمر يجب أن يكون كذلك بالنسبة للتبرع بالأعضاء.. فالتوعية الدينية والجوائز التشجيعية والحض على حمل بطاقات التبرع بعد الوفاة (لا سمح الله) كلها ستساعد أيضاً في التغلب على ظاهرة اجتماعية خطيرة ألا وهي بيع الأعضاء ... أليس بيع الأعضاء محرماً شرعاً؟ وهل تعتبر الجوائز التشجيعية بمثابة البيع والشراء؟ وهل يمكن لذوي الأجنة المجهضة طبياً أن يتبرعوا بالجنين لأغراض علاجية ودوائية؟
وما هذه التساؤلات إلا غيض من فيض.
فكثيرة هي التساؤلات التي تنشأ عند طرح موضوع غرس الأعضاء ولا بد من دراسة مستفيضة متأنية للخروج بأحكام شرعية تفيد المجتمع الإسلامي المعاصر.
الدكتور محمد أيمن صافي
стр. 2816
مقترحات
مما سبق يتضح أن غرس الأعضاء من القضايا الفقهية كغرس الخصية واستعمال أعضاء الأجنة، كما أنه يواجه مشاكل اجتماعية كقلة المتبرعين واللجوء إلى بيع الأعضاء أو بيع الأجنة، إضافة إلى خطورة نقل مرض الإيدز فكما ذكرنا أن كلا الإجراءين الرئيسين المستعملين في غرس الأعضاء (وهما نقل الدم وغرس العضو المرغوب) تعتبر وسائل هامة لنقل العدوى بمرض الإيدز. وفي ذلك خطورة كبيرة على الإنسان في البلاد العربية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص؛ لأن معظم أكياس الدم المتوفرة في بنوك الدم في بلادنا (قبل اتخاذ الإجراءات الوقائية) إنما مصدرها البلاد الأجنبية الموبوءة بهذا المرض اللعين، " والإيدز " ومعظم الناس الذين يبيعون دماءهم في تلك البلاد هم المحتاجون المعوزون وغالبيتهم من مدمني المخدرات ومن الشاذين جنسياً (أي من أخطر مجموعات خطر العدوي) . أضف إلى ذلك أن ٥ % من غرائس الكلى تستورد أيضاً من الخارج، ولهذا نضع المقترحات التالية:
١) يجب عدم استيراد الدم من الخارج وخاصة من البلاد الموبوءة مثل الولايات المتحدة وأوروبا وذلك للأسباب المذكورة سابقاً، وهذا ينطبق أيضاً على استيراد مشتقات الدم مثل البلازما أو العامل الثامن وهو العامل المهم في تجلط الدم والذي ينقل لمرضى الهيموفيليا (الناعور) ويجب أن ينطبق أيضاً على استيراد الأعضاء (من أجل غرس الأعضاء) . وقد اتخذت المملكة العربية السعودية (ومعظم البلاد العربية والمسلمة) إجراء وقائياً بأن منعت استيراد الدم ومشتقاته قطعياً، وأصبح نقل الدم يقتصر على الدم الذي يجمع داخل المملكة في المراكز الطبية والمستشفيات، تحت شروط وقائية والتي تشمل السلامة الصحية للمتبرع، وخلوه من الأمراض المختلفة وخاصة الزهري والتهاب الكبد، إضافة لخلوه من الأضداد النوعية لفيروس الإيدز.
٢) يجب على جميع أبناء البلاد العربية والمسلمة أن يتبرعوا بدمائهم؛ لأن ذلك سيقلل الحاجة إلى استيراد الدم من الخارج.
стр. 2817
٣) يجب تشجيع وتوعية أبناء البلاد العربية والمسلمة لحمل بطاقة التبرع بالكلى، والتي تدل على الرغبة في التبرع بالكلى عند الوفاة، لا سمح الله. ويمكن الحصول على هذه البطاقة من المراكز الطبيبة ومشافي المملكة العربية السعودية، ويجب أن تشمل البطاقات بقية أعضاء الإنسان وخاصة بعد أن أجازت الشريعة الإسلامية نقل أعضاء الموتى إلى الأحياء (انظر ص٣) ففي الوقت الحاضر تقوم عدة مراكز طبية بإجراء غرس الكلى في المملكة العربية السعودية، وللأسف فإن أكثر ما يعانون منه هو قلة المتبرعين، إذ إن الكلى المأخوذة من أقارب المرضى تغطي فقط (١٠ %) من الاحتياج الحقيقي، وهذا ما يدفع إلى استيراد الكلى من الخارج، إلا أن الكلى المستوردة تشكل خطراً كبيراً لنقل مرض الإيدز، أضف إلى ذلك أنها لا تغطي سوى ٥ % من احتياجات المملكة. وبناء عليه أصبح مطلوباً من جميع أبناء البلاد أن يشجعوا على التبرع بالكلى بعد الوفاة، وأن يسارع كل شخص لحمل بطاقة التبرع والتي تدل على رغبة في التبرع بكليتيه بعد وفاته، لا سمح الله. ولا بد من الإشارة إلى أن حمل بطاقة التبرع بالكلى لن تؤثر أبداً على العلاج الذي سوف يتلقاه الإنسان عندما يصاب بمرض أو حادث ما، لا سمح الله.
٤) إذا دعت الضرورة القصوى إلى استيراد كلى من الخارج فيجب التأكد من خلوها من فيروس الإيدز أو أضداده، ويجب معرفة تاريخ حياة المتبرع، والتأكد من أنه ليس مصاباً بالإيدز وأنه لا ينتمي إلى مجموعات خطر الإيدز.
٥) إجراء فحص الأضداد النوعية لفيروس الإيدز لكل من يتبرع بدمه ولكل من يتبرع بأعضائه، فإن ثبت بالتحليل وجود الأضداد النوعية لهذا الفيروس منع هذا الشخص من التبرع.
٦) إجراء فحص الأضداد لفيروس الإيدز في الدم والبلازما ومشتقات الدم الموجودة في بنوك الدم، وإتلاف أي مادة موجودة يثبت فيها وجود أجسام مضادة لفيروس الإيدز.
стр. 2818
٧) يجب أن يمنع من التبرع بالدم أو الأعضاء من المصابين بمرض الناعورية ومدمني المخدرات والذين يخالطون مريضاً بالإيدز أو يخالطون الممارسين للشذوذ الجنسي والذين أصيبوا بمرض الزهري.
٨) ضرورة تجنيد كافة وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية لتوعية المواطنين عن موضوع غرس الأعضاء وفوائده وقضاياه الفقهية ومشاكله الأخلاقية والاجتماعية ولحثهم على التبرع وضرورة حمل بطاقات التبرع.
٩) نؤكد أن أعضاء الإنسان تختلف في وظائفها الفسيولوجية، فمثلاً: الخصية والمبيض تتدخلان في الأنساب، كما أن الدماغ يتدخل في وظائف حيوية تسيطر على شخصية الإنسان وتصرفاته وسلوكه، فإن كان الهدف من غرس الخصية هو المعالجة الهرمونية فقط دون إنتاج النطاف فالأمر يختلف عن كونه علاجاً للعقم، فلا بد من وجود ضوابط شرعية لكل عضو على حِدَة ولا بد عند وضع هذه الضوابط أن تناقش الأعضاء المختلفة على أنها حالات فردية، لكلِّ عضو خواصُّه ووظائفه المختلفة عن الآخر، ولا بد من الرجوع إلى الأخصائيين في كل عضو من الأعضاء لوضع دراسة متكاملة عن غرس هذا العضو من جميع النواحي التي تهم الفقيهَ.
١٠) إن ما نشرته جريدة المسلمون في عددها ١٤٦ عن تحضير مستحضرات التجميل من الأجنة يثير قضية أخلاقية ذات خطورة لنقل مرض الإيدز كما ذكرنا، فيجب التأكد من الموضوع ومن ثم اتخاذ الإجراءات الفقهية والإعلامية الضرورية حول الموضوع.
стр. 2819
المراجع العلمية
- England M.A.A colour Atlas of life before birth (Wolf) ١٩٨٣.
- England M.A.A colour Atlas of life before birth (Wolf) ١٩٨٣.
- Gibert P/ Your Pregnancy Diary (Macdoland) ١٩٨٤.
٣) محمد علي البار، خلق الإنسان بين الطب والقرآن.
(الدار السعودية للنشر والتوزيع) .
٤) محمد على البار ـ طفل الأنبوب والتلقيح الصناعي.
(الدار السعودية للنشر والتوزيع) .
٥) محمد أيمن صافي ـ " غرس الأعضاء في جسم الإنسان ".
(دار المطبوعات الحديثة) ١٩٨٧ ـ وكل المراجع الموجودة فيه.
٦) كمال حنش ـ الجنس والعقم: أوهام وحقائق طبية (دار النشر العالمية) ١٩٨٦.
الصحف:
١) جريدة المسلمون، العدد (١٤٢) الجمعة ١ ربيع الأول ١٤٠٨ (٢٣ أكتوبر ١٩٨٧)
٢) جريدة المسلمون العدد ١٣٨ الجمعة ٩ صفر ١٤٠٨ (٢٦ أكتوبر ١٩٨٧) .
٣)
стр. 2820
التشريح الجثماني والنقل والتعويض الإنساني
إعداد
فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن الطبيب يعايش في الوقت الحاضر، أنواعاً من الممارسات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان في مفردات متعددة من العمليات تجمعها أوعية ثلاثة:
١- العمليات المجردة.
٢- التشريح.
٣- النقل والتعويض الإنساني.
والعمليات المجردة كالزائدة الدودية، والفتق ... حكمها الجواز شرعاً بالإجماع، طرداً لقاعدة الشرع في أصل مشروعية الجواز والذي قد يصل إلى (الوجوب) إذا توقفت عليه الحياة.
والبحث إنما يكون في متعلقاتها من: التخدير، والعلاج بها على البرء.. والنظر الشرعي هنا يتجاذب معهم الحوار في:
١- حرفة التشريح.
٢- وصور النقل والتعويض الإنساني، في دم، أو عضو، أو أنسجة، أو شرايين ... قد عقدت لهذا، أو لبعض مفرداته مؤتمرات وأعدت له ندوات، وكتبت فيه أبحاث ومؤلفات، وصدرت فتاوى، بين الإباحة والحظر، في إطار التفصيل والضوابط والشروط.
فصار لا بد من تحرير النظر لتلتقي الحقيقة الشرعية مع الحقيقة الطبية، إذ الحكم فرع التصور، عسى أن ينتج من هذا القول الصحيح، المبني على الدليل الصريح، والنظر الرجيح.
стр. 2821
ويجري البحث في هذين على سبيل تخريج النوازل على قواعدها، وإرجاع الفروع إلى أصولها. وإناطة الأحكام بعللها ومداركها.
لنعلم بعد حين: أن البحث في حكم التشريح للتعلم والتعليم يستلزم البحث في حصر صور التشريح.
وأن البحث في حكم القرنية، والترقيع، فرع البحث في أحكام النقل والتعويض الإنساني.
وإن هذين الوعائين، بفروعهما المتكاثرة، والتي زادت في إنجاز الطب عن عشرة فروع، تلتقي في البحث والاستدلال، وتجاذب الخلاف واختلاف الأنظار؛ لأنها تنزع من قوس واحدة.
" التصرف الفاعل في بدن الإنسان إدخالاً وإخراجاً" فهي مشتبكة، اشتباك الروح بالهيكل، وكما أن محلها بدن الإنسان، فهي تلتقي في المآخذ الشرعية من حيث الأصول والقواعد الكلية من حيث:
بدن الإنسان في: طهارته، ورعاية حرمته وكرامته، وهل هو مالك لبدنه أم أمين ووصي عليه، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، في إطار مقصد الشرع في " حفظ النفس".
والمهم في بيان أحكام هذه النوازل المستجدة تحرير النتيجة الحكمية للقواعد التي تخرج عليها، وسلامة التخريج وتثبيت مدرك الحكم والتعليل، فإنه متى صحت مع الباحث هذه المطالب سهل عليه بإذن الله تعالى ترتيب الحكم بأمان واطمئنان، وهذه رؤوس المقيدات فيها مع أبحاث تمهيدية لها:
المبحث الأول: المؤلفات فيها.
المبحث الثاني: حكم التداوي في أصل الشرع.
المبحث الثالث: التاريخ القديم لها.
المبحث الرابع: حصر التصرفات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان.
المبحث الخامس: القواعد والأصول الشرعية التي تخرج عليها هذه النوازل الطبية جوازاً أو تحريماً.
المبحث السادس: التخريج لهذه القضايا عليها:
١- العمليات المجردة.
٢- التشريح.
٣- النقل والتعويض الإنساني.
المبحث السابع: الشروط العامة للنقل والتعويض.
المبحث الثامن: حكم المعاوضات المالية على الدم والأعضاء.
وهذا أوانها، والله الموفق والمعين.
стр. 2822
المبحث الأول
وفيه بيان ما كتب في هذه النوازل من:
١- المؤلفات والرسائل.
٢- أبحاث وأجوبة في مؤلفات.
٣- بحوث مجمعية. مؤتمرات. ندوات.
٤- أبحاث ومقالات في: الدوريات.
٥- الفتاوى.
وهذا تقييدها:
أولاً: المؤلفات والرسائل:
١- الأحكام الشرعية للأعمال الطبية.
تأليف: أحمد شرف الدين ص/ ٢٣ ـ ١٦٠ ـ طبع عام ١٤٠٧ هـ بمصر.
٢- نطاق الحماية الجنائية لعمليات زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.
رسالة " دكتوراه" قدمت لكلية الشريعة بالجامعة الأزهرية فرع أسيوط. تقع في (٨٥٠) صفحة.
٣- نقل الدم وأحكامه الشرعية.
تأليف: محمد صافي. نشر: مؤسسة الزعبي. حمص عام ١٣٩٢ هـ.
٤ - شفاء التباريح والأدواء في حكم التشريع ونقل الأعضاء.
للشيخ إبراهيم يعقوبي رحمه الله تعالى. طبع بدمشق عام ١٤٠٧ هـ. نشر مكتبة الغزالي. وهو مهم في بابه لما حواه من النقول المتناثرة.
٥- تعريف أهل الإسلام بأن نقل العضو حرام.
لأبي الفضل عبد الله بن الصديق الغماري.
رسالة في (٢٨) صفحة طبعت عام ١٤٠٧ هـ في دار مصر للطباعة.
стр. 2823
٦- تشريح جسم الإنسان لأغراض التعليم الطبي.
بحث: قنديل شاكر شبير.
نشر عام ١٩٧٨ م في ليبيا.
ثانياً: أبحاث وأجوبة في مؤلفات:
٧- الفتاوى السعدية. للشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى. بحث فيه جواباً عن سؤال ١/٣٢٠ ـ ٣٢٥. طبع عام ١٣٨٨هـ.
٨- مجموعة بحوث فقهية
تأليف: عبد الكريم زيدان. ص/١٦٣ ـ ١٦٤.
٩- ردود على أباطيل.
للشيخ: محمد الحامد رحمه الله تعالى. ص/١٢٥ ـ ١٢٦.
١٠- بحث في تفسير " معارف القرآن" أردو. لمفتي باكستان: محمد شفيع م. سنة ١٣٩٦ هـ رحمه الله تعالى. ترجم جملة منه: محمد برهان الدين السنبهلي في: مجلة البعث الإسلامي عدد/١ المجلد/٣٢ لعام ١٤٠٧ هـ ص/٦٧ ـ ٦٨.
١١- من حقيبة المفتي.
تأليف: أحمد العسكري. ص/١٦٨، ٢١٢، ٢٣٩.
ثالثاً: بحوث مجمعية. مؤتمرات. ندوات:
١٢ ـ ١٤ ثلاثة بحوث في: نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في إنسان آخر.
إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة: سماحة الشيخ/ عبد العزيز ابن باز. عام ١٣٩٦ هـ، ١٣٩٧ هـ.
١٥- قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم/ ٦٦ في عام ١٣٩٨ هـ.
بشأن: نقل القرنية من عين إنسان إلى آخر.
١٦- قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم/٩٩ لعام ١٤٠٢ هـ.
بشأن: نقل عضو من إنسان حي أو ميت إلى آخر.
стр. 2824
١٧- بحث: زراعة الأعضاء الإنسانية في جسم الإنسان.
إعداد: الشيخ عبد الله عبد الرحمن البسام.
نشر في: مجلة المجمع الفقهي بمكة العدد/١ عام ١٤٠٨ هـ السنة الأولى. من ص/١٣ ـ إلى ص/٢٢.
١٨- حكم العلاج بنقل دم الإنسان أو نقل أعضاء أو أجزاء منها.
إعداد: أحمد فهمي أبو سنة.
نشر في: مجلة المجمع الفقهي بمكة المكرمة ص/٢٣ ـ ٢٦. العدد/١ السنة/١ عام ١٤٠٨ هـ.
بحث مقدم: للمجمع الفقهي بمكة. ونشر أيضاً في مجلة: التضامن الإسلامي.
١٩- زراعة الأعضاء الإنسانية في جسم الإنسان.
إعداد: محمد رشيد رضا قباني.
نشر في: مجلة المجمع الفقهي بمكة ص/٢٧ ـ ٣٤. العدد/ ١ السنة/١ لعام ١٤٠٨ هـ.
٢٠- قرار المجمع الفقهي بمكة حرسها الله تعالى.
في دورته الثامنة لعام ١٤٠٥ هـ.
بشأن: زراعة الأعضاء.
٢١- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً.
الطبيب: محمد علي البار.
بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة. الدورة الرابعة عام ١٤٠٨ هـ.
٢٢- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً.
إعداد: الشيخ خليل محي الدين الميس. لبنان.
بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة عام ١٤٠٨ هـ.
٢٣ - انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً.
للشيخ/ محمد بن عبد الرحمن.
بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة. الدورة الرابعة عام ١٤٠٨ هـ.
стр. 2825
٢٤- انتفاع الإنسان بأعضاء إنسان آخر حياً أو ميتاً.
إعداد: محمد سعيد رمضان البوطي.
بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة عام ١٤٠٨ هـ.
٢٥- بحوث بشأن نقل الأعضاء.
من محفوظات: قسم الطب الإسلامي في مركز الملك فهد للبحوث الطبية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.
٢٦- المؤتمر الإسلامي الدولي.
انعقد في: ماليزيا في شهر أبريل عام ١٩٦٩ م.
وبحث فيه: نقل قرنية العين، والأعضاء.
بواسطة: بحث رئاسة الإفتاء بالرياض. البحث الثالث لعام ١٣٩٧ هـ ص/ ٢٢.
٢٧- ندوة نقل الكلى.
عقدها: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة عام ١٩٧٨م.
٢٨- ندوة المركز الطبي لنقل الكلى في الرياض. محرم عام ١٤٠٨ هـ.
رابعاً: أبحاث ومقالات في: الدوريات:
٢٩- تشريح الميت.
فتوى: للشيخ يوسف الدجوي.
نشرت في: مجلة الأزهر عام ١٣٥٥ هـ. العدد/ ٧و ٨، المجلد/٩.
وفي: مجلة نور الإسلام. المجلد السابع.
وخلاصتها في: شفاء التباريح والأدواء.
٣٠- حرمة التشريح.
للشيخ: محمد عبد الوهاب بحيري.
نشر في: مجلة نور الإسلام.
وهو رد على مقال: الشيخ الدجوي.
стр. 2826
٣١- ورَدَّ عليه ـ أي على الدجوي ـ أيضاً:
الشيخ العربي بو عياد الطنجي.
وخلاصته في: شفاء التباريح والأدواء.
٣٢- استخدام أعضاء الإنسان في جسم غيره من الإنسان، والأخطار الناشئة عنه.
بحث: للشيخ أبي الأعلى المودودي.
نشر في: مجلة البعث الإسلامي ص/٥٣ ـ ٥٥. العدد/٢ المجلد ٣٢ لعام ١٤٠٧ هـ.
٣٣- نقل الكلى وموقف الإسلام منها.
إعداد: عبد الرحمن النجار.
نشر في: المجلة الجنائية القومية بالقاهرة عام ١٩٧٨ م. العدد/ ١
٣٤- حكم الشريعة الإسلامية في التداوي بالأشياء النجسة ودم الإنسان. بحث: للشيخ محمد برهان الدين السنبهلي.
نشر في: مجلة البعث الإسلامي ص/٦٢ ـ ٧٣، العدد/١ المجلد/ ٣٢، رمضان لعام ١٤٠٧ هـ.
٣٥- حكم الشريعة الإسلامية في زرع الأعضاء الإنسانية.
بحث: الشيخ محمد برهان الدين السنبهلي.
نشر في: مجلة البعث الإسلامي ص/ ٤٤ ـ ٥٥. العدد/ ٢ المجلد/ ٣٢، عام ١٤٠٧ هـ.
٣٦- التصرف في أعضاء الإنسان.
إعداد: فوزي فيض الله.
نشر في: مجلة الوعي الإسلامي. العدد/ ٢٧٦. لشهر ذي الحجة عام ١٤٠٧ هـ.
٣٧- الإنسان لا يملك جسده، فكيف يتبرع بأجزائه أو يبيعها.
بحث: للشيخ محمد متولي الشعراوي.
نشر في مجلة: اللواء الإسلامي. العدد/٢٢٦. لشهر جمادى الآخرة عام ١٤٠٧ هـ.
стр. 2827
خامساً: الفتاوى. وتقدم بعضها، ومنها:
٣٨- فتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي.
وخلاصتها في: شفاء التباريح والأدواء.
٣٩- فتوى مفتي مصر: الشيخ محمد حسنين مخلوف.
في: فتاويه ١/ ٣٦٠.
٤٠- فتوى الشيخ حسن مأمون. في جواز نقل الدم.
مفتي مصر سابقاً.
رقم الفتوى/ ١٠٦٥
٤١- فتوى الشيخ حسن مأمون. مصر
رقم/ ١٠٨٧ عام ١٣٧٨ هـ.
بشأن: نقل عين ميت إلى حي بشرطه.
٤٢- فتوى الشيخ محمد خاطر. مصر.
عام ١٣٩٢ هـ.
بشأن علاج حروق الأحياء من جلد الميت بشرطه
٤٣- فتوى الشيخ أحمد هريدي. مصر.
برقم/ ٩٩٢ عام ١٩٦٦ م.
بشأن: سلخ القرنية من الميت للحي بشرطه
٤٤- فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق. مصر.
برقم ١٣٢٣ عام ١٤٠٠ هـ.
بشأن: نقل العضو من إنسان إلى آخر. بشرطه.
٤٥- فتوى مفتي سوريا: الشيخ محمد أبو اليسر عابدين. وخلاصتها في: شفاء التباريح والأدواء.
٤٦- فتوى لجنة الإفتاء في المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر عام ١٣٩٢ هـ.
موجودة بنصها في (البحث الثالث) من أبحاث اللجنة الدائمة في رئاسة الإفتاء بالرياض. ص/١٧ ـ ٢١
٤٧- فتوى من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.
رقم/ ١٣٢/ ٧٩ عام ١٤٠٠ هـ.
بشأن نقل الأعضاء من حي أو ميت.
стр. 2828
المبحث الثاني
في حكم التداوي
قال العز بن عبد السلام (١) :
"الطب كالشرع، وضع لجلب مصالح السلامة والعافية ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام".
وقد علم من الشرع بالضرورة مشروعية التداوي، وأن حكمه في الأصل الجواز، توفيراً لمقاصد الشرع في حفظ النوع الإنساني، المعروف في ضرورياته باسم " حفظ النفس".
وقد حكي الإجماع على أن حكمه الجواز، لكن قيل: بل إن أحكام التكليف تنسحب عليه، فمنه ما هو واجب، وهو ما يعلم حصول بقاء النفس به لا بغيره.. (٢) .
فهو يختلف حكماً باختلاف الغاية منه. ومنها (٣)
١- حفظ الصحة الموجودة.
٢- حفظ الصحة المفقودة بقدر الإمكان.
٣- إزالة العلة أو تقليلها بقدر الإمكان.
٤- تحمل أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
٥- تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمها.
стр. 2829
المبحث الثالث
التاريخ القديم لعمليات النقل والتعويض
لقاء تزاحم التطورات الطبية في العصر الحديث. وغرابتها في الإبداع. وبعد الإنسان خاصة المسلم عن قراءة التاريخ ومآثر الأسلاف ـ ظن أن هذه من مولدات العصر، وأنها منقطعة الاتصال بالقرون الخوالي، والحال ليس كذلك، بل إن تاريخها يرجع إلى ما قبل الإسلام، لدى: اليونان، والرومان، وسكان الأمريكتين، والهند.. (١) .
لكن كانت بحكم ما يملكونه من وسائل وإمكانات في تلك العصور.
وعليه فالذي حصل إنما هو تطور في التشريح، والترقيع، وامتداده من الإنسان إلى الإنسان.
والذي يهمنا هنا هو ذكر الوقائع التي حصل الوقوف عليها في سالف عصور الإسلام منها ما يلي.
стр. 2830
المبحث الرابع
حصر التصرفات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان
من أعظم المطالب حصر المتفرق في ضوابط جامعة، وعبارات مترابطة تكون كالمتن، وما يلحقها كالشرح لها، فإن ذلك أدعى للفهم وجمع الذهن عليه.
اعلم أن التصرفات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان، تنقسم بحكم التتبع والاستقراء إلى أقسام ثلاثة:
١- عمليات مجردة كعملية الفتق، و" الزائدة الدودية " ونحوهما. وهذا لا يعلم في جوازه خلاف طرداً لأصل مشروعية التداوي، وستعلم بعد مدى انسحاب أحكام التكاليف الخمسة على التداوي.
٢- عمليات " النقل والتعويض الإنساني " بين شخصين، أو في الشخص ذاته في نقولاتها الأربعة: نقل الدم، النقل الذاتي، النقل من حي إلى حي، النقل من ميت إلى حي. كزراعة الأعضاء.
٣- حرفة التشريح في واحد من أغراضه الثلاثة، لكشف الجريمة، أو لكشف المرض، أو للتعلم والتعليم.
وهذان القسمان هما محل التجاذب، والنزاع بين أهل العلم في مفرداتهما بالجملة، فمنها ما هو محل نزاع قوي كنقل عضو من حي إلى حي، ومنها ما هو محل خلاف ضعيف كنقل دم من حي إلى حي، ومنها ما هو متفق على تحريمه كنقل مضر بالحي إلى حي، ومنها ما ليس محل خلاف على جوازه كترقيع شقة من بدن الحي ذاته، وتحرير النظر فيها نراه بعد تحرير التصور الطبي الواقعي لها وهذا أوانها.
стр. 2831
المبحث الخامس
القواعد والأصول الشرعية التي تخرج عليها هذه النوازل الطبية
يمكن إجمال القول في تصنيف مهماتها على ما يلي:
١- طهارة الآدمي:
القاعدة الفقهية أن " ما أبين من حي فهو كميتته " للحديث في ذلك. ويأتي. أي: كميتته طهارة ونجاسة، فما أبين من بهيمة الأنعام وهي حية فله حكم الميتة منها حتف أنفها " النجاسة " فهو نجس.
وما أبين من السمك والجراد وهو حي فله حكم ميتته منها " الطهارة " أي فهو طاهر.
قالوا: والكافر نجس، فما أبين منه حياً أو ميتاً فهو نجس، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ التوبة: ٢٨ وللأمر باغتساله إذا أسلم.
والآدمي المسلم ميتته نجسة، فما أبين منه وهو حي فله حكم ميتته " النجاسة " فهو نجس، وبدليل تغسيله بعد موته.
وعليه: فإن ترقيع المسلم بما هو نجس فيه إخلال بواجبات الشريعة كصحة الصلاة، لكن هذا التعقيد يرد عليه أمور:
أولاً: أن تعلم أن أصل قول الفقهاء رحمهم الله تعالى (ما أبين من حي فهو كميتته) يذكرونه في بابي الطهارة، والصيد، ويريدون ما أبين من حيوان مأكول.
وأصل هذا قد ورد مقيداً (بالبهيمة) في حديث أبي واقد الليثي ﵁، وحديث ابن عمر ﵁، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁، وحديث تميم الداري ﵁.
وهذا الحديث له قصة وهي كما في رواية أبي واقد ﵁ قال: ((كان الناس في الجاهلية قبل الإسلام، يجبون أسنمة الأبل ويقطعون أليات الغنم، فيأكلونها، يحملون منها الودك، فلما قدم النبي سألوه عن ذلك فقال:
" ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ")) رواه أحمد وابن الجعد، وأبو يعلى وأبو داود، والترمذي، والدارمي، والدارقطني، والطبراني، وابن عدي، والحاكم، والبيهقي.
ترجم عليه أبو داود في الصيد بقوله: باب في صيد قطع منه قطعة.
وترجم عليه الترمذي في الصيد بقوله: باب ما جاء ما قطع من الحي فهو ميت.
وترجمه البيهقي ترجمتين في الطهارة بقوله: باب المنع من الانتفاع بشعر الميتة. وفي الصيد بقوله: ما قطع من الحي فهو ميتة.
стр. 2832
وأما حديث ابن عمر فهو بلفظ: ((ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت)) ، فرواه ابن ماجه، والبزار، والدارقطني.
وحديث أبي سعيد: ((ما قطع من حي فهو ميت)) ، رواه الحاكم.
ورواه أبو نعيم في الحلية وابن عدي في الكامل: كل شيء قطع من الحي فهو ميت.
وحديث تميم الداري ﵁ بلفظ: ((ما أخذ من البهيمة وهي حية فهو ميت)) ، رواه الطبراني، وابن عدي.
ورواه ابن ماجه بسنده عنه بلفظ: ((يكون في آخر الزمان قوم يجبون أسنام الإبل ويقطعون أليات الغنم، ألا فما قطع من حي فهو ميت.))
وهذا اللفظ فيه: الهذلي وهو متروك.
هذا الحديث مقيد بسببه ولفظه بالبهيمة، فلا يتجاوزها إلى غيرها والله أعلم.
وقد قال المناوي في شرحه له ٦/٤٦١: فإن كان طاهراً فطاهر، أو نجساً فنجس، فيد الآدمي طاهرة، وألية الخروف نجسة، ما خرج عن ذلك إلا نمو شعر المأكول وصوفه وريشه ووبره ومسك فارته فإنه طاهر لعموم الاحتياج" اهـ.
ثانياً: وأما آية التوبة/ ٢٨ ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فقد علم أن النجاسة أنواع: نجاسة خبث وحدث، ونجاسة عينية وحكمية.
والمراد بنجاسة المشركين في هذه الآية هي النجاسة الحكمية، وعلى هذا المحققون من المفسرين، بدليل أن سؤر اليهودي والنصراني طاهر، وآنيتهم التي يصنعون فيها المائعات ويغمسون فيها أيديهم طاهرة، وقد أباح الله للمسلمين التزوج بالكتابيات ولم يوجب عليهم غسل الأيدي عند ملامستهم أو غسل ما لامسوه وهكذا ـ ٢١/ ٦٧ الفتاوى، وأما غسل الكافر بعد موته، فليس لنجاسته ولكن لما عسى أن يكون عليه من جنابة، وإعلاناً لغسل الكفر وحبه للإسلام.
وأما تغسيل المسلم بعد وفاته فهو أمر تعبدي، لم يعلله أحد بالنجاسة، إذ لو كان نجساً ويطهر بالغسل لما صلى النبي ﷺ على قتلى أحد وغيرهم من الشهداء بلا اغتسال، فغسل المسلم الميت، لأنه قادم على ربه فيكون في طهارة من الحدث متيقنة. والله أعلم.
وبناء على ما تقدم، فلم يظهر دليل يفيد نجاسة بدن الآدمي مسلماً كان أو كافراً، فالكافر طاهر طهارة نسبية، والمسلم طاهر البدن طهارة كاملة، ولهذا ثبت في الصحيحين ص/٢٢ المجمع.
стр. 2833
٢- بدن الإنسان (١) :
يتردد البحث في بدن الإنسان، قولاً، وتخريجاً على بعض القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية الكلية ـ بعبارات كلها بمعنى.
فيقال: بدن الإنسان مملوك له أو لا؟
ويقال: بدن الإنسان مملوك له أم هو أمين ووصي عليه؟
ويقال: بدن الإنسان حق لله، أو حق للعبد، أو حق مشترك، وأي الحقين أغلب؟ ثم إذا قيل بملكية الآدمي لبدنه، وأحقيته له، فهل هي مثل تملكه للمال والمتاع، تدخل عليه مطلق التصرفات من بيع، وهبة، وتبرع، وإسقاط، ونحو ذلك مما يدور في محيط المصلحة، وتحقيقها كالشأن في التصرف في الأموال لا يكون إلا بدائرة المصالح، فلو كان مبذراً سفيهاً، حجر عليه، ومنع من التصرف في ماله، وأقيم عليه وصي لإدارة شؤونه على ضوء المصلحة.
وإذا قيل بأنه حق لله تعالى، فهل حق الله : هو الاستعباد، وحق العبد: الاستعمال والاستمتاع، والانتفاع؟ فكما أن له في حال الجناية عليه: حق الإسقاط وأخذ العوض، والمجازاة في العمد عليه، فله حق التصرف ابتداء في عضو ونحوه تبرعاً، كما أن له بنص الشرع: الخوض في معارك الجهاد الشرعي، وإلقاء نفسه حال المسابقة والمبارزة ومقاتلة المشرك لينال سلبه.
كل هذا محل تجاذب ونظر، ولم ينفصل عنه راقموه بكبير شأن، وإن كان أظهرها اجتماع الحقين: حق الله، وحق عبده، وتغلب أي منهما يختلف باختلاف الأحوال والتصرفات، ومعلوم أن ما اجتمع فيه الحقان، فإن إسقاط العبد لحقه مشروط بعدم إسقاط حق الله تعالى، وحق الله تعالى هو الغاية من خلق الآدميين ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذرايات: ٥٦ فليس له حق التصرف في بدنه بما يضر في الغاية من خلقه ولا بما يخدشها، والله أعلم.
стр. 2834
٣- قاعدة الشريعة في حفظ " الضروريات الخمس " والمعروفة أيضاً: مقاصد الإسلام الخمسة وهي:
حفظ الدين.
فحفظ النفس.
فحفظ العقل.
فحفظ النسل " والعرض ".
فحفظ المال.
ومسائلها في الشرع معلومة. والقصد هنا ما يتعلق بثانيها رتبة " حفظ النفس " وعليه: فاعلم أن " حفظ النفس " بما أنه من مقاصد الشرع الكلية ومقاصده الضرورية، فقد أحاطته الشريعة بكل ما يمنع النيل من هذه الصيانة، والحفظ في إطارات كلية وجزئية منها ما يلي:
أ - أن حرمة دم المسلم أو أي عضو منه، وعصمته ذلك مما علم من الدين بالضرورة، والنصوص بهذا متظاهرة فلا يجوز الاعتداء عليه بقتل، أو خدش فأكثر، ولا قتل نفسه ولا العبث ببدنه، والتصرف فيه بما يضره، ولا ينفعه كالخصاء، والوسم، والوشم، ونحوه، سوى ما كان لموجب شرعي من حد أو قود في نفس أو طرف، أو بتر عضو مريض لمرضه حتى لا يسري إلى بدنه.
ب - أن الشرع رتب التدابير الجزائية الرادعة عن الاعتداء عليه من قصاص، ودية وكفارة، وإثم.
ج- أنه لا يباح شيء من بدنه بالإباحة، فكما حرم على الإنسان: قتل نفسه، أو قطع عضو منه، فيحرم عليه إباحة شيء من ذلك للغير.
قال القرافي في " الفروق ": " وحرم الله القتل والجرح، صوناً لمهجته، وأعضائه، ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه".
ونحوه في الموافقات للشاطبي، في " كشف القناع"
стр. 2835
د- وإلى أبعد من هذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب القصاص على من جرح ميتاً أو كسر عظمه، لعموم آيات القصاص.
وممن قال بذلك ابن حزم رحمه الله تعالى (١) .
هـ - حماية الشرع له قبل ولادته، فأوجبت الدية في الجناية على الجنين، مع الإثم (٢) .
و تحريم الإجهاض، فلو أجهضت أمه لوجبت عقوبتها بديته لورثته (٣) .
ز- النهي عن تمني الموت لضر نزل به، والأحاديث في هذا الصحاح من حديث أنس، وأبي هريرة وغيرهما كحديث خباب ﵁ " لا تتمنوا الموت " رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما.
ح- حث المسلم على انقاذ الأنفس من الهلكة، وإن ذلك من أعظم القربات، وأجل الطاعات، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . المائدة: ٣٢
ومن أسباب الهلاك " المرض "، فبذل السبب من المسلم لأخيه في إنقاذه من مرضه، إنقاذ له من الهلاك بأي سبب من علاج، أو تغذيته بدم مضطر إليه ...
ط- تحريم التمثيل به تشفياً وانتقاماً، وإهانة وإيذاء، وإهداراً لحرمته وكرامته، وتغييراً لخلق الله، كالتمثيل في الحروب والمعارك وكتغيير خلق الله مثل: خصاء الآدمي، والوسم، والوشم، والتنمص، والتفلج، ووصل شعر الرأس من آدمي بآخر....
والنصوص في هذه متظاهرة من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ . [النساء: ١١٩] .
стр. 2836
فهذه الآية: تشمل ما ذكر، وتشمل نقل عضو من عين ونحوها، حتى ولو كان لا يضر المنقول منه مطلقاً مثل نقل شعر من آدمي لوصله في رأس آخر.
وقد كان نزول هذه الآية في " فقء عين الأنعام، وشق آذانها" والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ويشهد لهذا العموم، حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى)) مالي لا ألعن ما لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله تعالى".
وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنة عروساً أصابتها حصبة، فتمزق شعرها أفأصله؟ فقال ((لعن الله الواصلة، والمستوصلة))
فهذا دل على أمرين:
١- أن العلاج بنقل عضو لا يجوز للوعيد المذكور، فهو مثلة.
٢- أن من أصيب بداء من ذلك لا يجوز التعالج بتعويضه من بدن إنسان آخر. وهذا تغيير لخلق الله.
ولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في وجه الدلالة من هذه الأحاديث (١) : " إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المحرم والزوج، وغيرهما بلا خلاف، لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه، لكرامته، بل يدفن (٢) شعره، وظفره، وسائر أجزائه". اهـ.
وفي تفسير هذه الآية تكلم القرطبي على حرمة خصاء الآدمي ونقل عن ابن عبد البر قوله: " لا يختلف فقهاء الحجازيين، وفقهاء الكوفة، أن خصاء بني آدم لا يحل، ولا يجوز لأنه مثلة، وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود". اهـ.
стр. 2837
وقال النووي رحمه الله تعالى أيضا: " ولا يجوز أن يقطع ـ أي الآدمي ـ لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف ". اهـ.
لكن هذا الوجه من الاستدلال في حرمة التمثيل على حرمة النقل والتعويض والتشريح فيه نظر لما يلي: وهو أن الأمور بمقاصدها، فالتمثيل المحرم هو المبني على التشفي والحقد والانتقام والإيذاء، لهذا جاز القصاص في النفس وما دونها " العين بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم " ولم يعد مثلة محرمة فتلحق بالتمثيل المحرم، بل هذا عين العدل، لأنه مبني على العقوبة بالمثل.
وهكذا يمكن أن يقال في التشريح لجثة الميت لكشف الجريمة مثلاً لمصلحته، ومصلحة وارثه، ومصلحة أمن الجماعة.
وهكذا في النقل والتعويض الإنساني، فهذا والله أعلم يعد من باب الإحسان والإيثار.
فالصورة في قلع العين كما ترى واحدة، والنتيجة الحكمية مختلفة، فقلع العين كفصل القرنيتين مثلة محرمة وقلع القرنية من العين لمصلحة حي لا يحتسب مثلة بل يحتسب إحساناً، وقلع العين قصاصاً يعتبر عدلاً، والله أعلم.
ي- رعاية حرمة المسلم ميتاً كرعاية حرمته حياً.
وقد جاءت النصوص بتحريم كسر عظم الميت والنهي عن إيذائه، والنهي عن وطء قبره..
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) رواه أبو داود وابن ماجة، والدارقطني ولفظه: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم)) .
ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: ((أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته)) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)) . رواه مسلم والأربعة.
стр. 2838
وجه الاستدلال:
إذا كانت حرمة المسلم ميتاً مساوية لحرمته حياً، فكيف تكون الجرأة بهتك حرمته، من تمزيق بدنه بتشريحه، وانتزاع عضو بل أعضاء منه. قال الحافظ ابن حجر: (ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد الموت باقية كما كانت في حياته) . اهـ.
ك- الحجر والمنع لمتطبب الجاهل رعاية للنوع البشري من العبث وتضمينه (١) ، ((من للمتطيب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم.
٤- الموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار: ثم هذه القاعدة العظيمة التي تعني الحفظ العام والرعاية الشاملة لهذه المقاصد الخمسة بجزئياتها، تدور مفرادتها في قاعدة الشريعة الأخرى وهي: " الموازنة ... إلخ.
فإن تغالبتا فالحكم للغالبة منهما، وإن تساوتا قدم الحظر درءا للمفسدة.
٥- اعتبار المصالح:
ثم إن " المصلحة في الشرع " وهي مفسرة بما يعني: جلب المنفعة، ورفع المضرة تحقيقاً لأي من المقاصد الخمسة المذكورة ـ هي بالاعتبار لا تخلو من واحدة من ثلاث:
١- مصلحة شهد الشرع باعتبارها كالحدود.
٢- مصلحة لم يشهد الشرع لها بالاعتبار، بل هي منحطة عن مصالحه المعتبرة، وهي ما شهد النص بإلغائها، كقول من قال من العلماء: يوجب كفارة الصيام دون الإعتاق على من جامع من الملوك في نهار رمضان، وهو صائم.
٣- وثالثة لم يشهد لها الشرع نصاً بأي من هذين الاعتبارين، وهذه تسمى " المصلحة المرسلة " وسميت مرسلة لعدم النص وروداً بها.
стр. 2839
٦- مراتب المصالح:
ثم هذه المصالح المرسلة تدور بين رتب ثلاث:
١- مرتبة الضرورة.
٢- مرتبة الحاجة.
٣- مرتبة التحسين.
فما يتطلبه بدن الآدمي الحي من بدن إنسان لا يخلو أن يكون أمراً تحسينياً تجميلياً فهل تنتهك حرمة بدن الميت مثلاً لغرض تحسيني؟. ومثله في غير الآدمي: يسير الذهب في الإناء كالضبة.
وإما أن يكون حاجياًَ بمعنى أن يكون مكملاً لعمل كفائي في بدن الإنسان، دون منزلة الضرورة، فهل تنتهك حرمة محرمة الانتهاك لغرض حاجي؟ ومثل الحاجة في غير الآدمي: يسير الفضة التابع كما في حديث أنس ﵁: " إن قدح رسول الله ﷺ لما انكسر شعب بالفضة " وإما أن يكون ضرورياً بمعنى توقف حياته عليه. فهذا انتهاك حرمة بدن ميت بجانب العمل على حياة لآدمي معصوم فما الحكم؟
стр. 2840
٧- قواعد دفع الضرر ورفع المشقة:
١) الضرر يزال ٢) والضرورات تبيح المحظورات.
٣) ويرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما.
٤) ويتحمل الضرر الخاص لدفع العام.
٥) والضرورة تقدر بقدرها، ٦) والمشقة تجلب التيسير. ٧) والأمر إذا ضاق اتسع.
ثم الضرورات إذا حصلت، فإن الضرر يزال، والضرورة تبيح المحظور، والمشقة تجلب التيسير.
وتأسيساً على هذه القواعد المترابطة الآخذ بعضها بحجز بعض، جالت أنظار العلماء المتقدمين في عدد من الفروع الفقهية في غذاء الآدمي عند الاضطرار أو دوائه وأشياء أخرى كلها واردة على مقصد الشرع في ضرورة " حفظ النفس " بين الجواز والمنع، والقبول والكراهة، أسوق رؤوساً لمسائل فيها دون التعرض لذكر الخلاف فضلاً عن تحرير، لأن هذا مما يطول، ولا يعنينا هنا تحرير الحكم البات في كل مسألة بعينها، أكثر مما يعنينا ذكرها وإن أنظار العلماء جالت فيها، وإن كان الأكثر على جواز أكثرها وكل كتاب من كتب المذاهب المعتبرة إلا ويذكرها أو بعضها لعموم البلوى، وقد ذكر أكثرها:
العز بن عبد السلام في " قواعد الأحكام ١/٨٦ ـ ٩٨" في مبحث: " ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه".